الحديث: ((يَجِيءُ في آخرِ الزمَانِ أَقوامٌ يَسْتحِلُّون الْخمرَ يُسمونَهَا بغيرِ اسمِها)) .
ومن زعم أَن لعب عائشة صور حقيقية لذوات الأَرواح فعليه إقامة الدليل وأَن يجد إلى ذلك سبيلاً، فإنها ليست منقوشة ولا منحوتة ولا مطبوعة من المعادن المنطبعة ولا نحو ذلك، بل الظاهر أنها من عهن أَو قطن أَو خرق أَو قصبة أَو عظم مربوط في عرضه عودًا معترضًا بشكل يشبه الموجود من اللعب في أَيدي البنات الآن في البلدان العربية البعيدة عن التمدن والحضارة مما لا تشبه الصورة المحرمة إلا بنسبة بعيدة جدًا، لما في صحيح البخاري من أَن الصحابة يصومون أَولادهم فإذا طلبوا الطعام أَعطوهم اللعب من العهن يعللونهم بذلك، ولما في سنن أَبي داود وشرحها من حديث عائشة من ذكر الفرس ذي أَربعة الأَجنحة من رقاع يعني من خرق، ولما علم عن حال العرب من الخشونة غالبًا في أَوانيهم ومراكبهم وآلاتهم آلات اللعب وغيرها. وفيما ذكرت ها هنا مقنع لمريد الحق إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم أَن تطور الزمان بأَي نسبة لا يخرج شيئًا عن حكمه الشرعي، إذ رفع حكم ثبت شرعًا بالحوادث لا يجوز بحال، لأَنه يكون نسخًا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسًا.
وربما شبه هاهنا بعض الجهلة بقول عائشة ﵂: لو رأَى رسول الله ﷺ ما أَحدث النساءُ لمنعهن المساجد. ولا حجة فيه بحمد الله على تغيير الأَحكام الثابة شرعًا بالحوادث، فإن عائشة ردت الأَمر إلى صاحب الشرع، فقالت:
стр. 177
لو رأَى لمنع. ولم تمنع هي، ولم تر لأَحد أَن يمنع، وهذا واضح بحمد الله. والله الموفق.
محمد بن إبراهيم آل الشيخ - الرياض (٢٢-٥-٧٣هـ)
(١٠١) التصوير الشمسي، وبطلان فتوى من أَجازه)
وجه إليَّ سؤال عما كتبه أَبو الوفاء محمد درويش في مجلة ((الهدي النبوي)) من الفتوى بشأن التصوير الشمسي، والفتوى بجوازه مطلقًا، ومؤكدًا الجواز ومستدلاً عليه بما رواه مسلم عن بسر بن سعيد، حينما قال بسر لعبد الله الخولاني وقد رأى سترًا فيه صورة في بيت زيد: أَلم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأَول، فقال عبد الله أَلم تسمعه حين قال: الا رقمًا في ثوب، وبقوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (١) .
مقررًا ذلك بقوله: لا يريد إلا أَنه عجعل أَجسامكم في صورة حسنة، قال: فالتصوير في الحقيقة لا يطلق إلا على المجسمات.
وجوابي عن ذلك أَن أَقول: تصوير ماله روح لا يجوز، سواءٌ في ذلك ما كان له ظل وما لا ظل له، وسواءٌ كان في الثياب والحيطان والفرش والأَوراق وغيرها. هذا الذي تدل عليه الأَحاديث الصحيحة، كحديث مسروق الذي في البخاري، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ أَشدَّ الناس عذابًا يومَ القيامةِ الْمصوِّرُونَ)) وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : ((إِنَّ الَّذينَ يَصنعونَ
стр. 178
هذهِ الصورَ يُعذبُونَ يومَ القيامة يُقالُ لهم أَحْيُوا ما خَلَقْتُم)) .
وحديث ابن عباس ﵄، قال سمعت محمدًا ﷺ يقول: ((مَنْ صورَ صورة في الدُّنيا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فيها الروحَ وليس بنافخ)) فهذه الأَحاديث الصحيحة وأَمثالها دلت بعمومها على منع التصوير مطلقًا، ولو لم يكن في الباب سواها لكفتنا حجة علىالمنع الاطلاقي، فكيف وقد وردت أَحاديث ثابتة ظاهرة الدلالة علىمنع تصوير ما ليس له ظل من الصور: منها حديث عائشة ﵂ وهو في البخاري أَنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقالت أَتوب إلى الله عما اذنبت، فقال: ما هَذهِ النِّمرقَةُ. فقلتُ لتجلس عليها وتَوَسَّدَهَا. قال: إِنَّ أَصحاب هذه الصور يُعذبون يوم الْقيامة يقال لهم أَحيوا ما خلقتم وإِنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه الصور)) .
ومنها حديث أَبي هريرة ﵁ الذي في السنن وصححه الترمذي وابن حبان ولفظه: ((أَتاني جبريلُ فقَالَ أَتيتكَ الْبارحةَ فَلمْ يمنعني أَن أَكونَ دَخلتُ إِلا أَنهُ على الْباب تماثيل، وكان في الْبيت قِرامُ سِتْر فيه تماثيل وكانَ في البيتِ كلبٌ، فمرْ براس التمثال الذي على باب الْبيت يقطع فيصير كهيئة الشجر، ومر بالستر فليُقطَعْ فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتانِ منبوذتانِ تُوْطَآن، وَمُرْ بالكلبِ فَلْيُخْرجْ. ففعل رسولُ الله ﷺ ) ومنها ما في مسلم عن سعيد بن أَبي الحسن، قال جاءَ رجل إلى ابن عباس، فقال إني رجل أُصور هذه الصور فافتني فيها. فقال
стр. 179
له: أدن مني. فدنا منه. ثم قال: ادن مني. فدنا منه. ثم قال: أدن مني. فدنا حتى وضع يده على رأْسه، قال: انبئُك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كُلُّ مُصور في النارِ يُجْعَلُ لهُ بكلِّ صُورة يُصورُهَا نفسٌ فتعذبُهُ في جهنم)) وقال: ان كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له. ومنها ما في سنن أَبي داود، عن جابر ﵁ ((أَن النبي ﷺ أَمر عمر بن الْخطاب زمن الْفتح وهو بالْبطحاء أَن يأتي الْكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها)) . ومنها ما بوب عليه البخاري بقوله: (باب نقض الصور) وهو حديث عمران بن حطان أَن عائشة ﵂ حدثته ((أَن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه)) .
ومن هذه الأَحاديث وامثالها أَخذ أَتباع الأَئمة الأَربعة وسائر السلف إلا من شذ منع التصوير، وعمموا المنع في سائر الصور، سواء ما كان مجسدًا وما كان مخططًا في الأَوراق وغيرها كالمصور في أَصل المرآة وغيرها مما يعلق في الجدران ونحو ذلك.
أَما تعلق من خالف في ذلك بحديث ((الا رقما في ثوب)) فهو شذوذ عن ما كان عليه السلف والأئمة، وتقديم للمتشابه على المحكم، إذ أنه يحتمل أن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصورة فيه من غير ذوات الأَرواح كصورة الشجر ونحوه، كما ذكره الامام أَبو زكريا النووي وغيره. واللفظ إذا
стр. 180
كان محتملاً فلا يتعين حمله على المعنى المشكل، بل ينبغي أَن يحمل على ما يوافق الأَحاديث الظاهرة في المنع التي لا تحتمل التأويل. على أَنه لو سلم بقاء حديث إلا رقمًا في ثوب على ظاهره لما أَفاد الا جواز ذلك في الثوب فقط، وجوازه في الثوب لا يقتضي جوازه في كل شيء، لأَن ما في الثوب من الصور إما ممتهن واما عرضة للإمتهان، ولهذا ذهب بعض أَهل العلم إلى أَنه لا بأس بفرش الفرش التي فيها التصاوير استدلالاً يما في حديث السنن الذي أَسلفنا، وهو قوله ﷺ ((ومُرْ بالسِّتْر فَلْيُجْعَلْ منهُ وِسادتان مَنْبُوذَتانِ تُوْطَآن)) اذ وطئها وامتهانها مناف ومناقض لمقصود المصورين في أَصل الوضع وهو تعظيم المصور والغلو فيه المفضي إلى الشرك بالمصور، ولهذه العلة والعلة الأخرى وهي المضاهاة بخلق الله جاءَ الوعيد الشديد والتهديد الأَكيد في حق المصورين.
واما جعل الآية الكريمة وهي قوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) معارضة لما دلت عليه النصوص النبوية بعمومها تارة وبظاهرها أخرى فهذا من أَفحش الغلط، ومن أَبين تحريف الكلم عن مواضعه، فان التصوير الشمسي وإن لم يكن مثل المجسد من كل وجه فهو مثله في علة المنع وهي ابراز الصورة في الخارج بالنسبة إلى المنظر، ولهذا يوجد في كثير من المصورات الشمسية ما هو أبدع في حكاية المصور حيث يقال هذه صورة فلان طبق الأَصل. والحاق الشيء بالشيء لا يشترط المساواة من كل الوجوه كما هو معلوم. هذا لو لم تكن الأَحاديث ظاهرة
стр. 181
في التسوية بينهما، فكيف وقد جاءَت أَحاديث عديدة واضحة الدلالة في المقام.
وقد زعم بعض مجيزي التصوير الشمسي أنه نظير ظهور الوجه في المرآة ونحوها من الصقيلات، وهذا فاسد فإن ظهور الوجه في المرآة ونحوها شيء غير مستقر، وإنما يرى بشرط بقاءِ المقابلة، فإذا فقدت المقابلة فقد ظهور الصورة في المرآة ونحوها، بخلاف الصورة الشمسية فإنها باقية في الأَوراق ونحوها مستقرة، فالحاقها بالصور المنقوشة باليد أَظهر وأَوضح واصح من الحاقها بظهور الصورة في المرآة ونحوها، فإن الصورة الشمسية وبدو الصورة في الأَجرام الصقيلة ونحوها يفترقان في أَمرين: (أَحدهما) : الاستقرار والبقاءُ. (الثاني) : حصول الصورة عن عمل ومعالجة. فلا يطلق لا لغة ولا عقلا ولا شرعا على مقابل المرآة ونحوها انه صور ذلك، ومصور الصور الشمسية مصور لغة وعقلاً وشرعًا، فالمسوي بينهما مسو بين ما فرق الله بينه. والمعانعون منه قد سووا بين ما سوى الله بينه، وفرقوا بين ما فرق الله بينه، فكانوا بالصواب أَسعد، وعن فتح أَبواب المعاصي والفتن أَنفر وأَبعد، فإن المجيزين لهذه الصور جمعوا بين مخالفة أَحاديث رسول الله ﷺ ونفث سموم الفتنة بين العباد بتصوير النساء الحسان، والعاريات الفتان في عدة أَشكال وأَلوان، وحالات تقشعر لها كل مؤمن صحيح الايمان، ويطمئن إليها كل فاسق وشيطان، فالله المستعان وعليه التكلان. قاله الفقير إلى مولاه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف
стр. 182
آل الشيخ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(٢٤-١١-١٣٧٣هـ وطبعت عام ١٣٨٥)
(١٠٢- التصوير الضوئي، والتصوير بالأَصباغ)
التصوير الضوئي اغتر به كثير، وسببه أَنهم بلوا به ولم يجدوا مناصًا ففرقوا (١) وهذا غلط. فالمصور يريد شيئًا يحصل عن تسببه صورة في الخارج، فالغرض إيجاد مثال الصورة، ابرازه في الخارج كانه وجه فلان طبق الأَصل. وأما كونه مما لا يمسك فهذا مما روجه الافرنج.
وبهذا يعرف أَن التفريق غلط، فإذا نظرت الصورة حصل المقصود. أفيهون شأنها إذا رآها بالتصوير الضوئي؟! لا. إلا أَن ما كان مجسدًا يبقى أَكثر، فكلاهما يمنع مدة وجوده، بل الضوئي أَشد فتنة من المجسم، فإنه يأتي بشكل الأَصل أَتم وأَكمل من غيره. وليس فيه مشكل الا أَنه جاءَ من الافرنج (٢) فهذا فيه شهوة فيأتي من يشبه فيسوغ الأَمر، وهذا في كل شيء يوجد في بلد وينتشر ويستعمل. وتعرف أَن من الأَحاديث في ذلك ما في سنن أَبي داود: ((أَنَّ النبيَّ ﷺ لما رأَى الصورَ في الْبيتِ لم يدخل حتَّى أمر بها فمُحِيَتْ)) فما كان بالضوئي فهو مثل الصبغ. (تقرير) .
(١٠٣- تصوير البحار والأَنهار والأَشجار والأَشياء الحقيرة)
جاءَ في تعليق على كتاب ((التوسل والوسيلة)) ما يلي:
стр. 183
وأَما صور البحار والأَنهار والأَشجار وغير ذلك إذا قصد بها اظهار عظمة الله وابداعه في الكون فلهذه الصور ثواب عظيم، ولا حرج في تصويرها.
قال شيخنا: هنا شيء يقصده المصورون ليس هو الذي ذكره: وهو الحذق في الرسم، لا يقصدون ما ذكره، لأَن الناس يرونها بل سماع الناس عنها أَبلغ. وهذا نظير من جاءَته محبوبته فتناوم ليراها في المنام. أَما صور ذوات الأَرواح فرؤيتهم هي التي تهم الناس. فاصل التصوير للتعظيم فإذا وجد عظيم صار ذلك بَيِّنٌ، فالشريعة منعت من التصوير مطلقًا حتى الذباب. وإذا كان كذلك علم أَنه لا يختص بالمعظمين. ... (تقرير)
(١٠٤- التصوير النصفي)
التصوير النصفي: بعض العلماءِ يبيح ذلك اعتبارًا بكونه غير انسان، ويقول القطع يكفي في تغيير الصورة، وأَنه غير صورة.
ولكن الذي يظهر المنع منه، وذلك أَنه فرق بين ابتداء الشيء والقصد إليه، وبين ما يقطع بعد وجوده. ففي الثاني معاكسة لذلك. فأما القصد إلى تصوير بعض صورة فكأنه لما عجز معنى أَو حسًا - فظن أَنه يجوز النصف أَو تَرَكَهُ لأَجل أَن لا يملأَ الورق - قصد إلى هذا. وجاءَ في الحديث ((النهي عن ضرب الصورة)) (١)
стр. 184
وهي الوجه، لأَنه هو عنوان الإنسان. فإذا صور الرأْس والوجه أَو الرقبة والرأْس: فالبقية مغطى بالثياب لا يدري ما هو، وبعضهم تركه لأجل أَن لا يملأَ الورق. ... (تقرير ٧٦هـ)
وفي جواب آخر قال:
التصوير النصفي لا اشكال عندي في أَنه محرم، وان كان ذهب نزر قليل إلى القول بعدم التحريم، وربما يكون أَخف من الكامل لأَجل هذا القول، وأَما أَنا فلا إشكال عندي فيه، لأَن الوجه هو المقصود. ... (تقرير ٧٦هـ) .
(١٠٥- جواز التصوير البعضي للحاجة)
من محمد بن إبراهيم إلى الاستاذ مدير مدرسة سدوس الابتدائية ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفتي به عن حكم التصوير، وهل هناك فرق بين الصورة المجسدة وغيرها من الصور الشمسية والفوتغرافية، أَو بين ما تبرز فيه صورة الإنسان كاملة وبين تصوير الوجه والصدر وما حولهما.
والجواب: الحمد لله. لا يخفى أَن التصوير من أَعمال الجاهلية المذمومة التي ورد الشرع بمخالفتها، وتواترت الأَحاديث الصحيحة الصريحة بالنهي عنه ولعن فاعله وتوعده بالعذاب في جهنم كما في حديث ابن عباس مرفوعًا ((كُلُّ مُصَوّر في النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَة صَوَّرَهَا نَفْسٌ تُعَذِّبُهُ في جَهَنَّمَ)) رواه مسلم.
стр. 185
وهذا يعم تصوير كل مخلوق من ذوات الأَرواح من آدميين وغيرهم، ولا فرق أَن تكون الصورة مجسدة أَو غير مجسدة، وسواءٌ أُخذت بالآلة أَو بالأَصباغ والنقوش أَو غيرها، لعموم الأَحاديث.
ومن زعم أَن الصورة الشمسية لا تدخل في عموم النهي وأَن النهي مختص بالصورة المجسمة وبما له ظل فزعمه باطل، لأَن الأَحاديث عامة في هذا، ولم تفرق بين صورة وصورة. وقد صرح العلماءُ بأن النهي عام للصور الشمسية وغيرها كالامام النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما. وحديث عائشة في قصة القرام صريح، ووجه الدلالة منه أَن الصورة التي تكون في القرام ليست مجسدة وإنما هي نقوش في الثوب، ومع هذا فقد عدها الرسول ﷺ من مضاهات خلق الله.
لكن إذا كانت الصورة غير كاملة من أَصلها كتصوير الوجه والرأس والصدر ونحو ذلك وأُزيل من الصورة ما لا تبقى معه الحياة فمقتضى كلام كثير من الفقهاء اجازته، لا سيما إذا دعت الحاجة إلى هذا النوع وهو التصوير البعضي. وعلى كلٍّ فإن على العبد تقوى الله ما استطاع، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (١) . والسلام.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-٢٤١٩-١ في ٥-٩-١٣٨٥هـ)
стр. 186
(١٠٦- ولضرورة الأخذ من الضمان الاجتماعي بشروط)
من محمد بن إبراهيم إلى جناب الأَخ المكرم عبد الرحمن بن مدراء الشاطري بن درويش ... سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تذكر فيه حالتك عند مراجعة مصلحة الضمان الاجتماعي وانهم طلبوا عليك عكس وأنت محتاج لهم وذو عائلة ومدين وتسأَل هل يجوز العكس.
والجواب: إذا كان العكس بنصف الصورة فأقل وكان التصوير للضرورة وكنت كارهًا لذلك لولا ما ذكر فالمسألة تكون في حقك أَخف من غيرك، والفقهاءُ صرحوا بأنه إذا أُزيل من الصورة ما لا تبقى معه الحياة فلا بأْس. ولعل هذا بمثابة تصوير النصف فأَقل، ونظرًا لما ذكرته عن حالتك أَرجو أَن لا بأْس بذلك. والسلام.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف-١٥٥٨-١ في ١٢-٦-٨٤هـ) .
(١٠٧- س: وإذا احتاج الإنسان إلى سفر وكان لابد من تصويره)
ج: - إذا كان لحاجة هامة ولا سيما في الدين كالحج والهجرة وكان كارهًا لتصويره.
ومن قال لا يحج لأَجل أَنه لا يحج إِلا إِذا صور فهو غلطان، فإِن المحرمات درجات، وهو ما صور فلا تتناوله اللعنة. ونحن
стр. 187
حين سافرنا إلى مصر جاءَنا كتاب من الملك عبد العزيز أَرسله معنا إلى مصر فيه بيان السماح عن التصوير لأَمر أَظنه قال سياسي واستصحبناه إِلى مصر ولم نُصور.
فالحاصل أَنه إِذا كان به مرض وكان لابد من علاجه أَو كان سفره لخير كثير في الدين. فهذا من ارتكاب احدى المفسدتين لتفويت أَكبرهما. ... (تقرير)
س: - لو عقدتم مؤتمرًا في مكة لبيان هذا، وكذلك سائر شؤون الإِسلام؟
ج: - على اقرار الأَوثان؟ لو نعلم أَن فيه مصلحة لمشينا إلى مكة حفاة. ... (تقرير)
(١٠٨- دخول المساجد بالصور وحملها في الصلاة وخارجها، وإذا كانت تداس وتمتهن)
المسألة الثانية (١) سؤالك عن استعمال الصور وحكم التصوير؟
والجواب: لا يخفى أَن النبي ﷺ نهى عن تصوير ذوات الأَرواح من آدميين وغيرهم، ولعن المصورين، وأَخيرًا أَنهم أَشد الناس عذابًا يوم القيامة ورد بذلك جملة أَحاديث صحيحة حتى عد التصوير من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار. فهذا حكم التصوير.
وأَما حكم استعمال الصور فقد صرح الفقهاءُ ﵏ بأَنه يحرم استعمال كل صورة من ذوات الأَرواح سواء كانت في المساجد أَو خارجها، لكن لا يخفى أَن الاستهانة بحرمات الله
стр. 188
واستعمال الصور في بيوت الله أَشد تحريمًا وأَغلظ جرمًا، وأما استعمالها أَو حملها حال أداء الصلاة فهو أَشد جرأَة والعياذ بالله.
ثم ان العلماء ﵏ فصلوا فيما إذا ابتلي الإنسان بشيء فيه صور، وقالوا إذا كان بحالة تهان فيها الصورة كأَن تكون في بساط ونحوه مما يطرح على الأَرض ويداس ففي مثل هذه الحال رخصوا فيه للحاجة، ولما ورد في هذا الباب (١) ولأَن الصور تهان بوضعها على الأَرض ودوسها بالأَقدام.
مفتي البلاد السعودية
(ص-ف١٢٢١-١ في ٢٥-٥-١٣٨٥هـ)
(١٠٩- ادخال الصحف التي فيها صور النساء الكاشفات العاريات البيوت هل هو جائز أَم لا وهل صاحب المنزل يرتكب جريمة)
وجواب المسألة الخامسة (٢) : لا يجوز إدخال البيوت الصحف المذكورة في السؤال، وفاعل ذلك مرتكب جريمة.
(ص-ف-٦٠٨ في ١٧-٨-١٣٧٦هـ) .
(١١٠- س: هل قوله ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب)) عام تدخل فيه الحفظة أَم لا؟)
ج: - الظاهر أَنهم لا يدخلون فيه. ... (تقرير)
(١١١- س: الكتاب الذي فيه الصور؟)
ج: - يجب طمس الصور إذا لم تكن مقصودة مثل الجارية
стр. 189
المغنية تقوم ساذجة، وان كانت تزيد في ثمنه لا يجوز أَخذ الثمن عنها. فإذا كان يساوي ثلاثة بالصور وبدونها بريالين فلا يجوز أَخذ زائد عن الريالين. ... (تقرير) .
(١١٢- سئل عن اقتناء المنجد مع ما فيه من الصور؟)
ج: - يتتبع الصور التي فيه ويطمسها ويستعمله. ... (تقرير) (١) .
(١١٣- س: إذا كانت الصور في فرش؟)
ج: - ليست مقصودة، إلا أَن كانت الصورة تزيد في الثمن فإذا باعها فيلغى الثمن الزائد. لأَن الزيادة في مقابلة الحرام كالأَمة المغنية.
فإذا كانت في فراش فتغطى بشيء، ويكفي فيها إذا كانت في فراش نفيس أَن تقطع الرقبة، فإذا قطعت بشيء بمقدار خط قليل بمقدار الرقبة فهذا يكفي وإن كانت موجودة. إذا وجد منظر كأنه مذبوح فهذا إهانة لها كالجلوس على الفرش، ولهذا نجد الصور اليوم للمعظمين لو يبصق عليها غار من هي عنده.
(تقرير) (٢) .
(حماية المصطفى لحمى التوحيد)
(١١٤- س: سيدنا محمد؟)
ج: - للعلماء فيها كلام. والصحيح أَنه لا محذور فيها، لكن
стр. 190
ما الراجح؟ الراجح تركها لأَجل مجيئها في النصوص ((مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهْ)) . ... (تقرير) .
(١١٥- س: ماهو الجمع بين قوله ((السيد الله)) وقوله: ((أَنا سيد ولد آدم)) )
ج:٠ الجمع أَنه منع من هذا الذي هو جائز حماية لحمى التوحيد. والثاني قاله على وجه التحدث بنعمة الله. أَما التحريم والله أَعلم - فبالنسبة إلى غير الرسول ﷺ . ... (تقرير) .
(١١٦- س: هل هنا فرق بين المواجهة وغيرها؟)
ج: مراد المصنف يرجع إلى المواجهة. ... (تقرير مسائل التوحيد) .
(١١٧- س: قول يا سيدي فلان؟)
ج: - ما ينبغي، أليس في رسول الله أُسوة حسنة إذ قال وهو سيد الخلق: ((السَّيِّدُ اللهُ)) ؟ ... (تقرير) .
(١١٨- س: قوله: مولاي فلان؟)
ج: - ما ينبغي. ... (تقرير) .
(١١٩- س: رسول السلام؟)
ج: إذا قيل في مبتدع كلمة تفخيم فلا تجوز، فضلاً عن أَن تقال لكافر، حتى المستقيم لا تجوز. واضافتها إلى السلام قبيحة جدًا، فرسل الله هم رسل السلامة في الدنيا والآخرة من جميع المحاذير. إلا أَن القصود تؤثر في الأَلفاظ. الذي يقول ذلك ويقصد ويعلم غير. فالناس متفاوتون في أَشياء أُخر غير اللفظ بالنسبة إلى الجهل وعدمه، وبالنسبة إلى القصد وعدمه. والمنع يتفاوت في الغلظ والخفة بحسب هذه الأُمور. ... (تقرير) .
стр. 191
القسم الثالث
وحدانية الصفات
стр. 192
(١٢٠- أُصول الدين ماذا يراد بها، والمنطق، والكلام)
في هذه الأَزمان المسمى ((أُصول الدين)) هو ما يتعلق بالكلام في العقائد، وأَكثر ما يطلقونه على ما يرجع إلى أَساسات وأَقوال المنطقيين، وان كان قد يلم به أَدلة لكن لا تذكر هناك إلا إذا وافقت لمعتقدهم ومُقَلَّدِهِم. المنطق والكلام يذكر عند الحاجة إليه، وليس كل ما يقررونه في المنطق باطلاً، بل المراد أَنه ليس معصومًا وفيه زلل، وليس المراد أَنها وجدت لابطال كل حق، إنما وضعوه ليصرفوا به الحق الذي لم يقبلوه إِما زندقة أَو جهلاً منهم. ففيه شيء حق ويقرر عند الحاجة إليه، لكن هو شبه الاعتضاد لا الاعتماد. وأَما أَهله فهو المعتمد عندهم والنصوص شبه المعتضد، فهي عندهم ليست من خبر الآحاد بل هذبتها القرائح وأَوصلته إلى أَن يكون كذا وكذا. (١) .
الأَشعري وشيخ الإِسلام وابن القيم يستعملون أَشياءً من هذا عند الحاجة إليها لأناس شاع عندهم وذاع ذكر المقدمات وأَشياء ولو كان الزمن مثل زمن الصحابة لما احتاج إلى هذا، ولكن هذا توسع في الرد على المبتدعة وأَشياء في نفسها حق وقليلة وليس ايثارا لها ولا يفهم ممن ذكروها أَنها أَقدم من النصوص وإنما تذكر لمزيد التفهم. ... (تقرير الحموية)
стр. 193
(افتراق الأمة وتسليط الأشرار)
(١٢١- س: حديث ((افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة..)) الخ هل يدل على أَن هذه الأمة أَشر من غيرها من الأمم كاليهود والنصارى؟) .
ج: - هذا لا يدل على أَن هذه الأُمة أَشر من غيرها من الأُمم، بل فيه بيان أَن ما يوجد من الافتراق في تلك الأمم يوجد في هذه الأُمة مثله في الافتراق وأكثر. (١) ... (تقرير)
(١٢٢- (وإن جندنا لهم الغالبون))
هذه صيغة حصر تحصر جميع أَنواع الغلب، ولا نظن أَنه لا يمكن تسلط أَهل الشر في هذه الأَزمان، فإِنه بسبب اضاعته والا فدين رب العالمين محفوظ، حتى إِنه يحفظ من يقوم به. ولا نظن أَنه يرد عليه إدالة أَهل الباطل بعض الأَحيان فإِنه تمحيص ورفعة لأَهل الحق، وغرور لأَهل الباطل. ... (تقرير) .
(عقائد الناس في الصفات)
(١٢٣- س: هل أكثر اتباع الأئمة الأَربعة تأولوا نصوص الصفات؟)
ج: - نعم وغيرهم، وكذلك بعض المنتسبين إلى الحديث أَيضًَا. فالحق هو الحق. وأَهل الحديث المحض الحقيقة ما دخل عليهم شيء من ذلك، وكذلك الحنبلية الحقيقة والشافعية الحقيقة ما دخل عليهم إلا ما لا يسلم منه إلا معصوم. والذين ينتسبون إِلى الحديث في هذا الزمن تعدوا الجادة وتكلموا في الأَئمة ووقعوا في جهل وهوى. والا من المعلوم أَن في المنتسبين إِلى المذاهب أَشياءَ في الفقه وفي الاعتقادات. ... (تقرير) .
стр. 194
(١٢٤- طعن الأحناف على أبي مطيع والفقه الأَكبر)
العجيب والمصيبة أَن المتأَخرين من الأَحناف يطعنون في أَبي مطيع، وينكرون الْمُؤَلَّفَ، وهذا كله من متأَخري الأَحناف الذين غرقوا في البدع كما غرق غيرهم، فإن أَهل هذا المذهب دخل عليهم من مذهب الأَشاعرة في الصفات. ... (تقرير الوكالة) .
(١٢٥- الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية للسفارينى)
الأَمر كما ذكر (١) في كثير من الوجوه. أَما في بعض الوجوه فلا، فانه دخلها من عقائد الأَشعرية ما دخلها، دخلت عليه كما دخلت على غيره. (٢) ... (تقرير) .
(١٢٦- قول شارع الزاد في معنى ((الرحمن الرحيم)) : الموصوف بكمال الانعام أَو بارادة ذلك
هذا جرى فيه الشارح على آثار الشراح، وهذا من اعتقاد الأَشاعرة، ومن المعلوم أَنه شعبة من المذهب الجهمي الوبي. وقد اشتهر في النفي مذاهب أَربعة: المعتزلة، والأَشاعرة، والجهمية، والماتريدية. والماتريدية قريبة من الأَشعرية إلا أَن بينهما فروق مذكورة في مواضعها.
الجهمية ينفون جميع الأَسماء والصفات ولا يثبتون شيئًا أَو يثبتون ((القادر)) لأَن مذهب جهم الجبر. وهم زعموا التنزيه فلجئوا إلى التشبيه، فلما تصوروا ذلك واعتقدوه كذبوا الرسول ولجئوا إلى التعطيل، فوقعوا في تشبيه أَكثر من الأَول.
стр. 195
والأَشاعرة أَثبتوا سبعًا، وقالوا في البقية أنها اخبار آحاد ونحو ذلك.
ثم الأَشاعرة في مسلكهم الردي في النصوص يقال لهم يلزمكم فيما صرتم إليه، فإن قالوا: ارادة مثل إرادة المخلوق. قيل: شبهتم، وإن قالوا: ارادة تليق بجلال الله. قيل لهم: وكذلك قولوا في الرحمة واثبتوا نصوص الكتاب والسنة. وكذلك يقال في سائر الصفات. والحق ما عليه أَهل السنة وهو اثبات الصفات حقيقة مع قطعهم أَن الجميع لا يماثل سفات المخلوقين. ... (تقرير) .
(١٢٧- مذهب الواقفة)
ونعرف غلطة في ((المجلة)) (١) وهي ترجع إلى تصويب الواقفة وهو غلط. معلوم أن وقت النبي والصحابة ما وجد من خاض في الصفات، ولما وقع الخوض فيها بامر باطل احتيج للرد عليهم فلو سكت عنه لانتفض الدين كله، فالضرورة دعت إليه كما ذكر الامام أَحمد (٢) . أَما ابتداء فلا. فيعرف أَن كلامه غلط وباطل واضح، فإن الواقفة شكوا في الحقيقة. ومعلوم كلام الشيخ وخوضه في بحور الكلام لأَجل الرد عليهم. ... (تقرير العمدة) .
(١٢٨- قول صاحب اللمعة (٣) وجب الايمان به لفظًا)
واما كلام صاحب اللمعة فهذه الكلمة مما لوحظ في هذه العقيدة، وقد لوحظ فيها عدة كلمات أخذت على المصنف،
стр. 196
إذ لا يخفى ان مذهب أَهل السنة والجماعة هو الايمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أَسماء الله وصفاته لفظًا ومعنى، واعتقاد أَن هذه الأَسماءَ والصفات على الحقيقة لا على المجاز، وأَن لها معاني حقيقة تليق بجلال الله وعظمته. وادلة ذلك أَكثر من أَن تحصر. ومعاني هذه الأَسماء ظاهرة معروفة من القرآن كغيرها لا لبس فيها ولا اشكال ولا غموض، فقد أخذ أَصحاب رسول الله ﷺ عنه القرآن ونقلوا عنه الأَحاديث لم يستشكلوا شيئًا من معاني هذه الآيات والأَحاديث لأَنها واضحة صريحة، وكذلك من بعدهم من القرون الفاضلة، كما يروى عن مالك لما سئل عن قوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (١) قال: الاستواءُ معلوم، والكيف مجهول والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك يروى معنى ذلك عن ربيعة شيخ مالك، ويروى عن أُم سلمة مرفوعًا وموقوفًا.
أما كنه الصفة وكيفيتها فلا يعلمه إلا الله سبحانه، إذ الكلام في الصفة فرع عن الكلام في الموصوف، فكما لا يعلم كيف هو -إلا هو- فكذلك صفاته. وهو معنى قول مالك: والكيف مجهول.
أَما ما ذكره في ((اللعمة)) فانه ينطبق على مذهب المفوضة وهو من شر المذاهب واخبثها. والمصنف ﵀ إمام في السنة ومن أَبعد الناس عن مذهب المفوضة وغيرهم من المبتدعة. والله أَعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص-ف ٣٢٨ في ٢٨-٧-٨٥هـ) .
стр. 197
(١٢٩- صنفان أفسدا الناس)
في الحقيقة ما أَفسد الناس إلا صنفان: المتكلمون في باب الصفات، والخرافيون في باب العبادات. ... (تقرير الحموية)
(أَسماء الله ﷻ وصفاته)
(١٣٠- القديم والأَزلي)
الصحيح أَن القديم ليس من أَسماء الله، وجاءَ في حديث اظنه ضعيفًا في سنن ابن ماجه (١) وجاءَ ما هو أَكمل منه وأَثبت وهو (الأَوَّلُ) فقوله ((القديم)) بناءً على الحديث المذكور، فلا يثبت به فرع من الفروع، فضلاً عن اثبات أَصل من الأًصول وهو أَسماءُ الله.
والأَزلي هذا يكفي عنه اسمه تعالى (الآخِرُ) . ... (تقرير شرح الزاد) .
(١٣١- س: الخالق الرازق هل هي أَسماء مشتركة أَو مختصة؟)
ج: - الظاهر جنس اطلاق الخلق على المخلوق موجود، ولكنه ليس فاشيا كفشو الكريم والرحمن. ... (تقرير) .
(١٣٢- س: خلق النهضة؟)
ج: - لغة هو صحيح. وأَما شرعًا فأَظنه لا يجوز شرعًا، ولو قدر أَنه ليس محرمًا فالأَدب أَن يجتنب، مثل ما جاءَ في الحديث (٢) في الاستغاثة: ((إِنَّهُ لا يُسْتَغَاثُ بِيْ)) انكر قوله: نستغيث برسول الله. ... (تقرير) .
стр. 198
(١٣٣- س: ما تفسير قوله: (ألا انه بكل شيء محيط) (١) مع قوله: (على العرش استوى؟) (٢)
ج: - هو سبحانه محيط بجميع خلقه علمًا، وغير علم أَيضًا. وليس المراد أَن فيه شيئًا من مخلوقاته، كمال الاحاطة لا يلزم منها ذلك، مثل ما في حديث ابن عباس: ((مَا السَّمَواتُ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحمن إِلاَّ كَخَرْدَلَة فِي يَدِ أَحَدِكُمْ)) الخردل هو الهباءُ أَو حب نبات مشهور - قريب من حب الحرشاءِ. إذا عرفت هذا النعت سهل لك معنى (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ) .
(تقرير الحموية)
(١٣٤- س: جاء في بعض نقول الحموية الشائي الخ)
ج: - هذا اسم فاعل من شاءَ، من الإِخبار عن الله بلفظ الاسم لم يجعلها أَسماءً. ... (تقرير) .
(١٣٥- المفتي الأكبر ليس من أَسماء الله)
وأما الشق الثاني (٣) وهو قوله: إن الله هو المفتي الأَكبر. فهذا الاطلاق غير صحيح، ولم نسمع بأحد من أَهل العلم أَطلق على الباري تعالى اسم ((المفتي الأَكبر)) فليس من الأَسماء الحسنى بلا شك. وأَما إسناد الافتاءِ إليه تعالى في القرآن بصيغة الفعل المقيد وهو قوله: (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ) (٤) فلا اشكال في ذلك ولكن لا يستلزم تسميته باسم المفتي الأَكبر، فإن باب الأَفعال أَوسع من باب الأَسماء كما بينه العلامة ابن القيم في كتبه، قال في ((مدارج السالكين ج٣ ص٤١٥)) في الكلام على الواجد: واطلق الله على نفسه أَفعالاً لم يتسم فيها باسم الفاعل كأراد وشاءَ وأَحدث، ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث، كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأَسماء التي أَطلق أَفعالها على نفسه، فباب الأَفعال
стр. 199
أَوسع من باب الأَسماء. وقد أَخطأَ أَقبح الخطإ من اشتق له من كل فعل اسمًا، وبلغ باسمائه زيادة على الأَلف، فسماه الماكر والخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك. وكذلك باب الاخبار عنه بالاسم أَوسع من تسميته به، فانه يخبر عنه بانه شيء وموجود ومذكور ومعلوم ومراد ولا يسمى بذلك نفسه. ومر ابن القيم في هذا البحث - إلى أَن قال: وهذا من دقيق فقه الأَسماء الحسنى.
(ص-ف-٨٧٩-١ في ٥-٤-١٣٨٥هـ) .
(١٣٦- س: جلالة الملك المعظم)
ج: - لا يظهر لي أَن فيهما باسًا، لأَن له جلالة تناسبه. (تقرير) .
(١٣٧- س: الأَجل)
ج: - لا يجوز. ... (تقرير) .
(١٣٨- س: العزيز)
ج: ما ينبغي، الا أَن قال عزيز الجناب فهذا ظاهر (تقرير الواسطية) .
(١٣٩- س: لك البقاء، ولك الدوام)
أَدام الله وجودك، أَدام الله بقاءك، أَطال الله بقاءك، أَطال الله عمرك.
ج: - البقاء لله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) المخلوق ما له بقاء،
стр. 200
ولا له دوام. فإذا قال إنسان لإنسان: لك البقاءُ ودمت كذا فهذا مما لا يجوز، البقاءُ من صفات الله، فاذا أُسند إلى إنسان فهو من الشرك.
لعلك تقول: الذي انحنى أَو قال لك البقاءُ مشرك؟
قيل لا، لأَنها كثيرًا ما تصدر من جهال وعوام، والجهل يمنع الحكم، لأَن فيها شيئًا من الغموض.
أَطال الله بقاءَك وأَطال الله عمرك لا بأس بهما. أَدام الله وجودك أَدام الله بقاءَك لا يجوز.
والجملة الاسمية أَغلظ. ... (تقرير) .
(١٤٠- س: قول بعض العامة تباركت علينا يا فلان أَو يا فلان تبارك علينا؟)
ج: - هذا لا يجوز، فهو تعالى المبارك، والعبد هو المبارك. وقول ابن عباس (تَبَارَكَ الله) تعاظم يريد أَنه مثله في الدلالة على المبالغة والبركة هي دوام الخير وكثرته، ولا خير أَكثر وأَدوم من خيره ، والخلق يكون في بعضهم شيء ولا يبلغ النهاية. فيقال: مبارك، أَو فيه بركة، وشبه ذلك.
(تقرير صلاة التطوع)
(١٤١- س: أنه على ما يشاء قدير)
ج: - الأَولى أَن يطلق ويقال: إن الله على كل شيء قدير، لشمول قدرة الله ﷻ لما يشاؤه ولما لا يشاؤه.
(ص-ف٣٠٩ في ٣-٢-٧٩هـ) .
وقد غلط من نفى قدرته على ما لا يشاؤه، ومن الحجة عليهم
стр. 201
قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) الآية. (١) ويكثر ذكر هذه العبارة في تفسير ابن كثير ﵀. ... (تقرير) .
(١٤٢- المشيئة)
لم ترد مستعملة في الدينية إنما جاءت مستعملة في الكونية
فلا تنقسم، ولا أَعلم أَنها تنقسم، بخلاف الارادة. (٢) . ... (تقرير)
(١٤٣- س: عد الباقلاني الغضب والرضا من الصفات الذاتية التي لم يزل موصوفًا بها)
ج: - يريد جنسها كما تقدم نحو هذا في العلم والارادة. وهكذا كل ما هو متعلق بالمشيئة والارادة كالكلام. ... (تقرير الحموية) .
(١٤٤- س: اللعن؟)
ج: يجيء في النصوص من لَعْنِ الله مَنْ لَعَنَ. فتفسيره عند كثير هو الطرد والابعاد عن مظان الرحمة. وهذا من التفسير باللازم، والا فلا مانع من وقوعه من الله لفظًا كما قاله شيخ الاسلام، فان الله يلعن من يستحق اللعن، فاذا لعن الله أحدًا هذا اللعن فمن المعلوم ما يترتب على ذلك من الطرد والابعاد عن مظان الرحمة. ... (تقرير) .
стр. 202
(١٤٥- اللهم تصدق علينا)
بعض يقول: الصدقة لا تسمى صدقة إلا ممن يريد عائدة ولعل الأَقوى الجواز. والمسألة فيها خلاف، والأَمر في هذا سهل وفي النصوص كلمات ترادف الصدقة: اللهم احسن إلينا بكذا. اللهم أَفضل علينا بكذا. ... (تقرير)
(١٤٦- ((فان الله لا يمل حتى تملوا)) ) (١)
من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاءِ والخداع فيما يتبادر. ... (تقرير) .
(١٤٧- س: إذا قال: الله معشوق لفلان؟)
ج: - غلط، لأَن العشق فيه التجني ... (تقرير) .
س: - أَقول: اصفه بالعشق وانزهه عما لا يليق به؟
ج: - أَجل تقول كل ما فيه نقص هذا القول؟! لا. ... (تقرير) .
(الاستواء بذاته)
(١٤٨- وانه استواء الذات على العرش - عبارة عبد القادر الجيلاني)
ج: - يعني الاستواء الحقيقي. يصرح كثير من العلماء المشاهير والأَئمة الكبار بلفظ الذات، وبعض من أَهل السنة يمتنع من التصريح بها، وكل على خير. فالذين نطقوا بها أَرادوا التجرد والبعد عن رائحة التأويل الذي هو التعطيل، فان قومًا قد يطلقونها ولا يستعملون التاويل ويريدون أَنه لا يلزم استواءُ الذات، فلذلك يصرح من يصرح بلفظ الذات. والآخرون رأَوا
стр. 203
أَن هذا الباب توقيفي. وهؤلاء مغزاهم حق، وأولئك كذلك. فهؤلاء لهم فائدة في الاعتقاد، وسبب هدى العباد، وصار أَتم في الاثبات. والآخرون ارادوا استعمال اللفظ وأن لا يزيدوا على اللفظ. والحاجة إذا دعت إلى ذكر شيء في هذا الباب من دفع الضلال والبدع أَتي بشيء من ذلك ولا مانع، أَفيكون مستويًا بغير ذاته. فإذا تركت هذه اللفظة فتاركها على جادة، ولكن يشترط أَن يكون معهم. ... (تقرير) .
(١٤٩- سئل عن قوله: بلا مماسه؟)
فأجاب: هذا الأَولى تركه، فإن ما نطق به الكتاب والسنة والقول بأنه على ما يليق أَولى. (تقرير شرح الطحاوية) (١)
(١٥٠- قول مالك: الاستواء معلوم. هل مراده معلوم عند الله)
ج: - مراده معلوم للخلق وللعلماء، ولذلك فرق بين الأَمرين:
المعنى، والكيف. أَما الذين يقولون عن لفظة ((الاستواءُ معلوم)) عند الله فهم أَهل التحريف الجهال. ... (تقرير)
(١٥١- س: روى ابن جرير عن ابن عباس (كرسيه) علمه)
ج: - قد ينزع به بعض المبتدعة، لكن يحتاج إلى ذكر السند فانه لم يشترط صحة ما رواه، وذلك أنه صح عن ابن عباس أنه موضع القدمين، فيكون الأَول وَهْمٌ على ابن عباس، فابن عباس وغيره والأَحاديث كلها مثبتة للكرسي. وأَيضًا سياق الآية لا يساعد القائل: علمه. ... (تقرير الحموية) .
стр. 204
(١٥٢- س: النزول إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان؟)
ج: - يحتاج إلى النظر في حديثه هل تقوم به حجة أَم لا، ونقل ابن تيمية له عن هؤلاء حكاية عن جنس معتقدهم، لا أَن كل واحد لا يزل ولا في كلمة واحدة، لكن الأمور المبتدعة ليس لهم منها نصيب. ... (تقرير الحموية) .
(١٥٣- (ونحن أَقرب إليه من حبل الوريد)
(ونحن أَقرب إليه منكم))
شيخ الاسلام وجماعة يقولون أَنه قرب الملائكة لا قرب الذات. والأَقرب -والله أَعلم- قول من قال قرب الملائكة كما يدل عليه السياق، ونصوص الاستواءِ مؤيدة لذلك.
وصرح الشيخ وتلميذه بأَنه لم يرِدِ القُربُ العام في النصوص. أَما ما يقتضيه كمال قدرته وكمال معيته اللائقة بجلال الله وعظمته فهو شيء معلوم معروف. ... (تقرير) .
(١٥٤- ثم دنا فتدلى)
استدل بها على القرب العام، ولكن المعروف الصحيح أَن الضمائر عائدة إلى جبريل ﵇. وهذا غير ما في حديث الاسراء (١) . ... (تقرير) .
(١٥٥- س: إذا نزل ربنا ﷻ لفصل القضاء بين العباد هل نعلم كيفيته؟)
ج: - لا. أَلخلق أَعجز عن أَن يعلموا كيفيته. والآية الكريمة (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) عامة في الدنيا والآخرة، ورؤيته تعالى
стр. 205
أَعظم لذة أَهل الجنة بالنسبة إلى المرئيات ومع ذلك لا يحاط به رؤية. أَنت ترى القمر ولا تحيط بتفاصيله مع أَن رؤيته يضرب بها المثل. ... (تقرير الحموية) .
(١٥٦- س: الحركة والكلام فيها، وكونه يخلو منه العرش إذا نزل أَولا.)
ج: - الأولى العدول عن اللفظ الذي مثل هذا إلى ما كان مألوفًا مثل أَن يقال: على ما يليق بجلال الله وعظمته ونحو هذا. والكلام في كونه يخلو منه، أَولا. الأولى اثبات النزول على ما يليق بجلال الله وعظمته وثبوت الكمال ولوازمه، وهذا محكي فيه قولان. (١) . ... (تقرير الطحاوية)
(١٥٧- س: قول بعض السلف: معهم بعلمه؟)
ج: إذا جاءَت هذه الكلمة فهي تفسير للمعية بالمقتضى ليست تفسيرًا لحقيقة الكلمة. والذي يحمل ويحدو على التفسير بهذا أَن المنازع في هذا المبتدعة الذين يقولون أنه مختلط بهم، فيأتي البعض من السلف بالمراد بالسياق وهو أَنه بكمال علمه، ولكن لا يريدون أَن كلمة (مع) مدلولها بكل شيء عليم، بل اجتمعت معها في العلم وزادت المعية بالمعنى وهو كونه معهم، فتفسيرها بالمقتضى لا يدل على أَن معناها باطل، فالكل حق، ولا يثبت ما سيق الشيء من أَجله إلا من أَجل ما سيق، لا يثبت
стр. 206
المدلول الا بعد ثبوت الدليل، فلا يثبت العلم إلا بعد ثبوت المعية - وهي المقارنة المطلقة - وهي تختلف باختلاف مواردها، فقد يكون الشيء مع الشيء وبينهما من المسافة الشيء الكثير. فمعية الله شيء، ومعية الخلق شيء، ومعية الخلق بعضهم مع بعض شيء. ... (تقرير الحموية) .
ولهذا شيخ الاسلام في عقيدته الاخرى المباركة المختصرة (١) بين أَن قوله: (مَعَهُمْ) حق على حقيقته. فمن فسرها من السلف بالمقتضى فلحاجة دعت إلى ذلك وهي الرد على أَهل الحلول الجهمية الذين ينكرون العلو كما تقدم. والقرآن يفسر بالمطابقة وبالمفهوم والاستلزام والمقتضى وغير ذلك من الدلالات. وهؤلاء العلماءُ الذين روي عنهم التفسير بالمقتضى لا ينكرون المعية بل هي عندهم كالشمس. ... (تقرير الحموية أيضًا) .
(كلام الله)
(١٥٨- س: قول بعضهم كلام الله قديم؟)
ج: هذه جاءَت في كلام بعض المشاهير كالموفق وهي ذهول وإلا فهو الأَول بصفاته. والذي تنطبق عليه النصوص أَن يقال: قديم النوع، حادث الآحاد. وليس المراد بالحدوث الخلق، بل وجود ما كان قبلُ غير موجود. فالله كَلَّمَ، وَيُكَلِّمُ أَهل الجنة. وأَي شيء في هذا؟! بل هذا من لازم الكمال والحياة. فالحاصل أَن الصواب في هذا الباب أَنه أَول النوع حادث الآحاد. وأَول النوع أَسلم من قديم النوع.
стр. 207
ونعرف الفرق بين القرآن قديم فانه باطل بحت وبين بكلام قديم فانه يحمل على الأَولية، لكن عبارة السلف في ذلك أَحسن: لم يزل متكلمًا إذا شاء. أَما اطلاق أًَن الله متكلم مريد فالظاهر أَن الشيخ انتقد على الأَصفهاني - هذا الاطلاق (١) ليس متكلم مطلق بل إذا شاءَ. وعبارة السلف: لم يزل الله متكلمًا إذا شاءَ. ... (تقرير الحموية)
(١٥٩- الجواب الواضح المستقيم)
في التحقيق
في كيفية انزال القرآن الكريم
(أَو)
((نقد قول السيوطي في الاتقان: أن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ وجاء به إلى محمد))
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين
الحمد لله الذي أَرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على كل دين، وأَشهد أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أَن محمدًا عبده ورسوله وخليله وخيرته من بريته أَجمعين، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأَصحابه ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أَما بعد: فقد سأَلني من تعينت اجابته عن ما وقع في ((كتاب الاتقان للسيوطي)) في بحث كيفية انزال القرآن الكريم حاكيًا
стр. 208
له في جملة أَقوال من غير رد له ولا انكار من أَن جبريل ﵇ أَخذه من اللوح المحفوظ وجاءَ به إلى محمد ﷺ : هل هذا من أَقوال أَهل السنة والجماعة، ومما ثبت عن سلف هذه الأُمة وأَئمتها، أَو هو من أَقوال أَهل البدع، وما حقيقة ذلك، وأَي شيء ترجع إليه هذه المقالة. فأقول ومن الله أَستمد الصواب، وهو حسبي ونعم الوكيل:
هذه ((المقالة)) اغتر بها كثير من الجهلة وراجت عليهم. والسيوطي ﵀ مع طول باعه وسعة اطلاعه وكثرة مؤلفاته ليس ممن يعتمد عليه في مثل هذه الأصول العظيمة. وهذه ((المقالة)) مبنية على أَصل فاسد، وهو القول بخلق القرآن، وهذه هي مقالة الجمهمية والمعتزلة ومن نحى نحوهم. وهذه المقالة الخاطئة حقيقتها انكار أَن يكون الله متكلمًا حقيقة، ويلزم هذه المقالة من الكفر والالحاد والزندقة وانكار الرسالة ووصف الله تعالى بالخرس وتشبيهه بآلهة المشركين الأصنام التي لا تنطق وغير ذلك من المحاذير الكفرية ما يعرفه أَهل العلم فان الذي عليه أَهل السنة والجماعة قاطبة أَن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاءَ ومتى شاءَ وكيف شاءَ، وأن جبريل ﵇ سمع القرآن الكريم من الله تعالى، وبلغه إلى محمد ﷺ .
والقائلون بخلق القرآن منهم من يقول: خلقه في اللوح المحفوظ، وأَخذ جبريل ذلك المخلوق من اللوح المحفوظ، وجاءَ به إلى محمد ﷺ . ومنهم من يقول: خلقه في جبريل. ومنهم من يقول: خلقه في محمد، إلى غير ذلك من أَقوالهم.
стр. 209
والأَدلة لأَهل السنة والجماعة على هذا الأَصل من الكتاب والسنة والمعقول كثيرة جدًا، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) (١) وقال تعالى: (حم - تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) (٢) وقال تعالى: (حم - تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (٣) وقال تعالى: (الم - تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) (٤) .
وقال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) (٥) و (من) في هذه الآيات كلها لابتداء الغاية. وإذا ضم ذلك إلى الآيات الدالة على أَن الله متكلم حقيقة كقوله تعالى:
(وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (٦) (مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ) (٧) (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ) (٨) يعني القرآن ونحو ذلك من الآيات المثبتة. نسبة القرآن وغيره من كلام الله إلى الله نسبة قول وكلام له تعالى اتضح بذلك ابتداءُ القرآن من رب العالمين قولاً، ولم يبق أَي لبس في أَن القرآن سمعه جبريل من رب العالمين، كما سمع موسى ﵇ الكلام من الله تعالى حقيقة.
стр. 210
وفي الصحيح عن النبي ﷺ : ((يَقُولُ اللهُ تَعَالى يَوْم الْقيامَة يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ فَيُنَادِيْ بصَوْت إن اللهَ يَامُرُكَ أَنْ تُخْرجَ منْ ذُرِّيَّتكَ بَعْثًا إلى النَّار)) .
وأَنا أَسوق بعض ما وقفت عليه من كلام المحققين في هذه المسألة المشتمل على كثير من النصوص مع تقريرهم دلالتها أَحسن تقرير، مما تقر به عيون الموحدين، وينقمع به الجهلة من المبتدعة والملحدين، ويكون أَصلا في هذا الباب للمسترشدين مكتفيًا بذلك عن سرد الأَدلة. والله المستعان.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية ﵀ في رسالته ((كتاب مذهب السلف القويم، في تحقيق مسألة كلام الله الكريم)) (١) ما نصه: ((فصل)) في بيان أَن القرآن العظيم كلام الله عزيز العليم، ليس شيء منه كلامًا لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرهما، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ - إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ - وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ - قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (٢) فأمره أَن يقول (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) والضمير في قوله: (نَزَّلَهُ) عائد
стр. 211
على ((مَا)) في قوله (بِمَا يُنَزِّلُ) فالمراد به القرآن كما يدل عليه سياق الكلام.
وقوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) فيه اخبار بأنه أَنزله، لكن ليس في هذه اللفظة بيان أَن روح القدس نزل به ولا أَنهه منزل منه. ولفظ الانزال في القرآن قد يرد مقيدا بالانزال منه كنزول القرآن. وقد يرد مقيدًا بالانزال من السماء ويردا به العلو فيتناول نزول المطر من السحاب ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك. وقد يرد مطلقًا فلا يختص بنوع من الانزال، بل ربما يتناول الانزال من رؤوس الجبال كقوله تعالى:
(وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ) (١) والانزال من ظهور الحيوان كانزال الفحل الماءَ وغير ذلك. فقوله: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) بيانا لنزول جبريل به من الله ، فإن روح القدس هنا هو جبريل بدليل قوله تعالى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ) (٢) وهو الروح الأَمين كما في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ - بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (٣) وفي قوله (الْأَمِينُ) دلالة على أَنه مؤتمن على ما أَرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص، فان الرسول الخائن قد يغير الرسالة كما قال تعالى في صفته في الآية الأُخرى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ - مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) (٤)
стр. 212
وفي قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) دلالة على أمور: منها بطلان قول من يقول انه كلام مخلوق خلقه في جسم من الأَجسام المخلوقة كما هو قول ((الجهمية)) الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والنجارية والضرارية وغيرهم، فان السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال ان القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة جهميًا.
فان جهمًا أَول من ظهرت عنه بدعة نفي الأَسماءِ والصفات وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزيد المبالغة في النفي والابتداء لكثرة اظهار ذلك والدعوة إليه، وان كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك، فان الجعد أَول من أَحدث ذلك في الاسلام فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، وقال: يا أَيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فاني مضح بالجعد بن درهم، انه زعم بأن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه.
ولكن المعتزلة وان وافقوا جهما في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك كمسائل الايمان والقدر وبعض مسائل الصفات ايضًا ولا يبالغون في النفي مبالغته، وجهم يقول أَن الله لا يتكلم أَو يقول أنه متكلم بطريق المجاز، وأما المعتزلة فيقولون أنه تكلم حقيقة، لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأَسماءَ أَيضًا كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة، وأَما جمهور المعتزلة فلا تنفي الأَسماءَ.
فالمقصود ان قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات، ولهذا قال السلف: منه بدأَ. أَي
стр. 213
هو الذي تلكم به لم يبتدأ من غيره كما قالت الخلقية.
ومنها أَن قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ) فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبي من العقل الفعال أَو غيره كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة، وهذا القول أَعظم كفرًا وضلالاً من الذي قبله.
ومنها أَن هذه الآية أيضًا تبطل قول من قال أَن القرآن ليس منزل من الله بل مخلوق أما في جبريل أَو محمد أَو جسم آخر غيرهما، كما يقول ذلك الكلابية والأَشعرية الذين يقولون: القرآن العربي ليس هو كلام الله، وانما كلامه المعنى القائم بذاته، والقرآن العربي خلق ليدل على ذلك المعنى، ثم إما أَن يكون خلق في بعض الأَجسام الهواء أَو غيره، أَو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أَو أَلهمه محمدًا فعبر عنه بالقرآن العربي، أَو يكون جبريل أخذه من اللوح المحفوظ أَو غيره. فهذه الأقوال التي تقدمت هي تفريع على هذا القول، فان هذا القرآن العربي لابد له من متكلم تكلم به أَوَّلاً قبل أَن يصل إلينا.
وهذا القول يوافق قول المعتزلة ونحوهم في اثبات خلق القرآن العربي، وكذلك التوراة العبرية، ويفارقه من وجهين ((أَحدهما)) : ان أولئك يقولون أن المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون أنه ليس كلام الله لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول أَئمتهم وجمهورهم وقالت طائفة من متأخريهم بل لفظ الكلام يقال على هذا وهذا بالاشتراط اللفظي، لكن لفظ هذا الكلام ينقض أَصلهم في ابطال قيام الكلام بغير المتكلم به.
стр. 214
ومع هذا لا يقولون ان المخلوق كلام الله حقيقة كما يقوله المعتزلة مع قولهم انه كلامه حقيقة بل يجعلون القرآن العربي كلامَا لغير الله وهو كلام حقيقة، وهذا شر من قول المعتزلة، وهذا حقيقة قول الجهمية ومن هذا الوجه فقول المعتزلة أَقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة، لكن المعتزلة في المعنى موافقون لهؤلاء وانما يتنازعونهم في اللفظ.
((الثاني)) : ان هؤلاء يقولون لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته، والخلقية يقولون لا يقوم بذاته كلام. ومن هذا الوجه الكلابية خير من الخلقية في الظاهر، ولكن جمهور الناس يقولون أَن أَصحاب هذا القول عند التحقيق لم يثبتوا كلامًا له حقيقة غير المخلوق، فانهم يقولون أنه معنى واحد هو الأَمر والنهي والخبر، ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة، وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا ومنهم من قال هو خمس معان، وجمهور العقلاء الكثيرون يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة بعد التصور التام، والعقلاءُ الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد الضرورات من غير تواطىء واتفاق كما في الأَخبار المتواترة، واما مع التواطىء فقد يتفقون على الكذب عمدا، وقد يتفقون على جحد الضرورات وان لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ولم يفهم حقيقة القول الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول، كما اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم فسادها بالضرورة.
وقال جمهور العقلاءِ: نحن اذا عربنا التوراة والانجيل لم يكن
стр. 215
معنى ذلك معنى القرآن بل معاني هذا ليست معاني هذا، وكذلك معنى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ليس هو معنى (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) ولا معنى ((آية الكرسي)) معنى ((آية الدَّين)) . وقالوا: إذا جوزتم أَن تكون الحقائق المتنوعة شيئًا واحدًا فجوزوا أَن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة واحدة، فاعترف أَئمة هذا القول بان هذا الالزام ليس لهم عنه جواب عقلي. ثم منهم من قال: الناس في الصفات إما مثبت لها قائل بالتعدد، وإما ناف لها، وأَما اثباتها واتحادها فخلاف الاجماع، وهذه طريقة القاضي أَبي بكر وابي المعالى وغيرهما ومنهم من اعترف بأنه ليس له عنه جواب كأبي الحسن الآمدي وغيره.
والمقصود هنا أَن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين بطلان غيره، فان قوله: (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ) يقتضي نزول القرآن من ربه والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه، بدليل قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) وانما يقرأُ القرآن العربي لا يقرأُ معانيه المجردة. وأَيضًا فضمير المفعول في قوله (نَزَّلَه) عائد إلى (مَا) في قوله (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) فالذي انزله الله هو الذي نزل به روح القدس. فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربي لزم أَن يكون نزله من الله فلا يكون شيء منه نزله من غيره من الأَعيان المخلوقة ولا نزله من نفسه. وأيضًا فانه قال عقب هذه الآية: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) الآية وهم كانوا يقولون انما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، لم يكونوا يقولون انما يعلمه بشر معانيه فقط بدليل قوله: (لِّسَانُ