٣٩٦٢ - ومن قذف وشرب خمراً سكر منه أو لم يسكر، جُلد حداً واحداً.
وإذا اجتمع على الرجل مع حد الزنا حد قذف، أو شرب خمر، أُقيما عليه جميعاً، ويجمع ذلك الإمام عليه، إلا أن يخاف عليه فيرى أن يفرق عليه الحدين، فذلك إلى اجتهاده، وكذلك المريض إذا خيف عليه من إقامة الحد، فليؤخر.
قال مالك ﵀: وكذلك إذا خيف على السارق إن قطع في البرد، فليؤخر.
قال ابن القاسم: والذي يضرب الحد في البرد عندي، بمنزلة القطع في البرد إذا خيف عليه، فليؤخره ويحبس. والحر بمنزلة البرد في ذلك.
وأحب إليّ أن يُبدأ بحد الزنا، إذ لا عفو فيه، واختلف في العفو في حد القذف بعد بلوغ الإمام، فأجازه مالك مرة، ثم رجع عنه.
стр. 2172
٣٩٦٣ - ومن عفا عن قاذفه، لم يكن لغيره أن يقوم بحده، وإن رفع القاذف إلى الإمام أجنبي غير المقذوف، لم يمكّن من ذلك ولا يحد له، لأن هذا لا يقوم به عند الإمام إلا صاحبه.
٣٩٦٤ - ولا تجلد البكر الحامل في الزنا حتى تضع وتستقل من نفاسها، لأنه مرض.
ولو كانت محصنة أمهلت حتى تضع، فإذا وضعت حُدّت ولم تؤخر، وهذا إذا وجد للمولود من يرضعه، وإن لم يوجد [أو لم يقبل غيرها] ، أُخّرت حتى ترضع ولدها لخوف هلاكه.
٣٩٦٥ - وإذا زنت امرأة، فقالت: إني حامل، فكيف إن قالت البينة: [إنا] رأيناها تزني منذ شهرين، أو ثلاثة أشهر، أو أربعة فإنه ينظر إليها النساء، فإن صدقتها لم يعجل عليها، وإلا حُدّت.
стр. 2173
وإذا شهد عليها بالزنا أربعة عدول، فقالت: إني عذراء، أو رتقاء، ونظر النساء إليها فصدقنها، لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد، لأنه قد وجب، ألا ترى أن البكر إذا أنكر زوجها الوطء بعد إرخاء الستر، وادعته، وشهد النساء أنها بكر، أن قولهن لا يقبل وتصدق المرأة. ولا يُكشف الحرائر على مثل هذا.
وإذا شهدت بينة على امرأة أنها زنت منذ أربعة أشهر، والزوج غائب منذ أربعة أشهر، وادعت هي الحمل وصدقها النساء في الحمل، فاخرت حتى وضعت، ثم رجمت، ثم قدم الزوج فنفى الولد وادعى الاستبراء، فإن كانت المرأة [قالت] قبل أن ترجم: ليس الولد منه، وقد استبرأني، نفى الولد بلا لعان، لأن مالكاً قال فيمن ظهر بامرأته حمل قبل البناء فنفاه، وصدقته هي أنه من زنا، وأنه لم يطأها، فإنه ينفي بلا لعان وتحد هي، وإن كانت بكراً جُلدت وبقيت له زوجة إن شاء طلق أو أمسك، وإن لم تذكر المرأة قبل موتها الاستبراء في المسألة الأولى، ولم تقل شيئاً، وادعى الزوج الاستبراء ونفى الولد، فلا ينفيه هاهنا إلا بلعان. وكذلك لو نفاه ولم يدع الاستبراء، فإنه يلتعن وينفي الولد.
стр. 2174
قيل: أليس من قول مالك: من لم يدع الاستبراء فنفى الولد، ضرب الحد وألحق به الولد؟ قال: لا، ولكن قال مالك: إذا رأى الرجل امرأته تزني وقد كان يطؤها قبل الرؤية، لاعن ونفى الولد، إلا أن يطأ بعد الرؤية فيلحق به الولد، ويحد، وإن لم يطأ بعد الرؤية إلا أنها كانت حاملاً يوم قال: رأيتها تزني، فإنه يلاعن ويلحق به الولد إذا كان حملها يومئذ بيناً مشهوداً عليه، أو مقراً به قبل ذلك، لأنه لم ينتف من الحمل، فإن لم يلتعن صار قاذفاً ولحق به الولد.
٣٩٦٦ - وحد العبد في الخمر والسكر والفرية، أربعون جلدة، وإذا زنى العبد، أو قذف، أو شرب خمراً، ثم قامت بينة أنه أعتق قبل ذلك، فإنه يكون له وعليه حكم الحر في ذلك كله، وفي القصاص بينه وبين الحر. (١)
وإن قد كان طلق زوجته تطليقتين بعد العتق، جعلت له عليها الثالثة، علم العبد في ذلك كله بعتقه، أو لم يعلم، كان السيد مقراً بالعتق أو منكراً.
وأما القول في خدمته وغلته، فمذكور في كتاب العتق.
стр. 2175
٣٩٦٧ - وما تظالم أهل الذمة فيه بينهم من قطع جارحة، أخذ ذلك من بعضهم لبعض وإن قتل ذمي ذمياً، قُتل به، وإن سرق ذمي من مسلم أو ذمي، قطع، ولا يقبل في شيء من ذلك إلا شهادة المسلمين.
٣٩٦٨ - ومن دخل بزوجته البكر، فأفضاها ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه، [فإن علم أنها ماتت من جماعه] فديتها على عاقلته، وإن لم تمت فعليه ما شانها بالاجتهاد في ماله، وتبقى له زوجة، إن شاء طلق أو أمسك. فإن بلغ الاجتهاد في ذلك ثلث الدية فأكثر، كان على العاقلة، وقد جعل فيها بعض الفقهاء ثلث الدية على عاقلته، ونحا ناحية الجائفة.
٣٩٦٩ - وإن وطئ أمته فأفضاها، لم تعتق عليه إذ لم يقصد به إلى المثلة، كالأدب يؤول إلى المثلة.
وإن زنى بامرأة فأفضها، فلا شيء لها إن أمكنته من نفسها، وإن اغتصبها، فلها
стр. 2176
الصداق مع ما شانها جميعاً، كمن أوضح رجلاً فسقطت عينه من ذلك، فعليه دية الموضحة ودية العين جميعاً، ولا يدخل بعض ذلك في بعض.
٣٩٧٠ - ومن وطئ امرأة في دبرها [زناً] ، ففيه الحد، وهو وطء يغتسل منه، وقد جعله الله وطئاً، فقال تعالى: ×إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ% [العنكبوت: ٢٨] . (١)
ومن زنى بصغيرة لم تحض طائعة، ومثلها يوطأ، فحد ثم قذفها رجل بعد أن بلغت، فإنه يحد، لأن ما فعلته في الصبا لم يكن زناً.
ومن قذفها [بالزنا] وهي لم تبلغ المحيض ومثلها يوطأ، فعليه الحد.
ولا يحد من قذف صبياً لم يحتلم، وإن كان مثله يطأ.
٣٩٧١ - ومن آلى من امرأته فجامعها في دبرها، [فقد] حنث وسقط عنه الإيلاء، وتلزمه الكفارة. قيل: أيسقط عنه الإيلاء وهو لم يكفر؟ قال: نعم، لأن هذا عند مالك جماع لا شك فيه، إلا أن يكون نوى الفرج بعينه حين حلف، فلا تلزمه كفارة في الدبر، وهو مول بحاله.
стр. 2177
وإن وطئها المولي فيما دون الفرج ولا نية له، فعليه الكفارة، ويسقط عنه الإيلاء إذا كفّر، لأنه لو كفّر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفّر للإيلاء. وفي كتاب الإيلاء هذا المعنى.
٣٩٧٢ - وإذا زنا الكافران، لم يحدّا، ورُدّا إلى أهل دينهما. (١)
وإن أعلنوا الزنا وشرب الخمر فلينكلوا، فأما إن وجدوا على ذلك ولم يعلنوه، فلا.
٣٩٧٣ - قيل: فإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما لتثبت الشهادة؟ فقال: وكيف يشهد الشهود إلا كذا.
فإن قال المشهود عليه: هم عبيد، وقال الشهود: نحن أحرار، فهم على قولهم أنهم أحرار، والبينة عليه.
وأصل الناس عند مالك الحرية حتى يثبت رقهم.
ومن قذف رجلاً لا يعرف برق وهو يدعي الحرية، وقال القاذف: بل هو عبد، فهو على الحرية، ومن يعرف الشامي والبصري والإفريقي في
стр. 2178
المدينة؟ فأرى أن يحد له، إلا أن يأتي ببينة على رقه، فإن ادعى بذلك بينة قريبة، لم يعجل عليه، وإن كانت بعيدة جلد الحد ولم يلتفت إلى قوله، ثم إن أقام تلك البينة بعد الضرب زالت عنه جرحة الحد، وجازت شهادته، ولا يكون له من أرش الضرب شيء.
٣٩٧٤ - وإن أقر القاضي أنه رجم، أو قطع الأيدي، [أو زنى] تعمداً للجور، أقيد منه.
٣٩٧٥ - ولا بأس أن يقيم السيد على مملوكه حد الزنا والقذف وحد الخمر. وأما السرقة فلا، وإن شهد بها عند السيد عدلان سواه، ولا يقيمها على العبد إلا الوالي.
فإن قطعه السيد دون الوالي، وكانت البينة عادلة وأصاب وجه القطع، عوقب، ولا يحد السيد عبده في الزنا إلا بأربعة شهداء سوى السيد، فإن كان السيد رابعهم، فلا يحده، وليرفعه إلى الإمام، فيقيم الإمام عليه الحد، ويكون السيد شاهداً، ألا ترى أن الإمام إذا شهد على حد فلم تتم الشهادة إلا به، أنه لا يقيم الحد في ذلك، ولكن يرفعه إلى من فوقه، فيقيمه ويكون هو شاهداً.
стр. 2179
وإن شهد على العبد سيده وأجنبي أنه سرق، وهما عدلان، قطع الإمام يده، ولا يقطعه سيده دون الإمام.
٣٩٧٦ - ومن زنت جاريته ولها زوج، فلا يقيم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه حتى يرفع ذلك إلى الإمام.
ولا يقيم الرجل على عبده قصاصاً، حتى يرفعه إلى الإمام.
[وكذلك إذا كان له عبدان فجرح أحدهما صاحبه، فلا يقتص منه حتى يرفعه إلى الإمام] .
وقال ناس: إذا كان العبدان له، فلا قصاص بينهما، لأن ماله جرح ماله، وأبى ذلك مالك.
٣٩٧٧ - ولا تجوز شهادة آكل الربا، أو شارب الخمر، أو لاعب بالحمام إذا كان يقامر عليها، ولا شهادة من يعصر الخمر ويبيعها، وإن كان لا يشربها.
وإذا طلب المشهود عليه تجريح البينة، أُمكن من ذلك، فمن أقام البينة عليه بشيء أنه فيه، مما لو شُهد عند القاضي [ابتداءً فعلمه القاضي] منه، أبطل به شهادته، كان ذلك له تجريحاً.
стр. 2180
وإذا ادعى الخصم بينة بعيدة في التجريح، لم ينتظر، لأن الحق قد وجب [عليه] .
وإنما يتلوم له القاضي في التجريح بقدر ما يرى، فإن جرحهم وإلا أمضى الحكم عليه.
٣٩٧٨ - وإن جرح واحداً من شهود الزنا وهم أربعة، حُدّ جميعهم حد الفرية.
ومن شهدت عليه بينة بالزنا فقذفهم، حُدّ للزنا، وحُد لقذفهم حد القذف، ولا تبطل شهادتهم بالزنا لطلبهم حد القذف منه.
٣٩٧٩ - وإذا شهد الإمام على حد، رفعه إلى من فوقه، فإن لم ينك فوقه أحد، رفعه إلى قاضيه وشهد عنده.
٣٩٨٠ - وإذا كتب قاض [إلى قاض] بما ثبت عنده من شهادة على رجل في حد، أو قصاص، أو حق سواه، [أو بقضاء] أنفذه في ذلك كله، فثبت عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الذي كتب إليه وطابعه، أو كان فيه طابع فانكسر، أو ثبت [أنه] كتابه ولا طابع فيه، فذلك سواء، وينبغي لهذا الذي جاءه الكتاب
стр. 2181
إنفاذ ما فيه، فإن عُزل المكتوب إليه، أو مات ووصل الكتاب إلى من ولي بعده، فلينفذه، وكذلك إن عُزل الذي كتب به [إليه] ، أو مات قبل وصوله أو بعده، فلينفذه من وصل إليه.
وإن لم تشهد البينة على ما في كتاب القاضي، لم يلتفت إلى طابعه.
وينبغي أن يقيم الحدود في القتل ولاة المياه، وليجلب إلى الأمصار، ومصر كلها لا يقام القتل فيها إلا بالفسطاط، أو يكتب إلى والي الفسطاط، فيكتب إليه [يأمره بإقامة ذلك] . والله الموفق.
* * *
стр. 2182
(كتاب القطع في السرقة)
٣٩٨١ - وينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على رجل، أنه سرق ما يقطع في مثله، أن يسألهم عن السرقة ما هي؟ وكيف هي؟ ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ كما يكشفهم عن شهادتهم على رجل بالزنا، فإن كان في ذلك ما يدرأ الحد به، درأه.
٣٩٨٢ - ومن سرق ذهباً وزنه ربع دينار، قُطع وإن كانت قيمته درهماً واحداً، وإن لم يبلغ وزنه ربع دينار، لم يقطع وإن ساوى ثلاثة دراهم فأكثر، وكذلك من سرق فضة نظر إلى وزنها دون قيمتها من الذهب، وإنما يقوّم غير الذهب والفضة من سائر الأشياء، فمن سرق عرضاً قيمته ثلاثة دراهم قُطع وإن لم يساو من الذهب ربع دينار. ولو ساوى ربع دينار ولم يساو ثلاثة دراهم، لم يُقطع.
وإنما تُقوّم الأشياء بالدراهم، وصرف الدينار في حد القطع والدية اثنا عشر درهماً، ارتفع الصرف أو انخفض.
стр. 2183
٣٩٨٣ - ومن سرق متاعاً سراً لرجل غائب فقام به أجنبي، قُطع.
ولو قال السارق: رب المتاع أرسلني، قُطع السارق وإن صدّقه ربه أنه بعثه، كان معه في بلد أو لم يكن.
وإن أُخذ في جوف الليل ومعه متاع، فقال: فلان أرسلني إلى منزله فأخذت له هذا المتاع، فإن عرف منه إليه انقطاع وأشبه ما قال، لم يقطع، وإلا قطع ولم يصدق. وإذا لم يقم رب المتاع على السارق وتركه بعد أن أخذ منه السرقة، أو لم يأخذها، أو عفا عنه، ثم رفعه بعد ذلك [بزمان] هو أو غيره إلى السلطان، قطع. (١)
وليس للوالي أن يعفو إذا انتهت إليه الحدود.
ولو قال رب المتاع: ما سرق مني شيئاً، وشهدت بينة أنه سرق، قُطع.
ويحبس السارق حتى تزكى البينة.
٣٩٨٤ - ولا يؤخذ في الحدود والقصاص كفيل، فإن زُكّوا أقام الحد، غاب الشهود أو رب السرقة، أو حضروا، وكذلك إن زكوا بعد أن ماتوا أو عموا أو جنّوا أو خرسوا أنفذ الإمام الحد الذي شهدوا به من زنا أو سرقة. وكذلك الحقوق.
وإن ارتدوا أو فسقوا قبل الحكم، لم يحكم بما شهدوا فيه وسقطوا.
стр. 2184
وإذا ظهر منهم فسق، أو أخذوا يشربون خمراً، وذلك بعد أن حكم الإمام بإقامة الحدود أو القصاص إلا أن ذلك لم يقم [بعد] ، فإن ذلك ينفذ ويقام الحد والقصاص، وكذلك هذا في الحقوق، لأنه حكم نفذ بالأمر به.
٣٩٨٥ - وإذا شهدت البينة في الحدود، لم يفرقهم الإمام إذا كانوا عدولاً مبرزين، إلا أن يستنكر شيئاً.
ولا تجوز شهادة أهل الكفر في سرقة أو غيرها، على مسلم أو كافر.
٣٩٨٦ - وإن سرق جماعة ما تعاونوا في إخراجه من الحرز لثقله، قُطعوا كلهم، وإن لم تكن قيمته إلا ثلاثة دراهم فأكثر. وكذلك إن حملوه على ظهر أحدهم في الحرز ثم خرج به إذا لم يقدر على إخراجه إلا برفعهم معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة، فيقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليها لثقله أو لكثرته.
وإن حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم، كالثوب والصرة، لم يقطع إلا الخارج [به] ن كما لو خرج به دون عونهم، ولا يقطع من أعانه،
стр. 2185
ولو خرج كل واحد منهم حاملاً لشيء دون الآخر، وهم شركاء فيما أخرجوا لم يقطع إلا من أخرج منهم ما قيمته ثلاثة دراهم.
٣٩٨٦ - ومن سرق عرضاً قيمته ثلاثة دراهم وهو لرجلين، قُطع.
وإن سرق متاعاً ممن هو بيده وديعة أو عارية أو بإجارة، قُطع، لأنه حرز له.
[ومن سرق متاعاً، فسرقه منه سارق، ثم سرقه من السارق سارق ثالث، قُطعوا كلهم] .
ومن سرق متاعاً، فقطع فيه، ثم سرقه ثانية، قُطع أيضاً.
٣٩٨٧ - ومن قام من الناس بسارق أو زان إلى الإمام، أقام عليه الحد إذا ثبت ذلك عنده، بخلاف القاذف يرفعه غير المقذوف هذا لا يحده حتى يحضر الطالب.
ولو سمع الإمام رجلاً يقذف رجلاً ومعه من تثبت شهادته عليه، أقام عليه الإمام الحد.
٣٩٨٨ - ومن عفا عن قاذفه قبل بلوغ [الإمام] ، لزمه ولا رجوع له في ذلك، وكان
стр. 2186
مالك يقول: في القذف العفو وإن بلغ الإمام، وقاله عمر بن عبد العزيز، ثم رجع مالك، فقال: لا عفو له إذا بلغ الإمام إلا أن يريد ستراً.
٣٩٨٩ - وإذا سرق الذمي قُطع، لأن السرقة من الفساد في الأرض، فلا يقروا عليها.
وأما إن زنى، فلا يقام عليه الحد، ويرد إلى أهل دينه، ولا أمنعهم رجمه إن شاءوا.
ولا قطع في سرقة خمر أو نبيذ مسكر أو خنزير، وإن كان لذمي سرقه مسلم أو ذمي، إلا أن للذمي المعاهد قيمته على المسلم، وكذلك على الذمي إذا حكمنا بينهما.
٣٩٩٠ - ولا يحل للبينة الكف عن الشهادة على السرقة إذا رفع السارق إلى الإمام،
стр. 2187
ولا بأس بالشفاعة [للسارق] إذا لم يعرف منه أذى للناس، إذا كانت [تلك] منه زلة ما لم يبلغ الإمام أو الشرط أو الحرس، فإذا بلغهم لم تجز الشفاعة.
وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يتشفع له أحد، ويترك حتى يحد.
وإذا عاينت البينة إخراج المتاع من البيت ولا يدرون لمن هو، فلا يشهدوا بملكه لرب البيت، ولكن يؤدّون ما عاينوا وعلموا. وتقطع يد السارق ويقضى بالمتاع لرب الدار، وكذلك إن عاينوا أنه غصبه ثوباً. وكذلك يشهدون لبائع السلعة في فلس المبتاع أنه باعها منه، ولا يقولوا: أنها له حين باعها، ولا يشهدوا في ذلك إلا بما عاينوا أو علموا.
٣٩٩١ - وإذا جمع السارق المتاع وحمله، فأُدرك في الحرز قبل أن يخرجه، لم يقطع.
قيل: فإن أخرجه من البيت إلى الدار، والدار مشتركة مأذون فيها، والبيت محجور عن الناس؟ قال: قال مالك ﵀: يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الدار والدار مشتركة، لأنه قد صيره إلى غير حرزه.
стр. 2188
٣٩٩٢ -[قيل:] فإن كانت داراً مأذوناً فيها، وفيها تابوت فيه متاع لرجل قد أغلقه، فأتى رجل ممن أُذن له فكسره أو فتحه، فاخرج المتاع منه، فأُخذ بحضرة ما أخرج المتاع من التابوت قبل أن يبرح به. قال: لا يقطع هذا، وإن كان ممن لم يؤذن له لم يقطع أيضاً، لنه لم يبرح بالمتاع ولم يخرجه من حرزه.
وقد سئل مالك ﵀ عن الضيف يسرق من بعض منازل الدار المغلقة عنه؟ فقال: لا يقطع، لأنه ائتمنه حين أدخله داره.
وقال مالك ﵀ في بيت مغلق في دار مأذون فيها: إن السارق إذا أخرج نم البيت شيئاً فأُخذ في الدار، لم يقطع، فكذلك التابوت.
قال ابن القاسم: والدار المشتركة المأذون فيها إذا سرق رجل منها دواب من مرابطها، قطع. وكذلك لو كان لها مرابط معروفة في السكة، فسرقها رجل من ذلك الموضع قطع، لأن ذلك حرزها.
ومن احتلها من مرابطها المعروفة لها فأخذها، قُطع.
ولو نشر أحد - من أهل دار مشتركة مأذون فيها - ثوبه على ظهر بيته، وبيته محجور عن الناس، وإن نشره في صحن الدار، لم يقطع إن كان سارقه
стр. 2189
من أهل الدار، وإن كان من غيرها قُطع، إلا أن تكون الدار مباحة لا يمنع منها أحد، فلا يقطع سارقه، كان من أهل الدار أو من غيرها.
٣٩٩٣ - وإذا نقب السارق فأدخل يده فأخرج الثوب بقصبة أو عود، قطع.
وإن دخل الحرز فأخذ متاعاً، فناوله رجلاً [آخر] خارجاً من الحرز، قُطع الداخل وحده، أُخذ في الحرز أو بعد أن خرج. ولو خرج بالمتاع من حرزه إلى خارجه، قُطع.
قال ابن القاسم: ولو أُخذ في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجاً منه، فقد شك فيه مالك بعد أن قال لي: يُقطع، وأنا أرى أن يقطع.
ولو ربطه الداخل بحبل وجره الخارج، قُطعا جميعاً. وإن ناول أحدهما المتاع لصاحبه وهما في الدار، لم يقطع إلا من خرج به.
стр. 2190
ولو قربه [أحدهما] إلى باب الحرز أو النقب، فتناوله الخارج، قُطع الخارج وحده، إذ هو أخرجه، ولا يقطع الداخل. ولو التقت أيديهما في المناولة في وسط النقب، قُطعا جميعاً.
٣٩٩٤ - ومن شهدت عليه بينة أنه سرق هذا المتاع من يد هذا، فقال السارق: حلّفوه انه ليس لي، فإنه يُقطع ويحلف له الطالب ويأخذه، فإن نكل حلف السارق وأخذه.
٣٩٩٥ - ويقطع من سرق ما وضع في أفنية الحوانيت [للبيع] ، أو في الموقف للبيع وإن لم يكن هناك حانوت، كان ربه معه أو لا، سرقه في ليل أو نهار. وكذلك إن سرق شاة أوقفها ربها في سوق الغنم للبيع، وهي مربوطة أو غير مربوطة، فعليه القطع.
٣٩٩٦ - ويُقطع من سرق من الحوانيت، والمنازل والبيوت والدور حرز لما فيها، غاب أهلها أو حضروا. وكذلك ظهور الدواب. (١)
стр. 2191
وإذا اجتمع في الجرين الحب أو التمر، وغاب ربه وليس عليه باب أو حائط ولا غلق، قُطع من سرق منه.
٣٩٩٧ - ولا قطع في شيء من المواشي في مراعيها حتى يأويها المراح، فإذا آواها المراح وإن كان مراحها إلى غير الدور وليس عليها حيطان ولا أغلاق - فعلى من سرق منها القطع وإن لم يبت معها أهلها، كالدواب في مرابطها المعروفة، وإن لم يكن دونها أبواب ولا غلق. والمتاع في الأفنية للبيع ولا غلق على ذلك ولا معه أهله، ففي ذلك القطع.
٣٩٩٨ - ومن سرق متاعاً من الحمام فإن كان معه من يحرزه، قطع وإلا لم يقطع، إلا أن يسرقه أحد لم يدخل الحمام [من] مدخل الناس من بابه، مثل أن يتسور أو ينقب ونحو ذلك، فإنه يقطع وإن لم يكن مع المتاع حارس.
ومن جر ثوباً منشوراً على حائط، بعضه في الدار وبعضه خارج منها إلى لطريق، أو سرق متاعاً من صنيع، لم يقطع.
стр. 2192
ومن أذنت له في دخول بيتك أو دعوته إلى طعامك فسرقك، فلا قطع فيه، وهذه خيانة.
٣٩٩٩ - ومن كابر رجلاً بسلاح أو غيره على مال له في زقاق، أو دخل عليه حريمه في المصر، حكم عليه بحكم الحرابة.
وإذا سرقت الحرة أو من فيها علقة رق أو ذمية، قُطعت.
وإذا دخل الحربي بأمان فسرق قُطع، لأنه لو قَتَل قتلته، ولو تلصص قضي عليه بحكم الحرابة.
٤٠٠٠ - ولا يقطع الصبي إذا سرق ولا المجنون ولا المطبق، وأما الذي يجن ويفيق: فإن سرق [في حال جنونه لم يقطع وإن سرق] في حال إفاقته قُطع [إلا أنه إن سرق في حال إفاقته فأُخذ] في حال جنونه، استؤني به حتى يفيق.
٤٠٠١ - وإذا سرق أحد الأبوين من مال الولد، لم يُقطع، وكذلك الأجداد من قبل الأب
стр. 2193
والأم، أحب إلي أن لا يُقطعوا، لأنهم آباء، ولأن الدية تغلظ على أب الأب إذا قتل ابن ابنه ولا يقتل. فإن قيل: إن الجد يقطع، لأن نفقة ولد ولده لا تلزمه، قيل له: فالأب لا تلزمه نفقة ابنه الكبير ولا ابنته الثيب، وهو لا يقطع فيما سرق من أموالهما ولا يحد فيما وطئ من جواريهما فكذلك الجد لا حد عليه ولا قطع ولا نفقة.
٤٠٠٢ - وإن سرق الابن من مال أبيه، قُطع، وإن زنى بجارية أبيه حُد.
وتقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها من غير بيتها التي تسكنه، وكذلك إن سرق خادمها من مال الزوج من بيت قد حجره عليهم، أو سرق خادم الزوج من مال المرأة من بيت حجرته عليهم.
٤٠٠٣ - وإن سرق الأب مع أجنبي من مال الولد ما قيمته ثلاثة دراهم، لم يقطع واحد منهما. وكذلك إن سرق منك رجل أجنبي مع عبدك، أو مع أجيرك الذي ائتمنته على دخول بيتك، لم يقطع واحد منهما، وإن تعاونا في السرقة.
стр. 2194
٤٠٠٤ - وإذا سرق رجل مع صبي صغير أو مجنون ما قيمته ثلاثة دراهم، قُطع الرجل.
٤٠٠٥ - وإذا سرق الشريك من متاع الشركة مما قد أغلق عليه، لم يقطع، وإن كانا أودعاه لرجل فسرقه أحدهما منه، قُطع إن كان فيما سرق من حصة شريكه فضلٌ عن حصته ربع دينار. (١)
وشهادة الأخوين لأخيهما أن هذا الرجل سرق متاعه، جائزة إذا كانا عدلين، كالحقوق.
٤٠٠٦ - وإذا سرق المكاتب من مال سيده، أو سرق السيد من مال مكاتبه أو من مال مكاتب ابنه أو من عبد، لم يقطع.
٤٠٠٧ - ومن سرق ما قيمته ثلاثة دراهم من الطعام الذي لا يبقى في أيدي الناس، مثل: اللحم والبطيخ والقثاء وشبهه، قُطع. والأترجة التي قطع فيها عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه -، كانت تؤكل.
стр. 2195
٤٠٠٨ - وإذا كان في الحائط نخلة زال رأسها فقطعها رجل من أصلها فسرقها أو قلع نخلة بثمرها لم يقطع. وكذلك جميع الشجر.
ولو قطع هذا الجذع ربه ووضعه في الحائط فكان ذلك حرزاً له، فسرقه رجل، قُطع.
ويقطع سارق البقل إذا آواه حرزه، ما لم يكن قائماً.
ويقطع سارق الزرنيخ والنطرون والنورة والحجارة والماء، إذا بلغت قيمته ثلاثة دراهم.
٤٠٠٩ - ومن سرق شيئاً من الطير بازياً أو غيره، قُطع. وأما سباع الوحش التي لا يؤكل لحمها إذا سرقها، فإذا كان في قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم، قُطع، لأن لصاحبا بيع جلودها ما ذكى منها، والصلاة عليها وإن لم تدبغ.
٤٠١٠ - ولا قطع في جلد ميتة لم يدبغ، فأما إن دبغ ثم سُرق فإن كان قيمة ما فيه من الصنعة دون الجلد ثلاثة دراهم، قُطع.
ومن سرق كلباً صائداً أو غير صائد، لم يقطع، لأن النبي ÷ حرّم ثمنه. (١)
стр. 2196
٤٠١١ - وإذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجاً من خبائه، وذهب لحاجته، فسرقه رجل، أو سرق لمسافر فسطاطاً مضروباً بالأرض، أو احتل بعيراً من القطار في سيره وبان به، أو سرق مصحفاً، أو باب دار، أو كفناً من قبر، أو حلّ الطرّار من داخل الكم أو من خارجه، أو أخرج من الخف ما قيمته ثلاثة دراهم، أو سرق من محمل شيئاً مستسرّاً، أو أخذ من على البعير غرائر، أو شقها فأخذ منها متاعاً، أو أخذ ثوباً من على ظهر البعير [مستسراً] قُطع في ذلك كله إن بلغ ثمنه ما فيه القطع.
٤٠١٢ - وإن أخذ الثوب غير مستتر فهو خلسة، ولا قطع على مختلس، والرفقة في السفر ينزل كل واحد على حدته، فإذا سرق أحدهم من الآخر، قُطع، كأهل الدار ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها.
стр. 2197
ومن ألقى ثوبه في الصحراء، وذهب لحاجته وهو يريد الرجعة [إليه] ليأخذه، فسرقه رجل سراً، فإن كان منزلاً نزله، قُطع سارقه وإلا لم يقطع.
٤٠١٣ - ومن سرق صبياً حراً أو عبداً من حرزه، قُطع، وإن سرق عبداً [كبيراً] فصيحاً، لم يقطع، وإن كان عجمياً، قُطع.
٤٠١٤ - ومن سرق ثوباً لا يساوي ثلاثة دراهم، فيه دراهم أو دنانير مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه، قال مالك ﵀: أما الثوب وشبهه مما يعلم الناس أنه يرفع ذلك في مثله، فإنه يقطع وإن لم يدر ما فيه.
٤٠١٥ - ولو سرق شيئاً لا يرفع ذلك فيه، كالحجر والخشبة والعصا، لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما رفع فيه من فضة أو ذهب.
٤٠١٦ - وإذا شهد على رجل شاهد [عدل] أنه سرق نعجة، وشهد آخر أنه سرق
стр. 2198
كبشاً، لم يقطع. وكذلك إن قال هذا: سرق يوم الخميس، وقال هذا: [سرق] يوم الجمعة، لم يقطع إذا لم يشهدا على عمل واحد.
٤٠١٧ - وإذا دخل السارق الحرز فأكل الطعام فيه ثم خرج، لم يقطع وضمنه.
وإن دهن رأسه ولحيته في الحرز بدهن ثم خرج، فإن كان بما] في رأسه من الدهن إن سُلت بلغ ربع دينار، قُطع، وإلا لم يقطع.
وإذا ذبح شاة في الحرز أو خرق ثوباً أو أفسد طعاماً ثم خرج بذلك، فإن كانت قيمة ذلك بعد خروجه به بتلك الحال ثلاثة دراهم، قُطع، ولا ينظر إلى قيمته داخل الحرز وإنما ينظر إلى قيمة السرقة يوم سرقها [السارق] ، ولا تبالي زادت قيمتها يوم القيام به أو نقصت.
٤٠١٨ - ومن سرق مرة بعد مرة قُطعت يده اليمنى، ثم رجله اليسرى، ثم يده اليسرى، ثم رجله اليمنى.
وإن سرق ولا يمين له أو له يمين شلاّء، قُطعت رجله [اليسرى] ، قاله مالك،
стр. 2199
ثم عرضتها عليه فمحاها، وقال: تقطع يده اليسرى، و [أراه] تأول قول الله : ×فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا% [المائدة: ٣٨] . وقوله في الرجل: أحبّ إلي وبه آخذ. (١)
стр. 2200
ومن سرق ولا يدان له ولا رجلان، أو كان أشلّ اليدين والرجلين فاستهلكها وهو عديم، لم يقطع منه شيء، ولكن يضرب ويحبس ويضمن قيمة السرقة.
وإن سرق وقد ذهبت من يده اليمنى أصبع، قطعت يده، كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة، فإن يده تقطع، وإن لم يبق من يمنى يده إلا أصبع أو أصبعان قطعت رجله اليسرى، فإن كانت يداه ورجلاه كلها كذلك، لم يقطع وضُرب وسُجن وضمن قيمة السرقة.
٤٠١٩ - ومن سرق فأُخذ مكانه، أو بعد ذلك ويُسْره متصل، فقطع وقد استهلك السرقة، ضمنها، فإن كان معسراً يوم قطعت يده، أو كان يسره ذلك قد ذهب ثم أعسر، ثم قطعت يده وقد أيسر ثانية، أو سرق وهو معسر ثم أُخذ وهو موسر، فقطعت يده، لم يضمن السرقة إن كان قد استهلكها، وإنما يضمنها إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قُطع.
стр. 2201
٤٠٢٠ - وإذا شهد رجلان على رجل بالسرقة، ثم قالا قبل القطع: أوهمنا، بل هو هذا الآخر، لم يقطع واحد منهما.
وما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية فأكثر، فعلى عاقلته مثل خطأ الطبيب والمعلم والخاتن.
قال ابن القاسم: وأبى مالك أن يجيبنا في خطأ الإمام بشيء.
٤٠٢١ - وإذا رجع الشاهدان قبل الحكم ولهما عذر بين يُعرف به صدقهما، وكانا بيّني العدالة، أُقيلا وجازت شهادتهما بعد ذلك، وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما يستقبلان، ولو أُدّبا لكانا لذلك أهلاً.
وإن رجعا بعد الحكم وقد شهدا على دين أو طلاق أو حد أو عتق أو غير ذلك، فإنهما يضمنان الدين، ويضمنان العقل في القصاص في أموالهما، ويضمنان قيمة المعتق.
٤٠٢٢ - وفي الطلاق إن دخل بالزوجة، فلا شيء عليهما، وإن لم يدخل ضمنا نصف الصداق للزوج، ولا يقضي القاضي ببينة حتى يُزكّوا عنده، ولو لم يطعن فيهم الخصم. ويكشف عنهم إن شاء في السر أو في العلانية، ولا يقبل
стр. 2202
إلا تزكية رجلين عدلين لا أبالي فيم كانت الشهادة: في حق الله أو للناس، من حد أو قصاص.
٤٠٢٣ - وإذا ارتضى القاضي رجلاً للكشف، جاز أن يقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا أقل من ذلك، فإذا زكت البينة والمطلوب يجهل وجه التجريح [هو] من جهلة الرجال أو من ضعفة النساء، فليخبره القاضي بماله من ذلك، ويبينه له، لعل بينه وبينهم عداوة أو شوكة مما لا يعلمه المعدلون.
وإن كان مثله لا يجهل التجريح لم يدعه إليه، وليس كرد اليمين، لأن الحكم لا يتم إلا بردها.
٤٠٢٤ - وإن أقام المشهود عليه بينة على الشهود بعد أن زكوا أنهم شربة خمر، أو أكلة ربا، أو فجار، أو أنهم يلعبون بالشطرنج أو النرد، أو بالحمام، فذلك مما تجرح به شهادتهم، وإن ثبت أنهم حدوا في قذف، فمن تاب ممن حُد في القذف وحسنت حاله وزاد على ما عرف منه من حسن حاله، جازت شهادته.
٤٠٢٥ - ولو حد نصراني في قذف ثم أسلم بالقرب، قُبلت شهادته.
٤٠٢٦ - ولا تجوز شهادة العبد في شيء من الأشياء. وإن شهد رجل وامرأتان على رجل
стр. 2203
بالسرقة، لم يقطع، وضمن قيمة ذلك، ولا يمين على صاحب المتاع. وإن شهد بذلك رجل [واحد] حلف الطالب مع شاهده وأخذ المتاع إن كان قائماً بعينه، ولا يقطع السارق.
وإن كان المتاع مستهلكاً، ضمن السارق قيمته وإن كان عديماً.
٤٠٢٧ - وتجوز الشهادة على الشهادة في السرقة وغيرها، إذا شهد رجلان على شهادة رجل.
وإذا شهدت بينة على رجل غائب بسرقة ثم قدم، فإنه يقطع ولا تعاد البينة، حضروا أم غابوا، إذا كان الإمام قد استكمل تمام الشهادة.
٤٠٢٨ - وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان وحسنت حال السارق، ثم اعترف، أو قامت بينة بذلك، فإنه يقطع.
وكذلك حد الخمر والزنا، ولا يحد السكران حتى يصحو.
стр. 2204
٤٠٢٩ - وإن باع السارق السرقة، فقُطع ولا مال له، ثم أُلفيت عند المبتاع قائمة، فلربها أخذها ويتبع المبتاع السارق بالثمن. وكذلك لو كانت غنماً فتوالدت عند المبتاع لأخذها ربها وأولادها، فإن هلكت السرقة عند المبتاع بسببه أو باعها، فلربها أن يرجع على المبتاع بقيمتها. وإن هلكت عنده بأمر من الله سبحانه، فلا شيء عليه. (١)
ومن سرق ثوباً فصبغه، ثم قُطع ولا مال له غيره، فلرب الثوب أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبه، فإن أبى بيع الثوب وأخذ ربه من الثمن قيمته يوم السرقة، وكان الفضل للسارق. وإن عجز ثمنه لم يتبع السارق بشيء لِعُدْمه. وإن قطعه السارق وجعله ظهارة لجبة أو لقلانس وأراد ربه فتقه وأخذه مقطوعاً فذلك له كما لو سرق خشبة فبنى عليها كان له أخذها، وإن أخرب بنيانه بذلك.
فإن أبى أن يأخذ ثوبه مقطوعاً والسارق عديم، صنع به كما وصفنا في الصبغ.
ومن سرق حنطة فطحنها سويقاً ولتها، ثم قُطع ولا مال له غيره، فأبى رب الحنطة أخذ السويق، فهو مثل ما وصفنا: يباع السويق ويشترى له من ثمنه مثل حنطته.
стр. 2205
وإن سرق فضة فصاغها حلياً أو ضربها دراهم، ثم قُطع ولا مال له غيرها، فليس لربها إلا وزن فضته، لأني إن أجزت له [أخذها] بلا شيء، ظلمت السارق، وإن أمرته بأخذها ودفع أجرة الصياغة، كانت فضة بفضة وزيادة، فهذا ربا.
وإن سرق نحاساً فعمل منه قمقماً فعليه مثل وزنه، وهذا في كتاب الغصب مذكور.
٤٠٣٠ - ومن شهدت عليه بينة زكية أنه سرق، فحبسه القاضي حتى يقطعه، فقطع رجل يمينه في السجن، لم يقتص منه ونُكّل، وأجزأ ذلك من [قطع] السرقة، ولو فعل به ذلك قبل عدالة البينة أرجئ، فإن عدلت كان الأمر كذلك، وإن لم تعدل البينة اقتص منه.
وإذا أمر القاضي بقطع يمين السارق، فغلط القاطع فقطع يساره، أجزأه، ولا يقطع يمينه، ولا شيء على القاطع.
стр. 2206
وإذا قُطعت يمين السارق كان ذلك لكل سرقة تقدمت، أو قصاص وجب في تلك اليد، وإذا ضرب في شرب الخمر، أو أقيم عليه حد الزنى، فهذا [كله] لما كان قبله من ذلك. وإن فعل بعد ذلك شيئاً، أقيم عليه ذلك.
٤٠٣١ - ومن سرق فقطعت يده ولا مال عنده إلا قدر قيمة السرقة فغرمها، ثم قام قوم سرق منهم قبل ذلك، فإن كان من وقت سرق منهم لم يزل ملياً بمثل هذا الذي غرم الآن، تحاصوا فيه كلهم، وإن أعدم في خلال ذلك ثم أيسر، فكل سرقة سرق من يوم يسره المتصل إلى الآن، فأهلها يتحاصون في ذلك دون من قبلهم، وإن لم يحضروا يوم القطع كلهم فلمن غاب الدخول عليهم فيما أخذوا، كغرماء المفلس.
٤٠٣٢ - ويقوم السرقة أهل النظر والعدل، قيل: فإن اختلف المقومون؟ قال: إذا اجتمع عدلان بصيران أن قيمتها ثلاثة دراهم، وجب القطع، ولا يقطع بقيمة رجل واحد.
стр. 2207
٤٠٣٣ - ومن سرق من سفينة، قُطع. وإن سرق السفينة [نفسها] ، فهي كالدابة تحبس وتربط وإلا ذهبت. فإن كان معها من يمسكها قُطع سارقها، كالدابة بباب المسجد أو في السوق، فإن كان معها من يمسكها قُطع سارقها وإلا فلا.
وإن نزلوا بالسفينة في سفرهم منزلاً فربطوها، فإنه يقطع سارقها، كان معها ربها أو ذهب لحاجته، وكلما درأت به الحد في السرقة، ضمنت السارق قيمة السرقة وإن كان عديماً.
٤٠٣٤ - وإن سرق مسلم من حربي دخل بأمان، قُطع. وإن سرق الحربي وقد دخل بأمان، قُطع.
٤٠٣٥ - ويقيم أمير الجيش الحدود ببلد الحرب على أهل الجيش في السرقة وغيرها، وذلك
стр. 2208
أقوى له على الحق. وإن دخل المسلمون دار الحرب بأمان، فسرق بعضهم من بعض، أو زنى أو شرب الخمر، ثم قدموا فشهد بعضهم على من فعل ذلك، فإنه يُحد.
وإذا أكل المسلم لحم خنزير عوقب.
وإن شرب خمراً في رمضان جُلد للخمر ثمانين، ثم يضرب للإفطار في رمضان، وللإمام أن يجمع ذلك عليه أو يفرقه.
٤٠٣٦ - ومن شهدت عليه بينة أنه أقر بالسرقة أو بالزنى فأنكر، فإن ذكر أنه [إنما] أقر لأمر يعذر به، أو جحد ذلك الإقرار أصلاً، أُقيل.
وإذا أقر عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد بسرقة، قُطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له، صُدّق مع يمينه. (١)
٤٠٣٧ - وقاله مالك ﵀ في أمة ادعى رجل في ثوب بيدها فصدقته، وادعاه السيد [لنفسه] ، أنه يقضى به للسيد مع يمينه، إلا أن يقيم المدعي بينة.
ولا يجب على الصبيان حد في سرقة أو زنا، حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية، أو يبلغوا سناً لا يبلغه أحد إلا بلغ ذلك: من احتلام أو حيض. قيل: فإن أنبت
стр. 2209
الشعر قبل ذلك؟ قال: قد قال مالك ﵀: يُحد إذا أنبت، وأحبّ إليّ أن لا يحكم بالإنبات. وقد أصغى مالك إلى الاحتلام حين كلمته في الإنبات.
٤٠٣٨ - ومن أقر بشيء من الحدود بوعيد، أو سجن، أو قيد، أو ضرب، أو قتل، وذلك كله إكراه، فإن تمادى [على إقراره بعد زوال الإكراه، فإنه يحبس حتى يُسْتَبْرأ أمره، فإن تمادى] على إقراره بعد أمن، أقيم عليه الحد إذا أتى بأمر يعرف به صدقه [مثل أن] يعين السرقة ونحو ذلك، فإنه يحد، وإلا لم يحد في قطع ولا غيره، لأن الذي كان من إقراره أول مرة قد انقطع، وهذا كأنه إقرار حادث.
стр. 2210
وإن أخرج السرقة أو القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقتله حتى يقر بعد ذلك آمناً.
ولو جاء ببعض المتاع وأتلف بعضه، لم أضمنه ما بقي إن جاء بأمر يعذر به في إقراره، وكذلك لا أضمنه الدية في القتل إذا جاء بوجه يعذر به.
ومن قامت عليه بينة بسرقة، لم أر للإمام أن يقول له: قل ما سرقت.
٤٠٣٩ - قال: قال مالك ﵀: ومن سرق في شدة البرد، فخيف عليه الموت إن قُطعت يده، فليؤخره الإمام إلى بعد ذلك.
قال ابن القاسم: وإن كان [في] الحر أمر يعرف [به] خوفه كالبرد، فأراه مثله.
٤٠٤٠ - ومن سرق وقتل عمداً، فإنه يقتل ولا يقطع، والقطع داخل في النفس.
ولو عفا عنه ولي المقتول، قطعته للسرقة.