Полный текст (116 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
أعلام رسول الله المنزلة على رسله صلى الله عليهم في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن وغير ذلك ودلائل نبوته من البراهين النيِّرَة والدلائل الواضحة
تأليف أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري- رحمة الله عليه ورضوانه.
رواية أبي الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، المعروف: بابن المعدل الحريري، عن الآجري، عن ابن بُكَيْر التميمي، عن المصنف.
[و] رواية الشيخ أبي الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفي- أيده الله بسره- … .
بسماعه … من حمد بن علي بن أبي … الحبال …
سماع: لمحمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن عبد الله بن طوق- نفعه الله به- رواية الشيخ أبي ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم بن بندار، عن أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن بن قشيش، عن الآجري.
стр. 2
سماع: الشيخ الجليل العالم أبي الكرم المبارك بن الحسن بن أحمد الشهرزوري، نفعه الله به.
سمع جميع هذا الكتاب على الشيخ الأجل العالم الأوحد السيد أبي الكرم المبارك بن الحسن بن الشهرزوري، وسماعه فيه من الشيخ أبي ياسر أخي ثابت، بإسناده المذكور إلى أبي … ، الرئيس الأجل أبو منصور مسعود بن عبد الواحد بن محمد بن الحصين بن المقير، إبراهيم الخباز، وأبو منصور محمد بن مسعود بن محمد بن الحسين الخياط، وأبو بكر محمد … ، وأبو زكريا يحيى بن معالي بن صدقة بن عمروني العاقولي، وإبراهيم … ، وتميم بن سليمان بن معالي العبادي، وأبو المعالي نصر الله بن سلامة بن سالم الهيتي، .... وذلك بقراءة أحمد بن صالح بن شافع بن صالح … الجيلي، وسمع .... ، وسمع من البلاغ الأول إلى ....
أخبرنا الشيخ أبي ياسر أحمد بن بندار بن إبراهيم بن بندار، قراءةً عليه في دار … ، وأنا حاضر أسمع منه، قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن قشيش، في شهر ربيع الآخر من سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.
سمعه جميع وبعضه توالي، وسمع المجلس الأول والثالث …
стр. 3
المجلس الثالث: الشيخ أبو عبد الله الخير محمد النبهاني، وأبو منصور أحمد بن محمد بن يحيى، وأبو صالح المبارك علي بن أحمد … .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصَّيْرَفِيّ، قراءةً عليه فأقَرَّ به، قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر، المعروف: بابن المعدل الحريري، قراءةً عليه فأقرَّ به في جامع المنصور، قال: أخبرنا
стр. 4
أبو حفص عمر بن أحمد بن هارون المقرئ الآجُرِّيُّ، قراءةً عليه في الحرم سنة تسعة وسبعين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن بُكَيْر التميمي، قال: قال لنا أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمة الله عليه:
الحمد لله، بارئ الخلق، وقاسم الرزق، المبتلي بالنعم، والموفق للشكر، الذي أسكن قلوبنا معرفَتَه، وعمَّرَها بخشيته، وأثبتها بذكره، والرجاء لوعده، وهدانا لنوره المستبين، وصراطه المستقيم، وعدل بنا عن سبل الخائنين.
وإياه أسأل- أولًا وآخرًا- أن يصلِّي على محمد سيد المرسلين وخاتم النبيين، وعلى جميع أنبيائه الكاملين، وأن يثبت قلوبنا على ما أهداها به من معرفته، والإخلاص بتوحيده، ويختم لنا بما ختم به للمستغفرين من المؤمنين.
أما بعد: فإنك كتبت تشكو ما فشا بناحيتك من هذه الشكوك، وفساد القلوب بقوم من الملحدين، طعنوا على الكتاب وعلى الرسول، ومالوا إلى قومٍ من ضعفة المسلمين وقُسّامهم وأحداثهم بالتلبس والتمويه، حتى أثروا في القلوب وقدحوا في البصائر، وتسأل أن أكتب إليك كتابا أُبَيِّنُ فيه أعلام رسول الله الباهرة، ودلائله الظاهرة، من كتب الله المتقدمة الموجودة في أيدي أهل الكتاب ومن القرآن، وأن أُعرض عن ما جاء
стр. 5
في الحديث من ذلك: «كشكوى البعير»، و «كلام الذئب»، و «مشي الشجرة»،
стр. 6
و «تفجر الماء من بين أصابعه»، وأشباه هذا إذ كان أكثر هذه الأحاديث لا نَقَلَةَ لها من الثقات.
وإذا كان التابعون أيضًا يعارضونها بالتكذيب، ويدعون عليها الصنعة، وأنها لو كانت صحاحًا لذُكِرَت في القرآن كما ذُكِرت آيات موسى في التوراة والفرقان، وآيات المسيح في الإنجيل والقرآن، وقالوا قد أراده المشركون على أن يرقى في السماء ويأتيهم بكتاب، وعلى أن يفجر لهم الأرض ينبوعًا، وعلى أن يسقط عليهم السماء كسفا،
стр. 7
فلم يك عنده إلَّا القرآن والعجز عن ذلك، وقال: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
وقالوا؛ والله يقول: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩].
وفي هذا دليل على أنه لم تأته آية كآيات من تقدمه من المرسلين.
وقد رأيتك تشكو ما فشا بناحيتك ما هو فاش بكل ناحية وظاهر بكل بلدة، وقد قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».
جعلنا الله وإياك منهم، وحشرنا في زمرتهم، ولا سلبنا ما أودعنا من الإيمان به والتصديق لرسله، فإن نواصينا في قبضته، وقلوبنا بيده يقلبها كيف يشاء.
قال الله حكاية عن خليله صلى الله عليه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
وحكى عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
стр. 8
وقال رسول الله ﷺ في دعائه: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».
وإذا كان أصفياء الله من خلقه على قلوبهم خائفين، ومن زيغها غير آمنين، فكيف يأمن المستحقون العقوبة من المذنبين.
стр. 9
وقد شكرت لك رحمك الله ما نزلت عليه لِما أمَّلتَ في تكلف ذلك من ثواب الله، وجزيل جزائه، ورأيت ابتغائي لما سألت، وإن كنتَ قد ضيقت من الطريق رحبا، وحجرت واسعا، وشرطت من ذلك ذكر الأخبار ما كنت حقيقًا بأشراط ذكره؛ ليكون الكتاب مطابقا للفن الذي قصدت له، لا سيما إذ كان علينا العناء ولك الهناء، وعلينا النصب ولك الفائدة.
وسأقول في ذلك ما يجوز، وأذكر من الأخبار ما كان له شاهد من الكتب والإجماع، مبلغ العلم ومقدار الطاقة، لعل الله يثني به صادقا، ويرد إلى الحق زائغًا، ويزيد المؤمن بصيرة، ويكتب لنا ما نويناه في ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأبدأ بذكر أعلام نبينا الموجودة في كتب الله المتقدمة؛ لأنها حجتنا على أهل الكتاب من كتبهم وعلى الملحدين، إذ كان يستحيل عندهم أن يخبر موسى بخبر عيسى وعيسى بخبر محمد، وإذا صح أن ذاكم كان لم يكن إلا عن عَلَّامِ الغيوب كتبوه ودُسَّ.
أعلام رسول الله في التوراة:
من ذلك قول الله تعالى في السفر الأول لإبراهيم: «قد أجبت دعاك في إسماعيل، وباركتُ عليه وكثرته وعظّمته جدًّا جدًّا، وسيلد اثنا عشر عظيمًا، وأجعلهُ لأمة عظيمًا».
стр. 10
ثم أخبر موسى بمثل ذلك في هذا السفر، وزاد شيئًا، قال: «لمَّا هربت هاجر من سارة، تراءى لها ملك الله، وقال: يا هاجر أمة سارة، ارجعي إلى سيدتك واخضعي لها، فإني سأكثر ذريتك وزرعك؛ حتى لا يُحصوا كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين ابنا، وتسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع خشوعك، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع».
فتدبَّر هذا القول فإن فيه دليلًا بيِّنًا على أن المراد به رسول الله ﷺ . لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق، ولا كانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع، وكيف يكون ذلك والنبوة والملك في بني إسرائيل والعيص، وهما أبناء إسحاق، فلما بُعث رسول الله انتقلت النبوة إلى ولد إسماعيل، فدانت له الملوك وخضعت له الأمم، ونَسخ الله به كل شرعة، وختم به النبيين، وجعل الخلافة والملك في أهل بيته إلى آخر الزمان، فصارت أيديهم فوق أيدي الجميع، وأيدي الجميع بالرغبة إليهم مبسوطة بالخصوع.
стр. 11
ومن أعلامه في التوراة:
قال: «جاء الله من سينا، وأشرف من ساعير، واستعلن من جبال فاران».
وليس بهذا خفاء على من تدبره ولا غموض؛ لأن مجيء الله من سيناء وإنزاله التوراة [على موسى بطور سيناء]، هكذا هو عند أهل الكتاب؛ وعندنا، وكذلك يجب أن يكون، وإشراقه من ساعير إنزاله على المسيح للإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تُدعى: ناصرة وباسمها سُمي من تبعه: نصارى.
وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير، فالمسيح كذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران، بإنزاله القرآن على محمد من جبال فاران، وهي: جبال مكة. وليس بين المسلمين وأهل الكتاب؛ اختلاف في أن فاران هي: مكة. فإن ادَّعَوا أنها غيرُ مكة، وليس بُدٌّ من تحريفهم وإفكهم. قلنا: ليسَ في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أُنزل عليه كتابٌ بعد المسيح، أو ليس استعلن وعلن بمعنى واحد! وهو ما ظهر وانكشف، فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فُشُوَّهُ؟
стр. 12
ومن أعلامه في التوراة:
قال الله سبحانه في التوراة لموسى في السفر الخامس: «إني أقيم لبني إسرائيل نبيًّا من إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي على فمه».
стр. 13
فَمَنْ أُخْوَةُ بني إسرائيل؟ إلا بَنو إسماعيل، كما نقول: بكر وتغلب ابنا وائل، ثم نقول: تغلب أخوة، وبنو تغلب إخوة بني بكر، يرجع في ذلك إلى إخوة الأولين. [١٢٩/أ]
فإن قالوا: إن هذا النبي الذي وعد الله موسى أن ينبئه لهم؛ هو أيضًا من بني إسرائيل، لأن بني إسرائيل أخوة بني إسرائيل، أكذبتم التوراة، وأكذبتم النظر؛ لأن في التوراة: «إنه لم تقم في بني إسرائيل نبي مثل موسى».
وأما النظر؛ فإنه لو أراد إني أقيم لهم نبيا من بني إسرائيل مثل موسى، لقال: «أقيم لهم من أنفسهم مثل موسى» ولم يقل: «من إخوتهم» كما أن رجلًا لو قال لرسول: «ائتيني برجل من إخوة بني بكر بن وائل» كان يجب أن يأتيه برجل من بني تغلب بن وائل، ولا يجب أن يأتيه برجل من بني بكر.
ومن قول حبقوق النبي في زمن دانيال:
قال حبقوق: «جاء الله- من التيمن والتقديس- من جبال فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، ومَلك الأرض بيمينه ورقاب الأمم».
стр. 14
وقال أيضًا: «تُضيء لنوره الأرض، وتحمل خيله في البحر».
وزادني بعض أهل الكتاب، أنه قيل في كلام حبقوق: «وسينزع في قِسِيَّك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء»، وهذا إفصاح باسمه وصفاته. فإن ادَّعَوا أنه غير نبينا وليس ذلك ينكر من جحدهم وتحريفهم؛ فمن أحمد الذي امتلأت الأرض من تحميده، والذي جاء من جبال فاران، فملك الأرضَ ورقاب الأمم؟!
ومن ذكر شعيا له:
قال شعيا عن الله: «عبدي الذي سرت به نفسي».
وترجمه آخر قال: «عبدي خيرتي، رضا نفسي أفيض عليه روحي».
وترجمه آخر، فقال: «أُنزل عليه وحي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصي الأمم بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع صوته في الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصم، ويحيي القلوب الغُلف، وما أعطيه لا أعطي غيره، أحمد يحمد الله حمدًا
стр. 15
حديثًا، يأتي من أقصى الأرض، يفرح البرية وسكانها، ويهللون الله على كل شرف، ويكبر فيه على كل رابية».
وزاد آخر في الترجمة: «لا يضعف ولا يغلب ولا يميل إلى اللهو، ولا يُسمع في [١٢٩/ب] الأسواق صوته، ولا يذل الصالحين الذين هم كالقصبة الضعيفة؛ على تقوى الصديقين، وهو ركن للمتواضعين، وهو نور الله الذي لا يطفأ ولا يخصم، حتى تثبت في الأرض حجتي ويقطع به العذر، وإلى توراته تنقاد الجن».
وهذا إفصاحٌ باسمه وبصفاته؛ فإن قالوا أي توراة له قلنا: أراد أنه يأتي بكتاب يقوم مقام التوراة لكم.
ومثل هذا حديث كهمس، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن كعب قال: «شكا بيت المقدس إلى الله الخراب، فقيل له: لأبدلنك توراة محدثة، وعمالًا محدثين، يزفون بالليل زفيف النسور، وينتحبون عليك كما تحن الحمامة على بيضها، ويملؤونك لي خدودًا سجودًا».
стр. 16
ومن ذكر شعيا له:
قال: «أنا الله عظّمتك بالحق، وأيدتك وجعلتك نورا للأمم، وعهدا للشعوب، تفتح أعين العميان، وتنقذ الأسرى من الظلمات إلى النور».
وقال في الفصل الخامس: «إليا؛ آية سلطانه على كتفه»، يريد: علامة نبوته على كتفه- هذا في التفسير من السرياني، وأما في العبراني فإنه يقول: «إن على كتفه علامة النبوة».
ومن ذكر داود له في الزبور:
«وفي الزبور سبحوا الرب تسبيحًا حديثًا، سبحوا الذي هيكله الصالحون، ليفرح إسرائيل بخالقه، وبيوت صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدد الصالحين منهم بالكرامة، يسبحون على مضاجعهم، ويكبرون الله بأصوات مرتفعة،
стр. 17
بأيديهم سيوف ذوات شفرتين؛ لينتقموا لله من الأمم الذين لا يعبدونه، يوثقون ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال».
فمن هذه الأمة التي سيوفها ذات شفرتين غير العرب؟ ومن المنتقم هنا من الأمم الذين لا يعبدونه؟ ومن المبعوث بالسيف من الأنبياء غير نبينا؟
وفي مزمور آخر:
«تقلد أيها الجبار بالسيف، وإنَّ ناموسًا وسرًّا معك، تقرونه لهيبته تميل، وسهامك مسنونة، والأمم يخرون تحتك».
فمن متقلد السيف من الأنبياء غير نبينا؟ ومن خرَّت الأمم تحته غيره؟ ومن قُرنت شرائعه بالهيبة؟ فإما القبول وإما الجزية، وإما السيف ونحوه قوله: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ».
стр. 18
وفي مزمور آخر:
«إن الله أظهر من صهيون إكليلًا محمودًا»، ضرب الإكليل مثلًا للرئاسة والإمامة، و (محمودًا) هو محمد ﷺ .
وفي مزمور آخر من صفته:
«أنه يجوز من البحر إلى البحر، ومن لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وأنه تخر أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، ويلحس أعداؤه التراب، تأتيه الملوك بالقرابين وتسجد له، وتدين له الملوك بالطاعة والانقياد، لأنه يخلص المضطهد البائس ممن هو أقوى منه، وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له، ويرأف بالضعفاء والمساكين، وأنه يعطي من ذهب من بلاد سبأ، ويُصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره إلى الأبد».
стр. 19
فمن هذا الذي مَلَكَ ما بين البحر والبحر، وما بين دجلة والفرات إلى منقطع الأرض؟ ومن ذا الذي يُصلى عليه، ويبارك في كل وقت من الأنبياء؛ غير نبينا؟
وفي موضع آخر:
«قال داود: اللهم ابعث جاعل السنة حتى يُعلم الناس أنه بشر».
وهذا إخبار عن المسيح وعن محمد ﵉ قبلهما بأحقاب، يريد: ابعث محمدًا؛ حتى يعلّم الناس أن المسيح بشر، لعِلم داود أن قومًا سيدّعون المسيح ما ادّعوا.
وفي شعيا:
«قيل لي: قم نظارًا فانظر فإذا ترى تخبّر به، قلت: أرى راكبين مقبلين أحدهما على حمار والآخر على جمل، يقول أحدهما لصاحبه: سقطت بابل وأصنامه المنَجَّرةْ».
стр. 20
وصاحب الحمار عندنا وعند النصارى هو: المسيح، وإذا كان صاحب الحمار المسيح! فلم لا يكون محمد صاحب الجمل؟ أوليس سقوط بابل والأصنام المنَجَّرَةْ به وعلى يديه، لا بالمسيح؟ ولم يزل في إقليم بابل ملوك يعبدون الأوثان من لدن إبراهيم ﵇؟ أوليس هو بركوب الجمل أشهر من المسيح بركوب الحمار؟
ذكر المسيح للنبي في الإنجيل:
«قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم البارقليط، روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد عليّ وأنتم تشهدون، لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعدّه الله لكم يخبركم به».
وفي حكاية يوحنا عن المسيح:
أنه قال: «البارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، فإذا جاء وبَّخ العالم على الخطيئة،
стр. 21
ولا يقول من تلقاء نفسه شيئًا، ولكنه مما يسمع به يكلمكم ويسوسكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب».
وفي حكاية أخرى:
«إن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي باسمي، هو يعلمكم كل شيء، وقال: إني سائل أبي أن يبعث إليكم بارقليط آخر، يكون معكم إلى الأبد، وهو يعلمكم كل شيء».
وفي حكاية أخرى:
«ابن البشر ذاهب والبارقليط من بعده، يجني لكم الأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإنّي أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل».
وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة، وإنما اختلفت لأن من نقل الإنجيل عن المسيح من الحواريين عدة، والبارقليط هو بلغتهم: لفظ من الحمد، إما أحمد، وإما محمود، وإما محمد، وما أشبه ذلك.
стр. 22
وهو في الإنجيل الحبشي، أو الرومي: «بن نعطيس»، فمن هذا الذي هو روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه؟ ومن العاقب للمسيح، والشاهد له بأنه قد بلَّغ؟
ومن الذي أخبر بالحوادث في الأزمنة مثل: «خروج الدجال»، و «ظهور الدابة»،
стр. 23
و «طلوع الشمس من مغربها»، وأشباه هذا؟ وبالغيوب من أمر القيامة والحساب، والجنة والنار، وأشباه ذلك، مما لم يُذكر في التوراة والإنجيل والزبور؛ غير [١٣١/أ] نبينا محمد.
وفي إنجيل متى:
«أنه لمَّا حُبس يحيى بن زكريا ليُقتل، بعث بتلاميذه إلى المسيح، وقال لهم: قولوا له: أنت هو الآتي، أو نتوقع غيرك؟ فأجابه المسيح، وقال: الحق اليقين أقول لكم، أنه لم تقم النساء عن أفضل من يحيى بن زكريا، وأن التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضها بعضًا، بالنّبُوّة والوحي حتى جاء يحيى، فأما الآن فإن شئتم فاقبلوا أن إليا هو مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع».
стр. 24
وليس يخلوا هذا الاسم من إحدى خلال: إما أن يكون قال: إن أحمد مزمع أن يأتي، فغيروا الاسم؛ كما قال الله : ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وجعلوه إلياهو، وإما أن يكون قال: إن إيل مزمع أن يأتي، وإيل هو الله تعالى، ومجيء الله مجيء رسوله بكتابه، كما قال في التوراة: «جاء الله من سيناء» أراد: جاء موسى من سيناء بكتاب الله، ولم يأت كتاب بعد المسيح إلا القرآن، وإمَّا أن يكون أراد النبيَّ المسَمَّى بهذا الاسم، وهذا لا يجوز عندهم؛ لأنهم مجمعون على أنه لا نبي بعد المسيح.
ذكر مكة والبيت الحرام في الكتب المتقدمة:
في كتاب شعيا: «أنه ستمتلي البادية والمدن بقصور قيدار يسبحون، ومن رؤوس الجبال ينادون، هم الذين يجعلون لله الكرامة، ويبثون تسبيحه في البر والبحر»، وقال: «ارفع عَلَمًا لجميع الأمم من بعيد، فيُصفر لهم من أقاصي الأرض، فإذا هم سراع يأتون».
وبنو قيدار هم العرب، لأن قيدار هو ابن إسماعيل بإجماع الناس، والعَلَمُ الذي يرفع هو النبوة، والصفير بهم: دعاؤهم من أقاصي الأرض للحج، فإذا هم سراع يأتون،
стр. 25
وهو قول الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وفي موضع آخر من كتاب شعيا:
«سأبعث من الصَّبَا قوما، فيأتون من المشرق مجيبين بالتلبية أفواجًا، كالصعيد كثرة، ومثل الطيان الذي يدوس برجله الطين، والصَّبَا تأتي من مطلع الشمس، يبعث الله من هناك قومًا من خراسان ومن صاقبها، وممن هو نازل بمهب الصَّبَا، فيأتون مجيبين بالتلبية أفواجًا كالتراب كثرة»، ومثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين، يريد أن منهم رجالة كالّين، وقد يجوز أن يكون أراد: الهرولة إذا طافوا بالبيت.
وقال في ذكر الحجر المسلم:
قال شعيا: «قال الرب السيد: ها أنا ذا مؤسس بصهيون، وهو بيت الله حجرًا، يحسنه في زاوية مكرمة، فمن كان مؤمنًا فلا يستعجلن، وأجعل العدل مثل: الشاقول، والصدق مثل: الميزان، فيهلك الذين وقعوا بالكذب». والحجر على ما ذكر الله في زاوية البيت، والكرامة أن يلثم ويستلم.
стр. 26
وقال شعيا في ذكر مكة:
«سُرِّي واهتزِّي أيتها العاقر التي لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي»، يعني بأهله: أهل بيت المقدس من بني إسرائيل، وأراد أن أهل مكة: يكونون بمن يأتيهم من الحجاج والعمّار أكثر من أهل بيت المقدس، فشبّه مكة بامرأة عاقر لم تلد، لأنه لم يكن فيها قبل النبي إلا إسماعيل وحده، ولم ينزل بها كتاب، ولا يجوز أن يكون أراد بالعاقر بيت المقدس؛ لأنه بيت الأنبياء ومهبط الوحي، فلا يشبه بالعاقر من النساء.
وفي شعيا أيضًا من ذكر مكة:
«قد أقسمت بنفسي؛ كقسم أيام نوح؛ أني لا أغرق الأرض بالطوفان، كذلك أقسمت أن لا أسخط عليك ولا أرفضك، وأن الجبال تزول، والتلاع تنحط، ونعمتي عليك لا تزول»، ثم قال: «يا مسكينة، يا مضطهدة، ها أنا ذا، بان بالحسن حجارتك، ومزينك بالجواهر، ومكلل باللؤلؤ سقفك، وبالزبرجد أبوابك، وتبعدين من الظلم، فلا تخافي من الضعف ولا تضعفي، وكل سلاح يصنع لا يعمل فيك، وكل لسان ولغة يقوم معك بالخصومة تفلحين معها».
стр. 27
ثم قال: «وسيسميك الله اسمًا جديدًا»، يريد أن سُمِّي المسجد الحرام، وكان قبل ذلك يُسمَّى الكعبة: «فقومي فأشرقي، فإنه قد دنا نورك ووقار الله عليك، انظري بعينك حولك، فإنهم مجتمعون، يأتوك بنوك وبناتك عَدْوًا، فحينئذ تسرين وتزهرين، ويخاف عدوك ويتسع قلبك، وكل غنم قيدار تجمع إليك، وسادات نباوث يخدمونك»، ونباوث هو: ابن إسماعيل، وقيدار هو: أبو النبي، وهو: أخو نباوث.
стр. 28
ثم قال: «وتفتح أبوابك دائمًا الليل والنهار لا تغلق، ويتخذونك قبلة، وتدعين بعد ذلك مدينة إليا»، أي: بيت الله تعالى.
وفي موضع آخر من شعيا:
«ارفعي إلى من حولك بصرك فستبتهجين وتفرحين؛ من أجل أنه تميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر الأمم؛ حتى تعمرك قطر الإبل الموبلة، وتضيق أرضك عن القطرات التي تجتمع إليك، وتساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ، ويسير إليك بأغنام قاذار. ويخدمك رجالات نباوث»، يعني: سدنة البيت، أنهم من ولد نباوث بن إسماعيل.
ذكر طريق مكة في شعيا:
وفي شعيا عن الله: «إني أعطي البادية كرامة، وبها الكرمال»، ......
стр. 29
وكرمال ولبنان: الشام وبيت المقدس، يريد: أجعل الكرامة التي كانت هناك بالوحي وظهور الأنبياء للبادية بالحج وبالنبي ﷺ .
ثم قال: «ويشق في البادية مياه وسواقي أرض الفلاة، ويكون الفيافي والأماكن العطاش ينابيع ومياها، ويصير هناك محجة، وطريق الحرام لا يمر به أنجاس الأمم، والجاهلية لا تصل هناك، ولا يكون به سباع ولا أسد، ويكون هناك ممر المخلصين».
وفي كتاب حزقيل أنه ذكر معاصي بني إسرائيل وشبههم بكرمة غذاها فقال: «لم تلبث تلك الكرامة أن قلعت بالسخطة، ورمى بها عن الأرض، وأحرقت السماء ثم ثمارها، فعند ذلك غرس عرش في البدو، وفي الأرض المهمة العطشى، وخرجت من أغصانها الفاضلة نار أكلت ثمار تلك؛ حتى لم يوجد فيها عصا قوية ولا قضيب».
стр. 30
وذكر الحرم في كتاب شعيا:
فقال: «إن الذئب والحمل فيه يرعيان معًا، وكذلك جميع السباع لا تؤذي ولا تفسد في كل حرمي، ثم ترى بذلك الوحش إذا خرجت من الحرم، عاودت الذعر وهربت من السباع، وكان السبع في الطلب والحرص على الصيد؛ كما كان قبل دخوله الحرم».
ذكر أصحاب النبي وذكر يوم بدر في شعيا:
قال: شعيا وذكر قصة العرب ويوم بدر: «يدوسون الأمم كدياس البيادر»، وينزل البلاء بمشركي العرب ويهزمون، ثم قال: «ينهزمون بين يدي بسيوف مسلولة، وقسيّ موترة، ومن شدة الملحمة».
فهذا ما في كتب الله المتقدمة الباقية في أيدي أهل الكتاب، ومن ذكر نبينا وصفاته وأعلامه.
وأهل الكتاب يتلونه ولا يجحدون ظاهره، خلا اسم نبينا فإنهم لا يسمحون بالإقرار به تصريحًا، ولن يغني ذلك عنهم عندهم، لأن اسم النبي مُشَفَّحًا، ومُشفَّحْ هو:
стр. 31
محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون: شَفْحَا، لإلاهيا إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله.
فإذا كان الحمد شَفْحَا، فمشفَّحٌ محمد، ولأن الصفات التي أقروا أنها هي؛ وفاق لأحواله وزمانه ومخرجه ومبعثه وشرعته، فليدلونا على من له هذه الصفات، ومن خرت الأمم بين يديه وانقادت لطاعته، واستجابت لدعوته، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به، وأين هذه الأمة من ولد قيدار بن إسماعيل، والذين ينادون من رؤوس الجبال بالتلبية وبالأذان، والذين جعلوا له الكرامة، وبثوا تسبيحه في البر والبحر، هيهات أن يجدوا ذلك إلا في محمد ﷺ وأمته.
ولو لم آت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم! ألم تك مما أودع الله للعقل، ودليل على ما أودعها من ذكره، وفي تركهم وجحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به؛ دليل على اعترافهم له، فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ويقول عن المسيح: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، ويقول: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠، ٧١]، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام: ٢٠]، وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وقد كان رسول الله يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج عليهم بباطل من الحجج، ثم يحيل
стр. 32
بذلك على ما عندهم وفي أيديهم، ويقول من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبًا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ أوَليس ذلك مما يزيدهم منه نفارًا؟ أو عَمَى يزيدهم عليه بعدًا؟ وقد كان غنيًا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ويستميلهم بما يوحشهم، ولِمَ أسلم من علمائهم: كعبد الله بن سلام، وتميم الدراي، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى؛ التي لا تصح عندهم، لا سيما وهو يحتج بهم على قريش، ويقرأ عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧].
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعَا اليهود، فقال: «كيف عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «أرأيتم إن أسلم تسلمون؟»،
стр. 33
قالوا: نعم، فخرج عليهم عبد الله بن سلام، فشهد بالحق واحتج له، فلما سمعوا ذلك، قالوا: خَرف الشيخ.
ويقال: إياه عنى الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وليس احتجاجنا على المكذبين بالرسل بما في كتب الله، لأنا رأيناهم يؤمنون بها، ومن لم يؤمن بالرسول المبلغ للكتاب؛ لم يؤمن بالكتاب، ولكنا رأينا الحجة تلزمهم فيها، بإخبار موسى عن عيسى، وإخبار عيسى عن محمد، وهو المُخْبِرُ والْمُخْبَر عنه قرون كثيرة وأحقاب، وهذا لا يجوز إلا عند من آمن بالرسل؛ لإخبارها عن الله بذلك. فإن ادعوا أن الكتب التي في أيدي أهل الكتاب مصنوعة؛ صنعها كبراؤهم؛ ليقودوا لأنفسهم أهل الرئاسة، ويستدعوا من العوام الانقياد والطاعة، وأن ما فيها من ذكر نبي لنبي فريد، وأنه لا إبراهيم ولا داود ولا موسى ولا عيسى، خرجوا بهذا القول عن كل فطرة، وأبطلوا به كل معرفة، إلا ما لحقته العيون، وكفى بذلك جهلًا وحيرة!
стр. 34
ولو كانت الحجة لا تثبت إلا بإقرار الخصم أو سكوته، لم ينتف أبدًا إلا حِسِّيَتُهُ؛ لأن الكلام واسع واللسان رطب، وقد رأيت من الناس من لا يسكت؛ وقد أسكته الحق، ولا ينقطع؛ وقد قطعته الحجة، ورُبَّ كلامٍ أبلغ منه العي، وقول أحسن منه الانقطاع، وإنما يكفيك من الكلام أن تخرج خصمك عن ما عرف الناس، وعما جُبِلُوا عليه، فإذا بلغ هذه الغاية، فأمسك عنه فلا تزد عليه، فإن الزائد فيما لا مزيد فيه؛ متعرض للخطأ بعد الصواب، ومساو للخصماء شرهُ الشتم، وسوء الأدب بعد الظهور، وليس يجوز الكذب على الأخبار تأتيه [عن]: موسى وعيسى وأعلامهما؛ لأنهما خبر قرن عن قرون وأمم مختلفة في الدين، عن أمم مختلفة، ولو جاز أن يكون مثله باطلًا لجاز أن يقولوا في نبينا مثله، وأن يقولوا في القائمين بعده، وأن يكون المولود في زمن المعتصم، يشك في المنصور، والمشاهد لخلافة ولد العباس، يشك في خلافة بني أمية، وهذا وأشباهه من الأمور التي تقدمتنا، توحش السامع لقدم العهد، ولا فرق بينها وبين الأمم الأول؛ لأنها كلها أخبار قرن عن قرن، إلا أن القرن قل عددها في واحد وكثر في آخر.
وأما قولهم: أن ما في الكتب من ذكر نبي متقدم لآخر بعده مزيد. فمن الزائدون؟ أهل الكتاب الزائدون، وهذا يستحيل لأن اليهود أعداء النصارى، ويكذِّبون بنبوة المسيح، والنصارى أعداء المسلمين، ويُكذِّبون بنبوة محمد، فكيف يزيدون في كتبهم ذكر أنبياء هم لهم جاحدون؟ وكانوا لحذف الذكر وبعض المدح والثناء أجدر؛ لو وجدوا
стр. 35
إلى ذلك سبيلا، أم المسلمين- وهذا أشد استحالة- لأن المسلمين لو أرادوا الزيادة في كتبهم لم يزيدوا إلا ليحتجوا عليهم بذلك، فكيف يصلون إلى الزيادة سرًّا من حيث لا يعلمون؟ وإن قالوا: إن الأنبياء أصحاب شبه ومخاريق، فإن النسبة باطلة باسمها، فهل سمعوا في الشبه بعلم الغيب، وفلق البحر لستمائة ألف حتى عبروا، وإطباقه على أكثر منهم حتى غرقوا، وكإحياء الموتى، وخلق الطير من طين، وهل يجوز أن يحتال محتال حتى يأتي بطير من البحر؛ تطير أبابيل معها حجارة من سجيل، فيُهلك بها أمة، وينصر بها أمة، بل كيف يحتال بهذا مولود في ذلك الوقت؟ أو كيف؟ وأمر الفيل
стр. 36
من قريب قد لحقه ورآه بشر كثير ممن كان في عصر رسول الله، فهو لنا كالعِيَان، وفي عام الفيل كان مولده بأبي هو وأمي، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله.
الأحاديث الموافقة لما في الكتب المتقدمة من ذكر النبي وصفته وصفة أمته:
قال ابن قتيبة: حدثني محمد بن عبيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عبد الله بن عمرو، قال: «أجد في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظٍ ولا غليظ ولا صخَّابٍ في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أتوفاك حتى أقيم بك الملة العوجاء، وأُحْيِي بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، بأن يقولوا لا إله إلا الله».
стр. 37
وحدثني محمد بن عبيد، أخبرنا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن كعب، قال: «أجدُ في التوراة: أحمد عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي السيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بَكَا، وهجرته طابا، وملكه بالشام، وأمته الحمَّادُون يحمدون الله على كل نجد، ويسبحونه في كل منزلة، ويوضئون أطرافهم، ويتزرون على أنصافهم، وهم رعاة الشمس، وضوؤها في جو السماء، وصفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، رهبانًا بالليل أُسْدًا بالنهار، ولهم دويٌّ كدوي النحل، يصلون الصلاة حيثما أدركتهم؛ ولو على كناسة».
قال أبو محمد: يعني قوله: يصلون الصلاة حيث ما أدركتهم، أن قومًا من أهل الكتاب: كانوا لا يصلون الصلاة إلا في بيعتهم وكنائسهم ومجالسهم، فوسع الله على المسلمين، وأمرهم أن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وأنزل: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩].
وإنما نُسب هذا الكلام والكلام الأول إلى التوراة، وهو في غيرها من كتب الله؛ لإلحاق أهل الكتاب بالتوراة كثيرًا من كتب الله مثل: الزبور وكتب أشعيا.
حدثني سهل بن محمد، أخبرنا الأصمعي، أخبرنا ابن أبي الزناد، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن حفص، قال: وقال عبد الرحمن- كان من خيار،
стр. 38
وهو أبو حفص إمَّا أنه لقب له- قال: كان عند أبي وعند جدي ورقة يتوارثونها قبل الإسلام بزمان، فيها: «بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تَبَابٍ، هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان، يَأْتَزِرُونَ على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون البحور إلى أعدائهم، فيهم صلاة، لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطوفان، وفي قوم ثمود ما أهلكوا بالصيحة». قال: وأخبرني أنهم جاؤوا بها إلى رسول الله ﷺ ؛ فقرأوها عليه وأخبروه بخبرها فأمرهم أن يضعوها بين أضعاف المصحف.
حدثني عبد الرحمن، عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب: «أوحى الله إلى آدم: أنا الله ذو بكة، أهلها أحبتي، وزوارها وفدي وأضيافي وفي كنفي، أعمره بأهل السماء وأهل الأرض، يأتون أفواجًا شعثا غبرًا، يعجون بالتكبير عجيجًا، ويرجُّون بالتلبية رَجِيجًا، ويثجون بالبكاء ثجًّا، فمن اعتمده لا يريد غيره؛ فقد زارني وضافني ووفد إليَّ ونزل بي، وحُق لي أن أتحفه بكرامتي، أجعل هذا البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه لنبي من ولدك، يقال له: إبراهيم، أرفع له قواعده، وأقضي على يديه عمارته، وَأُنِيطُ له سقايته، وأورثه حله وحرمه، وأعلمه مشاعره، ثم تعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك
стр. 39
يقال له: محمد، هو خاتم النبيين، فأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته، فمن سأل عني يومئذ؛ فأنا مع الشُّعْثِ الغبر الموفين بنذورهم، المقبلين إلى ربهم».
ذكر رسول الله في أخبار الفرس:
وهذا حديث فيه طول اختصرته. قرأت في كتاب ماجسنيس الزيادي- وهو شيخ من قدماء الفرس- لحق زمان زياد بن أبي سفيان، فسأله زياد أن يحدثه بأحاديث ملوك العجم ووزرائهم وسيرهم، فحدثه منها سبعين حديثًا حسنة، وترجمت، ونسب الشيخ إلى زياد، فقيل: الزيادي، والكتاب مشهور موجود في أيدي الناس، قال ماجينيس: «كان أبرويز بن هرمز، المعروف بكسرى- وهو أبو شيرويه- في مسير له ليلًا؛ فَهَوَّمَ وهو على مركبه، وطال ذلك حتى استثقل، فمال وخاف من وراءه من قواده سقوطه، فأتاه رجل منهم، فأيقظه، فانتبه مذعورا لرؤيا رآها قطعها عليه الْمُوقِظُ له، فقال: رأيت قائلًا يقول لي: إنكم غيرتم فغُيِّر ما بكم، ونُقل الملك إلى أحمد». هذا أو نحوه من الكلام. ورأيت في غير هذا الكتاب، «أنه عرضت على الله تعالى، وقال له: سلّم ما بيدك إلى صاحب الهراوة».
стр. 40
ثم لم يزالوا يتوقعون حادثة تحدث؛ حتى كتب النعمان بن المنذر بظهور رسول الله، وما يدعو إليه.
ورأيت في بعض كتبهم: أن كتاب النعمان بن المنذر ورد بذلك، في يوم كان كسرى خلا فيه بلذته ولهوه، وأمرهم أن لا يُنهوا إليه فيه خبر يسوؤه، ولا يُوصل إليه كتابًا من أحد من عماله؛ ليأمن على شروره، قالوا: فبينما هو كذلك، إذ سمع صوت البريد. فسأل عنه، فقيل: كتاب عامل السواد، فتعلق قلبه به، وقال له: ما أرى إلا أن تعلق قلبي بما أوردته حتى أعلمه، أعظم علي مما فيه، فأوصلوا الكتاب إليه فقرأه، فإذا كتاب العامل إليه يخبره فيه بأن الفرات أتى بمد لم نسمع بمثله، وأنه فاض فغرق زرع الناس ومنازلهم، وأفسد ثمارهم، فغمه ما بالرعية من الضرر في أموالهم، وما نال جنوده بذهاب الخراج؛ الذي يجبى إليه من السواد لهم، فسهل عليه وزراؤه ذلك، ونسبوا للجنود أموالًا من وجوه كثيرة، وعاد إلى لهوه، ثم سمع صوت بريد آخر، فسأل عنه، فقالوا: كتاب العامل على ثغر أرمينية، فتعلق قلبه به، ثم أمر بإفضاض الكتاب؛ فإذا فيه أن الجنود شغبوا على عاملهم فقتلوه، واستباحوا ما قبله من الأموال، وجاهروا بالمعصية، فعدّ ذلك أيضًا، ثم سهل عليه وزراؤه الأمر، وتضمنوا له إصلاح الناحية؛ بغير جيش ينقله حتى يعود الجند إلى الطاعة، وعاد إلى لهوه.
ثم سمع صوت بريد آخر، فأمر بأخذ كتابه وقرأ؛ فإذا كتاب النعمان يخبره فيه بأن خارجًا نجمٌ بتهامة، يخبر أنه رسول إله السماء والأرض، إلى أهل الأرض كافة، فقطع بذلك وأكبره، وعلم أنه الذي كان يتوقعه ويراه في منامه.
следующие страницы →