مقدمة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله، وخيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد ..
فإن أحد أشهر مَنْ تدور عليهم الأسانيد، وتُروى عنهم الأخبار، وانتشر حديثه في الأمصار والأقطار، وتداعت همم رواة الحديث ورجاله على الأخذ منه: الإمامُ الحافظ الكبير محمد بن مسلم بن شهابٍ الزُّهري (ت ١٢٤ هـ) ﵀.
الذي قال عنه ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ): «كان أحفظ أهل زمانه للسُّنن، وأحسنهم لها سياقًا» (١).
وهو ممن عليه مدار الحديث في وقته، حتى إن الإمام الناقد علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ) ابتدأ بذكره في أوّل حرفٍ في كتابه فقال: «نظرتُ فإذا
стр. 2
الإسناد يدور على ستة: فلأهل المدينة: ابن شهاب؛ وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب … ) (١).
وكانت له اليد الطولى في المراحل الأولى المتسمة بالشموليّة لجمع الأخبار وتدوينها، ونشرها وتفرُّقها في البلدان والأمصار، وتَتَابَعَ الكبارُ على الرواية والأخذ عنه.
وكان من أوثق الرواة عنه وأثبتهم وأجلِّهم: نجمُ السنن ومستودعُ العلوم وإمام دار الهجرة؛ الإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) ﵀.
وهو في الطبقة الأولى من أصحابه والآخذين عنه، ونصّ جماهيرُ النُّقّاد على أنه أثبتُ مَنْ يروي عن الزهري (٢).
стр. 3
بل ورد الثناءُ الباذخ والمدح الرفيع لَهُ من شيخه ابن شهابٍ في قصّةٍ جرت له معه:
حيثُ قال له الزهري وقد حدَّثه ببضعَةَ عشر حديثًا: «ما ينفعك أني أُحدِّثُك ولا تكتب؟»، قلت: إن شئت رددتها عليك. قال: «ردها»، فرددتها عليه، فقال: «نِعْمَ مُستودع العلم أنت!» (١).
стр. 4
وإن من أشهر الأخبار التي اختُلف فيها على ابن شهابٍ الزهري:
حديثُ أسامة بن زيد ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر».
ويتركّزُ الاختلاف على تسمية راويه عن أسامة بن زيدٍ؛ هل هو: «عَمرو بن عثمان»، أو «عُمر بن عثمان»؟ وكلاهما من ولد عثمان بن عفان ﵁:
فرواه أصحاب الزهري بتسمية راويه «عَمرًا»، وخالفهم مالكٌ فأسماهُ: «عُمر»، وأخطأ فيه.
وكما قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ): «ومالكٌ ممن لا يكاد يُقاس به غيره حفظًا وإتقانًا، لكن الغلط لا يسلم منه أحد» (١).
والشأن في جَمع الطرق والروايات بيانُ مواضع الاتفاق فيها والاختلاف، مع الإبراز والاستثمار لصنيع الأئمة وتصرُّفاتهم وطرائقهم في روايتها، والنظر في مدلولات سياقاتها الواردة فيها.
وحديث الباب هو من أشهر ما يُستدل به على اعتناء الأئمة النُّقاد ببيان أخطاء المحدِّثين الثقات وتصويبها؛ حيث نرى تتابع الأئمة والرواة على بيان الخطأ في تسمية راويه، وتنصيصهم على وجه الصواب فيه (٢).
стр. 5
وهذا جُزءٌ مختصرٌ في جمع طُرُقِه ورواياتِهِ والكلام عليها (١)، مع التركيز على استثمار سياقاته الواردة فيها، والتنبيه على ما وقع في بعض المصادر من اختلافٍ في نقله مع استظهارٍ للصواب.
ومن الله أستمد العون والسداد، وأسأله نيل السؤل والمراد؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(مكة) ١٤٤١ هـ
стр. 6
نصُّ الحديث:
عن أُسامة بن زيدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ».
التخريج:
* هذا الحديث رواه ابن شهابٍ الزُهري، واختُلف عليه على أربعة أوجه:
الوجه الأول: رواه جمهور أصحابه:
عنهُ، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان (١)، عن أسامة بن زيدٍ، قال:
стр. 7
قال رسول الله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر».
وقد رواهُ عنهُ من أصحابه:
(سفيان بن عُيينة، وعبدالملك بن جُريج، ويزيد بن الهاد، ومعمر بن راشد الأزدي، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وعبد الله بن بُديل، وأسامة بن زيد الليثي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن أبي حفصة، وزمعة بن صالح).
الوجه الثاني: رواه مالكُ بن أنسٍ:
واختُلف عنه على ثلاثة أوجه:
الأول: رواه جمعٌ من أصحاب مالك، عنهُ، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عُمر بن عثمان (١)، عن أسامة بن زيد، به، مرفوعًا.
стр. 8
الثاني: رواه آخرون عنه، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، به، مرفوعًا، بمثل رواية جمهور أصحاب الزهري في الوجه الأول؛ بتسمية راويه «عَمْرًا» (١).
الثالث: رواه ابن بُكير عنهُ، على الشك؛ فقال: «عمرو بن عثمان، أو عمر بن عثمان».
الوجه الثالث عن الزهري: رواه عبدالله بن عيسى:
عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أسامة بن زيدٍ، به، مرفوعًا.
الوجه الرابع عن الزهري: رواه هُشيم بن بشير:
بلفظ: «لايتوارث أهلُ ملّتين شتى»، وقد اختُلف عليه في إسناده على وجهين:
الأول: رواهُ مسعود بن جويرية، عنه، عن الزهري، عن علي بن الحسين، وأبان بن عثمان، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيدٍ، به.
فزاد في إسناده «أبان بن عثمان».
стр. 9
والثاني: رواه عنه جمعٌ من أصحابه دون ذكر «أبانٍ» في إسناده.
стр. 10
الوجه الأول: عن الزهري بتسمية راويه «عمرو بن عثمان»
وقد رواه جماهير أصحاب ابن شهابٍ وهم:
١ - سفيان بن عيينة:
رواه أحمد في المسند: (٢١٧٤٧)، والحُميدي في مسنده: (٥٥١)، والشافعي في الرسالة: (ص ١٦٧) والأم (٤/ ٧٥) و (٤/ ٨٧) و (٧/ ٣٨٣) و (١/ ٣٠٠)، وابن أبي شيبة في المُصنّف (١): (٣٢٠٨٨) - وعنهُ ابن أبي
عاصم في الآحاد والمثاني: (٤٥٤) - ومسلمٌ في صحيحه: (١٦١٤)، وأبو داود في
السنن: (٢٩٠٩)، والترمذي في الجامع: (٢١٠٧)، وابن ماجه: (٢٧٢٩)، والنسائي في السنن الكبرى: (٦٥٥٠)، والدارمي في مُسنده: (٣٠٤٤)، والبزَّار في
مسنده: (٢٥٨١)، وابن حبان في صحيحه: (٦٠٣٣)، وابن الجارود في المُنتقى من السنن المسندة: (٩٥٤)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤)، وغيرهم=
стр. 11
٢ - عبد الملك بن جُريج:
رواه عبدالرزَّاق في المُصنف: (٩٨٥٢) -وعنه أحمد في مسنده: (٢١٨٠٨)، وابن المُنذر في الأوسط: (٩٦٦٩) - والبخاري في صحيحه: (٦٧٦٤)، والبزَّار في مسنده: (٢٥٨٥) =
٣ - يزيد بن الهاد:
رواه النسائي في الكبرى: (٦٥٥١)، وابن المُنذر في الأوسط: (٩٦٦٨)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
٤ - معمر بن راشد الأزدي (١):
رواه أحمد في المسند: (٢١٨٠٨)، والدارمي في مسنده: (٣٠٤١)، والنسائي في الكبرى: (٦٥٥٣)، وابن المُنذر في الأوسط: (٦٨٦٠) =
٥ - عُقيل بن خالد:
رواه النسائي في الكبرى: (٦٥٥٢)، وأبو عوانة في مستخرجه: (٥٥٩٤)،
стр. 12
والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
٦ - يونس بن يزيد:
رواه النسائي في السنن الكبرى: (٦٥٥٤)، وابن ماجه في سننه: (٢٧٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
٧ - عبدالله بن بُديل:
رواه الطيالسي في مسنده: (٦٦٥)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
٨ - أسامة بن زيد الليثي:
ذكره ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: (٤٥٤)، ولم يُسنده=
٩ و ١٠ - معمر وابن جريج-مقرونين -:
رواه عبدالرزّاق في المصنف: (١٩٣٠٤) =
١١ - يحيى بن سعيد الأنصاري:
رواه الطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤)، وأبو نُعيم في الحلية: (٣/ ١٤٤) =
стр. 13
١٢ - محمد بن أبي حفصة:
رواه البخاري في صحيحه: (٤٢٨٢) وأحمد في المسند: (٢١٧٥٢)، والطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
١٣ - زمعة بن صالح:
رواه الطبراني في المعجم الكبير: ١/ ١٦٩ (٤١٤) =
كلهم: (سُفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وعبد الملك بن جريج، ويزيد بن الهاد، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، وعبدالله بن بُديل، وأسامة بن زيد الليثي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن أبي حفصة، وزمعة بن صالح) -:
رووه عن: الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر».
стр. 14
مُلحقٌ:
(في الاختلاف على الأوزاعي ومعمر)
* أولاً: حديثُ الأوزاعي، وقد اختُلف عليه في حديث الباب على وجهين:
الوجه الأول: روي عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ بلفط: «نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة … ».
والوجه الثاني: روي عنه، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أين تنزل غدا؟ وذلك في حجة النبي ﷺ فقال: «وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب منزلا؟»، ثم قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، ثم قال: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة، حيث قاسمت قريش على الكفر».
(١) أما الوجه الأول، فقد رواه:
أحمد في المسند (٧٢٤٠)، والبخاري في صحيحه (١٥٩٠) عن الحُميدي، ومسلمٌ في صحيحه (١٣١٤) عن زهير بن حرب، وابن خُزيمة في صحيحه (٢٩٨١) عن الحسين بن حُريث- ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه (٣٠٢٨) - والسرّاج في حديثه بتخريج الشحامي ٢/ ٣٦١ (١٤٩٥) عن محمد بن الصبّاح، وابن أخي ميمي الدقاق في
стр. 15
الفوائد (٣٥١) عن أبي القاسم البغوي، عن داود بن رشيد، وأبو نعيم في مستخرجه (٣٠٢٨) عن أبي علي محمد بن أحمد، عن أبي شعيب الحرّاني، عن علي بن المديني، ح، وعن محمد بن إبراهيم عن عبدالله بن محمد بن سلم عن دُحيم عبدالرحمن بن إبراهيم: كلهم (أحمد بن حنبل، والحُميدي، وزهير بن حرب، وعلي بن المديني، ومحمد بن الصبّاح، وداود بن رشيد، والحسين بن حُريث، ودُحيم) (١)، رووه عن الوليد بن مسلم=
وأحمد في المسند (١٠٩٦٩)، والفاكهي في أخبار مكة (٢٤٠٥) عن العبّاس الدوري، والمحاملي في الأمالي رواية ابن مهدي (٣٢) - ومن طريقه الخطيب في الفصل (٢/ ٦٩٥)، وأبو نعيم الحداد في جامع الصحيحين (٣٦٨٦) - عن سعيد بن بحر؛ ثلاثتهم (أحمد بن حنبل، وعباس الدوري، وسعيد بن بحر) رووه عن محمد بن مصعب=
стр. 16
وأبو داود في السنن (٢٠١١)، والنسائي في السنن الكبرى (٤٣٩٦)، عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبدالواحد السلمي، وابن خُزيمة في صحيحه (٢٩٨٢) عن يونس بن عبدالأعلى، وبحر بن نصر عن بشر بن بكر، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٦٠) عن إسحاق بن محمد، عن أبي العباس محمد بن يعقوب، عن العباس بن الوليد، عن أبيه الوليد بن مزيد، وأبوعوانة في مستخرجه- كما في إتحاف المهرة (٢٠٤٨٥) - عن أبي أمية عن محمد بن مصعب، ويحيى بن الضحّاك، وإسماعيل بن عبدالله بن سماعة- أشار لروايتهما الخطيب في الفصل (٢/ ٦٩٧) ولم يسندها- كلهم (الوليد بن مسلم، ومحمد بن مصعب، وعمر بن عبدالواحد، وبشر بن بكر، والوليد بن مزيد، ويحيى بن الضحاك، وإسماعيل بن سماعة) =
رووه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ من الغد يوم النحر، وهو بمنى: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة … ».
وقد اتفق الشيخان على رواية حديث الأوزاعي على هذا النحو، واعتنى الأئمة وأصحاب المصنفات بروايتها ونقلها، وتابعه عليها جمعٌ من أصحاب ابن شهاب (١).
стр. 17
(٢) وأما الوجه الثاني:
فقد رواه: عبدالرزّاق في المُصنّف (٩٨٥١) - ومن طريقه النسائي في الكُبرى (٤٤٥١) مختصراً، وأبوعوانة في مستخرجه (٥٥٩٧) - عن معمر والأوزاعي- مقرونين- عن الزهري، عن علي بن الحُسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد ﵁، به.
وقد أعلّه النسائي فقال: «وحديث الأوزاعي غيرُ محفوظ»، أي: من مسند أسامة ﵁.
حيثُ خالف عبدالرزّاق في حديثه حديثَ الجماعة، وحمل حديث الأوزاعي على حديث معمر الذي رواه من مسند أسامة ﵁.
والصواب في حديثه أنه من مسند أبي هريرة ﵁، كما رواه أصحاب الوجه الأول بلفظ: «نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة … ».
стр. 18
* ثانيًا: حديثُ معمر، وقد روي عنه مختصرًا ومطولاً:
الأول: بالاقتصار على لفظ حديث الجماعة: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم».
رواهُ عنهُ: (عبدالرزّاق، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ويزيد بن زُريع)، وتقدمت الإشارة لروايتهم.
والثاني: رواه عنه (عبدالرزّاق) عن معمر بإسناده إلى أسامة بن زيدٍ ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أين ننزل غدا؟ في حجته، قال: «وهل ترك لنا عَقِيل منزلا؟»، ثم قال: «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة»، ثم قال عند ذلك: «لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر».
- وقد رواه: أحمد في المُسند (٢١٧٦٦) - ومن طريقه أبوداود في السنن (٢٠١٠)، و (٢٩١٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٢/ ١٥٦) - والبخاري (٣٠٥٨) عن محمود بن غيلان، ومسلمٌ (١٣٥١) عن محمد بن مهران الرازي، وابن أبي عمر، وعبد بن حُميد، وأبو عوانة في مستخرجه (٥٥٩٦) عن محمد بن إسحاق بن الصبّاح، وحمدان السُّلمي، وابنُ خزيمة في صحيحه (٢٩٨٥)، والبغوي في شرح السنة (٢٧٤٧)، والعلائي في بُغية الملتمس (١٨٧)، بإسنادهما إلى ابن معقل الميداني؛ كلاهما (ابن خزيمة، وابن معقل) روياه عن محمد بن يحيى الذُهلي=
والطبراني في المعجم الكبير ١/ ١٦٨ (٤١٣) عن إبراهيم بن سويد، والبيهقي
стр. 19
في الكبرى (٥/ ١٦٠) عن أبي الحسن المهرجاني، عن بشر بن أحمد، عن أحمد بن الحسين بن الحذّاء، عن علي بن المديني، وغيرهم؛
كلهم: (أحمد بن حنبل، ومحمود بن غيلان، ومحمد بن مهران، وابن أبي عمر، وعبد بن حميد، ومحمد بن الصبّاح، وحمدان السُلمي، ومحمد بن يحيى، وإبراهيم بن سويد، وعلي بن المديني):
رووه عن عبدالرزّاق، عن معمرٍ، به (١).
стр. 20
ذكرُ ما ورد من الاختلاف في متنه:
* حديثُ معمر مما اختلفت فيه أقوال النُظّار وأئمة النقد:
١ - حيثُ نصّ علي بن المديني على أن قوله: «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة»، مُدرجٌ من معمر في حديث أسامة بن زيد ﵁، والصواب أنه من مسند أبي هريرة ﵁.
وتبعه عليه ابن خُزيمة، والخطيب البغدادي.
قال علي بن المديني: «حديثُ أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «منزلنا غدًا إن شاء الله بالخيف عند الضحى» رواه الزهري، فاختلف على الزهري في إسناده:
فرواه الأوزاعي، وإبراهيم بن سعد، والنعمان بن راشد، وإبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع؛ كلهم عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١).
إلا أن معمرًا أدرجه في حديث علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيدٍ: «وهل ترك لي عقيلٌ منزلاً»، فأدرج الكلام فيه: «منزلنا غدًا».
وقد رواه محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، ولم يذكر فيه: «ومنزلنا بالخيف»» (٢).
стр. 21
٢ - واتفق الشيخان على رواية طريق معمر من مُسند أسامة بن زيدٍ ﵁، باللفظ المذكور، كما تقدم الإشارة إليه.
واعتنى أصحاب عبدالرزّاق بروايته، وفيهم الأكابر من أصحابه.
وقد نصّ الدارقطني على أن اللفظ المذكور محفوظٌ من كلا الحديثين (١).
стр. 22
الوجه الثاني (عن الزهري): رواية مالك بن أنس
* رواه مالك بن أنس، واختلف عنهُ أصحابه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: رواه عنه جمعٌ بتسمية راويه: «عُمَر بن عثمان»، وهم:
(محمد بن إدريس الشافعي، وخالد بن مخلد القَطَواني، وعبد الله بن وهب، ومصعب بن عبد الله الزبيري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأحمد بن إسماعيل المدني السهمي).
والوجه الثاني: رواه عنه جمعٌ بتسمية راويه «عَمرو بن عثمان»، وهم:
(عبدالله بن المُبارك، وأبو مصعب الزهري، وزيد بن الحباب، ومعاوية بن هشام القصّار، ويحيى بن يحيى الليثي، وإبراهيم بن طهمان، وعبدالرحمن بن القاسم).
والوجه الثالث: رواه يحيى بن بُكير، عن مالكٍ على الشك، فقال فيه: «عن عمرو أو عُمر».
стр. 23
الوجه الأول (عن مالك)
* رواه عنه جمعٌ من أصحابه بتسمية راويه: «عُمَر»:
وقد رواه: الشافعي في الأم: (٤/ ٧٥)، وأحمد في المسند: (٢١٨١٣) عن ابن مهدي- ومن طريقه العلائي في بُغية الملتمس: (ص ١٨٠) - ومحمد بن الحسن الشيباني في موطئه: (٧٢٨)، وعبدالله بن مسلمة القعنبي في موطئه (مخطوطٌ بخط الجَرهي: (أ/ ٩١)) - ومن طريقه الجوهري في مسند الموطأ (٢١٠)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات: (٣٦) - وابن أبي خيثمة في التاريخ (السفر الثاني): ٢/ ٩٠٥ (٣٨٤٠) - ومن طريقه ابن عبدالبر في التمهيد (٩/ ١٦٢) - عن مصعب بن عبدالله، وأبو طاهر المُخلِّصُ في الفوائد الغرائب المنتقاة من المُخلِّصيَّات لَهُ: ٢/ ٣٣ (٩٥٨) -ومن طريقه ابن عساكر في التاريخ: (٤٦/ ٢٩٠) - عن أحمد بن بجير، عن علي بن نُفيل، قال: حدثنا خالد بن مخلد القطواني، والمحاملي في الأمالي (رواية ابن مهدي): (٣٣٦) - ومن طريقه سليم الرازي في عوالي مالك: ١/ ٢٧٨ (١٨١) - عن أحمد بن إسماعيل المدني، والطحاوي في شرح معاني الآثار: (٣/ ٢٦٥) عن يونس- ومن طريقه الجوهري في مسند الموطأ (٢١٠) - عن عبدالله بن وهب-:
كلهم: (محمد بن إدريس الشافعي (١)،
стр. 24
وخالد بن مخلد القَطَواني (١)، وعبد الله بن وهب (٢)، ومصعب بن عبدالله
стр. 25
الزبيري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبدالرحمن بن مهدي (١)، وعبدالله بن
стр. 26
مسلمة القعنبي (١)، وأحمد بن إسماعيل المدني السهمي (٢) =
стр. 27
رووه عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، به، مرفوعًا.
وهو الصواب في المروي عن مالك، ورواه عنه أصحابه المتقدم ذكرهم على الوجه، والموافق لتنصيص الأئمة على أن مالكًا رواه على هذا النحو، وأنه خالف فيه بقيَّةَ أصحابِ الزُّهري.
стр. 28
• وقد تابع مالكًا عليه: أبو أويس المدني (١):
قال يحيى بن محمد بن يحيى الذُهلي: قيل (لأبي أويس) (٢): يقولون: عَمرو بن عثمان؟ قال: «لا، هو عُمر بن عثمان، نحنُ أعلم؛ هذه داره»، وذكر هذا عقب حديث: «لا يرث المسلم الكافر» ا. هـ
ولم أقف على حديثه مسندًا، وقد أعلَّه علي بن المديني والبزَّار، ونصّوا على أن سماع أبي أويس ومالك واحدٌ عن الزُهري (٣).
стр. 29
كلام الأئمة عن خطأ مالك في إسناد هذا الحديث:
نصَّ جمعٌ غفيرٌ من الأئمة النُقَّاد على خطأ مالك في تسمية راويه، وبعضهم من أقرانه وأصحابه؛ إلا أنه ثبت على قوله وقال: «هذه دارُهُ»، ولم يرجع عنه (١)، وفيما
стр. 30
يلي عرضٌ لأقوالهم:
١. يحيى بن سعيد القطَّان (ت ١٩٨ هـ):
قال ابن أبي خيثمة: «وكان في كتاب علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قال مالك في حديث: «لا يرث الكافر المسلم» -: «ابن شهاب عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان»، وقال يحيى: فقلت له: عمرو بن عثمان؟ فأبى أن يرجع، وقال: كان لعثمان ابنٌ يقال له: عمر، وهذه داره» (١).
٢. سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ):
قال ابن عبدالبر: «وقال علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة: إنه قيل له: إن مالكًا يقول في حديث: «لا يرث المسلم الكافر» -: «عمر بن عثمان»، فقال سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة، وتفقدته منه، فما قال إلا: عمرو بن عثمان» (٢).
٣. محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):
قال المُزني: «سمعتُ الشافعي يقول: صحَّف مالكٌ في «عمر بن عثمان»، وإنما
стр. 31
هو: «عمرو بن عثمان»».
قال ابن أبي حاتم: «فذكرتُ ذلك لأبي فقال: صدق الشافعي، وهو كما قال» (١).
٤. إسماعيل ابن أبي أويس (ت ٢٢٦ هـ):
قال: «أخطأ مالك بن أنس في اسم «عمرو بن عثمان»، فقال: «عمر بن عثمان»، وإنما هو: «عمرو بن عثمان»، وأشار بيده إلى دار، فقال: «هذه دار عمر بن عثمان الذي روى عنه علي بن حسين»» (٢).
٥. علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ):
قال: «حديث أسامة عن النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر»، قد رواه الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، فرواه عن الزهري: ابن عيينة، ومالك، وهشيم، وابن الهاد، ويونس بن يزيد، ومعمر، وخالفهم مالكٌ فقال: «عن عُمر بن عثمان»، وسماع مالك وأبي أويس واحدٌ، لا يحتج بهما على هؤلاء، والذين
стр. 32
قالوا: «عن عمرو بن عثمان» أثبت، مع أن مالكًا كان ثبتًا، وكان يقول: «هذه دار عمر بن عثمان»» (١).
٦. البخاري (ت ٢٥٦ هـ):
قال: «وقال مالكٌ: «عُمر»، وهو وهمٌ» (٢).
٧. مسلم (ت ٢٦١ هـ):
نقل أبو العبَّاس الداني عن مسلم أنه قال: «كانا جميعًا ولدَ عثمان، عُمر وعمرو، غيرَ أن هذا الحديث عن عمرو، وليس عُمر» (٣).
وقال ابن الصلاح: «وذكر مسلم- صاحب الصحيح- في كتاب «التمييز» أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: «عمرو بن عثمان»؛ يعني: بفتح العين. وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعًا ولد عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو- بفتح العين- وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه، والله أعلم» (٤).
стр. 33
٨. أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ):
قال ابن أبي حاتم: «سئل أبو زرعة عن حديث مالك، عن الزهري … الحديث؟
قال أبو زرعة: الرواة يقولون: عمرو، ومالكٌ يقول: عُمر بن عثمان» (١).
٩. أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧ هـ):
تقدمت موافقته للشافعي.
١٠. الترمذي (ت ٢٧٩ هـ):
قال: «وحديثُ مالكٍ وهم، وهم فيه مالك … وعمرو بن عثمان بن عفان هو مشهور من ولد عثمان، ولا يعرف عمر بن عثمان» (٢).
١١. ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير بن حرب (ت ٢٧٩ هـ):
قال: «خالف مالك بن أنس الناس في هذا؛ قال: عن عُمر بن عثمان» (٣).
١٢. أبو بكر البزَّار (ت ٢٩٢ هـ):
قال: «وهذا الحديث رواه ابن عيينة ومعمر وجماعة، عن الزُهري، عن علي بن
стр. 34
حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، فاتفقوا على اسم عمرو بن عثمان؛ إلا مالك بن أنس، فرواه عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة، فيرون أنه غَلِطَ في ذلك، على أنه- يعني: مالكًا- قد وقف فقال: «هذه دار عَمرو، وهذا دار عُمر»، فأومأ إليهما، فأما في الرواية فلا نعلم أحدًا تابعه على روايته؛ إلا أن يكون أبو أويس، فإن سماعه من الزهري شبيهٌ بسماع مالك» (١).
١٣. النسائي (ت ٣٠٣ هـ):
فقال: «والصواب من حديث مالك: عمر بن عثمان، ولا نعلمُ أن أحدًا من أصحاب الزُّهري تابعه على ذلك، وقد قيل له فثبت عليه، وقال: هذه داره» ا. هـ (٢).
وساق الحديث من طريق خمسةٍ من أصحاب الزُّهري؛ كلهم رووه عنه بتسمية راويه «عَمرًا».
١٤. ابن الحذَّاء (ت ٤١٦ هـ) - شيخ ابن عبدالبر -:
قال في ترجمة عمرو بن عثمان: «اختلف فيه عن مالك، فالصحيح عنه: «عمر بن عثمان»، وأكثر الناس يقولون: «عمرو»، وهو الصحيح، وهو أشهرُ في الرواية، وأما «عمر بن عثمان» فقليلٌ ما روي عنه الحديث» (٣).
стр. 35
١٥. ابن عبد البر (ت ٤٦٣ هـ):
قال: «فأصحاب ابن شهاب، غير مالك، يقولون في هذا الحديث: عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، ومالك يقول فيه: عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة، وقد وقَفَه الشافعي ويحيى بن سعيد القطان على ذلك فقال: «هو عُمر»، وأبى أن يرجع، وقال: «قد كان لعثمان ابنٌ يُقالُ لَهُ: عُمر وهذه داره».
ومالكٌ لا يكاد يقاس به غيره حفظًا وإتقانًا، لكن الغلط لا يسلم منه أحد، وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا «عمرو» بالواو.
وقال علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة: إنه قيل له: إن مالكًا يقول في حديث: «لا يرث المسلم الكافر» -: «عمر بن عثمان»، فقال سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرة، وتفقدته منه، فما قال إلا: «عمرو بن عثمان»».
قال ابن عبد البر: «وممن تابع ابنَ عيينة على قوله: «عمرو بن عثمان» -: معمر، وابن جريج، وعقيل، ويونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي، والجماعة أولى أن يسلم لها» (١).
وقال: «هكذا يقول مالك: «عُمر»، وسائر رواة ابن شهاب يقولون: «عَمرو بن عثمان» (٢).
стр. 36
١٦. أبو العبَّاس الداني (ت ٥٣٢ هـ):
قال: «كان مالكٌ يقول في إسناد هذا الحديث: «عُمر بن عثمان»، وهو المحفوظ عنهُ، وقال سائرُ رواةِ الزُّهري: «عمرو» مخفَّفًا، وروجع مالكٌ فيه فقال: «نحنُ أعلمُ بِهِ وهذِهِ دارُهُ» ا. هـ (١).
стр. 37
الوجه الثاني (عن مالك)
* رواه عنهُ جمعٌ من أصحابه بتسمية راويه: «عَمْرًا»، بمثل رواية الأكثر من أصحاب الزُّهري.
وقد رواه: عبدالله بن المبارك في مُسنده: (١٦٣) - ومن طريقه النسائي في السنن الكبرى (٦٥٤٧)، وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات: (٣٩) - وأبو مصعب الزهري في موطئه: (٣٠٦١) -ومن طريقه العلائي في بُغية الملتمس: (ص ١٨١) - والنسائي في السنن الكبرى: (٦٥٤٨)؛ عن أحمد بن سليمان الرهاوي، عن زيد بن الحُباب، ح، وفي: (٦٥٤٩) عن أحمد بن سليمان الرهاوي، عن معاوية بن هشام، ويحيى بن يحيى الليثي في موطئه: (٢/ ١٥٩)، والبخاري في التاريخ الكبير: (٦/ ٣٥٣) - مُعلّقًا- عن إبراهيم بن طهمان، والنسائي في الكبرى: (٦٥٤٦) عن محمد بن سلمة المصري، عن عبدالرحمن بن القاسم؛ وهو في موطئه المطبوع بتلخيص أبي الحسن القابسي: (٦٥) =
كلهم: (عبدالله بن المبارك، وأبو مصعب الزهري، وزيد بن الحباب، ومعاوية بن هشام، ويحيى بن يحيى الليثي (١)، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الرحمن بن
رووه عن: مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيدٍ، به، مرفوعًا (١).
стр. 40
وقد رواه أصحاب هذا الوجه عن مالك بتسميته: «عَمْرًا» موافقًا للطريق المعروف الذي رواه جمهور أصحاب الزهري.
والصواب في رواية مالكٍ: أنهُ «عُمر بن عثمان»، وليس «عَمْرًا»، وقد أخطأ أصحاب هذا الوجه بروايته عن مالكٍ على هذا النحو؛ فقد رواه الأكابر من أصحابه عنه على الصواب بتسمية راويه «عمر» - كما تقدم ذكرهم في الوجه الأول- وهو المشهور في الرواية عن مالك.
• والأئمة على شبه اتفاقٍ على أن صحيح المروي عن مالك: «عُمر»، وممن نصَّ عليه:
١/ الترمذي، فقال في السنن: «وقد رواه بعضهم عن مالك فقال: «عن عمرو بن عثمان»، وأكثر أصحاب مالك قالوا: عن مالك، عن عمر بن عثمان».
٢/ والنسائي، فقال عقبه: «والصواب من حديث مالك: عُمر بن عثمان».
٣/ والدارقطني، فقال: «الصواب عن مالك: عُمر، هكذا» (١)، وقال في أحاديث