← Фикх общий

Фикх общий · id 8490

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ت رفعت فوزي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (181 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

(الحديث الثاني): قال الطحاوى في مشكل الآثار: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن، ثنا أبو عبد الرحمن المقرى (١): قال ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة (٢). قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصارى يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكروا الغسل من الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة". فقام رجل من أَهل المجلس، فأَتى عمر فأَخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءَه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ منهم على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي (٣) عُدَي نفسه تفتى الناس بهذا"؟ فقال زيد: "أَما والله ما ابتدعته، ولكن سمعته من أعمامي؛ رِفَاعَة بن رافع، ومن أَبي أَيوب الأنصارى". فقال عمر لمن عنده من أصحاب رسول الله ﷺ : "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه، فقال عمر: "يا عباد الله قد اختلفتم، وأَنتم أهل بدر الأخيار" فقال له على: "فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيءٌ من ذلك ظهرن عليه" فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل". فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا" (٤).

стр. 72

أخرجه مسلم في الصحيح، لكن لم يذكر أن عمر هو السائل، بل ذكر عن أَبِي موسى الأشعرى قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء". وقال المهاجرون: "بل إذا خالط فقد وجب الغسل". فقال أَبو موسى: "أنا أشفيكم من ذلك" فقمت فاستأذنت على عائشة .. الحديث نحو ما سبق وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" (١) فقال أبو موسى: "لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك" (٢). قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندًا بظاهره (٣) فإنه يدخل في المسند (٤). ثم قال: وقد روى حديثها هذا عنها مسندًا إلى النبي ﷺ ثم ذكره إلى أَبي موسى عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل" (٥). وقد نازعه الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ فيما وجدته بخط بعض تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عمر عنه أَولًا، وهو قوله "إذا جاوز" هو ما ذكره ثانيًا من قوله: "إذا التقى الختانان" فكيف يصح منه أن يقول، وقد روى حديثها هذا، ويشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة، ولم يذكر ما لم يشترط فيه

стр. 73

المجاوزة؟. فيجب أن يحمل قول عائشة "إذا جاوز" على حكاية فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قول النبي ﷺ ، بدليل قولها لما سمعت قضاءَ عليٍّ للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: "ولَمَّا فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" ولا يحمل فعلها إلا على الجماع الكامل، لا على مجرد التقاء الختانين؛ لبُعد ذلك. ولعل جميع ما ذكره عن المهاجرين من الصحابة كابن عمر وعلى وغيرهم في قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الختان الختان" نقلًا من كل منهم لما ذكرته عائشة حاكية عن الفعل المذكور لا عن القول. وكذلك قولها لأبي سلَمة لما سألها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مثلك مثل الفروج يسمع الديكَة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" وإن لم يحمل قولها على حكاية الفعل وقول الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكلية؛ لثبوت الروايات الصحيحة عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء. اهـ. وقد تكلمت على علل هذا الحديث ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النبي ﷺ غيرها من الصحابة: في الثالث من باب الغسل من (الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز). (الحديث الثالث): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدَّثنا عمرو بن على، ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي حميد: قال: أنا عبد الله بن عمرو بن أُمية، عن أبيه: "أَن عمر أتى عليه في السوق وهو يسوم بمرطٍ فقال: "ما هذا يا عمرو"؟ قال: "مرط (٢) أَشتريه، فأتصدق به" فقال له عمر: "فأَنت أَنت إِذًا" ثم أتى عليه بعد فقال: "ياعمرو ما صنع المِرْط"؟ قال: "تصدقت به" قال: "على من "؟ قال: "على رفيقة مُرَيَّة" (٣) قال: "أَليس زعمت أنك تصدق به"؟ قال: "بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن من شيءٍ فهو لكم

стр. 74

صدقة". فقال عمر: "يا عمرو لا تكذب على رسول الله ﷺ " فقال: والله لا أُفارقك حتى نأتى أُم المؤمنين عائشة" فقال: فاستأذنوا على عائشة فقال عمرو: "أنشدك الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" (١). ومحمد بن أبي حميد ضعيف. (الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء والطيب". قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيءٍ إلا النساء، وأنا طيبت رسول الله ﷺ لحِلِّه" (٢).

стр. 75

ثم أَخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحُرْمِه حين أحرم، ولحله حين حل؛ قبل أن يطوف بالبيت" (١). وقد تابعها على ذلك ابن عباس، فيما أخرجه البيهقى أيضًا من جهة الثورى، عن سلمة، عن الحسن العُرَنى عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يُضَمَّخُ رَأْسُه بالسُّكِّ (٢)، أَوَ طيب هو، أم لا"؟ (٣). (الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدَّثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر (٤) قال: "أَقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذى الحليفة أهلَّ وأهللنا فمر بنا راكب يَنْفَحُ عنه ريحُ ريحُ الطِّيب، فقال عمر: "مَن هذا"؟ قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية"؟ قال: "مررت بأُم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشَعِثُ التَّفِل".

стр. 76

قال البزار: "لا نعلم له إسنادًا عن عمر إلا هذا، وإبراهيم بن يزيد ليس بالقوى، وقد حدث عنه سفيان الثوري وجماعة كثيرة" (١) اهـ. قلت: ورواه مالك في الموطأ عن نافع عن أسلم مولى عمر: أَن عمر به (٢) وأخرجه البيهقي في سننه عن شعيب عن الزهري قال: "وكان ابن عمر يحدث عن عمر: أَنَّه وجد من معاوية ريح طيب وهو بذي الحليْفَة وهم حجاج فقال عمر: "ممَّن ريح هذا الطيب"؟ قال: "منى، طيبتني أُم حبيبة" فقال: "لعمرى أُقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله، فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطِران أحب إلى من أَن أَجد منه ريح الطيب" (٣). قال البيهقي: "يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغتر به الجاهل، فيتوهم أن ابْتداءَ الطيب يجوز للمحرم، كما قال طلحة في الثوب المُمَشَّق" (٤) ا هـ وذكره الحازمي في ناسخه، ثم قال: "ولم يبلغ عمر حديث عائشة - يعني (طيبت النبي ﷺ فأصبح وإِنَّ وَبيص المسك في مَفَارِقه). قال: "ولو بلغه لرجع إليه وإذا لم يبلغه؛ فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" (٥) اهـ ولهذا ذكرت هذا في المستدركات.

стр. 77

وحديث عائشة مقدم لا محالة؛ لأنها نقلت النص، وعمر ﵁ إنما منع استدامة التطيب بالاستنباط من قوله ﷺ : "الحاج الشعِثُ التفِل". وسيأتي إنكارها على ابن عمر مثل ذلكِ. (الحديث السادس) (١): قال البزار أيضًا: حدَّثنا علي بن نصر، ومحمد بن معمر، واللفظ له قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى (٢): أَن عمر كَبَّرَ على زينب بنت جحش أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ : "من يدخل هذه قبرها"؟ فقلن: "من كان يدخل عليها في حياتها" ثم قال عمر: "كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعكن بي لحوقًا أطولكن يدًا" فكن يتطاولن بأيديهن [وإنما كان ذلك] (٣) لأنها كانت صناعًا تعين بما تصنع في سبيل الله. قال البزار: "وهذا الحديث روى عن النبي ﷺ من وجوه، ولا نعلم رواه عنه أَجلُّ من عمر، ورواه غير واحد عن إسماعيل عن الشعبي مرسلًا (٤)، وأسنده شعبة". وقوله: ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ عائشة وأصله في العموم (٥) فلهذا ذكرناه في هذا الباب ا. هـ.

стр. 78

(الحديث السابع): روى مسلم عن أنس قال: "كان عمر يضرب الأيدى على صلاة بعد العصر" (١). وأخرج أيضًا عن طاوس عن عائشة قالت: "وَهِمَ عمر، وإنما نهى رسول الله ﷺ أن يُتحرى طلوع الشمس وغروبها" (٢). قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره، وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضًا؛ لأنه رآه عمر بن الخطاب يركع بعد العصر ركعتين، فمشى إليه وضربه بالدِّرَّة، فقال له زيد: "يا أمير المؤمنين اضرب، فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما"، فقال له عمر: "يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما" (٣) (٤). (الحديث الثامن): قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب: أَخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب قال: "لا يحل للمؤمن أن

стр. 79

يدخل الحمام إلا بمنديل ولا مؤمنة إلا من سقم، فإني سمعت عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأَة وضعت خمارها في غير بيتها فقد هتكت الحجابّ فيما بينها وبين ربها" قال: وهو منقطع (١).

стр. 80

الفصل ٣ - استدراكها على علي بن أبي طالب ﵁ روي أبو منصور البغدادي في كتابه، ثنا الحسن بن محمد بن الحسن الخلال إجازة قال: ثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: ثنا عبد الغافر بن سلامة الحمصي قال: ثنا يحيى بن عثمان بن كثير قال: ثنا محمد بن حمير (١) قال: حدثني ابن أبي مريم عن عبدة بن أبي لبابة عن محمد الخزاعي: أَن أُبي بن كعب أتى عائشة زوج النبي ﷺ فقال لها: إن على بن أبي طالب يقول: "ما أُبالى على ظهر حمار مسحت أم على التساخين" (٢) قالت عائشة: "ارجع إليه فقل له: إن عائشة تنشدك هل علمت ما عمل رسول الله ﷺ بعد تنزيل سورة المائدة"؟ فأتاه فسأله عن ذلك فقال: "إن عائشة أخبرتنى أن رسول الله ﷺ لما نزلت سورة المائدة لم يزد على المسح على التساخين (٣) ". فلما أخبره ذلك انتهى إلى قول عائشة وعمل به (٤). ا. هـ. في إسناده من يجهل. والتساخين الخفاف، قال ثعلب: "لا واحد لها" (٥).

стр. 81

وهذا الحديث لا يصح؛ فإن مسلمًا روى في صحيحه عن شريح بن هانيء قال: أَتيت عائشة أَسأَلها عن المسح على الخفين فقالت: "عليك بابن أبي طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ " فسألناه فقال: "جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم" (١). ورواه النسائي من حديث عائشة عن شريح قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثًا" (٢). فائدة: روى الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في كتاب الوصايا من المسند: حدَّثنا ابن عُلَيَّةَ عن ابن عون عن إبراهيم عن الأسود قال: ذُكر عند عائشة أَن عليًّا كان وصيًّا فقالت: "متى أُوصِيَ إليه؟ لقد كنت مسندته في حجرى فانخنث فمات، فمتى أوصى إليه"؟ وأخرج من جهة مسروق عنها قالت: "ما أوصى رسول الله ﷺ بشيءٍ". وعن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس مثله (٣) (٤). * * *

стр. 82

الفصل ٤ - استدراكها على عبد الله بن عباس (الحديث الأول): أخرج البخارى ومسلم كلاهما من طريق عَمْرَة بنت عبد الرحمن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: "أَن عبد الله بن عباس قال: "من أهدى هديًا حَرُم عليه ما يَحْرُم على الحاج حتى ينحر الهدى". وقد بعثت بهديي فاكتبي إلى بأمرك. قالت عمرة: قالت عائشة: "ليس كما قال ابن عباس، أَنا فَتَلْتُ قلائد هَدْي رسول الله ﷺ بيدى، ثم قلَّدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يَحْرُم على رسول الله ﷺ شيءٌ أحله الله له حتى نحر الهدى" (١). وترجم عليه البخاري (باب من قَلَّدَ القلائد بيده) ولم يذكر فيه "وقد بعثت بهديي فاكتبى إليَّ بأمرك". قال الحافظ أبو الحجاج المياسي، ومن خطه نقلت: "هكذا وقع في كتاب مسلم (أن ابن زياد) ووقع في جميع الموطات: (أن زياد ابن أبي سفيان) كما وقع في البخارى" (٢). وأخرج البيهقي في سننه عن شعيب قال: قال الزهرى: أول من كشف

стр. 83

الْغُمّى عن الناس وبيَّن لهم السنة في ذلك عائشة ﵂: فأَخبرني عروة وعمرة أن عائشة قالت: "إنى كنت لأفتل قلائد هدى النبي ﷺ فيبعث بهديه مقلَّدًا وهو مقيم بالمدينة، ثم لا يجتنب شيئًا حتى ينحر هديه" فلما بلغ الناسَ قولُ عائشة هذا أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس" (١). قال البيهقي: وروى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة (٢). فإن قيل: فقد روى عن جابر خلاف ذلك؛ قال الطحاوى في معاني الآثار: ثنا ربيع المؤذن، ثنا أَسد بن موسى، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لبيبة، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ جالسًا فقدَّ قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ﷺ فقال: "إنى أمرت بِبُدْنى التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتُشْعَرَ على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأُخرج قميصى من ورائي" (٣). وكان بعث بِبُدْنه وأقام بالمدينة. فالجواب أَن هذا حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. قال البخاري: "عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر" (٤) وقال الطحاوى: "قد تواترت الآثار عن عائشة بما لم تتواتر عن غيرها بما يخالف حديث جابر، وحديث عائشة إسناده صحيح بلا خلاف بين أهل العلم، ومعه النظر والمعنى (٥).

стр. 84

قلت: ومما يضعف حديثَ جابر حديثُ يَعْلَى بن مُرَّة أَن النبي ﷺ لم يأَمر صاحب الجبة إلا بنزعها (١). وروى الطحاوى عن يونس، ثنا ابن وهب: أَن مالكًا حدثه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر: أَنَّه رأى رجلًا متجردًا بالعراق، قال: فسألت الناس عنه فقالوا: "أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد" قال ربيعة: "فلقيت عبد الله بن الزبير فقال: "بدعة ورب الكعبة" قال: ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير يحلف على ذلك أَنَّه بدعة إلا وقد علم السنة خلاف ذلك (٢) (٣). (الحديث الثاني): أخرج مسلم عن ابن جريجٍ أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: "لا يطوف بالبيت حاج، ولا غير حاج إلا حلّ". فقلت لعطاء: "من أين تقول ذلك"؟ قال: من قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: ٣٣]. قلت: "فإن ذلك بعد الوقوف" قال: كان ابن عباس يقول: "من بعد الوقوف وقبله". وكان يأخذ ذلك من أَمر رسول الله أصحابه حين أمرهم أن يحلوا من حجة الوداع (٤).

стр. 85

قال البيهقى: قد قررنا أن فسخ الحج كان خاصًّا بهم، فلا يَقْوَى الاستدلال (١). وقد أنكرت عائشة ذلك، وحكت فعل النبي ﷺ أَخرجاه في الصحيحين عن عروة عن عائشة (٢). وأنكره عليه ابن عمر أَيضًا. أخرجه مسلم عن وَبَرَة قال: كنت جالسًا عند ابن عمر فجاءَه رجل فقال: "أيصلح أن أطوف بالبيت قبل أن آتي (٣) الموقف"؟ فقال: "نعم" قال: فإن ابن عباس يقول: "لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف". فقال ابن عمر: "قد حج رسول الله ﷺ وطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقًا؟ " (٤) (٥). (الحديث الثالث): أَخرجه البيهقي في سننه من جهة عبد الله بن الوليد العدني: ثنا سفيان عن جابر (٦) عن أبي الضحى: أن عبد الملك أو غيره بعث إلى ابن عباس الأطباءَ على البُرُد وقد وقع الماءُ في عينيه، فقالوا: "تصلي سبعة أيام مستلقيًا" فسأل أُم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه (٧). قال الذهبي في مختصره: "الجعفى ليس بشيءٍ، وابن عباس كرهه (٨)

стр. 86

تورعًا، والتداوى مشروع". وقال صاحب الدر النقى: "في ذكر عبد الملك هنا نظر؛ لأنه ولى الخلافة سنة خمس وستين، وكانت وفاة عائشة وأُم سلمة قبل ذلك بسنين، اللهم إلا أن يحمل على أن عبد الملك أرسلهم إليها قبل خلافته وفيه بُعد؛ إذ لا يعلم لعبد الملك في زمن عائشة وأُم سلمة ولاية تقتضى الإرسال على البُرُد، قال: "والعدنى متكلم فيه" قال أحمد: لم يكن صاحب حديث، وكان ربما أخطأ في الأسماءِ، ولا يحتج به وقال ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا. وجابر المذكور في سنده أظنه الجعفى، وقد قال البيهقي في موضع: لا يحتج به. وقال الدارقطني: متروك. "وقد روى هذه القصة عن سفيان الثورى من لا نسبة بينه وبين العدنى حفظًا وجلالة، وهو عبد الرحمن بن مهدى، ولم يذكر فيه عبد الملك. قال ابن أبي شيبة في مصنفه: قال ابن مهدى: ثنا سفيان عن جابر عن أبي الضحى أن ابن عباس وقع في عينه الماءُ، فقيل له: "تستلقى سبعًا ولا تصلى إلا مستلقيًا" فبعث إلى عائشة وأم سلمة يسألهما فنهتاه (١) ". وأخرج الحاكم في المناقب من جهة أبي معاوية: ثنا الأعمش عن المسيب بن رافع قال: لما كُفَّ بصر ابن عباس أَتاه رجل فقال له: "إنك إن صبرت لى سبعًا لم تُصَلِّ إِلا مستلقيًا تومئُ إيماءً داويتك [و] برأت - إن شاء الله. فأرسل إلى عائشة وأبى هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ (٢). (الحديث الرابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدَّثنا على بن سعيد الرازي: ثنا الهيثم بن مروان الدمشقى: ثنا زيد بن يحيى بن عبيد: ثنا سعيد بن

стр. 87

بشير عن قَتادةَ: حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس: "أن معاوية صلى صلاة العصر ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها، فقال معاوية: "يا ابن عباس ما هاتان الركعتان"؟ فقال: "بدعة وصاحبها صاحب بدعة" فلما انفتل قال: "ما قلتما"؟ قال: "قلنا: كيت وكيت" قال: "ما ابتدعت، ولكن حدثتنى خالتى عائشة، فأرسل معاوية إلى عائشة فقالت: صدق، حدثتني أم سلمة" فأرسل إلى أُم سلمة: "أن عائشة حدثتنا عنك بكذا" فقالت: "صدقت، أتى رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى بعد العصر فقمت وراءَه فصليت، فلما انفتل قال: ما شأنك؟ قلت: رأيتك يانبي الله صليت فصليت معك. فقال: إن عاملًا لى على الصدقات قدم على فخفت عليه" (١)؟. وفى الصحيحين عن كريب مولى ابن عباس أَن عبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ وقالوا: "اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسَلْها عن الركعتين بعد العصر وقل: إنا أُخبرنا أَنك تصلينها، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنها" قال ابن عباس: "وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنها" قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها، فقالت: "سل أُم سلمة" فذكر نحو ما سبق إلا أنه قال: إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلونى عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان (٢). وأخرج الترمذى من جهة عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إنما صلى النبي ﷺ الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن

стр. 88

الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما" وقال: حديث حسن (١). ويعارضها في الصحيحين عن عروة: قالت عائشة: "يا ابن أُختى ما ترك النبي ﷺ السجدتين بعد العصر عندى قط" (٢) (٣). (الحديث الخامس): أخرج أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق يزيد بن أبي زياد عن مِقسم عن ابن عباس قال: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه" (٤).

стр. 89

قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: "يزيد فيه لين، ومقسم صدوق ضعَّفه ابن حزم" ا هـ. أعله المنذرى بيزيد، قال: وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقال غير واحد من الأئمة: إنه لا يحتج بحديثه (١). قلت: وقد خالفه ابن أبي ليلى. فأخرج البيهقي في سننه من جهة قَبِيصَة: ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى (٢) عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبُرد حِبَره" قال البيهقى: "كذا رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى" (٣). قال الذهبي: "وليس بقوى". وقد روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَة ليس فيها قميص ولا عمامة". أخرجه الأئمة الستة في كتبهم (٤). قال البيهقي: وقد بينت عائشة ﵂ أن الاشتباه في ذلك على غيرها: فأخرج مسلم من جهة هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سَحولية من كرسُف ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما

стр. 90

الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له حُلَّة ليكفن فيها، فتركت الحلة فأخذها عبد الله بن أَبي بكر فقال: "لأحبسنَّها لنفسى حتى أُكفَّن فيها" ثم قال: "لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها" فباعها وتصدق بثمنها" (١). وفي رواية: "أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية" (٢). وأخرج مسلم أيضًا عن هشام عن أبيه قال: فقيل لعائشة: "إنهم يزعمون أنه قد كان ﵇ كفن في برد حِبَرة" قالت: قد جاءوا ببُرد حِبَرة ولم يكفنوه" (٣) وأخرجه البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: حدثني الزهرى عن القاسم عن عائشة قالت: "أدرج رسول الله: في برد حبَرة، ثم أخر عنه" (٤) قال القاسم: "إن بقايا ذلك الثوب عندنا بعد" قال البيهقي: هذا الثوب الثالث، وأما الحلة فتصدق بثمنها عبد الله، وهي ثوبان. اهـ (٥)

стр. 91

(الحديث السادس): إنكارها عليه الرؤْية: أخرج الترمذي في التفسير من جهة سَلْم بن جعفر - هو البكراوى (١)، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: قال ابن عباس: "رأى محمد ربه" فقلت: "أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ فقال: "ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، قد رأى ربه مرتين" وقال: حسن غريب (٢). قال شيخنا عماد الدين بن كثير: "سَلْم (٣) بن جعفر ليس بذاك المشهور، والحكم بن أبان وثَّقه جماعة" وقال ابن المبارك: "ارم به" ا هـ. قلت: وأخرج الحاكم في مستدركه من جهة معاذ بن هشام: حدثنى أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الخُلَّة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤْية لمحمد ﷺ )؟ ثم قال: صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه (٤). وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرؤية. ثم ساقه من جهة إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن الشعبى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "رأي محمد ربه" (٥). وله شاهد آخر صحيح الإسناد، ثم ساقه عن يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: "قد رأى محمد ﷺ ربه" (٦). وعن ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عباس قال: "رآه مرتين" (٧).

стр. 92

ثم قال الحاكم: قد اعتمد الشيخان في هذا الباب أخبار عائشة بنت الصديق وأُبَى بن كعب وابن مسعود وأبي ذر: "أَن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇" وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحة. اهـ. (١). وقد أخرج البخارى من حديث القاسم عن عائشة قالت: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخَلْقِه سادًّا ما بين الأُفق" (٢) وفى الصحيحين من حديث مسروق قلت لعائشة: "يا أمتاه هل رأى محمد ربه"؟ فقالت: "لقد قفَّ شعرى مما قلت، من حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣] ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين". وفي رواية: "من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" فقلت: "يا أُم المؤمنين، أنظرينى ولا تعجليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [سورة التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما بين السماءِ إِلى الأَرض" وقالت: "أَولم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ١٠٣] أَوَلَم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى: ٥١] (٣).

стр. 93

قلت: وهذا قاطع في هذه المسألة؛ إذ صرحت فيه بالرفع. ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له: "إنه ﷺ إنما خاطب عائشة على قدر عقلها" ثم أخذ يحاول تخطئتها (١). وليس كما قال، فقد جاءَ عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ ؛ منهم ابن مسعود، رواه محمد بن جرير الطبرى في تفسيره: حدَّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا سليمان الشيباني، ثنا زِرُّ بن حُبَيْش قال: "قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم: ٩] قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ جبريل له ستمائة جناح" (٢). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣). وفي كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: قال أبو مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ١٣] قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت جبريل في صورته له ستمائة جناح" قال الحميدي:

стр. 94

وليس ذلك كما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما خرجه على الكتابين (١). ومنهم أبو ذر؛ قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا عفان ثنا هشام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: "لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته" قال: "وما كنت تسأله"؟ قلت: "كنت أسأله: هل رأى ربه "؟ فقال: "إنى سأَلته: فقال: قد رأيته نورًا أَنَّى أَراه" (٢). وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ "رأيت نورًا" ثم قال: "معناه معناه أَنَّه لم ير ربه، ولكن رأى نورًا علويًّا من الأنوار المخلوقة" (٣). اهـ. هكذا وقع في رواية الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين: أَحدهما قال: "رأيت نورًا أَنَّى أَراه" (٤) والثاني قال: "رأيت نورًا" وهو مصرح بنفى الرؤية إذ لو أراد الإثبات لقال "نعم" أو "رأيته" ونحو ذلك، وهو يردُّ قول ابن خزيمة: (أن الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها) (٥) ولهذا لم يجد ابن خزيمة عنه ملجأ إلا أنه كان يدعى انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر فقال: "في القلب من صحة مسند هذا الخبر شيء" لم أر أحدًا من علماء الأثر نظر لعلة في إسناده. قال: عبد الله بن شقيق راوى الحديث كأنه لم يكن يثبت أبا ذر

стр. 95

ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، قال: لأن أبا موسى محمد بن المثنى حدَّثنا عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قَتادةَ عن عبد الله بن شقيق قال: "أَتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول: ألا ليبشر أصحاب الكنوز بِكَيٍّ في الحَياة والممات، فقالوا: هذا أبو ذر" فكأنه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر (١). وقال بعض العلماء في هذا الحديث (٢): قد أجمعنا على أنه ليس بنور، وخطأنا المجوس في قولهم: هو نور، والأنوار أجسام والبارى سبحانه ليس بجسم. والمراد بهذا الحديث أن حجابه النور، وكذلك روى في حديث أَبي موسى، فالمعنى: كيف أَراه وحجابه النور؟ ومن أثبت رؤْية النبي ﷺ ربه فإنما يثبت ليلة المعراج، وأسلم أبو ذر بمكة قادمًا قبل المعراج، ثم رجع إلى بلاد قومه فأَقام بها حتى مضت بدر وأُحُد والخندق، ثم قدم المدينة بعد ذلك، فيحتمل أنه سأل النبي ﷺ وقت إسلامه: "هل رأيت ربك"؟ وما كان عُرج به بعد، فقال: "نور، أَنَّى أَراه"؟ أي النور يمنع من رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس: "رأيت ربى" (٣) ا. هـ. وهذا ضعيف؛ فإن عائشة أُم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراء، ولم يثبت لها الرؤية. وأَما قول الإمام أحمد: "ما زلت منكرًا لهذا الحديث وما أدرى ما وجهه" (٤) فقال بعض الأئمة: لا نعرف معنى هذا الإنكار، وقد صح ذلك عن أَبي ذر وغيره. وللكلام على الحديث موضع آخر قد بسطته فيه، ورددت ما حرَّفه بعض النقَلَة في لفظه، والله أعلم (٥).

стр. 96

(الحديث السابع): إحالته معرفة الوتر عليها. أخرجه مسلم في صحيحه عن قتادة عن زُرَارَة بن أَبي أَوْفَى عن سعد بن هشام: أنه طلق امرأته فأتى المدينة ليبيع بها عقارًا له، فيجعله في السلاح والكراع، فذكر الحديث، وأنه لقى ابن عباس فسأَله عن الوتر فقال: "ألا أُنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ " قال: "نعم" قال: "عائشة، إيتها، فسلها، ثم ارجع إليَّ، فأخبرني بردها عليك". قال: فأَتيت عَلَى حكيم (١) بن أفلح فاستلحقته إليها فقال: "ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا فَأَبت فيهما إِلا مُضِيًّا فيه" فأَقسمتُ عليه، فجاءَ معى فدخل عليها فقال: "يا أُم المؤمنين أَنبَئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: "كنا نُعِدُّ له سواكه وطَهوره فيبعثه الله بما شاءَ أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأُ، ثم يصلى ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيجلس ويذكر الله ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد الله ويصلى على النبي ﷺ ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلى ركعتين وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يابني، فلما أسن وأُخِذَ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني" (٢). وفي رواية له "وسلم تسليمًا يسمعنا" (٣). وقد اختلفت الأحاديث، ولا سيما الأحاديث عن عائشة ﵂ في عدد الوتر، وفي صحيح مسلم عنها: "كان رسول الله ﷺ يصلى في الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس" (٤). وروي أبو داود: "لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة" (٥).

стр. 97

فقيل: الاختلاف منها. وقيل: هو من الرواة عنها. ووجه الاختلاف فيها بحسب اختلاف أحواله ﷺ من اتساع الوقت أو ضيقه وبحسب طول القراءَة كما جاءَ في حديث حذيفة وابن مسعود. أو عذره بمرض أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما روته ورواه أيضًا خالد بن زيد. أو وجه الثلاث عشرة أنها عدت معها ركعتي الفجر، كما بين أبو داود ذلك في رواية له عنها (١). (الحديث الثامن): ردت على ابن عباس قراءَته قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [سورة يوسف: ١١٠] بالتخفيف. فأخرج البخاري في التفسير عن ابن أبي مليكة قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة ذهب بها هنالك، وتلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٤] فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: "قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله في شيءٍ قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاءُ بالرسل

стр. 98

حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم فكانت تقرؤُها ﴿كُذِّبوا﴾ مُثَقَّلَة (١) (٢). * * *

стр. 99

الفصل ٥ - [استدراكها] على عبد الله بن عمر (الحديث الأول): أَخرج البخارى ومسلم، واللفظ له، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة - وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" - فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبْكَى عليها فقال: "إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها" (١). ورواه مسلم أَيضًا عن هشام بن عروة عن أَبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا ولم يحفظ، إنما مرت على رسول الله جنازة يهودى وهم يبكون عليه، فقال: "أنتم تبكون وإنه ليعذب" (٢). واعلم أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة؛ منهم عمر وابن عمر، وأنكرته عليهما عائشة، وحديثها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٣٨] وموافق للأحاديث الآخر في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى، وإقراره على البكاء عليهم. وكان ﷺ رحمة للعالمين، فمحال أن يفعل ما يكون سببًا لعذابهم أو يقر عليه. وهذا مرجِّحٌ آخر لرواية عائشة، وعائشة جزمت بالوهم. واللائق لنا في هذا المقام التأويل، وهو حمل الأحاديث المخالفة لها إما على

стр. 100

من أوصى بذلك فعليه إثم الوصية بذلك أنه قد تسبب إلى وجوده، وإما غير ذلك مما ذكره العلماءُ في كتبهم. والذي يؤكد قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "وإن الميت ليعذب" .. بلام العهد فالظاهر أن ابن عمر خفى عليه موت اليهودي فحملها على الاستغراق. ونظير هذا ما رُوى أنه ﷺ رأى تاجرًا يبخس الناس في البيع فقال: "التاجر فاجر" (١) يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أنه للاستغراق. ذكر هذا فخر الدين الرازى في بعض كتبه الأُصولية وجعله من أسباب الغلط في الرواية. ولا شك أنه من أسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب فإن في السنن: "التاجر فاجر إِلا مَن برَّ وصدق" وهذا يدل على إرادة الاستغراق؛ لوجود الاستثناء فيه (٢). (الحديث الثاني): أخرجا أيضًا عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: "لأن أُصبحَ مطليًّا بقطران أحب إلى من أَن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا" قال: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله، فقالت: "طيَّبْتُ رسول الله ﷺ فطاف على نسائه ثم أصبح محرمًا" (٣).

стр. 101

وفي لفظ البخارى: ذكرته لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، كنت أُطَيِّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا" (١). ورواه النسائي بلفظ: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: "لأَن أُطلى بالقطران أحبُّ إليَّ من ذلك" فذكرت ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، قد كنت أُطيب رسول الله ﷺ فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبا" (٢) وفي لفظ لهما: سألت عائشة وذكرت لها قول ابن عمر: "ما أُحب أن أُصبح محرمًا أَنضخ طيبًا" فقالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرمًا" (٣). والنضخ بالخاءِ المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أثر؛ يقال نضخ ثوبه بالطيب والنضح بالمهملة فيما كان رقيقًا مثل الماء (٤). (الحديث الثالث): أخرجا أيضًا عن منصور عن مجاهدٍ قال "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" فقال له عروة: "يا أبا عبد الرحمن [كم] اعتمر رسول الله ﷺ "؟ قال: "أربع عمر إحداهن في رجب" فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: "أَلا تسمعين يا أُم المؤمنين إلى مايقول أبو عبد الرحمن "؟ فقالت: "وما يقول"؟ قال: يقول: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر إحداهن

стр. 102

في رجب" فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط" (١) قال ابن الجوزي في مشكلة: "سكوت ابن عمر لا يخلو من حالين: إما أن يكون قد شك فسكت، أو أن يكون ذكر بعد النسيان فرجع بسكوته إلى قولها وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا، وقال أنس: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلها في ذى القعدة" وهذا الحديث يدل على حفظ عائشة وحسن فهمها (٢). وقد جاء الإنكار عليه منها على وجه آخر، أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه من جهة مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قَرَنَها بحجة الوداع" (٣). وقد سبق أن البخارى ومسلمًا (٤) رويا حديث مجاهد عن عائشة، وهو منهما تصريح بأنه سمع منها، لا سيما على شرط البخارى، لكن قال يحيى بن

стр. 103

سعيد القطان: لم يسمع مجاهد من عائشة، وكان شعبة بن الحجاج ينكره. وهو قول يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي أيضًا (١). وفي هذا الحديث أمر آخر غير مخالفة ما سبق، وهو أن عائشة روت الإفراد عن النبي ﷺ ، لكن قال الطحاوى في معاني الآثار: "هذا لا ينافيه، فيجوز أن تكون قد علمت أنه ﷺ ابتدأ فأحرم بعمرة لم يقرنها حينئذ بحجة، فمضى فيها على أن يحج في وقت الحج، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أحرم بحجة منفردة في إحرامه بها لم يبتدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرته المتقدمة، فقد كان في إحرامه على أشياءَ مختلفة: كان في أوله متمتعًا ثم محرمًا بحجة أفردها في إحرامه تلزمه مع العمرة التي كان قدمها، فصار في معنى القارن والمتمتع. وأرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أنه ﵇ أهلَّ بهما جميعًا" (٢). اهـ (٣). (الحديث الرابع): وأخرجا أيضًا من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأجر" فقال ابن عمر: "أكثر علينا أبو هريرة" فبعث إلى عائشة فسألها فصدَّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (٤). وأَخرجه مسلم أيضًا عن داود بن عامر بن سعد بن أَبي وقاص عن أَبيه: أَنَّه

стр. 104

كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد" فأرسل ابن عمر خبَّابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يقلِّبها في يده، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: "صدق أبو هريرة" فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأَرض وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (١) (٢). (الحديث الخامس): أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله: أَن عبد الله كان يصنع ذلك "يعنى يقطع الخفين للمرأة المحرمة" ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد: أَن عائشة ﵂ حدثتها "أن رسول الله ﷺ وقد كان رخَّص للنساء في الخفين" فترك ذلك (٣). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال فيه: قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهرى (٤)، فزالت علة التدليس. وقال الشافعي: أنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يفتى النساءَ إذا أحرمن أن يقطعن الخفين، حتى أخبرته صفية عن عائشة: "أنها تفتى النساءَ إذا أحرمن ألا يقطعن" فانتهى عنه (٥).

стр. 105

أخرجه البيهقى في السنن الكبير من طريق الشافعي. وأخرج البيهقى أيضًا عن أبي النضر ثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن باباه المكى: أَن امرأَة سألت عائشة: "ما تلبس المرأة في إحرامها"؟ قالت: "تلبس من خَزِّها وبَزِّهَا وأَصباغها وحليها" (١). قال بعضهم: أَجمعوا على أن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساءِ، وأنه لا بأس بلباس المَخِيط والخِفَاف للنساء. (الحديث السادس): أخرج الدارقطني في سننه: عن علي بن عبد العزيز الوراق عن عاصم بن علي عن أبي أُويس: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه بلغها قول ابن عمر: "في القُبلة الوضوءُ" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأُ" (٢). قال الدارقطني: لا أعلم حدَّث به عن عاصم هكذا غير على بن عبد العزيز (٣) (٤). (الحديث السابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدَّثنا بكر بن سهل ثنا سعيد بن منصور، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة قال: "بلغ عائشة أن ابن عمر يقول: "إن موت الفجأة سخطة على المؤمنين" فقالت: "يغفر الله لابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ : موت الفجأة تخفيف على المؤمنين وسخطة على الكافرين". قال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك إلا صالح (٥). قلت: وهو ضعيف عندهم.

стр. 106

(الحديث الثامن): روى البخارى من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُم مكتوم" (١). وأخرج البيهقي في سننه من جهة يعقوب بن محمد الزهري: ثنا الدراوردي ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن ابن أُم مكتوم رجل أعمى، فإذا أذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" قالت: وكان بلال يبصر الفجر. وكانت عائشة تقول: "غلط ابن عمر". قال البيهقي: كذا قال، وحديث عبيد الله عن القاسم عن عائشة أصح (٢). يشير إلى ما أخرجه البخارى كذلك عنها موافقًا لحديث ابن عمر (٣). واعلم أن حديث عائشة هذا الذي أخرجه إسناده صحيح، وقد رواه أحمد ومسدد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولكن لم يذكر فيه تغليط ابن عمر. وحمله ابن حبان وابن حزم على أن الأذان كان بينهما دُولا: تارة يقدم هذا وتارة يتأخر (٤).

стр. 107

وقد روى ابن أبي شيبة حديثًا شهد لذلك فقال: حدَّثنا عَفَّان (١) ثنا شعبة عن خبيب قال: سمعت عمتي، وكانت قد حجت مع رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن أُم مكتوم ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى بلال" و "إن بلالًا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أُم مكتوم" قالت: "وكان يصعد هذا وينزل هذا. قالت: فكنا نتعلق (٢) به فنقول: "كما أنت حتى نتسحر" (٣). وكذا رواه أبو داود عن شعبة عن خبيب (٤). (التاسع): روى أبو منصور البغدادى بإسناده إلى ابن جريج قال أنبأ ابن أبي مليكة عن رجل لا يكذبه: أخبرَت عائشة ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسع وعشرون" فأنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما هكذا قال رسول الله ﷺ ، ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (٥). قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا يحيى عن محمد بن عمرو قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "الشهر تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (٦).

стр. 108

(العاشر): أخرج البخارى عن ابن عمر قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق" (١). قال السهيلي في الروض: "وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه ﷺ وقد قالوا له يا رسول الله: "أتخاطب قومًا قد جيفوا أَو أُجيفوا"؟ فقال: "ما أنتم بأَسمع لما أقول منهم" وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رءوسهم إذا قلنا: إن الروح تعاد إلى الجسد، أو وإلى بعضه عند المسألة، وهو قول جمهور أهل السنة، وإما بأذن القلب، أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع منه إلى الجسد، أو إلى بعضه (٢). قال: "وقد روى أن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [سورة الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يهدى ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، وجعل الكفار أمواتًا وصمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ، فلا تعلق لها في الآية

стр. 109

لوجهين: أَحدهما أَنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو (١) (٢). * * *

стр. 110

الفصل ٦ - استدراكها على عبد الله بن عمرو بن العاص (الأول): أَخرج مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن ابن عمرو يأْمر النساءَ إِذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فقالت: "يا عجبًا لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحد، وما أزيد أَن أُفرغ على رأسى ثلاث إفراغات (١) ورواه النسائي وقال: "وما أَنقض لى شعرًا" (٢). ورواه ابن خزيمة في صحيحه أتم من ذلك (٣). وقد تابع عائشة على رواية ذلك أم سلمة؛ فروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رافع مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: قلت: "يا رسول الله إني امرأة أَشد ضَفْر رأسى، أفأنقضه لغسل الجنابة"؟ فقال: "لا، إنما يكفيك أن تَحْثِى على رأسك ثلاث حَثَيَات، ثم تفيضى عليك الماءَ فتطهرين" (٤) قال الماوردى في الحاوى: "ويحتمل أن يكون ابن عَمْرو أمر بذلك احتياطًا لا واجبًا، وعائشة إنما أنكرت وجوب الحَلّ" (٥) (٦). * * *
следующие страницы →