عن عائشة ﵂ أن أَم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأَتها بأَرض الحبشة وما فيها من الصور فقال رسول الله ﷺ ((أُولئك إذا ماتَ فيهمُ الرَّجلُ الصَّالحُ أَوْ الْعبدُ الصَّالحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تلكَ الصُّور أُولئكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِندَ اللهِ)) . ولهما عن عائشة ﵂ أَيضًا قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتنم بها كشفها فقال وهو كذلك: ((لَعْنَةُ اللهِ على الْيَهُودِ والنَّصارى اتَّخذُوا قُبورَ أَنبيائهمْ مَسَاجِدَ)) يحذر ما صنعوا ولولا ذلك ابرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا. وعن ابن عباس ﵄ قال ((لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ زَائراتِ الْقبور والْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ والسُّرُجَ)) رواه أَهل السنن، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الكثيرة عن رسول الله ﷺ التي تؤخذ منها العبرة العظيمة في مبالغته ﷺ في النهي والتحذير من الوقوع في الغلو الذي وقعت فيه الأمم السابقة كما قال ﷺ : ((لا تُطْرُوني كَمَا أَطرَتِ النَّصارى ابنَ مَرْيَم إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ ورَسُولُه)) وكما قال أيضًا: ((إِيَّاكُمْ والْغُلُوَّ فإنَّمَا أَهلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ)) ..
وهذه المبالغة منه ﷺ في التحذير والتنفير من الغلو والاطراء حماية منه لجناب التوحيد وسدًا لكل ذريعة أَو وسيلة توصل إلى الشرك بالله، وصدق الله اذ يقول: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) .
стр. 142
يا جلالة الملك ان تغشية قبور الأَنبياء والصالحين وتعليق الستور على حيطانها بدعة شنيعة منكرة باتفاق الأَئمة، ولم تكن موجودة في عهد رسول الله ﷺ ولا في عهد خلفائه الراشدين ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولم يؤثر فيها شيءٌ عن أَئمة المسلمين لا الأَئمة الأَربعة ولا غيرهم، وهم على كشفها كانوا أَقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنما وجدت هذه البدعة أَول ما وجدت في أَثناءِ القرن السادس من فعل بعض السلاطين، وقد نص أَهل العلم على انكارها وتحريمها حال ما وجدت.
قال في ((الاقناع)) : وتغشية قبور الأَنبياء والصالحين -أَي سترها بغاشية- ليس مشروعًا في الدين قاله الشيخ - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وقال في موضع آخر في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأَئمة على أَن هذا منكر إذا فعل بقبور الأَنبياء والصالحين فكيف بغيرهم.
وقال محمد إسماعيل الصنعاني ﵀ في كتابه ((تطهير الاعتقاد)) : فان هذه القباب والمشاهد التي صارت أَعظم ذريعة إلى الشرك والالحاد، وأَكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه غالبًا بل كل من يعمرها هم الملوك أَو السلاطين أَو الرؤساءُ والولاة، إما على قريب لهم، أَو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أَو عالم أَو صوفي أَو فقير أَو شيخ كبير، ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأَموات من دون توسل ولا هتف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أَو أَكثرهم، فيأْتي من بعدهم فيجد قبرًا قد شيد عليه البناءُ واسرجت عليه الشموع وفرش بالفراش الفاخر، وارخيت عليه الستور، والقيت عليه الأَوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أَو دفع ضرر، وتأْتيه
стр. 143
السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وانزل بفلان النفع وبفلان الضر حتى يغرسوا في جبلته كل باطل. والأمر ما ثبت في الأَحاديث النبوية من لعن من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأَحاديث ذلك واسعة معروفة، فان ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة. اهـ.
وحيث أَن الأَمر ما ذكر فإننا نرى أَن وضع الستائر على الشبابيك المحيطة بالحجرة الشريفة غير سائغ شرعًا، لما تقدم، ولقول رسول الله ﷺ : ((مَنْ أَحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فَهُوَ رَدٌّ)) وقوله ﵊: ((وإياكُم ومُحْدَثَاتِ الأُمورِ فإِنَّ كُلَّ محدثة بِدْعَة وكلَّ بدعةٍ ضلالَةٌ)) .
هذا وقد استفتي علماءُ هذه البلاد في عام (١) واصدروا فيها فتوى بمعنى ما ذكرنا. والله يحفظكم. (١٣٨٥هـ) .
(سؤال أخير)
أَدام الله وجودك
من قبل الستارة التي في الحجرة النبوية، هذه كثر علينا الاعتراضات والانتقادات في وضعها الحالي، ولا شك أَن بقاءَها بهذه الصورة مخجل، وتركها بدون وضع بدلها تحدث ضجة ومفسدة نحن في غنى عنها، ونحن محتارين في وضع ستارة بدلها وهي موجودة. فنرجو امعان النظر فيما يسد علينا باب الاعتراض ويمنع المضرة عن سمعة الحكومة.
أَجاب الشيخ محمد بن إبراهيم على هذا بما خلاصته: -
стр. 144
بعد تأمل قليل، قال: ليس لدينا في هذا الأَمر إلا المنع، وأن الدلائل عن الله وعن رسوله لا تجيز ذلك، ولقد سبق أَن سأَل الملك عبد العزيز عليه رحمة الله عن هذا فأَجبناه بهذا الجواب. ولا يمكن أَن يرد على هذا سكوت العلماء أيام الدرعية عن الستارة التي كانت موجودة، وذلك كان شيئًا موجودًا وعارضًا، ولكن رفع شيء موجود واحداث شيء جديد هذا لا نرى له مسوغًا شرعيًا. (١)
(ضمن ملف الديوان) .
(التوسل)
س: - توسل بني إسرائيل بالتابوت؟
ج:٠ أَولاً يحتاج لثبوت ذلك. إن كان غير ثابت فرغنا من مؤونته. وإن كان ثابتًا فيمكن أَن يكون في شرعهم وشرعنا جاءَ بجنس خلاف ذلك، بل جاء شرعنا من تحقيق التوحيد بأَبلغ من ذلك، فإِن الشريعة المحمدية هي الحنيفية، ففيها من البعد عن وسائل الشرك ما ليس في غيرها، فكان في شرع من قبلنا سجود التحية وهذا ليس في شريعتنا. فإذا ثبت أَن الذي يذكره المفسرون في قصة التابوت أنهم يحملون التابوت لينصروا - فليس حجة لنا. ... (تقرير) .
(٧٥- ص: بحق صلاة على النبي ونحو ذلك)
ج: - هذا ليس دعاءً شرعيًا ولا يجوز ولا يصلح، وكذلك بحق صلاة على محمد. ليس مشروعًا بكل حال.
وأبلغ منه: بحق صلاة جامعة وملائكة سامعة. وهذا حق مخلوق في ملائكته. (تقرير على التوسل والوسيلة لابن تيمية) .
стр. 145
(الغلو في الآثار)
(٧٦- س: - الأمكنة التي صلى النبي لأهلها فيها إذا استجد مسجد أو في بيوتهم هل يشرع أَن يقصدها للصلاة من يأتي للمدينة)
ج: - لا. ولا يقصده حتى جيرانه أَبدًا. وكذلك الذي صلى لأَهله فيه يصلى فيه من كان يصلي زمنه ومن كان حوله الآن، ولا يقصد. والنبي ﷺ شرع لأمته مساجد فيها كفاية عن تتبع هذه المساجد وهي الثلاثة، وفيها الأَفضلية. ... (تقرير) .
(٧٧- دار الأرقم، ومسجد الحديبية)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأستاذ صالح محمد جمال ... رئيس تحرير جريدة الندوة ... وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد وجهت جريدة الندوة ف عددها الصادر ٢٠ رمضان ١٣٨٣هـ استفتاء إلى دار الافتاءِ بمناسبة تسليم دار الأرقم للرئاسة العامة لهيئات الأَمر بالمعروف عن أَمرين:
أحدهما: هل هناك مانع من أَن تكتب عليها عبارة ((دار الأَرقم بن أَبي الأَرقم)) تخليدًا لهذا الأَثر؟ وهل هناك مانع ديني من اتخاذها مكتبة أَو متحفًا أَو مدرسة ثم السماح للحجاج والزوار للبلاد المقدسة بزيارتها كدار ساهمت في نشر الدعوة الإسلامية في أَحلك الظروف التي مرت بها.
السؤال الثاني: لما أُزيل أَثر مسجد البيعة من الحديبية ((الشميسي)) وهل هناك مانع ديني من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أَكبر الأَثر في رفع راية الإسلام؟
هذا ما وجهته جريدة الندوة وتحته توقيع ((طالب علم)) .
стр. 146
الجواب: - أَما اتخاذ ((دار الأَرقم بن أَبي الأَرقم)) مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأَي وسيلة كان ذلك، سواءٌ كانت اعلان كتابة دار الأَرقم عليها وفتحها للزيارة، أَو اتخاذها مكتبة أَو متحفًا أَو مدرسة: فهذا أَمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أَعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها، بل كانوا يعتبرونها دارًا للأَرقم له التصرف فيها شأْن غيرها من الدور، وكان الأَرقم نفسه يرى هذا الرأْي حتى إنه تصدق بها على أَولاده، فكانوا يسكنون فيها ويؤجرون ويأْخذون عليها حتى انتقلت إلى أَبي جعفر المنصور، ثم سلمها المهدي للخيزران التي عرفت بها، ثم صارت لغيرها. يتبين هذا كله مما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن شيخه محمد بن عمر، قال: أَخبرنا محمد بن عمران بن هند بن عبد الله بن عثمان بن الأَرقم بن أَبي الأَرقم المخزومي، قال: أَخبرني أَبي، عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأَرقم، قال: سمعت جدي عثمان بن الأَرقم يقول: أنا ابن سُبُعِ الاسلام، اسلم أَبي سابع سبعة، وكانت داره بمكة على باب الصفا وهي الدار التي كان النبي ﷺ يكون فيها في أَول الاسلام، فيها دعا الناس إلى الإسلام وأَسلم فيها قوم كثير، وقال: ليلة الاثنين فيها ((اللَّهُمَّ أَعزَّ الإسلامَ بأَحبِ الرَّجُلَين إليكَ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ أَوْ عَمْرو بنِ هِشَامٍ)) فجاءَ عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأَسلم في دار الأَرقم، وخرجوا منها فكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعيت دار الأَرقم دار الاسلام، وتصدق بها الأَرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأَرقم بداره: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما قضى الأَرقم في ربعه ما جاز الصفا أنها محرمة بمكانها من
стр. 147
الحرم، لا تباع ولا تورث، شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص. قال: فلم نزل هذه الدار صدقة فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأْخذون عليها حتى كان زمن أَبي جعفر.
قال: محمد بن عمران فاخبرني أَبي عن يحي بن عمران بن عثمان بن الأَرقم، قال: اني لأَعلم اليوم الذي وقعت في نفس أَبي جعفر إنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أَشاءُ أَن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وانه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأَرقم ممن تابعه ولم يخرج معه فتعلق عليه أَبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أَن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلاً من أَهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أَن يفعل ما يأمره به فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان الحبس وهو شيخ كبير ابن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له هل لك أَن اخلصك مما أَنت فيه وتبيعني دار الأَرقم، فإن أَمير المؤمنين يريدها، وعسى أَن بعته اياها ان اكلمه فيك فيعفو عنك، قال: انها صدقة، ولكن حقي منها له ومعي فيها شركاءُ اخوتي وغيرهم، فقال: انما عليك نفسك اعطنا حقك وبرئت، فاشهد له بحقه وكتب عليه كتاب شرى على حساب سبعة عشر ألف دينار، ثم تتبع اخوته ففتنتهم كثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن اقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون فبنتها وعرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أَمير المؤمنين، ثم سكنها أَصحاب الشطوي
стр. 148
والعدني، ثم اشترى عامتها أَو أَكثرها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر.
قال: واما دار الأَرقم بالمدينة في بني زريق فقطيعة من النبي ﷺ . هكذا رواه ابن سعد في الطبقات. ورواه الحاكم في ((المستدرك)) من طريق شيخ ابن سعد محمد بن عمر وسكت عنه، ومن طريق الحاكم ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) في كتاب الوقف، والحافظ ابن حجر في (الدراية) قطعة منه، وكذلك في (الاصابة) . إلا أَنه قال: في ((الدراية)) : وهلال مولى هشام. بدل وفلان مولى هشام، وذكر جملة منه ابن جرير الطبري في كتابه ((ذيل المذيل)) من تاريخ الصحابة والتابعين من طريق محمد بن عمر بسنده المذكور.
فمن هذه الرواية تبين أَن كون دار الأَرقم دار إسلام لم يمنع الأَرقم التصرف فيها هو ولا ملاكها بعد، كما يتصرف في غيرها من الدور، ولم يتخذها متبركًا يتبرك به الوافدون إلى بيت الله الحرام، بل كانوا يسكنون فيها ويؤاجرون ويأخذون عليها.
وأول من اتخذ منها مزارًا الخيزران حينما اتخذت القسم الذي يذكر أَنه مختبىء رسول الله ﷺ في دار الأَرقم بن أَبي الأرقم مسجدًا، وهذا المسجد هو الذي ذكره الازرقي في تاريخ مكة وتبعه مَنْ بعدَه، وذكر الفاسي في ((شفاء الغرام)) والنووي ((في الإيضاح)) وصاحب ((الجامع اللطيف)) أَنه المقصود بالزيارة من دار الأَرقم. وعبارة الفاسي: المقصود بالزيارة منها أَي من دار الأَرقم - هو المسجد الذي فيها وهو مشهور من المساجد التي ذكرها الأَزرقي، وذكر ان النبي ﷺ كان
стр. 149
مختبئًا فيه - أَي في الموضع الذي اتخذ مسجدًا - وفيه أَسلم عمر ﵁. ويصف لنا الفاسي في ((شفاء الغرام)) مشاهدته ذلك المسجد حين يقول: وطول هذا المسجد ثمانية اذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أَذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، حرر ذلك بحضوري وفيه مكتوب (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ. رِجَالٌ) .
هذه مختبىء رسول الله ﷺ دار الخيزران، وفيه مبتدأُ الإسلام، امرت بتجديده الفقيرة إلى الله مولاة أَمير الملك مفلح سنة ست. وذهب بقية التاريخ. قال الفاسي: وعمره أَيضًا الوزير الجواد، وعمرته مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعمر أَيضًا في سنة احدى وعشرين وثمانمائة، والذي أَمر بهذه العمارة لا أَعرفه، والمتولى بصرف النفقة فيها علاءُ الدين علي بن ناصر محمد بن الصارم المعروف بالقائد. اهـ كلام الفاسي.
وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة، وانما الحجة في عمل الصحابة ﵃، وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية في تفسير ((سورة الاخلاص)) : إِن الصحابة والتابعين لهم باحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح ولا جعلوه مشهدًا أَو مزارًا ولا على شيء من آثار الأَنبياءِ مثل مكان نزل فيه أَو صلى فيه أَو فعل فيه شيئًا من ذلك. انتهى. (١) .
وتكلم شيخ الاسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) على المزارات التي بمكة غير المشاعر مساجد وغيرها فقال ضمن
стр. 150
كلامه على ذلك (ص٤٥٢) : ما بنى رسول الله ﷺ بمكة غير المسجد الحرام، بل المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع العقبة الذي خلف مني وقد بني هناك مسجد، واحتج بأن النبي ﷺ اعتمر أَربع عمر، وحج معه في حجة الوداع جماهير المسلمين لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاءَ الله، وهو في ذلك كله لم يأت هو ولا أَحد من أَصحابه غار حراء، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة، وحج بعده خلفاؤه الراشدون فمشوا على تلك الطريقة ما ساروا إلى حراء ونحوه لصلاة فيه.
وقال: في (ص٤٢٩) : قد ذكر طائفة من المصنفين استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت كتبتها في منسك كتبته قبل أَن أَحج في أَول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لي أَن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أَصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأَولين من المهاجرين والأَنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدى ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أَن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأَحكام، وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاءٍ وصلاة وغير ذلك اذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له
стр. 151
بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعة غير مشروعة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((منسكه)) : اما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أَبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أَحد من الأَئمة، وانما المشروع اتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر عرفة ومزدلفة والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال أنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فانه ليس من سنة رسول الله ﷺ زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة (١) .
وقال في تفسير ((سورة الاخلاص)) : النبي ﷺ لم يصل بسمجد بمكة إلا المسجد الحرام ولم يأت للعبادات إلا المشاعر منى ومزدلفة وعرفة، ولهذا كان أئمة العلماء على أَنه لا يستحب أَن يقصد مسجد بمكة لصلاة غير المسجد الحرام ولا تقصد بقعة لزيارة غير المشاعر التي قصدها رسول الله ﷺ . إلى أَن قال: وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث. اهـ (٢) .
ويضاف إلى هذا ما ذكر الشاطبي في ((الاعتصام)) في تتبع الآثار قال: خرج الطحاوي وابن وضاح وغيرهما عن معرور بن
стр. 152
سويد الأسدي، قال وافيت الموسم مع أَمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فلما انصرفنا إلى المدينة انصرفت معه فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأَ فيها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) و (لإِيلافِ قُرَيْشٍ) ثم رأَى ناسًا يذهبون مذهبًا فقال: أَين يذهب هؤلاء؟ قال: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله ﷺ . فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله ﷺ فليصل، وإلا فلا يتعمدها. ثم قال الشاطبي: قال ابن وضاح: كان مالك بن أَنس وغيره من علماءِ المدينة يكرهون اتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قبا وحده. قال: وسمعتهم يذكرون أَن سفيان دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره ممن يقتدي به، وقدم وكيع مسجد بيت المقدس فلم يَعْدُ فعل سفيان. قال ابن وضاح: وقد كان مالك يكره كل بدعة وان كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لأَن يتخذ سنة ما ليس سنة أَو يعد مشروعًا ما ليس مشروعًا.
وهذا كله على تسليم كون الدار المعروفة اليوم بدار الأَرقم هي دار الأَرقم في الواقع، وفي النفس من ذلك شيء لأَمرين:
أَحدهما: أَن موقع دار الأَرقم حسب ما تقدم في رواية ابن سعد على باب الصفا، وفي تلك الرواية قول يحيى بن عمران بن عثمان بن الأَرقم اني لأَعلم اليوم الذي وقعت - أَي دار الأَرقم - في نفس أَبي جعفر أنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها
стр. 153
ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أَشاءُ أَن آخذ قلنسوة عليه لأَخذتها، وأنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا. وهذا غير موقع الدار المعروفة اليوم بذلك الاسم. وما في رواية ابن سعد المذكورة موافق لما في تاريخ مكة للأَزرقي ومستدرك الحاكم انها عند الصفا ولما في ((أَسد الغابة)) لابن الأَثير أَنها في أَصل الصفا.
الثاني: ما ذكره ابن كثير في تاريخه ((البداية والنهاية)) في حوادث سنة ١٧٣هـ في ترجمة الخيزران، قال: قد اشترت الدار المشهورة فيها بمكة المعروفة بدار الخيزران فزادتها في المسجد الحرام. فان هذا وإن كان بعيدًا ومخالفًا لرواية ابن سعد المتقدمة ولم يذكره الأَزرقي وغيره فإنه مما يشكك في اشتهار الدار الموجودة اليوم باسم ((دار الأَرقم)) في زمن ابن كثير إذ لو كان الأَمر كذلك لما خفي عليه. (١)
وأَما قول السائل: لما أزيل أَثر مسجد البيعة من الحديبية ((الشميسي)) وهل هناك مانع ديني يمنع من الاحتفاظ به كمأْثر شهد بيعة كان لها أَكبر الأَثر في رفع راية الإسلام.
فالجواب: أَنه أُزيل لأَنه ليس مسجد الشجرة الذي يعنيه السائل بمسجد البيعة، فإن مسجد الشجرة غير معروف هو والحديبية من مدة قرون بشهادة مؤرخي مكة والمدينة.
стр. 154
قال الفاسي في ((شفاءِ الغرام)) في كلامه على مسجد الشجرة وعلى المسجد الآخر الذي بناه يقطين بن موسى في الشق الأَيسر: هذان المسجدان والحديبية لا يعرفون اليوم، والله أَعلم. وقال: في موضع آخر ما نصه: هي -أي الحديبية- والاعشاش لا يعرفان اليوم. وذكر في محل آخر القول بأن موضع الحديبية هو الذي فيه البير المعروفة ببير شميسي بطريق جدة، وتعقبه بقوله: الشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، وليست الحديبية بالموضع الذي يقال له الحديبية في طريق جدة لقرب هذا الموضع من جدة وبعده عن مكة، والحديبية دونه بكثير إلى مكة.
وقال الزين المراغي في ((تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة)) في كلامه على مسجد الحديبية: لا يعرف اليوم، بل يقال أن مكة ليس فيها أَحد يعرف الحديبية بعينها وإنما يعرفون الجهة لا غير.
وقال السمهودي في ((وفاءِ الوفاءِ باخبار دار المصطفى)) : هو -أي مسجد الحديبية- غير معروف، بل قال: المطري لم أَر في أَرض مكة من يعرف اليوم الحديبية إلا الناحية لا غير. وإذا كان هذا مآل مسجد الشجرة والحديبية في أَعصر أُولئك فكيف باليوم.
وأَما موقف السلف من ذلك المسجد المسمى بمسجد الشجرة أيام كان هو والحديبية معروفين فهو أَنهم لا يرون رأي السائل وهو أَنه شهد بيعة الرضوان، وممن قام ببيان ذلك من السلف سعيد بن
стр. 155
المسيب، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن طارق بن عبد الرحمن، قال انطلقت حاجًا فممرت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد، قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أَبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم فأنتم أَعلم؟! وروى ابن جرير الطبري في تفسيره عن سعيد بن المسيب قال: كان جدي يقال له حزن، وكان ممن بايع تحت الشجرة، يقول: فأتيناها من قابل فعميت علينا. وكان ابن عمر يذكر أن تعمية شجرة البيعة رحمة من الله، روى البخاري في صحيحه في ((باب البيعة في الحرب على ألا يفروا)) من كتاب الجهاد عن نافع، قال قال ابن عمر ﵄: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) : الحكمة في اخفائها هي أَن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما افضى بهم إلى اعتقاد أَن لها قوة نفع وضر كما نراه الآن مشاهدًا فيما دونها. قال: وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: كانت رحمة من الله. أَي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي ﷺ .
ج١م ١١
стр. 156
ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) ص٣٠٦: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي ﷺ تحتها (١) ، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن الخطاب بقطعها فقطعت. وهذا الذي ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا عبد الله بن عون، عن نافع، قال كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب فاوعدهم فيها وأَمر بها فقطعت، وصحح الحافظ في ((الفتح)) اسناد هذه الرواية، واعتمدها صاحب ((عيون الأَثر)) وعزاها السيوطي في ((الدر المنثور)) إلى مصنف ابن أبي شيبة. قال: ابن وضاح في كتاب ((البدع والنهي عنها)) : سمعت عيسى بن يونس مفتي طرسوس يقول: أَمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فقطعها، لأَن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى ابن يونس وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر. قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأَئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أَمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى ومتحبب إلى الله بما يبغضه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة. اهـ. وهذا ما لزم بيانه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (ص-ف-٢٠٢٣ في ٢٩-١٠-١٣٨٢هـ) .
стр. 157
(السحر، وأَنواعه، وحكمه)
(٧٨- السحر أَنواع: منه شيء شعوذة (١) ومنه شيء بخلاف ذلك.)
وبعض يفرق بين هذه الأَشياء، وبعض لا يفرق. أَما السحر الحقيقي الذي ليس هو بالشعوذة بل حصل له به مثل ركوب المكنسة فهو كفر ردة يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.
والساحر لا يتم له السحر ولا تخبره الشياطين عن غائب ولا تساعده على قتل شخص إلا بعد ما عبد غير الله بتقريبه للشياطين ما يحبونه من الذبح لهم ونحو ذلك، حتى إن بعضهم يمكنهم من فعل الفاحشة به. وهذا من الاستمتاع المذكور في الآية فيكون كافرًا. (٢) ... (تقرير)
(٧٩- س: الصرف والعطف)
جـ: - من السحر، قد تجعله المرأَة في طعام زوجها أَو لباسه، وقد يستعمله الرجل خوف انصراف زوجته عنه. وفي كلام بعض العجايز يسمون العطف ((العطيف)) ... (تقرير)
(٨٠- س: صب الرصاص؟)
جـ: - صب الرصاص بمجرده لا يكون شيئًا، لا يصير شيئًا إلا بعد مخالطة واستمتاع من الشياطين، وذلك أَن الشياطين لها ظهور فيما له روغان وروجان. فالحاصل أَنه أمور شيطانية محضة. (٣) ... (تقرير)
(٨١- س: بعضهم يأخذ بعض أَسلاب المريض: أما ثوب أَو غترة تبقى عنده ثم يخبره غدًا)
ج: - هذا تمويه على الجهال بأنهم أَطباءُ، لأَن الجهال يستنكرون الأُمور السحرية والكهانية ونحوها. (٤) ... (تقرير)
стр. 158
(٨٢- س: ان من البيان لسحرا؟) (١)
ج: - الصحيح ان هذا ذم للبيان، وليس لذاته.
(حكم الكهان ونحوهم)
(٨٣- سئل عن حديث ((من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد)) )
هل هو الناقل عن الملة؟.
أَجاب: اختلف أَهل العلم فيه. فقيل أنه لا يخرجه من الاسلام بل هو من العصاة من أَهل الاسلام المتغلظة معاصيهم، والا لو كان كافرًا لما قيد باربعين. وقيل: إن هذا من أَحاديث الوعيد فيمر كما جاءَ ولا يتعرض له بتأويل. وهذا قول أَحمد وعامة السلف، لأَن ذلك أبلغ في الردع عن الجرائم. فالأَول ليس من التأْويل، وهو تادب في المعنى مع اللفظ. والثاني تادب مع اللفظ وكل مصيب.
ولكن الأَولى أَن يقال لمن يُظَنُّ أَنه يرى مذهب الخوارج: لا ينقل فانه بيان لحكمه، فان الخوارج زعموا أَنه وأَشباهه دليل على تكفير العصاة من أمة محمد ﷺ . وإن كان الحال مأمون أَن ينزع به أَحد إلى تكفير العصاة قيل كما في النص - أَطلق كما أَطلق النص.
وكذلك المنجم والضارب بالحصي والودع. لكن عدم كفر الواحد منهما ما لم يعتقد اباحته، فان اعتقد اباحته فهو مرتد لأَن برهانها ظاهر بالشرع، لأَنه معلق على الاستخذاءِ للشياطين واستمتاع الشياطين بهم. وكذلك ما لم يدع أَنه يعلم الغيب
стр. 159
أو يدع التصرف في الوجود في بعض الأَشياء. وكثير منهم أَو أَكثرهم لا ينفكون عن ادعاء علم المغيبات. ويعزر أَصحاب هذه الأُمور تعزيرًا يردعهم وأَمثالهم ثم يكف عنهم. والتعزير يرجع إلى الامام الناظر النظر الشرعي، فإذا اقتضى القتل لا سيما من كان له شهرة في ذلك فانه يقتل. ... (تقرير التوحيد وكتاب الايمان) .
(٨٤- النشرة)
وقال في رد قول بعض الحنابلة: ويجوز الحل بسحر ضرورة.
والقول الآخر أَنه لا يحل. وهذا الثاني هو الصحيح، وحقيقته أَنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب من ذبح شيء أَو السجود له أَو غير ذلك، فإذا فعل ذلك ساعد الشيطان وجاءَ إلى اخوانه الشياطين الذين عملوا ذلك العمل فيبطل عمله عن المسحور.
وكلام الأَصحاب هنا بين أَنه حرام ولا يجوز الا لضرورة فقط ولكن هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل إلا كلام ابن المسيب. ومعنا حديث جابر في ذلك (١) وقول ابن مسعود (٢) وقول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر. وهو لا يتوصل إلى حَلِّهِ إلا بسحر، والسحر حرام وكفر. أَفيعمل الكفر لتحيا نفس مريضة أَو مصابة؟ مع أَن الغالب في المسحور أَنه يموت أَو يختل عقله، فالرسول منع وسد الباب ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور. ... (تقرير)
стр. 160
(٨٥- وأما الجواب على السؤال الثاني (١) وهو:
هل يجوز للانسان أَن يصدق أَو يتشاءم في عدد أَو يوم أَو شهر أَو نحو ذلك إلى آخره ... )
فالجواب:
هذا لا يجوز، بل هو من عادات أَهل الجاهلية الشركية التي جاءَ الاسلام بنفيها وابطالها، وقد صحرت الأَدلة بتحريم ذلك، وانه من الشرك، وانه لا تأثير له في جلب نفع أَو دفع ضرر، إذ لا معطي ولا مانع ولا نافع ولا ضار إلا الله ، قال الله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِه) الآية (٢) .
وفي حديث ابن عباس ﵄ أَن النبي ﷺ قال: ((لَوْ اجْتَمَعَت الأُمَّةُ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيء لمْ يَنْفَعُوك إلاَّ بشَيء قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ وإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيء لمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ رُفِعَت الأَقْلاَمُ وجُفَّتِ الصُّحُف)) (٣) .
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لاَ عَدْوى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفرَ)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية ((وَلاَ نَوْءَ وَلاَ غُوْل) رواه مسلم. فنفى الشارع ﷺ الطيرة وما ذكر في الحديث، واخبر أَنه لا وجود له ولا تأثير، وإنما يقع في القلب توهمات وخيالات فاسدة. وقوله: ((وَلاَ صَفَرَ)) نفي لما كان عليه أَهل الجاهلية من التشاؤم بشهر
стр. 161
صفر ويقولون هو شهر الدواهي، فنفى ذلك ﷺ وأَبطله، وأَخبر أَن شهر صفر كغيره من الشهور لا تأْثير له في جلب نفع ولا دفع ضرر. وكذلك الأَيام والليالي والساعات لا فرق بينها، وكان أَهل الجاهلية يتشاءَمون بيوم الأَربعاء، ويتشاءَمون بشهر شوال في النكاح فيه خاصة، وكانت عائشة ﵂ تقول: تزوجني رسول الله ﷺ في شهر شوال فمن كان عنده أَحظى مني. وهذا كتشاؤم الرافضة باسم العشرة وكراهتهم له لبغضهم وعداوتهم للعشرة المبشرين بالجنة من أَصحاب رسول الله، وهذا من جهلهم وسخافة عقولهم. والكلام على هذه المسأَلة استوفاه شيخ الاسلام في المنهاج في الرد على الرافضي (١) .
وكذلك أَهل التنجيم يقسمون الأَوقات إلى ساعة نحس وشؤم وساعة سعد وخير: ولا يخفى حكم التنجيم وتحريمه وأنه من أَقسام السحر. والكلام عليه مستوفى في موضعه. وكل هذه الأمور من العادات الجاهلية التي جاءَ الشرع بنفيها وابطالها.
قال ابن القيم ﵀: التطير هو التشاؤم بمرئي أَو مسموع. فإذا استعملها الانسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عن ما عزم عليه فقد قرع باب الشرك بل ولجه، وبرىء من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله. والتطير مما يراه أَو يسمعه وذلك قاطع عن مقام (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (٢) و (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (٣) .
стр. 162
فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلاً فيفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله، ويبقى هدفًا لسهام الطيرة ويساق إليه من كل أَوب. ويقيض له الشيطان من يفسد عليه دينه ودنياه. وكم هلك بسبب ذلك وخسر الدنيا والآخرة. فالأَدلة على تحريم التطير والتشاؤم معروفة موجودة في مظانها فلنكتفي بما تقدم. (انتهى من الفتوى اللاذقية المطبوعة عام ١٣٧٥هـ)
(٨٦- تحريم التنجيم، وحكم الاعلان عن الكسوف قبل حدوثه)
وسئل عن حديث: ((مَنْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ مَا زاد)) (١) وما قولكم في الذين يعلنون بقولهم: الشمس بيكسف بها أَو القمر وأَنا قد شاهدت في زمن أبيك وعمك عبد الله أن الصميت قال بيكسف بالشمس باكر فكسف بها فلما علم أَبوك وعمك، وعلماءُ زمانهم اجلوه من البلاد وقالوا هو منجم، وتعلم علم النجوم ممنوع. افتنا ما لمسوغ لترك من يفعل هذا اليوم؟
فأَجاب: أَما حديث: ((مَنْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ)) فهو يفيد تحريم تعلم التنجيم وأنه يدخل في السحر، وأنه كلما زاد صاحبه توغلاً في علم النجوم المحرم زاد بذلك توغلاً في علم السحر.
وأَما الذين يعلنون بقولهم الشمس بيكسف بها أَو القمر. فهم مخطئون في اعلانهم وجزمهم بذلك في الوقت الذي عينوه، وإن كان ذلك يدرك بالحساب، لأَن له أسبابًا معلومة عند علماء
стр. 163
الهيئة، إلا أَن الحساب يخطىء ويصيب. وفرق بين من يعلن ذلك ويجزم به وبين من يخبر عن أَهل الحساب أنهم يقولون ذلك، ولا سيما إذا لم يخبر به العوام وإنما يخبر الخواص.
وقد سئل شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ عن قول أَهل الحساب: الشمس سيكسف بها في وقت كذا. فافتى ان حكم ذلك حكم اخبار بني اسرائيل التي قال فيها رسول الله ﷺ : ((إذا أَخْبرَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ وَلاَ تُكَذِّبوهم)) (١) والعلة في النهي عن تصديق أَهل الكتاب وتكذيبهم هو احتمال أَن يكون ما ذكروه حقًا فيكون من كذبهم مكذبًا بحق، واحتمال أَن يكون ما اخبروا به كذبًا فيكون من صدقهم مصدقًا بالكذب.
فهكذا اخبار المخبرين عن الكسوف والخسوف قد يكونون مصيبين في حسابهم فيكون مكذبهم مكذبًا بصدق، وقد يكونون مخطئين فيكون مصدقهم مصدقًا بالباطل والكذب.
وأما ما ذكرته من قصة الصميت وأنه أجلي من أَجل ذلك فلا صحة لذلك.
وأَما انكار الجزم بوقت الكسوف والتحدث بذلك فهذا صنيع المشايخ مع من صدر منه ذلك، ينكرون عليه جزمه بذلك وافشاءَه، بل كان من المستفيض أَن رجلاً حاسبًا في بلد الدرعية وقت أَولاد الشيخ محمد قدس الله روحه وأَرواحهم جميعًا أطنه يقال له ابن جاسر كان ساكنًا في أَعالي الدرعية فتوضأَ في نخله وركب حماره ونزل إلى مسجد البحيري أَو غيره من المساجد الكبار في الدرعية، وكان يخبر من لقيه في الطريق أنه إنما نزل إلى
стр. 164
المسجد لكون الشمس سيكسف بها وقت كذا وكذا من ذلك اليوم، فلما بلغ ذلك المشايخ من أَولاد الشيخ محمد ﵏ وغيرهم انكروا عليه جزمه بذلك وتوضئه وركوبه وسيره إلى المسجد لذلك.
(ص-ف-١١٢٨-٢ في ٢٩-٦-٧٧هـ.)
(التوكل)
٨٧- س: - قول من قال: تجب الثقة بالنفس؟
ج: لا تجب ولا تجوز الثقة بالنفس. في الحديث: ((وَلاَ تَكِلْني إلى نَفْسِيْ طرْفَةَ عَيْن)) (١) من يقوله؟! أَخشى أَن هذه غلطة منك؟! لا أَظن أَن انسانًا له عقل يقول ذلك، فضلاً عن العلم. ... (تقرير الحموية) .
٨٨- س: - قول بعض العامة: توكلت عليك يا فلان في كذا؟
ج: - هذا شرك. أَما التوكيل فيجوز، لأَنه استنابة.
(تقرير ثلاثة الاصول)
٨٩- س: - متوكل على الله ثم عليك يا فلان؟
ج: - شرك. يقول موكلك. ولا يقول موكل الله ثم موكلك على هذا الشيء. هذه عامية، وليست في محلها. ... (تقرير ثلاثة الأصول) (٢)
(الحلف بغير الله)
٩٠- س: - الحلف بالأمانة؟
стр. 165
ج: الحلف بالأَمانة إذا اطلق فهو مكروه أَو حرام، لأَن الأَمانة فيها اشتراك، وذلك أَن الأَمانة بالنسبة إلى المخلوق كمال، ومن المعلوم أَن كل كمال اتصف به المخلوق فالله أَحق وأَولى به، أَما إذا قال: وأَمانة الله فليس من ذلك. هذا الذي أَفهم الآن. أما ((مَنْ حَلَفَ بِالأمانَةِ فَلَيْسَ مِنِّي)) فهو وعيد. (١) ... (تقرير)
٩١- س: - بالعون؟
ج: - هذا صريح في الحلف بغير الله، وليس الظن أَنه يعني: بعون الله. ... (تقرير) .
٩٢- س: في ذمتي؟
ج: هذا المراد في ذمتي قسم. ... (تقرير) .
(سب الدهر)
(٩٣- قول القائل لم تسمح لي الظروف وإذا سمحت)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الطالب عبد الرحمن الصالح الشبل والطالب صالح الحمد الرميح - الطالبان بدار التوحيد بالطائف سلمهما الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالاشارة إلى مذكرتكم رقم.... وتاريخ ١٨-٤-١٣٧٥هـ المتضمن السؤال عن المسائل التي طلبتم الاجابة عليها.
١- ما جرى على أَلسنة بعض الناس من إضافة السماح إلى الدهر ونحو ذلك. فهو كاضافة المجيء والذهاب إلى الدهر ونحو ذلك لا فرق بينهما، وهو شيء شائع وموجود في الكتاب والسنة
стр. 166
كقوله سبحانه: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) (١) وكقوله ﷺ : ((لا يَاتِيْ عليْكمْ زمانٌ إلاَ وَالَّذِي بَعْده شرٌ مِنْه)) (٢) .
ومعلوم أَن المتكلم بهذه الكلمة لا يقصد أَن الدهر يتصرف بنفسه بل يعتقد أَن الدهر خلق مسخر لا يجيء ولا يذهب لا بمشيئة الله سبحانه - وإنما هذا من باب التجوز والتوسع في الكلام كقوله سبحانه (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ) (٣) . على أَن الأَدب تركها وأَمثالها، أَما لو قصد أَن الدهر يفعل حقيقة فهذا لا شك أنه اشراك مع الله سبحانه.
وأَما وصف الدهر بالشدة والرخاء والخير والشر فلا بأس بذلك، كقوله سبحانه (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) (٤) وقوله: (سَبْعٌ شِدَادٌ) (٥) وقوله ﷺ : ((لاَ يأْتِي زمانٌ إلاَّ الَّذي بعْده شر مِنْه)) والأَدلة على ذلك كثيرة جدًا.
وأما سب الدهر فهو الذي وردت الأَدلة بالنهي عنه والتحذير منه وتحريمه كما في الصحيح عن أَبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((قالَ الله يؤذِيني ابْن آدَمَ يسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنا الدَّهْرُ أُقلِّبُ اللَّيْل وَالنَّهارَ)) . وفي رواية ((لا تسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَّ الله هُوَ الدَّهْر)) . (ص-ف-٢٠٣ في ٣-٥-٧٥هـ (٦) .
стр. 167
(٩٤- التسمي بالمفتى الأَكبر، وسيد السادات، ونحوهما)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بن عبيد ... - المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن المسأَلة الاثنتين، وقد جرى تأملهما والجواب عليهما بما يلي:
المسأَلة الأولى: هل يجوز أَن يقال لأَحد من العلماء ((المفتي الأَكبر)) مع أَن الله هو المفتي الأَكبر؟
والجواب: الحمد لله هذه المسأَلة ذات شقين.
الشق الأول وهو تلقيب الشخص بالمفتي الأَكبر فله اعتباران.
الاعتبار الأَول أَن يكون هذا الشخص هو الذي يسمي نفسه بهذا الاسم ويحبه ويطلب من الناس أَن يسموه به.
والاعتبار الثاني كون الناس يسمونه بهذا الاسم بدون تشوق منه ولا طلب ولا رغبة فيه.
فأما بالنسبة للاعتبار الأَول. فأَنا شخصيًا لا أُسمي نفسي بهذا الاسم لا شفهيًا ولا كتابيًا، ولا أَرغب أَن يسميني به أَحد، بل أَكرهه وقد نبهت على هذا مرارًا في عدة مناسبات.
وأَما بالنسبة للاعتبار الثاني وهو كون الناس يسمون الشخص بهذا الاسم فلا يظهر لي أن في هذا مانعًا شرعيًا، لأَنه وإن كان بلفظ أَفعل التفضيل فليس القصد منه التفضيل المطلق ومنازعة الرب في الأَكبرية، وإنما القصد أَنه أكبر الموجودين من المفتين ومرجع لهم، كما أَن تلقيب غير الرسول صلى الله عليه وسلم
стр. 168
بلقب الامام الأَعظم ليس القصد منه التهجم على منصب الرسول وإنما القصد أَن هذا الشخص هو أَعظم الأَئمة الموجودين ومرجعهم الذي يرجعون إليه في أُمورهم، ولهذا صرح الفقهاءُ في كتاب الجنائز بأَن الإمام الأَعظم لا يصلي على الغال ولا على قاتل نفسه. وكما اطلقت لفظة المفتي الأَعظم على بعض العلماء ولم نسمع بأَحد أَنكرها أَو حملها على ما حملتها عليه.
(ص-ف-٨٧٩-١ في ٥-٤-١٣٨٥هـ) . (١)
(٩٥- الاستهزاء بسنة الرسول)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأَخ المكرم الشيخ محمد عمر بن عبد القادر اسكندر ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالاشارة إلى كتابكم المؤرخ ٢٥-٦-١٣٧٥هـ المتضمن استفتاءَكم عن من يستهزىء بسنة رسول الله ﷺ .
نفيدكم أَن الاستهزاءَ بسنة رسول الله ﷺ الصريحة الصحيحة كفر بلا ريب، لقول الله : (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ - لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (٢) .
فإن سبب نزول هذه الآية وبه يعرف تفسيرها أنه قال رجل
стр. 169
في غزوة تبوك: ما رأَينا مثل قرائنا هؤلاء ارغب بطونًا ولا أَكذب أَلسنًا ولا أَجبن عند اللقاء يعني رسول الله ﷺ وأَصحابه القرء، فقال له عوف بن مالك كذبت ولكنك منافق، لأَخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاءَ ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق. فيقول له رسول الله ﷺ : (أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) ما يلتفت إليه وما يزيده عليه.
لكن الشخص المعين الذي يصدر منه شيء من هذا لا يحكم بكفره عينًا إلا بشروط معروفة، فإن الحكم على الشخص المعين بالكفر شيء، والحكم على القول أَو العمل أَنه كفر شيء آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(ص-ف-٣٠٣ في ١٥-٧-١٣٧٥هـ) .
(٩٦- الاستهزاء بأَهل الدين)
المهزلة دالة على عدم عظمة المهزول به، ولهذا تجد الناس الذين يهزل بعضهم ببعض لا تراهم يهزلون بأهل المقامات العالية.
ثم نعلم هنا أَن الذين من شأْنهم الاستهزاءُ بأَهل الدين هذا قد يصل إلى الكفر الذي يكون ديدنه - لا يسمح باحد من أَهل الخير إلا وتكلم فيهم - فهذا لا يكاد يصدر إلا من منافق، ولهذا أَشار الوالد الشيخ عبد الرحمن في حاشيته على التوحيد أَنه يخشى
стр. 170
عليه أَن يكون بذلك مرتدًا (١) . أَما كونه وقع في أَمر عظيم ووقع في نفاق بارز فهذا واضح. (٢) .
وليس المراد من يكون بينه وبينهم شحناء دون بقية أَهل الخير - وهو من الأُمور المحرمة. ... (تقرير) .
(٩٧- غلام مصطفى، وعبد مصطفى)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم غلام مصطفى إبراهيم ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن جواز التسمية بغلام مصطفى وعبد مصطفى ونحوها مما هو رايج في بلادكم الباكستان، وتذكر أَن غلام بمعنى عبد في اللغة الأردية.
والجواب: الحمد لله. لا يخفى أَن الله تعالى خلق الخلق لعبادته قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (٣) فكلهم عبيده وملكه واحكامه جارية عليهم ولابد كما قال تعالى:
(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (٤) فلا يحل أَن يسمى أَحد منهم باسم يعبد فيه لغير الله.
قال أَبو محمد ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد عمر وعبد الكعبة وما أَشبه ذلك.
стр. 171
وقال ابن القيم: لا تحل التسمية بعبد علي وعبد الحسين ونحوهما. وقد روى ابن أَبي شيبة عن هانيء بن شريح قال: وفد على النبي ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلاً عبد الحجر فقال له ((ما اسْمُكَ فقال عبد الْحجر فقال له النبيُّ ﷺ إِنَّما أًَنتَ عبدُ اللهِ)) .
ولهذا نص الفقهاءُ ﵏ أَنه يحرم أَن يسمى أَحد بعبد لغير الله كعبد الكعبة وعبد النبي وما أشبه ذلك.
وحيث غير النبي ﷺ اسم عبد الحجر وسماه بعبد الله فينبغي لك تغيير اسمك غلام مصطفى، لا سيما وقد ذكرت أَن غلام معناها عبد في الأُردية. والله الموفق. والسلام عليكم.
(ص-ف-١٨٢-١ في ٢٣-١-١٣٨٥هـ)
(٩٨- التسمية بعبد النبي، وابن الله)
من محمد بن إبراهيم إلى سعادة مدير عام ديوان الموظفين العام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد بعث لنا سعادة وكيل وزارة الصحة صورة من خطابه لكم برقم ٢٩٨٣١-١٥٧٣ في ١٤-٨-٨٥هـ حول تحوير الأَسماء المتنافية مع تعليمات الدين الاسلامي أمثال: فلان عبد النبي وفلان ابن الله. وذلك بادخال كلمة رب في اسم (عبد النبي) وكلمة (عبد) في اسم فلان بن الله.
ونخبركم أَن هذا أَمر يتعين شرعًا ويتحتم وجوبه. (١)
والسلام عليكم ورحمة الله. ... (ص-ف٣٦٥٧ في ٢٧-٨-١٣٧٥هـ) .
стр. 172
(٩٩- تصوير تمثال لمعظم، والرسم على الورق والقماش، وتعليقها في البيوت، وتشكيلها في المجلات والصحف)
الحمد لله والصلاة والسلام على خاتم أَنبيائه.
أَما بعد: إلى حضرة فضيلة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار العربية السعودية ... المحترم
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
لدي سؤال، واعذرني عن الاتصال بكم، وهو كما يأتي:
١- تكوين تمثال لرجل عظيم من حجر.
٢- تخطيط بآلة التصوير أَو مرسمة (١) وتكوين صورة لرجل في قطعة من البياض.
س: - هل هنا فرق بينهما، وهل هي حرام أَو مكروه تعليقها في البيوت وتشكيلها في المجلات والصحف، وما هو الدليل على ذلك من القرآن الكريم، أَو من حديث الرسول ﷺ ؟.
المستفتي أَحمد عوض ... كاتب بالمربع بالأَوراق الخاصة
الجواب: أَما اتخاذ تمثال رجل عظيم ينحت من حجارة أَو غيرها. فهذا أبلغ أَنواع التصوير المحرم، بل هذا غلو في هذا الرجل المعظم، مسبب عبادة هذا الصنم مع الله تعالى. وأَول شرك وجد في بني آدم هو ما وجد زمن نوح ﵇، وسببه الغلو في العظماء من رجال الدين والعلم بأَنواع من أَعظمها
стр. 173
تصويرهم صورهم ونصبهم اياها في مجالسهم، ولم تخطر لهم بقلوبهم عبادتها بحال، بل قصدهم من صورهم المذكورة تذكر أَهل الدين والعلم ليعملوا بما كانوا يرونهم عليه في حال حياتهم من العمل الصالح، فانقرض ذلك الجيل وجاءَ جيل جديد ليس عندهم من العلم بحقيقة هذه الصور وشأْنها إلا أَنها معظمة تعظيمًا دينيًا، وان ذلك مما يحبه الله، وان ذلك يقربهم إلى الله زلفى، فدس إليهم الشيطان أَن أَوليكم ما صوروها إلا أَنهم يستنزلون بها المطر من السماء ويستنصرون بها على الأَعداء، ويستشفعون بها إلى الله، فحينئذ عبدوا تلك الصور وهي الأَصنام فأَرسل الله رسوله نوحًا ﵇ يأْمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الأَصنام ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. وهذا هو معنى ما ذكره المفسرون على قوله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (١) .
فمن أَجل كون تصوير الصور ولا سيما صور المعظمين من وسائل الشرك في العبادة، ومن أَجل أَيضًا ما في ذلك من المضاهات بخلق الله: جاءَت السنة الثابتة المشهورة عن النبي ﷺ بالتغليظ الشديد في ذلك: من لعن المصورين، والتصريح بكونهم أَشَدَّ الناس عَذابًا يوْمَ الْقيامةِ، وبأن كلِّ مصور في النار يجعل له بكل صورة صوَّرها نفسٌ يعذب بها في جهنم، وبأن من صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّفَ أَن ينفُخَ فيها الروح وليس
стр. 174
بنافخ، وبأنَّ أصحاب هذه الصور يعذبون يوم الْقيامة ويقال لهم أَحيُوْا ما خلقتم. هذه متون أَحاديث لشهرتها اكتفيت بذلك عن ذكر مخرجيها (١) هي ونحوها من الأَحاديث دليل المنع وان التصوير من الكبائر.
وأَما الصور المخططة في البياض من الورق وغيره فهي ملحقة بها في التحريم، لعموم الأَدلة، ولوجود حقيقة العلة. نعم بعض من كان لهم نصيب من اتباع المتشابه وترك المحكم يتعلقون بحديث: ((إلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْب)) (٢) فلا يمنعون من الصور إلا ما كان مجسدًا. وأَتباع الأَئمة الأَربعة وسائر السلف على المنع عملاً بالمحكم إلا من شذ، وتقديمًا له على المتشابه، وحمل المتشابه على حالة لا تعارض المحكمات. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين.
(ص-م ٨ في ٧-٨-٧٣هـ)
وذكر ابن كثير قولاً بأن آية (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (٣) نزلت في المصورين. وتصوير الأُمراء تعظيم لأَجل الإِمارة ولكن قد يغلى فيهم أَيضًا فيعبدون. ... (تقرير)
(١٠٠- الصور المجسمة الصغيرة ولعب عائشة ﵂
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أَشرف المرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أَجمعين.
стр. 175
وبعد: فقد نشرت جريدة البلاد السعودية بعددها (١٤١٩) الصادر في يوم الثلاثاء الموافق ٩-٤-٧٣ حول مطالعات أَحمد إبراهيم الغزاوي. بعنوان ((عرائس البنات)) تعليقًا قالت فيه: إن عرائس البنات ولعب الأَولاد أَو (الدمى) لازالت حاجة ملحة من حاجات الطفولة تدخل إلى الأَطفال المسرة وتشيع البهجة في نفوسهم، إلا أَن هذه اللعب الدمى قد تطورت مع الزمن كما تطور كل شيء في الدنيا فأخذت تصنعها المصانع فزادت فيها تشويقًا وتلوينًا وتنويعًا ولكنها لم تخرج عن حقيقتها كلعب أَطفال، فهل يختلف الحكم على هذه اللعب عن الحكم على لعب السيدة عائشة؟.
وقد وجهت الجريدة إلي استفتاءَها في ذلك، فأَقول مستعينًا بالله تعالى:
نعم يختلف حكم هذه الحادثة الجديدة عن حكم لعب أُم المؤمنين عائشة ﵂، لما في هذه الجديدة الحادثة من حقيقة التمثيل والمضاهات والمشابهة بخلق الله تعالى، لكونها صورًا تامة بكل اعتبار، ولها من المنظر الأَنيق والصنع الدقيق والرونق الرائع ما لا يوجد مثله ولا قريب منه في الصور التي حرمتها الشريعة المطهرة، وتسميتها لعبًا وصغر أَجسامها لا يخرجها عن أَن تكون صورًا، إذ العبرة في الأَشياء بحقائقها لا باسمائها، فكما أَن الشرك شرك وان سماه صاحبه استشفاعًا وتوسلاً، والخمر خمر وإن سماها صاحبها نبيذًا: فهذه صور حقيقية وان سماها صانعوها والمتاجرون فيها والمفتونون بالصور لعب أَطفال، وفي
стр. 176
الحديث: ((يَجِيءُ في آخرِ الزمَانِ أَقوامٌ يَسْتحِلُّون الْخمرَ يُسمونَهَا بغيرِ اسمِها)) .
ومن زعم أَن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأَرواح فعليه إقامة الدليل وأَن يجد إلى ذلك سبيلاً، فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبعة ولا نحو ذلك، بل الظاهر أنها من عهن أَو قطن أَو خرق أَو قصبة أَو عظم مربوط في عرضه عودًا معترضًا بشكل يشبه الموجود من اللعب في أَيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدًا، لما في صحيح البخاري من أَن الصحابة يصومون أَولادهم فإذا طلبوا الطعام أَعطوهم اللعب من العهن يعللونهم بذلك، ولما في سنن أَبي داود وشرحها من حديث عائشة من ذكر الفرس ذي أَربعة الأَجنحة من رقاع يعني من خرق، ولما علم عن حال العرب من الخشونة غالبًا في أَوانيهم ومراكبهم وآلاتهم آلات اللعب وغيرها. وفيما ذكرت ها هنا مقنع لمريد الحق إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم أَن تطور الزمان بأَي نسبة لا يخرج شيئًا عن حكمه الشرعي، إذ رفع حكم ثبت شرعًا بالحوادث لا يجوز بحال، لأَنه يكون نسخًا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسًا.
وربما شبه هاهنا بعض الجهلة بقول عائشة ﵂: لو رأَى رسول الله ﷺ ما أَحدث النساءُ لمنعهن المساجد. ولا حجة فيه بحمد الله على تغيير الأَحكام الثابة شرعًا بالحوادث، فإن عائشة ردت الأَمر إلى صاحب الشرع، فقالت:
стр. 177
لو رأَى لمنع. ولم تمنع هي، ولم تر لأَحد أَن يمنع، وهذا واضح بحمد الله. والله الموفق.
محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض (٢٢-٥-٧٣هـ)
(١٠١) التصوير الشمسي، وبطلان فتوى من أَجازه)
وجه إليَّ سؤال عما كتبه أَبو الوفاء محمد درويش في مجلة ((الهدي النبوي)) من الفتوى بشأن التصوير الشمسي، والفتوى بجوازه مطلقًا، ومؤكدًا الجواز ومستدلاً عليه بما رواه مسلم عن بسر بن سعيد، حينما قال بسر لعبد الله الخولاني وقد رأى سترًا فيه صورة في بيت زيد: أَلم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأَول، فقال عبد الله أَلم تسمعه حين قال: الا رقمًا في ثوب، وبقوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (١) .
مقررًا ذلك بقوله: لا يريد إلا أَنه عجعل أَجسامكم في صورة حسنة، قال: فالتصوير في الحقيقة لا يطلق إلا على المجسمات.
وجوابي عن ذلك أَن أَقول: تصوير ماله روح لا يجوز، سواءٌ في ذلك ما كان له ظل وما لا ظل له، وسواءٌ كان في الثياب والحيطان والفرش والأَوراق وغيرها. هذا الذي تدل عليه الأَحاديث الصحيحة، كحديث مسروق الذي في البخاري، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ أَشدَّ الناس عذابًا يومَ القيامةِ الْمصوِّرُونَ)) وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الَّذينَ يَصنعونَ
стр. 178
هذهِ الصورَ يُعذبُونَ يومَ القيامة يُقالُ لهم أَحْيُوا ما خَلَقْتُم)) .
وحديث ابن عباس ﵄، قال سمعت محمدًا ﷺ يقول: ((مَنْ صورَ صورة في الدُّنيا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الروحَ وليس بنافخ)) فهذه الأَحاديث الصحيحة وأَمثالها دلت بعمومها على منع التصوير مطلقًا، ولو لم يكن في الباب سواها لكفتنا حجة علىالمنع الاطلاقي، فكيف وقد وردت أَحاديث ثابتة ظاهرة الدلالة علىمنع تصوير ما ليس له ظل من الصور: منها حديث عائشة ﵂ وهو في البخاري أَنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقالت أَتوب إلى الله عما اذنبت، فقال: ما هَذهِ النِّمرقَةُ. فقلتُ لتجلس عليها وتَوَسَّدَهَا. قال: إِنَّ أَصحاب هذه الصور يُعذبون يوم الْقيامة يقال لهم أَحيوا ما خلقتم وإِنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصور)) .
ومنها حديث أَبي هريرة ﵁ الذي في السنن وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه: ((أَتاني جبريلُ فقَالَ أَتيتكَ الْبارحةَ فَلمْ يمنعني أَن أَكونَ دَخلتُ إِلا أَنهُ على الْباب تماثيل، وكان في الْبيت قِرامُ سِتْر فيه تماثيل وكانَ في البيتِ كلبٌ، فمرْ براس التمثال الذي على باب الْبيت يقطع فيصير كهيئة الشجر، ومر بالستر فليُقطَعْ فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتانِ منبوذتانِ تُوْطَآن، وَمُرْ بالكلبِ فَلْيُخْرجْ. ففعل رسولُ الله ﷺ ) ومنها ما في مسلم عن سعيد بن أَبي الحسن، قال جاءَ رجل إلى ابن عباس، فقال إني رجل أُصور هذه الصور فافتني فيها. فقال
стр. 179
له: أدن مني. فدنا منه. ثم قال: ادن مني. فدنا منه. ثم قال: أدن مني. فدنا حتى وضع يده على رأْسه، قال: انبئُك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كُلُّ مُصور في النارِ يُجْعَلُ لهُ بكلِّ صُورة يُصورُهَا نفسٌ فتعذبُهُ في جهنم)) وقال: ان كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له. ومنها ما في سنن أَبي داود، عن جابر ﵁ ((أَن النبي ﷺ أَمر عمر بن الْخطاب زمن الْفتح وهو بالْبطحاء أَن يأتي الْكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها)) . ومنها ما بوب عليه البخاري بقوله: (باب نقض الصور) وهو حديث عمران بن حطان أَن عائشة ﵂ حدثته ((أَن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه)) .
ومن هذه الأَحاديث وامثالها أَخذ أَتباع الأَئمة الأَربعة وسائر السلف إلا من شذ منع التصوير، وعمموا المنع في سائر الصور، سواء ما كان مجسدًا وما كان مخططًا في الأَوراق وغيرها كالمصور في أَصل المرآة وغيرها مما يعلق في الجدران ونحو ذلك.
أَما تعلق من خالف في ذلك بحديث ((الا رقما في ثوب)) فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأَرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الامام أَبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا
стр. 180
كان محتملاً فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أَن يحمل على ما يوافق الأَحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل. على أَنه لو سلم بقاء حديث إلا رقمًا في ثوب على ظاهره لما أَفاد الا جواز ذلك في الثوب فقط، وجوازه في الثوب لا يقتضي جوازه في كل شيء، لأَن ما في الثوب من الصور إما ممتهن واما عرضة للإمتهان، ولهذا ذهب بعض أَهل العلم إلى أَنه لا بأس بفرش الفرش التي فيها التصاوير استدلالاً يما في حديث السنن الذي أَسلفنا، وهو قوله ﷺ ((ومُرْ بالسِّتْر فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتان مَنْبُوذَتانِ تُوْطَآن)) اذ وطئها وامتهانها مناف ومناقض لمقصود المصورين في أَصل الوضع وهو تعظيم المصور والغلو فيه المفضي إلى الشرك بالمصور، ولهذه العلة والعلة الأخرى وهي المضاهاة بخلق الله جاءَ الوعيد الشديد والتهديد الأَكيد في حق المصورين.
واما جعل الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) معارضة لما دلت عليه النصوص النبوية بعمومها تارة وبظاهرها أخرى فهذا من أَفحش الغلط، ومن أَبين تحريف الكلم عن مواضعه، فان التصوير الشمسي وإن لم يكن مثل المجسد من كل وجه فهو مثله في علة المنع وهي ابراز الصورة في الخارج بالنسبة إلى المنظر، ولهذا يوجد في كثير من المصورات الشمسية ما هو أبدع في حكاية المصور حيث يقال هذه صورة فلان طبق الأَصل. والحاق الشيء بالشيء لا يشترط المساواة من كل الوجوه كما هو معلوم. هذا لو لم تكن الأَحاديث ظاهرة