← Фикх общий

Фикх общий · id 8490

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ت رفعت فوزي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (181 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبا طاهرًا مباركًا فيه. اللهم إنى أثنى عليك كما أثنيت على نفسك، وكما أثنى عليك أنبياؤك ورسلك، وعبادك الصالحون، وملائكتك المقربون. وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد .. فهذا كتاب "الإجابة"، وهو كتاب فريد رائد في بابه؛ لأن موضوعه هو استدراكات السيدة عائشة، المُحَدِّثة الفقيهة، على الصحابة في رواياتهم، ومن هنا جاءت أهمية هذا الكتاب، إذ يرسى من خلال هذه الاستدراكات قواعد في توثيق سنة رسول الله ﷺ . فهى تعرض ما يرويه الصحابة على الأصول الثابتة والمشاهدة من أحوال رسول الله ﷺ ، فتجد الكثير الذي أُدِّى أداء متقنًا، كما صدر من رسول الله ﷺ . وتجد بعضه قد اعتراه الخطأ أو الوهم، أو يتعارض مع ما شاهدته أو سمعته من رسول الله ﷺ . ومن هنا نشأت قواعد النقد الخارجي والداخلي للحديث، ومنها قواعد الضبط، وعرض السنة على القرآن الكريم، والثابت المتعارف عليه من سنة رسول الله ﷺ ، والأصول الإسلامية الأخرى. ولم تكن السيدة الصِّدِّيقة وحدها في هذا المجال، وإنما كان هناك من الصحابة من حذا حذوها، أو حذت حذوه، أو تشابها في هذه الاستدراكات، وفى القواعد التي أسست عليها.

стр. 2

ومن مجموع هذه الاستدراكات التي صدرت من السيدة عائشة، ومن غيرها يمكننا أن نقول: إن السنة خرجت من أيدى الصحابة خالية من الأخطاء والأوهام التي كانت تعترى بعض الصحابة وهم يقومون بدور تبليغها، وهم بشر ليسوا بمعصومين. ومعنى هذا أيضًا أن السيدة عائشة كان عندها هذه المقاييس وطبقتها على ما عندها السنة كلها فما هو صحيح أَقَرَّته، ولو من طريق السكوت عنه، وما كان فيه خطأ - من وجهة نظرها - بينته. ولا يَظُنَّ ظَانٌّ أن ما أبدته السيدة عائشة من استدراكات كانت غير قابلة للمناقشة، أو جاءت فيها بالقول الفصل، بل كثير منها اجتهادات تقابلها وجهات نظر أخرى تُقِرُّ ما عليه الآخرون، مما استدركته عليهم بحيث لا تتعارض الروايات التي استدركتها مع ما تراه هي صحيحًا، أو تكون هذه الروايات المستدركة منسوخة وصدر ناسخها دون علم بعض الصحابة الذين يروونها بهذا الناسخ، أو يكون هذا وذاك من باب العام والخاص، أو المطلق والمقيد. بحيث يمكن الجمع بين هذه الروايات التي تبدو متعارضة وهى في الحق ليست بمتعارضة. وكلها بحمد الله تعالى على هذا النحو. وكل هذا قد فَصَّلَته دراسة يتواكب خروجها مع هذا التحقيق وهى "توثيق السيدة عائشة للسنة" وقد أحلنا عليها، وبينا مواضع التفصيل في القضايا التي تناولها هذا الكتاب بالإيجاز. وهذا الكتاب يؤكد من طَرْفٍ غير خفى أن الصحابة لم يكونوا يكذبون على رسول الله ﷺ . فما كان هناك استدراك اتُّهِمَ فيه أحد الصحابة أنه كذب على رسول الله ﷺ ؛ بل بادرت السيدة عائشة بنفى الكذب في بعض الاستدراكات فقالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكنَّ السمعَ يُخطئ". ولكن المفيد غاية الفائدة - كما قلنا - أن السيدة عائشة، بهذه الاستدراكات، قد أرست قواعد في النقد الخارجي والداخلي للسنة كانت فيما بعد أدوات لتوثيق السنة، وإبعاد التحريف والزيف والخطأ عنها.

стр. 3

إنها في مجال النقد الداخلى عرضت السنة على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية المعروفة والمشهورة أو المشاهدة من رسول الله ﷺ ، وعلى الأصول الإسلامية. وفى مجال النقد الخارجي بينت خطأ بعض الرواة بما أسهم في اشتراط الضبط في تلقى الأحاديث، وفي أدائها. وكل ذلك كان له شأن كبير على مر العصور في توثيق سنة رسول الله - ﷺ الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي؛ في الدراسات الحديثية والفقهية على حد سواء. وهذا من بركات السيدة عائشة ﵂، وما أكثر بركاتها. ولسنا في حاجة إلى تقديم ترجمة للسيدة عائشة ﵂، فقد كفانا المؤلف مئونة ذلك، وقدّم ترجمة طيبة لها في أول الكتاب. ترجمة المؤلف: أما مؤلف الكتاب فهو الإمام المحدِّث محمد بن عبد الله بن بهادر أبو عبد الله بدر الدين الزَّرْكَشِى، الفقيه، الأصولي، المُحَدَّث، الشافعي المذهب. ولد في مصر عام (٧٤٥ هـ) من أسرة تركية، واشتغل أولا بصناعة الزركش، ثم وجهه الله نحو العلم من صغره فأخذ عن الشيخين جمال الدين الأسنوى (ت ٧٧٢) وسراج الدين البلقيني (ت ٨٠٥) ولازمهما. ثم رحل للاستزادة من الشيوخ ومن العلم، فرحل إلى حلب فأخذ عن الشيخ شهاب الدين الأذرعى (ت ٧٨٣)، وسمع الحديث بدمشق وغيرها، وسمع من علماء الشام، كابن قدامة المقدسي (ت ٧٨٠ هـ) والحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) وغيرهما. وبعد فترة التحصيل انقطع للاشتغال بالعلم، والتدريس والإفتاء. قال ابن حجر: كان الزركشي منقطعًا في منزله لا يتردد إلى أحد، إلا إلى سوق الكتب، وكان يطالع في حانوت الكتبى طول نهاره، ومعه أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه (الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٨).

стр. 4

وقال أحد تلاميذه: "كان منقطعًا إلى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشيء، وله أقارب يكفونه أمر دنياه". وتتلمذ عليه الكثيرون منهم العلامة شمس الدين الدين محمد بن عبد الدائم البرماوى الشافعي، والقاضى المفتى نجم الدين بن حجى الدمشقي الشافعي. مؤلفاته: وكان الانقطاع للعلم مثمرًا مؤلفاتٍ قَيِّمَةً نذكر منها ما يلي غير كتابنا هذا: ١ - إعلام الساجد بأحكام المساجد، وهو في الفقه، وطبع في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، بتحقيق أبى الوفا المراغى سنة: (١٣٨٥ هـ). ٢ - البرهان في علوم القرآن. طبع بتحقيق أبي الفضل إبراهيم في مصر في أربعة مجلدات. ٣ - رسالة معنى لا إله إلا الله، في التوحيد. طبعت بدار البشائر الإسلامية ببيروت - تحقيق على محيى الدين على القرداغى عام (١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م). ٤ - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح؛ في الحديث. وقد طبع في المطبعة العصرية بمصر سنة ١٩٣٣ م. ٥ - تشنيف السامع، شرح جمع الجوامع في أصول الفقه وهو شرح لكتاب جمع الجوامع للإمام السبكى وطبع بمصر في مطبعة شركة التمدن سنة ١٣٨٢. كما طبع حديثا في مصر أيضًا في مجلدات عدة. ٦ - تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي في علم الحديث. قال ابن حجر: وخرج أحاديث الرافعى، ومشى فيه على جمع ابن الملقن، لكنه سلك طريق الزيلعي في سوق الأحاديث بأسانيد خرجها فطال الكتاب بذلك. (الدرر ٣/ ٣٩٧). ولعله ما ذكره الزركشي هنا في الإجابة "الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز (ص: ٦٤).

стр. 5

٧ - البحر المحيط في أصول الفقه: ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم (٤٨٣) أصول. ٨ - سلاسل الذهب، في أصول الفقه: ذكر فيه مسائل هامة أصول الفقه. وهو محقق بكلية الشريعة والقانون - جامعة الأزهر بتحقيق مأمون عبد القيوم ٩ - خبايا الزوايا، في الفقه: وهو كتاب في المسائل التي ذكرها الرافعى والنووى في غير مظانها، وحققه عبد القادر عبد الله لنيل درجة الماجستير في كلية الشريعة بالأزهر. وقد طبع هذا الكتاب عام ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م. ١٠ - النكت على مقدمة ابن الصلاح، وقد نشر هذه الكتاب في أربعة مجلدات بتحقيق د/ زين العابدين بن محمد بلا فريح - أضواء السلف - الرياض ١٤١٩ هـ / ١٩٩٨ م. ١١ - زهر العريش في تحريم الحشيس. حققه د/ السيد أحمد فرج - دار الوفاء - مصر ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٧ م. ومؤلفات غير هذه كثيرة. وبعد حياة حافلة بالعلم وعطائه؛ اشتغالا بتدريسه، والتأليف فيه توفى بمصر ثالث رجب سنة (٧٩٤ هـ) (١). منهج الزركشي في الإجابة رتب الزركشي كتابه على أسماء الصحابة الذين استدركت عليهم السيدة عائشة ﵂. _________ (١) انظر ترجمة له في: - شذرات الذهب: (٦/ ٣٩٨). - الدرر الكامنة: (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨). - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) - طبقات المفسرين للداودى: (٢/ ١٦٢ - ١٦٣).

стр. 6

وتحت اسم كل صحابي يأتى بالأحاديث التي رواها الصحابي، واستدراك السيدة عائشة عليها. ثم يناقش ويصحّح ويضعف، ويجمع بين الروايات - إن أمكن الجمع بينها. وفى كل هذا يتجلى سعة علم الزركشى، ومعرفته بالروايات؛ ما يتفق منها وما يختلف، وكثرةُ مصادره، بما يكون فيه إنصاف للسيدة عائشة ﵂، وإنصاف للصحابة الآخرين الذين استدركت عليهم. وقد سبق الزركشي في التأليف في هذا الموضوع أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشِّيمى البغدادى ت (٤٠٦ هـ) في كتابه "استدراك أم المؤمنين عائشة على الصحابة". وأبو منصور يكتفى بإيراد الأحاديث التي استدركتها السيدة عائشة بإسناده إلى الصحابي الذي رواها دون ترتيب فقد يذكر استدراكًا على ابن عمر، ثم عن أبي هريرة، ثم عن ابن عمر، وهكذا. وهو يكتفى بإيراد الأحاديث فقط دون تعليق عليها، أو تصحيح، أو تضعيف، أو مناقشة، أو إيراد روايات أخرى، كما يفعل كل هذا الزركشي. وقد نقل الزركشي عن أبي منصور بعض الروايات التي لم يجدها في مصدر آخر، مما يدل على أنه اطلع على هذا الكتاب. ولا شك أنه بهذا الإطلاع قد استفاد منه، ولكنها الاستفادة التي قد تنحصر في أنها فتحت للزركشى بعض آفاق هذا الموضوع، ودلته على كثير من رواياته التي تشكل الأساس في الموضوع. ولكن يبقى للزركشى مصادره المتنوعة، ورواياته الغزيرة، ومادته الواسعة، وجَوَلاته المتعددة؛ على طريق الجمع بين الروايات وتوثيقها، وتصحيح بعضها، وتضعيف بعضها الآخر، والإلمام بجوانب كل موضوع من موضوعات الاستدراكات. ولا بأس من الإشارة هنا إلى كتاب آخر على علاقة بالإجابة والكلام عنه مفيد

стр. 7

في بيان منهج الإجابة، ألا وهو: "عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة" لجلال الدين السيوطي. لخص في هذا الكتاب الإجابة، ولكنه - كما ذكر في المقدمة - حذف ما رآه أنه ليس من الاستدراكات، كما يبين ذلك في مقدمة الكتاب. وأهم من هذا أنه رتبه على الموضوعات، وليس على الصحابة كما صنع الزركشي، فجمع ما يتعلق بالطهارة من الاستدراكات في موضع واحد، ثم الصلاة، ثم الجنائز، ثم الصيام، .. وهكذا. وهو يكتفى بإيراد الحديث فقط في الغالب الأعم، ولا يصول ويجول في الموضوع كما يفعل الزركشي. عملنا في هذا الكتاب: هذا الكتاب طبع في طبعته الأولى عام (١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م)، طبعه الأستاذ سعيد الأفغانى على نسخة وحيدة بخط المؤلف. وقد بذل الأستاذ سعيد جهدًا كبيرًا في قراءة هذا المخطوط، ونقله، فالمخطوط تصعب قراءته، ولولا هذا الجهد الذي بذله، والمعاناة التي عاناها - فلربما ما خرج هذا الكتاب إلى النور، فجزاه الله تعالى خير الجزاء وأحسنه. وهذه الصعوبة في الخط قد ألقت بظلالها على النسخة المطبوعة على الرغم من هذا الجهد، فهناك بعض الكلمات التي لم يستطع قراءتها أو قرئت قراءة غير صحيحة، وأثبتت كذلك. كما أن الكتاب لم تخرج أحاديثه بالرجوع إلى مصادر المصنف، والدلالة على مواضع الأحاديث فيها، ومقارنتها بما في هذه المصادر؛ إذ اكتفى المصنف بالعزو إلى هذه المصادر، ولم يصنع شيئًا في هذا المجال صاحب الطبعة الأولى. هنا كان الكتاب في حاجة إلى إعادة تحقيق وتخريج لأحاديثه، وإعادة لقراءته في ضوء ما في هذه المصادر مقارنة بما في الكتاب، وشرح لغريبه، وتعليق على ما يحتاج إلى تعليق وتوثيق لنصوصه ما أمكن، وهذا ما صنعناه.

стр. 8

وبحمد الله وعونة وتوفيقه صححنا الكثير من الألفاظ والعبارات بالرجوع إلى مصادر المصنف، والمقارنة بين ما فيها وما في الإجابة، كما يتضح ذلك في الفروق التي أثبتناها في الهوامش. وخَرَّجْنَا الأحاديث ووثقنا كثيرًا من النصوص من مصادرها، وعلّقنا بالتفصيل على ما في الكتاب، بما يُجَلَّى مراده، وما هدف إليه. والحق أن الرجوع إلى أغلب المصادر كان بمثابة النسخة الثانية للكتاب الذي لا توجد له إلا نسخة واحدة على أغلب الظن، هي التي طبع عليها الأستاذ سعيد الأفغانى الكتاب والتي حققنا عليها الكتاب كذلك، وهي سقيمة الخط، كما بينا. وهى في المكتبة الظاهرية بدمشق ضمن مجموع برقم (٣٢) مجاميع وهى من ورقة (٦٨) إلى (١١٤) أي في أربعة وأربعين ورقة وهذه الورقات ليست على وتيرة واحدة - كما نشاهده في معظم المخطوطات فنجد بعضها مزدحمًا بالأسطر، وخاصة ما يُلْحِقه المؤلف في الحواشى مما هو من النص، وبعضها ليس فيه إلا أسطر قليلة، ولهذا فأَفْضَلُ وصف لها هي نشر بعض هذه الصفحات ليتعرف عليها الباحثون واقعا ملموسًا، وليس وصفًا لا يجلِّى طبيعة هذه النسخة. وفى صفحة العنوان جاء عنوان الكتاب: "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة". تأليف الفقير إلى رحمة ربه وعفوه محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي، لطف الله به. آمين .. وتحت العنوان أسطر فيها كلام للحافظ ابن حجر، ننقله، ثم نعلق عليه، وهو: "قال أبو الفضل بن حجر: أصل هذا التصنيف للأستاذ الجليل أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادى الفقيه المُحَدِّث المشهور، رأيته في مجلدة لطيفة، وجملة ما فيه من الأحاديث (٢٥) حديثًا، وكان الكتاب المذكور عند القاضي برهان الدين بن جماعة، فما أدرى: هل خفى عليه وقت

стр. 9

تقديم هذا له أو أعلمه به؟ نعم، لمصنف الإجابة حُسْنُ الترتيب والزيادات البَيِّنَة، والعزو إلى التصانيف الكبار، والأول على عادة من تقدم يقتصر على سوق الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه، وجملة من أخرج ذلك عنه من شيوخه نحو من ثلاثين شيخًا من شيوخ بغداد ومصر وغيرها، ولا يعزو التخريج إلى أحد. وقد نقل هذا المصنف عن أبي منصور في هذا الكتاب، فعلم أنه وقف عليه، وكان ينبغي له أن ينبه على ذلك، وهذا التصنيف القديم أخبرنا به غير واحد من شيوخنا إجازة عن عبد القادر بن أبي البركات بن القريشي: أنا المُسَلَّم بن عَلَّان سماعًا، عن الخشوعي، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو، أخبرنا المصنف سماعًا". وهذا النص فيه مقارنة بين كتاب أبي منصور البغدادي والإجابة؛ لما قلناه من أن الزركشى قد استفاد من أبي منصور، ولكن ذلك لم يصل به إلى درجة النقل، كما قد يفهم من هذا النص، وكما جاء في نقل للسخاوى عن ابن حجر قوله: "فصل فيمن أخذ تصنيف غيره فادَّعاه لنفسه، وزاد فيه ونقص. قال السخاوى: كذا قرأت بخطه على "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" للزركشى، أصل هذا التصنيف .. الخ" وهذا يبين أن كلام ابن حجر السابق إنما هو بخطه. والحق أن في هذا تَجَنٍّ على الزركشي؛ إذ أنه لم يَدَّع كلام أبي منصور؛ لأن الأخير إنما روى أحاديث فقط عن شيوخه، أما الزركشي فقد نحا نحوًا آخر، وهو عزو الروايات ونقلها عمن رواها من المصنِّفين، أي من غير طرق أبى منصور، وكان يلجأ إلى أبي منصور في الروايات التي لم يجدها عند غيره من المصنفين. وهي قليلة جدًّا، ويعزوها إليه وإلى روايته. وكما لمس ابن حجر نفسه فـ "لمصنف الإجابة حسن الترتيب، والزيادات البينة، والعزو إلى التصانيف الكبار". وكما قال ابن حجر نفسه في أبى منصور: إن كل عمله "على عادة من تقدم يقتصر على سَوْق الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه".

стр. 10

ومهما يكن من أمر فقد أكد ابن حجر بهذا أن الكتاب للزركشى، ويضاف ذلك إلى البَيِّنَات الأخرى من تسجيل قراءة ابن المصنف ونسخه، كما يتضح من صفحة العنوان، في مربع على اليسار، ففيه: "فرغه قراءة ونسخًا العبد محمد بن محمد بن الزركشي، عامله الله تعالى بلطفه الخفى". ومن سماع الابن المذكور الكتاب على والده هو وإخوته وأخواته وقد سجلنا ذلك في آخر الكتاب. وهناك نَصَّان آخران في صفحة العنوان يتعلقان بأخبار عن السيدة عائشة - ﵂، وهما: النص الأول: "نقلت من كتاب أبى بكر محمد بن عبد الملك التاريخي (١) الذي وضعه أخبار النحاة: حدثنا سوادة بن علي: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير: ثنا أبو معاوية: ثنا المنهال بن خليفة عن سلمة بن هشام قال: كانت حفصة وعائشة متآخيتين، وكانت سودة وأم سلمة متآخيتين، فكانت سودة تنشد: "عَدِيٌّ وتَيْمٌ تَبْتَغِي مَنْ تُحالِفُ" فقالت عائشة: "ما تُعَرِّضُ إلا بى وبك يا حفصة. فإذا رأيتني قد قمت فأخذت برأسها فأعينينى" فقامت فأخذت برأسها وخافت حفصة فأعانتها، وجاءت أم سلمة فأعانت سودة، فأتى النبي ﷺ فأخبر، وقيل له: "أدرك نساءك يقتتلن" فقال: "ويحكن ما لكن؟ " فقالت عائشة: "يا رسول الله، ألا تسمعها تقول: "عدى وتيم تبتغى من تحالف"؟ فقال: "ويحكن ليس عَدِيُّكُنَّ ولا تَيْمُكُنَّ، إنما هو عدى تميم، وتيم تميم". _________ (١) توفى سنة (٥٤٩) وروى عن محمد بن سلام الجمحى. وقد نقل من الكتاب المذكور البغدادي في خزانة الأدب ١/ ٢٤، ٢٣٧ - ٢٣٨، ٣/ ٣٧، ٦٤، ٥/ ١٤٤، ٨/ ٤٩٩، ١٠/ ٣٤٦.

стр. 11

قال الكلبي: "تيم تميم هو الرَّبَاب وقيل: إن عَدِيًّا وتَيْمًا وتيم أخوان، قال جرير: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبَا لَكُمْ … لا يُوقِعَنَّكُمُ فِي سَوْءَةٍ عُمَرُ والنص الثاني: روى أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء (١) في ترجمتها: "حدثنا سليمان بن أحمد، (ثنا أحمد) (٢) بن يحيى بن خالد (بن حيان) (٢) الرقى، ثنا محمد بن بشر المصرى، ثنا عثمان بن عبد الله، ثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "قلت لرسول الله ﷺ : كيف حبك لي؟ " قال: "كَعُقْدَة الحَبْل" فكنت أقول: "كيف العُقْدَة يا رسول الله؟ " قالت: فيقول: "هي على حالها" اهـ. هذا، وقد طبع هذا الكتاب طبعة أخرى في مصر، في مطبعة العاصمة بالقاهرة، نشره زكريا على يوسف، وهى نسخة منقولة من نسخة الأستاذ سعيد الأفغانى بعُجَرِها وبُجَرِها مع التعمية في ذلك. وليس عليها تاريخ نشر ولذلك لم نعبأ بها. سندى إلى بدر الدين الزركشي: أروى الإجابة وسائر مؤلفات الزركشي عن شيخي المحدّث الكبير محمد الحافظ بن عبد اللطيف الحسنى الحسينى إجازة عن العلامة عبد الحي الكتاني صاحب فهرس الفهارس، عن أحمد رضا على خان، عن آل الرسول الأحمدى، عن عبد العزيز الدهلوى، عن أبيه ولى الله الدهلوى، عن محمد وفد الله بن محمد بن سليمان الرُّدَاني، وأبى الطاهر الكورانى، كلاهما عن محمد بن سليمان الرُّدَانى صاحب صلة الخلف بموصول السلف، عن علي بن أحمد _________ (١) حلية الأولياء: (٢/ ٤٤). (٢) ما بين المعكوفين من الحلية.

стр. 12

الأجهورى وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي، عن الشمس محمد بن أحمد الرملي، والسراج بن الجاى، والشيخ بدر الدين الكرخي، عن الجلال السيوطي، عن تقى الدين الشهنى، عن والده، عن بدر الدين الزركشي. * * * والله أسأل لى ولمن يقرأ هذا الكتاب وينتفع به، وللمسلمين أن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يغفر زلاتنا، ويقبل عثراتنا، ويرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يتجاوز عما قصرت فيه. وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين رفعت فوزى عبد المطلب القاهرة في شعبان من سنة ١٤١٢ هـ / ٢٠٠٠ م.

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلّف الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وأعلى أعلام فتواها بين الأعلام، وألبسها حلَّة الشرف؛ حيث جاء إلى سيد الخلق الملك بها في سَرَقَةٍ (١) من حرير في المنام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تَنْظِمُنا في أَبناء أُمهات المؤمنين، وتهدينا إلى سَنَنِ السنة آمنين. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله الذي أرشد إلى الشريعة البيضاء، وأعلن بفضل عائشة حتى قيل: خذوا شَطْر دينكم عن الحُمَيْرَاء. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صباح مساء، وعلى أزواجه اللواتي قيل في حقهن: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] صلاة باقية في كل أوان دائمة ما اختلف المَلَوان. وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تَفَرَّدَتْ به الصديقة ﵂، أو خالفت فيه سواها برأى منها، أو كان عندها فيه سُنَّةٌ بَيِّنَة، أَو زيادة عِلْمٍ مُتْقَنَة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أَجِلَّةُ من أَعيان أوانها، أَو حَرَّرَتْه من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأى رأته أقوى. مُورِدًا ما وقع إليَّ من اختياراتها، ذاكرًا من الأخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها. غير مدَّع في تمهيدها للاستيعاب، وأن الطاقة أحاطت بجمع (٢) ما في هذا الباب. على أنى

стр. 14

حَرَّرت ما وقع لى من ذلك تحريرًا، ونَمَّقْتُ بُروده رَقْمًا وتَحْبِيرًا. مع فوائد أَضمها إليه، وفرائد أنثرها عليه، لِيَكُنَّ عقدًا ثمينةٌ جواهرُه، وفَلَكًا منيرة زواهره، ولقد وفقت لجمعها في زمن قريب، وأصبح مأهول ربعها مأوىً لكل غريب. وما هذا إلا ببركة هذا البيت العظيم الفخر، وما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. وسميته (الإجابة: لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة). والله أَسأَلُ أَن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصلًا إلى جنان النعيم. وأهديته إلى بحر علمٍ ثمينٍ جَوْهَرُه، وأُفق فَضْلِ أَضَاءَ شمشُه وقمرُه، وروضِ آدابٍ يانعة ثمارُهُ، ساطعة أزهاره، سيدى (١) قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة (٢) الشافعي، أَدام الله عُلُوَّه، وكَبَتَ عدوه؛ إذ لمذهب الشافعي من ثماره أيُّ روضات، وهو لمحرابه إمام يتلو فيه من معجز القول آيات. قد أظهر عرائس فضله المَجْلُوَّة، وأَبرز نفائس نقله المحبَّرة، وبهر العقول بدقائقه التي بهرت، وزاد المباحث رَوْنَقًا بعبارته التي سحرت الأَلباب وما شعرت، تهدى العلوم إليه، وهو حقيقة أدرى من المهدى بهن وأَعلم. وكنت في إهدائه إلى مقامه كمن يهدى إلى البستان أَزهاره؛ وإلى الفلك شموسه وأَقماره، وإلى البحر جَدْوَلًا، وإلى السيل وشَلًا (٣)، ولكن عرضت هذا المصنف على ملك الكلام؛ بل أمير المؤمنين في الحديث والإمام لأُثَقِّفَه (٤) باطلاعه عليه، والسلام. والله تعالى يجعل أيامه كلها مواسم، ويُطَرِّزُ التصانيف بفوائده حتى تصير كالثغور البواسم. * * *

стр. 15

الباب الأول (١) في ترجمتهَا وخصائصهَا (١) فصل في ذكر شيءٍ من حالها هي أُم المؤمنين، وأُم عبد الله عائشة بنت أَبي بكر؛ الصِّدِّيقَة بنت الصِّدِّيق ﵁ وعنها، حبيبة رسول الله ﷺ الفقيهة الرَّبَّانيَّةَ. كنيتها أُم عبد الله كناها به النبي ﷺ ، بابن أُختها عبد الله بن الزبير، رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٢). وجاء في معجم ابن الأعرابي: أَنها جاءَت بسِقْطٍ فسماه النبي ﷺ عبد الله، وكناها (٣) به وفي إسناده نظر؛ لأن مداره على داود بن المحَبَّر (٤) صاحب كتاب العقل.

стр. 16

وعائشة مأخوذة من العَيش، ويقال أَيضًا: عيشة، لغة حكاها ابن الأَعرابي: وعلى بن حمزة، ولا التفات لإسناد أَبي عبيد في الغريب المصنف ذلك. وذكر أبو الفضل الفلكي في الألقاب: النبي ﷺ صغَّر اسمها وقال يا عُوَيْش (١). وذكر صاحب مسند الفردوس أن الإمام أَحمد في مسنده رواه من حديث أُم سلمة: قالت عائشة: " (يا) رسول الله، علمني دعوة أدعو بها" فقال: "يا عُوَيْشِ، قوله: اللهم رب محمد النبي الأُمِّي أذهب عنى غيظ قلبي وأجزني من مُضلَّات الفتن (٢) ". واستغربه ابن الصلاح في طبقاته. وفى الصحيحين "يا عايش" على الترخيم (٣).

стр. 17

وفى الأَول دليل على جواز التصغير كقوله: "يا أبا عُمير" تصغير تحبيب. وجعل صاحب البسيط من النحويين مثل قوله: "يا حُمَيْرا" تصغير تقريب ما يتوهم أنه بعيد، كقولهم بُعَيْدَ الْعَصْر وقُبَيْلَ الفجر. قال: لأن المراد بها البيضاءَ فكأَنها غير كاملة البياض، قال: وكذلك قوله: "كُنَيْف ملئَ علمًا" اهـ. وقال أَبو القاسم الثمانيني في شرح اللمع: "قول عمر ﵁ في ابن مسعود: "كُنَيْف ملئَ علمًا" (١) قالوا: إنه أراد بهذا التحقير (٢) تعظيمه، كما قالوا في داهية: دويهية وخُوَيخِية (٣) ". قال: والصحيح أن ابن مسعود كان صغير الجسم قصيرًا فقال: (كُنَيْف) مصغرة ليدل على تصغير جسمه لأن كُنَيْفًا تكبيره كِنف، وهو شيءٌ يكون فيه أداة الراعى فأَراد أَنه حافظ لما فيه" اهـ. وأُمها أَم رُوْمَان، بفتح الراء وضمها بنت عامر بن عوَيمِرِ بن عبد شمس بن كنانة. روى البخارى لأُم رومان حديثًا واحدًا من حديث الإفك من رواية مسروق عنها (٤) ولم يلقها، وقيل: "عن مسروق حدثتني أُم رومان" وهو وهم. ونقل

стр. 18

النووي أَن ابن إسحاق سماها في السيرة زينب (١) وفى "الروض للسهيلي": اسمها "دعدة" (٢) وذكر محمد بن سعد وغيره: أَن أُم رومان ماتت في حياة

стр. 19

رسول الله ﷺ في سنة ست من الهجرة، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها"،

стр. 20

وهذا يقوى الإشكال في إخراج البخارى رواية مسروق عنها. لكن أَنكر قوم موتها في حياة رسول الله ﷺ منهم أبو نعيم الأصفهاني، ولا عمدة لمن أَنكره إلا رواية مسروق. وقال الخطيب: لم يسمع مسروق من أُم رومان شيئًا. والعجب كيف خفى ذلك على البخارى وقد فطن مسلم له (١). تزوجها رسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث بعد موت خديجة وقبل سودة بنت زمعة، وقيل: "بعدها" وهذا هو الأشهر. والأول حكاه ابن عبد البر عن غير واحد (٢)، ويشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث هشام عن أَبيه عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت امرأة أحب أَن أكون في مِسْلاخِها من سودة بنت زمعة … الحديث" (٣). وقالت في آخره في بعض طرقه: "وكانت أول امرأة تزوجها بعدى" (٤). وتزوجها وهى بنت ست أو سبع، والأول أصح. وبنى بها بالمدينة وهى بنت تسع في شوال منصرفه ﷺ من بدر في السنة الثانية من مقدمه. وقال الواقدي: "في الأولى" وصححه الدمياطى، وأما ابن دحية فَوَهَّى الواقدى (٥).

стр. 21

وأَقامت في صحبته ثمانية أَعوام وخمسة أَشهر وتوفى ﵊ وهي ابنة ثماني عشرة (١) سنة، وعاشت خمسًا وستين وولدت سنة أَربع من النبوة، وتوفيت بالمدينة زمن معاوية ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين، وأَوصت أن يصلى عليها أَبو هريرة. وذكر الواقدى: "أنها ماتت بعد الوتر وأَمرت أَن تدفن من ليلتها فاجتمع الأَنصار وحضروا، فلم نر ليلة أَكثر ناسا منها، نزل أهل العوالى فدفنت بالبقيع" (٢). قال الواقدي: "فحدثني ابن جريج عن نافع قال: شهدت أَبا هريرة صلى على عائشة بالبقيع وابن عمر في الناس لا ينكره. وكان مروان اعتمر في تلك السنة واستخلف أبا هريرة (٣). رُوى لها عن النبي ﷺ أَلفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق البخارى ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخارى بأَربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين (٤). روى عنها خلق من الصحابة والتابعين (٥) من متأخريهم: مسروق والأَسود

стр. 22

وسعيد بن المسيب، وعروة ابن أُختها، والقاسم ابن أخيها وأبو سلمة بن عبد الرحمن والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة وعمرة بنت عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر وآخرون.

стр. 23

وكان مسروق إذا حدث عنها قال: "حدثتنى الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق حبيبة حبيب الله المبرَّأَة السماء" (١). وروى بسند حسن عن علي ﵁: أنه ذكر عائشة فقال: "خليلة رسول الله ﷺ " (٢). وكذلك قال عمار بن ياسر لرجل نال منها: "اعْزُبُ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتَؤذى حبيبة رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 24

ومن مواليها ﵂ -: ١ - " بَرِيرة": وهى التي كان فيها ثلاث سنن، وحديثها مشهور في الصحيح (١). روت عن النبي ﷺ : "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم" يعنى بغير حق. روته لعبد الملك بن مروان (٢). رواه عنها زيد بن واقد: وهو من ثقات الشاميين لقى واثلة بن الأسقع. ٢ - ومنهن: "سايبة": روى عنها نافع مولى ابن عمر عن سايبة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الحيات التي في البيوت إلا ذا الطُفيتَين (٣) والأبتر

стр. 25

فإنهما يخطفان البصر ويطرحان ما في بطون النساء". رواه مالك في الموطَّأ عن نافع به (١). وقد وصله ثقات من أَصحاب نافع عن سائبة عن عائشة (٢). ٣ - ومنهن: "مرجانة" وهى أُم علقمة بن أبي علقمة أحد شيوخ مالك. ٤ - ومنهم: "أبو يونس" روى عنه القعقاع بن حكيم، القعقاع بن حكيم، أخرج مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين أنه قال: "أَمرتنى عائشة أن أكتب لها مصحفًا ثم قالت: "إذا بلغت هذه الآية فَآذِنِّي: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها قالت: وصلاة العصر، سمعتها من رسول الله ﷺ " (٣). ٥ - ومنهم "أبو عمرو "كما رواه الشافعي في مسنده عن عبد الله بن أبي مليكة: "أنه كان يأتى عائشة بأعلى الوادى هو وعبيد بن عمير، والمسور بن مخرمة وناس كثير فيؤمهم (٤) أَبو عمرو مولى عائشة وهو غلامها يومئذ لم يعتق" (٥).

стр. 26

وفى رواية لابن أبي شيبة في مصنفه: "أَنها كانت دبَّرته" (١). وقوله بأَعلى الوادى: يريد وادى مكة كانوا يأتونها للزيارة والاستفتاء، وذلك عندما تحج. ولما خرجت إلى مكة مغاضبة لعثمان في السنة التي قتل فيها، قاله ابن الأثير في شرح المسند. ولها خصائص كثيرة لم يشركها أَحد من أزواجه فيها. * * *

стр. 27

(٢) [فصل في خصائصها الأربعين] الأولى: - أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها (١). فإن قلت: "كيف حث على نكاح الأبكار وتزوج من الثُّيَّاب أكثر؟ " فيه أربعة أجوبة: قلت: تقليلًا للاستلذاذ؛ لأن الأَبكار أَعذب أَفواهًا، ولذلك قال: "فَهَلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، وتكثيرًا لتوسعة الأحكام؛ إذ هنَّ بالفهم والتبليغ أعلق، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قُدِّمْنَ في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، أو للإشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وَحْدَها دونهن؛ لئلا يُشارك فيها، فكأَنها في كِفَّةٍ وهنَّ في كفة أُخرى. الثانية: أَنها خُيّرت واختارت الله ورسوله على الفور، وكن تبعًا لها في ذلك (٢).

стр. 28

(الثالثة): - أَنها حيث خيرت كان خيارها على التراخى بلا خلاف. وأَما الخلاف في أن جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أم لا؟ ففى غيرها. هكذا قاله القاضي أبو الطيب الطبرى في تعليقه، فإنه حكى الخلاف، وصحح الفورية، ثم قال: "والخلاف في التخيير المطلق، فأما إذا قال لها: "اختارى أي وقت شئت، كان على التراخى بالإجماع". قال: وعائشة من هذا القبيل لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلى حتى تستأْمرى أبويك" اهـ. وهو تقييد يرتبط (١) به إطلاق "الشرح" و"الروضة"، ولم يقف ابن الرُّفْعَة على هذا النقل، فقال في شرح الوسيط: "وفي طَرْد ذلك في بقية أزواجه ﷺ كلهن نظر، من جهة أن المُهْلَ في التخيير إنما قيل لعائشة فقط، وسببه - والله أعلم - أنها كانت أحدث نسائه سنًّا، وأحب نسائه إليه، فكان قوله لها: "لا تبادرينى بالجواب" خوفًا من أن تبتدره باختيار الدنيا. ومغبته ألا يطرد الحكم في غيرها لاسيما إذا نظرنا إلى ما جاء في الصحيح من تخصيص ذلك بها، كأن ذلك يُنَزَّل منزلة ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه: "اختارى متى شئت" وقال لأُخرى: "اختارى" فإن خيار الأُولى يكون على التراخى، والأُخرى على الفور. (الرابعة): - نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير "ما هي بأَول بركتكم يا آل أبي بكر" (٢).

стр. 29

(الخامسة): - نزول براءتها نزول براءتها من السماء مما نسبه إليها أَهل الإفك في ست عشرة آية متوالية (١)، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولَشَأْنى في نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" (٢) قال الزمخشري: "ولو فلَّيت القرآن وفتشت عما أُوعِد به

стр. 30

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 32

العصاة، لم تر الله قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة (١). وعن ابن عباس أنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سئل عن هذه الآيات: "من أَذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته، إلا من خاض في إفك عائشة" ثم قال: "برأَ الله تعالى أَربعة بأَربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحجر، ومريم بإنطاق ولدها: "إنى عبد الله" وبرأ عائشة بهذه الآيات العظيمة (٢). فإن قلت: فإن كانت عائشة المرادة فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أَحدهما: أن المراد أزواج النبي ﷺ وليكن (٣) الحكم شاملًا للكل. والثانى: أَنها أُم المؤمنين فجُمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة. (السادسة): - جعله قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة. (السابعة): - شرع جلد القاذف، وصار باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أبواب الشريعة، وكان سببه قصتها ﵂؛ فإنه ما نزل بها أَمر تكرهه إلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا، كما سبق نظيره في التيمم. تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخارى:

стр. 33

أحدهما قول على ﵁: "وسل الجارية تصدقك" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة … " وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك (١). ويدل عليه أنها لما عَتَقَت (٢) واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تحادر (٣) على لحيته. فقال لها: ﷺ "لو راجعتيه" فقالت: "أتأمرنى؟ " فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ : "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح (٤). والمُخَلِّص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًّا منه أنها هي. وهذا كثيرًا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق. ونظائره (٥) ما وقع في الترمذى وغيره من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش - فذكر الراهب، وقال في آخرها -: فرده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالًا وزوَّده الراهب من الكعك والزبيب" (٦). فهذا من الأوهام الظاهرة؛ لأن بلالًا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ ، وبعد أن أسلم بلال وعذبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبى طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (٧) سنة وشهران وأيام. ولعل بلالًا لم يكن بَعْدُ ولد.

стр. 34

ولما خرج المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة، ولم يكن مع أبي طالب إنما كان مع ميسرة. الثاني: ما ذكره من تحاور سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وقصة الإفك كانت بعد الخندق عند البخارى وجماعة. قال البخاري في صحيحه: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" (١) واحتج البخارى لهذا القول بحديث ابن عمر: "عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فردنى، "ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني" (٢). وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أن الخندق سنة أربع. ثم قال في الصحيح: "إنها غزوة المُرَيْسيع" قال ابن إسحاق: "سنة ست" وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان الإفك في غزوة المريسيع" وأما موسى بن عقبة فقال: سنة أربع (٣). ولا ريب أن قصة الإفك كانت بعد نزول آية الحجاب، والحجاب نزل في شأن زينب بنت جحش أُم المؤمنين، وهى في قصة الإفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة (٤)، ونكاح زينب ﵂ كان في ذى

стр. 35

القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد. وقال قتادة والواقدى: "تزوجها في سنة خمس من الهجرة" (١) وبه قال غيرهم من علماءِ أَهل المدينة. فدلّ تأَخر آية الحجاب على أنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أن سعد بن معاذ توفى عقب الخندق، وعقب حكمه في بنى قريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غَزَاة. ولهذا يعدل البخاري في أكثر رواياته لحديث الإفك عن نسبة سعد إلى أبيه فيقول: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل". وهذه روايته في المغازى (٢)، وقال: "سنة أربع" فالظاهر أنها على قوله قبل الخندق، لأن الخندق كانت في آخر السنة في شوال واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أن يكون الرادّ (٣) على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ. وقد تقدم وهم آخر: وهو رواية مسروق عن أُم رومان (٤). وأَجاب القاضي أبو بكر بن العربي عن هذا: بأنه جاءَ في طريق: حدثتنى أُم رومان، وفى أُخرى: عن مسروق عن أم رومان مُعَنْعِنًا قال ﵀: "والعنعنة أصح فيه، وإذا كان الحديث مُعَنْعَنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في "حدثني"؛ لأن للراوى أن يقول: عن فلان وإن لم يدركه". حكاه عن الشافعي. فهذه ثلاثة أوهام ادُّعيتْ في حديث الإفك: وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفع الكل. (السابعة): لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة (٥).

стр. 36

(الثامنة): أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقة من حرير فقال: "هذه زوجتك" فقلت: "إن يكن من عند الله يُمْضه" وقد أدخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها (١). قال بعضهم: "وهو استدلال صحيح؛ لأن فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ، وقد كشف عن وجهها. وفى رواية الترمذى: "في خرقة حرير خضراءَ" وقال: حسن غريب (٢). وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر". ذكره الخطيب في تاريخ بغداد من رواية أبى هريرة (٣). وأما قوله ﷺ : "إن يكن من عند الله يُمْضِه" فقال السهيلي: ليس بشك

стр. 37

لأن رؤيا الأنبياء وحى، ولكن لما كانت الرؤيا تارة تكون على ظاهرها، وتارة تَرْهُو (١) نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشك ها هنا. ويبقى سؤال: لماذا أَتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا"؛ لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله. وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقدى: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتت خديجة حزن عليها النبي ﷺ فأَتاه [جبريل] بعائشة في مهد فقال: "هذه تذهب ببعض حزنك، وإن فيها لخَلَفًا من خديجة" الحديث (٢) ا هـ. فيحتمل أَنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال، ويشهد له رواية البخارى مرتين. (التاسعة): أَنها كانت أحب أَزواج النبي ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أَبوها" (٣). أخرجه الشيخان وصححه الترمذى.

стр. 38

(العاشرة): وجوب محبتها على كل أحد؛ ففى الصحيح: لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ قال لها: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت: "بلى" قال: "فأحبى هذه". يعنى عائشة (١)، وهذا الأمر ظاهر الوجوب. وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (٢). وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقَى أَحابستنا هي؟ " (٣) وفرق عظيم بين المقامين. ولعل من جملة أَسباب المحبة كثرة ما بلَّغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات كما قيل بمثل ذلك في قوله: "وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساء" (٤).

стр. 39

(الحادية عشرة): أن من قذفها فقد كفر؛ لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي في الكافي، من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قذف عائشة بالزنى صار كافرًا، بخلاف غيرها من الزوجات؛ لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ. وعند مالك: "أَن من سبها قتل". قال أَبو الخَطَّاب بن دِحْيَة في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتاب الله؛ فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] والله تعالى ذكر عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب. (الثانية عشرة): من أنكر كون أبيها أبى بكر الصديق ﵁ صحابيًّا كان كافرًا، نص عليه الشافعي؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ذكره صاحب الكافي. ومقتضاه: أنه لا يجرى ذلك في إنكار غيره، وليس كذلك. نعم: يدرك تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب النص وصحبة غيره التواتر. (الثالثة عشرة): أَن الناس كانوا يَتَحَرَّوْن بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ . أخرجه الشيخان (١).

стр. 40

(الرابعة عشرة): أَن سَوْدَةَ وهبت يومها لها بخصوصها (١). (الخامسة عشرة): اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها (٢). قال أَبو الوفا بن عقيل (٣) ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق". (السادسة عشرة): وفاته ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (٤) قال الصاغانى:
следующие страницы →