← Фатава

Фатава · id 8476

فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

محمد بن إبراهيم آل الشيخ

Полный текст (3 815 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ومن تقرير لشيخنا على (كتاب الإيمان ص١٤٧) في وصف ابن تيمية لنفاق عبد الله بن أبي سلول.: قال ابن تيمية: فإن ابن أبي كان مظهراً لطاعة النبي ﷺ والإيمان به، وكان كل جمعة يقوم خطيباً في المسجد يأمر باتباع النبي ﷺ . قال شيخنا: هذا مما يستدل به على أنه لا بأس بالموعظة بعد الجمعة، ولعله لا في كل شيء، وكان الشيخ تقي الدين يحاضر بعد الجمعة في أشياء من بيان السنة، فلعله إذا كان لأشياء هامة لا بأس ولعله إذا كان من باب الوعظ لا ينبغي، إكتفاء بالخطبة. (تقرير ٧٩هـ) (باب صلاة العيدين) (الحكمة في شريعة العيدين) " عيد الفطر " شكر لله وسرور وابتهاج بما من الله على العبد بتكميل رمضان. ومثله " عيد النحر " فإنه يوم سرور وأنس لكمال ماتعبد به في يوم عرفة وماحواليه من أيام الحج، وأيضاً مابعده من الأيام الثلاثة هي أيام أعياد تبعاً. (تقرير) (٨١٢ ـ انقسام الأعياد إلى شرعية وبدعية) " العيد ": منه مايكونواجباً اعتياد ذلك، ومنه مايكون منندوباً، ومنه ماهو بدعي ولا يجوز، لا يسوغ تعظيم شيء إلا ماعظم في الشريعة.

стр. 632

فالبدعي هو اتخاذ زمن عيداً لم يتخذه الشرع ولم يأذن فيه لمفهوم قوله " عيدُنا أهل الإسلام" (١) . وفي الحديث الآخر " هل كان في ها عيدٌ من أعياد الجاهلية" (٢) فأهل الجاهلية يعظمون أزمنة لمناسبات لها، ويعظمون أمكنة لمناسبات لهم، وكلها أو أكثرها أو الكثير منها على تخيل جهلي وخرافة، والخالي من الخرافة من الأمور الجاهلية. وقد اتبع الجاهلية في تعظيم الأزمنة والأمكنة كثير من أمة الدعوة وهي من قبور، وفي الحديث: " لا تتخذوا قبري عيداً " (٣) ومن تماثيل، ومن أزمنة، وقد يسمونها (الذكريات) جمع ذكرى، كل معظم يكون له ذكرى إما حولية أو مأوية أو ألفية، أو لأوقات جرى لمعظميهم فيها سرور من تولية رياسة، يجعلون ذلك اليوم عيداً، حتى يجعلون لبعض الأشياء التي ليست من الأناسي كما عند أهل مصر من ذلك ألوان، ومن ذلك (عيد النيل) وراثة منهم للصنيع الفرعوني من عيد النيل الذي جاء في الأثر أن عمراً كتب إلى عمر أنه كان لهم في النيل عادة وأنه يقف ولا يجرى حتى يجهزوا جارية حسناء بالحلي وغير ذلك ثم يلقونها فيه فيجري فكتب عمر كتاباً وأرسله إلى عمرو، ومضمونه، من عبد الله عمر، إلى نهر النيل، وبعد إن كنت تجري من عند نفسك فلا تجر، وإن كنت تجري بأمر الله

стр. 633

فاجر، فجرى وانقطعت تلك العادة، لكن العيد لم ينقطع فكانوا يعملون جارية من جبس. المقصود: أن الأعياد الزمانية السنوية ليس لأهل الإسلام إلا هي، وهي عيد الفطر والأضحى وأيام التشريق، ثم الأعياد المكانية مافيه إلا يوم عرفة والمشاعر، وماسوى ذلك فهو من أسباب الشرك ومحرم. (تقرير) . (٨١٣ ـ حكم إقامة الموالد، وذكريات الأيام، والاحداث، والوقائع في الهجرة والفتح، وهل هي من علامة حب الرسول) ١ ـ السؤال الأول: مجمع الموالد والجلوس فيها ثم القيام فيها وإيقاد العود واللبان وفرش البساط وغير ذلك: هل هذا جائز، أو منهي عنه؟ وكذلك تعيين يوم معلوم لذلك؟ . ٢ ـ السؤال الثاني: بعد الصلاة المكتوبة والإمام والمأمومين يصلون السنة والنوافل يرفع الإمام يديه ويدعو هو والمأمومين، ويؤمنون: هل هذا جائز، أو منهي عنه؟ ٣ ـ السؤال الثالث: بعد صلاة التراويح وبعدما يصلي الرجل ركعتين منها يرفع رجل منهم صوته ويصلي على رسول الله ﷺ ويرفع الباقون أصواتهم معه حتى يكونوا بصوت واحد: هل هذا جائز، أم لا؟ ٤ ـ السؤال الرابع: بعدما يتم العشرين من التراويح يجتمعوا على صوت واحد لإظهار شوكة الإسلام فيقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، برفع الصوت حتى يكونوا كصوت واحد، هل هذا يجوز، أم لا؟ .

стр. 634

(هذه الأسئلة موجهة من الجمعية الإسلامية ببرمان بلدة ماندلي) الجواب: الحمد لله، إقامة الموالد وذكريات الأيام والاحداث والوقائع مما شرعه النصارى واليهود، وقد نهينا عن أعياد أهل الكتاب والأعاجم، لما في ذلك من الإبتداع ومشابهة الكفار. وسائر ما استحدث من الأعياد والمواسم منكر مستكره، حتى وإن لم تكن فيه مشابهة لأهل الكتاب والأعاجم، لدخوله في مسمى البدع والمحدثات، حتى ولو كانت إقامتها لذكرى " مولد الرسول ﷺ " ذلك لأن الأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ماشرعه الله تعالى. والأصل إنما قام على اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم مالم يحرمه ومن هنا بنى الأئمة انقسام الأعمال إلى عبادات تتخذ ديناً وعادات ينتفع بها، والأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما حظره. والمواسم المحدثة إنما استكرهت وأنكرت ونهى عنها لما يحدث فيها مما يتقرب به كدين، ولدخولها في مسمى البدع والمحدثات. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر عن النبي ﷺ أنه كان إذا خطب يقول: " أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ".:::::: وروى مسلم كذلك في الصحيح عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، وفي حديث صحيح من رواية أهل السنن أنه ﷺ قال: " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ". وكما أن هذه القاعدة مدلول السنة ومدلول الإجماع فهي كذلك

стр. 635

مدلول كتاب الله تعالى، قال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (١) فمن ندب إلى شيء يتقرب به أو أوجبه بقول أو فعل من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله فيما أوجبه عليه من طاعة، ومن أطاع أحداً في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من الإثم ما يلحق الآمر الناهي، أخذاً من قوله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم) الآية (٢) وقد أثر في تفسيرها أن عدي بن حاتم قال للنبي ﷺ : يا رسول الله ما عبدوهم قال: " ما عبدوهم ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم ". هذا والذهاب إلى انقسام البدع والمحدثات إلى حسن وقبيح أخذاً من قول عمر في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه. واستدلالاً بما حدث بعد رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال مما استحسن ولم يستكره أخذاً من الأدلة الدالة عليه من الإجماع والقياس ـ الذهاب إلى ذلك مدفوع بإطلاق نص رسول الله ﷺ " وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". فلا يحل لأحد أن يقيد إطلاق دلالة هذا النص، والمنازع في ذلك مراغم على أنه يقال: ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظاً لا خصوص فيه، أو يقال: ما ثبت حسنه مخصوص من هذا العموم، فيبقى فيما عداه على عمومه، والمخصص إنما هو الدليل الشرعي من الكتاب والسنة والإجماع نصاً واستنباطاً، لا عادات

стр. 636

بعض البلاد ولا الأقوال ولا الآراء مهما كثر أصحابها، فإن شيئاً من ذلك لا ينهض أبداً، ولا يصلح معارضاً لكلام الرسول ﷺ . وعلى هذا فتخصيص يوم من الايام وتمييزه على غيره بشيء من الطاعات أمر توقيفي إنما يصار في معرفته إلى الشريعة المطهرة، ولم تخصص الشريعة يوماً من الأيام باتخاذه عيداً للإسلام سوى يومي العيدين عيد الفطر وعيد النحر وما يتبعه من أيام التشريق الثلاثة، وسوى العيد النسبي وهو يوم الجمعة، فإنه عيد الأسبوع فليس للمسلمين أن يتخذوا عيداً سواها. على أن الوقائع المتعددة وأبرزها " الهجرة" و " الفتح " لم تتخذ أعياداً فاتخاذ الذكريات والموالد أعياداً حدث في الإسلام منكر مستكره لم يشرعه الله وليس من دين الحق في شيء، ولو كانت إقامتها خيراً محضاً أو راجحاً لسارع إليها السلف الصالح، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير أخذاً به وسبقاً إليه. ولو كانت إقامة الموالد للنبي ﷺ من أعلام حبه أو تعظيمه لأقاموها، فإنهم كانوا أعلم الناس بما يصلح له ﷺ ، ومن أشدهم تعظيماً له وحباً فيه، ولو كانت خيراً لسبقونا إليها، لكنه لم يؤثر شيء من ذلك أصلاً عن أحد من خلفائه أو صحابته أو أئمة آله المرضيين المهديين، وإنما الذي أثر عنهم هو ما عرفوه من الحق من محبته وتعظيمه وهو متابعته وطاعته وإحياء سنته ونشر ما بعث به، وهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.:::::: (ص ـ ف ـ ١٧٨ في ١١/٤/١٣٧٥هـ) (١)

стр. 637

(٨١٤ ـ انكار ما في مفكرة الرابطة من أعياد أهل الضلال) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: اطلعت على مفكرة عام ١٣٨٩هـ التي تهديها الرابطة لبعض الشخصيات، ووجدنا في الورقة الرابعة منها ما عنوانه (الأعياد الدينية) وعدد فيها عشرة أعياد، والحقيقة أن هذا شيء مؤسف جداً كيف وصلت الحال إلى هذه الغاية، فإن أعياد الإسلام هي عيد الفطر وعيد الأضحى فقط، هذه أعياده السنوية، وما عداها مما ذكر في الورقة فهو من أعياد أهل الضلال والإبتداع وشرع دين لم يأذن به الله: [أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله] ولانقر صدور هذا وأمثاله عن الرابطة، ونبرؤ إلى الله من ذلك. وإنا لمنتظرون ما تعملونه تجاه هذه الدسية الشيطانية. والسلام عليكم ورحمة الله. (ص ـ م ـ ١٩٥ في ١٣/٨/١٣٨٩هـ) (٨١٥ ـ حكم نشر ذكرى مولد النبي ﷺ من محمد بن إبراهيم إلى حضرة معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد طالعنا مجلة رابطة العالم الإسلامي العدد الأول الصادر في ربيع الأول قام ١٣٨٣هـ فوجدنا فيها في الصحيفة السادسة

стр. 638

والسابعة كلمة بعنوان " مولد محمد ﷺ " إعداد هيئة التحرير، كما وجدنا في الصحيفة الثامنة عشرة قصيدة قيل إنها للشاعر جورج نقولا عطية في ذكرى مولد النبي ﷺ ، وأنت تعرف أن ذكرى المولد شيء محدث في الدين، ولا أصل له في صدر هذه الأمة أبداً، وأن تعظيم وقت من الأوقات على سواه وتمييزه على ما عداه كتخصيص مكان على خلافه من الأمكنة من غير تخصيص شرعي لذلك الزمان أو المكان باطل، والتخصيص المذكور يدخل في التعبد، والعبادات مبناها على الأمر، وتعظيم رسول الله ﷺ هو بالإيمان به، واتباعه، ومحبته، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال والولد والناس أجمعين، إننا إن عظمنا يوماً من الأيام لم يجيء عن المعصوم ﷺ تعظيمه أو مكاناً لم يثبت في الشرع المطهر تعظيمه نكون قد قدمنا بين يدي الله ورسوله، ودخلنا في عموم من ذمهم الله بقوله: [أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله] وأعياد المسلمين ما جعله الشرع للمسلمين عيداً كعيد الفطر وعيد الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق وكيوم الجمعة فإنه عيد الأسبوع، كما أن أعيادهم المكانية هي التي جعلها الله لهم عيداً وهي مكة شرفها الله والمشاعر.:::::::::::: هذا وإن هذا الاقدام على إثبات ذلك ونشره في مجلة الرابطة من غير إذن من رئيس المجلس التأسيسي افتيات عليه، وربما نكتب رسالة حول هذا الصدد نبين فيها بالبرهان الشرعي صحة ما أبديته في هذه الأسطر، ولديكم كتاب إقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية فإنه ذكر حول ما نحن

стр. 639

بصدده ما يكفي ويشفي، وكذلك غيره من كتب السلف التي اعتمد مؤلفوها بيان حقيقة ما بعث الله به محمداً ﷺ ، والسلام عليكم (ص ـ م) (١٦ ـ حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ وقولهم ان الرسول يحضره، وهل يجوز حضور هذه الموالد، والانفاق عليها) من محمد بن إبراهيم إلى المكرم عبد الرحمن بلوشي ... سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد جرى اطلاعنا على استفتائك الموجه إلينا بخصوص مجموعة مسائل. " إحداها ": سؤالك عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وهل فعله أحد من أصحابه أو التابعين وغيرهم من السلف الصالح؟ الجواب: لاشك أن الإحتفال بمولد النبي ﷺ من البدع المحدثة في الدين، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي وصار للتضليل والإضلال والوهم والإيهام مجال، عميت فيه البصائر وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله ولا لدى التابعين وتابعيهم، وقد قال ﷺ " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وقال أيضاً " من

стр. 640

أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (١) وفي رواية: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) . واذا كان مقصدهم من الاحتفال بالمولد النبوي تعظيم رسول الله ﷺ وإحياء ذكره فلاشك أن تعزيره وتوقيره يحصل بغير هذه الموالد المنكرة وما يصاحبها من مفاسد وفواحش ومنكرات، قال الله تعالى: [ورفعنا لك ذكرك] (٣) فذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب، والصلوات، وفي التشهد، والصلاة عليه في الدعاء وعند ذكره، فلقد صح عنه ﷺ أنه قال: " البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليّ" (٤) . وتعظيمه يحصل بطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط، ولو كانت هذه الاحتفالات خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف الصالح ﵃ أحق بها منا، فإنهم كانوا أشد منا محبة وتعظيماً لرسول الله ﷺ ، وهم على الخير أحرص، ولكن قد لا يتجاوز أمر أصحاب هذه الموالد ما ذكره بعض أهل العلم: من أن الناس إذا اعترتهم عوامل الضعف والتخاذل والوهن راحوا يعظمون أئمتهم بالاحتفالات الدورية دون ترسم مسالكهم المستقيمة، لأن تعظيمهم هذا لا مشقة فيه على النفس الضعيفة. ولاشك أن التعظيم الحقيقي هو طاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمار التي يقوم بها أمره ويعتز بها دينه: إن كان رسولاً، وملكاً إن كان ملكاً، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي

стр. 641

صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، إلا أن تعظيمهم رسول الله ﷺ وخلفاءه الراشدين لم يكن كتعظيم أهل هذه القرون المتأخرة ممن ضاعت منهم طريقة السلف الصالح في الإهتداء والإقتداء وسلكوا طريق الغواية والضلال في مظاهر التعظيم الأجوف، ولا ريب أن الرسول ﷺ أحق الخلق بكل تعظيم يناسبهم إلا أنه ليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به. كما أنه ليس من تعظيمه ﵊ أن نصرف له شيئاً مما لا يصلح لغير الله من أنواع التعظيم والعبادة. وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف لضاع أصل ديننا أيضاً، ولكن السلف الصلاح حفظوا لنا الأصل فالواجب علينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ. والخلاصة أن الاحتفال بالموالد من البدع المنكرة وقد كتبنا فيها رسالة مستقلة فيها مزيد تفصيل نزودكم بصورة منها (١) للانتفاع والله ولي التوفيق. " الثانية" ذكرك عما يقوله بعض الجهال والمضللين: من أن الرسول ﵊ يحضر الاحتفالات بمولده، وهذا من أبطل الباطل ومما لا يتسع له عقل عاقل.

стр. 642

" الثالثة " سؤالك عن حكم هذه الموالد، وهل يجوز الاشتراك فيها والإنفاق عليها , وقد مر الجواب عن حكم هذه الموالد في معرض جوابنا عن المسألة الأولى، أما الاشتراك فيها بالحضور والإنفاق عليها ونحوها فقد سبق لنا القول بأنها بدعة، وأن كل بدعة ضلالة فحضورها ضلال، والإنفاق عليها أو المشاركة في الإنفاق عليها مشاركة في الضلال والإضلال، وإشاعة الفحشاء والمنكر. (ص ـ ف ـ ٢١١٠ ـ ١ في ٢١/٧/١٨٨هـ) (١) (٧٠١ ـ واذا اجتمع مع الاحتفال بمولده غناء ورقص ومردان واختلاط ونحو ذلك) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم إبراهيم بن محمد بن حمد ... سلمه الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد وصل إلينا كتابك الذي تستفى به عن المسائل الآتية. " المسألة الأولى": عن حكم الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وهجرته، وغير ذلك مما ذكرتم في كتابكم. والجواب: الحمد لله ـ لم يكن الاحتفال بمولد النبي ﷺ مشروعاً ولا معروفاً لدى السلف الصالح رضوان الله عليهم، ولم يفعلوه مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فهم أحق بالخير وأشد محبة للرسول ﷺ وأبلغ تعظيماً له، وهم الذين هاجروا معه وتركوا أوطانهم وأموالهم

стр. 643

وأهليهم، وجاهدوا معه حتى قتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم وأموالهم ﵃ وأرضاهم، فلما كان غير معروف لدى السلف الصالح ولم يفعلوه وهم القرون المفضلة دل على أنه بدعة محدثة، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول: " أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " وروى أصحاب السنن عن العرباض ابن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: " فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة " قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهي قوله: " كل بدعة ضلالة" بسلب عمومها، وأن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل، وقال: إن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص الرسول ﷺ بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده.:::::: وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه وفي رواية لمسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " تعرف بذلك أن هذا العمل لما كان مخالفاً لما جاء به الرسول ﷺ فهو مردود على صاحبه، لأنه محدث لم يكن عليه عمل الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين وأصحابه السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃.

стр. 644

إذا عرف هذا فالاحتفال بالمولد بدعة محدث مردود على فاعله، وهو يختلف بحسب على فاعله، وهو يختلف بحسب ما يعمل فيه من البدع والمحرمات، فإن خلا من المحرمات عموماً واقتصر فيه على عمل الدعوة من طعام وشراب وطيب ولم يحضره مردان ولا اختلط الرجال بالنسوان واعتقد فاعله أن هذامن الدين الذي يتقرب به إلى رب العالمين فهذا بدعة محدث مردود على فاعله. وإن انضم إلى ذلك مايفعله كثير ممن يقيمون الاحتفالات بالموالد من استعمال الأغاني وآلات الطرب وقلة احترام كتاب الله تعالى، فإنهم يجمعون في هذه الاحتفالات بينه وبين والأغاني ويبدؤن به وقصدهم الأغاني، ولذلك ترى بعض السامعين إذا طول القارئ القراءة يملون ويتثاقلون منه لكونه طول عليهم. وكذلك الافتتان بالمردان فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شاباً لطيف الصورة حسن الهيئة فتجدهم يتثنون ويتكسرون في مشيتهم وحركاتهم ويرقصون ويتعانقون فتأخذهم أحوال النفوس الرديئة ويتمكن منهم الشيطان وتقوى فيهم النفس الأمارة بالسوء والعياذ بالله من ذلك. وكذلك ما يحضره من النساء وافتتان الرجال بهن، وتطلعهم إليهن، وسماع أصواتهن، وتصفيقهن، وغير ذلك مما يكون سبباً لوقوع مفاسد عظيمة، إلى غير ذلك من الفتن والمفاسد التي لا تخفى على من عرف أحوالهم.:::::: وهذه البدعة أول من أحدثها أبو سعيد كوكابوري بن أبي الحسن علي بن باتكين في القرن السادس الهجري، ولم يزل العلماء المحققون

стр. 645

ينهون عنها، وينكرون مايقع فيها من البدع والمحرمات منذ حدثت حتى الآن، وإليك بعض ما قالوا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلكواتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها، ولا يستحب ذلك إلا لجاهل أو زنديق. وقال العلامة تاج الدين علي بن عمر اللخمي الكندري المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة " بالمورد، في الكلام على المولد " قال في النوع الخالي من المحرمات: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة: إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً، فليس بواجب إجماعاً، ولا مندوباً، لأن حقيقة المندوب ماطلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت , ولا جائز أن يكون مباحاً بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو محرماً.:::::: ثم صور الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرناه: بأن يعمل رجل من عين ماله لأله وأصحابه وعياله، ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئاً من الآثام وقال: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروه وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام

стр. 646

إلى أن قال الفاكهاني في " النوع الثاني " من المولد: وهو أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملئى بآلات الباطل من الدفوف والشابابات، واجتماع الرجال مع الشبان المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، ويرقصن بالتثني والانعطاف والإستغراق في اللهو. وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان، وإنما يحلو لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور والمنكرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال ابن الحاج في " المدخل ": إن نية المولد بدعة، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة صحيح البخاري. وقال ابن حجر الهيثمي في " الفتاوى الحديثة": إن الموالد التي تفعل عندهم في زمنه أكثرها مشتمل على شرور، ولو لم يكن منها إلا رؤية النساء الرجال الأجانب لكفى ذلك في المنع، وذكر إنما يوجد في تلك الموالد من الخير لا يبررها مادامت كذلك القاعدة المشهورة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وأما كونهم يرون أن من لم يفعل هذا فهو مقصر بحقوق النبي ﷺ ومتنقص له.:::::: فجوابه: وأي تعظيم للنبي ﷺ في هذه الاحتفالات التي وصفها العلماء بما تمجه الأسماع، وتنفر منه سليمة الطباع، أليس المرجع في تعظيم النبي ﷺ وتوقيره إلى ما يفعله به أصحابه وأهل بيته، وما فعله التابعون وتابعوهم بإحسان المشهود لهم بالخير، وقد تقدم قوله ﷺ " كلّ بدعة

стр. 647

ضلالة " وقوله " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وعن حذيفة ﵁: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر مقالاً. وأيضاً فأكثر ما يقصد من تلك الاحتفالات التي تقام للرؤساء ونحوهم إنما هو الذكرى وبقاء أسمائهم، والنبي ﷺ قد أُعطى من ذلك ما لم يعطه أحد غيره، فقد رفع الله له ذكره دائماً قال تعالى: [ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذين أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك] فذكره ﷺ مرفوع ومقرون بذكر ربه كما في الأذان والإقامة وخطبة الجمعة وغيرها. وفي الصلوات، وفي التشهد، وغيرها، فهو ﷺ أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط. وقال السيد محمد رشيد رضى في كتابه " ذكرى المولد النبوي": إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم في أمر الدين والدنيا، لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس، فيعملونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوى بها أمر المعظم ويعتز بها دينه.:::::: وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي ﷺ ، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني، ولاشك أن الرسول الأعظم ﷺ أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من تعظيمه أن يبتدع في دينه شيء نعظمه به وإن كان بحسن نية، فقد كان جل ما أحدث أهل الممل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم

стр. 648

غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضاً، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل، فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ. انتهى. وفيما ذكرنا كفاية لإيضاح حكم الاحتفالات بالموالد، وبيان مايفعل فيها من البدع والمفاسد. (ص ـ ف ـ ١٢٣٤ في ٢١/٦/١٣٨٩هـ) (١) (٨١٨ ـ انكار الاحتفال بالمولد النبوي أو رد شبه الشنقيطي في تجويزه) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أما بعد: فإن مما أحدث بعد القرون المشهود لها بالخير " بدعة الاحتفال بالمولد النبوي ". وقد تجاهل محمد مصطفى الشنقيطي ذلك، حيث برر هذه البدعة في مقالته المنشورة في جريدة الندوة عدد ١١١١ الصادر في ٧/٤/١٣٨٣هـ بأمور: أحدها: دعوى تلقي الأمم الإسلامية هذا الاحتفال بالقبول منذ مئات السنين. الثاني: تقسيم العز بن عبد السلام البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة. الثالث: قول عمر بن الخطاب في قضية التراويح: " نعمت البدعة"

стр. 649

الرابع: قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. الخامس: دعوى الكاتب في إقامة الاحتفال بالمولد صون عرض المملكة الغربية السعودية عن أن تنسب إلى تنقص النبي ﷺ الذي كان يذاع عنها تنقصه وإحراق كتب الصلاة عليه ﷺ . فلهذا وجب نقض هذه الشبه التي أتى بها هذا الشخص أولاً، وبيان حكم المولد، ثانياً فمنقول، وبالله التوفيق: أما دعوى الشنقيطي أن الاحتفال بذكرى المولد النبوي وإن كان بدعة فقد تلقته الأمة بالقبول، فمن أقوى الأدلة على جهالته لأمور: " أحدها ": أن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، والبدعة في الدين بنص الأحاديث النبوية ضلالة، فمقتضى كلام الشنقيطي أن الأمة اجتمعت في قضية الاحتفال بالمولد على ضلالة. " الثاني " أن الاحتجاج على تحسين البدع بهذه الدعوى ليس بشيء في أمر تركته القرون الثلاثة المقتدى بهم كما بينه الشاطبي في " الاعتصام" نقلاً عن بعض مشايخه، ثم قال: ولما كانت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول لو كان هذا منكراً لما فعله الناس، ثم قال: ما أشبه هذه المسألة بما حكي عن أبي علي ابن شاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد الله بن إسحاق الجعفري، قال: كان عبد الله بن الحسن ـ يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ يكثر الجلوس إلى ربيعة، فتذاكروا يوماً، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل

стр. 650

على هذا فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة، فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء.:::::: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم ": من اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها بناءاً على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها فهو مطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المستحدثة المخالفة للسنة. قال: ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو بلاد من بلدان المسلمين فكيف بعمل طوائف منهم. قال: وإذا كان أكثر أهل العلم لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة وإجماعهم في عصر مالك بل رأوا السنة حجة عليهم كما هي حجة على غيرهم مع ما أتوه من العلم والإيمان فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة أومن قيدته العامة، أو قوم مترئسون بالجهالة لم يرسخوا في العلم، ولا يعدون من أولي الأمر ولا يصلحون للشورى، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله وبرسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل عن غير روية أو لشبهة أحسن أحوالهم فيها أن يكونوا فيها منزلة المجتهدين ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاحتجاج بمثل هذه الحجة ـ وهي دعوى الاجماع على العادات المخالفة للسنة ـ ليس طريقة أهل العلم، لكن لكثرة الجهالة قد يستند إلى مثلها خلق من الناس حتى من المنتسبين إلى العلم والدين، وذكر أن الأستناد إلى أمور ليست مأخوذة عن الله ولا رسوله ليس من طريقة أولي العلم والإيمان ثم قال: والمجادلة

стр. 651

المحمودة إنما هي بإبداء المدارك وإظهار الحجج التي هي مستند الأقوال والأعمال. وأما إظهار الاعتماد على ما ليس هو المعتمد في القول والعمل فنوع من النفاق في العلم والجدل والكلام والعمل.:::::: وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الإقتضاء": ما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها، وذكر أن التعلق في تحسين البدع بما عليه الكثير من الناس إنما يقع ممن لم يحكم أصول العلم، فإنه هو الذي يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعاً وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، ويستنكر تركه. وذكر الشاطبي في " الإعتصام " أن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق. " الأمر الثالث " ما سنذكره عن علماء المسلمين من احتواء الاحتفال بالمولد على المحرمات، وبيان أن ما لم يحتو على المحرمات منه بدعة. وأما تقسيم الشنقيطي للبدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة، وتمثيله للبدعة الواجبة بنقط حروف القرآن وتشكيلها وبناء مدارس العلم. فالجواب عنه: أن هذا التقسيم في غاية المناقضة لما صح عن النبي ﷺ ، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان يقول: " أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " وفي رواية النسائي " وكل ضلالة في النار" (١) وروى أصحاب السنن عن العرباض بن

стр. 652

سرية، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاقتضاء ": لا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ الكلية وهو قوله: " كل بدعة ضلالة " بسلب عمومهاوهو أن يقال ليست كل بدعة ضلالة فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل وقال: إن قصد التعميم المحيط ظاهر من نص رسول الله ﷺ بهذه الكلمة الجامعة فلا يعدل عن مقصوده بأبي هو وأمي ﷺ . وذكر شيخ الإسلام: أن تخصيص عموم النهي عن البدع بغير دليل من كتاب أو سنة أو إجماع لا يقبل، فالواجب التمسك بالعموم. وقال الشاطبي في " الاعتصام " في رد تقسيم البدعة إلى أحكام الشرع الخمسة: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، قال: وهو ـ أي هذا التقسيم ـ في نفسه متدافع، فإن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هناك من الشرع ما يدل على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعاً وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متناضين أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعة لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت

стр. 653

ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم إلا الكراهية والتحريم. ومن تعقب تقسيم العز بن عبد السلام البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة العلامة زروق (١) في " شرح رسالة القيرواني" قال بعد ذكر هذا التقسيم: قال المحققون، إنما تدور ـ أي البدعة ـ بين محرم ومكروه لقوله ﵊: " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكلام العلماء في رد هذا التقسيم كثير. وأما التمثيل بنقط المصحف وتشكيله، وبناء المدارس للبدعة الواجبة فليس بمسلم، لأن ما ذكر ليس من البدعة في الدين، فإن نقط المصحف وتشكيله إنما هو لصيانة القرآن من اللحن والتحريف وهذا واجب شرعاً. وأما بناء المدارس للعلم، فيقول الشاطبي في " الاعتصام " رداً على التمثيل به للبدعة ما نصه: أما المدارس فلم يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله بدعة إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا في المساجد، وهذا لا يوجد، بل العلم كأن في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد أو منزل أو سفر أو حضر أو غير ذلك حتى في الأسواق، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعني بإعدادها الطلبة، فلا يزيد ذلك على إعداده له منزلاً من منازله أو حائطاً من حوائطه أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة ههنا، وإن قيل البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره فالتخصيص هنا ليس بتخصيص

стр. 654

تعبدي، وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة (١) وأما استدلال الشنقيطي على أن البدعة في الدين تكون حسنة بقول عمر بن الخطاب ﵁ في " قضية التراويح" نعمت البدعة هذه فاستدلال ليس في محله، فإن عمر لم يقصد بذلك تحسين البدعة في الدين. قال الشاطبي في " الاعتصام ": إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا أن هذا بدعة من حيث المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، قال: وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه، لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " إقتضاء الصراط المستقيم " أما قول عمر: نعمت البدعة هذه، فأكثر المحتجين بهذا لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر الذي لم يخالف فيه لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ ، ومن اعتقد قول الصاحب حجة فلا يعتقده إذا خالف الحديث، فعلى التقديرين لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب قال: ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن " البدعة في اللغة " تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سبق، وأما " البدعة الشرعية " فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي، قال: فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل أو إيجابه

стр. 655

بعد موته أو دل عليه مطلقاً ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر ﵁ فإذا عمل أحد ذلك العمل بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ قال: وقد علم أن قول النبي ﷺ " إن كل بدعة ضلالة" لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاءت به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ ، قال: وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ كانوا يصلون قيام رمضان على عهده جماعة وفرادى، وقد قال لهم في الليلة الثالثة والرابعة لما اجتمعوا: " إنه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن يفرض عليكم فصلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ".:::::: فعلل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمى بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك، وإن لم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض قد زال بموته ﷺ فانتفى المعارض. وقال شيخ الإسلام أيضاً في " الاقتضاء" أما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة: بل هي سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله، فإنه قال: " إن الله فرض عليكم صيام رمضان

стр. 656

وسننت لكم قيامه (١) ولا صلاتها جماعة بدعة بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله ﷺ في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثاً، وصلاها أيضاً في العشر الأواخر في جماعة مرات وقال: " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة " لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد. وفي قوله هذا ترغيب في قيام شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقاً. وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده ﷺ ويقرهم، وإقراره سنة منه ﷺ . وأما استدلال الشنقيطي على استحسان الابتداع في الدين بما عزاه إلى عمر بن عبد العزيز أنه قال: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، يقصد الشنقيطي بذلك القياس، أي فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور، فقد أجاب الإمام الشاطبي في " الاعتصام" عن هذا الاستدلال بأمور: "أولها" أن هذا قياس في مقابلة النص الثابت في النهي عن الابتداع، وهو من باب فساد الاعتبار. " الثاني" إن هذا قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضي. "الثالث" أن هذا الكلام على فر ثبوته عن عمر بن عبد العزيز لا يجوز قياس إحداث العبادات عليه، لأن كلام عمر إنما هو في معنى عادي يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم كتضمين الصناع، أو الظنة في توجيه الأيمان دون مجرد الدعاوي،

стр. 657

فيقول إن الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة والديانة والفضيلة، فلما حدثت أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم، فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب، بخلاف ما نحن فيه فإنه على الضد من ذلك. ألا ترى أن الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلاً عن النوافل ـ وهي ما هي من القلة والسهولة ـ فما ظنك بهم إذا زيد عليهم أشياء أخرى يرغبون فيها ويحضون على استعمالها، فلاشك أن الوظائف تتكاثر حتى تؤدي إلى أعظم من الكسل الأول وإلى ترك الجميع، فإن حدث للعامل بالبدعة هو في بدعته أو لمن شايعه فيها فلابد من كسله عن ماهو أولى، قال فصارت هذه الزيادة عائدة على ماهو أولى منها بالإبطال أو الإخلال، وقد مر أنه ما من بدعة تحدث ألا ويموت من السنة ماهو خير منها. " الرابع ": إن هذا القياس مخالف لأصل شرعي وهو طلب النبي ﷺ السهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد، فزيادة وظيفة لم تشرع تظهر ويعمل بها دائماً في مواطن السنن هي تشديد بلا شك، فليس قصد عمر بن عبد العزيز بهذا الكلام على فرض ثبوته عنه فتح السبيل إلى إحداث البدع.:::::: وقال العلامة قاسم بن عيسى بن ناجي المالكي في " شرح رسالة القيرواني، في معنى: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، قال معناه، ما أحدثوا من الفجور مما ليس فيه نص، وقال: قال التقي السبكي في الكتاب الذي ألفه في شأن رافضي جاهر بلعنة أبي بكر الصديق وقال فيه: عدو الله فقتله القاضي المالكي، قال في هذه الكلمة بعدما عزاها إلى مالك بن أنس بلفظ: يحدث للناس

стр. 658

أحكام بقدر مايحدثون من الفجور: لا نقول إن الاحكام تتغير بتغير الزمان، بل باختلاف الصور الحادثة، فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها، فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكماً، على هذا حمل التقي السبكي هذه الكلمة، وذكر أنها منطبقة على قضية الرافضي، لكن صورتها مجموعة من إظهار سب الصديق في ملإ من الناس ومجاهرته وإصراره عليه وإعلاء البدعة وغمض السنة، ونقل السيوطي هذا التأويل عن السبكي في " الحاوي ". ومن هذه النقول يعلم أن عمر بن عبد العزيز لم يقصد بهذه الكلمة فتح أي باب يناقض الشريعة، وكيف ينسب إلى عمر بن عبد العزيز فتح باب الابتداع في الدين وهو الذي يقول حينما بايعه الناس بعد ما صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه: يا أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة ولا بعد أمتكم أمة، وإن الحلال ما أحله الله في كتابه على لسان نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسن نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع. وأما دعوى الشنقيطي أن عدم احتفال المملكة العربية السعودية بالمولد النبوي وازدرائه حيث تحتفل بغيره ولا تحتفل بمولده، ويذاع عنها ذلك، كما يذاع عنها أنها تحرق كتب الصلاة عليه، فهذا من عندياته وذلك لأمور::::::: " احدها ": أن الحكومات الإسلامية كلها تعترف للحكومة السعودية بتعظيم الرسول ﷺ ، مع علمها بأنها لا تحتفل بالمولد النبوي مخافة من الابتداع، وأقرب شاهد في زماننا

стр. 659

هذا على ذلك إقبال وفودها على المؤتمر الإسلامي الذي يعقد بمكة. فإنه لا يتصور ذلك الإقبال الشديد على من يتهم بما ذكره الشنقيطي، وكذلك على الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وتلك الإشاعات التي يشير إليها الشنقيطي إنما حاول المبطلون التنفير بها عن دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وكان الشيخ يجيب عن كل ذلك بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم. وكان يذكر أن ما ينسب إليه من إحراق كتب الصلاة على النبي ﷺ ليس له أصل، إلا أنه نصح بعض من يتعلق بكتاب " دلائل الخيرات " بأنه لا يصير هذا الكتاب أجل في قلبه من كتاب الله، فيظن أن القراءة فيه أنفع من قراءة القرآن، ورغم هذه الإفتراءات أبى الله إلا أن يظهر الحق ويبطل الباطل، ويعلي الدعوة التي حاول أولئك المبطلون التنفير عنها بمثل تلك الإشاعات الباطلة. " الثاني " أن القائل بأن تارك الإحتفال بالمولد متنقص للنبي ﷺ ، إن أراد بقوله هذا أن ذلك اعتقاد التارك فقد كذب وافترى، وإن أراد أن ذلك تنقيص للنبي ﷺ عما يستحقه شرعاً، فالمرجع في ذلك إلى الكتاب والسنة وما عليه القرون المشهود لها بالخير فنحاكم كل من يطالبنا بهذا إلى ذلك، فإن جاء بدليل صحيح صريح وإلا فنحن مستمسكون بقول النبي ﷺ : " إن كل بدعة ضلالة" وبما روى أبو داود في سننه عن حذيفة ﵁، قال: كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يترك للآخر

стр. 660

مقالاً، ولا نصون أعراضنا في الدنيا بالتقريب إلى الله تعالى بما لم يشرعه.:::::: " الثالث ": أن أكثر ما يقصد من تلك الاحتفالات التي تقام للرؤساء إحياء الذكرى والنبي ﷺ قد قال الله في حقه: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ فذكره مرفوع في الأذان والإقامة والخطب والصلوات وفي التشهد والصلاة عليه وفي قراءة الحديث واتباع ما جاء به، فهو أجل من أن تكون ذكراه سنوية فقط. ولكن الأمر كما قال السيد رشيد رضا في كتابه " ذكرى المولد النبوي" قال: إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم ـ أي البشر ـ في أمر الدين أو الدنيا، لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا، وإنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولاً، وملكه إن ك ان ملكاً، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيماً للنبي ﷺ ثم للخلفاء، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذا السبيل، ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني، ولاشك أن الرسول الأعظم ﷺ أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح

стр. 661

كما تساهلوا، وكما تساهل الخلف الدين اتبعوا سننهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع لضاع أصل ديننا أيضاً، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل: فالواجب علينا أن نرجع إليه، ونعض عليه بالنواجذ.:::::: هذا مع أن الاحتفال بالمولد النبوي إذا كان بطريق القياس على الاحتفالات بالرؤساء صار ملحقاً بهم في التعظيم، وهذا مالا يرضاه عاقل. حكم المولد قسم العلماء الاجتماع الذي يعمل في ربيع الأول ويسمى باسم " المولد " إلى قسمين: " أحدهما" ماخلا من المحرمات، فهو بدعة لها حكم غيرها من البدع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى الكبرى": أما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول الذي يقال إنها ليلة المولد: أن بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال " عيد الأبرار" فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف الصالح ولم يفعلوها. وقال في " الإقتضاء " إن هذا ـ أي إتخاذ المولد عيداً ـ لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، قال: ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ﵃ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا وهم على الخير أحرص.::::::

стр. 662

وقال ابن الحاج في " المدخل": فإن خلا ـ أي المولد النبوي" ـ منه ـ أي من السماع وتوابعه ـ وعمل طعاماً فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط، إذ أن ذلك زيادة في الدين، وليس من عمل السلف الماضين، واتباع السلف أولى وأوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا عليه، لأنهم أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله ﷺ ، وتعظيماً له ولسنته ﷺ ، ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم، وقد علم أن اتباعهم في المصادر والموارد كما قال الشيخ أبو طالب المكي ﵀ في كتابه: وقد جاء في الخبر " لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً " (١) وقد وقع ما قاله ﵊ بسبب ما تقدم ذكره وما يأتي بعد، لأنهم يعتقدون أنهم في طاعة، ومن لا يعمل عملهم يرون أنه مقصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقال العلامة تاج الدين علي بن عمر اللخمي السكندري المشهور بالفاكهاني في رسالته في المولد المسماة " بالمورد في الكلام على المولد" قال في النوع الخالي من المحرمات من المولد: لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها الباطلون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرماً، وليس بواجب إجماعاً، ولا مندوباً

стр. 663

لأن حقيقة المندوب ماطلبه الشرع من غير ذم على تركه وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون: ولا العلماء المتدينون فيما علمت، وهذا جوابي عنه بين يدي الله إن عنه سئلت، ولا جائز أن يكون مباحاً، لأن الابتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو محرماً، ثم صور الفاكهاني نوع المولد الذي تكلم فيه بما ذكرنا بأنه هو أن يعمله رجل من عين ماله لأهله واصحابه وعياله لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئاً من الآثام قال: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، وسرج الأزمنة، وزين الأمكنة.:::::: ويرى ابن الحاج في " المدخل " إن نية المولد بدعة، ولو كان الاشتغال في ذلك اليوم بقراءة صحيح البخاري وعبارته: وبعضهم أي المشتغلين بعمل المولد يتورع عن هذا ـ أي سماع الغناء وتوابعه ـ بقراءة البخاري وغيره عوضاً عن ذلك، وهذا وإن كانت قراءة الحديث في نفسها من أكبر القرب والعبادات، وفيها البركة العظيمة والخير الكثير، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي لا بنية المولد ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ومع ذلك فلو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذموماً مخالفاً، فإذا كانت الصلاة بهذه المثابة فما بالك بغيرها، هذا مابينه المحققون في هذا النوع من المولد. وقد حاول السيوطي في رسالته "حسن المقصد، في عمل المولد: الرد على ما نقلناه عن الفاكهاني، لكنه لم يأتي بشيء يقوى على معارضة ما ذكره الفاكهاني: فإنه عارضه بأن الاحتفال بالمولد النبوي

стр. 664

إنما أحدثه ملك عادل عالم قصد به التقرب إلى الله، وارتضاه ابن دحية، وصنف له من أجله كتاباً، وهذا ليس بحجة، فإن البدعة في الدين لا تقبل من أي أحد كان بنصوص الأحاديث، فلا يمكننا أن نعارض الأحاديث المحذرة من الابتداع في الدين بعمل أبي سعيد " كوكبوري " بن أبي الحسن علي بن بكتكين الذي أحدث الاحتفال بالمولد في القرن السادس، وعدالته لا توجب عصمته، وقد ذكر ابن خلكان: أنه يحب السماع، وأما " ابن دحية" فلا يخفى كلام العلماء فيه، وقد اتهموه بوضع حديث في قصر صلاة الم غرب كما في تاريخ ابن كثير. وأما " القسم الثاني" من عمل المولد، وهو المحتوى على المحرمات، فهذا قد منعه العلماء، وبسطوا القول فيه، وإليك بعض عباراتهم في ذلك::::::: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له: فأما الاجتماع في عمل المولد على غناء ورقص ونحو ذلك واتخاذه عبادة فلا يرتاب أحد من أهل العلم والإيمان في أن هذا من المنكرات التي ينهى عنها ولا يستحب ذلك إلا جاهل أو زنديق (١) . وقال الفاكهاني في رسالته في المولد: " الثاني" أي من نوعي عمل المولد ـ أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء، مع البطون الملئى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد

стр. 665

والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أومشرفات، ويقصن بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاوف: وكذلك النساء إلا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الانشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى (إن ربك لبالمرصاد) وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذو المروءة من الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات لا من الأمور المنكرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازناه: قد عرف المنكر واستنكر الـ ... معروف في أيامنا الصعبة وصار أهل العلم في وحدة ... وصار أهل الجهل في رتبه حادوا عن الحق فما للذي ... ساروا به فيما مضى نسبه فقلت للأبرار أهل التقى ... والدين لما اشتدت الكربه لاتنكروا أحوالكم قد أتت ... نوبتكم في زمن الغربه قال الفاكهاني: ولقد أحسن أبو عمرو بن العلا حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب. هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي ﷺ وهو ربيع الأول ـ هو بعينه الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه: وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.

стр. 666

وقال الشيخ أبو الحسن ابن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي في كتابه " المرقبة العليا، فيمن يستحق القضاء والفتيا " في ترجمة القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري: إن الأمير أبا يحيى استحضره مع الجملة من صدور الفقهاء للبيت بدار الخلافة والمثول بين يديه " ليلة الميلاد " الشريف النبوي، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة المغربية من الاحتفال في الأطعمة، وتزيين المحل بحضور الأشراف، وتخير القوالين للأشعار المقرونة بالأصوات المطربة فحين كمل المقصود من المطلوب، وقعد السلطان على أريكة ملكه ينظر في ترتيبه، والناس على منازلهم بين قاعد وقائم، هز المسمع طاره، وأخذ يهنؤهم بألحانه، وتبعه صاحب يراعه كعادته من مساعدته، تزحزح القاضي أبو عبد الله عن مكانه، وأشار بالسلام على الأمير، وخرج من المجلس، وتبعه الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر فناموا به.:::::: فظن السلطان أنهم خرجوا لقضاء حاجتهم، فأمر وزراءه بتفقدهم، والقيام بخدمتهم إلى عودتهم، وأعلم الوزير الموجه لما ذكر القاضي بالغرض المأمور به فقال له: أصلحك الله، هذه الليلة المباركة التي وجب شكر الله عليها، وجمعنا السلطان ـ أبقاه الله ـ من أجلها، لو شهدها نبينا المولود فيها صلوات الله وسلامه عليه لم يأذن لنا في الاجتماع علىما نحن فيه من مسامحة بعضنا البعض في اللهو ورفع قناع الحياء، بمحضر القاضي والفقهاء، وقد وقع الاتفاق من العلماء على أن المجاهرة بالذنب محظورة، إلا أن تمس إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحد أو الكفارة، فليسلم لنا الأمير ـ أصلحه الله ـ في العقود بمسجده هذا إلى الصباح، وإن كنا في مطالب أُخر من تبعات رياء ودسائس أنفس وضروب غرور،

стр. 667

لكنا كما شاء الله في مقام الاقتداء، لطف الله بنا أجمعين بفضله. فعاد عند ذلك الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى الأمير أبي يحيى، وأعلمه بالقصة، فأقام يسيراً وقام من مجلسه، وأرسل إلى القاضي من ناب عنه في شكره وشكر أصحابه، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد، وصار في كل ليلة يأمر في صبيحة الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء، وإرفاق الفقراء شكراً لله، انتهى كلام النباهي. وقد ذكر ابن الحاج في " المدخل " مما احتوى عليه الاحتفال بالمولد في زمانه ـ فكيف بزماننا هذا ـ مايلي: ١ ـ إستعمال الأغاني وآلات الطرب من الطار الصرصر والشبابة وغير ذلك. قال ابن الحاج: مضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله وعظمها ببدع ومحرمات، وذكر ابن الحاج قول القائل: ياعصبة ماضر أمة أحمد ... وسعى إلى إفسادها إلا هي طار ومزمار ونغمة شادن ... أرأيت قط عبادة بملاهي ٢ ـ قلة احترام كتاب الله ، فإنهم يجمعون في هذه الاحتفالات بينه وبين الأغاني، ويبتدئون به وقصدهم الأغاني.:::::: قال ابن الحاج: ولذلك نرى بعض السامعين إذا طول القارئ القراءة يتقلقلون منه لكونه طول عليهم ولم يسكت حتى يشتغلوا بما يحبونه من اللهو قال: وهذا غير مقتضى ماوصف الله به أهل الخشية من أهل الإيمان، وهو أنهم يحبون سماع كلام مولاهم، لقوله تعالى في مدحهم: ﴿وإذا سمعوا ماأُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾ (١)

стр. 668

فوصف الله من سمع كلامه بما ذكر، وبعض هؤلاء يستعملون الضد من ذلك إذا سمعوا كلام ربهم قاموا بعده إلى الرقص والفرح والسرور والطرب بما لا ينبغي، فإنا لله وإنا إليه راجعون على عدم الاستحياء من عمل الذنوب، يعملون أعمال الشياطين، ويطلبون الأجر من رب العالمين، ويزعمون أنهم في تعبد وخير، قال: وياليت ذلك لو كان يفعله سفلة الناس، ولكن قد عمت البلوى فتجد بعض من ينتسب إلى شيء من العلم أو العمل يفعله، وكذلك يعض من ينتسب إلى الشيخة ـ أعني في تربية المريدين ـ كل هؤلاء داخلون فيما ذكر. ثم العجب كيف خفيت عليهم هذه المكيدة الشيطانية والدسية من اللعين. ٢ ـ الافتتان بالمردان، فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شاباً نظيف الصورة، حسن الكسوة والهيئة، أو أحداً من الجماعة الذين يتصنعون في رقصهم، بل يخطبونهم للحضور، فمن لم يحضر منهم ربما عادوه ووجدوا في أنفسهم عليه، وحضوره فتنة، سيما وهم يأتون إلى ذلك شبه العروس، لكن العروس أقل فتنة لأنها ساكنة حبيبة، وهؤلاء عليهم العنبر والطيب يتخذون ذلك بين أثوابهم، ويتكسرون مع ذلك في مشيتهم إذ ذاك وكلامهم ورقصهم، ويتعانقون فتأخذهم إذ ذاك أحوال النفوس الرديئة من العشق والاشتياق إلى التمتع بما يرونه من الشبان، ويتمكن منهم الشيطان، وتقوى عليهم النفس الأمارة بالسوء، وينسد عليهم باب الخير سداً. قال ابن الحاج: وقد قال بعض السلف: لأن أؤتمن على سبعين عذراء أحب إليّ من أن أؤتمن على شاب وقوله هذا ظاهر بين، لأن العذراء

стр. 669

تمتنع النفوس الزكية ابتداء من النظر إليها، بخلاف الشاب، لما ورد أن النظرة الأولى سهم، والشاب لا يتنقب ولا يختفي بخلاف العذراء، والشيطان من دأبه أنه إذا كانت المعصية كبرى أجلب عليها بخيله ورجله ويعمل الحيل الكثيرة، قال ابن الحاج: وبعض النسوة يعاين ذلك على ما قد علم من نظرهن من السطوح والطاقات وغير ذلك. فيرينه ويسمعنه، وهن أرق قلوباً. وأقل عقولاً، فتقع الفتنة في الفريقين. هذا بعض ما ذكره ابن الحاج من المحرمات التي تحصل في احتفال الرجال بالمولد. ثم ذكر من المفاسد المتعلقة بالنساء ما يلي: ١ ـ افتتان الرجال بالنساء، لأن بعض الرجال يتطلع عليهن من بعض الطاقات والسطوح، وتزداد الفتنة برفع أصواتهن وتصفيقهن بالأكف وغير ذلك مما يكون سبباً إلى وقوع المفسدة العظمى.:::::: ٢ ـ إفتتانهن في الاعتقاد، وذلك لأنهن لا يحضرن للمولد إلا ومعهن شيخة تتكلم في كتاب الله وفي قصص الأنبياء بما لا يليق، فربما تقع في الكفر الصريح وهي لا تشعر، لأنها لا تعرف الصحيح من السقيم، والحق من الكذب فتدخل النسوة في الغالب وهن مؤمنات ويخرجن وهن مفتتنات في الاعتقاد أو فروع الدين. ٣ ـ خروج النساء إلى المقابر وارتكاب أنواع المحرمات هناك من الاختلاط وغيره ويذكر ابن الحاج أن هذه المفسدة من آثار بناء البيوت على المقابر، قال: إذ لو امتثلنا أمر الشرع في هدمها لانسدت هذه المثالم كلها، وكفي الناس أمرها، قال: فبسبب ما هناك من البنيان والمساكن وجد من لا خير فيه السبيل إلى حصول أغراضه الخسيسة ومخالفة الشرع قال: ألا ترى ما قد قيل: من

стр. 670

العصمة أن لا تجد. فإذا هم الإنسان بالمعصية وأرادها وعمل عليها ولم يجد من يفعلها أو وجده ولكن لا يجد مكاناً للاجتماع فيه فهو نوع من المعصية فكان البنيان في القبور فيه مفاسد منها هتك الحريم بخروجهن إلى تلك المواضع، فيجدن أين يقمن أغراضهن. هذا " وجه " " الثاني ": تيسير الأماكن للاجتماع للأغراض الخسيسة، فتيسير الأماكن هناك سبب وتسهيل لوقوع المعاصي هناك. ٤ ـ فتح باب الخروج لهن لغير ضرورة شرعية، فإنهم ـ أي أهل زمانه ـ ضموا لأيام المولد النبوي الثلاثة يوم الإثنين لزيارة الحسين وجعلوا يوم الأربعاء لزيارة نفيسة. فالتزمن الزيارة في تلك الايام لما يقصدن من أغراض الله أعلم بها. قال ابن الحاج: ولو حكى هذا عن الرجال لكان فيه شناعة وقبح فكيف به في النساء. فإنا لله وإنا إليه راجعون. هذا ماذكره ابن الحاج في " المدخل " من مفاسد الاحتفالات بالمولد في زمانه بالنسبة لمن يقصدن المولد. ثم قسم الذين يعملون المولد في ذلك الزمن لا لقصد المولد إلى خمسة أقسام::::::: " أحدها ": من له فضة عند الناس متفرقة قد أعطاها لهم في بعض الأفراح والمواسم فعمل المولد ليستردها. قال ابن الحاج: فهذا قد اتصف بصفة النفاق وهو أنه يظهر خلاف ما يبطن. إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي به الدار الآخرة وباطنه أنه يجمع به فضته. "الثاني": من يتظاهر من ذوي الأموال بأنه من الفقراء المساكين فيعمل المولد لتزيد دنياه بمساعدة الناس له. فيزداد هذا فساداً على
следующие страницы →