٣١٦٠ - وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه رجع به في مال القراض، فإن هلك المال لم يلزم رب المال شيء، وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً واكترى لها دواب من ماله، فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المتاع كراءه وإن اغترقه، وإن لم يف بحقه فلا شيء له، ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع.
٣١٦١ - وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده، فذلك كزيادة في ثمن السلعة على السلف لرب المال، فإما دفع إليه رب المال ما أدى وكان على قراضه وإلا كان العامل شريكاً له بما أدى من ماله، لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال غيره: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض [الأول] ، لأنه كقراض ثان، على أن يخلط بالأول بعد أن عمل، بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف، لأن هذا كقراض ثان
стр. 1647
قبل انشغال الأول، وذلك إنما صبغ الثياب بعد الشراء، فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض، وله أن لا يعطيه ذلك، وأن يضمنه قيمة الثياب، فإن كان في القيمة فضل فللعامل حصته منه، وإن أبى أن يضمنه، كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب. (١)
٣١٦٢ - ولا يزكي العامل رأس المال ولا ربحه، وإن أقام في يده أحوالاً حتى ينض ويحضر ربه ويقتسمان، فإن كان العامل يدير زَكيّاً لكل سنة بقدر ما كان المال فيه من عين أو قيمة عرض، فإن كان أول سنة قيمة المتاع مائة، والسنة الثانية مائتين، والسنة الثالثة ثلاثمائة، زكى لكل سنة قيمة ما كان يسوى المتاع فيها، إلا ما نقصت الزكاة كل عام، [قال ابن القاسم:] وإن أخذ تسعة عشر ديناراً فعمل بها شهراً فكان تمام حول رب المال، ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما، لأن رب المال لم يكمل له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه ربه فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصلا، زكى رب المال لتمام حوله، ولا يزكي العامل حصة ربحه حتى يتم الحول من يوم اقتسما، وفي ربحه عشرون ديناراً، أو كان له مال قبل ربحه إذا أضافه إلى ربحه بلغ
стр. 1648
ما تجب فيه الزكاة، فليزكه لتمام حول من يوم اقتسما، لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية.
٣١٦٣ - وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده أو خسره أو أخذه اللصوص أو العاشر ظلماً، لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال أجبر بما ربح فيه أصل المال، فما بقي بعد تمام رأس المال الأول، كان بينهما على ما شرطا، ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال، ففعلا وأسقطا الخسارة فهو أبداً على القراض الأول، وإن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه، وليس ما استهلك العامل منه مثل ما ذهب أو خسر، لأن ما استهلك قد ضمنه، ولا حصة لذلك من الربح، إلا أنه تمام رأس المال.
٣١٦٤ - وإن تسلف العامل نصف المال أو أكله، فالنصف الباقي رأس المال، وربحه على ما شرطا، وعلى العامل غرم النصف فقط، ولا ربح لذلك النصف.
ومن أخذ مائة قراضاً، فربح فيها مائة، ثم أكل منها مائة، ثم اتجر في المائة الباقية فربح مالاً، فالمائة في ضمانه، [وما بقي في يده] وما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا، ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المائة
стр. 1649
التي في ذمته ضمنها لرب المال، ولا تعد ربحاً، إذ لا ربح إلا بعد [تمام] رأس المال.
٣١٦٥ - وإن اشترى بالقراض وهو مائة [دينار] عبداً يساوي مائتين، فجنى عليه رب المال جناية نقصته مائة وخمسين ثم باعه العامل بخمسين، فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً من رأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسبه عليه، فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
٣١٦٦ - وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال خيّر ربه في دفع ثمنها [وتكون] على القراض، فإن أبى لزم العامل الثمن، وكانت له خاصة، وإن لم يكن له مال بيعت عليه، فما ربح فله، وما وضع فعليه. (١)
وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد فيها، لأن رأس ماله دون الذاهب، وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد، فلا شيء على رب المال، ويغرم العامل.
стр. 1650
٣١٦٧ - وإذا خاف العامل إن قدم ماله على مال القراض، أو أخّره [وقع] الرخص في ماله، فالصواب أن يخلطهما، ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض، وعلى ما نقد فيها، فحصة القراض بعلى] رأس مال القراض، وحصة العامل على ما نقد فيها، ولا يضمن العامل إذا خلطهما بغير شرط، ولا يجوز أن يقارضه على أن يخلطا ذلك بشرط.
ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً، وإن عملا جميعاً، فإن فعل ضمن، ولا يجوز له أن يشارك عاملاً آخر لرب المال، كما لا يستودع المودع الوديعة عند من لربها عنده وديعة، ولا عند غيره.
ولا يبيع أحدهما من الآخر بيعاً يحابيه فيه، وإن كان في المال فضل، فإن فعل لم يجز، لأنه قد يجبر ما يخسر بذلك [وينتفع به فيه] ، ولا يبضع العامل من المال بضاعة، فإن فعل ضمن، ولو أذن له رب المال في ذلك جاز، ما لم يأخذه على ذلك.
стр. 1651
ولا يبضع مع عبد لرب المال اشترط معونته، ولا يوجه أيضاً مع عبد نفسه بعض المال إلى بلد يتجر فيه، فإن فعل ضمن.
٣١٦٨ - ولو أذن رب المال للعامل أن يبيع بالنقد والنسيئة فلا يودع أحداً شيئاً إلا لعذر كالمودع، فإن كان لغير عذر ضمن، ويعذر بالسفر أو بمنزل خرب، إذ ليس بحرز أو ليس عنده من يثق به، ولا يضمن في هذا، ولا يشارك بالمال أو يقارض به إلا بإذن ربه. (١)
وإن أخذه على النصف فتعدى فدفعه إلى غيره قراضاً على الثلثين ضمن، فإن عمل هب الثاني فربح، كان لرب المال نصف الربح، وللعامل الثاني نصفه، ثم يرجع الثاني ببقية شرطه وهو السدس على العامل الأول، وكذلك المساقاة، ولو كانت ثمانين ديناراً فخسر الأول أربعين ثم دفع أربعين إلى الثاني على النصف، فصارت مائة، ولم يكن الثاني علم بذلك، فرب المال أحق بأخذ الثمانين، رأس ماله ونصف ما بقي وهو عشرة، ويأخذ الثاني عشرة، ويرجع على الأول بعشرين ديناراً، وهي تمام نصف ربحه على الأربعين.
قال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين، رأس ماله فيأخذها
стр. 1652
ثم يأخذ نصف الربح، وهو ثلاثون، فإن كان الأول أتلف الأربعين الأولى تعدياً رجع عليه رب المال بتمام عشرة ومائة إلى ما أخذه، وإن هلكت بأمر من الله رجع عليه بتمام التسعين، وذلك عشرون ديناراً، عشرة بقية رأس ماله، وعشرة حصته من الربح، ولا يأخذ ذلك من الثاني فيظلمه [في] عمله، وأرجعناه على الأول، لأنه ضامن بتعديه.
قال ابن القاسم: وإن أمر العامل من يقتضي ديونه بغير إذن رب المال ضمن ما تلف بيد الوكيل مما قبض.
٣١٦٩ - وإذا باع العامل سلعة من القراض، فأخر رب المال المبتاع بالثمن، جاز ذلك في حظ رب المال خاصة، فإن توى حظ رب المال، وقد قبض العامل حصته لم يرجع عليه رب المال بشيء، وكذلك ما وهب يجوز في حظه.
وللمأذون [له] دفع القراض وأخذه، ولا يضمنه، وللعامل أن يأخذ قراضاً من رجل آخر، إن لم يكن الأول كثيراً يشغله الثاني عنه، فلا يأخذ حينئذ من غيره شيئاً، فإن أخذهما وهو يحتمل العمل بهما،
стр. 1653
فله أن يخلطهما، ولا يضمن، ولا يجوز أن يكون ذلك بشرط من الأول أو الثاني.
٣١٧٠ - ولا بأس أن يقارض الرجل عبده أو أجيره للخدمة إن كان مثل العبد. قال سحنون: ليس الأجير كالعبد، وللمكاتب أن يبضع أو يدفع قراضاً أو يأخذه على ابتغاء الفضل.
٣١٧١ - ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام، وإن كان مسلماً.
стр. 1654
٣١٧٢ - وأكره للمسلم أخذ قراض من ذمي، أو مساقاة [من ذمي] أو يؤاجر منه نفسه للمذلة، وليس بحرام، ولا بأس أن يدفع المسلم كرمه مساقاة إلى ذمي إن كان الذمي لا يعصر حصته خمراً.
٣١٧٣ - ومن دفعت إليه مائتين قراضاً، على أن يعمل بكل مائة على حدة، وربح مائة لأحدكما وربح الأخرى بينكما، أو ربح مائة بعينها لك، وربح الأخرى للعامل لم يجز [للغرر] ، ويكون العامل أجيراً في المائتين. وكذلك على أن مائة على النصف ومائة على الثلث، ويعمل بكل مائة على حدة فلا خير فيه إذا كان لا يخلطهما، وكذلك في مساقاة الحائطين حتى يكونا على جزء واحد.
٣١٧٤ - وإن أخذ المال على أن لرب المال درهماً من الربح ثم ما بقي بينهما
стр. 1655
فسد القراض والربح كله لرب المال، والوضيعة عليه، وللعامل أجر مثله، [لا ضمان عليه] ، وإن ضاع المال فهو بأجره أسوة الغرماء في المال وفي غيره.
٣١٧٥ - وإن أخذ قراضاً على أن يسلفه رب المال سلفاً كان أجيراً، والربح كله لرب المال، لأن السلف زيادة ازدادها العامل، وما لم يشترط فيه زيادة لأحدهما من القراض الفاسد، ففيه إن نزل قراض مثله، [كالقراض على ضمان، أو إلى أجل] ، فإنه يرد إلى قراض مثله، ولا ضمان عليه، وإن اشترطت على العامل إخراج مثل المال من عنده يعمل به مع مالك وله ثلاثة أرباع الربح، لم يجز، لأنه نفع اشترطته لكثرة المال، وكذلك إن اشترطت عليه أن يخرج من عنده أقل من مالك أو أكثر على ما ذكرنا.
٣١٧٦ - ومن أخذ قراضاً على أن يعمل معه رب المال في المال، لم يجز، فإن نزل كان العامل أجيراً، وإن عمل رب المال بغير شرط كرهته، إلا العمل اليسير.
стр. 1656
ولا يبيع رب المال عبداً من القراض بغير إذن العامل، [فإن فعل] فللعامل رده أو إجازته.
٣١٧٧ - ويجوز للعامل أن يشترط على رب المال أن يعينه بعبده أو دابته في المال خاصة لا في غيره، ولم يجزه عبد العزيز في الغلام. قال ابن القاسم: ولا يصلح لرب المال أن يشترط معونة عبد العامل أو دابته.
٣١٧٨ - ومن أخذ قراضاً على أن يخرج به إلى بلد يشتري منه تجارة فلا خير فيه، قال مالك: يعطيه المال ويقوده كما يقاد البعير؟ ّ، وإنما كره مالك من هذا أنه قال: يحجر عليه أن لا يشتري إلى أن يبلغ ذلك الموضع. وقد تقدم ذكر من أخذ قراضاً
стр. 1657
على أن يبتاع عبد فلان. وفي كتاب المساقاة مسألة من طابت ثمرة نخله فدفعها مساقاة سنين.
٣١٧٩ - ولا يجوز أن تقارض رجلاً على أن يشتري هو وتنقد أنت وتقبض ثمن ما باع، أو تجعل معه غيرك لمثل ذلك أميناً عليه، وإنما القراض أن تسلم إليه المال.
ولا خير في أن يجعل رب المال ابنه مع العامل ليبصّره التجارة، لأنه نفع ازداده رب المال في تبصرة ولده، وكذلك إن جعل معه أجنبياً أراد نفع الأجنبي بذلك كصديق ملاطف أفسدت به القراض.
٣١٨٠ - وإن قارضت رجلاً على النصف فلم يعمل حتى زدته مالاً آخر على النصف على أن يخلطهما فهو جائز. قيل: فإن زدته مالاً على الثلث؟ قال: لم يجز مالك دفع المالين [إليه] أحدهما على النصف والآخر على الثلث إذا كان لا يخلطهما.
٣١٨١ - وإن أخذ الأول على النصف فابتاع به سلعة، ثم أخذ الثاني على مثل جزء الأول
стр. 1658
أو اقل أو أكثر على أن يخلطه بالأول لم يعجبني، إذ قد يخسر في الثاني فيلزمه جبره بما ربح في الأول.
وإن كانت قيمة سلع الأول كرأس المال الأول فإن الأسواق قد تحول، وأما على أن لا يخلطه فجائز، فإن خسر في الأول وربح في الآخر، فليس عليه أن يجبر هذا بهذا، وإن اتجر في الأول وباع فنضّ في يديه ثم أخذ الثاني، فإن كان باع [بمثل] رأس مال [الأول] سواء، جاز أخذه للثاني على مثل جزء الأول، لا أقل ولا أكثر، وإن نضّ الأول وفيه ربح أو وضيعة، لم يجز أخذ الثاني عل مثل جزء الأول، أو أقل أو أكثر، لا على الخلط ولا على غير الخلط.
وقال غيره: إن ربح في الأول جاز أخذه الثاني على مثل القراض الأول في الربح على أن لا يخلطه.
стр. 1659
٣١٨٢ - وإن دفعت إليه قراضاً على أن يبيع بالنسيئة فباع بالنقد، لم يجز هذا القراضز
وقال غيره: فإن باع بالنقد تعدى، كمن قارض رجلاً على أن لا يشتري إلا صنف كذا غير موجود، كان قراضاً لا يجوز، فإن اشترى غير ما أمر به [فقد] تعدى، فإن ربح فله فيما ربح قراض مثله، وإن خسر ضمن، ولا أجر له في الوضيعة، ولا أعطيه إن ربح إجارته، إذ لعلها تغترق [الربح] وتزيد فيصل بتعديه إلى ما يريده. وقد قال ربيعة في المتعدي في القراض إن وضع ضمن الوضيعة، ويكون له في الربح قدر شرطه، وكذلك المتعدي في القراض الفاسد. (١)
стр. 1660
٣١٨٣ - قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يبيع بالنسيئة إلا بإذن رب المال، فإن فعل بغير إذنه ضمن.
ولا ينبغي أن يقارض رجلاً على أن لا يشتري إلا البزّ، إلا أن يكون موجوداً في الشتاء والصيف فيجوز، ثم لا يعدوه إلى غيره، ولا يبيع البز بعرض سواه، فيصير مبتاعاً لغير البز.
وإن قلت له بعد أخذه المال وقبل أن يشغله في شيء لا تتجر به إلا في البز، فذلك لك إن كان البزّ موجوداً في الشتاء والصيف - كما ذكرنا -.
٣١٨٤ - ويجوز أن تشترط عليه أن لا ينزل به وادياً، ولا يسري به بليل، ولا يبتاع به سلعة كذا، ولا يحمله في بحر، فإن فعل شيئاً من ذلك ضمن المال، وقاله السبعة رحمة الله عليهم أجمعين.
وإن نهيته عن شراء سلعة في عقد القراض الصحيح أو بعد العقدة وقبل أن يعمل ثم اشتراها فهو متعد، ويضمن، ولك تركها على القراض أو تضمينه المال، ولو كان قد باعها كان الربح بينكما على شرطكما، والوضيعة عليه خاصة، وكذلك إن تسلف من المال ما ابتاع به سلعة لنفسه ضمن ما خسر، وكان [ما] ربح بينكما.
стр. 1661
٣١٨٥ - وإن ابتاع مُقارضك سلعة نهيته عنها، فأتى بها وفيها وضيعة، أو اتجر بما تعدى فيه فخسر، فجاء ومعه سلع لا وفاء فيها، أو عين لا وفاء فيه برأس المال فأردت تضمينه فقام غرماؤه، فقالوا: أنت أسوتنا إن ضمنته، فإن كان معه عين فأنت أحق به [منهم] وإن كان معه سلع فأنت مخير بين أن تشركه فيها، أو تسلمها وتضمنه رأس المال، فإن أسلمتها كنت أسوة الغرماء.
٣١٨٦ - ومن نهيته عن الخروج بالمال من مصر، فخرج به إلى إفريقية عيناً ورجع به عيناً قبل أن يتجر فيه، ثم اتجر به بمصر فخسر أو ضاع منه بمصر، لم يضمن، لأنه رده قبل أن يحركه، كمن أخذ وديعة بمصر فليس له أن يخرجها من مصر، فإن فعل ضمنها إن تلفت، فإن ردها إلى مصر لم يضمن، وكذلك إن أنفق وديعة عنده أو بعضها ثم رد ذلك مكانه فضاعت لم يضمن.
وللعامل أن يتجر بالمال في الحضر والسفر حيث شاء، إلا أن يقول له رب المال حين دفعه إليه بالفسطاط: لا تخرج من أرض مصر، أو من الفسطاط، فلا ينبغي له أن يخرج، فإن لم يشترط ذلك فليس له أن ينهاه عن السفر إذا أشغل [المال] ، ولو هلك رب المال بعد تجهزه به كان له النفوذ [به] إلى البلد الذي تجهز إليه.
стр. 1662
٣١٨٧ - وإن قارضته على أن يجلس به ههنا في حانوت في البزازين والسقاطين، يعمل فيه ولا يعمل في غيره، أو على أن يجلس في القيسارية، أو على أن لا يشتري لا من فلان أو من سلعة فلان، أو على أن لا يتجر إلا في سلعة كذا، وليس وجودها بمأمون، أو على أن يزرع فلا ينبغي ذلك، فإن نزل ذلك [كله] كان للعامل أجره، وما كان من زرع أو فضل أو خسارة، فلرب المال وعليه، ولو علم رب المال أنه يجلس في حانوت فهو جائز، ما لم يشترطه عليه.
٣١٨٨ - ولو زرع العامل من غير شرط في أرض اشتراها من مال القراض، أو اكتراها، جاز ذلك إن كان بموضع أمن وعدل، ولا يضمن. وأما إن خاطر به في موضع ظلم وغرر يدري أنه خطر، فإنه ضامن.
ولو أخذ العامل نخلاً وأنفق عليها من مال القراض، كان كالزرع، ولم يكن متعدياً. (١)
стр. 1663
٣١٨٩ - وإن أخذ العامل ألف درهم قراضاً، فابتاع بها سلعة، فلم ينقد حتى ابتاع أخرى على القراض بألف، أو ابتاع سلعة بأكثر من رأس المال ليضمن ما زاد ديناً ويكون في القراض، لم ينبغ ذلك أن يضمن العامل الدين، ويأخذ رب المال ربحه، [هذا لا يجوز] .
وإن أخذ مائة قراضاً فاشترى سلعة بمائتين نقداً كان فيها شريكاً لرب المال، يكون نصفها على القراض ونصفها للعامل، وإن كانت المائة الثانية مؤجلة على العامل، قومت المائة المؤجلة بالنقد، فإن ساوت خمسين كان العامل شريكاً بالثلث.
٣١٩٠ - ومن اشترى سلعة فعجز عن بعض ثمنها فأخذ من رجل قراضاً ونقده فيها، لم أحب ذلك، وأخاف أن يكون قد استغلى، وإن ابتاع سلعة ثم سأل رجلاً ليدفع
стр. 1664
إليه مالاً ينقده فيها، ويكون قراضاً بينهما، فلا خير فيه، فإن نزل لزمه ردّ [ذلك] المال إلى ربه، وما كان فيها من ربح أو وضيعة فله وعليه، وهو كمن أسلفه رجل ثمن سلعة على أن له نصف ربحها.
٣١٩١ - وإن باع العامل سلعة فطعن عليه بعيب فحط من الثمن أكثر من قيمة العيب أو أقل، أو اشترى سلعة من والده أو ولده فما كان من هذا نظراً بغير محاباة جاز.
٣١٩٢ - وإن اشترى بجميع المال عبداً، ثم رده بعيب فرضيه رب المال، فليس ذلك لرب المال، لأن العالم إن أخذه كذلك جبر ما خسر فيه بربحه، إلا أن يقول له رب المال: إن أبيت فاترك القراض واخرج، لأنك إنما تريد رده، فأنا أقبله، فذلك له، ولو رضي العامل بالعيب على وجه النظر جاز، وإن حابى فهو متعد، ولا تجوز محاباته في البيع إلا في حصته من ربح تلك السلعة.
стр. 1665
٣١٩٣ - وإن باع العامل سلعة من القراض فاحتال بالثمن على مليء أو معدم إلى أجل ضمن، كبيعه بالدين بغير أمر رب المال.
٣١٩٤ - وإذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة، فجحده البائع وحبس السلعة، فالعامل ضامن، وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها، أو بغير عينها، يدفع الثمن فيجحده البائع، فهو ضامن، ولرب المال أن يغرمه [إياها] وإن علم بقبض البائع الثمن بإقراره عنده ثم جحده أو بغير ذلك، ويطيب له ما يقضى له به من ذلك، إلا أن يدفع الوكيل الثمن بحضرة رب المال، فلا يضمن. (١)
٣١٩٥ - وإن اشترى لك رجل سلعة ودفعها إليك، ثم دفعت إليه ثمنها لينقده فضاع بيده، فعليك غرمه ثانية، ولا يغرم المأمور، لأنه رسول مؤتمن، وقال بعض المدنيين: لا يغرم رب المال شيئاً.
стр. 1666
وأكره أن يشتري العامل من رب المال سلعة، وإن صح منهما لم يصح من غيرهما، لأن رأس المال قد رجع إلى ربه، وصار القراض بهذا العرض.
٣١٩٦ - وإذا اشترى العامل أباه أو من يعتق عليه، فإن كان قد علم وهو مليء عتقوا عليه، وغرم لرب المال رأس ماله وحصة ربحه على ما قارضه، [وإن لم يعلم وكان فيهم فضل فكذلك أيضاً، وإن لم يكن فيهم فضل لم يعتقوا وبيعوا، وإن كان فيهم فضل ولا مال للعامل] بيع منهم لرب المال بقدر رأس ماله وحصة ربحه، وعتق ما بقي على العامل علم أو لم يعلم.
стр. 1667
٣١٩٧ - وإن اشترى أباً لرب المال، ولم يعلم عتق على الابن وكان له ولاؤه، وعليه للعامل حصة ربحه [فيه] إن كان فيه فضل، وإن علم العامل وهو مليء عتق عليه لضمانه بالتعمد، والولاء للابن، ويغرم العامل ثمنه للابن، فإن لم يكن له مال بيع منه بقدر رأس مال الابن، وحصة ربحه، وعتق على العامل ما بقي منه، وقد اختلف في هذه المسألة، وهذا أحسن ما فيها من الاختلاف.
٣١٩٨ - وإن وطئ العامل أمة من المال فحملت وله مال ضمن قيمتها، فجبر به راس المال، وإن أعتق العامل عبداً من المال وهو مليء، جاز وغرم لرب المال رأس ماله، وحصة ربحه إن كان فيه ربح، وإن كان عديماً بيع منه بقدر رأس ماله وحصة ربحه وعتق حصة العامل، ولو أعتقد رب المال جاز، وضمن للعامل ربحه إن كان فيه ربح.
٣١٩٩ - وإذا قتل عبد لرجل عبداً من القراض فاختار العامل أو رب المال القصاص واختار الآخر العفو على أخذ الجاني، فالقول قول العافي على أخذ العبد وجعله على القراض كما كان المقتول، وكذلك إن قتله سيده فقيمة العبد في القراض.
стр. 1668
٣٢٠٠ - وإذا باع العامل سلعة بثمن إلى أجل بإذن رب المال لم يجز لرب المال أن يبتاعها بأقل من الثمن نقداً.
ومن أخذ من رجل مالاً فقال: هو في يدي وديعة أو قراض، وقال ربه: بل أسلفتكه، فالقول قول رب المال مع يمينه، وإن قال العامل قراضاً، وقال رب المال: بل أبضعتكه لتعمل به، فالقول قول رب المال مع يمينه، وعليه للعامل أجر مثله. قال سحنون: إلا أن يكون ما ادعى العامل من الربح أقل من أجر مثله فليأخذ الأقل، وإن نكل رب المال صدق العامل مع يمينه إذا كان مثله يستعمل في القراض. (١)
стр. 1669
٣٢٠١ - وإن قال رب المال: أودعتكه، وقال العامل أخذته قراضاً، صدق ربه، والعامل مدع لطرح الضمان عن نفسه، وإن قال ربه: قراض، وقال العامل: قرض، صدق العامل، لأن ربه ههنا مدع في الربح، ولا يلتفت إلى قول هذا: أخذت منك أو أخذت مني.
وإن قال العامل: راس المال ألف، وقال ربه: ألفان، صدق العامل، لأنه أمين.
ولو خسر في البُرّ فادعى رب المال أنه نهاه عنه فتعدى، فالقول قول العامل أنه لم ينهه.
٣٢٠٢ - وإن قال العامل: رددت إليك رأس مالك والذي بيد ربح، وقال ربه: لم تدفع إليّ شيئاً، صدق رب المال ما دام في المال ربح وعلى العامل البينة.
وإن قال العامل: أنفقت في سفري من مالي مائة درهم لأرجع بها في مال القراض، صدق، ربح أو خسر، ويرجع بها في المال إن أشبه ذلك نفقة مثله، وإن ادعى ذلك بعد المقاسمة لم يصدق.
٣٢٠٣ - ولرب المال ردّ المال ما لم يعمل به العامل أو يظعن لسفر، وليس له أن يقول بعد ظعنه: ارجع، وأنا أنفق عليك، وإن ابتاع به سلعاً لم يكن لرب المال أن يجبره على بيعها ليرد القراض، ولينظر السلطان [في ذلك]
стр. 1670
فيؤخر منها ما يرجى له سوق، فإن لم يكن لتأخيرها وجه بيعت، واقتسما ربحها إن كان.
وإذا لم يشغل العامل المال حتى نهاه ربه أن يتجر به، فتعدى فاشترى به سلعة، لم يكن قراضاً، وضمن المال والربح له، كمن تعدى على وديعة عنده فاشترى بها سلعة، فهو ضامن للوديعة والربح له، بخلاف الذي نهاه رب المال عن شراء سلعة فابتاعها، وقد ذكرناه.
٣٢٠٤ - وإذا باع العامل بالديون بإذن رب المال، فأراد أن يحيله بها ويبرأ وفي المال وضيعة، فلربه أن يجبره على التقاضي أو يدعه، وكذلك إن كان فيه ربح، فعليه التقاضي، إلا أن يدعه رب المال ويسلم له العامل ربحه، وإذا شخص [العامل] في اقتضاء الديون أنفق من المال، وإن كانت فيه وضيعة.
وإن اشترى العامل بجميع المال سلعاً يرجو بها الأسواق، فقال رب المال: أنا آخذ قيمة رأس مالي سلعاً وأقاسمك باقيها على ما شرطنا، وأبى العامل، فذلك للعامل، لأنه يرجو الزيادة فيما يأخذه رب المال إذا جاءت أسواقها، وإن أراد العامل بيع ما معه، وأراد رب المال أخذه بما يسوى، فهو فيه والأجنبي سواء.
стр. 1671
٣٢٠٥ - وإذا مات العامل قيل للورثة: تقاضوا الدين وبيعوا السلع، وإن لم يؤتمنوا أتوا بأمين وكانوا على سهم وليهم، وإن لم يأتوا بأمين ولم يكونوا مأمونين أسلموا ذلك إلى ربه ولا ربح لهم، وكذلك في موت العاملين. (١)
٣٢٠٦ - وإن مات رب المال فالعامل على قراضه، فإن أراد الورثة أخذ المال فذلك لهم إن كان المال عيناً وليس ذلك لهم إن كان سلعاً، وهم في هذا كوليهم سواء، فإن علم العامل بموت رب المال، والمال بيده عيناً فلا يعمل به، وإن لم يعلم بموته حتى ابتاع به سلعاً مضى ذلك على القراض.
٣٢٠٦ - ومن هلك وقبله قراض وودائع لم توجد، ولم يوص بشيء فذلك في ماله، ويحاص به غرماؤه، وإن أقر بوديعة بعينها أو قراض بعينه في مرضه، وعليه دين ببينة في صحته، أو بإقرار في مرضه هذا قبل إقراره بذلك أو بعد، فلرب الوديعة والقراض أخذ ذلك بعينه دون غرمائه، وإن لم يكن بعينها وجب الحصاص فيها مع غرمائه. والله الموفق للصواب.
* * *
стр. 1672
(كتاب الشركة)
стр. 1673
٣٢٠٧ - ولا تجوز الشركة إلا بالأموال أو على عمل الأبدان إذا كانت صنعة واحدة، فأما بالذمم بغير مال على أن يضمنا ما ابتاع كل واحد منهما فلا يجوز، كانا في بلد واحد، أو في بلدين يجهز كل واحد منهما على صاحبه تفاوضا، كذلك في تجارة الرقيق وفي جميع التجارات أو في بعضها.
وكذلك إن اشتركا بمال قليل على أن يتداينا، لأن أحدهما يقول لصاحبه: تحمّل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، إلا أن يجتمعا في شراء سلعة معينة حاضرة أو غائبة فيبتاعاها بدين، فيجوز ذلك إذا كانا حاضرين، لأن العهدة وقعت عليهما، وإن ضمن أحدهما عن صاحبه فذلك جائز.
وإذا أقعدت صانعاً في حانوت على أن تتقبل عليه المتاع ويعمل هو، فما رزق الله بينكما نصفان، لم يجز.
٣٢٠٨ - ولا تجوز الشركة في عمل الأيدي إلا أن يكون عملها نوعاً واحداً، كالصباغين والخياطين ويعملان في حانوت واحد، وإن فضل أحدهما الآخر في العمل، وهذا ما لا بد منه.
стр. 1674
ولا يجوز أن يشتركا على أن يفترقا في قريتين أو حانوتين، وإن اتفقت الصنعة، ولا يشترك ذوا صنعتين وإن كانا في موضع واحد كحداد مع قصار ونحوه.
وإن اشترك ذوا صنعة عل عمل أيديهما ولا يحتاجا إلى رأس مال على أن على أحدهما ثلث العمل وله ثلث الكسب، وعليه ثلث الضياع، وثلثا ذلك على صاحبه، وله ثلثا الكسب، فذلك جائز كالأموال، وكذلك شركة الجماعة على ما وصفنا.
٣٢٠٩ - وما احتاج شريكا الصنعة من رأس المال أخرجاه بينهما بالسوية وعملاً جميعاً، وإن أخرج أحدهما ثلث رأس المال، والآخر الثلثين، على أن العمل عليهما جميعاً، والربح بينهما نصفان، لم تجز هذه الشركة، وإن كان بقدر ما يخرج كل واحد من رأس ماله في عدد أو وزن يكون له من الربح وعليه من العمل والوضيعة فذلك جائز.
٣٢١٠ - وإن اشترك قصّاران لأحدهما الحانوت وللآخر الأداة، والكسب بينهما، أو أتى رجل بدابة والآخر برحا، فاشتركا يعملان كذلك، على أن ما أصابا فبينهما نصفان، لم يجز ذلك إذا كانت الإجارة مختلفة، فإن تطول أحد القصارين على
стр. 1675
صاحبه بشيء تافه من الماعون لا قدر له في الكراء، كالقصرية ومدقة جاز، فأما إن تطول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها، لم يجز حتى يشتركا في ملكها، أو يكري من الآخر نصفها كالمتزارعين يشتركان فيخرج أحدهما أرضاً لها قدر من الكراء فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر، فلا يجوز إلا [على] أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض، ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية، أو تكون أرضاً لا خطب لها في الكراء كأرض المغرب وشبهها، فيجوز أن يلغي كراءها لصاحبه ويخرجان ما بعد ذلك بينهما بالسوية. () (١)
٣٢١١ - وقد اختلف عن مالك في [الشركة] في الحرث، فروى عنه بعض الرواة أنه لا يجوز الشركة حتى يشتركا في رقاب الدواب والآلة، ليضمنا ما هلك، وروى غيرهم أنه إن ساوى كراء ما يخرج هذا من البقر والأداة كراء ما يخرج الآخر من الأرض والعمل، جاز ذلك بعد أن يعتدلا في الزريعة.
стр. 1676
وإذا اشترك ثلاثة [نفر] أتى أحدهم برحا والآخر بدابة والثالث بالبيت على أن يعملوا بأيديهم والكسب بينهم أثلاثاً فعملوا على ذلك، وجهلوا أنه لا يجوز، فإن ما أصابوا يقسم بينهم أثلاثاً إن كان كراء البيت والرحا والدابة معتدلاً، وتصح الشركة، لأن كل واحد منهم أكرى متاعه بمتاع صاحبه، ألا ترى أن الرحا والبيت والدابة لو كان ذلك لأحدهم فأكرى ثلثي ذلك من صاحبيه وعملوا جازت الشركة.
وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفاً قسم لمال بينهم أثلاثاً، لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم، وقد تكافؤوا فيه، ويرجع من له فضل كراء على صاحبه فيترادون ذلك فيما بينهم وإن لم يصيبوا شيئاً، لأن ما أخرجوه مما يكرى، وقد اكترى كراءً فاسداً ولم يتراجعوا في عمل أيديهم، لتساويهم فيه.
وإن اشترط صاحب البيت والرحا أن العمل على رب البغل فعمل على هذا كان الربح والوضيعة لصاحب الدابة، لأن عمله كأنه رأس المال، وعليه أجر الرحا والبيت، وإن لم يصب شيئاً كالدابة يعمل عليها الرجل على نصف ما يكسب.
٣٢١٢ - وإذا مرض أحد شريكي الصنعة أو غاب يوماً أو يومين فعمل صاحبه فالعمل بينهما، لأن هذا أمر جائز بين الشركاء، إلا ما تفاحش من ذلك وطال، فإن
стр. 1677
العامل إن أحب أن يعطي لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك إن لم يعقدا في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر فبينهما، فإن عقدا على هذا لم تجز الشركة، فإن نزل ذلك كان ما اجتمعا فيه من العمل بينهما على قدر عملهما، وما انفرد به أحدهما له خاصة، وما عمل أحد شريكي الصنعة لزم الآخر عمله وضمانه ويؤخذ بذلك وإن افترقا.
٣٢١٣ - وتجوز شركة المعلمين في مكتب واحد لا في موضعين، وكذلك الأطباء إذا كان [ثمن] ما يشترون به الدواء بينهما.
ولا تجوز شركة الحمالين على رؤوسهم ودوابهم، لافتراقهم فيما يحملونه، كصانعين في حانوتين، إلا أن يجتمعا في حمل شيء بعينه إلى غاية واحدة، فجائز على الرؤوس والدواب، وإن جمعا دابتيهما على أن يكرياهما ممن أصابا، والكراء بينهما لم يعجبني ذلك، إذ لا يدوم ذلك، وقد يكري هذا ويبقى هذا، وكذلك على رقابهما وقد تختلف الغايات، إلا فيما لا يفترقان فيه فيجوز.
стр. 1678
٣٢١٤ - ومن استأجر نصف دابة رجل ثم اشتركا في العمل عليها فجائز، وإن اشتركا ليحتطبا أو ليحتشّا ثمار البرية [أو بقلها ويحملانه] على رقابهما أو دوابهما، فأما من موضع واحد فجائز، ولا يجوز إن افترقا.
٣٢١٥ - ولا بأس أن يشتركا في صيد السمك والطير والوحش بنصب الشرك والشباك إذا عملا جميعاً لا يفترقان في التعاون بالنصب وغيره. (١)
ولا يجوز أن يشتركا على أن يصيدا ببازيهما أو كلبيهما، إلا أن يملكا رقابهما أو يكون الكلبان أو البازيان طلبهما وأخذهما واحد لا يفترقان.
٣٢١٦ - قال ابن القاسم: ولا باس أن يشتركا في حفر القبور والمعادن والآبار والعيون، والبنيان وعمل الطين وضرب اللَّبِن وطبخ القراميد وقطع الحجارة إذا لم يفترقا في ذلك. ولا يجوز في موضعين، ولا هذا في غار وهذا في غار من المعدن، وإن عملا في المعدن معاً فأدركا نيلاً كان بينهما.
стр. 1679
قلت: فمن مات منهما بعد إدراكه النيل؟ قال: قال مالك في المعادن: لا يجوز بيعها، لأنها إذا مات صاحبها الذي عملها أقطعها الإمام غيره، فأرى المعادن لا تورث. وإذا مات صاحبها فالسلطان يقطعها لمن يرى وينظر في ذلك للمسلمين.
ومعادن الرصاص والنحاس والكحل والزرنيخ مثله.
ولا بأس أن يشتركا في إخراج اللؤلؤ من البحر والعنبر بصفته وجميع ما يقذف به البحر، وما يغاص عليه فيه، إذا عملا جميعاً كتعاون صيادي الحوت، وكذلك في طلب الكنوز والدفائن والركاز، إذا كانا بموضع واحد.
وكره مالك الطلب في قبور الجاهلية وبيوتهم وآثارهم وقال: لا أراه حراماً، وأجازه ابن القاسم واستخف غسل ترابهم.
٣٢١٧ - ولا تصلح الشركة في الزرع إلا أن يخرجا البذر بينهما نصفين ويتساويا في قيمة [أكرية] ما يتخارجانه بعد ذلك، مثل أن يكون لأحدهما الأرض
стр. 1680
وللآخر البقر والعمل عليهما، أو على أحدهما إذا تساويا. ولا أحب أن يفضل أحدهما الآخر في كراء أرض ولا بقر، إلا أرضاً لا بال لها إنما تمنح، فلا بأس أن تلغى بينهما ويتساويا فيما سوى ذلك من البذر والعمل، وإن أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر، والعمل بينهما وقيمة البذر وكراء الأرض سواء، لم يجز، لأنه أكرى نصف أرضه بنصف طعام لصاحبه.
٣٢١٨ - ولو اكتريا أرضاً من أجنبي جاز أن يخرج أحدهما البذر كله، والآخر البقر والعمل وكراء ذلك، وقيمة البذر سواء، وإن اشتركا على أن البذر والعمل بينهما بالثلث والثلثين جاز ذلك.
٣٢١٩ - وإن تساويا في الزريعة، والأرض لأحدهما والعمل على الآخر، على أن متولي العمل يكرب الأرض العام ويزرع قابلاً، لم يجز ذلك إلا في أرض مأمون رواؤها في كل عام للغرر إن لم ترو، وانتفاع صاحب الأرض بعمل الآخر باطلاً.
стр. 1681
وإن اشترك ثلاثة فأخرج أحدهما الأرض والآخر البقر والآخر العمل، وتساووا [في الكراء] وفي إخراج الزريعة جاز، فإن كان البذر من عند رجلين، ومن عند الآخر الأرض وجميع العمل، لم يجز، ويقضى بالزرع لصاحب الأرض ولهذين عليه مثل بذرهما. وروى ابن غانم عن مالك أن الزرع لصاحبي الزريعة، ولهذا كراء أرضه وعمله كقراض فاسد، وإنما يجعل الربح لما لا يؤاجر، وفيه الخسارة كالمال.
٣٢٢٠ - ولا باس أن يشتركا بعرضين مختلفين أو متفقين أو طعام عروض، على قيمة ما أخرج كل واحد [منهما] يومئذ، فبقدره الربح والعمل، وإن اتفق قيمة العرضين المختلفين وعرفا ذلك في العقدة واشتركا بهما جاز، وهذا بيع لنصف عرض هذا بنصف عرض الآخر، [فإن قوما وأشهدا على الشركة جاز،]
стр. 1682
وإن لم يذكرا بيعاً ولو شرطا التساوي في الشركة بالسلع، فلما قوما سلعتيهما تفاضلت القيمة، فإن لم يعملا أخذ كل واحد سلعته وزالت الشركة.
وإن فاتت السلعتان وعملا على ذلك، كان رأس مال كل واحد منهما ما بيعت به سلعته وبقدر ذلك ربحه ووضيعته، ويرجع من قبل ماله بفضل عمله على صاحبه، ولا يكون على صاحب السلعة القليلة ضمان في فضل سلعة صاحبه، لأن فضل سلعته لم يقع فيه بينهما بيع. (١)
٣٢٢١ - وإذا وقعت الشركة بالعروض فاسدة فرأس مال كل واحد [منهما] ما بيعت به سلعته لا ما قومت به، ويقتسمان الربح على قدر ذلك، فأما في الشركة الصحيحة فرؤوس أموالهما ما قوما به سلعتيهما يوم اشتركا، ولا ينظر إلى ما بيعتا به كان أكثر مما قوما به أو أقل، لأنهما حين قوّما صار كل واحد منهما قد باع نصف سلعته بنصف سلعة صاحبه، وصار ضمانهما منهما، وفي الفاسد لم يقع لأحدهما في سلعة الآخر ملك ولا ضمان.
٣٢٢٢ - وتجوز الشركة بما سوى الطعام والشراب من سائر العروض ومما يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن من مسك وعنبر وحناء وكتان وغيره، كانت من صنف واحد أو من صنفين إذا اتفقت القيم.
٣٢٢٣ - وتجوز الشركة بالطعام ودراهم أو بعين وعروض على ما ذكرنا من القيم، وبقدر ذلك يكون الربح والعمل.
стр. 1683
٣٢٢٤ - ولا تجوز الشركة عند مالك بشيء من الطعام والشراب، كان مما يكال أو يوزن أم لا، من صنف واحد أو صنفين.
стр. 1684
وأجاز ابن القاسم الشركة بطعام متفق في الصفة والجودة من نوع واحد على الكيل.
قال: ورجع مالك عن إجارة الشركة بالطعام وإن تكافأ، ولم يجزه لنا منذ لقيناه، ولا أعلم لكراهيته فيه وجهاً.
قال ابن القاسم: وأما إن أخرج أحدهما محمولة والآخر سمراء أو أخرج هذا قمحاً والآخر شعيراً، وقيمة ذلك متفقة أو مختلفة، وباع هذا نصف طعامه بنصف [طعام] الآخر، لم يجز على حال كيفما شرطا، كما لا أجيز الشركة بدنانير ودراهم متفقة قيمتها.
٣٢٢٥ - وإذا وقعت الشركة بالطعام فاسدة، فرأس مال كل واحد ما بيع به طعامه، إذ هو في ضمانه حتى يباع، ولو خلطاه قبل البيع جعلت رأس [المال] قيمة طعام كل واحد يوم خلطاه. (١)
стр. 1685
٣٢٢٦ - قال ابن القاسم: وتجوز الشركة بالعين، وصفة ذلك أن يخرجا دنانير ودنانير، ودراهم ودراهم متفقة النفاق والعين، بقدر ما يخرج كل واحد من رأس ماله في عدد أو وزن يكون له من الربح، وعليه من العمل أو الوضيعة.
وإن تساويا في المال والأعمال على أن يتفاضلا في الربح لم يجز، وإن تفاضلا في المال على أن يتساويا في ربح أو عمل، لم يجز، ولو أن العمل على أحدهما وتساويا في المال والربح أو تفاضلاً، لم يجز، فإن نزل ذلك كله فالربح والخسارة على قدر رؤوس الأموال.
وكذلك لو لحقهما دين من تجارتهما بعد أن خسر المال كله وذهب، فيرجع من له فضل عمل بفضل عمله على الآخر، ويبطل ما شرطا، ولا يضمن القليل المال لصاحبه نصف ما فضله به، وليس بسلف، لأن ربحه لربه.
٣٢٢٧ - ولو صح عقد المتفاضلين في المال ثم تطوع الذي له الأقل فعمل في الجميع جاز، ولا أجر له، وإن تساويا في المال والربح على أن يمسك أحدهما راس المال معه، فإن كان ليتولى التجارة دون الآخر لم يجز، وإن تولياها جميعاً جاز.
وتجوز الشركة في المال الغائب إن أخرج ذلك المال.
وإن أخرج أحدهما ألفاً والآخر ألفاً، منها خمسمائة غائبة، ثم خرج ربها