Полный текст (344 стр.). Показаны 316–344 · переход к 321.
стр. 316
وتسلب السلاح والأموال، والقوي يأكل الضعيف، كما كانت الغارات الانتقامية للأخذ بالثأر مستمرة ومتواصلة، ولا تقتصر على القاتل فحسب بل تتعداه إلى أي فرد من أفراد القبيلة، وذلك لسيادة الأعراف والعادات القبلية الجاهلية.
ولم يكن الحضر من سكان المدن والقرى بمنأى عن الخطر، فكان بعض الأعراب يغيرون على المدن والقرى وينهبون ويسلبون الأموال، ويغيرون على المواشي ويأخذونها من غير وازع من إيمان أو رادع من سلطان.
وفي نجد والإحساء كان الناس متعادين متفرقين ليس فيهم ملك ولا إمام، ولا يسودهم شرع ولا نظام يقتل بعضهم بعضًا، ويأكل قويهم ضعيفهم، لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يؤطرون على فرد تركوه.
وكانت الحروب الطاحنة تقع بين القبائل على موارد المياه أو المراعي ولأتفه الأسباب، وكانت القبائل متنافرة ومتناحرة، وكثيرًا ما يقع حروب بين القبائل البدوية في الشمال ونجد مثل: حرب وقحطان والدويبة والدواسر، وغيرها من القبائل.
ولم تكن الحال في جنوب البلاد بأحسن منها في أواسطها، فقد كانت عسير تحت حكم الأتراك، وكان المخلاف السليماني تابعًا لمنطقة عسير حيث كان الأمن مضطربًا في هذا الإقليم، وكانت الفتن القبيلة والحروب الطاحنة تعصف بتلك الجهات، ولم يعد في استطاعة الإدارة التركية القبض على زمام الأمن في البلاد، بل إن القبائل بعد التقاتل المرير تعقد هدنة بينها حسبما تستعديه مقتضيات الأمور وتفرضه الظروف، ولكن سرعان ما تندلع الفتنة بين حين وآخر على أقل سبب، وهذه كلها عقوبات دنيوية نتيجة عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي
стр. 317
عن المنكر، ولعدم وجود سلطة قوية تتولى إقامة الشريعة، وتعاقب الخارجين على النظام وتقيم الحدود وذلك مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَات َّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (الأنفال: ٢٥).
ولما ورد عن الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو بكر ﵁ حيث يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)).
ولما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).
وكان الفقر يسود معظم المناطق، وكان الجوع منتشرًا بين سكانها مما جعل البادية يغيرون على سكان القرى والمدن، وينهبون الأموال ويسلبون المواشي والثمار، وهذا كان نتيجة الجدب والقحط وقلة الأمطار، وقلة موارد العيش.
يقول حسين محمد نصيب واصفًا الحال في الحجاز في ذلك الزمان: "فترى البعض من آل الطبقة الوسطى يجول في الشوارع طالبًا ما يمسك الرمق، ويسد الخلة، فكيف بالفقراء الضعفاء".
أما في مكة فلقد ضاقت الأزمة ضيقًا شديدًا، وانقطعت الأرزاق عنها وقلت الدراهم عنها حتى كادت تقع في خطر عظيم، وقد وصلت الحال بأهل البلاد إلى حالة من الجوع والفقر وضنك العيش مما جعل كثيرًا منهم يغادر وطنه، ويذهب إلى البلاد الأخرى المجاورة طلبًا للعيش، وما كان ذلك كله إلا بسبب الذنوب والمعاصي، وعلى رأسها التخلي عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 318
ومن العقوبات تسلط الحكام الطغاة وجورهم، فلقد سلط الله تعالى على أهل هذه البلاد قبل توحيدها حكامًا طغاة ظلمة كانوا لا يرحمون الناس، ولا يبالون بما يقاسون من ويلات الجوع، والفقر وضنك العيش، وعصابات النهب والسلب، بل كانوا يرهقونهم بفرض الضرائب عليهم، ولم تكن الضرائب على الأهالي فحسب؛ بل إنها تنال كل من يطأ الأرض المقدسة قاصدًا البيت الحرام أو المسجد النبوي.
وقد انتشرت الرشوة، ودب الفساد بين العباد في ذلك الزمان، وخلاصة القول أن الحوادث والفتن وضنك العيش، وعدم الاستقرار، والخوف والفرقة والفقر والجهل، وانتشار الأمراض والأوبئة كانت هي السمات البارزة لمجتمعات وأقاليم هذه البلاد قبل توحيدها.
وقد أفاض في ذكرها كثير المؤرخين المنصفين، وباتت معروفة لدى كثير من الناس، والسبب الأعظم هو ترك طاعة الله، والوقوع في معصيته، وعلى رأس ذلك كله ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلما أراد الله ﵎ رحمة البلاد والعباد جمع شمل هذه البلاد، ووحد صفها تحت يد الملك عبد العزيز ﵀ فلما توحدت البلاد، ورجع الناس إلى دين الله وتوحيده، واجتهدوا في طاعته وتركوا معصيته، وأقاموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيَّر الله حالهم إلى أحسن حال.
ولمعرفة حال البلاد بعد توحيدها، وقيام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، وما آل إليه أمرها من الأمن والأمان والرخاء نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الوسائل لإصلاح المجتمع وتزكيته، وتحقيق أمنه واستقراره هو العصمة المناعة الرادعة عن وقوع كثير من الجرائم
стр. 319
هو صمام الأمان للمجتمع، بل سفينة النجاة للأمة، ولا أدل على ذلك من هذا المثل العظيم الذي ضربه الرسول ﷺ لبيان أثر قيام بهذا الأمر في صيانة المجتمع والنجاة من الهلاك، فعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).
قال ابن النحاس ﵀: "اعلم أن في تمثيل النبي ﷺ هذا جملة من الفوائد منها:
أولًا: أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك آل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا، وكما أن سكوت شركاء المدينة عن الشريك الذي أراد إفسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق، وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة.
ثانيًا: أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد: إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، لي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام الذي يجري على ألسنة الجاهلين.
ثالثًا: أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم، وكان سببا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل.
رابعًا: أنه إذا أنكر منكر من آل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى قلة العقل والجهل بعواقب هذا
стр. 320
الفعل؛ إذ المنكر ساعٍ في نجاة المعترض وغيره كذلك لا يعترض على من لا ينكر منكر إلا من عظم جهله وقل عقله؛ إذ المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره ساعٍ في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
خامسًا: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياهم في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح.
كذلك إذا سكت الناس عن تغيير منكر عمهم العذاب، ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح والطالح ألم يقل الله ﵎: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
سادسًا: أنه لا يقدم من الشركاء على خرق سفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح، ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم، وأليم العاقبة قال الله تعالى: ﴿قُ لْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٣، ١٠٤)
سابعًا: أنه لا يقدم على خرق السفينة من آمن يقينًا بما في إخراقها من هلاك؛ إذ لا يقدم على إهلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن بوعيد الله تعالى وأليم عذابه على الزنا، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن قال الله تعالى: ﴿أَف َمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُون﴾ (السجدة: ١٨).
وعن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تليها قالت: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)).
стр. 321
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لتقوية الإيمان لدى الإنسان الذي هو أعظم رادعًا عن الجريمة وارتكاب المعصية، وكثير من الجرائم والفواحش إنما تصدر من أناس ضعف عندهم الوازع الإيماني، بل تلاشى وانحطت أخلاقهم، وفشا فيهم الجهل، وقويت لديهم الشهوات والنزوات كما في الحديث المذكور: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)).
وإذا ما انتشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين هؤلاء ضعاف الإيمان أحيى قلوبهم، وأيقظ ضمائرهم، وهذبهم أخلاقهم، وقوى الإيمان لديهم، وبالتالي امتنعوا عن ارتكاب الجرائم واقتراف المعاصي.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يهتم بتربية الأمة على الفضيلة، ويمنع انتشار الرذيلة، وهو بذلك يوجد رأيًّا عامًّا يحب الفضيلة ويكره الرذيلة، فيقف أفراد المجتمع الصالحون كلهم في وجه أي إنسان يريد أن يخرق سفينة المجتمع، وينكرون عليه سوء صنيعه، ويظهر الصلاح، ويكون سمة للمجتمع، ويخلص الخبث وأهله، بل يكون أهل الفساد منبوذين من قبل أفراد المجتمع ومحتقرين.
وفيه إرغام لأهل الفساد والنفاق وتضييق الخناق عليهم وقطع لدابرهم روى أبو بكر الخلال عن سفيان الثوري أنه قال: "إذا أمرت بمعروف ونهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق".
ويقول الشيخ عبد القادر عودة: "وترتب على إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه أصبح الأفراد ملزمين بالتعاون على إقرار النظام وحفظ الأمن، ومحاربة الإجرام، وأن يقيموا من أنفسهم حماة لمنع الجرائم والمعاصي، وحماية الأخلاق، وكان في هذا كله الضمان الكافي لحماية الجماعة من الإجرام، وحماية
стр. 322
أخلاقهم من الانحلال، وحماية وحدتها من التفكك، وحماية نظامها من الآراء الطائشة والمذاهب الهدامة، بل كان فيه الضمان الكافي للقضاء على المفاسد في مكمنها، وقبل ظهورها وانتشارها".
والأمر بالمعروف بمثابة الطب الوقائي المجتمع يقيه من كل مرض عضال يفت في عضده، ويقوض أركانه، وينمي فيه جوانب الإصلاح وعوامل البناء، كما أن النهي عن المنكر بمثابة الطب العلاجي؛ لبناء المجتمع إذا ما أصيب في كيانه قام بعلاجه، وإزالة الأخلاط الخبيثة من جسد الأمة حتى تكون صحيحة تنهض برسالتها تجاه البشرية بعد أن تقوم بواجبها تجاه خالقها على أكمل وجه.
أنشطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية
ولقد كان لرئاسة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بالمملكة العربية السعودية جهد عظيم في توعية الشعب، ونشر الفضيلة والقضاء على الرذيلة، وكان لهذه الرئاسة أجهزة متنوعة من الدعاة والعلماء تقوم بأنشطة الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن هذه النشاطات والجهود المبذولة ما يلي:
أولًا: زيادة مستوى الوعي الشرعي لدى أفراد المجتمع عن طريق نشر كتاب والشريط الإسلامي، والتي تعالج كثيرًا من المخالفات الظاهرة في العقيدة كالتحريم من البدع، وبيان أخطاء في العقيدة مما يقع فيه كثير من عامة الناس، وإيضاح عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك محاربة الأفكار الدخيلة والهدامة للعقيدة والأخلاقية الفاضل ة، وتصحيح العبادات والأخلاق والمعاملات وفق ما
стр. 323
جاء به الشرع الإسلامي الحنيف، وتقوم هذه الإدارة بتوزيع هذه الكتب والمطويات والأشرطة على أكبر قدر ممكن من فئات المجتمع المختلفة عن طريق فروع الهيئة في كافة مناطق المملكة، وفي المناسبات كالأعياد، وفي مواسم الحج، وشهر رمضان المبارك وغيرها.
ثانيًا: القيام بإعداد برامج توجيه وتوعية لمدة أسبوع فأكثر، وبشكل مكثف في المناطق النائية من المملكة، والتي يكثر فيها الجهل بأمور الدين الأساسية مثل أركان الإسلام، وأمور العقيدة وتنتشر فيها الخرافات والشعوذة والبدع التي تقدح في التوحيد أو توجد بها مخالفات شرعية.
ثالثًا: المحافظة عل ى شباب المسلمين من الغزو الفكر والثقافي والإعلامي، وذلك بمتابعة ما ينشر في وسائل الإعلام المختلفة كالصحف والمجلات، والكتب والأفلام وغيرها من انحرافات في العقيدة، وانحطاط في الأخلاق، أو دعوة إلى الرذيلة، أو ما تبثه التيارات الفكرية الضالة والمنحرفة من شبهات، أو تثيره من شهوات، والسعي الحثيث والجاد لإزالة ذلك، ومحاربة هذه المظاهر التي يتم عن طريقها الغزو، والعمل على إزالة آثارها بتحصين شباب الأمة ونسائها، وغيرها من أعضاء المجتمع المسلم ضد هذه التيارات الفكرية المنحرفة، وذلك بعمل الدراسات اللازمة لذلك، ورفعها للجهات المسئولة مدعمة بالمرئيات والمقترحات مع العمل على إزالتها، والحد من انتشارها، ونشر كتب النافعة والأشرطة والرسائل المفيدة، والمطويات والفتاوى التي تحذر من قراءة المجلات الهابطة والكتب المضللة؛ ليحذرها الناس قبل الوقوع فيها، وقد تم منع العديد من الكتب المخالفة، وكذلك بعض المجلات الهابطة من دخول البلاد بعد دراستها والرفع عنها للجهات المسئولة، وذلك خوفًا من تأثيرها على عقيدة وسلوك أبناء المجتمع المسلم.
стр. 324
رابعًا: العمل على حماية المرأة المسلمة، ومنع المؤثر ات الدخيلة أن تصل إليها، وذلك عن طريق منع الأسباب المؤدية إلى ذلك كالتبرج والسفور والاختلاط، والعلاقات المحرمة، ومتابعة الموضة في الشكل واللباس، ومنع كل ما يخالف الشرع الإسلامي الحنيف، ويؤدي إلى ابتذال المرأة مع نشر الكتب والأشرطة النافعة والمطويات والفتاوى التي تبين حكم مثل هذه المنكرات، وتضع النصائح والإرشادات التي تعين على تركها ومجانبتها مع الرفع عن الموجود منها لمنعه وقطع أسبابه من خلال توجيه المراكز الميدانية بتنفيذ التعليمات التي تقضي بمعاقبة المسئولين عنه والرفع للجهات المختصة بذلك لمعالجة مثل هذه الأمور.
خامسًا: تقوم هذه الإدارة بمتابعة السلع والمنتجات التي تعرض في المحلات التجارية، وعليها بعض المخالفات الشرعية كما تقوم الإدارة بمتابعة المسابقات التجارية، والنظر فيها من الوجهة الشرعية ومخاطبة جهات الاختصاص؛ لإلغائها إذا كانت مخالفة للشرع.
سادسًا: تقوم هذه الإدارة بجهد بارز وملموس، وله الأثر الكبير ولله الحمد، وذلك عن طريق الدعوة في السجون والإصلاحيات والتوعية والتوجيه للنزلاء؛ لتقوية الوازع الإيماني، وتصحيح العقائد المنحرفة والتوبة والاستقامة، وذلك من قبل الدعاة التابعين للهيئة، والمفرغين لهذا العمل كما تقوم بتوزيع الأشرطة والكتب والمطويات النافعة للنزلاء مساهمة منها في إصلاحهم.
ومن هذا يتضح دور هذه الإدارة في المحافظة على عقيدة أبناء هذا المجتمع وسلوكهم وتحصينهم ضد الجريمة.
وفي هذا الجانب أيضًا تقوم الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإصدار نشرة دورية عن الحسبة هي أخبار الحسبة متضمنة: مقالات
стр. 325
وكتابات عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لتثبيت هذا المفهوم في أذهان الناس من ناحية والمساهمة في التوعية والتوجيه من ناحية أخرى، وتقوم إدارات العلاقات العامة بالرئاسة بتوزيعها على منسوب الرئاسة والمؤسسات الحكومية؛ لتوزيعها على منسوبيها كما تقوم الإدارة بنشر مقالات وأخبار الحسبة في الصحف اليومية.
وقد خصصت صحيفة "الجزيرة" صفحة كاملة لهذا الأمر يتولى تحرير مادتها رجال أكفاء من آل الحسبة ممن هم على مستوى كبير من العلم الشرعي، وذلك لتقوية الوازع الديني لدى القراء من أبناء المجتمع.
ومن هذا الجانب أيضًا ما تقوم به الهيئة من عمل اللوحات وملصقات إرشادية، وقوائم عند مفترق الطرق والميادين العامة تتضمن العبارات وأحاديث توجيهية تحث على التحلي بالأخلاق الإسلامية، وفعل الطاعات وتجنب المعاصي والمنكرات.
ومن ذلك أيضًا ما تقوم به الهيئة من مراقبة الأسواق العامة؛ لمنع أي سلوك مخالف للشرع، ويؤدي إلى وقوع الفاحشة أو الانحراف الخلقية مثل تبرج النساء وسفورهن أو مضايقتهن من قبل الرجال أو كل سلوك مناف للشرع أو يخدش الحياء، وينصحون النساء اللاتي يبدين شيئًا من زينتهن أو يتبرجن.
كما تقوم الهيئة بمراقبة شواطئ البحر، وأماكن الترفيه للتأكد من خلوها من كل منكر كالاختلاط وال تبرج أو أي محظور شرعي يمس العقيدة أو يؤدي إلى سلوك شائن أو خدش للحياء.
ومن ذلك أيضًا ملاحظة المستشفيات والفنادق؛ لمنع الاختلاط أو التبرج أو أي سلوك مناف لمبادئ الإسلام، كما تقوم الهيئة بمراقبة المشاغل النسائية،
стр. 326
ومحلات تفصيل ملابس النساء مع عمل ضوابط ومواصفات لهذه محلات ح تى لا تحصل الخلوة أو اللمس من قبل العاملين بهذه المشاغل من الرجال، وبيان النساء المترددات عليها، وذلك حماية للأعراض ومنع من وقوع الفاحشة، وسدًّا لأي ذريعة تؤدي إليها.
ونظرًا لما للصلاة من أثر كبير في استقامة الأفراد وحجزهم عن المنكرات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥) لذا فإن الهيئة تولي هذا الجانب عناية خاصة بالحث على أداء الصلوات في المساجد، وعدم التخلف عنها، وحمل الناس على ذلك بالوسائل المختلفة من الأمر، وتنبيه الغافل ورفعه إلى المسئولين إذا أصر على عدم الاستجابة.
وهكذا بفضل الله كان لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية بسبب قيامها بكل هذه الجهود المباركة في جميع مجالات الحياة وأنشطتها المختلفة كان لها الدور الأكبر في تحقيق الأمن والأمان، ورفع المستوى المعيشي والاقتصادي في تلك البلاد مما هو ظاهر لكل عيان مما يسر الصديق، ويحزن العدو.
وصلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 327
الدرس: ١٨ شبهات حول الحسبة .
стр. 328
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(شبهات حول الحسبة)
الرد على من توهم أن واجب الحس بة لا يلزمه وأنه واجب كفائي يجب على العلماء فقط لا على الجميع
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا ع بده ورسوله، أما بعد:
قد يتوهم البعض أن واجب الحسبة لا يلزمه؛ لأنه ليس من رجال الدين، وإن هذا الواجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط لا على الجميع بدليل قوله تعالى: ﴿و َلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (آل عمران: ١٠٤).
والجواب على ذلك -كما بينا في حكم الحسبة- أن ابن كثير ﵀ بين أن المراد بالآية: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ أي: تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، وبينا أن كلمة "من" في قوله تعالى: ﴿وَلْتَ كُن مِّنكُمْ﴾ أنها ليست للتبعيض ولكنها للبيان.
وعلى ذلك، فالراجح من أقوال العلماء أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل من يستطيعه، ولكن الحسبة يشترط لها العلم، والعلم ليس شيئًا واحدًا لا يتجزأ ولا يتبعض، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أنه يعد من جملة العلماء بالمسألة الأولى، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئًا أو جهل حكمًا أنه لا يدعو إليه؛ لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة، وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالقدر الذي يعلمه.
стр. 329
ومن قال إن المقصود بالآية العلماء الذي نالوا حظًّا كبيرًا من العلم دون سواهم فقد أخطأ في ذلك، فالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما بيناه- فرض عين وفرض كفاية؛ فرض عين على كل مسلم فيما يعرف من الدين وحسب استطاعته، وفرض كفاية في الأمور التي يعجز عنها العامة، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل في بيان حكم الحسبة.
وقد يتشبث البعض توهمًا منه بقول الله تعالى: ﴿يَ اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ (المائدة: ١٠٥)، قد يتشبث البعض بهذه الآية ليتخلص من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويبرر قعوده وتقاعسه متوهمًا أن هذه الآية الكريمة تعفيه من تكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما دام هو في نفسه مؤتمرًا ومنتهيًا، وإن هذا الوهم قد تسرب إلى البعض في زمن الصديق أبي بكر ﵁ فلما بلغه ذلك عنهم خرج فخطب الناس وقال: "يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية الكريمة، وتضعونها في غير موضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).
إذًا يجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إصلاحًا لغيره بعد أن صلح هو في نفسه، فإن النجاة لا تتم إلا بهذا، فقد قال الله تعالى: ﴿و َالْعَصْر * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ (العصر: ١ - ٣)
فلا يكفي الإنسان أن يكون صالحًا في نفسه حتى يكون مصلحًا لغيره، ولا يكفي أن يكون مهتديًا في نفسه حتى يكون هاديًا لغيره، ولا يكفي أن يكون مؤتمرًا
стр. 330
ومنتهيًا حتى يأمر وينهى غيره، فبذلك يحصل هدى الذي هو شرط في عدم إضرار ضلال الغير للمهتدين ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يستجب لكم حينئذ لا يضركم ضلال من ضل كما فعل الله ﵎ بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من أصحاب قرية أصحاب السبت، قال تعالى: ﴿ف َلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون﴾ (الأعراف: ١٦٥)، فإذا أمر المسلم بالمعروف، ونهى عن المنكر فلم يستجب له لا يضره ضلال من ضل.
الرد على من قا ل: إن الباطل انتشر في الأرض، ولم تعد الدعوة إلى الله تنفع شيئًا
وقد يتشبث البعض بشب هة أخرى، وهي أن الباطل انتشر في الأرض، ولم تعد الدعوة إلى الله تنفع شيئًا، وعلى المسلم أن يهتم بنفس هـ ويدع أمر الخلق.
والجواب على هذه الشبهة: أن الواجب على المسلم هو القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا، وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قص الله تعالى لنا من أخبارهم، وكيف أن الدعاة إلى الله ردوا عليهم شبهتهم قال الله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْس قُون * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُون﴾ (الأعراف: ٦٣ - ١٦٥)
стр. 331
فأصحاب هذه القرية لما أمروا بتعظيم الجمعة، فرفضوا واختاروا السبت ابتلاهم الله ﵎ فسلط عليهم الحيتان تظهر لهم على الشواطئ يوم السبت تنالها أيديهم فضلًا عن شباكهم، ثم تغيب الحيتان الأسبوع كله، وتأتي في السبت الذي يليه، فاحتال بعضهم فحفر للسمك أو وضع الشباك له في أيام المباحة العمل فيها، فوقع السمك في الشباك يوم السبت، فأخذوها يوم الأحد، فصار أصحاب هذه القرية ثلاث فرق؛ فرقة ارتكبت الحرام بالحيلة، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم لم تنكر عليهم، ولم تعظهم، بل قالت للفرقة التي أنكرت ووعظت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لما تنهون هؤلاء وقد علمتم أنه قد هلكوا، واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم، فقالت الفرقة المنكرة بالجواب الصحيح: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنحن بقيامنا بهذا الواجب نعتذر إلى ربنا لا نملك إلا أن ندعوا هؤلاء العصاة للإقلاع عن معصيتهم والإنابة إلى ربهم، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ أي: ولعل هذا الإنكار عليهم ودعوتنا إياهم للإنابة إلى ربهم والرجوع إليه يدعوهم إلى الاستجابة.
ففي هذه القصة، وفي قيام هذه الفرقة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشارة إلى أنه ما دام هناك احتمال قبول الدعوة، فلا بد من استمرار الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال: ٤٢).
стр. 332
الرد على من يتعلل بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعبًا ونصبًا لا يستطيع تحمله
وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى تقوم على فهم سقيم لقول رب العالمين: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) فيتعلل بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعبًا ونصبًا لا يستطيع تحمله.
والواقع أن هذه حجة ضعاف الإيمان رقيقي الدين، فإن التعب المزعوم ينالهم في سعيهم للظفر بمآرب الدنيا التافهة كالحصول على ربح مادي زهيد مثلًا، فأولى بهم أن يتحملوا شيئًا من التعب في الحسبة، وفي هذا التعب أجر عظيم لهم، والحقيقة أن التعب المزعوم يسير وبسيط، فهل هناك تعب شديد في تعليم الجاهل أمور الإسلام؟ وهل هناك تعب شديد في عرض الإسلام على الكافر الذي لم يسمع بالإسلام؟ وهل يتعب إذا حرك لسانه بالكلام الطيب؟ أو يتعب فكره إذا فكر في أمور الإسلام؟ وهل يتعب تعبا لا يطاق إذا تيسر له السفر إلى المجتمعات الوثنية يدعوها إلى الله؟.
إن المسلم أولى من غيره بأن يتعب في سبيل الله، وفي سبيل نشر دين الله والله قد قال ردًّا على هؤلاء الذين يخوفهم الشيطان من التعب والنصب؛ فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ (النساء: ١٠٤)، فإذا كان أهل الباطل جادين في الدعوة إلى باطلهم يسافرون من هنا وهناك، وينامون في العراء يفترشون الثرى، ويلتحفون الثريا في سبيل نشر باطلهم، فأولى بذلك أهل الحق أصحاب الإسلام.
وعلى هذا الذي يخوفه الشيطان من التعب والنصب أن يتذكر أن أصحاب رسول الله ﷺ تحملوا كثيرًا في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله.
стр. 333
ونذكر على سبيل المثال شيئًا من أخبارهم وجهادهم في سبيل الله، فقد جاء في كتب السيرة أن النبي ﷺ بعد أن رجع إلى المدينة ومعه المسلمون بعد معركة أُحد جاءه الخبر أن أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الرجوع إلى المدينة؛ لاستئصال من بقي من المسلمين، فلما صلى الرسول ﷺ الصبح أمر بلالًا فنادى أن رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس، فخرج سعد بن معاذ إلى داره يأمر قومه بالمسير، وكلهم جريح فقال: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تطلبوا عدوكم، فقال أسيد بن حضير، وبه سبع جراحات يريد أن يداويها: سمعًا وطاعة لله ورسوله، وأخذ سلاحه، ولم يلتفت إلى دوائه، ولحق برسول الله ﷺ .
وجاء سعد بن عبادة قومه وجاء أبو قتادة إلى طائفة، فبادروا جميعًا، وخرج من بني سلمة أربعون جريحًا بالطفيل بن نعمان ثلاثة عشر جرحًا، وفي الحارثة عشرة جراحات حتى وافوا رسول الله ﷺ فقال لما رآهم: ((اللهم ارحم بني سلمة)).
وسمع أخوان شقيقان دعوة الرسول ﷺ للخروج وكانا جريحين، وكان أحدهما أخف من الآخر، فقال أحدهما لأخيه: أن اقعدوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ قال: لا والله فخرجا، فكان أخفهما جرحًا يحمل أشدهما جرحًا حينًا ويمشي حينًا حتى خرجا مع رسول الله ﷺ .
فهذا نموذج من جهادهم ﵃ في سبيل إعلاء كلمة الله، فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلا في الدعوة إلى الله ونشر محاسن الإسلام، وتعليم الناس مكارم الأخلاق؟ ألا يستحيي من نفسه إذا استكثر الجهد البسيط الذي يبذله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصحابة رسول الله ﷺ يخرجون جرحى للقتال وهم يقولون: سمعًا وطاعة لله ولرسوله.
стр. 334
لقد قال الله ﵎: ﴿لَقَد ْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَد﴾ (البلد: ٤) أي: في تعب ومشقة، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه﴾ (الانشقاق: ٦) فالإنسان في هذه الدنيا يكدح ويتعب ويشقى.
فإما أن يكون تعبه في سبيل الله، فيستريح بعد طول عناء في جنة عالية قطوفها دانية، فيها نعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وإما أن يكون التعب هو الشقاء من أجل الدنيا وحدها ليس للآخرة في هذا التعب نصيب، فينتقل من شقاء الدنيا إلى شقاء الآخرة والعياذ بالله.
فعلى المسلم أن يوطن نفسه على القيام بواجب الحسبة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، وأن يحتسب ما يلقاه من النصب والتعب في سبيل الله لعل الله يدخله جَنَّاتُ عَدْنٍ تجري من تحتها الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوب﴾ (فاطر: ٣٤، ٣٥).
الرد على من قال بعدم استجابة الناس له، وأنه يأمر ولا يطيعونه، وينهى ولا يطيعونه
وقد يتشبث البعض بعدم استجابة الناس وأنه يأمر ولا يطيعونه، وينهى ولا يطيعونه.
والجواب على هذه الشبهة: أن المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِل اَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: ٥٤).
فإذا كان الرسول غير مكلف إلا بالتبليغ فغيره من آحاد الأمة أولى ألا يكلف بغير التبليغ، وتعليل ذلك من وجهين:
стр. 335
الأول: أن القاعدة الأصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره أي: لا يكلف أن يفعل غيره فعلًا معينًا أو يترك فعلًا معينًا؛ لأن هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وإنما يكلف الإنسان أن يفعل هو فعلًا معينًا يتعلق بغيره، وقد يحمله على الفعل كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالمسلم مطالب ومكلف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور، فيكون أمر الآمر سببًا لفعل المأمور، وقد لا يستجيب المأمور، وبهذا مدح الله تعالى إسماعيل ﵇ بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْض ِيًّا﴾ (مريم: ٥٤، ٥٥).
فالذي يملكه المسلم ويكلف به أن يأمر غيره بالمعروف، ويدعوه إلى عبادة الله ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلًا معينًا، فإذا أمر المسلم بالمعروف فائتمر بأمره، ونهى عن المنكر فترك ذلك المنكر، فقد وقع أجره على الله، وجاءه الأجر والثواب كلما فعل هذا المعروف الذي أمر به، وكلما ترك هذا المنكر الذي نهى عنه، وإن أمر بالمعروف ولم يؤتمر بأمره ونهى عن المنكر فلم يترك هذا المنكر، فقد وقع أجره على الله، وحصل ثواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم إن الاستجابة والهداية مردها إلى الله ﵎ لا يملكها أحد سواه، ولذلك قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (البقرة: ٢٧٢) وقال: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (القصص: ٥٦).
وهذه الهداية التي نفاها الله تعالى عن رسوله ﷺ هي هداية التوفيق الذي هو خلق قدرة الطاعة، وخلق قدرة القبول في القلب قلب المدعو والمأمور المنهي، فهداية التوفيق والسمع والطاعة والقبول بيد الله يهدي من يشاء
стр. 336
ويعصم ويعافي فضله، ويضل من يشاء ويقدر ويبتلي عدلًا، وما على المسلم إلا أن يأمر وينهى ويدل ويرشد ويهدي، وهذه هي هداية البيان التي كلف الله بها رسوله وأتباعه؛ ولذلك قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّ كَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ (الشورى: ٥٢).
هذه الهداية التي أثبتها الله تعالى رسوله ﷺ هي هداية الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن ال منكر، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: ٧٣)، ف علينا أن نأمر بالمعرو ف وأن ننهى عن المنكر، وأن ندعوا إلى الله قيامًا بالواجب الذي فرضه الله علينا، ومعذرة إلى ربنا، وإقامة للحجة لله على عباده أنه بلغتهم دعوة الله ثم بعد ذلك من شاء الله أن يهديه هداه، ومن يشأ أن يضله أضله، ويكون المسلم قد أمر بالمعروف ون هى عن المنكر طاعة لله ولرسوله.
فعلينا إذًا أن نستمر في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا كلل ولا ملل ولا فتور؛ لأن واجبنا هو البلاغ والتبيين، وأما الهداية فإلى الله .
ولقد لبث نوح ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله وهكذا كان رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- يدعون أقوامهم مدة حياتهم؛ فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم ومنهم من لم يستجب له أحد كما قال النبي ﷺ : ((عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)).
وبذلك صرح أئمة السلف -رضوان الله عليهم أجمعين- في أن المسلم مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء استجاب الناس له أو لم يستجيبوا له، وأن هذا الواجب لا
стр. 337
يسقط عن المكلف لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، فإن الذي على المسلم الأمر والنهي لا القبول.
يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في (جامع العلوم والحكم): وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه، وصح القول بوجوبه، وهذا قول أكثر العلماء، وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرة، يعني: أؤمر وانهِ، وإن لم يقبل منك يكون لك معذرة أنك أبرأت ذمتك، وقمت بما فرض الله ﵎ عليك، وهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ (الأعراف: ١٦٤).
قال الحافظ ابن رجب: وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي (سنن أبي داود) وابن ماجه، والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؟ قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوى متعبًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك رأي العوام)).
وفي (سنن أبي داود) عن عبد الله بن عمر قال: بينما نحن جلوس حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقا ل: ((إذا رأيتم الناس مرجت عقولهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك أصابعه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ فقال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)).
стр. 338
وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قول الله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالوا: لم يأتِ تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو حينئذ تأويل هذه الآية".
وعن ابن عمر ﵄ قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم".
وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت".
وعن مكحول قال: "لم يأتِ تأويلها بعد إذا هاب الواعظ، وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت".
وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: "يا لها من ثقة ما أوثقها، ومن سعة ما أوسعها".
قال الحافظ ابن رجب ﵀: "وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف أو خاف الضرر سقط عنه".
وكلام ابن عمر يدل على أن من علم أنه لم يقبل منه لم يجب عليه.
كما حكي رواية عن أحمد، وكذلك قال الأوزاعي: "أؤمر من ترى أن يقبل منك".
وقال ابن النحاس في كتابه (تنبيه الغافلين): قال الغزالي: "إذا علم أن كلامه لا ينفع ولا يفيد لا يجب عليه الإنكار؛ لعدم الفائدة؛ ولكن يستحب؛ لإظهار شعائر الإسلام؛ وتذكير الناس بالدين".
стр. 339
وقال النووي في (الروضة) و (شرح مسلم): "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكونه يعلم أنه لا يفيد أو يعلم بالعادة أنه لا يؤثر كلامه؛ بل يجب عليه الأمر والنهي، فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
قال ابن النحاس: قلت: وهو من باب إقامة الحجة على المعاندين، ولأنه يسأل عن ذلك يوم القيامة.
وقال ابن مفلح في (الآداب الشرعية)، وقال القاضي أبو يعلى في كتابه (المعتمد): "ويجب إنكار المنكر، وإن لم يغلب في ظنه زواله" في إحدى الروايتين نقلها أبو الحارث، وقد سأله عن الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه ويسكت؛ فقال؛ إذا رأى المنكر فليغيره ما أمكنه، وهو الذي ذكره أبو زكريا النووي عن العلماء، قال: كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾.
وفي رواية أخرى: "لا يجب حتى يعلم زواله" نقلها حنبل عن أحمد، فيمن يرى رجلًا يصلي لا يتم الركوع والسجود، ولا يقيم قا ل: "إن كان يظن أنه يقبل منه أمره ووعظه حتى يحسن صلاته".
وذكر في كتاب (الأمر بالمعروف) هذه من شرط إنكار المنكر غلبة الظن في إزالة المنكر روايتين:
إحداهما: ليس من شرطه بظاهر الأدلة، والثانية من شرطه، وهي قول متكلمين؛ لبطلان الغرض.
وكذا ذكرهما القاضي فيما إذا غلب على الظن أن صاحب المنكر يزيد في المنكر.
وقال ابن عقيل: "إذا غلب على ظنه أنه لا يزول فروايتان إحداهما يجب".
стр. 340
وقال في رواية أخرى: في الرجل يرى منكرًا، ويعلم أنه لا يقبل منه هل يسكت؟ قال: يغير ما أمكنه، وظاهره أنه لم يسقط.
وقال في (نهاية المبتدئين): "وإنما يلزم الإنكار إذا علم حصول المقصود، ولم يقم به غيره، وعنه إذا رجع حصوله، وهو الذي ذكره ابن الجوزي، وقيل: يمكنه وإن أيس من زوال، أو خاف أذى أو فتنة.
وفي (نهاية المبتدئين): "يجوز الإنكار فيما لا يرجى زواله، وإن خاف أذى قيل: لا، وقيل: يجب، والذي ذكره القاضي في (المعتمد) أنه لا يجب، ويخير في رفعه الإمام خلافا لمن قال: يجب رفعه إلى الإمام، وإذا لم يجب الإنكار فهو أفضل من تركه جزم به ابن عقيل.
قال القاضي خلافًا لأكثرهم في قولهم ذلك: قبيح ومكروه إلا في موضعين:
أحدهما: كلمة حق عند سلطان جائر.
والثاني: إظهار الإيمان عند ظهور كلمة الكفر.
وقال أبو الحسين: "واختلفت الرواية هل يحسن الإنكار، ويكون أفضل من تركه؟ على روايتين.
وفيه رواية ثالثة أنه يقبح، وبه قال بعض الفقهاء المتكلمين.
أما قول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩)، فقد قال الإمام القرطبي ﵀ قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أي: فعظ قومك يا نبينا بالقرآن ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي: الموعظة.
وروى يونس عن الحسن قال: "تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر"، وكان ابن عباس يقول: "تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي".
стр. 341
وقال الجرجاني: "التذكير واجب، وإن لم ينفع، والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، فحذف، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (النحل: ٨١) يعني: والبرد، وقيل: إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم، وقيل: إنَّ ﴿إِن﴾ بمعنى: ما، أي: فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون إن بمعنى: ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال قاله ابن شجرة.
وذكره بعض أهل العربية أن ﴿إِن﴾ معنى: إذ، أي: إذ نفعت كقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ (آل عمران: ١٣٩) أي: إذ كنتم فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم، وقيل بمعنى: قد.
أما الفخر الرازي، فقد قال في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩) هنا سؤالات:
السؤال الأول: أنه ﵇ كان مبعوثًا إلى الكل، فيجب عليه أن يذكرهم سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم، فما المراد من تعليقه على الشرط ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (الأعلى: ٩)؟
الجواب: أن المعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدمًا عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (النور: ٣٣)، ومنها قوله تعالى: ﴿وَا شْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ (البقرة: ١٧٢)، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (النساء: ١٠١) فإن القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣) والرهن جائز مع الكتابة، ومنها قوله تعالى: ﴿فَل اَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ِ﴾ (البقرة: ٢٣٠) والمراجعة جائزة بدون هذا الظن.
إذا عرفت هذا، فنقول: ذكروا لذكر هذا الشرط ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ فوائد:
стр. 342
إحداها: أن من باشر فعلًا لغرض فلا شك أن الصورة التي علم فيها إفضاء تلك الوسيلة إلى ذلك الغرض كان ذلك الفعل أوجب من السورة التي علم فيها عدم ذلك الإفضاء، فلذلك قال: ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾.
وثانيها: أنه تعالى ذكر أشرف الحالتين، ونبه على الأخرى كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والتقدير: فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع.
وثالثها: أن المراد منه البعث على الانتفاع بالذكرى كما يقول المرء لغيره إذا بين الحق: قد أوضحت لك إن كنت تعقل، فيكون مراده القبول والانتفاع به.
ورابعها: أن هذا يجري مجرى تنبيه الرسول ﷺ أنه لا تنفعه ذكرى كما يقال للرجل: ادع فلانًا إن أجابك، والمعنى: وما أراه يجيبك.
وخامسها: أنه ﵇ دعاه إلى الله كثيرًا، وكلما كانت الدعوة أكثر كان عتوه أكثر، وكان -عليه سلام- يحترق حسرة على ذلك، فقيل له: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾ (ق: ٤٥).
إذ التذكير العام واجب في أول الأمر، فأما التكرير فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود، فهذا المعنى قيده بهذا الشرط.
القعود عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مخافة الفتنة
وقد يتشبث البعض بمخافة الفتنة، فيترك الدعوة، ويترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مخافة أن تحدث الفتنة إذا أمر وإذا نهى، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه-: "ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة سار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليهم من ذلك؛ بأنه يطلب السلامة من الفتنة"،
стр. 343
كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَم ِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩).
وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي ﷺ بالتجهز لغزو الروم، وأظنه قال: هل لك في نساء بني الأصفر، فقال: يا رسول الله إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر، فائذن لي ولا تفتني، وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجبل أحمر وجاء فيه الحديث: ((أن كلهم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)) فأنزل الله تعالى فيه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ (التوبة: ٤٩).
يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة النساء، فلا يفتتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز من المحظور، ومجاهدة نفسه عنه، فيتعذر بذلك أو يواقعه فيأثم، فإن من رأى الصور الجميلة وأحبها، فإن لم يتمكن منها إما لتحريم الشارع، وإما للعجز عنها يعذب قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك، وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما فيه بلاء فهذا وجه قوله: ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾.
قال الله تعالى: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ يقول: نفس إعراضه عن الجهاد الواجب، وركونه عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد هو نفسه فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟ والله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ (الأنفال: ٣٩)، فمن ترك القتال الذي أمر الله تعالى به؛ لئلا تكون فتنة فهو في الفتنة ساقط بما وقع فيه من ريب قلبه، ومرض فؤاده وتركه بما أمر الله به من الجهاد.
стр. 344
قال ﵀: "فتدبر هذا فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام: قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبًا لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة، وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي، والقتال الذي يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة المذكورة في سورة براءة دخل فيها الافتتان بالسور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية.
وهذه حال كثير من المتدين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا؛ لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب، وترك المحظور وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعًا أو تركهما جميعًا مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال وشهوات الغير، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد، وإمارة ونحو ذلك، فلا بد أن يفعل شيئًا من المحظورات، فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين، فإن كان المأمور أعظم أجرًا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرًا لم يفوت ذلك برجاء ثواب فعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات.
وتفصيل هذا يطول.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.