ومن فتوى ذكر فيها السائل أنها قد مضى عليها تسعون سنة.
أجاب: والتحديد بالسنين لذلك غ ير معول عليه ولا صحة فيه بل بلاء الأموات في قبورهم يختلف باختلاف البلاد حرارة وبرودة وغير ذلك.
(ص ـ ف ـ ٢٦ في ١٠/٩/١٣٧٤هـ)
(٩٢٩ ـ الأخذ مما لم يدفن فيه لحاجة الشارع)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم أمين مدينة الرياض ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد:
فبالإشارة إلى خطابكم رقم ٦٩٩ وتاريخ ٢٩/٢/١٣٧٦هـ المرفق به المعاملة الخاصة بطلب سكان السبالة النائب عنهم (علي بن نفجان) توسيع الشارع المؤدي إلى الحلة حتى يتسع لمرور السيارات معه.
أفيدكم أننا نوافق على توسيع الشارع المذكور من أرض السبالة (المقبرة) لحاجة الطريق إلى ذلك. ولكون تلك الأرض التي ستؤخذ توسعة للطريق (صفا) لا تصلح للدفن فيها، ويكون ذلك بعد وقوف هيئة النظر عليها وتقدير الأرض بما يبرئ الذمة. والله يحفظكم.
(ص ـ ف ١٣٨ في ٢٩/٢/١٣٧٦هـ)
(٩٣٠ ـ متى يجوز استعمالها للحرث والزراعة والبناء وغير ذلك)
حضرة صاحب الفضيلة الشيخ المكرم محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:::::::::::::
أحسن الله إليك ـ قدر الله أننا نشتري أرض من الجماعة قصدنا
стр. 807
بناءها بيت، وفي أثناء عملنا فيها عثرنا في قسم منها على آثار قبور لم يعرف قبل عنها شيء، ولذلك مستعملينها الناس موضع دمال وقذرات ـ أجلكم الله ـ ويتطرقون معها. أفتنا أجزل الله لك الأجر: هل يجوز نقل الآثار إلى المقبرة واستعمال الأرض بيت ولا علينا في أمر ديننا خلل أم لا.
الداعي ولدكم ـ محمد بن عبد الله بن عبد الجبار.
الجواب: الحمد لله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وما ذكرت من جهة الأرض المذكورة فينظر فإن كانت قد سبلت لدفن الأموات فيها فإنه لا يجوز استعمالها. وإن كانت لم تسبل لما ذكر فينظر فإن علم أن الأموات الذين قد قبروا فيها قد بلوا وصاروا رميماً فإنه يجوز استعمالها بالحرث والزراعة والبناء وغير ذلك. وإن كانوا لم يبلوا فيبقى ما في القبور محترماً وينتفع بباقي الأرض. والله أعلم. قاله الفقير إلى عفو الله سبحانه محمد بن إبراهيم آل الشيخ في ٣٠/٦/١٣٧٣هـ.
(بقلم مدير مكتب سماحته)
(٩٣١ ـ يجب على البلديات مراعاة كرامة الأموات، وأن لا تتعدى: بالنبش والاستطراق، والتوزيع) .
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية ... سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على المعاملة المحالة إلينا رفق خطاب سموكم برقم ٣٢١٨ وتاريخ ٢٩/٢/١٣٨٢هـ الخاصة بطلب بلدية أبها
стр. 808
جزء من مقبرة " الخشع " لتوسعة الشارع المزمع سفلتته، المشتملة على القرار الصادر من الهيئة المنتدية للنظر في واقع هذه المقبرة بتاريخ ١٦/١/٨٢هـ المتضمن أنه جرى وقوفها على نفس الجزء المراد ادخاله في الشارع المشار إليه توسعة له، وأنه لدى معاينتهم لهذا الجزء وجد مكتظاً بالأموات، وفيه بعض الرفات ظاهرة على وجه الأرض. إلى آخره ... وتطلبون منا إفادتكم بمرئياتنا تجاه ذلك.::::::
ونفيدكم بأن الميت له حرمة الحي، ونبش الميت من قبره لا لمصلحته وإنما لمصلحة الأحياء ظلم وتعد على كرامته وحرمته وحقه من الأرض. وإننا لنعجب من أمر هذه البلديات وتجاهلها كرامة الأموات وتجاسرها على محاولة إهانتهم والتعدي على حقوقهم.
والمفروض فيها أن ترعى مصالح البلاد وأهلها أحياءها وأمواتها، فكما تقضي جل أوقاتها في التفكير في مصالح الأحياء، ينبغي أن تعير الأموات ما يستحقونه من الرعاية والعناية بصيانة مقابرهم التي هي مساكنهم إلى يوم يبعثون، والشعور بكرامتهم أمواتاً كما كانوا أحياء ونعيد إلى سموكم كامل أوراق المعاملة مؤكدين لكم عدم موافقتنا على إدخال الجزء المذكور من المقبرة ضمن الشارع المراد توسعته، مؤملين منكم التعميم على البلديات بوجوب مراعاة حقوق الأموات، وأن من اختصاصاتهم العناية بالمقابر بصيانتها عما يؤذي الأموات كالاستطراق والتخلي وإلقاء القمائم فيها ونحو ذلك مما لا يخفى. والله ولي التوفيق والله يحفظكم. (ص ـ ف ٤٣٧ في ٢٢/٣/١٣٨٢هـ) .
стр. 809
(٩٣٢ ـ هدم ما بني فيها من المساكن وعدم تعويضهم)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على المعاملة المحالة إليها رفق خطاب سموكم برقم ١٢٧١٣ وتاريخ ٢٠/٦/٧٩هـ بشأن الأرض التي اشتراها حمزة سنان من عمر جعفر في جيزان، ثم طهر أنها ضمن أراضي المقبرة، المشتملة على خطاب فضيلة رئيس محكمة جيزان الموجه إلى إمارتها برقم ١٦٦٦ وتاريخ ١٧/٥/١٣٧٩هـ حول القضية.
وبتتبع المعاملة ومرفقتها، وتأمل خطاب فضيلة رئيس المحكمة المذكور أعلاه المتضمن ثبوت أن الأرض موضوعة الدعوى من ضمن الأراضي الواقعة في المقبرة، وأنه قد بني على المقبرة المذكورة عشرات البيوت ما بين حجر ومسلح وعشاش، وبعض الذين بنوا علهيا بيدهم اقطاع ورخص من البلدية، وبعضهم بدون ذلك.::::::
نفيد سموكم أن تمليكهم قبور أموات المسلمين وانتهاك حرمتها مر لا يقرون عليه، وذلك محرم شرعاً، وينبغي حفظ كرامة الأموات بهدم البيوت الواقعة في المقبرة، وترحيل أهلها منها، وتسويرها بما يحفظها، أما مسألة تعويض أهل البيوت فهم مخطئون في تملك أراضي المقابر، ومن رخص لهم بذلك أو أقطعهم مخطئ أيضاً، لذا يكون التعويض مقسوماً قسمين: قسماً يلتزم بدفعه من رخص لهم أو أقطعهم، والقسم الآخر يلزمون به. فيعوضون نصف تكاليفهم
стр. 810
وذلك على من مكنهم بالبناء والعمارة. أما من بنى ولم يكن معه إقطاع أو ترخيص فلا تعويض له مطلقاً، لانفراده بالتعدي. وبالله التوفيق. والله يحفظكم.
(ص ـ ف ـ ٨١٩ وتاريخ ٤/٧/١٣٧٩هـ)
(٩٣٣ ـ نقل الميت من بلده إلى المدينة)
من محمد بن إبراهيم إلى صاحب السمو الملكي ... وزير الداخلية ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد جرى الاطلاع على الاستفتاء الموجه إلينا رفق خطاب سموكم رقم ٦٧٣٤ وتاريخ ١/٦/٨٢هـ من المدعو س أملك المتضمن استفتاءه عن حكم نقله بعد موته من بلده إلى المدينة المنورة لدفنه فيها.::::::
نفيد سموكم أنه لا يظهر لنا جواز ذلك، لما روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أسرعوا بالجنازة فإن تلك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تلك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم، وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول " إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره " ولا شك أن في نقله تأخيراً لجنازته وحبساً لها، زيادة على تعريضها للتغيير والانتهاك، وإلزام تركته بزيادة كبيرة في مؤنة نقله وما يستتبعه النقل من تصبير ونحوه، وهذا هو الذي دفع عائشة ﵂ أن تقول بشأن أخيها عبد الرحمن ما قالت مما رواه الحاكم في
стр. 811
مستدركه بسنده إلى صفية بنت شيبة قالت: قدمت عائشة ﵂ فأتيتها أعزيها بأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنه لم يدفن حيث مات.
قالت رحم الله أخي إن أكثر ما أجد في نفسي أنه لم يدفن حيث مات.
قالت: وكان أخوها قد توفي بالحبشي فخرجت إليه فئة قريش فحملوه إلى أعلا مكة.
قال في " المغني والشرح الكبير ": ولا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، وهذا قول الأوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره، ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك مازرتك. ولأن ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغيير. اهـ.::::::
وقال في " فتح القدير" لابن الهمام الحنفي: أما إذا أرادوا نقله قبل الدفن وتسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين. قال المصنف في " التجنيس" لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار. وقال السرخسي: قول محمد بن مسلمة ذلك دليل على أن نقله من بلد إلى بلد مكروه، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها ـ إلى أن قال: ثم قال المصنف: وذكر أنه إذا مات في بلده كره نقله إلى أخرى لأنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة. اهـ.
ولم ينقل إلينا أن أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم نقل بعد موته من بلد إلى بلد، اللهم إلا ما ورد عن حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة، وكذلك ما ذكره ابن عيينة من أن ابن عمر مات هنا يعني في مكة فأوصى ألا يدفن ههنا وأن
стр. 812
يدفن بسرف، فهذان الموضعان قريبان، مع أن عائشة ﵂ أنكرت نقل أخيها من الحبشي إلى مكة، والحبشي موضع قريب من مكة. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(الختم) (ص ـ ف ـ ١٦٨ ـ ١ وتاريخ ٢٨/٨/١٣٨٣هـ)
(٩٣٤ ـ قوله: ولا تكره القراءة على القبر)
على هذا القول. وهو مرجوح، والراجح المنع من ذلك، للعموم، وفي الحديث: " فلا تتخذوا القبور مساجد" (١) فإن المساجد من شأنها أن يقرأ فيها القرآن، وفي حديث الأعرابي: " إنما هي لذكر الله وتلاوة القرآن" (٢) وقراءة القرآن عندها من الغلو فيها المسبب للشرك فإن مافعله قوم نوح ليس من باب الحزن على الميت، بل من باب تعظيمه فانجر إلى عبادتها.
وهذا الحديث لا يصح. والله أعلم (٣) .
وحديث ابن عمر (٤) لا يدل على الإطلاق، ولو لم يعارضه شيء لقيل إنه دل على الجنس، ولكن جاء ما يعارضه وهو النهي عن اتخاذها مساجد واللعن، واتخاذها مساجد استعمالها فيما شرع أن يستعمل في
стр. 813
المساجد، فالذي يقصد القبور لقراءة القرآن عندها قد اتخذها مساجد ويظهر أنه ليس من عادة الصحابة ولا من فعلهم، ولا فعله أبوه ولا أبو بكر ولا بقية العشرة والصحابة. والمسألة ذكرها شيخ الإسلام في " الاقتضاء " وذكر الخلاف فيها (١)
(تقرير)
(٩٣٥ ـ القراءة على الميت في المسجد أو عند القبر أو في بيته بدعة، وعمل الطعام بعد ثلاثة أيام أو بعد الختمة، القراءة المشروعة) .
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم أحمد بن محمد العماري ... سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فجرى الاطلاع على استفتائك الموجه إلينا بخصوص ذكرك عن القراءة على الميت عند القبر أو في المسجد أو في بيته ثم يوهب ثواب هذه القراءة لروح الميت، وبعد ثلاثة أيام من وفاة الميت، وبعد ختم القرآن يعمل طعام من أرز ولحم لأهل القرية، وتسأل عن حكم ذلك.
والجواب: الحمد لله. القراءة على الميت سواء كان في المسجد أو عند القبر أو في البيت ثم عمل طعام بعد الختمة وبعد الوفاة بثلاثة أيام يوزع على الفقراء من الأمور المبتدعة.
وأما القراءة المشروعة فهي ما كان قبل الموت وعند الاحتضار كقراءة سورة "يس" أو " الفاتحة" أو " تبارك" أو غير ذلك من كتاب الله.
стр. 814
أما حكم صرف ثواب قراءة القرآن للميت فلا يظهر لنا بأس في جوازه إذا لم يكن محدداً بوقت أو مكان أو صفة فيها ميزان البدع والمنكرات. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
(ص ـ ف ١٣٢٦ ـ ١ وتاريخ ٢٠/٥/١٣٨٤هـ)
(٩٣٦ ـ اهداء ثواب القرب)
وصول الثواب المهدى من الحي إلى الميت جنسه معروف في الأدلة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك في شيء مخصوص، نزعاً منه بآية ﴿وأن ليس للإنسان إلا ماسعى﴾ (١) وهذا هو مذهب الشافعي ويستثنى من ذلك " إذا مات ابن آدم" (٢) وقالوا هو نفي ويقاس عليه نحوه.
والذي عليه الجمهور والمحققون وصول ذلك إلى الميت، وليس الإهداء تقرباً إليهم وطلباً للشفاء والنفع، بل هذا نفع من الحي للميت، والآخر طلب من الميت، والنصوص دالة على أن الحي ينفع الميت، لا العكس. (تقرير)
(٩٣٧ ـ اهداء ثواب صلاة النوافل والذبح والصدقة)
أما صلاة النوافل وأهداء ثوابها إلى أقربائه، وكذلك ذبح الذبيحة والصدقة بها وإهداء ثوابها إليهم: فلا بأس بذلك إن شاء الله.
(ص ـ ف ـ ٥٩ وتاريخ ٢٤/١/١٣٧٧هـ)
стр. 815
(٩٣٨ ـ اهداء ثواب الدعاء)
" الثانية": ذكرك أن رجلاً كان يدعو لوالديه ويكثر الدعاء ويقول في ختام دعاه: اللهم تقبل مني هذا الدعاء واجعله منه لروح والدي وتسأل هل يجوز هذا.
ونفيدك أنه لا يظهر لنا به بأس. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
مفتي البلاد السعودية (ص ـ ف ـ ٢١٨ ـ ١ وتاريخ ٢٢/٨/١٣٨٤هـ)
(عجيبه)
قلت: حدثنا شيخنا قال: إن رجلاً (وهو عبد العزيز بن حسن) توفيت زوجته، وذات يوم قرأ القرآن كله، وبعد فراغه أهدى ثوابه ودعا الله أن يقبله، وليس في المسجد أحد، وكان لهذا القارئ عمود معروفة يستند إليها، وبعد فراغه المذكور بقليل دخل أعمى (وهو ابن هداب) حتى وصل إليه وقال: أنا ناعس توْ، شفت مرتك تقول أنا تؤيْ خاتمه هالحين. قال: نعم أنا توي خاتم ومهدي لها ثواب تلاوتي. والمكفوف لا علم له بأن زوجته متوفاة. وهذا من العجائب وصول الثواب بهذه السرعة. (تقرير)
(٩٣٩ ـ صنع الطعام للمعزين ولقراء القرآن ثلاثة أيام)
من محمد بن إبراهيم إلى المكرم السيد صالح النهاري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك الذي تسأل فيه عما يفعله بعض الناس إذا مات عندهم الميت من صنع طعام للناس الذين يأتون للعزاء
стр. 816
من قريب وبعيد ويقرءون القرآن مدة ثلاثة أيام يجلسون فيها ويسمونها العزاء إلى آخره.
والجواب: كل هذا من البدع المحدثة التي لم يرد فيها نص من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ ، ولا فعلها أحد من السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولهذا ينهى عنها لما ذكر، وفيها من إظهار الجزع المنافي للصبر. وقد صرح الفقهاء ﵏ أنه يكره لأهل الميت صنع الطعام للناس، وأن هذا طعام المأتم المنهي عنه. وإن كان الطعام في تركة الميت وفي الورثة قصار أو غائبون أو من لم يرض من الورثة فهو حرام لما فيه من التصرف بأموال الغير بدون إذن شرعي.
قالوا: ويستحب صنع الطعام لأهل الميت، لأن المصيبة قد أشغلتهم، ولحديث: " اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم" (١) والله والموفق. والسلام.
مفتي الديار السعودية _ (ص ـ ف ـ ١٣٥٢ ـ ١ وتاريخ ٨/٥/١٣٨٦هـ)
وفي تقرير له قال: هو من البدع ومن النياحة، لأنه يجتمع مع أهل الميت من يجتمع للبكاء معهم، فصناعة أهل الميت الطعام مما يساعد على ذلك. (تقرير)
(٩٤٠ ـ اقامة المأتم في أي يوم كان غير مشروعة)
وأما إقامة المآتم على الميت في أي يوم كان فغير مشروعة، وقد حكى أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي في كتابه " الحوادث
стр. 817
والبدع " إجماع العلماء على منعها، قال في ص١٦٦: فأما المآتم ممنوعة بإجماع العلماء. قال الشافعي: وأكره المآتم وهو اجتماع الرجال والنساء، لما فيه من تجديد الحزن. قال: ويكره المبيت في المقبرة، لما فيه من الوحشة. والمآتم هو الاجتماع في الصبحة أي الاجتماع حول القبر صباحاً غداة الدفن، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء، وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسنة فهو طامة، وقد بلغني عن الشيخ ابن عمران الفاسي وكان من أئمة المسلمين: أن بعض أصحابه حضر صبحة فهجره شهرين وبعض الثالث، حتى استعان الرجل عليه فقبله وراجعه وأظنه استتابه ألا يعود. فأما ما يوقد فيها من الشمع والبخور فتبذير وسرف. وإن أنفقه الوصي من مال التركة ضمنه وسقطت به عدالته واستأنف الحاكم النظر في الوصية. قال ابن السمان: سألت بعض رهبان الأكواخ: لِمَ يسمى الاجتماع في المصيبة مأتماً قال: فبكى. ثم قال: لأن المجتمع عليه ومن أجله لم يتم. اهـ.::::::
وقد أطال الشيخ علي محفوظ في كتابه " الإبداع في مضار الابتداع " في التحذير من إقامة المآتم، ومن ضمن كلامه في ذلك يقول (ص٢١٨ و ٢١٩) : أما بدع المآتم فمعلوم أن كل مجتمع للحزن على الميت فيه النساء لا يخلو من المحظورات شرعاً من الندب والنياحة ولطم الخدود، والتهتك بكشف العورات، وإضاعة الكثير من الأموال، إلى غير ذلك مما عمت به البلوى، حتى استعصى الداء، وعز الدواء. وأما اجتماع الرجال في المآتم لداعية الحزن فمعلوم أيضاً ما يستلزم هذا الاجتماع من النفقات الطائلة لغرض المباهاة والرياء باعداد محل الاجتماع وإحضار البسط والسجاجيد ونحوها،
стр. 818
ولا شك في حرمة ذلك، لما فيه من إضاعة المال لغير غرض صحيح، هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر، فما بالك إذا كان فيهم قاصر، وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا نعوذ بالله من سخطه. وأن ما يقع بعد الدفن من عمل المأتم ليلة أو ثلاثاً مثلاً لا نزاع في أنه بدعة، ولم يثبت عن الشارع ولا عن السلف أنهم جلسوا بقصد أن تذهب الناس إلى تعزيتهم، وكانت سنته ﷺ أن يدفن الرجل من أصحابه وينصرف كل إلى مصالحه، وهذه كانت سنته، وهذه كانت طريقته، والله تعالى يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (١) فلنتأسى به فيما ترك كما نتأسى به فيما فعل، والجمهور على كراهة ذلك لأنه يجدد الحزن المعزى. قال الإمام الأذرعي: الحق أن الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف في زماننا مكروه أو حرام. إنتهى.
ومر صاحب " الإبداع " إلى أن قال في ص٢٢٠: وصفوة القول أن المآتم اليوم لا تخلو من المنكرات ومخالفة سنة النبي ﷺ ، وناهيك ما يكون من القراء في تلاوة القرآن، وما يفعله المستمعون في المأتم من الخروج عن حد الأدب حال تلاوته من رفع أصوات الاستحسان أو الاشتغال عن استماعه أو شرب الدخان وغير ذلك مما يحول بين المجلس وبين نزول الرحمة نسأل الله السلامة والهداية. انتهى المراد من كلام صاحب " الابداع في مضار الابتداع" والله ولي التوفيق.
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ـ ٢٦٥٥ ـ ١ في ٨٦هـ)
стр. 819
(٩٤١ ـ المستحب أن يصلح أقرباء الميت وجيرانه طعاماً لأهله)
أما الطعام للميت بعد ثلاثة أيام من موته أو سبعة أو عشرة أو أقل أو أكثر فذلك بدعة محدثة، وكل محدثة ضلالة. والمستحب في ذلك أن يصلح أقرباء الميت وجيرانه طعاماً لأهله فلقد روى أبو داود أن رسول الله ﷺ لما جاءه نعي جعفر قال: " اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنهم قد أتاهم أمر شغلهم" أما صنع أهل الميت الطعام للناس فذلك خلاف المشروع، فيه زيادة على مصيبتهم وشغل لهم مع انشغالهم وحزنهم. وبالله التوفيق. والسلام عليكم.
مفتي الديار السعودية (ص ـ ف ـ ٢١٠١ ـ ١ في ٢١/٧/١٣٨٨هـ)
(٩٤٢ ـ قوله ويكره الذبح عند القبور)
كراهة تنزيه. والظاهر التحريم، وهم لا يعنون التقرب للمخلوق ويحمل على صفة دون ما يفعله الوثنيون عند القبور.
ومن المكروه عقر أهل الجاهلية عند القبر، لا تقرباً إليه، بل لأنه يحب الضيوف، هذا هو الذي يعنون.
قوله: وفي معناه الصدقة عند القبر.
فإنه مكروه وبدعة (١) (تقرير)
стр. 820
(زيارة القبور)
(٩٤٢/م أحوال زيارة القبور، وانقسام الزيارة إلى: شرعية، وبدعية)
زيارة القبور لها أحوال بالنسبة إلى البيانات الشرعية من النبي " أحدها": زيارتها في مبدأ بعثته ﷺ .
" الثانية": النهي عن ذلك الذي كان قبل مباحاً أو مستعملاً.
" الثالثة" الإذن فيها.
فما كان من " الأول " فلأجل ما فيها من المصلحة. أما " الثاني " فخشية المفسدة وهو التعلق بالمقبور والاستنجاد به، ويضم إلى هذا أفعال وتصورات جاهلية مما يفضي إلى الشرك أو دونه. والله أعلم.
فنهى ﷺ عن زيارة القبور وإن كانت مشتملة على مصلحة وهي تذكر الموت والآخرة خشية جر مفسدة أكبر من فوات هذه المصلحة وهو أنهم كانوا حدثاء عهد بالتعلق بالأوثان من قبر عظيم ونحو ذلك حسماً لمادة الغلو في المقبورين وقطعاً للتعلق بالوثنية. فلما استقر ذلك في قلوب الصحابة وامتلأت نوراً أذن في ذلك، وجاء النهي وبيان النسخ له في حديث واحد (١) .
ومن مصالحها إحسان الإنسان إلى نفسه بفعل هذا الإحسان بما يذكر قلبه أولاً، وإحسان إلى النفس بالصدقة على القريب ثانياً.
ومنه نعرف أن الزيارة تنقسم إلى: " شرعية " و" بدعية":
стр. 821
فالشرعية هي الدعاء للميت وتذكر الآخرة.
والبدعية الشركية هي زيارتها لدعائهم والاستغاثة بهم وتوسيطهم كصنيع المشركين الأولين وهذا مما ابتلي به كثير من المنتسبين إلى الإسلام، وإن كانت قد خفت لأمرين أولاً لبيان العلماء إن هذا من الخرافات، الثاني استيلاء الالحاد والانحلال عن الديانات. وهذا أشر من نواحي، وقد استولى على الشبيبة: فمن غارق، وميت، ومن دنف، ومن متشبث. وهذا (١) شفاؤه كتاب الله وتلاوته ومعرفة مواقف النبي مع المشركين من لدن بعث إلى أن توفي.
وأما قبور الكفار فلا تزار إلا لمصلحة خاصة هو تذكير الموت أما الدعاء فلا، وكذلك شهود جنائزهم ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة﴾ (٢) الآية.
ومن الزيارة غير الشرعيةأن لا يتخذها عيداً أيضاً كما أن من شرطها أمر آخر فيها وفي غيرها إنكار المنكر إذا وجد. (تقرير)
(٩٤٤ ـ تحريم زيارة النساء للقبور)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الطبيب عمر فتحي ... المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد وصل إلينا كتابك المؤرخ ـ بدون ـ المتضمن منع النساء
стр. 822
من زيارة القبور من قبل حارس المقبرة المختص، وسؤالك عن حكم ذلك؟
فالجواب: أن النساء منهيات عن زيارة القبور، لما تفضي إليه زيارتهن من الندب والنياحة وغيرها من الأمور المحظورة، لما فيهن من الضعف والجزع وقلة الصبر، وقد استدل العلماء لهذا بحديث ابن عباس: " لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسراج" رواه أهل السنن، وفي الباب حديث أبي هريرة وحديث حسان بن ثابت، وهذا خاص بالنساء.
وأما الرجال فإن زيارة القبور مشروعة في حقهم لقوله ﷺ " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة" (١) والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(ص ـ ف ـ ١٠١٧ وتاريخ ١٧/٨/١٣٨١هـ)
(٩٤٥ ـ قوله: الا لسناء)
بل الراجح تحرم، لما فيه من اللعن، واللعن لا يكون على مكروه، وهو من أجل ما اتصفن به من الضعف والخور وعدم الصبر.
ثم لعلك أن تقول: إن بعض النساء قد تكون أقوى قلباً من الرجال، وعكسه لبعض الرجال.
قيل: الحكم إذا علق بمظنة استوى وجودها وعدمها (٢) وقد زعم أن ما في حديث " فزوروها" يتناول النساء، وهذا جهل وغلط.
стр. 823
النهي له وجهان لكل وجه علة. فالنهي بالنسبة إلى الجميع عن الزيارة مطلق، ثم أذن للرجال، لزوال العلة، ولما فيه من الإحسان للميت بالدعاء له، وتذكر الآخرة. ولم يؤذن للنساء، لعلة أخرى لم تزل. فالعلة الأولى زالت برسوخ الإيمان، وانقطاع التعلق بالقبور المسببة للوثنية، لقوله " نهيتكم" وهنا نهي آخر خاص بالنساء وعلة أخرى وهو من أجل ما اتصفن به من الخور والضعف وعدم الصبر، ولهذا في الحديث " ارجعن مأزورات غير مأجورات فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت" فتنة الحي ظاهرة لا سيما الشباب، وإيذاؤهن الميت بالبكاء والصراخ. (تقرير)
(٩٤٦ س: خروجها بالماء إلى المقبرة)
ج: تضع الماء دون المقبرة، لعله لا محذور فيه، مع أن تولي الرجل ذلك أولى ز (تقرير عمدة)
(٩٤٧ ـ ويمنعن من زيارة قبره ﷺ أيضاً)
قوله: غير قبره ﷺ وقبري صاحبيه.
وهذا ذكر هنا، والصحيح في المسألة منعهن من زيارة قبره لأمرين: " اولاً " عموم الأدلة، والنهي إذا جاء عاماً فلا يجوز لأحد تخصيصه إلا بدليل، ثم العلة موجودة هنا.
وجاء فيما يتعلق بضريح المصطفى أشياء خاصة من نهيه أن يتخذ قبره عيداً، ودعاؤه ﷺ وخشيته ذلك " اللهم
стр. 824
لا تجعل قبري وثناً يُعبد" (١) وأجاب الله دعوته وحمى ضريحه وتربته، بأن هيأ أسباباً تمنع الجهال البعيدين من شم سنته.
" أولاً " أن الواقع أنه دفن في مكان محوط ومغلق، وبعد ذلك سد باب ذلك الموضع، ثم بعد ذلك زيد أشياء وهو الشبك والجدران التي وضعت حماية للنبي ﷺ وكرامة لقبره أن يباشر بالأرجاس التي بعث بمحقها وإزالتها (٢) .
مع أن هنا شيئاً آخراً وهو أن زيارة قبره ﷺ لا مأمور، ولا مقدور. ما جاء الأمر بزيارة قبره خاصة. وصنيع الصحابة أيضاً وابن عمر مع تحريه للسنة لا يأتي للقبر إلا إذا أراد سفراً أو رجع من سفر، ويكتفي مادام في المدينة بالصلاة والسلام عند دخوله المسجد. وما يفعله كثير من الجهال هو من اتخاذه عيداً، فليس مأموراً بزيارته كزيارة بقية الناس.
وغير مقدور، يعني الوصول إليه. والذي يقدر عليه يفعل للرجال فإن قلت: إذا كان غير مقدور فلم لا يؤذن للنساء. قيل إنهن
стр. 825
يعتقدنها زيارة. وإن قيل: إنهن لا يعتقدنها زيارة. قيل: في الظاهر أنهن زائرات (١) (تقرير)
(٩٤٨ ـ حكم وقوف النساء عند دخولهن المسجد على قبر النبي وسلامهن على قبر اجتزن به)
ورد إلى دار الإفتاء بواسطة الإذاعة سؤال عن حكم وقوف النساء عند دخولهن المسجد النبوي على قبر نبينا محمد ﷺ للسلام عليه.
فأجاب سماحة المفتي بالجواب التالي:
يستدعي البحث في هذا الموضوع التعرض لأمرين هامين:
"أحدهما " قصد المرأة بخروجها أول ما تخرج زيارة القبر.
" الثاني " وقوفها عند قبر اجتازت به في طريقها إلى مقصودها للسلام عليه.
أما " الأول " وهو قصد المرأة بخروجها أول ما تخرج زيارة القبر فقد جاء نهي النبي ﷺ عنه من رواية عبد الله بن عباس وأبي هريرة وحسان بن ثابت ﵃. أما حديث ابن عباس فقد روى أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم من رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ لعن زائرات القبور" والتعبير في
стр. 826
هذه الرواية بزائرات القبور يدل على عدم تخصيص النهي بالإكثار من الزيارة كما توهمه بعضهم من التعبير في الروايات الأخرى بلفظ " زوارات القبور" وأما حديث أبي هريرة ﵁، فروى أحمد والترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: " أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور" وأما حديث حسان بن ثابت ﵁ فروى أحمد وابن ماجه والحاكم عن حسان بن ثابت ﵁ أنه قال: " لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور".
فهذه الروايات تدل على تحريم زيارة القبور على النساء، فإن لعنة الشارع على الفعل من أدل الدلائل على تحريمه.::::::
أما دعوى نسخ هذه الأحاديث بما في الحديث الصحيح " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " بناء على أن الإناث يدخلن في خطاب الذكور. فيرده أن محل دخولهن فيه حيث لم يوجد دليل صريح قاض بعدم الدخول كوجود أحاديث لعنة زائرات القبور هنا، فإن ذلك من أظهر القرائن على عدم تناول خطاب الإذن لهن، كما بينه العلامة ابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود " قال: فإن قيل: إن تعليل الإذن في زيارة القبور في بعض روايات حديث الإذن بتذكر الآخرة يؤيد القول بالنسخ، فإن تذكر الآخرة مصلحة يشترك فيها الرجال والنساء، نقول إن مصلحة تذكرهن الآخرة عارضها ما يقارن زيارتهن من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والتبرج
стр. 827
وغير ذلك عن المفاسد التي لا سبيل إلى دفعها إلا بمنعهن، ومبنى الشريعة على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء فيه، فمنعهن زيارة القبور من محاسن الشريعة.::::::
ولهذا مال كثير من أهل العلم إلى استمرار النهي عن زيارة القبور في حق النساء، فقال الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب": قد كان النبي ﷺ نهاهن عن زيارة القبور نهياً عاماً للرجال والنساء، ثم أذن للرجال في زيارتها، واستمر النهي في حق النساء , وقال جامع اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية أبو الحسن البغلي: ظاهر كلام أبي العباس ـ يعني شيخ الإسلام ـ ترجيح التحريم، لاحتجاجه بلعن النبي ﷺ زائرات القبور وتصحيحه إياه، ولا يصح دعوى النسخ، بل هو ـ أي النهي ـ باق على حكمه، والمرأة لا تشرع لها زيارة القبور لا الزيارة الشرعية ولا غيرها. وقال العلامة السندي في حاشيته على " سنن النسائي" في استمرار النهي عن زيارة القبور في حق النساء: هو الأقرب إلى تخصيصهن بالذكر ـ أي في أحاديث لعنة زائرات القبور. وقال صديق حسن خان في " حسن الأسوة ": الراجح نهي النساء عن زيارة القبور، وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثر الله سوادهم. اهـ.
وما ذكر هؤلاء من استمرار النهي في حق النساء هو ظاهر رواية الإمام أبي داود عن الإمام أحمد بن حنبل، وبه جزم صاحب المهذب وصاحب البيان من الشافعية. قال أبو داود في " مسائل الإمام أحمد "
стр. 828
سألت أحمد عن زيارة النساء القبر. قال: لا قلت: فالرجال أيزورون قال: نعم، ثم ذكر حديث ابن عباس رحمهما الله تعالى " لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور" وقال النووي في شرح المهذب: " المجموع": أما النساء فقال المصنف وصاحب البيان من الشافعية لا تجوز لهن الزيارة، وهو ظاهر هذا الحديث، يريد حديث لعنة زائرات القبور.
وأما " الأمر الثاني ": وهو سلام المرأة على قبر اجتازت به في طريقها إلى مقصودها فلا بأس به، ففي " الاختيارات" ما نصه: إذا اجتازت المرأة بقبر بطريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن اهـ.::::::
وعلى هذا حمل الإمام ابن القيم في " تهذيب سنن أبي داود" (١) ما رواه الترمذي في سننه عن عبد الله بن أبي مليكة قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشي (٢) قال: فحمل إلى مكة فدفن فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلماتفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك مازرتك. قال ابن القيم بعدما قرر أن هذه الرواية هي المحفوظة قال: وعائشة إنما قدمت مكة للحج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت
стр. 829
عليه، وهذا لا بأس به، وإنما الكلام في قصدهن الخروج. قال: ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت: لو شهدتك لما زرتك. وهذا يدل على أن من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور. ثم تكلم ابن القيم على رواية البيهقي من طريق يزيد بن زريع عن بسطام بن مسلم عن أبي التياح أن أثر عائشة المذكور بلفظ: أيا أم المؤمنين من أين أقبلت. قالت: من قبر أخي عبد الرحمن. فقلت لها: أليس قد نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور. قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها. قال ابن القيم في هذه الرواية: هي رواية بسطام بن مسلم، ولو صح فهي تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويله إنما يكون مقبولاً حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا قد عارضه أحاديث المنع. اهـ
هذا موقفنا من زيارة النساء للقبور.
والخلاصة: أنه لا يجوز للنساء قصد القبور للزيارة بحال، ولا يدخلن في عموم الإذن، بل الإذن خاص بالرجال، لما تقدم والله أعلم.
(من الفتاوى المذاعة عام٨٤هـ)
(٩٤٩ الصبر، والرضا، وبكاء النبي، وبكاء الناس)
الرضى أفضل من الصبر، ويفسر بعضهم الرضى بأنه استواء حالة المصيبة وعدمها.
стр. 830
وبكاء النبي لا ينافي الرضى بحال، بل فيه القيام بحق الله سبحانه من الصبر والرضى، وقول الكلام الحق، والبعد كل البعد عن الكلام السوء عند المصائب، ورحمة للمخلوق، وفي بعض الروايات " أنه (١) جيئ به ونفسه تقعقع" (٢) فلحقه ﷺ ما يعانيه هذا الطفل، فجمع بين حق الله وحق المخلوق، فإن النبي ﷺ أشفق الأمة. وكثير من الناس بكاؤهم ليس إلا لفقد ذات الشخص، أو لمنفعة منه. فالحاصل أن بكاء النبي ﷺ فيه ما يضعف الصبر ولا الرضى. والذين لا يبكون، ويظنون أنهم أفضل من النبي في هذه الحالة غالطون، فإن البكاء إذا كان رحمة للميت فهو أفضل من عدمه، وإلا فليس أفضل. (تقرير)
(٩٥٠ ـ قوله لا جعل علامة)
فإن الناس ولا بد يحبون أن يعرفوه. ذكروا هذا ها هنا وهو لا ينبغي، فإنه بدعة (٣) . (تقرير)
(٩٥١ ـ يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
استدل به بعض أهل العلم على أن القليل من الندب إن كان على سبيل الحقيقة جاز (تقرير) .
(٩٥٢ ـ النياحة أنواع)
منها تعديد فضائل الميت على وجه التفجع. ومنها الصراخ والصوت بالبكاء. ومنه شق الجيوب، وجعل الرماد على الرأس
стр. 831
أو حشو التراب، أو التخبيط على الجسد، ونحو ذلك مما يظهر منه الجزع على المصيبة. (تقرير)
(٩٥٣ ـ الميت يعذب في قبره بما نيح عليه) (١) .
المعنى يعرض عليه عمل قريبه، يتنعم لكون قريبه حياً على الاستقامة، ويتألم بالسيء منها ويتحسر، وهذا هو عذابه، فإن عذاب الأرواح من المعلوم أن له تأثيراً حتى يؤثر في الأجسام والقلوب، وبهذا تجتمع الأحاديث.
ويقوي هذا " يعذب ببكاء أهله " (٢) فالمراد البكاء المتعدي ما يباح شرعاً، الخارج إلى المحرم، والعذاب هو ما تقدم لك. (تقرير)
(٩٥٤ ـ بناء مظلة عند المقبرة للمعزين)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رئيس ديوان جلالة الملك وفقه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فبالإشارة إلى المعاملة الواردة إلينا منكم برقم ١٥/١١/١٢١٥ في ١٩/٢/١٣٧٧هـ المختصة بطلب بلدية الطائف بناء مظلة عند المقبرة الواقعة جنوبي مسجد ابن عباس ﵄، وما عارضت به رئاسة القضاء ورئيس هيئة الأمر بالمعروف بالطائف، معللين
стр. 832
بقصد اتخاذ المظلة مجلساً لعزاء المصاب بالميت وهو أمر لا ينبغي شرعاً وبأنه شيء لم يكن على عهد السلف، وربما يكون ذريعة إلى مفاسد أخرى.
وبتأمل ذلك وجدت تلك المعارضة في محلها، وحينئذ ينبغي منع البلدية من بناء تلك المظلة. والله يحفظكم. في ١٦/٥/١٣٧٧هـ.
(٩٥٥ ـ قوله: ولا تعزية بعد ثلاث)
هذا أُخذ واستنبط من النهي عن الإحداد على الميت غير الزوج فوق ثلاث. ونعرف أنه لم يجئ نص يحددها هذا الحد (تقرير)
(٩٥٦ ـ قوله: لا بكافر)
ثم يعرف من هذا أنه غير محذور أن يتأثر الإنسان بالمصيبة للقريب ولو كافراً، فلم يمنع الشرع منه، لأنه أمر طبيعي كالتألم من البرد والحر. (تقرير)
آخر الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع الزكاة والصيام.
стр. 833
فتَاوى ورَسَائل
سَماحة الشيخ
محمَّد بن إبراهيم بن عَبداللطِيف آل الشيخ
مفتي المملكة
ورَئيس القضاة والشؤون الإسلامية
طيَّبَ اللهُ ثراه
جَمع وترتيب وتحقيق
محمد بن عبد الرحمن بن قاسم
وفقه الله
الطبعة الأولى
مطبعة الحكومة بمكة المكرمة
١٣٩٩ هـ
стр. 834
الجزء الرابع
الزكاة ـ الصيام
стр. 835
(كتاب الزكاة)
(نصيحتان)
(٩٥٧) ـ الأولى: في التذكير بفريضة الزكاة، وبيان الحكمة في ايجابها، والاضرار والمفاسد المترتبة على منعها)
من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ إلى من يبلغه من المسلمين، وفقني الله وإياهم إلى صراطه المستقيم، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فإني أحمد الله رب العالمين، وأصلي واسلم على رسول الله وخاتم النبيين، نصح أمته وقال فيما صح عنه: " الدين النصيحة" (١) وأنزل الله عليه (وذكر فن الذكرى تنفع المؤمنين) (٢)
ثم إن الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التي تساهل بها بعض الناس وغفلوا عنها، مشتغلين بتدبير أموالهم عن فريضة من فرائض الدين، وركن من أركان الإسلام يكفر جاحده، وتقاتل الطائفة الممتنعة من أدائه، ولقد ذكر الله في كتابه الزكاة مقرونة بالصلاة فقال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (٣) وقال (وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
стр. 836
حنفاء، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيّمة) (١) وأمر تعالى رسوله بأخذها حيث يقول (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (٢) وجاء الوعيد الشديد على من بخل بها وقصر فيها، قال الله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ماكنزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون) (٣) وفي الحديث الصحيح: " مامن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جبهته وجنبه وظهره كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد" (٤) وفي الصحيح: " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوق به يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه ـ يعني شدقيه ـ ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك".
ولا يخفى مامن الله به على عباده من نعمة المال، ولاسيما في هذا الزمن الذي تكاثرت فيه المصالح والخيرات، واتسعت فيه أسباب الرزق، وتضخمت فيه أموال كثير من الناس، وما الأموال إلا ودائع في أيدي الأغنياء، وفتنة وامتحان لهم من الله لينظر أيشكرون
стр. 837
أم يكفرون. ومن شكرها وقيد النعمة فيها أداء زكاتها، والصدقة على الفقراء والمساكين، والإنفاق مما استخلفهم الله فيه، قال تعالى: ﴿أمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين أمنوا منكم وأنفقوا لهم أجرٌ كبير) (١)
ومن الحكمة في تشريع الزكاة مواساة الأغنياء لإخوانهم الفقراء. فلو قام الأغنياء بهذه الفريضة حق القيام وصرفوا الزكاة مصرفها الشرعي لحصل الفقراء والمساكين ما يكفيهم، ولا يحتاجون معه إلا غيره. أما إذا منع الأغنياء ما أوجب الله عليهم من فريضة الزكاة فإنه ينشأ من هذا أضرار ومفاسد كثيرة من تعريف العبد نفسه للعذاب العظيم، وكراهة الله والناس له، وتسبب لإهلاك المال وانتزع البركة منه، ففي الحديث " ما خالطت الزكاة مالاً قط إلا أهلكته، (٢) ومن ظلم للفقراء والمساكين وإيصال الضرر إليهم، ودعوة له إلى ارتكاب شتى الحيل في الحصول على لقمة العيش، والتعرض للوقوف في المواقف الحرجة، والإلحاح في السؤال، بل ربما اضطرتهم فاقتهم وشدة الحاجة إلى السرقة والإقدام على بعض الجرائم، لما يقاسونه من ألام الفقر والمسكنة التي لو أحس بها الغني يوماً من الدهر لتغيرت نظرته إليهم، ولعرف عظيم نعمة الله عليه وإذا كان في الزكاة مصلحة للفقراء والمساكين وبهم ضرورة إليها فإن فيها مصلحة لأرباب الأموال، وبهم ضرورة إلى أدائها من
стр. 838
تطهير وتزكية لهم، وبعد عن البخل المذموم، وقرب من فعل الكرم والجود، واستجلاب للبركة والزيادة والنماء، وحفظ للمال ودفع الشرور.
ولهذا قال ﷺ : " من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره " رواه الطبراني وابن خزيمة في صحيحة، وعن أنس ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: إني ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسو الله ﷺ : " تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقربائك، وتعرف حق المسكين، والجار، والسائل، رواه أحمد وعن الحسن ﵁ الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع " رواه أبو داود في المراسيل.
وكان الرسول ﷺ يدعو لمن جاء بالزكاة فتارة يقول: " اللهم بارك " وتارة يقول: " اللهم صلى عليه " (١)
هذا ولقد تولى اله قسمة الزكاة بنفسه وجزأها إلى ثمانية أجزاء.
стр. 839
أما الأشياء التي تجب فيها الزكاة فهي أربعة أصناف: الخارج من الأرض كالحبوب والثمار، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة والذهب والفضة. وقد تجب في غيرهن.
ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصاب محدود لا تجب الزكاة فيما دونه، فنصاب الحبوب والثمار خمسة أو ست. وأدنى نصاب الغنم أربعون شاة، وأدنى نصاب الإبل خمس، وأدنى نصاب البقر ثلاثون، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالاًَ.
فإذا ملك الإنسان نصاب الذهب وقره إحدى عشر جنيهاً ونصف أو ملك نصاباً من الفضة وقدره ستة أو خمسة ريالاً عربياً تقريباً، وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة ربع العشر. وكذلك الأوراق التي كثرت في أيدي الناس وصار التعامل بها أكثر من غيرها فإذا ملك الإنسان منها ما يقابل نصاباً من الفضة وحال عليه الحول فإنه يخرج منها زكاتها ربع عشر. أما العروض وهي ما اشتراها الإنسان للربح فإنها في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها. وإذا كان الإنسان دين على أحد فإنه يزكيه إذا قبضه، فإن كان الدين على مليء فالأفضل أن يزكيه عند رأس الحول، وله أن يؤخر زكاه حتى يقضيه.
ويجب إخراج الزكاة في بلد المال إلا لعذر شرعي.
ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
ولا يجوز صرفها لغير أهلها الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
стр. 840
قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) (١) .
والزكاة حق الله فلا تجوز الحاباة بها ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً أو يدفع ضراً.
فاتقوا الله أيها المسلمون وتذكروا ما أوجب الله عليكم من الزكاة وما يقاسيه الفقراء والمساكين من ويلات الفقر والفاقة، وبادروا إلى إخراج زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم، خالصة لوجه الله، ولا من فيها، ولا أذى، ولا رياء، ولا سمعة، اغتنموا الفرصة قبل فوات الأوان (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون) (٢) .
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونفعنا بهذه الذكرى، وهدانا جميعاً إلى طريق الحق والخير والفلاح وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه وسلم.
في يوم الجمعة ١٠ رمضان المبارك ١٣٧٥هـ
(هذه الفتوى قدمها لي عبد الله بن إبراهيم بن جار الله أثابه الله)
(٨٥٩- الثانية في الموضوع أيضاً)
من محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف إلى من تبلغه النصيحة من إخواننا المسلمين، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، وجنبينا وإياهم سبل أصحاب الجحيم، ورفقنا جميعاً للتمسك بشرائع الدين القويم آمين.
стр. 841
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالموجب لهذه الكلمة هو النصيحة والشفقة وإقامة الحجة والإعذار من كتمان ما يلزم للناس، ومن أهم ذلك في هذه الأيام بيان ما يلزم من أحكام الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام، وثانية الصلاة وقرينتها، قرنها الله تعالى بالصلاة في نيف وثلاثين موضعاً من كتابه العزيز؛ لكون هذه الأيام غالباً وقت إخراج الزكاة، ولمزيتها بمضاعفة الحسنات، وورد الوعيد الشديد على تركها، والتغليظ في منعها، قال تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم، بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير) (١)
وقال تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) (٢) وهذا الوعيد مفسر بالحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطرقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه ويقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلي هذه الآية: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله - إلى قوله خبير﴾ وقال تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم﴾ الآية.
стр. 842
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره " (١) والآيات والأحاديث في التغليظ في مانع الزكاة وعقوبته كثيرة معروفة.
والأموال التي تجب فيها الزكاة: (أحدها) سائمة بهيمة الأنعام. وهي: الإبل، والبقر، والغنم (الثاني) : الإخراج من الأرض من الحبوب والثمار وما يلحق بها كالعسل (الثالث) الأتمان وهي النقود: من الذهب والفضة، وما يقوم مقامها من فلوس وأوراق نقدية، وكذلك حلي الذهب والفضة، وإذا بلغ نصاباً بنفسه أو بما يضم إليه من جنسه وفي حكمه، ولم يكن معداً للاستعمال ولا للعارية وأقل نصاب الذهب عشرون مثقالاً، وبالجنيه السعودي وكذلك الأفرنجي أحد عشر جنيهاً ونصف جنيه تقرياً، وأقل نصاب الفضة مائتا درهم، وبالريال العربي ستة وخمسون ريالاً، وبالفرنسي ثلاثة وعشرون ريالاً تقريباً. و (الرابع) : عروض التجارة: وهي كل ما أعد للبيع والشراء لأجل الربح والتكسب من جميع سلع التجارة كالمجوهرات ونحوها، وكذلك السيارات والمكائن وغيرها من المنقولات والثابتات كالعقارات من أراضي وبيوت ونحوها إذا تملكها بفعله بنية التجارة فإنها تعتبر سلعة تجارة، ويلزمه أن يقومها عند الحول بما تساوي من الثمن لدى أهل الصنف ولا ينظر إلى رأس مالها الذي اشتراها به، وعليه، أن يؤدي قيمتها عند الحول إذا بلغت نصاب الذهب والفضة، لعموم حديث سمرة: " كان
стр. 843
رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي تعده للبيع " رواه أبو داود. كما عليه أن يزكي الديون التي له ي ذمم الناس إذا قبضها
وإذا استفاد مالاًَ مستقلاً خارجاً عن ربح التجارة كالأجرة والراتب ونحوها فإنه يبتدء له حولاً من حين استفاده، ويزكيه إذا تم حلوه.
وأما مصرفها فيد بينه الله تعلى بقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليه، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، ابن السبيل، فرية من الله، والله عليم حكيم﴾ فلا يجوز صرفها إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية كبناء المساجد والمدارس وتكفين الموتى ووقف المصاحف وكتب العلم وغير ذلك من جهة الخير.
ويجب إخراجها عند تمام الحول فوراً إلا لعذر شرعي.
ولا يدفعها إلا لمن يغلب على الظن من أهلها لأنها لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب كما في حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار رواه ابن داود والنسائي. فليتق الله من لا تحل له إن يأخذ منها شيئاً فإنها سحت ومحق لما في يده قبله من المال.
ولا يجزى إخراجها إلا بنية سواء إخراجها بنفسه أو بوكيله، وسواء دفعها إلى مستحقها أو إلى نائب ا، لإمام ليفرقها على مستحقيها لحديث: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرء ما نوى " (١) .
ولا يجوز دفعها إلى أصوله أو إلى فروعه أو زوجته أو إلى أحد
стр. 844
ممن تلزمه نفقته، ولا يحابي بها قريبه، أو يبقي بها ما له، ولا يدفع بها مذمة.
وينبغي للإنسان الاستكثار من صدقة التطوع أيضاً في هذا الشهر الكريم والموسم العظيم، لحديث أنس: " سئل النبي ﷺ الله أي الصدقات أفضل؟ فقال: صدقة في رمضان " رواه الترمذي، وقال ﷺ " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل العظيم " متفق عليه.
وعن أنس مرفوعاً " إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" والآيات والأحاديث في هذا كثيرة معروفة (١) نسأل الله أو يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يشملنا وإياكم بعفوه ومغفرته ورحمته وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويذلك اعداءه، ويؤيد إمامه المسلمين، ويأخذ يناصيته لما فيه الخير والصلاة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم في ١٠/٩/١٣٧٦هـ
(هذه النصيحة قدمها لي ناصر الخطيب ـ أثابه الله)
(٩٥٩ ـ كيفية وجوب الزكاة، وطريقة توزيعها)
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم رشدي ملحس وفقه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
стр. 845
فبالإشارة إلى مذكرتكم رقم ١٦١٩ وتاريخ ١٤/٨/١٣٧٦هـ الخاصة باستفتاء أحد زنوج أمريكا المقيم في اليابان الذي اعتنق الدين الإسلامي: عن كيفية أداء الزكاة، وكيفية توزيعها.
تجدون مرفقاً بهذا جواباً موضحاً فيه: كيفية الوجوب، وكيفية الأداء والله يحفظكم.
حرر في ٢٣/٨/١٣٧٦هـ
(٩٦٠ ـ الجواب)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: أما بعد:
فإنه ورد علينا سؤال من رجل مقيم في اليابان، يذكر أنه اعتنق دين الإسلام منذ عشرة أشهر، وأنه لا يوجد في البلدة التي يقيم فيها مسلمين، ويسأل عن الطريقة الشرعية التي يتمكن معها من أداء فريضة الزكاة.
والجواب: لايخفى أن أداء الزكاة هو الركن الثالث من أركان الإسلام، وله شروط منها تمام الحول، فإذا تم الحول على المال الزكوي وجب إخراج زكاته والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف:
الأول ـ بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر، والغنم.
الثاني: الخارج من الأرض: من حبوب وثمار تكال وتدخر.
والثالث: النقود على اختلاف أنواعها.
والرابع: عروض التجارة.