← Фикх общий

Фикх общий · id 8490

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ت رفعت فوزي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (181 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

(الثامنة): أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقة من حرير فقال: "هذه زوجتك" فقلت: "إن يكن من عند الله يُمْضه" وقد أدخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها (١). قال بعضهم: "وهو استدلال صحيح؛ لأن فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ، وقد كشف عن وجهها. وفى رواية الترمذى: "في خرقة حرير خضراءَ" وقال: حسن غريب (٢). وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر". ذكره الخطيب في تاريخ بغداد من رواية أبى هريرة (٣). وأما قوله ﷺ : "إن يكن من عند الله يُمْضِه" فقال السهيلي: ليس بشك

стр. 37

لأن رؤيا الأنبياء وحى، ولكن لما كانت الرؤيا تارة تكون على ظاهرها، وتارة تَرْهُو (١) نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشك ها هنا. ويبقى سؤال: لماذا أَتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا"؛ لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله. وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقدى: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتت خديجة حزن عليها النبي ﷺ فأَتاه [جبريل] بعائشة في مهد فقال: "هذه تذهب ببعض حزنك، وإن فيها لخَلَفًا من خديجة" الحديث (٢) ا هـ. فيحتمل أَنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال، ويشهد له رواية البخارى مرتين. (التاسعة): أَنها كانت أحب أَزواج النبي ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أَبوها" (٣). أخرجه الشيخان وصححه الترمذى.

стр. 38

(العاشرة): وجوب محبتها على كل أحد؛ ففى الصحيح: لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ قال لها: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت: "بلى" قال: "فأحبى هذه". يعنى عائشة (١)، وهذا الأمر ظاهر الوجوب. وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (٢). وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقَى أَحابستنا هي؟ " (٣) وفرق عظيم بين المقامين. ولعل من جملة أَسباب المحبة كثرة ما بلَّغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات كما قيل بمثل ذلك في قوله: "وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساء" (٤).

стр. 39

(الحادية عشرة): أن من قذفها فقد كفر؛ لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي في الكافي، من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قذف عائشة بالزنى صار كافرًا، بخلاف غيرها من الزوجات؛ لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ. وعند مالك: "أَن من سبها قتل". قال أَبو الخَطَّاب بن دِحْيَة في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتاب الله؛ فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] والله تعالى ذكر عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب. (الثانية عشرة): من أنكر كون أبيها أبى بكر الصديق ﵁ صحابيًّا كان كافرًا، نص عليه الشافعي؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ذكره صاحب الكافي. ومقتضاه: أنه لا يجرى ذلك في إنكار غيره، وليس كذلك. نعم: يدرك تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب النص وصحبة غيره التواتر. (الثالثة عشرة): أَن الناس كانوا يَتَحَرَّوْن بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ . أخرجه الشيخان (١).

стр. 40

(الرابعة عشرة): أَن سَوْدَةَ وهبت يومها لها بخصوصها (١). (الخامسة عشرة): اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها (٢). قال أَبو الوفا بن عقيل (٣) ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق". (السادسة عشرة): وفاته ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (٤) قال الصاغانى:

стр. 41

"السَّحْرُ بفتح السين وضمها ما تعلق بالحلقوم وبالمرئ من أعلى البطن من الرئة وغيرها" وعن الفراءِ فيه: "سَحَر بالتحريك" وكان عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقول: "إنما هو بين شجرى" بشين معجمة وجيم، فسئل عن ذلك، فشبك بين أصابعه وقدمها عن صدره يضم شيئًا، يريد أنه ﵇ قبض وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها وخالفت بين أصابعها. وكأنه عنده مأخوذ من قولهم اشتجرت الرماح إذا اشتبكت بعضها ببعض. (السابعة عشرة): وفاته ﷺ في يومها (١). (الثامنة عشرة) وفاته ﷺ في بيتها (٢). (التاسعة عشرة) دفنه في بيتها (٣) ببقعة هي أفضل بقاع الأرض بإجماع الأُمة. (العشرون) أنها رأت جبريل ﷺ في صورة دحية الكلبي، وسلم عليها. ثبت في الصحيحين (٤).

стр. 42

زاد الحاكم في مستدركه عن مسروق عنها: "قلت: يا رسول الله هذا؟ قال: بمن شبهته؟ قلت: بدحية. قال: لقد رأيتِ جبريل" (١). وفي رواية له عن عبد الله بن صفوان، عنها: "ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيرى". فأخرج من جهة مالك بن سُعير، عن إسماعيل بن أبي خالد، أنا عبد الرحمن بن الضحاك: أَن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخر معه، فقالت عائشة لأحدهما: "أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ " فقال: "نعم يا أُم المؤمنين" فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما ذاك يا أم المؤمنين"؟ قالت: "خلال تسع لم تك لأحد النساء قبلى إلا ما أتى الله مريم بنت عمران، والله ما أقول هذا أنى أفخر على أحد من صواحباتى". فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما هن يا أم المؤمنين"؟ قالت: "جاءَ الملك بصورتى إلى رسول الله ﷺ ، وتزوجنى رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجنى

стр. 43

بكرًا لم يشركه فيَّ أحد من الناس، وكان يأتيه الوحى وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها، ورأيت جبريل، ولم يره أحد من نسائه غيرى، وقبض في بيتي ولم يَلِه أحد غير الملك وأنا" (١). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ا هـ. ومالك بن سُعير من رجال مسلم، وقال أَبو حاتم: "صدوق"، وضعفه أبو داود. وهذه الزيادة فيها نظر؛ لما في كتاب مسلم: أَن أُم سَلَمَة رأَته في صورة دحية أيضًا. قال أبو الفرج: "وإنما سلم عليها ولم يواجهها؛ لحرمة زوجها، وواجه مريم؛ لأنه لم يكن لها بَعْل. فمن نُزِّهَت لحرمة بعلها عن خطاب جبريل كيف يُسَلَّطُ عليها أُكُفُّ أَهل الخطايا"؟ (٢). (الحادية والعشرون): اجتماع ريق رسول الله ﷺ وريقها في آخر أنفاسه. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣).

стр. 44

(الثانية والعشرون): لم ينزل الوحى على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها. أَخرجه البخاري في المناقب (١)، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢). والحاكم في المستدرك بلفظ: "ما نزل الوحى عليَّ وأنا في بيت امرأة من نسائى غير عائشة". وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (٣). والأول أصح فقد كان ينزل عليه في بيت خديجة. (الثالثة والعشرون): كانت أكثرهن علمًا. قال الزهرى: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل (٤). وقال عطاء: "كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة" (٥). وذكر أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشعر" (٦). وقال أبو بكر البزار في مسنده: "حدثنا عمرو بن علي، ثنا خلاد بن يزيد، ثنا

стр. 45

محمد بن عبد الرحمن أبو غِرارَة زوج جَبْرَة (١) قال حدثني عروة بن الزبير قال: "قلت لعائشة: إني لأتفكر في أمرك فأَعجب: أجدك من أفقه الناس، فقلت ما يمنعها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبى بكر، وأجدك عالمة بأيام العرب وأنسابها وأشعارها، فقلت: وما يمنعها وأبوها علَّامة قريش؟ ولكن إنما أَعجب أن وجدتك عالمة بالطب فمن أين"؟ فأخذت بيدى وقالت: "يا عُريَّة، إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه فكان أطباءُ العرب والعجم يُبْعَثُون له، فتعلمت ذلك". قال: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد" (٢). اهـ. ومحمد بن عبد الرحمن مختلف فيه، لكن رواه أبو نعيم في الحلية عنه من جهة أحمد بن حنبل: ثنا عبد الله بن معاوية الزبيرى، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه (٣) به وروى الحاكم (٤) نحوه من جهة إسرائيل عن هشام، وقال: "صحيح الإسناد" قال الذهبي في مختصره: "على شرط الشيخين" (٥). (الثالثة والعشرون): كانت أفصحهن لسانًا. عن موسى بن طلحة قال: "ما رأيت أحدًا أَفصح من عائشة" أخرجه الترمذى وقال: "حسن صحيح غريب) (٦).

стр. 46

الأحنف وروى محمد بن سيرين عن بن قيس قال: "سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب والخلفاء كلهم هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة" أخرجه الحاكم (١) في مستدركه. وساق أبو الفرج في التبصرة لها كلامًا طويلا موشحًا بغرائب اللغة والفصاحة (٢). وقال صاحب زهر الآداب: "لما توفى الصديق ﵁ وقفت عائشة على قبره فقالت: "نضر الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلًّا بإدبارك عنها، وللآخِرة معزًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رَزْؤُك، وأعظم المصائب بعده فقدك، وإن كان الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله فيك بالصبر، وأستقضيه بالاستغفار لك. أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين؛ لما وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك" (٣). (الرابعة والعشرون): أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأَمر في الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. قال أبو موسى الأشعرى: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا". أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح" (٤).

стр. 47

وقال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض" (١). (الخامسة والعشرون): جاءَ في حقها: "خذوا شطر دينكم عن الحُمَيْرَاءِ" (٢) وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير ﵀ عن ذلك فقال: "كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزى ﵀ يقول "كل

стр. 48

حديث فيه ذكر الحميراء باطل إلا حديث في الصوم في سنن النسائي". قلت: وحديث آخر في النسائي أيضًا عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: "يا حميراء أتحبين أن تنظرى إليهم … " الحديث، وإسناده صحيح (١). وروى الحاكم في مستدركه حديث: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أُمهات المؤمنين فضحكت عائشة، فقال: "انظرى يا حميراء ألا تكوني أنت" ثم التفت إلى عليّ فقال: "إن ولِّيتَ من أمرها شيئًا فارفق بها" وقال: صحيح الإسناد (٢). وذكرها الشيخ أبو إسحاق الشيرازى في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة. ولما ذكر ابن حزم أَسماءَ الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة. وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب "إيضاح ما لا يسع المحدث جهله": "اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف

стр. 49

حديث ومائتى حديث من الأحكام، فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفٍ وتسعين حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير (١). قال الحاكم أبو عبد الله: "فحمل عنها ربع الشريعة". قال أبو حفص: "وروينا بسندنا عن بقيّ بن مَخْلَد ﵁: "أَن عائشة روت ألفين ومائتى حديث وعشرة أحاديث، والذين رووا الأُلوف عن رسول الله ﷺ أربعة: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعائشة ﵃ (٢). اهـ (السادسة العشرون): لم ينكح النبي ﷺ امرأَة أَبواها مهاجران بِلا خلاف، سواها. (السابعة والعشرون): أن أَباها وجدَّها صحابيان، وشاركها في ذلك جماعة قليلون. قال موسى بن عقبة: "لا نعرف أَربعة أَدركوا النبي ﷺ هم وأبناؤُهم إلا هؤلاء الأربعة. فذكر أَبا بكر الصديق وأباه وابنه عبد الرحمن وابنه محمدًا أبا عتيق" حكاه عنه ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه (٣)، وكذا صاحب مسند الفردوس، وقال: "ولا نعلم من العشرة العشرة أحدًا أَسلم أبوه على يدى رسول الله ﷺ إلا أبا بكر" قلت: "وقد أفرد ابن مندة جزءًا فيمن روى عن النبي ﷺ هو وولده واشتركوا في رؤيته وصحبته والسماع منه، وبدأ بوالد الصديق أبي قحافة وروي له حديثًا، ثم بالصديق، ثم بولده عبد الرحمن. ومنهم حارثة بن شراحيل وابنه زيد بن حارثة وابنه أُسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ . وروى أبو القاسم البغوي في معجمه من جهة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ "إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام

стр. 50

والبرص .. " الحديث ثم قال: لا أعلم لعبد الله بن أبي بكر عن: النبي ﷺ غير هذا الحديث، وفي إسناده ضعف وإرسال (١). وقال الدارقطنى: فأما (٢) عبد الله بن أَبى بكر فأُسند عنه حديث في إسناده نظر، يرويه عثمان بن الهيثم المؤذن، عن رجال ضعفاء (٣). قال المنذرى: "وقد وقع لنا من حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ حديثان آخران غير هذا الحديث، أحدهما: "أَن رسول الله ﷺ فرق بين جارية بكر وزوجها، زوَّجَها أبوها وهى كارهة .. " الحديث الثاني: "أن النبي ﷺ قال: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله". وهذان الحديثان يرويهما عنه المهاجر بن عِكْرِمَة المخزومي. وعندى في سماع المهاجر هذا من عبد الله بن أبي بكر نظر؛ فإن عبد الله قديم الوفاة؛ فإنه توفى في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهى السنة التي توفى فيها رسول الله ﷺ ، وقيل: سنة اثنتى عشرة، والأول أشهر. وكانت وفاته بالمدينة ونزل حفرته عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃. (الثامنة والعشرون): كان أَبوها أَحب الرجال إليه وأَعزهم عليه. (التاسعة والعشرون): أَن أَباها أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ . وقد سئل عن ذلك مالك فقال: "وهل في ذلك شك؟ " وقد صح عن علي بن أَبى طالب ذلك أَيضًا. أَخرجه أَبو ذر في كتاب السنة له.

стр. 51

وأَخرج البخارى في صحيحه عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبى: أَيُّ الناس خير بعد رسول الله؟ " قال: "أبو بكر" قلت: "ثم من؟ " قال: "عمر" وخشيت أن يقول: عثمان؛ قلت: "ثم أنت" قال: "ما أنا إلا رجل من المسلمين" (١). وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين على وعثمان، وذهب قوم إلى تساويهما في الفضيلة، وحكى عن مالك ويحيى بن سعيد القطان. وأما ما ذكره ابن عبد البر في كتاب الصحابة: "أَن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلى" (٢) فقد غُلِّطَ في ذلك ووهِّم، لا سيما وثَبَّتَ بأن من كان يعتقد ذلك من السلف أبو سعيد الخدرى وهذا بعيد. وقد أخرج البخارى في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: "كنا نخيِّر بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان عفان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم" (٣). وقد أنكر ابن عبد البر صحة هذا الخبر وقال: إنه غلط لوجهين: أحدهما: أَنه حكى عن هارون بن إسحاق قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وعرف لعلى سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلى وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة". فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ (٤).

стр. 52

وهذا عجيب؛ لأن ابن معين إنما أنكر على رأى قوم لا على نقلهم. وهؤلاء القوم العثمانية المغلون في عثمان وذم على. ومن قال ذلك واقتصر على عثمان فلا شك أَنه مذموم. وليس في الخبر ما يدل على أن عليًّا ليس بخير الناس بعدهم الثاني: أنه خلاف قول أَهل السنة: إن عليًّا أفضل الناس بعد عثمان. هذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل على وعثمان. قال: واختلف السلف أيضًا في تفضيل على وأبى بكر. وفى إجماع الجماعة التي ذكرنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط اهـ (١). وهذا أعجب من الأول؛ فإن الحديث صحيح أورده الأئمة البخاري فمن دونه في كتبهم الصحاح. والحامل له على ذلك اعتقاده أن حديث ابن عمر يقتضى أن عليًّا ليس بأفضل الناس بعد عثمان، وليس كذلك، بل هو مسكوت عنه. (الثلاثون): كان لها يومان وليلتان في الْقَسْم دونهن، لما وهبتها سودة يومها وليلتها. (الحادية والثلاثون): أَنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها. (الثانية والثلاثون): لم يَرْوِ عن النبي ﷺ امرأة أكثر منها. ونقل الماوردى في الأقضية من الحاوى عن أبي حنيفة: أنه لا ينقل من أحاديث النساء إلا ما روته عائشة وأم سلمة (٢). وهو غريب.

стр. 53

(الثالثة والثلاثون): كان يتبع رضاها كلعبها باللُّعب، ووقوفه في وجهها لتنظر إلى الحبشة يلعبون (١)، واستنبط العلماءُ ذلك أحكامًا كثيرة، فما أعظم بركتها. (الرابعة والثلاثون): أَنها أَفضل امرأَة مات عنها رسول الله ﷺ بلا خلاف. واختلفوا في التفضيل بينها وبين خديجة على وجهين: حكاهما المتولى في التَّتِمَّة. وقال الآمدى في أبكار الأفكار: مذهب أهل السنة أن عائشة أفضل نساء العالمين: وقالت الشيعة: "أفضل زوجاته خديجة وأفضل نساءٍ العالمين فاطمة ومريم وآسية" اهـ. ومنهم من توقف في ذلك وهو ما مال إليه الكِيَا (٢) الطبري في تعليقه في الأُصول. واحتج من فضَّل خديجة بأنها أول الناس إسلامًا، كما نقل الثعلبى الإجماع عليه، وبأن لها تأثيرًا في أول الإسلام، وكانت تسلى رسول الله ﷺ وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرَّة الإسلام، واحتملت الأذى في الله ورسوله، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من ذلك ما ليس لغيرها.

стр. 54

قال أبو بكر بن داود: "ولأن عائشة أقرأها رسول الله ﷺ السلام من جبريل (١)، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد فهي أفضل" (٢). واحتجَّ من فضل عائشة بأن تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها". قال السهيلى: "وأَصح ما روى في فضلها على النساءِ حديث "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" - كما أخرجه الشيخان من حديث أنس (٣) قال: "وأراد بالثريد اللحم". كذلك رواه مَعْمر في جامعه مُفَسَّرًا عن قتادة - وأَبان يرفعه - فقال فيه: "كفضل الثريد باللحم" (٤).

стр. 55

ووجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال في حديث آخر: "سيد أُدُم الدنيا والآخرة اللحم" (١) مع أن الثريد إذا أُطلق لفظه فهو ثريد اللحم، أَنشد سيبويه: إذا ما الخبز تَأْدِمُه بلحمٍ … فذاك أمانة الله الثريد قال: "ولولا قوله في خديجة: "والله ما أَبدلنى الله خيرا منها" (٢) لقلنا بتفضيلها على خديجة وعلى نساء العالمين اهـ. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه في سننه: حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقى ثنا الحسن بن صالح، حدثني سليمان بن عطاء الجزرى، حدثني مسلمة الجهنى، عن عمه أَبِي مَشْجَعَة، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد طعام أهل الدنيا

стр. 56

وأهل الجنة اللحم" (١) وقال ابن الجوزى في مشكله: "العرب تفضل الثريد؛ لأنه أسهل في تناوله، ولأنه يأخذ جوهر المرَق" ا هـ (٢). فلم يُقَفْ على هذا المعنى الحسن. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في طبقاته: "روينا عن الإمام أبي الطيب سهل الصعلوكى أنه قال في قول النبي ﷺ : "فضل عائشة على النساءِ كفضل الثريد على سائر الطعام": أراد فضل ثريد عمرو (٣) الْعُلى الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبرُّه، وبقى له ولعقبه ذكر حتى قال فيه القائل: عمرو الْعُلَى هَشَمَ الثَريد لقومه … ورجال مكة مُسْنِتُون عِجَافُ ثم قال ابن الصلاح: "أبعد سهلٌ في تأويل الحديث والذي أراه: أَن معناه ثريد كل طعام على باقى ذلك الطعام. وسائر بمعنى باقى … وهو كذلك، فإن خير اللحم قد حصل فيه فهو أفضل منه" اهـ (٤).

стр. 57

وسئل ابن الحاجب في أَماليه عن قوله ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" هل الألف واللام لاستغراق الجنس أولا؟ فأجاب "بأن النساء في الأول لمن عدا عائشة. وفى الثاني لمن عدا مريم وآسية" فلا دلالة فيها على تفضيل أحد القبيلين على الآخر، كقولك زيد أفضل القوم وعمرو أفضل القوم: فيه دليل على أنهما أفضل القوم، ولا تفضيل لمجرد ذلك لأحدهما على الآخر. فائدة: وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادى أحد أئمة أصحابنا في "كتاب الأُصول "الخمسة عشر" كلامًا في فضل عائشة وفاطمة قال: "فكان شيخنا أبو سهل محمد بن سليمان الصعلوكى وابنه سهل يفضلان فاطمة على عائشة، وبه قال الشافعي، وللحسين بن الفضل رسالة في ذلك" اهـ. وهذا مما لا شك فيه، وقد قال ﷺ : "فاطمة بضعة منى" ولا نعدل ببضعة من رسول الله ﷺ أحدًا كما قاله ابن داود.

стр. 58

فائدة: أما زوجاته ﷺ فهن أفضل النساء لقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قالوا: "ويجب الوقف هنا، ثم يبتدأ بالشرط، وهو قوله ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ وجوابه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٢] دون ما قبله. بل حكم الله بتفضيلهن على النساء مطلقًا من غير شرط، وهو أبلغ في مدحهن، وجواب الشرط ما بعده. فإن قيل: لقد روى: "كل مع صاحبه في الدرجة" فإن كانت عائشة مع النبي ﷺ في درجته وفاطمة مع على في درجته فتفاوت ما بينهما كتفاوت ما بين الدرجتين، قيل: قال الإمام في الشامل: هذا لا يترى؛ لأنه معلوم أن عائشة لا تكون في درجتها كدرجة النبوة. فإن قلت: هي في منازل الأتباع؟ قلت: هذا لا يعطى فضيلة متأصلة، ولو كانت الفضيلة بهذا القدر لكان يتعدى هذا إلى كل من خدم رسول الله ﷺ وتبعه، وليس الأمر كذلك. (الخامس والثلاثون): أن عمر فضلها في العطاء عليهن. كما أخرجه الحاكم في مستدركه من جهة مصعب بن سعد قال: "فرض عمر لأُمهات المؤمنين عشرة آلاف وزاد عائشة ألفين وقال: "إنها حبيبة رسول الله ﷺ (١) ". ثم أخرج عن مصعب بن سعد نحوه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإرسال مُطَرِّف بن طريف (٢). حاشية: سئل الدارقطنى في علله عن حديث مصعب بن سعد عن عمر أنه فرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف، عشرة آلاف؟ فقال: يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه، فرواه مُطَرِّف عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن عمر. وتابعه إسرائيل، ورواه

стр. 59

الأَعمش، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عمر، ولم يسم أحدًا، وقول مطرف وإسرائيل صحيح (١) - إن شاء الله تعالى (٢). (السادسة والثلاثون): فضل عبادتها: قال القاسم: "كانت عائشة تصوم الدهر" (٣). قال عروة: "بعث معاوية مرة إلى عائشة بمائة ألف درهم فقسمتها لم تترك منها شيئًا، فقالت بريرة: "أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحمًا؟ " قالت: "لو ذكرتنى لفعلت" (٤) رواه الحاكم. وعنه أيضًا قال: "وإن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم وإنها لترقع جانب درعها": (٥) وقد اشتمل هذا على ثلاث فضائل: فضل عبادتها وجودها وزهدها. (السابعة والثلاثون): شدة ورعها: في صحيح مسلم: أَن شريحًا لما سألها عن المسح على الخفين فقالت: "إيت عليًّا فإنه أعلم بذلك منى" (٦).

стр. 60

ذكر أهل المغازى منهم سعيد بن يحيى بن سعيد الأُموى: أن عائشة ﵂. لما دفن عمر بن الخطاب في حجرتها صارت تحتجب من القبر فرضى الله عنها. وأسند الحاكم في مستدركه [ثنا أَبو أُسامة] عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: " [كنت] أدخل البيت الذي دفن معهما عمر، والله ما دخلت إلا وأنا مشدود عليَّ؛ حياءً من عمر" وقال: على شرط الشيخين (١). قال شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير: ووجه هذا ما قاله شيخنا الإمام أبو حجاج المزى: "أن الشهداء كالأحياء في قبورهم، وهذه أرفع درجة فيهم". قال شيخنا: وأيضًا فإن حجابهن كثيف غليظ ﵅، فإن قيل: فقد روى الترمذى عنها ﵂ قالت: "قلت للنبى ﷺ حسبك صفية كذا وكذا" قال بعض الرواة (يعنى قصيرة) فقال لها النبي ﷺ : "لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماءِ البحر لمزجته" (٢). قال الترمذى حسن صحيح. أَي يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها. فالجواب إنما صدر هذا القول عن عائشة مع وفور فضلها وكمال عقلها لفرط الغيرة الغريزية التي جبلت عليها القلوب البشرية.

стр. 61

وقد حكى القاضي عياض في الإكمال عن مالك وغيره: أن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة لا يجب عليها الحد. قال: واحتج لذلك بقوله ﷺ : "وما تدرى الغيراء أعلى الوادى من أسفله" (١). وقد روى البخارى في مناقب عمر أَنه أَرسل في مرض موته ابنه عبد الله إلى عائشة: "أن عمر يقرئك السلام ويستأذنك أن يدفن مع صاحبيه" فقالت عائشة: "لقد كنت أردته لنفسى ولأوثرنَّه اليوم على نفسى (٢). وقد استشكل ذلك بأن الإيثار بالقبر من خلاف شيم الصالحين كمن يؤثر بالصف الأول ويتأخر هو. وأجاب بعضهم بأن الميت ينقطع عمله بموته فلا يتصور الإيثار بالقربة بعد الموت ولا تَقَرُّب بما هو المنع، إنما هذا إيثار فيه بالإيثار به قربة إلى الله، فُهِمَتْ بقرينة الحال من الحديث المشهور أنها رأت أن (٣): [ثلاثة أقمار هوين

стр. 62

في حجرتها، فقال أبو بكر: إن صدقت رؤياك دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما مات النبي ﷺ قال لها أبو بكر: خير أقمارك يا عائشة] (١). (الثامنة والثلاثون) أنها سمعته يقول في يوم من الأيام فَقَدَها: "واعروساه" فجمعها الله عليه (٢). ذكره ابن شاهين في كتاب السنة. ووجعت يومًا فقالت: "وارأساه" فقال النبي ﷺ : "بل أَنا وا رأَساه" (٣)

стр. 63

ففيه إشارة للغاية في الموافقة، حتى بأَلمها، فكأنه أخبرها بصدق محبتها حتى واساها في الألم، وفهم منه على الأمر بالصبر، فبي من الوجع مثل ما بك فتأسِّى بى في الصبر وعدم الشكوى. والظاهر الأول. وروى الإمام أحمد في مسنده عن وكيع عن إسماعيل عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "إنه ليهوِّن عليَّ أنى رأيتُ بياض كف عائشة في الجنة (١) "أخرجه الطبراني في معجمه عن أخرجه الطبراني في معجمه عن أبي معاوية، عن الإمام أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "يهوِّن على منيَّتى أنْ أرِيتُ عائشة زوجتي في الجنة" (٢). (التاسعة والثلاثون): تسابق النبي ﷺ معها. رواه أَبو داود والنسائى وابن ماجه وصححه ابن حبان (٣).

стр. 64

وفيه فائدة جليلة وهى جواز السبق من النساء، خلافًا لما قاله الصيمرى في الإفصاح: "أَنه لا يجوز السبق والرمى من النساء؛ لأَنهن لسن من أهل الحرب". وقد نقله الرافعى وابن الرفعة عنه وأَقرَّاه، وهو مشكل بما ذكرنا، إلا أن يخصص المنع بمسابقة المرأة المرأة. (الأربعون): أَن الله تعالى اختارها لرسوله. قال أبو الفرج بن الجوزى في كتاب فتوح الفتوح: "افتخرت زينب على نساء النبي فقالت: "كلكنَّ زوَّجها أبوها وأَنا زوَّجَنى رَبِّي" (١) تشير إلى قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وأَنا أتوب فقال: "يا زينب لقد صدقت، ولقد شاركتكِ عائشة في أن الله تعالى بعث صورتها في سرقة من حرير مع جبريل فجلاها فقال: "هذه زوجتك" فهذا تزويج مَطْوِيٌّ

стр. 65

في سرِّ القدر ظهر أثره يوم عقد العقد، غير أن عائشة كانت من اختيار الله لرسوله - وكنت يا زينب من اختيار الرسول لنفسه". * * *

стр. 66

الباب الثاني (١) في استدراكاتها على أعلام الصحابة الفصل ١ - رجوع الصدِّيق إلى رأيها روى البخارى: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "دخلت على أبى بكر فقال: "في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ " قالت: "في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة ليس فيها قميص ولا عمامة". وقال لها: "في أي يوم توفى رسول الله ﷺ "؟ قالت: "يوم الاثنين" قال: "فأى يوم هذا"؟ قالت: "يوم الإثنين" قال: "أرجو فيما بينى وبين الليل" ينظر إلى ثوب عليه كان يُمَرَّضُ فيه، به رَدْع من زعفران فقال: "اغسلوا ثوبى هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنونى بها" قلت: "إن هذا خَلَق" قال: "إن الحَيَّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمِهلَة" فلم يتوفَّ حتى أمسى ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح" (٢). ورواه عبد الرزاق (٣). قال: وقوله (إنما هو للمِهلة): من كسر الميم فإنه أراد الصديد، ومن ضمها شبهه بعكر الزيت، وهو المُهل. والرواية بكسر الميم، وقال ابن السِّيد في المقتبس: قوله: (إنما هو للمهلة) كذا رواه يحيى؛ والمعروف المهلة أو المهلة

стр. 67

يعنى بالفتح أَو بالكسر، فإذا حذفت تاءُ التأنيث قلت: المهل لا غير. ورواه أَبو عبيد (١): إنما هو للمُهل وقال: المهل في هذا الحديث الصديد والقيح، وهو في غيره كل شئ أُذيب من جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس. والمهل عكر الزيت قال: وأكثر رواة الموطَّأ على الكسر. وقال الزمخشرى في الفائق: روى للمُهلة وللمَهلة والمِهلة بالكسر، ثلاثتها: الصديد والقيح الذي يذوب ويسيل من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب: المُهْل (٢). قال البيهقى في شعب الإيمان - وقد روى حديث أبى قتادة "من ولى أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون فيها" (٣) -: هذا إن صح لم يخالف قول الصديق ﵁، وإنما هو للمهل يعنى الصديد؛ لأنه كذلك في رؤيتنا. ويكون ما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وهو ذا يراهم يتشحطون في الدماء، وهم في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أَخبر عنهم لارتفع الإيمان بالغيب (٤).

стр. 68

وقد رَوَى عنها أحاديث، منها ما أخرجه الطبراني في معجمه الوسط من جهة منصور عن مجاهد، عن خالد سعد، عن غالب بن أبجر، عن أبي بكر الصديق، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "في الحبة السوداء شفاءٌ من كل داءٍ إلا السام". وقال: لا يروى عن أبي بكر عن عائشة إلا بهذا الإسناد (١). وذكر ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه: أَن هذا غلط ممن رواه عن أبي بكر الصديق عن عائشة، إنما هو عن أَبى بكر بن أبى عتيق عن عائشة وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بن عبد الرحمن (٢) اهـ. وفي التنقيح لابن الجوزى في باب من روى عن ابنه: روى أبو بكر الصديق عن ابنته عائشة حديثين وكذلك روت أُم رومان عن ابنتها عائشة حديثًا (٣). * * *

стр. 69

الفصل ٢ - استدراكها على عمر بن الخطاب - رضة الله عنه - فيه أحاديث: (الحديث الأول): أخرج البخارى ومسلم في حديث عبد الله بن أبى مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة؛ فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما؛ جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبى فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه: ألا تنهى عن البكاء؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال ابن عباس: "قد كان عمر يقول بعض ذلك". ثم حَدَّث قال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كان بالبيداء وإذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال: "اذهب فانظر من هؤلاء الركب" قال: فنظرت فإذا هو صُهَيب قال: فأخبرته فقال: "ادعه لى" قال: فرجعت إلى صهيب فقلت: "ارتحل فالحق أمير المؤمنين" قال: فلما أُصيب عمر، وجعل صهيب يبكى يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر: "يا صهيب أتبكى عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه". قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: "رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ ". وقال مسلم: "يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أَن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٣٨] قال ابن أبي مليكة: "فوالله ما قال ابن عمر شيئا" (١). ووقع في الوسيط وشرح الوجيز للرافعي: أَنها قالت:

стр. 70

"رحم الله عمر ما كذب؛ ولكنه أخطأ أو نسى" (١). وهذا مردود، ولم تقل ذلك إلا لابن عمر على ما سيأتي. قال النووى في تهذيبه: "ولا شك في غلط الغزالى في هذا، ولا عذر له ولا تأويل" (٢). قلت: بلى له العذر في التأويل؛ أَخرج مسلم عن ابن أبي مليكة: فذُكر ذلك لعائشة فقالت: أما والله ما عرفونى هذا الحديث عن كاذِبَيْن ولا مُكَذَّبَيْن، ولكن السمع يخطئ (٣). وقد (٤) ذكره أبو البغدادي في كتابه (٥).

стр. 71

(الحديث الثاني): قال الطحاوى في مشكل الآثار: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن، ثنا أبو عبد الرحمن المقرى (١): قال ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة (٢). قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصارى يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكروا الغسل من الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة". فقام رجل من أَهل المجلس، فأَتى عمر فأَخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءَه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ منهم على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي (٣) عُدَي نفسه تفتى الناس بهذا"؟ فقال زيد: "أَما والله ما ابتدعته، ولكن سمعته من أعمامي؛ رِفَاعَة بن رافع، ومن أَبي أَيوب الأنصارى". فقال عمر لمن عنده من أصحاب رسول الله ﷺ : "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه، فقال عمر: "يا عباد الله قد اختلفتم، وأَنتم أهل بدر الأخيار" فقال له على: "فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيءٌ من ذلك ظهرن عليه" فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل". فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا" (٤).

стр. 72

أخرجه مسلم في الصحيح، لكن لم يذكر أن عمر هو السائل، بل ذكر عن أَبِي موسى الأشعرى قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء". وقال المهاجرون: "بل إذا خالط فقد وجب الغسل". فقال أَبو موسى: "أنا أشفيكم من ذلك" فقمت فاستأذنت على عائشة .. الحديث نحو ما سبق وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" (١) فقال أبو موسى: "لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك" (٢). قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندًا بظاهره (٣) فإنه يدخل في المسند (٤). ثم قال: وقد روى حديثها هذا عنها مسندًا إلى النبي ﷺ ثم ذكره إلى أَبي موسى عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل" (٥). وقد نازعه الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ فيما وجدته بخط بعض تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عمر عنه أَولًا، وهو قوله "إذا جاوز" هو ما ذكره ثانيًا من قوله: "إذا التقى الختانان" فكيف يصح منه أن يقول، وقد روى حديثها هذا، ويشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة، ولم يذكر ما لم يشترط فيه

стр. 73

المجاوزة؟. فيجب أن يحمل قول عائشة "إذا جاوز" على حكاية فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قول النبي ﷺ ، بدليل قولها لما سمعت قضاءَ عليٍّ للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: "ولَمَّا فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" ولا يحمل فعلها إلا على الجماع الكامل، لا على مجرد التقاء الختانين؛ لبُعد ذلك. ولعل جميع ما ذكره عن المهاجرين من الصحابة كابن عمر وعلى وغيرهم في قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الختان الختان" نقلًا من كل منهم لما ذكرته عائشة حاكية عن الفعل المذكور لا عن القول. وكذلك قولها لأبي سلَمة لما سألها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مثلك مثل الفروج يسمع الديكَة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" وإن لم يحمل قولها على حكاية الفعل وقول الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكلية؛ لثبوت الروايات الصحيحة عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء. اهـ. وقد تكلمت على علل هذا الحديث ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النبي ﷺ غيرها من الصحابة: في الثالث من باب الغسل من (الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز). (الحديث الثالث): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدَّثنا عمرو بن على، ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي حميد: قال: أنا عبد الله بن عمرو بن أُمية، عن أبيه: "أَن عمر أتى عليه في السوق وهو يسوم بمرطٍ فقال: "ما هذا يا عمرو"؟ قال: "مرط (٢) أَشتريه، فأتصدق به" فقال له عمر: "فأَنت أَنت إِذًا" ثم أتى عليه بعد فقال: "ياعمرو ما صنع المِرْط"؟ قال: "تصدقت به" قال: "على من "؟ قال: "على رفيقة مُرَيَّة" (٣) قال: "أَليس زعمت أنك تصدق به"؟ قال: "بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن من شيءٍ فهو لكم

стр. 74

صدقة". فقال عمر: "يا عمرو لا تكذب على رسول الله ﷺ " فقال: والله لا أُفارقك حتى نأتى أُم المؤمنين عائشة" فقال: فاستأذنوا على عائشة فقال عمرو: "أنشدك الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" (١). ومحمد بن أبي حميد ضعيف. (الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيءٍ إلا النساء، وأنا طيبت رسول الله ﷺ لحِلِّه" (٢).

стр. 75

ثم أَخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحُرْمِه حين أحرم، ولحله حين حل؛ قبل أن يطوف بالبيت" (١). وقد تابعها على ذلك ابن عباس، فيما أخرجه البيهقى أيضًا من جهة الثورى، عن سلمة، عن الحسن العُرَنى عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يُضَمَّخُ رَأْسُه بالسُّكِّ (٢)، أَوَ طيب هو، أم لا"؟ (٣). (الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدَّثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر (٤) قال: "أَقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذى الحليفة أهلَّ وأهللنا فمر بنا راكب يَنْفَحُ عنه ريحُ ريحُ الطِّيب، فقال عمر: "مَن هذا"؟ قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية"؟ قال: "مررت بأُم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشَعِثُ التَّفِل".
следующие страницы →