← Сира

Сира · id 847

أعلام رسول الله المنزلة على رسله

ابن قتيبة

Полный текст (116 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من قريب قد لحقه ورآه بشر كثير ممن كان في عصر رسول الله، فهو لنا كالعِيَان، وفي عام الفيل كان مولده بأبي هو وأمي، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله. الأحاديث الموافقة لما في الكتب المتقدمة من ذكر النبي وصفته وصفة أمته: قال ابن قتيبة: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عبد الله بن عمرو، قال: «أجد في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظٍ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أتوفاك حتى أقيم بك الملة العوجاء، وأُحْيِي بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله».

стр. 37

وحدثني محمد بن عبيد، أخبرنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن كعب، قال: «أجدُ في التوراة: أحمد عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بَكَا، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمَّادُون يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، وضوؤها في جو السماء، وصفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبانًا بالليل أُسْدًا بالنهار، ولهم دويٌّ كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم؛ ولو على كناسة». قال أبو محمد: يعني قوله: يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم، أن قومًا من أهل الكتاب: كانوا لا يصلون الصلاة إلا في بيعتهم وكنائسهم ومجالسهم، فوسع الله على المسلمين، وأمرهم أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وأنزل: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وإنما نُسب هذا الكلام والكلام الأول إلى التوراة، وهو في غيرها من كتب الله؛ لإلحاق أهل الكتاب بالتوراة كثيرًا من كتب الله مثل: الزبور وكتب أشعيا. حدثني سهل بن محمد، أخبرنا الأصمعي، أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن حفص، قال: وقال عبد الرحمن- كان من خيار،

стр. 38

وهو أبو حفص إمَّا أنه لقب له- قال: كان عند أبي وعند جدي ورقة يتوارثونها قبل الإسلام بزمان، فيها: «بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تَبَابٍ، هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان، يَأْتَزِرُونَ على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة، لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطوفان، وفي قوم ثمود ما أهلكوا بالصيحة». قال: وأخبرني أنهم جاؤوا بها إلى رسول الله ﷺ ؛ فقرأوها عليه وأخبروه بخبرها فأمرهم أن يضعوها بين أضعاف المصحف. حدثني عبد الرحمن، عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب: «أوحى الله إلى آدم: أنا الله ذو بكة، أهلها أحبتي، وزوارها وفدي وأضيافي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتون أفواجًا شعثا غبرًا، يعجون بالتكبير عجيجًا، ويرجُّون بالتلبية رَجِيجًا، ويثجون بالبكاء ثجًّا، فمن اعتمده لا يريد غيره؛ فقد زارني وضافني ووفد إليَّ ونزل بي، وحُق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل هذا البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه لنبي من ولدك، يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وَأُنِيطُ له سقايته، وأورثه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك

стр. 39

يقال له: محمد، هو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ؛ فأنا مع الشُّعْثِ الغبر الموفين بنذورهم، المقبلين إلى ربهم». ذكر رسول الله في أخبار الفرس: وهذا حديث فيه طول اختصرته. قرأت في كتاب ماجسنيس الزيادي- وهو شيخ من قدماء الفرس- لحق زمان زياد بن أبي سفيان، فسأله زياد أن يحدثه بأحاديث ملوك العجم ووزرائهم وسيرهم، فحدثه منها سبعين حديثًا حسنة، وترجمت، ونسب الشيخ إلى زياد، فقيل: الزيادي، والكتاب مشهور موجود في أيدي الناس، قال ماجينيس: «كان أبرويز بن هرمز، المعروف بكسرى- وهو أبو شيرويه- في مسير له ليلًا؛ فَهَوَّمَ وهو على مركبه، وطال ذلك حتى استثقل، فمال وخاف من وراءه من قواده سقوطه، فأتاه رجل منهم، فأيقظه، فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الْمُوقِظُ له، فقال: رأيت قائلًا يقول لي: إنكم غيرتم فغُيِّر ما بكم، ونُقل الملك إلى أحمد». هذا أو نحوه من الكلام. ورأيت في غير هذا الكتاب، «أنه عرضت على الله تعالى، وقال له: سلّم ما بيدك إلى صاحب الهراوة».

стр. 40

ثم لم يزالوا يتوقعون حادثة تحدث؛ حتى كتب النعمان بن المنذر بظهور رسول الله، وما يدعو إليه. ورأيت في بعض كتبهم: أن كتاب النعمان بن المنذر ورد بذلك، في يوم كان كسرى خلا فيه بلذته ولهوه، وأمرهم أن لا يُنهوا إليه فيه خبر يسوؤه، ولا يُوصل إليه كتابًا من أحد من عماله؛ ليأمن على شروره، قالوا: فبينما هو كذلك، إذ سمع صوت البريد. فسأل عنه، فقيل: كتاب عامل السواد، فتعلق قلبه به، وقال له: ما أرى إلا أن تعلق قلبي بما أوردته حتى أعلمه، أعظم علي مما فيه، فأوصلوا الكتاب إليه فقرأه، فإذا كتاب العامل إليه يخبره فيه بأن الفرات أتى بمد لم نسمع بمثله، وأنه فاض فغرق زرع الناس ومنازلهم، وأفسد ثمارهم، فغمه ما بالرعية من الضرر في أموالهم، وما نال جنوده بذهاب الخراج؛ الذي يجبى إليه من السواد لهم، فسهل عليه وزراؤه ذلك، ونسبوا للجنود أموالًا من وجوه كثيرة، وعاد إلى لهوه، ثم سمع صوت بريد آخر، فسأل عنه، فقالوا: كتاب العامل على ثغر أرمينية، فتعلق قلبه به، ثم أمر بإفضاض الكتاب؛ فإذا فيه أن الجنود شغبوا على عاملهم فقتلوه، واستباحوا ما قبله من الأموال، وجاهروا بالمعصية، فعدّ ذلك أيضًا، ثم سهل عليه وزراؤه الأمر، وتضمنوا له إصلاح الناحية؛ بغير جيش ينقله حتى يعود الجند إلى الطاعة، وعاد إلى لهوه. ثم سمع صوت بريد آخر، فأمر بأخذ كتابه وقرأ؛ فإذا كتاب النعمان يخبره فيه بأن خارجًا نجمٌ بتهامة، يخبر أنه رسول إله السماء والأرض، إلى أهل الأرض كافة، فقطع بذلك وأكبره، وعلم أنه الذي كان يتوقعه ويراه في منامه.

стр. 41

وحدثني محمد بن عبد العزيز، عن علي بن حرب، حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران البجلي من آل جرير بن عبد الله، قال: حدثني مخزوم بن هانئ المخزومي، عن أبيه- وأتت له مائة وخمسون سنة- قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله، أو قال بُعث- ارتجس إيوان كسرى، فسقط منه أربعة عشر شرفة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغارت بحيرة ساوة، فأفزع ذلك كسرى، وتصبَّر عليه، فلما عيل صبره، رأى أن يسأل عن ذلك وزراؤه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه، فأخبرهم، وقال الموبذان: وأنا أصلح الله الملك؛ قد رأيت في هذه الليلة إبلًا صِعَابًا وخيلًا عِرَابًا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادنا، وقال: أي شيء هذا يا موبذان- وكان أعلمهم في أنفسهم- فقال: حادث يكون من ناحية العرب، فكتب في ذلك إلى النعمان بن المنذر: أما بعد، فابعث إليَّ برجل عالم أسأله عما أريد، فوجه إليه بعبد المسيح ابن عمرو بن بُقيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره، فقال: أيها الملك علم ذلك عند خال لي سكن مشارف الشام، يقال له: سطيح. قال: فأته فاسأله عما أخبرتك به، ثم ائتني بجوابه، فركب عبد المسيح راحلته؛ حتى ورد على سطيح، وقد أشفى على الموت، فسلم عليه وحياه، فلم يرد عليه سطيح جوابا، فأنشأ عبد المسيح يقول: أَصُمَّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنْ … أَمْ فَازَ فَازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ الْعَفن في أبيات، فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه وقال: عبد المسيح على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وذكرها، ثم قال: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغارت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليست

стр. 42

الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت، فثار عبد المسيح إلى راحلته، وهو يقول: شَمِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِي الْهَمّ شِمِّيرُ … لَا يُفْزِعَنَّكَ تَفْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ … فَإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ فَرُبَّمَا أَصْبَحُوا يَوْمًا بِمَنْزِلَةٍ … تَهَابُ صَوْلَهُمُ الْأُسْدُ الْمَهَاصِيرُ مِنْهُم أَخُو الصَّرْحِ بَهْرَامٌ وَأُخْوَتُهُ … وَالْهُرْمُزَانِ وَسَابُورٌ وَسَابُورُ وَالنَّاسُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ فَمَنْ عَلِمُوا … أَنْ قَدْ أَقَلَّ فَمَحْقُورٌ وَمَهْجُورُ وَهُمُ بَنُو الْأُمِ أَمَّا إِنْ رَأَوْا نَشَبًا … فَذَاكَ بِالْغَيْبِ مَحْفُوظٌ وَمَنْصُورُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ … فَالْخَيْرُ مُتَّبَعٌ وَالشَّرُّ مَحْذُورُ فلمَّا قدم عبد المسيح على كسرى، أخبره بقول سطيح، فقال: كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا، قد كانت أمور.

стр. 43

قال أبو محمد: قد نظرت في سيرة ملوك فارس، فوجدت من أبرويز ومن آخر ملك منهم عشر ملوك فيهم امرأتان، وفي الحديث أربعة عشر شرفة، وأنه يملك منهم على عدد الشرفات، وقد يظن من لا يعلم أو لا يضع الأمور مواضعها، أن قول سطيح هو من علم الغيب ويشبّهه بأخبار الأنبياء عما يكون، وخبر الكاهن لا يكون أبدًا إلا عن أمر قد وقع، أو وقع له سبب يدل عليه؛ كالرؤيا التي رآها الملك، والرؤيا التي رآها الموبذان، وعبرها سطيح، وعلمها بنقل الجن لها إليه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وخبر النبي يكون على أمر لا سبب له ولا دليل عليه من نبي يبعث بعده بألف عام ومن ذلك أو حادثة تحدث في الزمان. ذكر سير ملوك اليمن: قرأت في سير ملوك اليمن وأنبائهم، التي حكاها عبيد بن شرية الجرهمي، لمعاوية بن أبي سفيان ﵀ وكان عبيد هذا كبير السن ونسابة، عالمًا بأخبار الأمم: أن [١٣٧/أ] تبعًا الأصغر، وهو تبع بن حسان بن تبع، سار إلى يثرب ونزل في سفح أحد، وبعث إلى اليهود، فقتل منهم ثلاثمائة وخمسين رجلًا صبرًا، وأراد إخرابها فقام إليه رجل من اليهود قد أتت عليه مائتان وخمسون سنة، وقال له: أيها الملك، مثلك لا يقتل على الغضب، ولا يقبل الزور، وأمرك أعظم من أن يطير بك نَزَقٌ، أو يسرع بك لجام، وإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية، قال: ولِم، قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل، يخرج من هذه الثنية، يعني: البيت الحرام، فَكَفَّ تُبَّع ومضى يريد مكة، ومعه هذا اليهودي ورجل آخر عالم من اليهود، وهما الحبران الذان حاكمهما إلى النار من خالف اليهودية، وكسا البيت وأطعم الناس، وهو القائل:

стр. 44

وَكَسَوْنَا الْبَيْتَ الَّذِي حَرَّم اللهُ … مُلَاءً مُعَضّدًا وَبُرُودَا وهو القائل: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ … رَسُولٌ مِن اللهِ بَارِي النّسَمْ فَلَو مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ … لَكُنْت وَزِيرا لَهُ وَابْن عَم ويقال: بل قائل هذا هو: تبع الأوسط. انتقاض ممالك الأمم ببعثه ومولده ﷺ -: ومن أعلامه بأبي هو وأمي انتقاض ممالك الأمم عند مبعثه؛ خلا الروم لما سبق لهم من دعوة إسحاق ابن إبراهيم ﵇، وإن يعقوب بن إسحاق وهو إسرائيل لما سبق إلى دعوة أبيه، فصارت النبوة في ولده، ودعا إسحاق للعيص ابنه بالنماء والكثرة، فالروم كلها من ولده، فسلمت الروم بدعوة إسحاق لهم، وانتقضت الممالك، وقد تقدم ذكر ذلك في الرؤيا التي رآها بختنصر ملك بابل، وعبرها لهم دانيال، وذلك موجود في كتب أهل الكتاب. قال دانيال لبختنصر؛ وسأله عن رؤيا رآها من غير أن يقصها عليه: «رأيت أيها الملك رؤيا رائعة، ومنظرًا هائلًا، رأيت صنمًا بارع الجمال حيًّا، وهو قائم بين يديك، رأسه من الذهب الأبهر، وساعده من الفضة، وبطنه وفخذه نحاس، وساقه حديد، وبعض رجليه

стр. 45

حديد، وبعضها خزف، ورأيت حجرًا انقطع بغير قاطع، وصك رجلي ذلك الصنم، ودقها دقًّا شديدًا، فتفتَّت الصنم؛ كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه، وصار رفاتًا مثل دقاق جلّ البيدر، وعصفت به الريح ولم يوجد له أثر، وصار ذلك الحجر الذي صك الصنم جبلًا عاليًا، امتلأت منه الأرض كلها. فهذه رؤياك أيها الملك، ثم عبرها له، وقال: أنت أيها الملك الرأس الذي رأيته من الذهب، وتقوم بعدك مملكة أخرى دونك، والمملكة التالية التي تشبه النحاس فتسلط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة قوتها قوة الحديد، كما أن الحديد يدق كل شيء، وأما الرِّجل التي كان بعضها حديد وبعضها من خزف؛ فإن بعض تلك المملكة يكون عزيزًا، وبعضها يكون ذليلًا، وتكون كل المملكة متثبتة، ويقيم إله السماء في تلك الأيام ملكًا دائمًا أبديًّا، لا يتغير ولا يزول ولا يدع لأي من الأمم سلطانًا، أو يقوم هو دهر الداهرين.

стр. 46

فمن الممالك المنتقضة بمبعثه ﵇ مملكة فارس: وكان ملكها أعز ملوك الأرض وأشدها شوكة، وكان أول ما بدأ به الانتقاض؛ قتل شيرويه بن أبرويز أباه، ثم ظهر الطاعون في ملكه، وهلك منه، وكانت مدة ملكه سبعة أشهر، ثم ملك ابنه أردشير وهو ابن سبع سنين خمسة أشهر، ثم ملك رجل لم يكن من أهل بيت الملك، يقال له: خزمان، وقتلته بوران بنت كسرى، ومدة ملكه اثنان وعشرون يومًا، ثم ملك بعده رجل من ولد هرمز، يقال له: كسرى بن قباذ ولد بأرض الترك، ومدة ملكه ثلاثة أشهر، ثم ملكت بوران بنت كسرى سنة وستة أشهر، وبلغ رسول الله ﷺ خبرها. حدثني زيد بن أخزم الطائي، حدثنا أبو قتيبة، أخبرنا أبو المنهال، عن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لما مات كسرى، قيل ذلك للنبي، فقال: «من استخلفوا بعده؟» قالوا: ابنته بوران، فقال: «لن يفلح قوم أسلموا أمرهم إلى امرأة».

стр. 47

ثم ملكت أردمياحت بنت كسرى، فسُمَّت فماتت، وكان ملكها أربعة أشهر، ثم ملك بعدها رجل شهرًا ثم قُتِل، فلما رأى أهل فارس ما هم فيه من الانهيار؛ طلبوا ابن ابن كسرى، يقال له: يزدجر بن شهريار، فملكوه عليهم وهو ابن خمس عشرة سنة، فأقام بالمدائن على الانقسام ثمان سنين، وهو الذي ذكر دانيال في رؤيا بختنصر؛ أن كل مملكته تكون مشتَّتة. ووافى سعد بن أبي وقاص رجالته العنيف؛ فأمر بأمواله وخزائنه أن تنقل إلى الصين، وأقام في عدة يسيرة من الجنود، وقلة من الأموال بنهاوند، وخلّف بالمدائن أخا لرستم، وسرح رستم لقتال سعد، فنزل بالقادسية، وأقام بها حتى قتل، وبلغ ذلك يزدجر، فعلم أن مدتهم قد تصرّمت، فسار إلى فارس، ثم هرب منها إلى مرو، في طريق سجستان فقتل هناك. وهذا الذي أخبرته مذكور في كتبهم.

стр. 48

ومن الممالك المنتقضة بمبعثه ومولده صلى الله عليه ملك أهل اليمن: وكان أول ذلك: تغلب الحبشة على اليمن، ثم مسير سيف بن ذي يزن إليهم ملكا عليهم من قبل كسرى، فحاربته الحبشة حتى نفاهم عن اليمن، فأقام هناك، وكاتب كسرى بما اغتالته الحبشة، التي بلغت باليمن فقتلته، وانتهى الأمر. فلم يُملِكوا عليهم أحدًا؛ غير أن أهل كل ناحية ملكوا عليهم رجلًا من حمير، وكانوا ملوك الطائف حتى جاء الله بالإسلام. ومن الممالك المنتقضة بمبعثه مملكة الحيرة: بعد النعمان بن المنذر فإن الملك خرج عن آل المنذر بعده، وولّى عليهم كسرى إياس بن قبيصة فبقي عليها أشهر، واضطرب آل كسرى وشُغلوا بأنفسهم، وأتى الله بالإسلام ومات إياس بعين التمر، وفيه يقول زيد الخيل: فَإِنْ يَكُ رَبُّ الْعَيْنِ خَلّى مَكَانَهُ … فَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ ومن الممالك المنتقضة بمبعثه ملك آل جفنة بالشام: وفيهم يقول حسان بن ثابت: مَنْ يَغْرُّ الدَّهْرُ أَوْ يَأْمَنُهُ … مِن قَتِيلٍ بَعْدَ عَمْرٍو وَحُجُرْ

стр. 49

مَلَكا مِنْ جَبَلِ الثَّلْج إِلى … جَانِبَيْ أَيْلَةَ مِن عَبْدٍ وحُرْ يعني: عمرو بن النعمان بن الحارث الأصغر بن الحارث الأوسط، وهو الأعرج بن الحارث الأكبر، وحجر بن النعمان أخاه، وكان آخر من ملك منهم: جبلة بن الأيهم، الذي تنصر بعد إسلامه، ولحق بأرض الروم في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. الاستدلال على نبوته باسمه ﵇ -: ومن أعلامه أنه لم يُسَمَّ أحد قبله باسمه، صيانة من الله لاسمه، كما فعل ليحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سميًّا؛ فلأنه سماه في الكتب المتقدمة من كتبه، وبشرت به أنبياؤه. ولو جُعل الاسم مشتركًا فيه؛ أمكنت الحيلة وشاعت الدعوى، ووقعت بذلك على قوم من الضعفة الشُبُهة؛ خلا أربعة نفر سُموا بهذا الاسم؛ لتبشير رجل من أهل الكتاب بنبينا ﷺ وتقريب زمانه. حدثني يزيد بن عمرو، حدثنا العلاء بن الفضل، حدثني أبي، عن أبيه، عبد الملك بن أبي سوية، عن أبي سوية، عن أبيه؛ خليفة بن عبدة المنقري، قال: سألت محمد بن عدي بن سواءة بن جشم بن سعد: كيف سماك أبوك محمدًا؟ قال: أما إني قد سألت أبي عما سألتني عنه؛ فقال: خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع بن دارم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة بن كايبة بن حرقوص، وأسامة بن مالك بن جندب بن العنبر، نريد ابن جبلة الغساني، فلما قدمنا الشام نزلنا على غدير فيه شجيرات، وقربه قائم لديراني، فأشرف علينا وقال: إن هذه اللغة ما هي لأهل هذا البلد. قال: قلنا نعم، نحن قوم من مضر. فقال: من أي المضريين؟ قلنا: من خندف. فقال: أما إنه

стр. 50

سيبعث فيكم وشيكا نبي؛ فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا؛ فإنه خاتم النبيين، واسمه محمد. فلما انصرفنا من عند ابن جفنة وصرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام؛ فسماه محمدًا. ومن الناس من يجعل مكان: محمد بن يزيد بن عمرو؛ محمد بن أحيحة بن الجلاح، وهو أخو عبد المطلب لأمه، وكان هؤلاء لما علموا أنه ليس في الناس مسمى لمحمد، وبشرهم الديراني بالنبي، وخبرهم بقرب زمانه، سمى كل واحد منهم ابنه محمدًا، تأميلا أن يكون ابنه ذلك النبي المبعوث. فإن ادَّعَوا أنه قد سُمي بهذا الاسم عدة؛ وغير النفر الذي سموا به من أجله، فهذه الأنساب بيننا وبينهم، فإنها تجمع الأسماء، وهذه الأخبار والكتب المتقدمة، فليأتوا في شيء منها لمسمى به.

стр. 51

الفيل: ومن أعلامه قبل مبعثه أمر الفيل، وكان مولده في ذلك العام بإجماع الناس، وكان أمر الفيل أمرًا قريبًا مشهورًا، قد عاينه كثير ممن لحق مبعثه، ولحق وفاته، وعُمِّرَ بعد ذلك: كحكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وحسان بن ثابت، وكل هؤلاء عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، فأما من لحقه ومات قبل رسول الله أو بعده بمدة يسيرة؛ فأكثر من أن يبلغهم الإحصاء ويحوزهم العدد، وقالت الشعراء في ذلك عن عيان للأمر ومشاهدة، فمن ذلك قول نفيل بن حبيب؛ وهو جاهلي وكانت الحبشة أخذته في طريقها إلى مكة ليلتها، فاحتال في الهرب منها، وقال: أَلَا رُدِّي رَكَائِبَنَا رُدينَا … نَعِمْنَاكُمْ عَلَى الْهُجْرَانِ عَيْنَا

стр. 52

فَإِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ وَلَنْ تُرَيْهِ … لَدَى جَنْبِ الْمُحْصَبِ مَا رَأَيْنَا حَمِدْتُ اللهَ إِذْ عاينت طَيْرًا … وَحَصْبَ حِجَارَةٍ تُلْقَى عَلَيْنَا وَكُلُّهُمْ يُسَائِلُ عَنْ نُفَيْلٍ … كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا وقال طفيل وهو: جاهليٌّ: تَرْعَى مَذَانِبَ وَسْمِيٍّ أَطَاعَ لَهَا … بِالْجَرْعِ حَيْثُ عَصَى أَصْحَابَهُ الْفِيلُ وقال أبو الصلت أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ؛ وهو جاهليٌّ: إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَيِّنَاتٍ … مَا يُمَارِي فِيهِنَّ إِلَّا الْكَفُورُ حَبَسَ الْفِيلَ بالمغمس حتى … ظل يحبو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ وقال أَبْرَهَةُ ملك الحبشة: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ وقد بقي قوم ممن أصيب من السودان؛ حتى رأتهم عائشة قالت: «رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين، يستطعمان الناس».

стр. 53

وفي أمر الفيل إذ كانوا عاينوه، أنه بيّنة لمن كذب بالله، وأنه بيّنة لمن كذب بالرسل؛ لأنه لا يجوز في فِطر العقول أن يأتي طير من اليم، بحجارة من سجيل، تحملها بأرجلها ومناقيرها، حتى تهلك بها أمة من الأمم، إلا بتسخير وإرسال، فليدلونا على القادر على هذا الأمر العظيم، والتسخير لهذه الطير، وإذ كان لا يقدر على مثل هذه الأمة غيره جلّ وعزّ، لم يخف على أحد أنه فعل ذلك لنصرة قوم على أعدائهم، وأن النصرة كانت لمن ارتضاه، والهلكة كانت لمن سخط عليه، ولأنه لتلك النصرة وذلك الارتضاء من سبب. فما السبب الذي أوجبها في ذلك الوقت لقريش؛ وهي تعبد الأوثان، ومنها: زنادقة تقول: بالدهر، وقد حكى الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وثنوية، يقولون: بإلهين، بقول الله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]، ومنها من يعبد الملائكة، ويقول: هي بنات الله. وما السبب الذي أوجب السخطة والهلاكة للحبشة، وهي أهل كتاب؟ يدلك على ذلك؛ عبد المطلب يوم الفيل؛ حين دعا على الحبشة:

стр. 54

لَا هُمَّ إِنَّ الْمَرْءَ يَمْنَعُ رحْلَهُ … وَحَلَالَهُ فَامْنَعَ حَلَالَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُم وَمِحَالُهُم … غَدْوًا وَمَا جَمَعُوا مِحَالَكْ وأبرهة ملكهم يقول في ذلك اليوم حين رأى ما رأى: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبْ … وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ والفريقان متساويان في المعرفة بالله، والرغبة إليه والمخافة، وعواقب الظلم، وهم مع تلك المعرفة كفرة، إلا أن السودان أهل كتاب، وليس لقريش في ذلك الوقت كتاب، وهم مجمعون على النصرانية وقريش مختلفة، والسودان مندوب بالظلم لما جير على بيعتهم باليمن، فجاؤوا منتصرين، وقريش هم الجانون، فهل يخفى على ذي نظر ولب [١٤٠/أ] أن المراد بذلك محمد ﷺ ، وما أرهصه الله فيه وفي أمته المهتدين به، فإن قالوا إن أمر الفيل باطل موضوع ولم يك فيل ولا طير، وليس يذكر بينهم وجها لذا أعرضنا عن الأخبار السابقة من كل وجه، وعن الشعر القديم ورجعناهم إلى كتاب الله ودلالته، فإنه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: ١، ٢]، إلى آخر السورة يريد: (ألم تر كيف صنع ربك بهم)، والقصد بقول ألم تعلم: إلى المشركين؛ لا إلى النبي؛ لأن النبي ﷺ قد علم واهتدى واعتبر، والمشركون هم المحتاجون إلى العظة والتنبيه والتقرير، بما عاينوه وعلموه من قدرة الله ولطفه ونعمته عليهم، يدفع عدوه عنهم، أفيجوز عنده أن يخاطبهم النبي بكلام عن الله ! ويقررهم فيه بعلمهم شيئا، وهم لا يعلمونه، أفلا قالوا له: ما علمت ولا علمنا هذا الذي تذكر، ولا رأيناه ولا رآه آباؤنا؛ وارتد المسلم وأدبر عنه المقبل، واستبصر في أمره الشاك.

стр. 55

فإن قالوا فإنه؛ قد قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، والذين كفروا لم يروا ذلك ولم يعلموه؛ قلنا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يريد أهل الكتاب: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، أي: لم يعلموا ذلك مما أنزلناه عليهم في الكتب التي هي في أيديهم، ويعلم غيرهم بخبرهم عنه، والعلم يكون بالخبر كما يكون بالعيان. فإن قالوا: فإن الله دفع عن البيت ومنع منه؛ قلت: فمن الداعي إلى حجه وزيارته، وقضاء مناسكه، وتعظيم شعائره، مع إلهام كل الأمم من أقاصي الأرض حتى جاؤوا إليه مسرعين، كما قال: «شعثًا غبرًا». وكل آية في الحرم بيّنة؛ كالوحش التي تأمن فيه حتى تخرج مع السباع والكلاب، وتذعر منها إذا خرجت منه، وكالطير التي تسقط على سطوح المسجد وزمزم والسقاية، ولا تعرف سطح البيت، وكمقام إبراهيم ﵇ في الحجر، فهو عَلَم له ولآبائه؛ إذ كانوا هم المؤسسين لذلك، وبه عمّت الحكمة وبلغت الدعوة. أعلامه بعد وفاته ﷺ -: ومن أعلامه الظاهرة بعد وفاته؛ استسقاء عمر بالعباس عمه، فسُقوا حتى قلصوا المآزر، واعتلقوا الحذاء، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه، ويقولون: «هنيئًا لك ساقي الحرمين»، وهذا مشهور مذكور في الشعر، وبنو العباس يفخرون به، فيبدؤون فيه ويعيدون، ولا يجوز على مثله الكذب.

стр. 56

ومن أعلامه الظاهرة بعده؛ إخراجهم شهداء رطابًا يَتَثَنَّوْنَ، بعد خمسين سنة. حدثني محمد بن عبيد، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: أراد معاوية أن يجري العين التي حفرها، قال سفيان: تسمى عين أبي زياد، نادوا بالمدينة: من كان له قتيل فليأت قتيله، قال جابر: «فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا يتَثَنَّوْنَ، أصابت المسحاةُ رِجْلَ رَجُلٍ منهم فانفطرت دمًا»، فقال أبو سعيد الخدري: «لا ينكر بعد هذا منكر أبدًا». وهذا أمر صحيح قد رآه أهل المدينة، من جماعة أولئك الشهداء المحولين، [١٤١/أ] ولا يجوز أن يدعي جابر بالمدينة مثل هذا الأمر العظيم؛ وهم لم يروه ولم يعرفوه.

стр. 57

وكذلك قصة: طلحة بن عبيد الله حين رأته عائشة ابنته في المنام، فقال لها: يا بنية، حوليني من هذا المكان، فقد أضر بي الندى. فأخرجته بعد ثلاثين سنة أو نحوها؛ فحولته من ذلك النَّزْ، وهو طري لم يتغير منه شيء، فدفن في الهُجَرِيين بالبصرة، وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التيمي، سمعت إسحاق بن راهويه يذكره. ومن صحابته أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، غزا مع يزيد بن معاوية، ومات بالقسطنطينية فقُبر مع سور المدينة، وبُكِيَ عليه، وكانوا إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فأمطروا.

стр. 58

ومن التابعين سلمان بن ربيعة، قُتل ببلنجر في خلافة عثمان ﵁، فجعل أهل تلك الناحية عظامه في تابوت، فإذا احتبس عنهم القطر؛ أخرجوه، فاستسقوا به، فسقوا به. قال ابن جُمَانَةَ الباهلي: إِنَّ لَنَا قَبْرَيْنِ قَبْر بِلنْجَرِ … وَقَبْرًا بِأَعْلا الصِّينِ يَا لَكَ مِن قَبر فَهَذَا الَّذِي بِالصِّينِ عَمَّتْ فُتُوحُهُ … وَهَذَا الَّذِي بِالتُّرْكِ يُسْقَى بِهِ الْقَطْر فالقبر الذي بالصين قبر قتيبة بن مسلم، والذي بالترك قبر سلمان بن ربيعة الباهلي. ومن ذلك ما خلفه الله في صحابته من التمكين والنصر والعز، فإن العدو كان لا يثبت لهم عند اللقاء فواقًا.

стр. 59

وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لمن ورد عليه: «هل يثبت لكم العدو»، فإن قالوا: نعم. قال: «غَلَلتم». ولما قدمت منهزمة الروم على هرقل وهو بأنطاكية، قال لهم: «أخبروني ويلكم عن هؤلاء القوم الذين تقاتلونهم، أليسوا بشرًا مثلكم»، قالوا: بلى، قال: «فأنتم أكثر منهم أضعافا في كل موطن، فما بالكم تنهزمون كلما لقيتموهم»، فقال شيخ منهم: «من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم، ونأمر بما يسخط الله، وننهى عن ما يرضي الله، ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني». ومن أعلامه ﷺ القرآن: الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، أنزله الله عليه زمن الشعر والبلاغة والخطابة والبيان، وجعله علمه لمَا جعل علم كل نبي من أشبه الأمور بما في زمانه المنبعث فيه، فكان لموسى صلى الله عليه: فلق البحر، والعصا،

стр. 60

وتفجر الحجر في التيه بالماء، وأشباه ذلك زمن السحر، وكان لعيسى ﵇: إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وأشباه ذلك زمن الطب، وقد تحداهم عليه في موطن بعد موطن؛ على أن يأتوا بسورة من مثله، وتعتبر سورة، وقرأ عليهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، يريد استدلوا بعجزكم على صدقه، واتقوا النار التي وعدكم بها في الآخرة، وقد ادعوا القدرة على ذلك من غير أن يأتوا بشيء، وحكاه الله عنهم، فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣]. فلا أتوه بسورة من مثله؛ إن كان ما ادعوه من إمكان ذلك حقا، فخذَّلوا عنه الناس، وفرقوا الأتباع، وشتتوا الجموع، واستراحوا من الحرب المخرجة عن المال والديار، وكفوا أنفسهم بأيسر المؤونة. ومما يدل على استقرائهم القرآن، وتعجبهم من ألفاظه البارعة، ومعانيه اللطيفة، تشبيههم إياه بالسحر، يقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٧]. كما قال الأولون للمسيح حين أتاهم بالآيات المعجزة؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، هذا سحر مبين، ولهذا قال الله ليثبِّته: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].

стр. 61

والعرب تكني بالسحر: عما لطف ودق، واستميلت به القلوب، وبلغت به الحاجة، وعظم به الصغير، وصغر العظيم، ولذلك قالوا: «إن من البيان سحرا»، وقالوا: سحرني فلان بكلامه، أي: خدعني، وما فلان إلا ساحر، ولو كانوا يقدرون على مثله؛ ما شبهوه بالسحر، كالأطباء لو قدروا على مثل آيات المسيح، ما شبهوها بالسحر. وفي هذا من قولهم نقض لقولهم، لو شئنا لقلنا مثل هذا: إن هذا إلا أساطير الأولين، وقلنا من قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة وحظا من البيان، أن يصنعوا شيئًا يقرب منه، مثل سورته، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار: كسورة الكوثر، وسورة الفتح، وأشباهها، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه ولأن العجز إنما يظهر في التأليف والاتصال، فإذا قل التأليف وقعت الشبهة. ومن قيلهم: ماذا في هذا؟ المطبوعون من العرب التشبيه بالسور القصار، فقال مسيلمة: «ياضفدع نُقِّي، كم تَنُقين، لا الماء تُكدِّرين، ولا الشراب تمنعين»، فلمَّا سمع هذا أبو بكر ﵁، قال: «إنه لكلام لم يخرج من إِلّ».

стр. 62

وقال آخر: «ألم تر كيف فعل ربك بالحُبْلى، أخرج من بطنها نَسمَةً تسعى، من بين شراسيف وأحشى». وقال آخر: «الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وَثِيْل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل». وهذا الكلام مع قلة حروفه؛ من السخافة على ما لا خفاء به، على من لا يعلم فضلًا على من يعلم. فأين هؤلاء المعارضون لكتاب الله بالتمثيل والتشبيه؛ عن سورة النحل، وسورة الكهف، ثم هود وطه، ولم نخصص هذه بالذكر؛ لأنا رأيناها فوق غيرها من القرآن، ولا أن شيئًا دونها منه، ولكن أردنا أن نذكر منه شيئًا، فلم يكُ بعضه أحق بالذكر من بعض، وخطرت هذه سورة بالبال، ولقد قرأت يومًا على رجل من أهل الكتاب سورة بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، حتى بلغت:

стр. 63

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]، فاقشعرت شواته واصفر لونه ومال إلى الإسلام، وظننت بل لم أشك أن الذي أوقع ذلك في قلبه ما نويته، فإن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج عن اللسان لم يجاوز الآذان، ولا أدري بعد ذلك ما حال الرجل؛ أدخل في الإسلام؛ أم أقام على كفره. وقد طعن هؤلاء على القرآن، واتبعوا متشابهه بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر في اللغة مدخول، ونسبوا شيئًا منه بخيالهم إلى اللحن، وإلى التناقض، وإلى الاستحالة، وإلى سوء النظم، وقد قابلت ذلك بالاحتجاج عليهم فيه، وتبيين المخارج منه في كتابي المؤلف في: «تأويل المشكل من القرآن»، وكتابي: «المنسوب إلى المسائل»، وطال أن أعيد ذلك في هذا الكتاب، ورأيته يخرجه عن فنه، فاقتصرت من جملته على حروف يسيرة معدودة، تدلك على غلطهم، وسوء أفهامهم، وكرهت أن ينطوي ذلك كله عنك؛ فيتعلق قلبك؛ إلى أن يتيسر لك النظر في ذينك الكتابين. وكلام العرب وحي وإيماء وإيجاز، فمنه محذوف للاختصار، ومزيد فيه للتوكيد، ومكرر للإفهام، ومستعار ومقلوب، وعام يراد به خاص، وخاص يراد به عام، وواحد يراد به جميع، وجميع يراد به واحد واثنان، ودعاء لا يراد به الوقوع، وجزاء عن الفعل بمثل لفظه؛ والمعنيان مختلفان، وماض من الفعل؛ يكون لمستقبل الزمان، ومستقبل يكون لماضي الزمان، ومفعول على لفظ الفاعل، وفاعل على لفظ المفعول، ولفظان مختلفان والمعنى واحد، ولفظان متفقان ومعناهما مختلف، ولفظان متقاربان ومعناهما مختلف.

стр. 64

ولفظ مستفهم به وهو تقرير، ولفظ مستفهم به وهو تعجب، ولفظ مستفهم به وهو توبيخ، ولفظ خرج على مذهب الأمر وهو نهي، ولفظ خرج على لفظ الأمر وهو تهديد، ولفظ خرج على لفظ الخبر وهو دعاء، مع أشياء كثيرة يطول تعدادها، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم أن ينقله إلى شيء من الألسنة؛ كما نُقلت كتب الله المتقدمة، فمن تعقبه بالنظر من غير معرفة بما خص الله به هذه اللغة، توهم مثل الذي توهمه هؤلاء الطاعنون، وسأمثّل لذلك مثلا: أقوله على ما أعلمتك حتى تقدر إن شاء الله، وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]، فالناظر في هذا بغير علم؛ يمثله بقول القائل: يا أيها الرجل كل هذا الطعام؛ وإن لم تفعل ما أكلته، وليس في هذا الكلام على هذا الوجه فائدة، وإنما أراد : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، مجاهرًا غير خائف أحدًا؛ وإن لم تفعل ذلك فما بلغت رسالته، فأضمر مجاهرًا به غير خائف، لأن في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، دليلًا على ذلك وهذا من المحذوف الذي يدل على ظاهر الكلام عليه. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول أما في قوله: ﴿قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾، ما أغنى عن قوله: ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾، لأن النساء يدخلن في القوم، يقال: هؤلاء قوم فلان، للرجال والنساء من عشيرته، والقوم للرجال دون النساء، ثم يجاء لعلمهم النساء، فيقال: هؤلاء قوم فلان، ولا يجوز أن يقال لنساء تعين هؤلاء قوم فلان، ولكن يقال: من قومه رجال والنساء منهم، وإنما سمي الرجال دون النساء قومًا؛ لأنهم يقومون بهذا الأمر مع الرجال، ويعينوهم به عند الشدائد ويتصرفون، وواحدهم

стр. 65

قائم، كما يقال: زائد وزويد، وصائم وصوم، ونائم ونوم، ومثله قولهم لقوم الرجل: نفرة جمع نافر؛ لأنهم ينفرون معه إذا استفزهم، قال امرؤ القيس يذكر راميًا: فَهْوَ لَا تَنْمي رَمِيّتُهُ … مَا لَهُ لَا عُدَّ مِن نَفَرهْ يقول: إذا عد قومه لم يعد معهم، أي: أماته الله، قتله الله، هذا وأشباهه مما خرج مخرج الدعاء، ولا يراد به الوقوع. ومما يدلك على أن القوم هم: الرجال قول زهير: وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخالُ أَدْرِي … أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ يريد: أرجال هم أم نساء. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، والناظر في هذا بغير علم؛ يقول: كيف تكون العيون في غطاء عن الذكر؛ وإنما تكون الأسماع في غطاء عن الذكر؛ وإنما أراد الله: عيون القلوب. يدلك على ذلك قول الناس: عمي قلب فلان، وفلان أعمى القلب؛ إذا كان لا يفهم، والله جل ثناؤه يقول: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، يريد: أن عمى العيون لا يضر في الدين؛ ما لم يكن ضارًّا في الدين، ولا مانعًا من الاهتداء، لم يكن عمى، ولما كان عمى القلب ضارًّا في الدين، مانعًا من الاهتداء؛ كان عمى، ولما جاز أن يقال عمي قلبه؛ جاز أن يجعل للقلب عين، إذا كان العمى في العين.

стр. 66

ومثل هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والأكنة: الأغطية، وهذا شيء مثّلته لك؛ لأعرفك من الوجوه التي تقع بهذا الغلط، فأما الأشياء التي طُعِن بها على القرآن، فسأذكر منها عشرة أحرف، أبيّن مجازها لتعرفها، وتقضي على ما تركت بمثل الذي أوجدتك فيما ذكرت، وأسأل الله إرشادنا وإياك. حرف في سورة الحجر وأشباه له في القرآن: قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٨٩ - ٩١]، ما معنى (كما) هاهنا، وكما تأتي لتشبيه شيء بشيء، ولم يتعلق في أول الكلام ما تشبه به ما تأخر منه، قالوا: وكذلك قوله في سورة الأنفال، وذكر المؤمنين: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٤، ٥]، وما الذي يشبه الكلام الأول؛ من إخراج الله إياه. قالوا: وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠، ١٥١]. الجواب: أما قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٨٩، ٩٠]، فإن فيه محذوفًا؛ يدل ظاهر الكلام عليه، كأنه قال: أنا النذير المبين، عقوبة أو عذابًا، مثل ما أنزلنا على المقتسمين فحَذَفَ العقوبة أو العذاب؛ إذ كان الإنذار يدل عليه، كما قال في موضع آخر: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]،

стр. 67

ولو أراد مريد أن يمثل هذا بذاك؛ لقال: أنا النذير المبين. كما أنزلنا على عاد وثمود، يريد: أنا النذير المبين من صاعقة؛ كما أنزلنا على عاد وثمود، ومثل هذا من المحذوف في كلام العرب أكثر من أن يحاط به. وأما قوله في سورة الأنفال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال، وحاجوا النبي وجادلوه، وكره كثير منهم ما كان من فعل رسول الله في النفل، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، يجعلها لمن يشاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، أي: فرقوها بينكم على السواء: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١]، فيما بعد: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]، ووصف المؤمنين، ثم قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يريد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم، لكراهتهم للخروج معك، كأنه قال هذا من كراهتهم: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، وإياهم وهم كارهون. وأمَّا قوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾، فإنه أراد: ولأتم نعمتي عليكم، كإرسالي فيكم رسولًا أنعمته عليكم، أو كإنعامي عليكم برسول أرسله يبيّن لكم. حرف في الطور: قالوا عن قول الله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الطور: ٤٠، ٤١]، ما الكتاب من علم الغيب، وقريش كانوا أميين فكيف جعلهم يكتبون؟

стр. 68

وليس الكتاب ما ذهبوا إليه من عمل اليد؛ وإنما الكتاب هاهنا: الحكم. أي: أعندهم علم الغيب فهم يحكمون؟ فيقولون: سنقهرك ونطردك وتكون العاقبة لنا عليك، هذا وأشباهه، ومثله قول الجعدي: وَمَالَ الْوَلَاءُ بِالبَلَاءِ فَمِلْتُمْ … وَمَا ذَاكَ قَالَ اللهُ إِذْ هُوَ يَكْتُبُ يريد: ما أوجد الله ذاك إذ هو يحكم، ومثله قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، أي: حكمنا وفرضنا، وكذلك قوله: كتاب الله عليكم، [١٤٦/أ] أي: فرض عليكم، وكذلك قول النبي للمتحاكمين إليه، وقالا له: اقض بيننا بكتاب الله: «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله»، ثم قضى بالرجم والتغريب. وليس لهما في القرآن ذكر، أراد: لأقضينَّ بينكما بحكم الله. حرف في الحديد: وقالوا في قول الله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، كيف أعجب هذا الزرع الكافرين دون المؤمنين، والزرع الحسن قد يعجب الكافرين والمؤمنين، ولا ينقص المؤمنين إن أعجبهم، ولم يرد بالكفار ما ذهبوا إليه، وإنما أراد بالكفار الزراع، واحدهم

стр. 69

كافر، وسمي كافرًا؛ لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي: غطاه، وكل شيء غطيته؛ فقد كفرته، ومنه قيل: الليل كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شيء، قال الشاعر: ................................. … فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا أي: غطاها هذا مثل قوله، في موضع آخر: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]. حرف في سورة مريم: وقالوا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبًا أو كفل للود إذا أحبك؛ ولم يرد ما ذهبوا إليه؛ وإنما أراد أنه: يجعل لهم في قلوب العباد ودًا ومحبة، وأنت ترى المخلص المجتهد محببًا إلى البر والفاجر، مهيبًا مذكورًا بالجميل، ونحوه قوله في موسى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، لم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه؛ وإنما أراد أنه حبّبه إلى القلوب حتى استحياه فرعون، في السنة التي كان يقتل فيها الولدان ونحوه. ونحوه قول عبيد بن عمير للإيمان: «هَيُوب»، يريد: أنه مهيب، فجاء بفعول

стр. 70

في موضع مفعول، كما يقال: ركوب القوم لما يركبون، وحلوب القوم لما يحلبون، أي: محلوبهم ومركوبهم. حرف في الأنعام: قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، هو في التوراة وجميع الكتب المتقدمة، وروايات النُّسَّاب: تارح، فكيف سُمي في القرآن: آزر، ونحن نعلم أن اسمه في التوراة تارح، ولا يعلم صفة اسمه في غيرها من الكتب، فلا يبعد أن يكون أيضًا تارح، والرجل قد يكون له اسمان، ويكون له الكنيتان، ويكون له الاسم والوصف، فيُدعَى بالوصف إذا غلب عليه، ويترك الاسم. هذا إدريس صلى الله عليه اسمه في التوراة خَنُوخ، ويعقوب اسمه إسرائيل، وعيسى يدعى المسيح، وقال رسول الله: «خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحي والعاقب والحاشر». وقد يكون للرجل الكنيتان كما كان له اسمان؛ حمزة بن عبد المطلب يكنى: أبا يعلى

стр. 71

وأبا عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب يكنى: أبا لهب وأبا عتبة، وصخر بن حرب أبو معاوية يكنى: أبا سفيان وأبا حنظلة، وعثمان بن عفان ﵁ يكنى: أبا عبد الله وأبا عمرو وأبا ليلى، فما يُنكر أن يكون لأبي إبراهيم اسمان؛ بأيهما دعوته به كنت صادقًا أو اسم وصفة، فتدعوه بالصفة تارة، وبالاسم تارة، كما قلت في عيسى والمسيح، وخنوخ وإدريس، وإسرائيل ويعقوب، وقد كان بعض القراء يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾، برفع آزر على نية النداء؛ كأنه قال: يا آزرُ أتتخذ أصناما آلهة، وعلى هذه القراءة يجوز أن يكون دعاهُ لصفةٍ، كأنه قال: يا ضعيف أو يا جاهل، وما أشبه هذا إن كان ذَمَّهُ، وقد سَمى المسيحُ نفسه: (حمل الله)، وسمي شمعون: (الحجر)، وسمى أمته: (النعاج).

стр. 72

حرف في براءة: [١٤٧/ب] وقالوا في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وليس يقول هذا أحد من اليهود، وإنما هو قول النصارى في المسيح، وقد صدقوا في قولهم أنه ليس أحد من اليهود اليوم، وإنما هو قول متقدم لصنف من اليهود، وكان بُخْتَنَصر أخرب بيت المقدس، ونفى بني إسرائيل، وسبى ذراريهم، وخرق التوراة، حتى لم يبق لهم رسم، وكان في أساراه دانيال وعزيز، فأما دانيال فعبّر له رؤياه، ونزل منه بأحسن المنازل، وأما عزيز فإنه أقام لهم التوراة بعينها، حتى عاد إلى الشام فعرفوها، فقالت طائفة من اليهود: هو ابن الله، ولم يقل ذلك كل اليهود، وهذا خصوص خرج مخرج العموم، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ولم يقل ذلك كل الناس، وكما قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، ولم يرد كل الشعراء بذلك؛ لأنه استثنى منهم المؤمنين.

стр. 73

حرف في سورة مريم: قالوا في قول الله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يكن لها أخ يقال له: هارون، ونحن نقول: أنه لم يرد بها أخوة النسب؛ وإنما أراد: يا شبه هارون، يا مثل هارون في الصلاح، وكان في بني إسرائيل رجل صالح يسمى: هارون، وقد يقول الرجل للرجل: يا أخي. لا يريد به أخوة النسب؛ وإنما يريد أخوة الصداقة أو أخوة الدين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقد آخى رسول الله بين أصحابه، وقد يقول الرجل هذا الشيء؛ أخو هذا، إذا كان له مشاكلًا وشبيهًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]، يريد من الآية الأولى للتي تشبهها. حرف في الصافات: قالوا في قول الله تعالى، وذكر يونس: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥]، وفي قوله في موضع آخر: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]، وهذا خلاف الأول؛ لأنه ذكر في الكلام الأول: أنه نُبِذَ بالعراء وهو سقيم، وقال في الكلام الثاني: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، وهذا يدل على أنه لم يُنْبَذ بالعراء، وليس الأمر كما توهموا، ولا بين الكلامين اختلاف كما ذكروا؛ لأنه أراد لولا أن تبنا عليه ورحمناه، حين نبذناه بالعراء مذمومًا، أي: على حاله الأولى، ثم تِيْبَ عليه. ويدلك على ذلك قوله بعد: ﴿مَذْمُومٌ﴾، ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]، أي: تاب عليه.

стр. 74

حرف في سورة الفتح: قالوا في قول الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، الاستثناء بإن يدلك على الشك، والله لا يشك و ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾، تحقيق؛ فكيف شك بعد تحقيق من الله، والقول في هذا أنَّ (إنْ) تقام مقام إذ في كثير من المواضع، كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]، يريد إذ كنتم مؤمنين، فكأنه قال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله دخولكم إياه آمنين. ومثله قول رسول الله عن أهل القبور: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لا يجوز أن يكون شك في لحوقه بهم، وإنما أراد نحن إذا شاء الله بكم لاحقون. حرف في سورة الكهف: [١٤٨/ب] قالوا في قول الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، فأنبأنا كم كان مدة لبثهم؟ ثم قال: ﴿أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقد علمنا ذلك مما أعلمناه. والقول في هذا أنهم اختلفوا في مدة لبثهم في الكهف، كما اختلفوا في عدتهم، فأعلمنا الله تعالى أنهم لبثوا ثلاثمائة، فقالوا: سنين أو

стр. 75

شهورًا أو أيامًا، فأنزل الله: ﴿سِنِينَ﴾، ولذلك بين ما بعد ثلاثمائة، ثم قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين. فهذا جملة من مطاعن الملحدين على كتاب الله، ووراءها من المطاعن أشياء كثيرة، عَيَوا عن مخارجها ومعانيها بقصور العلم، وسوء النظر والجهل بلطائف اللغة، فإن آثرت أن تنهي ذلك مجموعًا كبيرًا التمسته في الكتابين اللذين قدمت ذكرهما. أعلام النبي ﷺ من أخبار القرآن: من ذلك قوله تعالى في سورة: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وهي مكية. ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، يعني: المشركين يوم بدر، فهزمهم الله يوم بدر، بعدما كانوا بالسلاح والمال والرجال الأبطال، وكانت عدتهم ما بين تسعمائة إلى ألف، وعدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، يعتقب العدة منهم البعير الواحد ولا فرس معهم يومئذ؛ إلا فرس للمقداد وفرس للزبير. وأمكن من صناديدهم وكُماتهم، فقُتل منهم خمسون رجلًا، وأُسر نحو ذلك، ورجعوا خائفين منكوبين، وكان أراهم مصارع القوم قبل اللقاء، وقال: «كأنكم يا أعداء الله بهذه الضِّلعِ الحمراءِ مُقَتَّلين».
следующие страницы →