(٤٥١٧- تصحيح قراءة الآيات في الإذاعة وجميع وسائل الإعلام)
السلام عليكم ورحمة الله وبركات. وبعد:
كتب لنا بعض المشائخ وطلبة العلم حيال ما سمعوه في الإذاعة السعودية في برنامج (طريق النور) من تحريف في كير اللام من قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه﴾ وقوله تعالى: ﴿ولمن صبر وغفر﴾ . من سورة الشورى، وإعادة ذلك البرنامج عدة مرات في الإذاعة على خطئه، وهذا الخطأ لا يحسن السكوت عليه، سيما وأنه يذاع من مهبط الوحي منبع القرآن، علاوة إلى من يفد إلى هذه البلاد المقدسة من القراء والفقهاء من شتى بقاع الأرض، ولا يمكن أن يقر مثل هذا الخطأ كليا، فنأمل الأمر بإعادة تسجيل هذا المقطع على الصواب، أو إلغاء إذاعته؛ لئلا يتكرر هذا الخطأ على آذن المستمعين، مع التنبيه على المختصين بملاحظة تصحيح قراءة الآيات القرآنية في الإذاعة وجميع وسائل الإعلام كما أنزلت، والعناية في هذا الأمر؛ صيانة لكتاب الله العزيز من التحريف والخطأ، وفق الله الجميع لما فيه الخير. والسلام عليكم ورحمة الله.
مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة (ص/م ٤٧١٠ في ٢٦/٩/١٣٨٨هـ)
(٤٤٥١- دعاة ومرشدون إلى عربان الشمال)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من عربان الشمال الروقة وبقية قبائل عنزة وغيرهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فيجب أن تعلموا أن الله سبحانه لم يخلق الثقلين الجن والإنس إلا ليعبدون وده لا شريك له، ما قل تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليبعدون﴾ (١) ويجب العلم بمقتضى ذلك من عبادة الله وحده لا شريك له ومن القيام بفرائض دينه كإقامة الصلاة وأداء الزكاة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، إلى غير ذلكم من فرائض الإسلام ووجباته العظام، وحيث كنتم بادية رحلا تتبعون مواضع القطر لمواشيكم التي بها معاشكم ومعاشك عوائلكم، وكنتم في جانب من المملكة نازح عن سماع القرآن والذكر؛ لذلك رأى إمام المسلمين
стр. 3747
الملك سعود وفقه الله بعض علماء مأمونين موثوقين حريصين على هداية الأمة وبيان الحق لهم، وقد استشار أهل العلم فيمن يرسله إليكم للقيام بهذا الواجب العظيم، فوقع الاختيار على الشيخ عبد العزيز بن محمد أبو حبيب الششري وهو قدوة في الدين، وبصحبته علماء أفاضل هم: الشيخ عبد الرحمن ابن محمد بن مقرن، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن فريان، والشيخ فهد ابن حمين، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين -دعاة إلى دين الله الذي به السعادة في الدنيا والآخرة، وبه ينجو العباد من غضب الله تعالى وأليم عقابه، وينال به رضاه ﷻ ودخول الجنة، ويرشدون جاهلكم، ويحذرونكم أساب سخط الله، ويبينون لكم جميع واجبات الدين، وجميع ما حرمه عليكم رب العالمين، لتحصلوا على جانب كبير من العلم بدين الله والعمل به أسوة إخوانكم من المسلمين.
وكما يجب أن تعلموا ذلك وتعملوا به ويتعين ولا سيما على الأمراء ومن لهم الكلمة أن يقوموا بجهودهم على من تحت أيديهم بإلزامهم امتثال أوامر الله ورسوله واجتناب ما يسخطه، فإنهم مسئولين عنهم ولابد أمام الله وفي الحديث: "كلكم راع ومسئول عن رعيته" وتحققوا بارك الله فيكم أن لا ينال م عند الله تعالى من عز ورزق وعافية إلى غير ذلك إلا باتباع ما جاء به رسوله محمد ﷺ بما هو مضمون كتابكم الكريم، وسنة نبيكم محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، واحذروا أن تجعلوا أوامر الله خلف الظهر فيوقع بكم وبنا إذا لمن نقم بواجب إرشادكم ما أوقعه بسالف الأمم الذين عصوا رسله وتمادوا في شهواتهم الزائلة الفانية المعقبة للخسارة والندامة، وخزي الدنيا والآخرة.
وسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ويجنبنا جميعاً كافة الطرق الموصلة إلى عذاب الجحيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
(ص/م ٨٢٧ في ٣/٣/١٣٨٠هـ) .
стр. 3748
(٤٥١٩- إزالة ما يجده الدعاة من البدع والمنكرات)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة................ المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإنه بالنظر لقيام الداعي إلى الله ٠بركات بن محمد) بالتجول جهاتكم لبث الوعظ والإرشاد في القبايل التابعة لكم. نأمل الإحاطة بذلك، وتسهيل مهمة المذكور، ومساعدته بما تستطيعونه، ومن أهم ذلك إزالة ما يجده المذكور من البدع والمنكرات المخالفة للشرع، وهذا من التعاون على البر والتقوى وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضانه. والسلام عليكم ورحمة الله.
مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة (ص/م ٢٠١٠ في ٥/٨/١٣٨٢هـ)
(٤٥٢٠- إرشاد الحجاج في عرفات وعند المجزرة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم سعادة وكيل وزارة الحج والأوقاف. المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فمساهمة في أداء الواجب نحو الحجاج نأمل تأمين ميكرفون في سيارة متنقلة في عرفات ومنى ليرشد منه المشائخ المنتدبون للوعظ والإرشاد ويبينون منه ما يلزم بيانه، وكذلك تأمين ميكرفون عند الشبك بمنى لنفس الغرض، وهذا شيء ضروري؛ فنأمل تعميد وزارتكم بذلك، والاهتمام فيه، وهذان الأخوان الشيخ عبد الرحمن بن فريان والشيخ صالح المنصور الحاملان لخطابنا هذا هما من جملة أولئك المشائخ نأمل تسلميه لهم. والسلام عليكم ورحمة الله.
مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة (ص/م ٤٣٧٠ في ٧/٢/١٣٨٣هـ)
(٤٥٢١- وصية بداعية إلى الله وبالدعاة عموماً)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من قضاة وأمراء المسلمين ممن أعطاهم
стр. 3749
الله السلطة والقدرة على نصر الدعاة لدين الله، وفقني وإياهم لما يحبه ويرضاه.
وبعد فحامل خطابي هذا الشيخ عبد الله بن سعيدي العبدلي الغامدي قد تصدى للدعوى إلى الله، وتعليم الجهال أمر دينهم، ومعرفة ما أوجب الله منا لتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والتحذير مما ينفي ذلك من الشرك الأكبر، واو ينافي كما له الواجب من الشكر الأصغر، ومن البدع القادحة فيه، ومن المعاصي المنقصة لثواب أهله، نسأل الله أن يمنحه التوفيق، وأن يهدينا إياه صراطه المستقيم، وأن ينفه وينفع به، ويفقع قضاة المسلمين وأمراءهم إلى القيام معه ومع جميع الدعاة إلى الله بما يجب من بذل زكاة ما من الله به عليهم من القدرة وذلك بمساعدتهم نحو أداء هذه المهمة النبيلة -أعني الدعوى إلى الله وإلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة- ببذل ما يستطاع، وليعلم أن الأكثرين يقلبون الحق إذا بين لهم ببصيرة وصدق نية ورفق وتحبب إليهم لإدراك هذا الغرض النفيس، وبعض من الناس قد يحصل عنده شيء من التمرد وإظهار الامتناع والتصريح بمقتضى القسوة والعناد، فمثل هذا الأخير ينبغي أن يعمل معه اللازم من الحيلولة بين وبين تمرده وعتوه وتوثبه على الحق وأهله والله الموفق والهادي إلى صراطه المستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص/م ٣١١٦ في ٢٣/١٠/٧٨هـ) .
(٤٥٢٢- منح رخصة وعظ وإرشاد بشرط)
الحمد لله وحده. وبعدك
فبناء على الطلب المقدم من الشيخ محمد سعيد تركستاني حول التماس المذكور منحه رخصة للقيام بالوعظ والإرشاد في المسجد الحرام والمساجد الأخرى بمكة وغيرها وبناء على ما عرفناه من حسن نية المذكور واستقامته في ديانته -فقد أذنا له بالوعظ والإرشاد في المسجد الحرام، والمساجد الأخرى بمكة وغيرها في حدود العلوم التي قد هضمها من علم التوحيد العقيدة السلفية، وأن يجتنب كل ما لا يعنيه، وعليه في ذلك تقوى الله وخشيته، لأنه موقوف بين يدي الله ومسئول عن كل ما أسلفه، والله الموفق. وصلى الله على نبينا
стр. 3750
محمد وآله وصحبه وسلم.
مفتي الديار السعودية ورئيس القضاة (ص/م ٢٤/١٢/١٣٨٣هـ)
(٤٥٢٣- لابد من توفر شروط في الدعاة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الرشيد قاضي المندق. سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وردنا خطاب من المدعو علي بن عبد الله الحمراني ومرسي بن عمر زهراني يذكران فيه أنهما قد قام منذ سنتين تقريباً بنشر الدعوة في قبائلهما، وإرشاد الناس إلى التوحيد، وتحذيرهم من الشرك والمعاصي؛ تطوعاً لوجه الله تعالى وابتغاء ما عنده، وأنهما قد أسسا مركزاً يضم مجموعة من أهل الدين والتقوى والصلاح في قبائلهم لتوجيه الناس إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك بمؤازرتك وتعضيدك؛ ويطلبنا منا أن نتوسط لهما لدى جلالة الملك حفظه الله بالإذن لهما وإجازتهما على أن يكونا دعاة في قائلها إلى الخير، وتوجيههم إلى ما فيه نجتهم من غضب الله وعقابه، وذلك تطوعا منهما، ويطلبنا تعميد من يلزم من المسئولين في بلادهم بمؤازراته؛ فأنتم أفيدونا عن ديانة وتقوى المذكروين وتمسكهما بالقواعد الشرعية قولاً وعملاً، ومعرفتهما بالدعوة إلى الله سبحانه وطرقها وقواعدها الموضحة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومكانتهما من معرفة المصالح والمفاسد، ومراعاة التسكين والتعقل والرزانة، وفق الله الجميع إلى الخير والصلاح. والسلام عليكم.
(ص/ف ١١٩٦ في ٢٣/١٠/١٣٧٧هـ)
(٤٥٢٤- لا يسمح لأجنبي بالوعظ إلا بإجازة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض. سلمه الله.
стр. 3751
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم ٣٠٩٦/١ وتاريخ ١١/٣/١٣٨٦هـ بخصوص ما ذكره أمير دخنه من أن وعاظاً ومرشدين من الأجانب يقومون بجولات في أنحاء المملكة، وإبدائه الرأي في أن يزود كل واحد صالح للوعظ والإرشاد بإجازة منا حتى يقوم نحو تيسير إقامته في البلاد بما يلزم، وطلبكم منا الإفادة بما نراه.
ونفيدكم إنما ذكره أمير دخنه في محله، وأنه ينبغي عدم السماح لأي واعظ أو مرشد من الأجانب بالوعظ والإرشاد ما لم يحمل إجازة منا بذلك، حيث أن كثيراً من هؤلاء الوعاظ الأجانب يستخدمون وعظهم وإرشادهم بالتسول، وبعضهم جهال ضررهم أكثر من نفعهم، وقد يكون فيهم من لا يطمأن إليه وفقكم الله وسدد خطاكم. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية (ص/ف ١٦٨١/١ في ٢٠/٦/١٣٨٦هـ)
(٤٥٢٥- وإذا طلبوا التدريس)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس المحكمة الكبرى بجدة. سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فنشير إلى خطابكم المرفق رقم ٤٥٩٧ وتاريخ ٤/١٢/١٣٨٥هـ بخصوص طلب الشيخ محمد أحمد الزبيري منحه رخصة التدريس والوعظ والإرشاد في مساجد المملكة العربية السعودية، وما أشرتم إليه من أنكم سألتموه عن مؤهلاته وعن المشايخ الذين تلقى العلوم على أيديهم وعن العلوم التي درس حسبما جاء في إجابته الخ.....
ونشعركم أن هذا لا يكفي، ولابد من البحث الدقيق والتقصي عن صلاحية المذكور وعن معتقده ممن هو على صلة وثيقة به، كما أنه ينبغي أن يجعل مراقباً عليه وبصفة سرية فيما يقوم به من الدروس في المساجد حتى تطمئن إلى سلامة معتقده، وموافاتنا بمرئياتكم مع النتيجة بعد ذلك.
رئيس القضاة (ص/ق ... /غ في ٦/٢/١٣٨٦هـ)
стр. 3752
(٤٥٢٦- وفي المسجد الحرام)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة رئيس مجلس الوزراء المعظم. أيده الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
حفظك الله يلاحظ إن فيه أشخاصاً يأتون إلى المسجد الحرام ويقومون بإلقاء محاضرات دروس ووعظ وإرشاد وقد يكون البعض منهم غير صالح أو غير مأمون، ونظراً لما للمسجد الحرام من الأهمية الكبرى وكثرة الوافدين إليه من أقطار الدنيا وحرصاً على المصلحة ومنع الفوضى فقد رأينا من الضروري وضع تنظيم كفيل بأن لا يتولى التدريس والوعظ والإرشاد في المسجد الحرام إلا من كان كفوا وأهلاً لذلك، ونظمنا لذلك لائحة بالشروط المطلوب توافرها فيهم، وأن يكون هيئة قوامها من كل من الأخ الشيخ عبد الملك بن إبراهيم والشيخ عبد الله بن جاسر والشيخ علوي مالكي والشيخ عبد الله بن دهيش والشيخ محاضر للإشراف على تطبيق تلك الشروط، وأقدم لجلالتكم بطيه تلك اللائحة (١) رجاء الموافقة على ما تضمنته، والأمر على الجهات المختصة باعتماد ذلك، ثم إبلاغنا موافقتكم الكريمة على ذلك، توالكم الله بتوفيقه.
(ص/م ٣٦٥٤ في ٢٧/١١/١٣٨١هـ)
(٤٥٢٧- منع من يتهجم على الأئمة الأربعة)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السماحة رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد وردنا من عمر فتحي كتاب يذكر فيه بعض ما يقوم به الوعاظ الهنود وغيرهم من التهجم على أئمة المذاهب الأربعة والحط من قيمتهم ومن أقوالهم وأتباعهم، وحيث أن هذا مما يتنافى مع ما يجب من احترام الأئمة وعلماء الملة ومما يثير الفتنة والشقاق بين الناس أحببنا إلفات نظركم إلى ما ذكره، وبعثنا لكم
стр. 3753
نفس كتابه لتطلعوا عليه، ولا يريب أنكم بالاطلاع على ذلك وتحقق ما ذكره صاحب الكتاب ستقومون بالواجب إن شاء الله. والله يحفظكم.
(ص/ف ٣٥٨ في ٢٨/٣/١٣٧٧هـ)
(٤٥٢٨- منع خرافي من القصص في المساجد)
(برقية)
صاحب الجلالة الملك المعظم. أيده الله.
الرياض
قدم إلى الرياض شخص يدعى (أحمد القهوجي الرفاعي) وجعل يقص في المساجد وفي بعض المجتمعات، والرجل المذكور خرافي، وله كلام حول المعتقد فاسد، فيجب حفظكم الله منعه من القصص هنا وفي سائر أنحاء المملكة، تولاكم الله بتوفيه.
محمد بن إبراهيم (ص/م ٣٢٩٠ في ١٠/١١/١٣٧٨هـ)
(٤٥٢٩- واعظ يقول بإباحة المولد ثم تاب)
من محمد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس هيئات الأمر بالمعروف بالطائف. المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
إشارة لخطابكم رقم ٧٦٩ في ١٢/٩/٨٤هـ حول ما كتب لكم من إمام مسجد البخارية الجامع قد رجع إلى الصواب واعتراف بالخطأ وتاب واستغفر، فإننا نرى عدم المانع من استمراره بشرط أن لا يكون عند العوام إقبال عليه فوق المعتاد، وألا يكون أظهر شيئاً مما حصل منه سابقاً، وأن يقوم بنفس الوقت بتنفيذ ذلك، وأن ما ذكره بشأن المولد ودلائل الخيرات كان عن خطأ، وأنه قد تاب واستغفر، مع ملاحظته مستقبلاً، والإفادة.
رئيس القضاة (ص/ق ٢٣٠٦/٣/خـ في ١٠/١١/١٣٨٤هـ)
стр. 3754
(٤٥٣٠- إنشاء مؤسسة صحفية تقوم بالدعوة إلى الله)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي نائب جلالة الملك وولي العهد ورئيس مجلس الوزراء المعظم. أيده الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
عطفاً على حديثي مع مقام سموكم حول عزمنا على إنشاء "مؤسسة صحفية" تقوم بالدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير بأسلوب حكيم وطرق مناسبة، ويصدر عنها صحيفة تحمل اسم (منار الإسلام) ويحتمل أن يصدر عنها مجلة أو مجلات أو نشرات حسب مقتضيات الحاجة، وستكون مساهمة، ويوضع لها نظام داخلي يحدد سير العمل وطريقة الإخراج، ويتولى إدارتها أناس أكفاء موثوقون، وإنا إذ نرفع ذلك لمقام سموكم الكريم نرجوا ما يأتي:
١- التأييد كتابياً لموافقتكم على ذلك.
٢- العطف الكامل على هذا المشروع الخيري ومساهمة سموكم الكريم فيه من مالكم وإصدار أوامركم الكريمة بمساهمة الحكومة فيه، وتبني سموكم ذلك، علماً بأن هدف المشروع هو الدعوة إلى الله ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين﴾ . وأنتم مشاعل الدعوة وأنصارها، ولا قوام لذلك إلا بالله ثم بكم وتأييدكم، ثبتكم الله على الهدى، ونصر بكم دينه، وأعلى بكم كلمته، والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص/م ٣٨٣ في ٢٢/١/١٣٨٤هـ)
(٤٥٣١- مساعدة هذه المؤسسة بالمقالات والآراء)
نظراً لحالة المسلمين الحاضرة، وحاجة الأمة إلى الدعوة الإسلامية؛ فقد قمنا بتأسيس مؤسسة للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، لتأخذ بأيدي الشباب المسلم عن الوقوع في شراك المبادئ الهدامة والأفكار الضالة المسمومة، ولتبين للناس محاسن الإسلام، وصلاحيته لمعاجلة جميع المشاكل البشرية في كل زمان ومكان.
ولما كانت الصحافة لها أثرها الكبير في عصرنا الحاضر؛ فقد تقرر بأن
стр. 3755
يصدر عن هذه المؤسسة صحيفة يومية تصدر أسبوعيا مؤقتاً، ومجلة شهرية، علاوة على ما نؤمله في المستقبل القريب ن شاء الله من قيام هذه المؤسسة بإرسال الدعاة إلى الله في أنحاء العالم، ولما كان وجود أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجلس التأسيسي بمكة فرصة نادرة بالنسبة للدعوة الإسلامية أحببت أن أخبرهم عن هذه المؤسسة وأهدافها، راجياً منهم مساعدتها بإرسال المقالات النافعة والآراء السديدة نحو هذه المؤسسة وسوف يصدر العدد الأول من الصحيفة فريباً بإذن الله، ويصل إلى حضراتكم مجاناً وعنوان المؤسسة المذكورة كالآتي:
(مؤسسة الدعوة الإسلامية) شارع أحمد بن حنبل - الرياض.
وفي الختام اسأل الله أن بارك جهودكم، ويوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله.
محمد بن إبراهيم (ص/م في ٢٣/٧/١٣٨٤هـ)
(٤٥٣٣- شكر لمتبرع لها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل. الموقر.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد أخبرنا الأخ سعد بن رويشد بمقابلته لسموكم في فندق الكندره بجده، وما أبديتموه سموكم حول مؤسسة الدعوة الإسلامية من شعوركم واستبشار بافتتاحها، وما أعربتم عنه من مساهمتكم في المؤسسة المذكورة بمبلغ عشرين ألف ريال باسم أبنائكم خالد وإخوانه، جعلهم الله قرة عين لكم، وبلغهم رشهم، وألحقكم برهم، والحقيقة التي لا يخالطنا فيها شك أن تشجيعكم هذه المؤسسة ليس بغريب عليكم ولا كثير منكم، وفقكم الله وتولاكم برايته. والسلام عليكم ورحمة الله.
(ص/م دوسيه ١٣/٢٤)
стр. 3756
نصائح عامة
(نصائح عامة في التذكير بنعم الله لتشكر، والتحذير من أساب النقم لتحذر)
(٤٥٣٣- نصيحة شاملة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواني المسلمين، وفقهم الله تعالى وهداهم الصراط المستقيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فالموجب لهذه النصيحة تذكيركم ما أنعم الله به عليكم من النعم الدينية والدنيوية، وما يقع من كثير من الناس من التقصير في شكرها وارتكاب ما حرم الله جهلاً أو تهاوناً وقلة مبالاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١) ﴾ . ولا يخفى أن من واجبات الإسلام التناصح في الله ببذل النصيحة وقبولها وامتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، والله تعالى قد أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ورتب على طاعته وطاعة رسوله صمن الخير والثواب العاجل والآجل وجعل ثواب من أطاعه الجنة، كما أنه رتب على معصيته ومعصية رسوله من الشر والخسران العاجل والآجل وتوعد من عصاه بالنار، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٢) . فلهذا كان من أهم ما يقع به التناصح طاعة الله وتقواه، وتحقيق التوحيد بأنواعه، وتحكيم الشرعية السمحاء، والمحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة في المساجد، كما أن من أعظم ما ينهى عنه الشرك باله بأنواعه: كدعاء الأموات، والتعلق بالقبور والنذر لغير الله، والذبح لغير الله- كمن يذبح للجن أو الزار أو القبور.
وغير ذلك من أنواع الشرك الأكبر، وكذلك "الشرك الأصغر" كقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وأنا عند الله وعندك، وأطلب من الله ومنك، ومنه الحلف بغير الله كالحلف بالأمانة أو الحلف بالكعبة أو الحلف برأس المخلوق أو الحلف بالطلاق والحرام، ونحو ذلك مما هو جار على كثر من ألسنة بعض
стр. 3757
السفهاء، وفي الحديث: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" وفي الحديث الآخر: "من حلف بالأمانة فليس منا".
ومن ذلك التحزب في الخصومات والتعصب للقريب والصديق واتباع الهوى ولوى أفضى ذلك إلى الكذب وارتكاب المحرمات فقد روى البخاري: "أبغض الرجال إلى الله ألد الخصم". أي كثير الخصومة، وفي الحديث الآخر: "من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" وأخر الشيخان عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر".
ومن ذلك الجرأة على الأيمان الفاجرة، ففي الحديث: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمنه لقي الله وهو عليه غضبان". قيل: يا رسول الله وإن كان شيئاً يسيراً، قال: "وإن كان قضيباً من اراك".
ومن ذلك كتمان الشهادة لمراعاة بعض الناس أو لمقاصد وأغراض، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ . وأخرج الطبراني أنه ﷺ قال: "من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور".
ومن ذلك شهادة الزور، فعن أبي بكر قال: "كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبؤكم بأكبر الكبائر ثلاثاً - الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
ومن ذلك عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحاكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ . والله تعالى قد أوصى بالوالدين إحساناً، وأوجب برهما.
وقرن حقهما بحقه، قال تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب الجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً﴾ . فهذه الآية تسمى آية الحقوق العشرة، لأنها جمعت عشرة حقوق أولها حق الله تعالى، وحق الوالدين مقرون بحقه تعالى لعظمه، وكذلك
стр. 3758
حق ذي القربى يلي حق الوالدين، وفي الحديث: "من أحب أن ينسأ له في أجله ويبسط له في رزقه فليصل رحمه". ومن ذلك حرمان بعض الورثة من ميراثهم الذي فرضه الله لهم، خصوصاً النساء والضعيف، كما يفعل في بعض البلدن جنوبي المملكة، وفي الحديث: "من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة". رواه ابن ماجه. ومن ذلك الجور في الوصية والوقوف وحرمان بعض الورثة من ريعه، فإن هذا تحيل لا يحل ولا يجوز، وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله سبعين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار﴾ . ومن ذلك التلاعب بالزكاة والمحاباة فيها وعدم صرفها في مصارفها الشرعية، والله قد بين مستحقيها بقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ .
فصدرها الله بحرف (إنما) المفيدة للحصر، وبين أن أهلها ثمانية أصناف، فلا يحل صرفها إلى أحد غيرهم مهما كان، ومن ذلك إطلاق اللسان في السب والشتم الغيبة والنميمة ولعن المعين من آدمي أو حيوان أو غير ذلك؛ وآفات اللسان كثيرة يتعين على المسلم أن يتفطن لها ويحذرها، وكذلك ما يتعلق بالقلب: من الكبر، والحسد، والغش، والخيانة، والخديعة، وغير ذلك؛ وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم".
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته، ويذل أعدائه. إنه جواد كريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين.
(ص/ف ٦٤١ في ٢٨/٤/١٣٨٢هـ)
(٤٥٣٤- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى ن يراه من المسلمين، نفعني الله وإياهم بالنصائح، وجنبنا جميعاً أسباب الخزي والفضائح. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فقد قال تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ . وقال تعالى: ﴿وذكر بأيام الله﴾ . وأخبر تعالى أنه أخذ الميثاق على أهل العلم بتبيين ما لديهم
стр. 3759
للناس، ونهاهم عن كتمانه، فقال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ . وقال النبي ﷺ : "الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأهم ما يقع به التناصح والتذكير معرفة ما بعث الله به نبيه محمد ﷺ من تحقيق التوحيد بأنواعه، علما، وعملاً، وحالاً، ومحبة، ودعوة إليه، ومعرفة ما يضاده من الشرك بأنواعه، أو يضاد كماله الواجب، أو ينقصه من الذنوب والمعاصي كبائرها وصغائرها واجتنابها والنهي عنها، وكذلك تحقيق متابعة الرسول ﷺ وتحكيم شريعته، واتباع سنته التي لا يزيغ عنها إلا هالك، ثم أمر الصلاة وإقامتها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وإقامتها جماعة في المساجد، وكذلك ما يشترط لها من الطهارة بأنواعها وإزالة النجاسات وما يتعلق بذلك. ثم أمر الزكاة، والصيام، وحج بيت الله الحرام، ثم بقية شعب الإيمان وشعائر الإسلام، على حسب مراتبها، ففي الحديث: "الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان".
ومن ذلك بر الوالدين، والإحسان إليهما بكل ما يعد إحساناً، سواء الأقوال، أو الأفعال، أو بالأموال، فإن الله عظم ذلك وقرن حقه بحقهما في مثل قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ . وبعض الناس والعياذ بالله يستهين بحقوق والديه، حتى ربما انتهى به إلى العقوق عكس الإحسان الذي أمر الله به، وهذا من كبائر الذنوب أجارنا الله وإياكم منها، ومن ذلك صلة الأرحام والأقارب، والآيات والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة معروفة مثل قوله ﷺ : "من أحب أن ينسأ له في أجله ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" وفي الحديث: "أن الله تعالى قال للرحم: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته". ومن ذلك إكرام الجار وأداء حقوقه، وقد جعل النبي ﷺ إكرام الجار من الإيمان، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره". ومن ذلك مناصحة أصحاب الذنوب والمعاصي، وتحذيرهم منها، وتنبيههم على شؤم عواقبها، والإنكار عليهم، والأخذ على أيديهم من كل من له قدرة واستطاعة على حسب حاله - ففي الحديث: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
стр. 3760
أضعف الإيمان". والمناصحة والتذكير من الأمور اللازمة التي لا تختص بأحد دون غيره، وإن كانت تختلف باختلاف الأحوال والأشخاص؛ فيجب على ولاة الأمور وخواص المسلمين وطلبة العلم أكثر مما يجب على من دونهم.
ومما ينبغي التفطن له ما ابتلى به كثير من الناس من الإسراف في المباحات والانغماس في الترف وإعطاء النفس جميع ما تميل إليه من حظوظها وشهواتها وملاذها، وهذا وإن كان أصله من جنس المباحات فقد يحتف به من الأحوال ما يجعله من الممنوعات، وقد نعى الله على قوم مثل ذلك بقوله تعالى: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها﴾ . وعن فضالة بن عبيد قال: "كان رسول الله ﷺ ينها نا عن كثير من الأرفاه ويأمرنا بالاحتفاء أحياناً" رواه أبو دود، وورد في الأثر: تمعددوا، واخشوشنوا، ومن ذلك ما ابتلي به بعض الناس من حلق لحاهم والقص منها، وهذا من تزيين الشيطان، ومن التشبه الممنوع، وفي الحديث: "اعفوا اللحى" وفي لفظ: "وفروا اللحى وحفوا الشوارب ولا تشبهوا بالمجوس". ومثله ما أغرى به بعض الشباب وغيرهم من حلق بعض الرأس أو قصه وترك باقيه، كالذي يسمونه (التواليت) وهذا مع ما فيه من التشبه المذموم فهو من القزع المنهي عنه؛ فقد روى أبو داود، عن ابن عمر "أن النبي ﷺ نهى عن القزع، وقال: احلقه كله أو دعه كله".
وكذلك الإسبال في الثياب، والتبختر في المشية، وفي المسند عن ابن عمر يرفعه: "من تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان" وفي حديث آخر: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء"، وورد أيضاً: "ما أسفل من الكعبين فهو في النار". ومن ذلك تبرج النساء وخروجهن بالزينة والحلي والطيب ونحو لك، وهذا من المنكرات الظاهرة التي لا يحل السكوت عليها قال تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ . وفي الحديث: أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحتها فهي زانية".
ومن ذلك ما روجه دعاة الباطل من نشر هذه "المجلات" التي في التصاوير الخلاعية، والمقالات الردية، المخالفة لما عليه المسلمون، وهذا يفتح باب الشر على من أولع به من الشباب وغيرهم، فإذا انضم إلى ذلك انكبابهم على سماع الإذاعات الخليعة وآلات الملاهي فلا تسأل عن ما ينتجه من المفاسد
стр. 3761
التي من أهونها تضييع الأوقات وإنفاق الأموال بالباطل وغير ذلك.
ومما يجب التنبيه له صيانة اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور، وكذلك مسائل القذف ولاشتم والسباب ونحوها، وهذا وياللأسف موجود بين كثير من النسا، وبسبب التهاون في إنكاره شاع وكثر وقل من تنبه له، ويلحق بهذا إطلاق الألسن في الأقوال الساقطة والتي لا حقيقة لا، لنهيه ﷺ : "عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال".
ومن ذلك الغش في المعاملات والتدليس وتعاطي العقود المحرمة مثل عقود الجهالة والغرر ونحوها، وكذلك العقود الربوية على اختلاف أنواعها؛ ففي الحديث: "الربا نيف وسبعون حوباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم".
ومن ذلك التهاون في الأيمان وكثرة الحلف، لا سيما إن كان لتنفيق السلع، فقد خرج مسلم والأربعة، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" قال فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".
ومن ذلك شرب المسكرات والمخدرات كالخمر والحشيش والأفيون والتنباك ونحوها، وفي صحيح مسلم من حديث جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل ما أسكر حرام وإن على الله عقداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالي: وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو قال: عصارة أهل النار" وروى أبو داود: "أن رسول الله ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر".
ومن ذلك ملاحظة الشباب وحفظهم وتربيتهم التربية الشرعية الدينية، وتهذيب أخلاقهم، عن رديء الكلام ومخالطة الأشرار، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ وقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لتأمرون بالمعروف ولتنهون ن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم". وقال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". فأولياء الشباب مسئولون عنهم، ولا يحل لهم إهمالهم، بل يجب عليهم صيانتهم والاعتناء بهم،
стр. 3762
وتعليمهم العلوم الشرعية، وتجنيبهم جميع الأمور المضرة لأديانهم وعقولهم وأخلاقهم ومعارفهم.
ومما يجب على العموم تقوى الله ومراقبته بإدامة ذكره وشكره، والإنابة إليه، والاستغفار لما يقع من العبد من غفلة وتقصير، وفي الحديث: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
نسأل الله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويذك أعداءه، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا وإياكم من أهل البشرى الذين قال الله فيهم: ﴿فَبِشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ . وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(طبعت في مطابع الرياض ووزعت على أئمة المساجد)
(٤٥٣٥- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين، بصرني الله وإياكم في الدين، وفقهني فيما بعث به محمداً ﷺ سيد المرسلين. وبعد:
فالحامل على هذا تذكيركم نعم ربكم لتشكروه، وتحذيركم أسباب نقمه لتتقوه، وقياماً بما أوجب الله علينا من النصيحة، وقد قال تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ . وقال النبي ﷺ : "الدين النصيحة. قالها ثلاثاً. قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فجعل الدين محصوراً في النصيحة، لأنها تتضمن أصوله وفروعه وقواعده المهمة، فيدخل في النصيحة لله الإيمان بالله، ومحبته وخشيته، والخضوع له، وتعظيم أمره، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وعظمته من تعطيل وإلحاد وشرك وتكذيب، لأن النصيحة لله خلوص الباطن والسر من الغش والريب والغل والحقد والتكذيب وكل ما يضاد كمال الإيمان ويعارضه، وكذلك النصيحة لكتابه تتضمن العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه وتحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله والوقوف عند عجائبه ورد مسائل النزاع إليه وترك الإلحاد في ألفاظه ومعانيه. والنصح لرسوله يقتضي الإيمان به وتصديقه ومحبته وتوقيره وتعزيره ومتابعته والانقياد لحكمه والتسليم لأمره وتقديمه على كل ما عارضه
стр. 3763
وخالفه من هوى أو بدعة أو قول. والنصح لأئمة المسلمين أمرهم بطاعة الله ورسوله، وطاعتهم في المعروف، ومعاونتهم على القيام بأمر الله، وترك مشاقتهم ومنازعتهم. والنصح لعامة المسلمين هو تعليمهم وإرشادهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم، والرفق بهن، وكفهم عما فيه هلاكهم وشقاؤهم وذهاب دينهم ودنياهم من معصية الله ورسوله ومخالفة أمره ومشابهة الجاهلين فيما كانوا عليه من التفرق والاختلاف وترك الحقوق الإسلامية.
وأعظم نعمة أذكركم بها ما من الله به على المسلمين من نعمة الإسلام فإنه ما طرق العالم ولا يطرقه نعمة هي أعظم وأكبر من هذه النعمة التي من بها جل شأنه على عباده بواسطة من اصطفاهم من رسله بتبليغ رسالاته وأداء هذه الأمانة إلى أن اختارهم من برياته، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله التي هي حقيقة شكر هذه النعمة، فإنها جماع الدين، وقد وصى الله تعالى بها عباده في غير موضع من كتابه قال تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ - إلى قوله - وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات وجعل جزاء المتقين توفيقهم للفرقان بين الحق والباطل، وتكفير السيئات، ومغفرة الخطيئات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . ولا نجاة لأحد من النار بعد ووردها إلا بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياًّ﴾ . وهي وصية الله تعالى لعباده أولهم وآخرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ .
ووصية الرسول ﷺ لأمته عموماً وخصوصاً، كما قال ﷺ لما طلب منه الصحابة ﵃ الوصية: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة". وقال لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن وأبي ذر ﵁ حين طلب منه الوصية: "اتق الله حينما كنت".
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم
стр. 3764
مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
قال ابن مسعود: تقوى الله حق تقاته أن يطاع فلا يعطى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وقال طلق بن حبيب في تفسيرها: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأ، تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وللسف في تفسر (التقوى) عبارات متقاربة المعنى، وحقيقتها جعل العباد بينهم وبين غضب الله وعقابه وقاية تقيهم ذلك بفعل الطاعات وترك المعاصي، وأعظم خصال التقوى وآكدها وأصلها ورأسها إفراد الله تعالى بالعبادة، وإفراد رسوله ﷺ بالمتابعة، فلا يدعى مع الله أحد من الخلق كائناً من كان، ولا يتبع في الدين غير الرسول ﷺ ، ولا يحكم غير ما جاء به ﷺ ، ولا يرد عند التنازع إلا إليه، وهذا هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيفرد الرب بجميع أنواع العبادة من غاية الحب وإكمال الذل له جل شأنه، وخشيته، ومخافته، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرهبة والرغبة والإنابة إليه، والخشوع له، إلى غير ذلك من أنواع العبادة الواجب صرفها له وحده لا شريك له دون كل من سواه من الأنبياء والملائكة والصالحين وغيرهم، ويفرد الرسول ﷺ بالمتابعة والتحكيم عند التنازع، فمن دعا غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين فما شهد أن لا إله إلا الله شاء أم أبى، ومن أطاع غير الرسول ﷺ وتبعه في خلاف ما جاء به الرسول عالماً وحكّم القوانين الوضعية أو حكم بها فما شهد أن محمداً رسول الله شاء أو أبى، بل إما أن يكون كافراً أو تاركاً لواجب شهادة أن محمداً رسول الله، ويتبع هذين الأصلين العظيمين فعل بقية فرائض الدين وواجباته التي أوجبها تعالى في كتابه وسنة رسوله ﷺ مما هو داخل في واجب التقوى، ومن أهم خصال التقوى الصلاة، والجهاد في سبيل الله، والجهاد على مراتب عديدة من أشهرها وآكدها الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، ولا قوام للعباد والبلاد بدونهما. "والمعروف" اسم عام يتناول التوحيد فما دونه من الطاعات، وكذا "المنكر" يشمل الشرك فما دونه من البدع والمعاصي.
ومن أعظم الجرائم تعاطي المسكرات من الخمور وغيرها. ومن المنكرات
стр. 3765
جميع أنواع الميسر وهو القمار بجميع أنواعه، ومن أنواعه اللعب بالورق المسمى "الزنجفة" سواء كان اللعب به على عوض أو لا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ . والأحاديث في تغليظ تحريم الخمر والميسر ووجوب الحد في الخمر وشدة الوعيد فيه معلومة.
ومن أعظم المعاصي استعمال "الملاهي" من الفتح على السينما وغيرها، ولا سيما ما يشتمل على المناظر والمسامع المحرمة، فإنها تشتمل من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة والإغواء بالفواحش وغير ذلك ما يعرفه أرباب البصائر.
ومن أكبر المنكرات إكباب الجهال والشباب على مطالعة كتب الزيغ والإلحاد والزندقة والصحف المشتملة على ذلك وعلى الصور الخليعة، فما أحرى من أدمن النظر فيها من الشباب ونحوهم أن يصبح أسيراً للشيطان، إن لم يقتله بالكلية ويسلبه جميع الإيمان.
ومن المنكرات التشبه بالكفار، ولا فرق بين الأمور الدينية والعادية كالزي ونحوه، وروى أبو داود بسند جيد أن رسول الله ﷺ قال: "من تشبه بقوم فهو منهم" ويدخل فيه حلق اللحى، لما روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى".
ومن أعظم المنكرات تصوير ذوات الأرواح واتخاذها واستعمالها، ولا فرق بين المجسد وما في الأوراق مما أخذ بالآلة وغيره ذكر معناه النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم، وذكر أنه مذهب الأئمة الأربعة، والأحاديث في الوعيد على ذلك والتغليظ فيه معلومة، وأغلظ أنواعه صور المعظمين على وجه التعظيم والتبجيل، وهذا أحد الذريعتين المغلظتين إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وهما فتنة القبور وفتنة التماثيل المشار إليها في قوله ﷺ : "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله".
ومن أعظم المنكرات وأشدها ضرراً فشو "الأغاني" من الراديوات، واستيلاؤها على ألسنة كثير، وشغف قلوبهم بها، فاستبدل كثير من الناس عمارة بيوتهم بأنواع الأذكار وتلاوة القرآن آناء الليل وآناء النهار بأغاني أم كلثوم
стр. 3766
وفلان وفلان، من مشاهير المغنيين الفجار (بئس للظالمين بدلاً) فيالله ما أخسر صفقة أصحاب هذا الاستبدال، وما أسوأ وأقبح هذا التحول والنتقال.
ومن أكبر الكبائر وأعظم المنكرات بل هو من جملة المكفرات ترك الصلاة، فإنها قرينة التوحيد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما قال ﷺ : "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة". قال الإمام أحمد ﵀: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء، وهي عمود الدين كما تقدم في حديث معاذ، وهي أول مايحاسب عنه العبد يوم القيامة، كما قال ﷺ : "أو ما يحاسب عنه العبد من عمله الصلاة". وتركها تهاوناً وكسلا مبيح للدم بعد أن يدعى تاركها إلى فعلها ويستتاب ثلاثاً، فإن تاب ورجع إلى فعلها، فذاك، وإلا تحتم قتله حداً عند قوم، وردة عند آخرين، وهو الراجح، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، بل قد نقل إسحاق بن راهويه ﵀ الإجماع على أنه كافر، ومن الأدلة على كفره ما تقدم، وحديث: "بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة". وحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وقال عبد الله ابن شقيق: كا أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وقال ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ . قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها ولو تركوها لكانوا كفاراً.
وهاهنا منكر فوق ما يخطر بالبال ويدور في الخيال، وأعظم ما قدمناه من جميع المنكرات، وهو منكر عدم تغيير المنكرات، وعدم الغيرة لمحارم فاطر الأرض والسموات، والتماوت في ذلك، والتسويف فيه، والاغترار بهذه الزهرة الذاوية عن قرب، مع القدرة على التغيير، ولهذا اشتد في ذلك الوعيد وغلظ فيه التهديد، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
وروى الترمذي عن حذيفة، أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذاباً من
стр. 3767
عنده، ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم". وروى ابن ماجه والترمذي وصححه، عن أبي بكر الصديق قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ . فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه". ولأحمد: إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، فذكره. وروى الترمذي وأبو داود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". قال: "فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطراً". وفي رواية أبي داود قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ولتأطرونه على الحق أطراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كم لعنهم".
فيا أمراء المسلمين ويا حماة الدين ويا علماء شرع رب العالمين، ويا كافة إخواننا المسمين الله الله أن تستلب نعمتكم عياناً وأنتم تقدرون على ثبوتها فيكم، ألا وهي نعمة التوحيد، وتحكيم شريعة المحمدية، وحفظ المحارم والأولاد والعز والشرف، واعصموا بالله جميعاً في إقامة الحق والقضاء على جميع المنكرات، والأخذ على أيدي السفهاء والعصاة، من قبل أن يحل بكم ما حل بمن قبلكم من سالف الأمم: "سنة اله قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً " فعلى العلماء إقامة الحجة وإيضاح المحجة، وأخذ ما جاء به نبيهم محمد ﷺ بالقوة، وأن يقوموا بواجب التعليم أعني تعليم العلوم الشرعية، المبعوث بها صفوة الخلق وخيرة البرية، علوم العقائد، والتوحيد بنوعيه، والعبادات، وعلوم الإيمان باليوم الآخر، وعلوم الحلال والحرام.
هذا والله هو العلم، وما سواه من أنواع العلوم المباحة في ذاتها إن لم يكن معيناً ومؤيداً لهذا العلم وموصلاً إلى إجتناء ثمراته، وخادماً له في كافة حالاته، فإن الجهل به خير من العلم، وعلى ولاة المسلمين تجريد صوارم العزمات، ومتابعة صواعق التغليظ والتهديدات، والضرب على أيدي العصاة بيد من حديد،
стр. 3768
ليرجعوا إلى نجاتهم وحياتهم، وأن يؤكدوا على العلماء فرداً فرداً غاية التأكيد أن يقوموا بواجبهم ويساعدوهم، ويشدوا أعضادهم بالتنفيذ، وليعلم أن طريق إزالة المنكرات من أبين شيء لسالكيه، وأسهل مطلوب لراغبيه، إن صدقنا الموقف: أيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ . وصلى الله على محمد. (١٨/٣/١٣٧٨هـ) .
(هذه النصيحة قدمه الأخ حسن بن محمد الخطيب)
(٤٥٣٦- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ.
إلى ما تبلغه هذه النصيحة من المسلمين، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، ووفقني وإياهم للتمسك بشرائع الدين القويم، وجنبني وإياهم جميع الأسباب والوسائل المفضية بسالكها إلى سبيل الجحيم. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فالموجب لهذا هو تذكيركم والنصيحة لكم، امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ . وقوله ﷺ : ﴿الدين النصيحة ثلاثاً، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". فأذكركم بما منّ الله به عليكم من التوحيد ومعرفة دين الإسلام والاهتداء بهديه والاستضاءة بنوره، مع ما انضم إلى ذلك مما أنعم الله به من هذه الولاية الدينية العامة التي ساعد الأمن فيها وانتشر، وجرت ونفذت فيها أحكام الشريعة الإسلامية على الكبير والصغير والحر والعبد، فلله ربنا مريد الحمد والثناء، فاشكروا عباد الله هذه النعمة، واغتبطوا بها، وارعها حق رعايتها، واقدروها حق قدرها، وتحدثوا بها كثيراً، وتواصوا فيما بينكم بالتمسك بما يحفظها، والتحذير من ارتكاب أسباب زوالها وقرارها، فإن النعم إذا شكرت درت وتزايدت وقرت، وإذا كفرت تناقصت وانمحقت وفرت، قال الله ﵎: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ . وأنصحكم وأوصيكم بتقوى الله ﵎ فإنها هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً﴾ .
وحقيقة التقوى أن يجعل العبد بينه وبين غضب الله وعقابه وقاية
стр. 3769
تقيه ذلك بفعل الطاعات وترك المعاصي، فيجب على الولاة تقوى الله وخشيته فيما ولاهم الله عليه من أمر دين المسلمين ودنياهم، كم يجب على العلماء تقوى الله وخشيته فيما علمهم الله من العلم وآتاهم، والعمل بما منّ الله عليهم من ذلك وحباهم، وكما يجب على جميع من ولي أمراً من أمور المسلمين تقوى الله وخشيته فيما ولي عليه، والنصح في ذلك والأمانة، ويجب عليهم وعلى سائر المسلمين تقوى الله وخشيته في جميع ما خلقوا له وتعبدوا به وعلقت أمانته في أعناقهم منفعل الطاعات، وترك المعاصي والمنكرات.
فأوجب الواجبات إخلاص العمل لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، وأنكر المنكرات الشرك بالله، والابتداع في الدين بشرع ما لم يأذن به الله، ومن أهم فرائض الدين الصلاة وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، كما في الحديث: "رأس هذا الأمر الإسلام وعموه الصلاة". وتركها ولو تهاوناً وكسلاً كفر ناقل عن الملة، ومبيح للدم والمال، كما في الحديث: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". وفيه أيضاً: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". وفيه أيضاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
ومما يجب للصلاة أداؤها في جماعة، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه هم بالانطلاق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة في جماعة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وفي رواية: "لولا ما فيها من النساء والذرية أحرقتها عليهم".
ومن أهم واجبات الدين أيضاً أداء الزكاة، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق المال ويقاتل مانعها للحديث المتقدم، وقال الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ﵁: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. ويلتزم فيها الإخلاص، وأن لا تعطى إلا مستحقها شرعاً، والأفضل أن يخص بصدقته أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم، أما إعطاء الزكاة لمن لا يستحقها أو لأقاربه الذين تلزمه مؤنتهم فإنه لا تبرأ به ذمته، ولا يجزيه في تأديتها، وتدفع زكاة الأموال الظاهرة إلى الساعي، وتبرأ بذلك الذمة، وعلى الولاة في ذلك تقوى الله بأن يصرفوا ما جبوه من ذلك مصارفه الشرعية.
стр. 3770
ومن واجبات الدين صيام شهر رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . وفي الحديث: "من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر لم يجزه صيام الدهر وإن صامه ". وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يبشر أصحابه عند قدوم رمضان فيقول: "قد جاءك شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب جهنم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حرم". وينبغي للصائم أن يلزم في صيامه جانب الأدب والوقار، وأن يكون لسانه رطباً من ذكر الله وتلاوة كتابه العزيزي، وعليه أن يحفظ لسانه ونفسه من كل ما يفسد عليه صيامه من الغيبة والبهت والنميمة وجميع أنواع المعاصي والفجور، ففي الحديث عنه ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". وروى الإمام أحمد عن عبيد مولى رسول الله ﷺ : "أن امرأتين صامتا، وأن رجلاً قال: يا رسول الله إن هاهنا امرأتين قد صامتا، وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه، أو سكت، ثم عاد وأراه قال فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما: قيئ فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً حتى ملأت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئ، فقاءت من قيح وصديد ولحم عبيط حتى ملأت القدح، ثم قال: إن هاتين صامتا على ما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس".
ومن واجبات الدين على المستطيع وأحد أركان الإسلام حج بيت الله الحرام، قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ . وقال أبو هريرة ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا". الحديث. وعلى الحاج أن يجتنب في حجه الرفث والفسوق والمراء، وأن لا يقصد بحجه رياء، ولا سمعة، وأن يطيب نفقته في الحج، وأن لا تكون من كسب حرام، فبذلك يتم بر حجه، ويتحقق له الثواب الجزيل وهو الجنة،
стр. 3771
كما في الحديث: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وها هنا أمر ينبي التفطن له وهو أن كثيراً ممن يحج لا يهتم من هذه الفريضة، فلا يتعلم أحكامها، ولا يسأل أهل العلم عن ذلك، وقد قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ . ولهذا يقع من كثير من هؤلاء الإخلال ببعض الواجبات، وفعل بعض المحظورات مما قد يفسد حجه من أصله أو ينقصه التنقيص الذي يأثم به.
ومن واجبات الدين تناصح المسلمين وتذاكر بعضهم مع بعض في القيام بفعل ما أمر الله به ورسوله، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله.
ومن أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الشرعي، وإقامة الحدود والتعازير على النهج المرعي، قال الله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ . وقال ﷺ : "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعن من قبلكم". قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فإن القيام بما فرض الله على العباد من فعل الطاعات وترك المعاصي والفساد، صلاح للبلاد والعباد، واستجلاب للبركات، ودفع للنقمات، وسبب إجابة الدعوات، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ الآية.
وبالجملة فكل فساد ونقص في العلوم والأعمال والعقول والسياسة والمعايش وغير ذلك فسببه المعاصي، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ .
стр. 3772
ومن الواجب أيضاً رد المظالم إلى أربابها أو تحللهم منها، فإن حقوق العباد أمرها عظيم، وهي مبنية على المشاحة والمضايقة، وهي الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً في الآخرة، ومن فرائض الدين أيضاً اجتناب المحرمات، ومن الزنا واللواط وشرب المسكرات، والربا في المعاملات، والعقود المحرمة، والغش، والخيانة في الأمانات، والتطفيف في المكيال والميزان، واستعمال آلات الملاهي، ومخالطة الرجال بالنساء، وخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، والسرقة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل مال اليتيم، والكذب، والخديعة للمسلم، والتهاجر، والتباغض، والتدابر، والبهت، والغيبة للمسلم، والشحناء، والسخرية بالمسلمين، وإسبال الثياب والكبر، والحسد، وغير ذلك من المحرمات، ومنها أيضاً الاستهزاء بشيء من أمور الدين، بل ذلك من الكفريات.
ومن المحرمات أيضاً التشبه بالكفار في أعمالهم وزيهم من لباس وغيره، قال ﷺ : "ومن تشبه بقوم فهو منهم".
ومن أعظم الفروض وأهم ما يهتم به اعتناء المسلمين بنشئهم، وأن يوجهوهم التوجيه الديني النافع لهم في دنياهم وأخراهم، وأن يأخذوهم بالتزام أصولهم الدينية التي هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، واعتقاد ما اعتقده السلف الصالح مما نالوا به العز والكرامة، وحازوا به شرف الدنيا والآخرة، وأن يغلقوا عنهم جميع الأبواب العائدة بفساد عقائدهم وأخلاقهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
هذا وأسأل الله عز شانه أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يوفق إمام المسلمين، وأن يأخذ بنواصينا جميعاً، وأن يتولانا بلطفه، ويشملنا بعفوه، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
١٤/٩/١٣٧٣هـ
(وهي موجودة أيضاً في الدرر السنية ص١٤٣) .
стр. 3773
(٤٥٣٧- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من يراه من المسلمين وفقني الله وإياكم لقبول النصائح وجنبنا جميعاً موجبات المخازي والفضائح آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإن الله ﵎ قد أوجب النصيحة والبيان، وحرم الغش والكتمان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ . وقال النبي ﷺ : "الدين النصيحة" إلى آخره. وقد أمر الله بالتذكير، وأخبر أن الذكرى تنقع المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ . وهذا يشمل التذكير بالنصوص القرآنية، وصحاح الأحاديث النبوية، المشتملة على الأمر بطاعته ، وطاعة رسله، والتحذير من معصيته ومعصية رسله، وبيان ما في امتثال أوامره وترك زواجره من حصول الخيرات، وحلول البركات، واندفاع النقمات، وما في معصيته تعالى ومخالفة أمره من محق البركات، في العلوم والأعمال والأعمار والمكاسب وجميع التصرفات، ويشمل أيضاً التذكير بأيام الله تعالى في خلقه وما أحل بمن عصوا رسله من المثلات، وسائر ألوان الأخذ والعقوبات، مما يكون من أعظم واعظ لمن في قلبه أدنى حياة، إذا عرف ذلك فإن المعاصي هي أسباب كل نقص وشر وفساد في الأديان والبلاد والعباد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ .
فما أهبط الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب إلا معصيتهما بأكلهما لقمة من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وما أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه وجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها وباطنه أقبح من صورته وأشنع غير معصيته بامتناعه من سجدة واحدة أمر أن يسجدها، وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، وما الذين رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم ثم قبلها عليهم واتبعوا بحجارة من سجيل، وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار
стр. 3774
فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى، وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى نار جهنم، فأبدانهم للغرق، وأرواحهم للنار، والحرق إلا المعاصي، فإنها هي التي دمرت عليهم وأصارتهم إلى أسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة، ومن ثمرات المعاصي حرمان العلم وحرمان الرزق كما في المسند: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
ومنها وحشة يجدها العبد بينه وبين الله وبينه وبين الناس لا سيما أهل الخير منهم، وتعسير أموره فلا يتوجه لأمر إلا وجده مغلقاً أو متعسراً عليه، ومنها حرمان الطاعة، ومنها ظلمة القلب، وجبنه، ووهنه، ووهن البدن، وتقصير العمر، ومحق بركته، فإن البر كما يزيد في العمر فإن الفجور ينقصه، ومنها انسلاخ القلب من استقباحها فتصير له عادة، والمعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، وتورث الذل ولابد، وتفسد العقل، وإذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها، وتدخل العبد تحت لعنة الله، وتحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن والاشجار، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ . قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، وقال ابن زيد: (ظهر الفساد في البر والبحر) قال: الذنوب. ولا منافاة بين القولين، فإن الآية تشمل هذا وهذا، وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذي مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان.
وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم" وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما طفف قوم كيلاً ولا بخسوا ميزاناً إلا منعهم الله القطر، وما ظهر في
стр. 3775
قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل بعضهم بعضاً إلا سلط الله عليهم عدوهم ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاؤهم".
ولا شيء يستجلب به الرزق بل وكل خير ويستدفع به كل سوء غير التوبة إليه سبحانه بالرجوع عما يكرهه من المعاصي إلى ما يحبه من الطاعة، بأن يحقق العباد توحيدهم، ويباعدوا جميع ما ينافيه أو ينقصه أو يقدح فيه، ويحافظوا على فرائض دينهم من إقامة الصلوات الخمس في جماعة وأداء الزكاة وغير ذلك من أركان الإسلام وفرائضه العظام كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، ويجتنبوا محارمه من أنواع الفواحش وأجناس المنكرات، والمخدرات، والمفترات، والربا في المعاملات، والخيانة في الأمانات، واستعمال أنواع الملهيات، الصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وكافة المحرمات، فعلى المسلمين عموماً وخصوصاً التوبة إلى ربهم، والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر فيما بينهم، وتعاون بعضهم مع بعض فيما يصلح دينهم الذي به صلاح معاشهم، والفوز في معادهم.
هذا وأسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحفظ إمام المسلمين من كل نواحيه، ويزيده من التوفيق لمحاب الله ومراضيه، ويقمع به كل فساد، ويصلح بمساعيه البلاد والعباد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر ٠/٣/١٣٧٦هـ
(هذه الفتوى ما وزع على أئمة المساجد - ومنهم ناصر الخطيب)
(٤٥٣٨- نصيحة عامة)
من محمد بن إبراهيم إلى من تبلغه هذه النصيحة من المسلمين- رزقني الله وإياكم الفقه في الدين، ومزيد التمسك بما بعث به سيد المرسلين، ومنّ علي وعليهم باقتفاء آثار الصدر الأول من سلفنا الصالحين المصلحين، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإن من أعظم فرائض الدين التذكير بآيات الله وأيامه في خلقه،
стр. 3776
والتحدث بنعمه، والتحذير من أسباب نقمه، لما في ذلك من أسباب حصول الخير الكثير، والسلامة من حلول العقوبات والتغيير، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ .
وأعظم نعمة أنعم الله بها على عباده بعثه عبده ورسوله محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، وهما العلم النافع والعمل الصالح، وأصل ذلك وأساسه عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، فأشرقت ببعثته قلوب من استجابوا له بعد ظلامها، وخشعت ولانت بعد قسوتها، ونالوا بذلك من القوة بعد الضعف، والعز بعد الذل، والعلم بعد الجهل، ما فتحوا به البلاد وقلوب العباد، وعلت بذلك كلمة الله، وصارت كلمة الكفر إلى السفال والفشل والإذلال، وعزل سلطان الجاهلية والإشراك، فلله الحمد على ذلك.
إلا أن إبليس - أعاذنا الله منه - لشدة عداوته لبني الإنسان، وعظيم تغلغله بالكفر والطغيان، ومزيد جده في الصدف عن طاعة الرحمن، وإن كان قد صدر منه ما صدر من اليأس لم يدع الجد في إطفاء هذا النور، والتنفير من الحق والترغيب في أنواع الكفر والإلحاد والفجور، والدعوة إلى البدع والإكثار من الأز إلى المعاصر والشرور، وبث الشبه والشهوات، وألوان المغريات، على أيدي حزبه ومن استجابوا من شياطين الإنس، ومن أنواع الخدع بزينة الدنيا وزخارفها الفتانة وضروب الشهوات، وشتى أسباب الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، من أجناس الملاهي وصنوف المسكرات، حتى ثقل على القلوب سماع القرآن وحصل التهاون بوعيده، وعدم الاهتمام بزواجره وتهديده، لا سيما بعد ما تصرمت أيام القرون المفضلة، فإنه قد اشتد الخطب، وانفتح باب الشر على مصراعيه، ولم يزل في مزيد، وإن كان ربنا ﵎ قد منّ ببقاء أصل هذا النور وتأييد هذا الحق بما أجراه على أيدي علماء الصدق ورثة الرسل من تجديد هذا الدين وإقامة حجج الله على عباده، ومع ذلك فالأمر على ما وصفته من تأثير مساعي إبليس وجنوده على الأكثر حتى اشتدت الكربة، وصار الدين في غاية الغربة، ولا سيما أزماننا هذه التي صار فيها عند الأكثر المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والسنة بدعة، والبدعة سنة،
стр. 3777
ربي على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطفى طوفان المادة، وأخفى غبار الشبهات والشهوات وضوح الجادة، وفشا الجهل، وتكلم في الأمور الدينية من ليس لها بأهل، حتى صرح من صرح من جهلتهم فيما يكتبونه وينشرونه بمزيد الحث والتحريض على ما هو من أعظم ما يهدم الإسلام، وينسى أصوله العظام، وأصبحت القلوب إن لم تمت في غاية من أنواع الأمراض مرض الجهل ومرض الشهوة ومرض الشبهة، حتى استولت عليها القسوة والظلمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فيالها من أمراض ما أصعبها مع الإعراض عن الأدوية المحمدية، وما أسهلها وما أخفها وما أسرع برأها متى عولجت بالدواء الذي بعث به طبيب القلوب الأكبر ﷺ ، وقد سمى النبي ﷺ الجهل مرضاً لما ينشأ عنه من عمى القلوب الذي هو المرض - أيّ مرض - وفيما بعث به صلى من الكتاب والسنة لهذه الأمراض أنجع دواء وأنفع شفاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ .
فهلم إخواني نداوي هذه الأمراض بأدوية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بتدبر أوامرهما ونواهيهما ووعدهما ووعيدهما وزواجرهما، ومذاكرة بعضنا مع بعض، وقيامنا لله مثنى وفرادى لنتذكر ونتفكر ونتناصح ونتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر، ونحب في الله ونبغض في الله، ونوالي في الله ونعادي في الله، ونتعاون على البر والتقوى، ونبحث في أدوية تلك الأمراض التي تحصيلها من أسهل شيء عندما تحصل القلوب على الصدق في طلب هذا الدواء، والإقبال على الله في التماس السلامة من تلك الأدواء، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ .
هلم إخواني نشخص سائر أمراض قلوبنا ونشخص أدويتها، ونجاهد نفوسنا على معالجتها من تلك الأمراض المهلكة، ويحض بعضنا بعضاً، ويحذر كل منا نفسه وأخاه من وبيل أخذ الله وشديد عقابه الدنيوي والأخروي، ومن الإقامة على أسباب تغيير ما منّ الله به من التوحيد، وتحكيم الوحي المحمدي والعز والتأييد، والأمن والصحة والهدوء، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ .
стр. 3778
وفي الأثر: "أن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون".
إخواني: إن ربنا ﵎ لم يغير على قوم نوح بإهلاكهم بالطوفان وسائر من أوقع بهم عقابه وأحل بهم سطوته إلا بعد أن غيروا بمعصيتهم رسله وفسقهم عن طاعته فاستوجبوا التدمير: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ .
هلم إخواني لإمساك بعضنا بيد بعض وتنشيط بعضنا لبعض إلى اليقظة والانتباه من هذه الرقدة التي طالما انتهز عدونا فيها الفرصة.
هلم إخواني للتوبة النصوح إلى ربنا ورجعونا مما يسخطه إلى ما يرضيه قولاً وفعلاً، ومعاملة لبعضنا مع بعض بإخلاص وصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(طبعت في مطابع الرياض - ووزعت في المساجد)
стр. 3779
رابطة العالم الإسلامي
(٤٥٣٩- إنشاء مجمع علمي بمكة المكرمة أيام موسم الحج)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم سعود بن عبد العزيز أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
ثم حفظكم الله لقد اطلعت على خطاب أمجد الزهاوي لجلالتكم حول عرضه فكرة إقامة (مجمع علمي) واستنسابه أن يكون مركز هذا المجمع القدس أو المدينة المنورة. وجوابكم عليه رقم ١٣/١٩٥٩ وتاريخ ١٣/١٠/١٣٧٦هـ.
وأعرض لجلالتكم حفظكم الله أنني أرى أن لا بأس أن يوافقوا على مطلبهم كله بل على شيء مما يحصل به التعارف والبحث في المهمات الدينية، على وجه بعيد عن النزاع والشقاق، لتفويتهما النتيجة الصالحة، ولا يطلق لهم ذلك على تصورهم، فإنه غير خاف على جلالتكم ما لكثير من النزعات والأغراض الشخصية أو القومية مما يخرج ذلك المجمع عن ما عنون عنه به.
كما أني أرى من المصلحة والأنفع أن يكون ذلك المجمع بمكة المكرمة أيام موسم الحج لجمعه العلماء من كافة طبقات الأرض، ولا أرى أن يخصص لذلك المجمع دار، بل يكفي إذا حصل الاجتماع مجلسين أو ثلاثة: إما في مجلس من مجالس أحد قصور الحكومة، أو في دارنا، أو حيث يراه جلالتكم.
الحاصل أن تخفيف هذا الشأن والتجوز فيه خير من التكلف، ومن كان فيه قصد خير وإصلاح، فإن ذلك مبدأ يحصل منه مقصوده من الخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(ص/م ٢٠٣٤ في ٣/١٢/١٣٧٦هـ)
стр. 3780
(الهدف من إنشاء الرابطة)
(٤٥٤٠- كلمة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في ١٥/١٢/١٣٨٢هـ)
الحمد لله، وصلى الله على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.
أيها العلماء الكرام، والفضلاء الفخام، تعلمون أن هدف هذه الندوة الوحيد هو التعارف، وإيجاد رابطة تتسم بروح دينية حقة، وبحث مشاكل المسلمين الدينية والدنيوية، وإيجاد الحول العلمية لها، ولا سيما مشكلة واقع المسلمين، وما أصيبوا به في دينهم من التغيير والتبديل، وتسليط العدو بسبب ما اقترفته أيديهم من تفريط وإهمال وإعراض عن ذلك، وما دسه أعداء الدين على الإسلام من دسائس لقصد القضاء على الإسلام، لهذا يجب علينا أن نتكاتف، ونصيير طائفة واحدة في نصرة الحق، وإقامة العدل، وتفنيد الباطل، مستمدين ذلك من القرآن الكريم الذي: ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . ومن صحيح السنة النبوية التي هي شقيقة القرآن، كما قال ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه".
ونعطيهما من واجب التدبر والتأمل والقيام لله شهداء بالقسط ما يتضح به الصراط المستقيم، ويستنير به الطريق، وينفلق به صبح الحق، وينهزم به ليل الباطل، حتى نقوم بحقيقة ما بعث الله به نبيه محمد ﷺ ، من الدين الذي أصله عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، وهذا هو حقيقة كلمة الإخلاص التي هي أصل ملة الإسلام (لا إله إلا الله) ونثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ من "الأسماء والصفات" إثباتاً بريئاً من التمثيل، وننزهه من جميع ما لا يليق بجلاله وعظمته تنزيهاً بريئاً من التعطيل، ونفرد رسوله محمداً ﷺ بالطاعة وتحكيم ما جاء به عند التنازع، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ . وأن ندعو إلى الله على بصيرة كما هي طريق الرسول ﷺ وطريق أتباعه
стр. 3781
إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . وأن نتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر، وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخشى في الله لومة لائم، وأن يكون هدى من ضل واستقامة من زل من المسلمين وحصوله على العلم الشرعي بعد جهله به أحب إلينا مما يفرح به، وأن نجاهد الدولة الكافرة الجائرة الظالمة المغتصبة لحقوق المسلمين ومواضع عديدة من بلادهم وضرورة ذلك فوق كل ضرورة، وأن نعد لهم من القوى المعنوية والحسية غاية ما نستطيعه، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ .
وأن نقوم حول أي طائفة حادت وامتنعت عن التزام شيء من الشرائع المجمع عليها من تحريم دماء المسلمين وأموالهم ونحو ذلك بما يجب من إقامة الحجة الشرعية وكشف الشبهة، حتى تقوم عليها الحجة، وتتضح لها المحجة، لترتدع عن ما اقترفت، وتتلافى عثراتها التي اشتهرت، والحق مؤيد ومنصور، والباطل مردود ومدحور.
وإذا قمنا بما تقدم حق القيام علماً واتقاداً وتعليماً ودعوة إليه وجهاداً فيه ظاهراً وباطناً صرنا متحققين وعاملين بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وَجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وَجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . قال ابن عباس ﵄: "تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف. ونكون أيضاً عاملين بقول النبي ﷺ : "إن الله يرضى لكم ثلاثاً أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تُناصِحُوا من وَلاّءُ اللهُ أمْرَكُمْ".
والسلام عليكم
(ص/م في ١٥/١٢/١٣٨٢هـ)
стр. 3782
(٤٥٤١- فضل الدعوة على الله - ألقيت في اجتماع رابطة العالم الإسلامي بمكة)
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، وأصلي وأسلم على خير خلق الله، وأكرهم عليه وأرفعهم عنده منزلة، عبده ورسوله محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، ودعا بدعوته، ودافع عن ملته إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله وبيان ما بعث الله به أنبياءه ورسله ﵈ للناس هي سبيل رسول الله وسبيل أتباعه إلى يوم القيامة، قال تعالى لنبيه ﵇: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وهو واجب على كل مسلم بحسب مقدرته واستطاعته، وهو على أهل العلم أوجب، وفي حقهم آكد، لأنهم المبلغون عن الله ورسوله، وهم ورثة الأنبياء، ومن كان لديه ميراث النبوة فواجبه أعظم، والمسئولية تقع عليه أكبر، فلديهم طلب القلوب وعلاجها، وقد وصفهم الرسول ﵇ بالعدل حيث قال: "يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". فهم لهذا مسموعو الكلمة، مقبولو النصيحة، فإذا قاموا بالواجب الملقى عليهم تمام القيام صلحت الأحوال واستقامت الأمور، وقد أوجب الله عليهم التبيين للناس وحرم عليهم الكتمان، وأخبرنا أنه أخذ الميثاق على من قبلنا ونحن مثلهم فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ . وقد قال الرسول ﵇: "بلغوا عني ولو آية".
والناس في هذه الأزمنة بحاجة إلى الدعوة أكثر من حاجتهم لها في أي وقت مضى، حيث قد كثرت دواعي الشر، وتفشت الإباحة والانحلال الخلقي، وجاءت بأثواب مختلفة، وتحت شعارات براقة خداعة، وغزت قلوب الشباب أيما غزو، كما كثرت البدع والخرافات، وظهرت المبادئ الهدامة المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ ، وأخذ دعاتها أزمة التوجيه فأفسدوا ما بقي مع المسلمين من دينهم أو كادوا، والتقى أعداء الإسلام من أصحاب الديانات المختلفة وحملة المبادئ الملحدة على صعيد واحد، وهو محاربة الإسلام والصد عنه بشتى الوسائل، وتألبوا عليه، وجاءوا من كل حدب وصوب. ولما رأى المخلصون هذه الحالة ساءهم يوم الإسلام الحاضر، وأشفقوا من غده
стр. 3783
المظلم، ففكروا في إقامة مؤتمر إسلامي يعقد بمكان تلتقي فيه أنظر المسلمين في الشرق والغرب، وتهفوا إليه أفئدتهم، فلم يكن بد من أن يتفق الرأي على أن هذا لا يكون إلا بمكة المكرمة، حيث أنها منبع الهدى والنور، وفيها بيت الله العتيق قبلة المسلمين ومتجههم في العبادة، وفيها إقامة خامس أركان الإسلام، وتم عقد ذلك المؤتمر فيها بتوفيق الله ثم بمساعي من يهمهم أمر الدعوة الإسلامية، وذلك في موسم حج عام ١٣٨١هـ وحضره جمع كبير من علماء المسلمين وأعيانهم ممن قدموا، وقد بحثت في هذا المؤتمر المشاكل الإسلامية، ورسمت الخطط للسعي في إيجاد حلول صحيحة لها، وقد انبثق عن هذا المؤتمر "رابطة العالم الإسلامي" وعقدت جلساتها في مواعيدها المقررة لها، وقد قامت هذه الرابطة خلال العام الماضي بنشاط ملموس في سبيل الدعوة، ومساندة الحركات الإسلامية مادياً ومعنوياً، وسوف تؤدي واجبها كاملاً في المستقبل بإذن الله.
وإن من دواعي الغبطة إصدار الرابطة لهذه المجلة باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية مما سيكون له أكبر الأثر في نشر الدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم إن شاء الله، وسيعرف العالم بواسطتها أهداف الرابطة وأغراضها، وستنال التشجيع الكامل من جميع المسلمين في شتى بقاع الأرض إن شاء الله.
أسأل الله أن يحقق لهذه الأمة النصر، ويعيد لهذه الملة نظارتها وهيبتها، ويعيد للعالم الإسلامي مجده التليد، إنه سميع مجيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(ص/ م ٧٤٤ في ٢٨/١٢/١٣٨٢هـ)
(٤٥٤٢- هدف الرابطة)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها الإخوان المسلمون - في هذه الفرصة المباركة التي من الله علينا فيها بهذا اللقاء ويسر لنا هذا الاجتماع، أبدأ حديثي إليكم الساعة عن هدف هذه الرابطة، فأقول: إن هدفها هو التذاكر، وعرض المشاكل التي تعترض طرق تبليغ
стр. 3784
الدعوة إلى الإسلام، ثم العمل على إيجاد الحلول العلمية تجاه ذلك، والخروج بنتيجة تضمن إن شاء الله حصول المقصود من أداء فريضة الله علينا في تبليغ هذه الدعوة وشرح مبادئها، ودحض الشبهات عنها، ومجاهدة المؤامرات الخطيرة والمبادئ الهدامة التي يدبرها أعداء هذا الدين، بقصد فتنة المسلمين وصدهم عن دينهم، وتفريق صفوفهم، وتمزيق شملهم ووحدتهم وأخوتهم - لا بلغ الله هؤلاء الأعداء مرادهم، ولا ألحقهم مقصدهم ومرادهم - هذه المؤامرات وهذه المبادئ الهدامة وهذه الدسائس التي دسها أعداء الدين على الإسلام لقصد القضاء عليه هي أهم ما يجب أن نبحث في اجتماعاتنا هذه، وهي أهم ما يجب أن نصرف عنايتنا في محاربته ودحضه، ونتكاتف ونصير طائفة واحدة في نصرة الحق وإقامة العدل ومجاهدة الباطل والقضاء عليه، مستمدين ذلك من القرآن الكريم الذي: ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ . ومن صحيح السنة النبوية التي هي شقيقة القرآن، كما قال ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه".
ونعطيهما من واجب التدبر والتأمل والقيام لله شهداء بالقسط ما يتضح به الصراط المستقيم، ويستنير به الطريق، وينفلق به صبح الحق، وينهزم به ليل الباطل، حتى نقوم بحقيقة ما بعث الله به نبيه محمد ﷺ ، من الدين الذي أصله عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، وهذا هو حقيقة كلمة الإخلاص التي هي أصل ملة الإسلام (لا إله إلا الله) ونثبت لله ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله محمد ﷺ من الأسماء والصفات إثباتاً بريئاً من التمثيل، وننزهه من جميع ما لا يليق بجلاله وعظمته تنزيهاً بريئاً من التعطيل، ونفرد رسوله محمداً ﷺ بالطاعة وتحكيم ما جاء به عند التنازع، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
أيها الإخوان يجب أن تكون دعوتنا إلى الله على بصيرة حتى نطبق في ذلك طريق الرسول ﷺ وطريق أتباعه بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . وأن نتآمر بالمعروف ونتناهى عن المنكر، وأن نقول الحق حينما كنا لا نخشى في الله لومة لائم.
стр. 3785
أيها الإخوان لقد تقدمت لنا ثلاثة اجتماعات قبل هذا الاجتماع، أولهما في ذي الحجة عام ٨١هـ والثاني في رجب عام ١٣٨٢هـ والثالث في ذي الحجة عام ١٣٨٣هـ وهذا هو الاجتماع الرابع، فينبغي أن نستعرض في هذا الاجتماع ما حققته تلك الاجتماعات الثلاثة السابقة نحو هذا المهم العظيم الذي أسلفته، وهذا الواجب المقدس الذي مر ذكره، إنني متفائل خيراً إن شاء الله، وراج من المولى الكريم سبحانه أن يكتب لاجتماعنا هذا التوفيق والنجاح، وأن يكون على خير ما يجتمع من أجله المسلمون، وعلى أفضل ما يعمل له العاملون المخلصون، في هذه البقعة المقدسة الطاهرة التي شهدت طلائع الجهاد في سبيل الله، وارتفع منها أول صوت بالدعوة إلى الله، وأشرقت من أباطحها ونجودها أنوار المثل العليا التي لا سبيل لمثل سواها في حياة المسلمين، والمبادئ الكريمة التي لا نجاح لهم ولا انتصار لجهادهم ولا عزة لشأنهم ولا منعة لكيانهم إلا بأن يعودوا إليها وأن يتمسكوا بجوهرها، وأن يعيشوا لها مؤمنين بأنها سبيلهم إلى النجاح والفلاح في دنياهم وأخراهم.
واختتم كلمتي هذه بالدعاء والتبهل إلى الله العلي القدير أن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يمنح الجميع العون والتوفيق لما فيه الخير وصالح الإسلام والمسلمين، وتحية لإخواني الحاضرين، وبعون الله أعلن ابتداء افتتاح هذا المؤتمر، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه. (عام ١٣٨٤هـ) .
(٤٥٤٣- كلمة سماحة الشيخ في حفل التعارف الذي أقيم بمكة مساء يوم الأحد ١٤/٢/١٣٨٣هـ) .
أيها الأخوة في الله أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة اله وبركاته.
ويسرني أن أرحب بكم في مهوى أفئدة المسلمين ومقر قبلتهم أجمل ترحيب، وإني لأقدم لكم أعمق الشكر وأبلغ التقدير لتكرمكن بتلبية الدعوة لحضور هذا الاجتماع.
وإنها لفرصة مباركة أن نلتقي في هذه البقعة الطاهرة المقدسة مهبط الوحي ومصدر إشعاع الإسلام، وأن نجتمع في شتى الأقطار، ومختلف الأجناس والألوان في إطار الأخوة الإسلامية الصادقة، وعلى صعيد العقيدة المحمدية الواحدة، عقيدة التوحيد التي في ظلها ساوى الإسلام بين الجميع، لا فضل