وأبى رب الأرض أن ينفق عليها، فللمكتري أن ينفق فيها حصة تلك السنة خاصة من الكراء، ويلزم ربها، وإن زاد على كراء سنة فهو متطوع، وكذلك من أخذ نخلاً مساقاة فغار ماؤها بعد أن سقى، فله أن ينفق عيها قدر حصة صاحب الأرض من الثمرة سنته تلك لا أكثر.
وليست الدور كذلك، لأن المكتري لا نفقة له فيها، والذي زرع أو ساقى قد تقدمت له نفقة فيها وعمل، وفي نفقته إحياء للزرع، ولو لم يزرع الأرض ولا سقى النخل حتى غارت لم يكن للمكتري أن ينفق فيها شيئاً، وصارت بمنزلة الدور.
٣١١٢ - وإذا انهدمت الدار وربها غائب فليُشهِد المكتري على ذلك، ولا شيء عليه، ولا عذر ينقض به الكراء إلا هدم الدار، أو ينهدم منها ما يضر بالسكنى، فللمكتري أن يتركها إن أحب، وكذلك إن خاف أن تسقط عليه وكان البنيان مخوفاً فله أن يناقضه [الكراء] .
٣١١٣ - ولا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حداداً أو قصاراً أو طحاناً إذ لم يضر ذلك بالبنيان، وإن كان [ذلك] ضرراً على البنيان أو فساداً للحانوت لم يكن له أن يعمله، وإن اشترط المكتري أن يعمل في الحانوت ما ذكرنا، وفيه ضرر على البنيان لزم ذلك ربه. (١)
стр. 1612
٣١١٤ - ومن اكترى حانوته من رجل فإذا هو جزار أو قصار، ولا ضرر في عمله على البنيان إلا أنه يقذر الحانوت، فكره رب الحانوت تقذيره فله منعه، لأن فيه ضرراً على الحانوت.
قال غيره: إذا كانت الأعمال يتفاوت ضررها وأكريتها، لم يجز الكراء، إلا على شيء معروف يعمل فيه، وإن لم يختلف فلا بأس به.
٣١١٥ - وإذا قال رب الدار: أكريتكها سنة بمائة دينار، وقال المكتري: بل بمائة إردب حنطة، تحالفا وتفاسخا كالبيوع. وكذلك لو سكن [المكتري] أياماً أو شهراً أو شهرين أو أكثر من سنة، ثم اختلفا تحالفا، ويبدأ رب الدار باليمين، ويفسخ الكراء كله، ويأخذ رب الدار فيما مضى كراء المثل، وكذلك لو قال رب
стр. 1613
الدار: أكريتك بعشرة، وقال المكتري: بدينار، [وقالا جميعاً] ما لا يشبه، وقد سكن أو لم يسكن فهو كما ذكرنا.
ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء، فادعى أنك أسكنته بغير كراء، فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك، وقال غيره: على الساكن الأقل من دعواك، أو من كراء المثل بعد أيمانكما.
٣١١٦ - قال ابن القاسم: وكل ما ادعى الساكن أنه زاده في الدار من خشبة أو من فرش قاعة أو سترة جدار، فالقول قول ربها في تكذيبه، وما كان ملقى في الأرض من حجر أو باب أو خشبة أو سارية، فالقول فيه قول المكتري.
وإذا أذن له رب الدار أن ينفق من كرائها، فزعم أنه أنفق، وأكذبه رب الدار فالمكتري مصدق، لأنه أمين، إن تبين للعمل أثر، وإن تبين كذبه، لم يصدق، والعمل والبناء يتبين أثره، كبيت جديد يشبه أن يكون من بنيان المكتري، أو مرمة جديدة. قال غيره: على المكتري البينة، لأن الكراء دين لزمه، وعلى المكري اليمين.
стр. 1614
وإذا انقضى أجل الكراء وقد أحدث المكتري في الدار بناء، أو غيره مما ينتفع به بأمر رب الدار أو بغير أمره من غير الكراء، فما كان لنقضه قيمة، لرب الدار أن يعطيه قيمته مقلوعاً، وليس للمكتري أن يأبى، لأنه مضار، ولرب الدار أن يأمره بقلعه أحدثه بأمره أو بغير أمره، لأنه يقول: لم آذن لك في نفعك لأغرم لك شيئاً، وأما ما لا ينتفع به إن نقض من جص وطين، فلا شيء له فيه، إلا أن يكون له فيه نفع فيكون كما ذكرنا.
٣١١٧ - ومن وكل رجلاً يكري داره فأكراها بغير العين، أو حابى في الكراء، فهو كالبيع لا يجوز، ولو أعارها أو تصدق بها أو وهبها أو أسكنها أو حابى فيها رجع ربها على الوكيل بالكراء في ملائه، ثم لا رجوع للوكيل على الساكن. وإن كان الوكيل عديماً رجع ربها على الساكن بالكراء، ثم لا رجوع للساكن على الوكيل.
٣١١٨ - ومن اكترى داراً سنة فسكن فيها ستة أشهر ثم فلس، فربها أحق ببقية السكنى إلا أن يدفع إليه الغرماء حصة باقي الشهور من الكراء بالتقويم، فإن أبوا خير في الحصاص بجميع الكراء وإسلام الدار، أو أخذ باقي السكنى بحصته من الكراء، والحصاص بحصة كراء ما مضى.
стр. 1615
٣١١٩ - ومن اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها سنة أو سنتين ثم تهَوَّر بئرها، أو انقطعت عينها، قوّم العام الأول على قدر نفاقه، وتشاح الناس فيه، وليس كراء الأرض في الشتاء والصيف واحداً، وكذلك يحسب كراء الدور في الهدم، ولا يحسب على عدد الشهور والأعوام، وقد تكرى سنة لأشهر فيها كدور بمصر وبمكة، تكثر عمارتها في المواسم.
٣١٢٠ - ومن اكترى أرضاً ليزرعها فغرق بعضها قبل الزراعة أو عطش، فإن كان أكثرها ردّ جميعها، وإن كان تافهاً حط عنه بقدر حصته من الكراء في كرمه ورداءته، لا بقدر مساحته منه إذا كانت مختلفة، ولزمه ما بقي من الأرض بحصته من الكراء، وكذلك في استحقاق بعض الأرض فيما يقل ويكثر. (١)
٣١٢١ - ولا بأس بكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن اشترط النقد فسد الكراء.
وإن كان اكتراها سنين، وقد أمكنت للحرث، جاز نقد حصة عامه هذا، فإن اكتراها قرب الحرث، وحين توقع الغيث، لم يجز النقد حتى تروى ويتمكن من الحرث.
стр. 1616
قال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروى مرة وتعطش أخرى، إلا قرب الحرث وتوقع الغيث، إذا لم ينقد، ولا يجوز كراؤها بالنقد حتى تروى رياً [مأموناً] متوالياً مبلغاً للزرع أو لأكثره، مع رجاء مطر غيره، ولا يجوز كراؤها إلا عاماً واحداً، إلا أن تكون مأمونة كأمن النيل في سقيها فلا بأس بكرائها قرب إبان شربها، بالنقد أو بغير النقد.
٣١٢٢ - قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً ليزرعها فقحطت السماء فلم يقدر على الحرث وقد أمكن من الأرض، أو غرقت أو لم يقدر أن يزرع أو كان لها بئر أو عين، فانهارت قبل تمام الزرع، فهلك الزرع لذلك، أو امتنع الماء الذي يحيا به الزرع من السماء أو من بئر أو عين حتى هلك الزرع فلا كراء على الزارع، وإن نقده رجع به، فإن جاءه بما] كفى بعضه أو هلك بعضه فإن حصد ماله بال،
стр. 1617
وله فيه نفع، فعليه من الكراء بقدره، ولا شيء عليه إن حصد ما لا بال له، ولا نفع له فيه.
وأما إن هلك زرعه ببرد أو جليد أو جائحة فالكراء عليه، وأما إن أتى مطر بعدما زرع فغرق زرعه أياماً، أو شهراً فأماته، فإن كان غرقه بعد مضي إبان الحرث، كان كالجليد والجراد والبرد، وإن كان غرقه في إبان لو انكشف الماء عن الأرض أدرك زرعها ثانية، فلم ينكشف حتى فات الإبان، فذلك كغرقها في الإبان قبل أن تزرع حتى فات الحرث فلا كراء عليه، ولو انكشف الماء في إبان يدرك فيه الحرث لزمه الكراء، وإن لم يحرث.
٣١٢٣ - ويجوز النقد في أرض النيل قبل ريّها لأمنها.
قيل لمالك: فإن كانت أرض المطر فيما اختبر منها لا تخلف، أيجوز النقد فيها؟ قال: النيل أبين شاناً، وأرجو جواز النقد فيها إن كانت هكذا، بخلاف التي تخلف من أرض المطر، أو ذات بئر قل ماؤها، يخاف أن لا يقوم بها، فالنقد في هاتين خطر، لغلبة الغرر في أن يكفي ماؤها، فيغبن المكتري رب الأرض، أو لا يكون فيها ما يكفي، فيكون المكتري مغبوناً، ويصير النقد لهذا الغرر تارة ثمناً، وتارة سلفاً،
стр. 1618
كالنقد في المواضعة والخيار وبيع العهدة، ولم يدخلا في الماء المأمون في غرر، وإن انقطع الماء بأمر حادث فللمكتري إنفاق كراء سنته في غور بئر، أو عين، وليس له [ذلك] في غير المأمونة، إن أبى ربها.
٣١٢٤ - ومن زرع في أرض الخراج بكراء مثل أرض مصر فغرقت أو عطشت فلا كراء عليه إذا لم يتم الزرع من العطش.
وأما أرض الصلح التي صالحوا عليها، إذا زرعوا فعطش زرعهم فعليهم الخراج. قال غيره: هذا إذا كان الصلح وظيفة عليهم، فأما إن صولحوا على خراج على الأرض معروف فلا شيء عليهم.
٣١٢٥ - ومن اكترى أرضاً ليزرعا عشر سنين، فأراد أن يغرس فيها شجراً، فإن كان ذلك أضر بها منع، وإلا فله ذلك، كحمله على الراحلة غير ما اكتراها له.
стр. 1619
وإن اكتريت أرضاً سنين مسماة، فغرست فيها شجراً فانقضت المدة، وفيها شجرك فلا بأس أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة، ولو اكتريت أرضاً فأكريتها من غيرك فغرسها ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه، فلك أن تكريها من ربها سنين مؤتنفة، ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه.
قال غيره: لا ينبغي ذلك حتى يتعامل الغارس ورب الأرض على ما يجوز، ثم يكري أرضه إن شاء، إلا أن يكريك أرضه على أن يقلع عنك الشجر.
٣١٢٦ - قال ابن القاسم: ولو كان موضع الشجر زرعاً أخضر لم يكن لرب الأرض أن يكريها ما دام زرع هذا فيها، لأن الزرع إذا انقضت الإجارة لم يكن لرب الأرض قلعه، وإنما له كراء أرضه، وله أن يقلع الشجر فافترقا، إلا أن يكريها إلى تمام الزرع فلا بأس بذلك. قال سحنون: إن كانت الأرض مأمونة.
وإذا انقضت السنون وفي الأرض للمكتري زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب
стр. 1620
الأرض شراؤه، وإنما يجوز بيع زرع أخضر يشترط مع الأرض في صفقة، وكذلك الأصول بثمرها، وإن لم يشترطه المبتاع كان ما أثبر من الثمر أو ما ظهر في الأرض من الزرع للبائع، وإن لم تؤبر الثمرة ولم يظهر الزرع [في الأرض] فذلك للمبتاع.
٣١٢٧ - ومن اكترى أرضاً فغرسها شجراً، ثم انقضت المدة فصالح ربها على بقاء الغرس في أرضه عشر سنين على أن له نصف الشجر، لم يجز، لأنه أكراه نصف الشجر يقبضها إلى عشر سنين، وقد تسلم أو لا تسلم. ولو بتل له الآن نصف الشجر جاز. وقال غيره: لا يجوز، لأنه فسخ دين في دين.
ومن اكترى أرضاً عشر سنين على أن يغرسها المكتري شجراً سماها، على أن الثمرة للغارس، فإذا انقضت المدة فالشجر لرب الأرض، لم يجز، لأنه أكراها بشجر لا يدري أيسلم أم لا؟.
ومن اكترى أرضاً يزرعها كل سنة بكذا، ولم يسم سنين بأعيانها، جاز ذلك، ولكل واحد منهما أن يترك متى شاء، ما لم يزرع المكتري، فحينئذ لا ترك لأحدهما
стр. 1621
تلك السنة خاصة، ويلزمه كراؤها، ويترك بعد ذلك إن شاء.
وإن قال المكتري: أنا أقلع زرعي، وأؤدي حصة ما مضى، لم يكن له ذلك، كان في إبان الحرث أو بعده، نه حين زرع فقد رضي بأخذ الأرض سنة.
وإن اكتريت من رجل أرضه قابلاً، وفيها الآن زرع له أو لمكتري عامه جاز، فإن كانت مأمونة كأرض النيل جاز شرط النقد فيها، وإلا لم يجز شرطه.
ومن اكترى داراً على أن لا يقبضها [إلا] إلى سنة، جاز ذلك، وجاز النقد فيها لا منها، فإن بَعُد الأجل جاز الكراء، ولا أحب النقد فيه، ولم يجز في سائر العروض والحيوان شراؤه على أن لا يقبض [إلا] إلى أجل، لغلبة الغرر في تغيره. (١)
٣١٢٨ - ومن اكترى أرضاً سنة فحصد زرعه قبل تمام السنة، فأما أرض المطر فمحمل السنة فيها الحصاد، ويقضى بذلك فيها، وأما ذات السقي التي تكترى على أمد الشهور والسنين، فللمكتري العمل إلى إتمام سنته، وإن تمت وله فيها زرع أخضر أو بقل، فليس لرب الأرض قلعه، وعليه تركه إلى تمامه، وله فيما بقي كراء مثلها على حساب ما أكراها منه.
стр. 1622
قال غيره: إن بقي من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرع فلا ينبغي أن يزرع، فإن فعل فعليه في زيادة المدة الأكثر من الكراء الأول، إذ كأنه رضيه أو كراء المثل.
٣١٢٩ - ومن اكترى أرضاً ليزرعها شعيراً فأراد أن يزرعها حنطة، فإن كان ذلك أضر بالأرض منع، وله أن يزرع ما ضرره مثل ضرر الشعير فأدنى.
٣١٣٠ - وإذا قال المكتري: اكتريت الأرض عشر سنين بخمسين، فقال ربها: بل خمس سنين بمائة. فإن كان بحضرة الكراء تحالفا [وتفاسخا] وإن كان قد زرعها سنة أو سنتين ولم ينقد فلربها فيما مضى ما أقر به المكتري إن أشبه تغابن الناس ويحلف، وإن لم يشبه فعلى قول ربها إن أشبه مع يمينه، فإن لم يشبه فله كراء المثل فيما مضى، ويفسخ باقي المدة على كل حال، وإنما فسخنا الكراء بقية الخمس سنين، وإن أقر بها رب الأرض لدعواه في كرائها أكثر من دعوى المكتري، وهذا إذا لم ينتقد، ومن قول مالك ﵀: إن رب الأرض والدابة والدار مصدق في الغاية [والمدة] فيما يشبه، وإن لم ينتقد.
стр. 1623
قال غيره: إذا انتقد فالقول قول ربها مع يمينه فيما يشبه من المدة، فإن لم يأت بما يشبه، وأتى المكتري بما يشبه صدق فيما سكن على ما أقر به، ويرجع ببقية المال على ربها بعد يمين ربها [على ما ادعى عليه] ، ويمين [المكتري] فيما ادعى عليه من طول المدة، وإن لم يشبه ما قال واحد منهما تحالفا وفسخ الكراء، وعلى المكتري قيمة كراء ما سكن، وإن أتيا بما يشبه صدق رب الدار، لأنه انتقد مع يمينه، ولم يسكن المكتري إلا ما أقر به المكري.
قال سحنون: وروى نحوه ابن وهب عن مالك: وهذا هو الأصل في الدور والرواحل والعبيد وغيرها، فرد إليه ما خالفه.
٣١٣١ - قال ابن القاسم: ومن زرع أرض رجل، وادعى أنه اكتراها منه، وربها منكر،
стр. 1624
فربها مصدق مع يمينه، إلا أن يعلم به ربها حين زرع، ولم ينكر عليه، فإن قامت بذلك بينة أو لم تقم بينة، فأحلف عليه فنكل، فليس له إلا ما أقر به المكتري مع يمينه إلا أن يأتي بما لا يشبه.
قال غيره: علم به أو لم يعلم، فله الأكثر من كراء المثل، أو ما أقر به المكتري مع يمينه على دعوى المكتري إن كان كراء المثل أكثر من دعواه.
قال ابن القاسم: وإن لم يعلم وقد مضى إبان الزراعة، فله كراء المثل ولا يقلعه وإن لم يفت الإبان ولم تقم [له] بينة أنه علم به فتركه، ولا أنه أكراه، حلف على ذلك ثم خُيّر بين أن يأخذ من المكتري ما أقر به، قال غيره: أو كراء المثل.
قالا: فإن أبى فله أن يأمره أن يقلع زرعه، إلا أن يتراضيا على ما يجوز فينقد
стр. 1625
بينهما، ولو تركه لرب الأرض جاز ذلك إن رضي بها، وإن لم يكن للمكتري في الزرع نفع إذا قلعه، لم يكن له قلعه، وبقي لرب الأرض، إلا أن يأباه فيأمره بقلعه.
٣١٣٢ - ومن اكترى من رجل أرضاً فتشاحا في النقد، فإن كان لأهل البلد سنة في كراء الأرض حملا عليها، وإلا نظر، فإن كانت كأرض النيل التي تروى في مرة، لزم المكتري النقد إذا رويت، وإن كانت لا يتم زرعها إلا بالسقي أو المطر فيما يستقبل بعد الزراعة، لم ينقده إلا بعد تمام ذلك. (١)
قال غيره: إن كانت من أرض السقي وكان السقي مأموناً، وجب له كراؤه نقداً.
قال ابن القاسم: وإن كانت تزرع بطوناً كالقصب والبقول نقده لكل بطن
стр. 1626
حصته بعد أن يسلم. قال غيره: عليه بقدر حصة أول بطن.
والفرق بين النقد في الدور والرواحل، وبينه في الأرض غير المأمونة، أنه ليس له في الأرض بحساب ما يمضي إذ لا كراء له إذا عطش الزرع، وفي تينك في كل وقت يمضي قد وجب كراؤه وتم نفعه، فإذا لم يكن للنقد فيها سنة وجب له كراء ما مضى.
٣١٣٣ - ومن اكتريت منه أرضه الغرقة بكذا إن انكشف عنها الماء، وإلا فلا كراء بينكما، جاز إن لم تنقد، ولا يجوز النقد إلا أن يوقن بانكشافه، قال غيره: إن خيف أن لا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد.
стр. 1627
٣١٣٤ - ومن اكترى أرضاً أو داراً كراءً فاسداً وقبض ذلك، فلم يسكن ولم يزرع حتى مضت المدة، فعليه كراء المثل، ولو لم يقبض الأرض، ولا الدار، لم يلزمه كراء، وكذلك الدابة. وكل كراء فاسد ففيه إن سكن كراء المثل، كان أقل من التسمية أو أكثر، ولا ينتقض الكراء بموت المتكاريين أو أحدهما.
ومن اكترى داراً أو أرضاً فلم يجد بذراً، أو سجنه سلطان باقي المدة، فالكراء يلزمه، ولا يعذر بهذا، ولكن يكريها إن لم يقدر هو على أن يزرعها.
٣١٣٥ - ونهى النبي ÷ عن المزابنة والمحاقلة. (١)
والمزابنة: اشتراء الرطب بالتمر، والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واكتراء
стр. 1628
الأرض بالحنطة. (١)
قال ابن القاسم: ومن المحاقلة اكتراؤها بشيء مما تنبته، كمن اكترى الأرض بكتان فزرعها كتاناً، وفي حديث آخر أنه ﵇ نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وهي المخابرة التي نهى عنها في حديث آخر، فلا يجوز كراء الأرض بشيء مما تنبت بفيما] قل أو كثر، ولا بطعام تنبت مثله، أو لا تنبته، ولا بما تنبته من غير الطعام، من قطن أو كتان أو أصطبة، إذ قد يزرع ذلك فيها فيصير
стр. 1629
محاقلة، ولا بقضب أو قرظ أو تبن أو علف، ولا بلبن محلوب أو في ضروعه، ولا بخبز أو سمن أو عسل أو تمر أو صير أو ملح، ولا بسائر الأشربة والأنبذة.
وإذا خيف في اكترائها ببعض ما تنبت من الطعام أن يدخله طعام بمثله إلى أجل خيف في اكترائها بطعام لا تنبته أن يكون طعاماً بطعام خلافه إلى أجل، ولا تكتري بفلفل ولا بزيت زريعة الكتان، أو بزيت الجلجلان، ولا بالسمك ولا بطير الماء الذي هو للسكين، ولا بشاة لحم، لأن هذا من الطعام، ولا بزعفران، لأنه مما تنبته، ولا بطيب يشبه الزعفران، ولا بعصفر.
ولا بأس بكرائها بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع، ويجوز كراؤها بالعين، وروي ذلك عن النبي ÷، وقاله عدد من الصحابة والتابعين.
ومن أكرى أرضه بدنانير مؤجلة، فحلّت، فلا يأخذ بها طعاماً ولا إداماً، وليأخذ ما يجوز أن يبتديا به كراها.
ويجوز أن تكري أرضك بشجر بأصولها، وتأخذها من المكتري، إن لم يكن فيها
стр. 1630
يومئذ ثمر، فإن كان فيها [يومئذ] ثمر لم يجز، كما كره مالك شراء [شجر] فيها ثمر، بطعام عاجل أو آجل، ويجوز بيع رقبة الأرض بشجر فيها ثمر، كما تباع بطعام عاجل أو آجل.
٣١٣٦ - ولا باس ببيع نخل بتمر إلى أجل يثمر النخل إليه، كشاة لا لبن فيها في لبن إلى أجل يصير إليه فيها اللبن.
٣١٣٧ - ولا يباع كتان بثوب كتان إلى أجل، لأنه يخرج منه، إلا أن يكون أجلاً قريباً لا يعمل في مثله من الكتان ثوب، فلا بأس به، كالقصيل يُسلم فيه شعير.
وأما القصيل بالشعير إلى أجل قريب أو بعيد فلا باس به، ولا بأس بكراء دار بدار أو أرض بأرض.
٣١٣٨ - ويجوز أن تكتري من رجل أرضه تزرعها أنت العام بأرضك عاماً قابلاً ليزرعها هو، إن كانت أرضك مأمونة، يجوز النقد فيها، لأن أرضه كعرض انتقدته في أرضك.
стр. 1631
ومن اكترى أرضاً يقبضها قابلاً بألف درهم، إلى عشر سنين [جاز ذلك] ، وكذلك شراء الغائب بثمن إلى أجل أبعد من مسافته جائز، وليس ديناً بدين.
ومن أكرى أرضه بدنانير معلومة على أن يأخذ لكل دينار عشرين درهماً جاز، وكذلك بدراهم [على أن] يأخذ لكل عشرين منها ديناراً، والتعاقد واقع على المقبوض واللفظ لغو، ولو ثبت الكراء بدراهم مؤجلة لم يجز أن يأخذ بها دنانير معجلة أو مؤجلة حتى تحل، فيأخذ بها دنانير نقداً.
٣١٣٩ - ومن اكترى أرضاً بدراهم وخمر في صفقة، فسد جميعها ولم تجز حصة الدراهم، وإن رضي المكري بترك الخمر لم يجز، وليس كالبيع والسلف.
ولا بأس بكراء الأرض بصوف على ظهور الغنم إن شرع في الجزّ مكانه أو إلى ما قرب من خمسة أيام أو عشرة.
ومن أكرى أرضه بدراهم إلى أجل، فلما حلّ الأجل فسخها في ثياب بعينها على أن يقبضها إلى ثلاثة أيام، لم يجز، إلا أن يقبض الثياب قبل أن يفترقا، لأنه من وجه الدين بالدين [ويجوز كراؤها بثياب موصوفة إذا ضرب لها أجلاً] .
ويجوز الكراء بالخيار لأحدكما أو لكما، وإن لم تؤجلاه جاز، وأجله الإمام
стр. 1632
إلا أن يكون قد مضى مقداره، فيوقف الآن من له الخيار. وإن كانا بالخيار فاختلفا في الأخذ والرد، فالقول قول من أراد المرد. (١)
ومن اكترى أرضاً على أنه إن زرع حنطة فبكذا، أو شعيراً فبكذا، أو اكتراها بهذا الثوب أو بهذا العبد لم يجز، وكذلك إن قال: [أكريك هذه الدار] بقفيز حنطة، أو قفيزين شعيراً أيهما شاء المكري أو المكتري، وذلك كله معين أو مضمون قد لزمهما، أو أحدهما لم يجز، وذلك من بيعتين في بيعة، فأما على غير الإلزام لأحدهما ومن شاء ردّ، فذلك جائز.
٣١٤٠ - ومن أكرى أرضه من رجل [على أن] يزرعها قصباً أو قصيلاً أو بقلاً أو قمحاً أو شعيراً أو قطنية، على أن ما أنبتت بينهما، أو هو مع الأرض بينهما لم يجز، وإن قال له: اغرسها شجراً، أو قال: نخلاً فإذا بلغت النخل كذا أو كذا سعفة، والشجر قدر كذا، فالأصول والشجر بينهما نصفين، فذلك جائز. وإن
стр. 1633
قال: فالأصول بيننا فقط، فإن كان مع مواضعها من الأرض جاز، وإن لم يشترط ذلك، وشرط له ترك الأصول في أرضه حتى تبلى لم يجز.
وإن أعطيت لرجل أرضك فليزرع لك فيها حنطة من عنده بطائفة من أرضك يزرعها لنفسه لم يجز، لأنك أكريته الأرض بما تنبت الأرض، وإن دفعت إليه أرضك يزرعها بحبك، على أن له طائفة أخرى من أرضك غير مزروعة جاز ذلك.
وإن قلت له: اغرس لي أرضي هذه نخلاً أو شجراً بطائفة أخرى من أرضي، جاز ذلك، وهذا ككراء الأرض بالخشب.
٣١٤١ - ومن اكترى ربع أرض ليزرعها أو جزءاً شائعاً قلّ أو كثر جاز ذلك كالشراء. ومن اكترى من رجل مائة ذراع من أرضه التي بموضع كذا جاز ذلك [كالشراء] إذا كانت متساوية، ولا يجوز في المختلفة حتى يسمي من أي موضع منها. قال غيره: فإن استوت لم يجز حتى يسمي الموضع.
стр. 1634
٣١٤٢ - ومن اكترى أرضاً على أن يكريها ثلاث مرات ويزرعها في الكراء الرابع جاز ذلك، وكذلك على أن يزبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز ذلك، ولا بأس بالبيع والكراء في صفقة.
٣١٤٣ - ولا بأس بكراء أرض أو دار غائبة ببلد قريب أو بعيد، على صفة أو رؤية متقدمة وينقده كالبيع، ثم لا رد له إن وجدها على الصفة، وإنما يجوز ذلك على رؤية متقدمة منذ أمد لا تتغير في مثله.
٣١٤٤ - وللرجل بيع مراعي أرضه إذا بلغ خصبها أن يرعى، لا قبل ذلك فيبيع مرعاها سنة لا أزيد. وليس للرجل أن يكري ربع زوجته إلا بإذنها.
ولا أحب للوصي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال يتيمه أو يكتري أرضاً له
стр. 1635
من نفسه، فإن نزل أعيد ما اشترى إلى السوق، فإن زيد عليه بيع، وإلا لزم الوصي ما سمى، وكذلك الكراء، إلا أن يكون إبّان الكراء قد مات، فيسأل أهل المعرفة عن الكراء، فإن كان فيه فضل غرمه الوصي، وإلا أدى ما عليه، و [لا] يرجع بالفضل إن كان له.
٣١٤٥ - وإذا انتشر للمكتري في حصاده حب في الأرض، فنبت قابلاً فهو لرب الأرض، وكذلك من زرع زرعاً فحمل السيل زرعه إلى أرض غيره فنبت فيها. قال مالك: فالزرع لمن جره السيل إلى أرضه ولا شيء للزارع.
٣١٤٦ - ومن ابتاع زرعاً أخضر على أن يحصده الآن، ثم أذن له رب الأرض في بقائه بكراء، أو بغير كراء، لم يجز، إلا أن يشتري الأرض بعد شرائه للزرع، فيجوز أن يبقيه فيها.
стр. 1636
٣١٤٧ - ومن اكترى أرضاً بعبد أو بثوب بعينه، فاستحق بعد الحرث أو الزراعة، فعليه كراء مثلها، وكذلك إن اكتراها بحديد أو رصاص أو نحاس بعينه، وقد عرفا وزنه فاستحق فالكراء ينتقض، إلا أن يكون قد زرعها أو حرثها أو أحدث فيها عملاً فعليه كراء المثل.
ومن أكرى أرضه من رجل سنة ثم اكتراها من غيره سنة أخرى بعد الأولى جاز ذلك.
٣١٤٨ - ولا بأس أن يكري المسلم أرضه من ذمي إذا كان لا يغرس فيها ما يعصر منه خمراً. وأكره للمسلم كراء أرض الجزية ذات الخراج، وإن اكتريتها فجار السلطان عليك فأخذ منك الخراج، فإن لم يكن الذمي أداه رجعت عليه بالخراج المعلوم لا بما جار وزاد عليك السلطان، وإن كان الذمي قد أداه لم ترجع عليه بشيء.
٣١٤٩ - وإذا فلس المكتري أو مات بعد أن زرع ولم ينقد، فربها أحق [بالزرع في الفلس
стр. 1637
وهو في الموت أسوة الغرماء، وكذلك رب الدار في فلس المكتري أحق] بالسكنى كلها إن لم يسكن المكتري، وإن سكن شيئاً فكلام غير هذا، وقد ذكرناه.
وإن فلس الجمال فالمكتري أحق بالجمال حتى يتم حمله، إلا أن يضمن له الغرماء حِملانه ويكتروا له من أملياء ثم يأخذون الإبل ويبيعونها في دَينهم. وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وإن فلس المكتري أو مات فالجمال أولى بالمتاع، حتى يقبض كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل ما اكترى، وجميع الصناع أحق بما في أيديهم في الموت والفَلَس.
وإن اكتريت أرضاً بدراهم، ثم أقالك ربها، على إن زدته دراهم فذلك جائز.
* * *
стр. 1638
(كتاب القراض)
٣١٥٠ - ولا تصلح المقارضة إلا بالدنانير والدراهم لا بالفلوس، لأنها تحول إلى الفساد والكساد، وليست عند مالك بالسكة البينة كالعين، وقد أخبرني عبد الرحيم أن مالكاً كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم، ثم رجع فكرهه.
стр. 1639
وقد ذكر بعض أصحابنا أن مالكاً سهل في القراض بنقر الذهب والفضة، فسالت مالكاً عن ذلك، فقال: لا يجوز. (١)
стр. 1640
٣١٥١ - قال ابن القاسم: ولا خير في القراض بطعام أو عرض، كان مما يكال أو يوزن أم لا، للغرر بتغير الأسواق عند المفاصلة، ويفسخ ذلك، وإن بيع ما لم يعمل بالثمن، فإن عمل به فله أجر مثله في بيعه، وقراض مثله في الثمن، ولا ينظر إلى ما شرط له من الربح.
وكذلك إن دفعت إليه مالاً [قراضاً] على النصف على أن يشتري عبد فلان ثم يشتري بعدما يبيعه ما شاء، فهو أجير في شرائه وبيعه، وفيما بعد ذلك له قراض المثل، وكذلك إن دفعت إليه دنانير على أن يصرفها ثم يعمل بها، أو على أن يقبض من غريمك ديناً ثم يعمل به فله أجر الصرف أو التقاضي وقراض مثله إن عمل.
ولا تدفع إليه وديعة لك عنده، أو ديناً لك عليه قراضاً، إلا أن تقبضه [منه] ثم تعيده إليه، لأن هذا اغتزاء الزيادة بتأخير الدين، ولعله أنفق الوديعة فيصير كالدين.
стр. 1641
قال عبد العزيز: ولا تدفع إليه سلعتك وتقول: قامت عليّ بكذا، فما كان من ربح بعد ذلك فبيني وبينك، وهذا له أجر مثله فيما عمل، وما كان في سلعتك من ربح أو وضيعة فلك أو عليك.
٣١٥٢ - ولا يجوز اشتراط عمل يد العامل لخفاف أو صناعة أو غيرها، فإن نزل كان أجيراً، والربح والوضيعة لرب المال أو عليه.
٣١٥٣ - وتجوز المقارضة على النصف [والثلث والربع] والخمس أو أكثر من ذلك أو أقل، قلت: فإن أعطيته مالاً قراضاً على أن الربح كله للعامل؟ [قال:] قال مالك ﵀ فيمن أعطى لرجل مالاً يعمل به على أن الربح للعامل، ولا ضمان عليه أنه لا بأس به، وكذلك المساقاة.
وإن قارضه ولم يسمّ ما له من الربح، وتصادقا على ذلك، أو على أن له شِرْكَاً في المال لم يسمه، كان على قراض مثله إن عمل.
стр. 1642
وقال غيره: إذا قال: لك شرك في المال ولم يسمه وتصادقا، فذلك على النصف. وإن أعطيته قراضاً على النصف، ثم تراضيتما بعد أن عمل أن [تجعلاه] على الثلثين له أو لك جاز ذلك.
وإن قارضت رجلين على أن لك نصف الربح ولأحدهما الثلث وللآخر السدس لم يجز، كما لو اشتراه العاملان على مثل هذا، لم يجز، لأن أحدهما يأخذ بعض ربح صاحبه بغير شيء.
٣١٥٤ - وإذا اختلف المتقارضان في أجزاء الربح قبل العمل، رد المال، إلا أن يرضى بقول ربه، وإن اختلفا بعد العمل فالقول قول العامل، كالصانع إذا جاء بما يشبه، وإلا رد إلى قراض مثله، وكذلك المساقاة، وإن ادعى أحدهما ما لا يجوز، مثل أن يدعي أن
стр. 1643
له من الربح مائة درهم ونصف ما بقي أو ثلثه، وادعى الآخر أن له الثلث أو النصف من الجميع، صدق مدعي الحلال منهما إذا أتى بما يشبه.
وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين، جاز ذلك، ولا أحب لهما أن يرجعا فيه، ولا يقضى بذلك عليهما.
٣١٥٥ - وإذا كان العامل مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة. قال الليث: إلا أن يشغله البيع فيتغدى بالأفلُس.
ولا ينفق منه في تجهزه في سفره حتى يظعن، فإذا شخص [به] من بلده
стр. 1644
كانت نفقته من المال في طعامه، وفيما يصلحه بالمعروف من غير صرف، ذاهباً وراجعاً إن كان المال يحمل ذلك، ولا يحاسب بذلك في ربحه، ولكن يلغى، وسواء [في ذلك] قرب السفر أو بعد، وإن لم يشتر شيئاً، وله أن يرد ما بقي بعد النفقة إلى صاحبه، فإذا رجع إلى مصره لم يأكل منه، وله أن يكتسي منه في بعيد السفر، إن كان المال يحمل ذلك، ولا يكتسي في قريبه، إلا أن يكون مقيماً بموضع إقامة يحتاج فيه إلى الكسوة.
٣١٥٦ - ومن قدم إلى الفسطاط وأخذ مالاً قراضاً على أن يقيم يتجر به بالفسطاط وليست ببلده، فلينفق في مقامه، لأن المال حبسه بها، إلا أن يوطئها، أو ينتقل لسكناها، وإن لم يكن [له] بها أهل فلا نفقة له، ولو خرج بالمال إلى بلد فنكح [بها] وأوطنها فمن يومئذ تكون نفقته على نفسه.
ولو أخذ مالاً قراضاً بالفسطاط، وله بها أهل، فخرج به إلى بلد له بها أهلن فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه، لأنه ذهب إلى أهله، ورجع إلى أهله.
ولو أخذه في بلد ليس فيه أهله، ثم خرج إلى البلد الذي فيه أهله، فاتجر هناك فلا نفقة له في ذهابه إلى أهله، ولا في إقامته عندهم، وله النفقة في رجوعه.
وللعامل أن يؤاجر من مال القراض من يخدمه في سفره، إن كان المال كثيراً،
стр. 1645
وكان مثله لا يخدم نفسه، وله أن يؤاجر أُجراء للأعمال التي لا بد له من ذلك فيها ويكتري البيوت والدواب لما يحمل أو يخزن.
٣١٥٧ - ولا ينبغي للعامل أن يهب منه شيئاً ولا يولي ولا يعطي عليه ولا يكافئ [فيه] أحداً، فأما أن يأتي بطعام إلى قوم، ويأتون بمثله، فأرجو أن يكون ذلك واسعاً، إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم، فإن تعمد ذلك بغير إذن صاحبه فليتحلل صاحبه، فإن حلله فلا بأس، وإن أبى فليكافئه بمثله إن كان ذلك شيئاً له مكافأة.
قيل لمالك: إن عندنا تجاراً يأخذون المال قراضاً فيشترون به متاعاً يشهدون به الموسم، ولولا ذلك ما خرجوا، هل لهم في المال نفقة؟ فقال: لا نفقة لحاج ولا لغاز في مال القراض في ذهاب ولا رجوع. (١)
٣١٥٨ - ومن تجهز لسفر بمال أخذه قراضاً من رجل، فاكترى وتزود ثم أخذ [مالاً] قراضاً ثانياً من غيره، فليحسب نفقته وركوبه على المالين بالحصص، وكذلك من أخذ مالاً قراضاً فسافر به وبمال لنفسه، فالنفقة على المالين.
وإن خرج في حاجة لنفسه فأعطاه رجل قراضاً فله أن يفُضّ النفقة على مبلغ قيمة نفقته في سفره، ومبلغ القراض، فيأخذ من القراض حصته ويكون باقي النفقة عليه.
стр. 1646
٣١٦٠ - وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه رجع به في مال القراض، فإن هلك المال لم يلزم رب المال شيء، وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً واكترى لها دواب من ماله، فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المتاع كراءه وإن اغترقه، وإن لم يف بحقه فلا شيء له، ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع.
٣١٦١ - وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده، فذلك كزيادة في ثمن السلعة على السلف لرب المال، فإما دفع إليه رب المال ما أدى وكان على قراضه وإلا كان العامل شريكاً له بما أدى من ماله، لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال غيره: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض [الأول] ، لأنه كقراض ثان، على أن يخلط بالأول بعد أن عمل، بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف، لأن هذا كقراض ثان
стр. 1647
قبل انشغال الأول، وذلك إنما صبغ الثياب بعد الشراء، فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض، وله أن لا يعطيه ذلك، وأن يضمنه قيمة الثياب، فإن كان في القيمة فضل فللعامل حصته منه، وإن أبى أن يضمنه، كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب. (١)
٣١٦٢ - ولا يزكي العامل رأس المال ولا ربحه، وإن أقام في يده أحوالاً حتى ينض ويحضر ربه ويقتسمان، فإن كان العامل يدير زَكيّاً لكل سنة بقدر ما كان المال فيه من عين أو قيمة عرض، فإن كان أول سنة قيمة المتاع مائة، والسنة الثانية مائتين، والسنة الثالثة ثلاثمائة، زكى لكل سنة قيمة ما كان يسوى المتاع فيها، إلا ما نقصت الزكاة كل عام، [قال ابن القاسم:] وإن أخذ تسعة عشر ديناراً فعمل بها شهراً فكان تمام حول رب المال، ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما، لأن رب المال لم يكمل له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه ربه فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصلا، زكى رب المال لتمام حوله، ولا يزكي العامل حصة ربحه حتى يتم الحول من يوم اقتسما، وفي ربحه عشرون ديناراً، أو كان له مال قبل ربحه إذا أضافه إلى ربحه بلغ
стр. 1648
ما تجب فيه الزكاة، فليزكه لتمام حول من يوم اقتسما، لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية.
٣١٦٣ - وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده أو خسره أو أخذه اللصوص أو العاشر ظلماً، لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال أجبر بما ربح فيه أصل المال، فما بقي بعد تمام رأس المال الأول، كان بينهما على ما شرطا، ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال، ففعلا وأسقطا الخسارة فهو أبداً على القراض الأول، وإن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه، وليس ما استهلك العامل منه مثل ما ذهب أو خسر، لأن ما استهلك قد ضمنه، ولا حصة لذلك من الربح، إلا أنه تمام رأس المال.
٣١٦٤ - وإن تسلف العامل نصف المال أو أكله، فالنصف الباقي رأس المال، وربحه على ما شرطا، وعلى العامل غرم النصف فقط، ولا ربح لذلك النصف.
ومن أخذ مائة قراضاً، فربح فيها مائة، ثم أكل منها مائة، ثم اتجر في المائة الباقية فربح مالاً، فالمائة في ضمانه، [وما بقي في يده] وما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا، ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المائة
стр. 1649
التي في ذمته ضمنها لرب المال، ولا تعد ربحاً، إذ لا ربح إلا بعد [تمام] رأس المال.
٣١٦٥ - وإن اشترى بالقراض وهو مائة [دينار] عبداً يساوي مائتين، فجنى عليه رب المال جناية نقصته مائة وخمسين ثم باعه العامل بخمسين، فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً من رأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسبه عليه، فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
٣١٦٦ - وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال خيّر ربه في دفع ثمنها [وتكون] على القراض، فإن أبى لزم العامل الثمن، وكانت له خاصة، وإن لم يكن له مال بيعت عليه، فما ربح فله، وما وضع فعليه. (١)
وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد فيها، لأن رأس ماله دون الذاهب، وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد، فلا شيء على رب المال، ويغرم العامل.
стр. 1650
٣١٦٧ - وإذا خاف العامل إن قدم ماله على مال القراض، أو أخّره [وقع] الرخص في ماله، فالصواب أن يخلطهما، ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض، وعلى ما نقد فيها، فحصة القراض بعلى] رأس مال القراض، وحصة العامل على ما نقد فيها، ولا يضمن العامل إذا خلطهما بغير شرط، ولا يجوز أن يقارضه على أن يخلطا ذلك بشرط.
ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً، وإن عملا جميعاً، فإن فعل ضمن، ولا يجوز له أن يشارك عاملاً آخر لرب المال، كما لا يستودع المودع الوديعة عند من لربها عنده وديعة، ولا عند غيره.
ولا يبيع أحدهما من الآخر بيعاً يحابيه فيه، وإن كان في المال فضل، فإن فعل لم يجز، لأنه قد يجبر ما يخسر بذلك [وينتفع به فيه] ، ولا يبضع العامل من المال بضاعة، فإن فعل ضمن، ولو أذن له رب المال في ذلك جاز، ما لم يأخذه على ذلك.