Полный текст (344 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الجرائم ومباشرتها أمام القضاء، وإنْ كَان المَيزانُ مُختلفًا؛ فإنّ ما تراه الحسبة مُنكرًا في بعض الأمور، لا تراه النيابة العامة مُنكرًا، وهنا لا يكون التشابه على الإطلاق.
النقطة الثانية: التقاء الحسبة مع نظام النيابة العامة في أن كلًّا منهما يَقُوم بالفَصْلِ في الدعاوى البسيطة؛ حيثُ أنّ المُحتسب يقوم بالفصل فيما رفه عنه القضاء، كدعاوي البخس والتطفيف في الميزان، وكذلك الدعاوى التي تتعلق بالغش والتدليس في المبيع والثمن، كما أنّ القَانُون المصري، وهو من القوانين التي تُطَبِّقُ نظام النيابة العامة أعطاها الحَقَّ في إصدار أوامر جنائية، بعقوبة الغرامة التي لا تتجاوز مائة جنية مصري بالنسبة لبعض الجرائم البسيطة، التي تستلزم سرعة الفصل، وذلك تخفيفًا على القضاء.
ما هي أوجه الاختلاف بين النظامين؟
مِمّا لا شَكّ فيه: أنّ الفرق بينهما يَظْهَرُ بأقل نظر، فهناك مُفارقات واختلافات كثيرة بين النظامين، سواء في الجوهر أو الشكل، وذلك راجع لاختلاف الحاصل في الأسس التي قام عليها كل منهما، وفي الأصل والمصدر؛ ثُمّ في الغاية والهدف.
فكما سبق وكررنا مراتٍِ أنّ نِظَامَ الحِسْبَة قائمٌ على مبدأ رباني عظيم، هو تطبيقٌ عمليٌّ لذلك المبدأ ألا وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومصدره من يعلم ما يصلح خلقه، ويصلح له. أما نظام النيابة العامة فمصدره البشر.
وعلى كل حال، فيمكن أن نجمل اختلافهما في الاختصاصات في النقاط التالية:
أولًا: كما أشرنا في أحدى نقاط التشابه، بأن كلًّا منهما يقوم بمكافحة المُنكرات؛ لكنْ مع تَشابُههما في ذلك؛ فإنّ بينهما أيضًا في هذه النُّقطة اختلافات جَوهريّة؛
стр. 282
فالمنكرات التي تنكرها الحسبة؛ هي نفسها المنكرات التي جاءت في الشريعة الإسلامية، بينما لم يكن هو نفسه ضابط المنكرات التي تتصدى لها النيابة العامة، وإن وافقت الحسبة في إنكار بعضها.
وإذا ما أرَدْنا أن نَعرف المُنكر حَقيقة هو: المُنكر في الشرع؛ والمقنن من البشر، الذي تتحكم فيه عدة نوازع، قد يجعل ما هو معروفًا في الشرع منكرًا، وما هو منكر معروفًا.
النقطة الثانية من الاختلافات: أنّ نظام النيابة العامة لا يتعلق بالمخالفات أو المنكرات التي تقع من المكلفين فقط، وهي ما يُسمى في الإسلام بالمعاصي؛ أمّا نِظَامُ الحِسْبَة في الإسلام؛ فهو يشمل المنكرات جميعًا، بهذا يكون مَجَالُه أوْسع حيثُ يتناول جميع المنكرات التي تقع من المكلفين وغيرهم.
النقطة الثالثة: الحسبة من حيث القيام بها هي الفروض التي يطالب بها كل مسلم على سبيل وجوب العيني أو الكفائي، وسواء وجدت ولاية الحِسْبَة أم لم توجد؛ فإنّ استمرارية وجوب الحِسبة قائمة على أساس ذلك، الوُجوب يُثاب من يقوم بها، ويُعاقب ويُؤاخذ المُجتمع التي لا تقوم فيه، بينما النِّيابَةُ العَامّة منوطة بقيام دولة تنظمها، ليقوم النائب العام بالدعوى العمومية، وسواء قامت بها الدولة أو لم تقم بها فإن ذلك من الأعمال التي الأصل فيها الإباحية. فسواء أقيمت أم لم تقم فما يتعلق بها حكم الوجوب أو المؤاخذة بخلاف ما رأينا في الحسبة.
النقطة الرابعة: كما رأينا فيما تَقَدّم أنّ الحِسبة في شموليتها واتساع نطاق اختصاصها؛ فإنّه ليسَ هُناك مستثنى في المجتمع ولا حصانة؛ فإن الناس داخل المجتمع الإسلامي يدخلون ضمن اختصاصاتها حُكامًا ومحكومين؛ والنصيحة بينهم قائمة، وهِي تمثل الحسبة بخلاف النيابة العامة، فإنها بعملها واختصاصاتها تقفُ عند حدودٍ بالنسبة
стр. 283
للحكام والبرلمانيين والدبلوماسيين؛ ففي تشريعها ما يُسمى بالحصانة؛ إما الدبلوماسية أو البرلمانية.
هذه هي المقارنة بين الحسبة والنيابة العامة من حيث الاختصاصات والصلاحيات؛ أما من حيث سلطات والي الحسبة، ورئيس النيابة العامة، فنقول: قد تقدم الكلام عن اختصاصات الحسبة، بأنّ لهذه الولاية ومن يُمثلها من قوة السلطنة والهيبة والرهبة، ما يردع المخالفين والمشتغلين بالمنكرات، التي تدخل ضمن دائرة عمل المحتسب؛ وما تِلْكَ القُوّة والهيبة إلّا لأنّ المُحْتَسب له من السلطات والصلاحيات التأديبية والعقابية ما يعينه على أداء مهمته.
ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقرر ذلك فيقول: "إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية؛ فإن الله يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن". ولذا جَعَل اللهُ وهو الشارع سبحانه لأحكام الدين في يد ولي الأمر أو الذي يفوضه بدوره والي الحسبة سلطات تعزيرية لا ترقى إلى الحدود؛ لإلزام المنحرفين الحق، وأطرهم عليه أطرًا.
وقد تكلمنا بالتفصيل عن الصلاحيات التأديبية التي هي للمحتسب الوالي، ولا مانع أن نعدد بعضها في النقاط التالية:
أولًا: الهَجْرُ: كأنْ يرى الوالي أن يهجر فاعل المعصية مدة محدودة، أو يأمر بعض أعوانه بمقاطعتهم؛ مثل أن يعثر على صاحب محلٍ تجاري قد اشتُهر بالغش، والتدليس والتطفيف.
ثانيًا: الضرب هو أن يضرب المذنب: بشرط أن لا يبلغ بذلك أربعين جلدة، وهو أقل حدٍّ في الإسلام، على رأي من رأى أن حد شارب الخمر أربعون وليس ثمانين. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يعلو بدرته من أرتكب منكرًا.
ثالثًا: النَّفْيُ هو: التّغريب عن الوطن؛ فإنّه يَجُوزُ لوالي الحسبة باستصدار أمرٍ من ولي الأمر؛ بنفي من لديه إجرام، ولم ينفع معه العقاب، أو يخشى من فتنته؛ حتى ولو لم يُعاقب كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بنفي نصر بن حجاج الذي افتتنت به النساء في عهده؛ وكما فعل أبو بكر ﵁ بنفي أحد المخنثين، ونفى عمر من شرب الخمر إلى خيبر.
رابعًا: الحَبْسُ: ويَكُون ذلك في حالات مُعَيّنة حسب نوع الذنب الذي ارتكبه المُخالف، أو إذا تكرر منه فعل الذنب، ولم يستفد من النُّصح، وما هو قبل الحبس من درجات إنكار المنكر.
خامسًا: التشهير: والمقصود به إعلان ذنب المُذنب؛ ليكون جزاءً له، وردعًا لغيره مما يحاول إتيان فعله.
سادسًا: العقوبة المالية: وبها عزَّر رسول الله ﷺ عندما أباح سَلَبَ من يصطاد في حرم المدينة؛ لمن وجده وأمر بكسر دنان الخمر.
وهذه الصور التي تقدمت هي من أقصى العقوبات التي تدخل ضمن سلطات والي الحسبة، وهناك سلطات تأديبية أخرى أخف، وهي في العادة لا يحتاجُ المُحْتَسبُ فيها إلى إذن ولي الأمر ومنها:
أولًا: الإعْلَامُ: وصورته أن يقول المحتسب الوالي لفاعل المعصية: لقَدْ بلغني عنك أنك فعلت كذا وكذا، وذلك بقصد نهيه عن الوقوع في الذنب والمعصية مرة أخرى.
ثانيًا: الوَعْظُ: وصورته أن يعظ الوالي المذنب ويخوفه بعذاب الله، ويأمره بتقوى الله، ويُبين له حُرْمَة ما وقع فيه من الذنب، ويوضح له مَغَبّة عمله في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: العِتَاب: التي تَشُوبه الحكمة، ولا يدخله التسرع والتشنج الذي قد يفسد ولا يصلح.
رابعًا: التَّهْدِيدُ والتّخويف: ويَلجأ إلى هذا الأسلوب هو نوع من سلطاته، عندما يُظهر المُذْنِبُ عَدَمَ المبالاة، والاكتراث بما يسمع من النصح؛ فعند إذن يهدده والى الحسبة بأنه إذا عاود فعل الذنب مرة أخرى؛ فسوف يعاقبه.
أما سلطات النائب العام: فإنّ المُلتمس لصلاحيات وسلطات النائب العام في كتب القانون والإجراءات الجنائية، لا يجد سوى بعض الصلاحيات في الناحية المالية، لا تتعدى في مُجْمَلِها مائة جنية، وقد سبقت الإشارة إليه في اختصاصات النيابة العامة، والإذن بإصدار الأوامر الجنائية في بعض الجنح. والتي تتلخص في:
- إهانة أو تهديد موظف عمومي، أو أحد رجال الضبط، أو أي إنسان مكلف بخدمة عمومية، أثناء تأدية وظيفته أو بسبب تأديتها، والجرح أو الضرب دون
стр. 284
سبق إصرار أو ترصد لم ينشأ عنه عاهة مستديمة، والذي يَحْتَاجُ في علاجه إلى فترة تقل عن عشرين يومًا، وكل سبب لا يشتمل على إسناد واقعة معينة، والحرق الناشبُ بإهمال، وما يتعلق بالسيارات وقواعد المرور.
والحكمة التي من أجلها أعطي الحق لوكلاء النائب العام في إصدار الأوامر الجنائية في الحدود، التي رسمها القانون هي سرعة الفصل في القضايا البسيطة الأهمية بعقوبة الغرامة التي لا تتجاوز مائة قرش مصري، وهي عقوبة يغلب أن يرتضيها المحكوم عليه.
فإذا عرفنا هذا نقول: على ضوء ما تقدم نلحظ الفرق الواضح بين السلطات التي تمنحها الشريعة الإسلامية لوالي الحسبة، وبين تلك التي يتمتع به النائب العام ونوابه؛ فَلم يَكُن هناك من تَشَابُه إلّا في أنّ كُلًّا مِنْهُما له الحق من الناحية القضائية في أن يُصْدِر بعض الأوامر الجنائية، في بعض المُخالفات البسيطة، وفي حدودٍ معينة تخفيفًا على القضاة في هذه المخالفات، التي تحتاج إلى البت فيها بسرعة.
لكن من الناحية الثانية: نجدُ أنّ بينهما في السلطات اختلافات كثيرة لا سيما في التعازير؛ فإن ما في يد والي الحسبة منها أكثر بكثير ما للنائب العام، فوالي الحسبة يُعزر بما يتَوافق وحال المذنب، وتَتدرج معه العقوبة بناءً على ذلك من الإعلام والوعظ والإعراض إلى التأنيب والضرب والغرامة المالية، والحبس والنفي من البلد، وهذه أشد بكثير من تلك التي يملكها النائب العام.
ونحن لمّا نُقَرّر هذه الصلاحيات والسلطات لوالي الحسبة؛ فإننا لا نَهْدِف إلّا أن نُثبت أن الشريعة الإسلامية التي نصت على هذه الصلاحيات، والتي أصّلها ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين, هي التي تعلم ما يُصلح الإنسان.
стр. 285
فهذه الصلاحيات جعلت في يدي والي الحسبة لتكون عونًا له على إصلاح ما اعوج من أمر الناس، إذ بدون وجود مثل هذه الصلاحيات؛ فلن يكون للجهود التي يَبْذُلها الثمرة المرجوة، لأن المخالفين والمجرمين الذين يعنيهم عمله لا يمكن أن ينسلوا عن إجرامهم ومجونهم؛ إلّا أن شعروا أنّ هُنَاك ما يردعهم، فكان وضع هذه الصلاحيات وغيرها في يد والي الحسبة، ومنحها له هو من باب السياسية الشرعية التي غايتها الصلاح والإصلاح.
وهنا يتبين لنا سعة صلاحية والي الحسبة، في المقارنة بينه وبين صلاحيات النائب العام.
وفي الختام في شأن هذه البدائل المُدّعاة والمزعومة عن الحسبة؛ فإنه مهما حاول المبطلون والناكبون عن صراط الله المستقيم، أن يوجدوا نظامًا يُضاهي أو يُقارب ما جاء من عند الله فلن يكون لهم ذلك، ولكنه التقليد الأعمى، وترك الأخذ بشريعة ربهم، هو الذي أغفلهم عن ما في تراثهم الإسلامي التليد، من أنظم حضارية الحسبة واحدة منها.
فهل لنا أن نعود إلى شرع ربنا، وأن نطبق حكم الله وأن نعود إلى ذلك النظام الجميل البديع نظام الحسبة، ألم نسمع قول الله ﵎: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: ٥٠).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 286
الدرس: ١٦ نموذج للحسبة القائمة اليوم .
стр. 287
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(نموذج للحسبة القائمة اليوم)
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد:
إنّ المُتَكَلِّمَ في أمر الحسبة في المملكة العربية السعودية يَجْمُل به أن يَرْبِطَ ماضي هذه الولاية -ولاية الحسبة- بحاضرها؛ فإنّ في ذلك تذكيرًا لمن شطط بهم الأهواء، وبهرتْهُم بَهارِجُ وزيف الحضارة الغربية؛ فجَعَلُوها قدوة لهم، وأخذوا بأنْظمتها، ورأوا أنّ الحَسنَ ما أقرته وطبقته، والقَبيحَ ما تركته ورَفضته، ثم ليعلم أولئك أنه لا يَصْلُح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها، وأنّ الخير كل الخير أن يعود المسلمون إلى منابع دينهم وتراثهم، وثقافتهم التي جاءت في الكتاب والسنة.
وهذا الربط يتمثل في أن نعرض بشيء من الإيجاز لبدايات وأساسيات قيام هذه الهيئة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي تمثل ولاية الحسبة في المملكة العربية السعودية، والتي حددناها نموذجًا ومثالًا لواقع الحسبة المعاصرة.
وهذا يَشُدُّنا إلى العودة إلى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، بداية قيام الدولة السعودية الأولى، وانتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فمَعْلُوم لدى من رجع إلى التاريخ أنّ هذه البلاد الجزيرة العربية كانت تئن تحت ظلمات الجهل، ومتاهات الشرك والخرافات، والبدع المنكرة المهلكة؛ فكانَ النّاسُ نتيجة لذلك قد فقدوا نور العلم، وحلاوة الإيمان؛ مما جَعَلَهُم ينْجَرِفُون مع تيارات الشرك، ولوثة المعتقد.
لكن رحمة الله ولُطفه بعبادة تتدخل دائمًا؛ حيثُ يُقيض الله على رأس كل فترة لهذه الأمة من يجدد لها دينها، ويعيدها إلى حظيرة الإيمان بعد أن اجتالتها الشياطين، فأخرجتها منها، مصداقًا لقول النبي ﷺ : ((إنّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّدُ لها دينها)).
стр. 288
فكانَت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المُجدد ﵀ ذلك السراج الذي قاد الناس، وأعادهم إلى أصول دينهم، ومنابع ثقافتهم إلى الكتاب والسُّنة؛ لقَد كان ذَلك المُصْلِحُ الكبير يَدْعُو النّاس إلى العودة إلى الاعتقاد الصحيح ونبذ الشرك، فقوبل أول ما قوبل بالنكير والأذى، بل لقد تعدى الأمر إلى محاولة اغتياله؛ لكن الله حفظه ولم تقف محاولات أعداء دعوته عند ذلك الحد، بل طاردوه من بلد إلى آخر؛ حتى انتهى به المطاف إلى بلدٍ أمن فيه على دعوته، هو بلد الدرعية، وهناك التقى بالأمير محمد بن سعود المؤسس الأول للدولة السعودية الأولى، وشرح الله صدر الأمير للدعوة، فقبلها وناصرها، وكثر أتباع الشيخ ومؤيدوه.
ومع ذلك؛ فإنّ الذِينَ وقَفُوا من هذه الدعوة موقف العداء، لا زالوا يتربصون بها الدوائر، ويُحَاولُون مُستَميتينَ القَضَاء عليها؛ حيثُ هَالَهُم سرعة انتشارها بين الناس، ولم يتركوا سبيلًا يروا فيه إضعافها إلا سلكوه، وهنا أدرك الشيخ أنّ الموعظة والجدال، وإرسال الرسائل لتوضيح طبيعة هذه الدعوة الجديدة، ولتدعو في الوقت نفسه أولئك الخصوم إلى التروي والرجوع إلى الحق؛ فلم يزدهم ذلك إلا عنادًا وإصرارًا وبغيًا وعدوانًا، أدرك عند ذلك كله أنّه لم يبق أمامه إلا رفع راية الجهاد، لدحر تلك الدعوات المضادة، ونشر دعوة الحق بين الناس، الذين هم متطلعون إليها راغبون فيها، فقد طال ليل الشرك على أفهامهم وعقولهم، ورانت المعاصي على قلوبهم.
فوقعت حروب ومغازي للشيخ وأتباعه، كَلّلها اللهُ له بالنّصر، وأعز الله بذلك دينه، وسَقَطت كُلُّ الدعوات الشيطانية، وسَقَطَ مَعها كُلُّ وثنٍ يُعبد من دون الله، وخَنَس كُلُّ مُشَعْوِذٍ وكَذّاب، وتنفس المسلمون في سائر أنحاء الجزيرة العربية الصعداء، ورَسَخت عَقِيدة التوحيد في نفوس الناس صافية نقية، كما جاء بها رسول الله ﷺ .
стр. 289
فانتشر العلم مكان الجهل، وتمسك الناس بالتوحيد، ونبذوا الشرك، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بفضل عودتهم إلى عقيدتهم الصحيحة، وحَلّت الوِحْدَةُ بدل الفُرقة، وعُرف المَعروف فأمر به، وحُثّ على فعله وأدب على تركه، وعرف المنكر فنهي على ارتكابه، وعذر من فعله، وأقيمت حدود الله بين خلقه بعد أن كانت مضيعة.
وصور الاحتساب في حياة الشيخ ﵀ كثيرة جدًّا يُمكن الرُّجوع إليها في مظانها من الكُتب التاريخية، والتي أُلّفت عن الشَّيخ ودعوته، لكن ما قَصَدْنَاهُ من إبراز هذه المقدمة عن بدايات الدعوة وتأسيسها، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الدولة منذ عهدها الأول، هو للتدليل على أنه ولاية الحسبة في المملكة العربية السعودية اليوم، والتي تمثلها الرئاسة العاملة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم تكن ولدية عقد أو عقدين من الزمان بل مضى عليها قرون.
فهي إذًا امتدادٌ طَبيعيٌّ لقِيامِ وِلَاية الحِسْبَة في الدُّول والعصور الإسلامية في مُختلف أصقاع العالم الإسلامي في الماضي.
نشأة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطورها
نشأة الهيئة وتطورها:
عرفنا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إبّان تأسيس هذه الدولة السعودية في دورها الأول؛ قد تولاه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى جانبِ أعمالهِ الأُخْرى التي منها الإفتاء والقضاء والتعليم، ودوره البارز في تجهيز الجُيوش المُدَافِعَةِ عن الدّعْوَة، والقائمة بنشرها في الوقت نفسه، وبعد وفاته -
стр. 290
جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به أمثاله من المجددين المصلحين- نهض بهذه المهمة الشريفة من بعده أبناؤه وتلاميذه، كما ورث الخلف من الأمراء السعوديين أمانة سلفهم في إقامة شرع الله، وتحكيم كتابه وسنة رسوله.
فلقد تضامن العلماء والأمراء في عملية الاحتساب، العُلماء لتبيين أحكام الدين، والأمراء للتنفيذ والحِمَاية والردع إذا لزم الأمر؛ إلّا أنه لم ينفرد بالحسبة شخصٌ مُعين في ولاية مستقلة في الدولة السعودية الأولى، وكذا الثانية، وهذا يمتد من قيام الدولة السعودية الأولى إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري وبداية القرن الرابع عشر، في تلك الفترة كان يقوم العالم بالحسبة والقضاء والإفتاء، وفي الوقت نَفْسِه يجلس للتلاميذ.
وقبل فتح الرِّياض من قبل الملك عبد العزيز سنة ألف وثلاثمائة وتسعة عشر، وهي بداية قيام الدولة السعودية الثالثة القائمة اليوم، لم يهتم الأمراء الذين كانوا يحكمون بعض المدن والمقاطعات في ذلك الوقت بأمر الحسبة؛ لعدم استقرار الأوضاع السياسية، كذلك فإنّ الحِسْبَة لم تُمارس على المستوى الرَّسْمِي، ولكن كانت تُمارس على المستوى الفردي التطوعي، من قبل بعض العلماء الأجلاء؛ حيث قاموا بما يجب عليهم في هذا الجانب، ومن هؤلاء الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ، الذي كان يقوم بأمر الاحتساب تطوعًا في مدينة الرياض، عندما فتحها الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
لكن بعد أن استقرت البلاد واتّسَعَ نِطَاقُ الحُكم قام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود بتكليف الشيخ عبد العزيز آل الشيخ؛ ليكونَ أوّل مُحتسب مكلف في الدولة السعودية المُعاصرة، وقد زوده بأعوان ومُساعدين منهم: الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ،
стр. 291
والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وإلى جانبهم عدد من الجنود والأعوان الآخرين.
واستمر هؤلاء يَقُومون بالاحتساب أحيانًا بمُفردِهم، وأحيانًا أُخرى يستعينون ببعض المتطوعين الصالحين؛ إلى أنْ دَعَمهم الملك عبد العزيز بعد ذلك بالجنود والمماليك، وكانوا رَغْم قلَّتِهم يقومون بواجبات الحسبة على أكمل وجه وأحسنه، وبعد وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف ﵀ استقر رأي الملك عبد العزيز -يرحمه الله- على جعل أحد الأعضاء وهو الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيسًا لزملائه؛ ليكونَ المسئول عن أعمالهم، وما يَقُومون به من أمر الاحتساب؛ ثم ضَمّ إليه النظر في الحسبة في المنطقة الوسطى والشرقية والحدود الشمالية.
فاقتضت المصلحة إيجاد مَقَرٍّ دائم للرئيس العام بالرياض، ثم استدعى التطور والتوسع الحاصل في مدينة الرياض، إنْشاء عِدّة مراكز بمدينة الرياض، ويُعين لكل مَرْكَزٍ عدد من الأعضاء، ورئيسٌ يُدِيرُ شئونهم، ويكون المسئول عن أعمالهم مع تحديد دائرة اختصاصٍ مكاني لكل مركز.
أما الحسبة خارج الرياض: فقد عُيّن في كل مدينة وحاضرة مركز هيئة، يقوم بالاحتساب في تلك الناحية؛ ولكُلِّ مَركز من هذه المراكز الخارجية رئيسٌ يَرْتَبِطُ بالرئاسة العامة في الرياض، في الأعمال التي تختصُّ بها.
ومع هذا التطور وانتقال الحسبة من التطوع إلى التكليف، والتولية من قبل ولي أمر المسلمين؛ لم يوضع نظامٌ مكتوب يوضح الأسباب والاختصاصات، وشروط التعيين للأعضاء ورؤساء الأقسام والمراكز؛ ويكون مرجعًا يرجع إليه عند وجود أي إشكال. بل كان يرجع في ذلك إلى رأي فضيلة الرئيس العام في كل شيء، حتى في الأمور الإدارية البحتة.
стр. 292
واستمر ذلك إلى أوائل الثمانينيات الهجرية، حيثُ بدأ بعد ذلك يسري عل ى أعضاء الهيئات نظامُ المُوَظّفين والمُستخدمين في الدولة.
ومِنْ أوجه تطور العمل بالهيئة في الرياض في تلك الفترة: تعيين مراقبين للتفتيش، وذلك لمراقبة حُسن سير العمل بالفروع عن طريق القيام بجولات مفاجئة لهذه الفروع والمراكز، كذلك أنشئ فرعٌ للقيام بأعمال الدوريات الليلية على الأسواق والأماكن العامة، هذا كله عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرياض ومُلحقاتها.
لكن لما تم توحيد بقية البلاد في الحجاز والجنوب وغيرها؛ أصبح الأمر يتطلب توسيع دائرة هذه الولاية، فصدر الأمر بإنشاء هيئة أخرى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحجاز في مكة، وكانت بدايات ذلك بعد فتح مكة من قبل الملك عبد العزيز ﵀ سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وأربعين، وأربع وأربعين.
تم ذلك بعد مكاتبات بين جلالة الملك عبد العزيز، والشيخ عبد الله بن بوليهد -يرحمه الله- رئيس القضاء في مكة في ذلك الوقت؛ فقد أختارَ الشيخُ في مُذكرة رَفعها إلى الملك عبد العزيز، أوّل رئيس للهيئة في الحجاز وبعض المعاونين له، وكان ذلك في عشرين صفر سنة ألف وثلاثمائة وخمس وأربعين.
فأمر جلالة الملك عبد العزيز شرحًا على تلك المذكرة بقوله: "ولدنا فيصل هذا كتابٌ من الشيخ عبد الله بن بوليهد تنظرون في هذا التقرير وتقرونه عليه". انتهى في عشرين صفر سنة ألف وثلاثمائة وخمسٍ وأربعين.
وكان مَرْجِعُ الهيئة في مكة عند تَشْكِيلِها نائبَ جَلالة الملك الأمير فيصل بن عبد العزيز ﵀ تلا ذلك صدور أمر ملكي في ١٨/ ١/١٣٤٧ شُكِّل بموجبه الهيئة، ونص هذا الأمر: "بسم الله الرحمن الرحيم نحنُ عبد العزيز بن عبد
стр. 293
الرحمن الفيصل قد قررنا ما يأتي في تشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن يكون الشيخ أبو السمح عبد الظاهر رئيسًا، وعبد الله بن عمار، ومحمد نور الهندي، وسليمان الصنيع، وعبد الله المطلق، ومحمد الخضيري، وعبد الرحمن العقل، وعبد الله الخياط أعضاء؛ فعلى نائبنا العام تنفيذ أمرنا هذا".
وفي ٢/ ٣/١٣٤٧ صدر ملحق لنظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم ١٣٠٢، وهو مُكَوّن من ثلاث عشرة فقرة، وجاء في هذا الملحق اختيار أعضاء شرفيين للهيئة يجتمعون مع الرئيس كل يوم خميس؛ للتباحث في الأمور الهامة إلّا إذا اقتضى الأمرُ حضورهم أكثر من مرة في الأسبوع، ومُهِمّاتُ الأعْضَاء الشرفيين التوعية العامة بإلقاء المواعظ والدروس في المساجد، لتعليم الناس أحكام دينهم؛ كما قضى المُلحق المذكور تقسيم البلد إلى مَنَاطق بعدد الأعضاء المَعْنيين؛ ويُكلف كلُّ واحدٍ منهم بمنطقته حفظًا ومراقبة.
ثم حدث تطورٌ آخر للهيئة حيثُ صدرت موافقة من مجلس الشورى على نظام جديد يقضي بربط الهيئة بمُدير الشرطة العام، وهذا النظام تكون من ٣١ مادة وكان صدور ذلك في السادس والعشرين من رجب من عام ألفٍ وثلاثمائة وتسعة وأربعين.
وظَلّ هذا الاهتمام من الملك عبد العزيز بأمر الحسبة في تواصلٍ مُسْتمر، فنُلاحِظُ مثلًا ما نشره فضيلة الشيخ عبد الله خياط في مجلة (المنهل)؛ وهو قوله: "فعُقِدَ اجتماع مع علية القوم وسراتهم، وأصحاب الحل والعقد من كبار الموظفين في شهر محرم من عام ألف وثلاثمائة وخمسة وخمسين.
قرئ فيه منشور من الملك عبد العزيز نصه: "يجبُ أن تنظروا في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تنفيذًا لأمر الله وحفظًا له، كما يجب أن ننظف أنفسنا من الأدران، ونُطَهّرها من كُلّ الأمور المخالفة، وندنو إلى ما يرضي الله،
стр. 294
ونخاف عقوبته؛ إذ ليست هناك عقوبة أشد من عقوبة الدين، هذه البلاد يجب أن تكون قدوة صالحة للمسلمين، في كل عمل من أعمالها؛ فنحن نطلب المساعدة في هذا الشأن منكم ومن الأهليين، نريد أن تكونوا أعوانًا للحكومة في هذا الأمر؛ لأنه إذا كان الجميع اتفقوا على درء المفاسد سَهُلَ العَمَلُ، أما إذا كانت إجبارِيّة صَعُبَ حَلُّها وطال أمْرُها.
وإن المساعدة التي نطلبها هي:
أولًا: مساعدة الأهالي.
ثانيًا: ترتيب طريقة لدرء المفاسد والحيلولة دون الفساد؛ لنتمكن من إقامة الشرع الشريف.
فإذا عملنا هذا قمنا باللازم، وهذا أهمُّ ما يَجِبُ العناية به؛ لأنّ الدُّنيا إذا كثرت خيراتها، والدين أهمل فلا فائدة تُرجى منها، بل هذا هو أساس البلاء، أما إذا عُمِّر الدّين ونُفِّذت أوامره، واجتُنبت محارمه صلحت الدنيا، فأنا أرجو أن تفكروا في طاعة الله وفي مخافته، واتباع سنة رسوله ﷺ وأرجو أن تهتموا بالأمر اهتمامًا شديدًا؛ فبإصلاح هذه المسألة يصلح كل شيء".
وفي نهاية ذلك الاجتماع صدر قرار بتشكيل هيئة أخرى تدعى هيئة الأمناء، يُنْتَخب أعضاؤها من كافة محلات مكة، تتعاون مع هيئة الأمر بالمعروف في تنفيذ رغبة الإمام، ونجحت الفكرة حيث أصبح التعاون مبذولًا من قبل هيئة الأمناء عن وازع نفسي، وغيرة على الدين، وانتصارًا لمحارم الله .
وفي تطور آخر لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: صدر نظامٌ جديد في ١٥/ ١/١٣٥٦ يقضي بأن يكون مرجع الهيئات رئاسة القضاة، ويتكون ذلك النظام من ثلاثين مادة، ومُوقع من رئيس القضاة بعد تذيله بهذه العبارة: "جرى
стр. 295
تعديل هذا النظام من قبلي؛ فبلغ بعد إجراء التعديل ثلاثين مادة، ولذا تحرر في الرابع والعشرين من الشهر السادس سنة ألف وثلاثمائة وست وخمسين". رئيس القضاة.
وتنص المادة الثامنة والعشرون من النظام آنف الذكر على ذلك الارتباط؛ حيثُ جاء فيها: "جميع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرجعها رئيس القضاة". واستمر هذا الارتباط إلى تاريخ ١٠/ ٢/١٣٧٢ حيث صدر الأمر بأن يكون ارتباط رئاسة الهيئة بنائب الملك في الحجاز، وبعد إلغاء منصب نائب الملك بالحجاز صار رئيس الهيئة يرجع إلى مجلس الوزراء مباشرة.
ثم في توسع آخر لدائرة عمل الهيئة بالحجاز؛ ضُم إلى رئيسها النظر في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جنوب المملكة، وفي يوم السبت الموافق الثالث من الشهر التاسع سنة ١٨٩٦ صدر مرسوم ملكي يقضي بتوحيد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة، ودمجها في رئاسة واحدة يكون مقرها الرياض، وهذا هو نص المرسوم: "بسم الله الرحمن الرحيم، بعون الله تعالى نحن خالد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، بعد الاطلاع على المادتين ١٩ و ٢٠ من نظام مجلس الوزراء، الصادر بالمرسوم الملكي ٣٨ في ٢٢/ ١٠/١٣٧٧.
وبعد الاطلاع على قرار مجلس الوزراء رقم ١٣٩٤ وتاريخ ٢٨/ ٨/١٣٩٦ رسمنا بما هو آتٍ:
أولًا: توحيد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هيئة واحدة، بميزانية واحدة، وتحت رئيس واحد يُعين بأمر ملكي.
ثانيًا: يُدمج فصل ميزانية الهيئتين الحالتين في ميزانية واحدة، وفصلٌ واحد تحت مسمى: "الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
стр. 296
ثالثًا: على نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد الوطني تنفيذ مرسومنا هذا". توقيع خالد بن عبد العزيز آل سعود.
ثم تلا ذلك صدور أمر ملكي يقضي بتعيين فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ؛ رئيسًا للهيئة بمرتبة وزير، كأول رئيس عام للهيئة بعد توحيدها في هيئة واحدة، وقد صدر للرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نظام مفصل بعد توحيدها في هيئة واحدة، وهذا النِّظام يحدد الأطر العامة لعمل الهيئة، وكان صدوره في ٢٦/ ١٠/١٤٠٠ بموجب المرسوم الملكي رقم "م ٣٧" وتاريخ ٢٦/ ١٠/١٤٠٠.
ثم تلا صدوره صدور اللائحة التنفيذية لنظام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بموجب القرار ٢٧٤٠، وتاريخ ٢٤/ ١٢/١٤٠٧.
اختصاصات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
اختصاصاتها:
أي ولاية أو مؤسسة حكومية لا بد عند إنشائها أن تُحدد لها الاختصاصات التي تُحدد مسار عملها، وتُحاسب على أساسها من قبل ولي الأمر، وولاية الحسبة ماضيًا وحاضرًا كانت تحدد لها الاختصاصات؛ إما ضمن خطاب التولية والتقليد كما كان يحدث في الماضي، أو بواسطة نظامٍ ينظم عمل تلك الولاية، بموجب مواد وفقراته واللوائح التنفيذية له.
والحسبة في المملكة العربية السعودية، التي اتخذنها نموذجًا للحسبة القائمة اليوم، حُددت لها اختصاصات: ولعل من المُناسب أن نذكر اختصاصات الهيئة في الماضي، قبل أن نذكر اختصاصاتها في الحاضر؛ فنقول:
стр. 297
كانت الحسبةُ في المملكة العربية السعودية وإلى أوائل الثمانينيات الهجرية من القرن الرابع عشر؛ كانت تُمارس صلاحيات واسعة، لم تكن تقوم بها فيما بعد نظرًا لتوزيع بعضها إلى جهات أخرى، ولصدور نظامٍ مكتوب، يحدد تلك الاختصاصات.
ونستطيع أن نجمل الاختصاصات التي كان يمارسها رجال الحسبة في ماضي هذه الحسبة في الآتي:
كان أعضاء الهيئة "المعرفون برجال الحسبة" يطُوفون في الأسواق، فيمنعون الاختلاط والسفور، ووقوف الرجال في طريق النساء لغير حاجة، ويراقبون تطفيف المكاييل والأثمان والموازيين، ويمنعون الغش بمختلف صوره في المبيعات والأثمان، ويُراقبون أهل الحرف؛ ويأخذون على أيدي من يضبطونه يغش أو يتحايل على زبائنه، ويمنعون من ظلم الدواب عند تحميلها واستخدامها، ويُراقبون الأئمة والمؤذنين، ويشرفون على تعينهم واختيارهم.
كما كانوا يمنعون الحلاقين من التعرض للحَى زبائنهم بحلق، ويؤدبون من يفعل الشيء من ذلك، ويمنعون الحلاقة المنهي عنها شرعًا، كما يمنعون التدخين ويؤدبون عليه، ويصادرون الدخان من الأسواق والدكاكين ويحرقونه، ويؤدبون بائعيه؛ ويُنادون للصلاة ويحثون عليها، ويقيمون الناس لذلك، وإذا عثروا على من ارتكب حدًّا رفعوا أمره إلى رئاستهم؛ فيتولى المحققون فيها التثبت من ما فعله المُتهم، ثم يرفعون نتائج التحقيق إلى الرئيس العام، فيُصدر بدوره من يلزم من جلدٍ أو نفيٍ أو حبس.
وكانوا يمنعون تصوير ذوات الأرواح، ويكسرون صورها، ويمنعون اللهو المُحرم، ويكسرون ما يجدون من آلاته بدون أي قيد، ومهما كان ثمنها, كما أنّ
стр. 298
الأعضاء كانوا يجتمعون في مراكزهم بعد صلاة العشاء، ثم يقومون بدوريات على الأحياء والدروب والأسواق بعد منتصف الليل، ومن وجدوه في حالة مشبوهة أو كان شخصًا غير معروف بالاستقامة؛ كان نصيبه التحقيق والإنكار، ورُبما التوقيف في المركز إلى الصباح، ويزجرون على ما يصدر من المنكرات في حفلات الزواج، مثل الاختلاط واللهو المحرم.
وهذه الدوريات تُعتبر ضمن عمل كل مركز، زيادة على أن الرئيس العام يعاونه مجموعة من الرجال الأشداء أعضاء وجنودًا من الشرطة، يطوفون على أقدامهم قبل دخول السيارات، ثم صاروا يستخدمون السيارات في تنقلاتهم ودورياتهم بعد توفرها، ويستمرون في هذه الدوريات حتى وقت السحر، وكان يوجد بالهيئة سجنٌ خاصٌ بالهيئات، يودعون فيه من يجدونه من المذنبين، فيقضون فيه ما حكم به عليهم من حبس.
وعلى هذا يتضح لنا عدم تحديد وتحجيم صلاحيات واختصاصات رجال الحسبة في بداية قيامها، بل كان عملهم واختصاصاتهم تدخل في كل أمر يُخالف أوامر الشريعة، ويُوجب احتساب تمامًا مثل ما كان عليه عمل المحتسب في الماضي يوم كانت ولاية الحسبة تؤدي في ذلك الوقت ما تقوم به العديد من الوزارات والمصالح الحكومية اليوم.
أما اختصاصات الهيئة في الحاضر؛ فقد تقلصت هذه الاختصاصات، وفي استعراضنا لنظام الهيئة ولائحته التنفيذية، نقف على حدود تلك الاختصاصات التي حُددت للهيئة في الوقت الحاضر؛ ففي المادة التاسعة من نظام الهيئة، الصادر بالمرسوم الملكي رقم
стр. 299
"م ٣٧" وتاريخ ٢٦/ ١٠/١٤٠٠ ولائحته التنفيذية الصادرة بالقرار "٢٧٤٠" وتاريخ ٢٤/ ١٢/١٤٠٧ التي جاء في بابها الأول ما نصه:
"على أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القيام بواجبات الهيئة، والتي أهمها: إرشاد الناس ونصحهم لاتباع الواجبات الدينية المقررة في الشريعة الإسلامية، وحملهم عن أدائها، وكذا النهي عن ارتكاب محرمات والممنوعات شرعًا، واتباع العادات والتقاليد السيئة أو البدع المنكرة، ويكون ذلك بإتباع الآتي:
أولًا: حثُّ الناس على التمسك بأركان الدين الحنيف؛ من صلاة وزكاة وصوم وحج. وعلى التحلي بآداب كريمة، ودعوتهم إلى فضائل الأعمال المقررة شرعًا كالصدق والإخلاص، والوفاء بالعهود، وأداء الأمانات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام ومراعاة حقوق الجار، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين، ومُساعدة العجزة والضعفاء، وتذكير الناس بحساب اليوم الآخر، وأنّ من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها.
ثانيًا: لما كانت الصلاة عمود الدين يتعين على أعضاء الهيئة مراقبة أقامتها في أوقاتها المحددة شرعًا في المساجد، وحثّ الناس على المسارعة إلى تلبية النداء إليها، وعليهم التأكد من إغلاق المتاجر والحوانيت، وعدم مزاولة أعمال البيع في أوقات إقامتها.
ثالثًا: مراقبة الأسواق العامة، والطرقات والحدائق، وغير ذلك من الأماكن العامة. والحيلولة دون الوقوع في المنكرات الشرعية الآتية:
١ - الاختلاط والتبرج المحرمين شرعًا.
٢ - تشبه أحد الجنسين بالآخر.
стр. 300
٣ - تعرض الرجال للنساء بالقول أو الفعل.
٤ - الجهر بالألفاظ المخلة بالحياء والمنافية للآداب.
٥ - تشغيل مذياع أو تلفزيون أو مسجلات، وما ماثل ذلك بالقرب من المساجد أو على نحو يشوش على المصلين.
٦ - إظهار غير مسلمين لمعتقداتهم وشعائر مللهم، أو إظهار عدم الاحترام لشعائر الإسلام وأحكامه.
٧ - عرض أو بيع الصور المجسمة والكتب والتسجيلات المرئية والصوتية، المنافية للآداب الشرعية، أو المخالفة للعقيدة الإسلامية اشتراكًا مع الجهات المعنية.
٨ - عرض الصور المجسمة والخليعة أو الشعارات الملل الغير إسلامية، كعرض الصليب أو ما يسمى بنجمة داود، أو صور بوذا وما ماثل ذلك.
٩ - صنع المسكرات، أو ترويجها أو تعاطيها اشتراكًا مع الجهات المعنية.
١٠ - منع دواعي ارتكاب الفواحش مثل: الزنا واللواط والقمار، أو إدارة البيوت والأماكن التي تُرتكب فيها الفواحش.
١١ - البدع الظاهرة: كتعظيم بعض الأوقات أو الأماكن غير المنصوص عليها شرعًا، أو الاحتفال بالأعياد والمناسبات البدعية غير الإسلامية.
١٢ - أعمال السحر والشعوذة والدّجل؛ لأكل أموال الناس بالباطل.
١٣ - تطفيف الموازين والمكاييل.
١٤ - مُراقبة المسالخ للتحقق من الصفة الشرعية للذبح.
١٥ - مراقبة المعارض ومحلات حياكة النساء.
стр. 301
وباستعراضنا لهذه الاختصاصات التي تقوم بها الهيئة اليوم، بالرغم من توزيع بعض الاختصاصات إلى جهات أخرى؛ فإن المتأمل في هذه الاختصاصات يُدرك أنّ الهيئة لا زالت تؤدي دورًا بارزًا في المحافظة على الفضيلة، ومُحاربة الرذيلة والجريمة، وبشكل أساسي وفعلي، وليس كما كان يعتقد الكثيرون من عامة الناس اليوم من أنّ دور الهيئة محصور في التنبيه على الصلاة، ومتابعة المتخلفين عنها.
ومن هنا نرى: أن الهيئة لازالت تقوم بهذا الدور البناء؛ في مكافحة الجريمة وإنكار المنكر، وإقامة المعروف في مجالات أخرى غير الصلاة عديدة: من أظهرها -وقد تقدم بعضه-: القيام بمنع الاختلاط والسفور في الأسواق والبنوك، وكذلك المساهمة في مكافحة المخدرات، وسائر السموم الأخرى من مسكرات وغيرها، ومنع كل ما يتعارض مع الآداب الإسلامية؛ كالتقليد والخنفسة.
وكذلك محاربة البدع والشعوذة والسحر، وكل ما يتصادم مع عقيدة المسلم الصحيحة، ومراقبة ومتابعة عمل المحلات التي لها علاقة بالنساء كمحلات الخياطة النسائية، ودور الأزياء ومحلات تصفيف الشعر، ومتابعة كل الجرائم والقضايا الأخلاقية؛ لا سيما التي يتم القبض على أصحابها من قبل الهيئة.
كما أن من اختصاصات الهيئة محاربة الأفكار الهدامة، التي تنشر عن طريق الكتب والنشرات، ويُقصد منها الإساءة للدين الإسلامي، والتشويش على أفكار المسلمين.
وفي مقابلة أجريت مع وكيل الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ نقف على بعض الحقائق التي تُثبت أنّ الهيئة لا زالت تقوم بدور هام وحيوي وفي عدة مجالات؛ فهو يقول:
стр. 302
"قد يظهر لأول وهلة أن مهمة رجل الهيئة مقتصرة على موضوع توجيه الناس وحثهم على أداء الصلاة، وهذا بلا شك من أولويات ما يقوم به رجل الحسبة في الهيئة, ولكن هناك مُهمات أخرى كثيرة يقوم بها رجال الحسبة في الهيئة؛ فالهيئة لها تعاون كبير مع كثير من الدوائر الحكومية؛ كالبلديات في ما يتعلق في مكافحة الغش التجاري، وكذلك للغرض نفسه مع وزارة التجارة، والهيئة لها تعاونٌ أيضًا مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات.
والأمثلة على التعاون فيما يتعلق بالمخدرات كثيرة، ولنا تعاون مع أقسام الشرطة في قضايا كثيرة، واللائحة التنظيمية تبين اشتراك الهيئة مع الشرطة في التحقيق في القضايا الأخلاقية، وإن التحقيق في جميع مراحله يتمذ بالاشتراك الفعلي من الطرفين، وقد عمم بذلك من قبل الأمر العام بالتعميم رقم "١٥٨٨ س ح ع" في ٢٣/ ٦/١٣٩٤ وصدر في ذلك الأمر الملكي رقم "٣٦ ثلاثمائة خمس وثلاثين" في ٢١/ ١١/١٣٩٤.
ومن أمثلة القضايا التي يتم التعاون فيها مع أقسام الشرطة: ضبط المعاكسين والمتسكعين في طرق النساء، ولنا متابعة واهتمامٌ فيما يتعلق بمحلات خياطة النساء، وكذلك مع وزارة الحج والأوقاف؛ كما أنّ الهيئة لها مشاركة فعالة مع كثير من اللجان الحكومية، ومن أمثلة ذلك: تقرّر أن يكون رئيس الهيئة في المدينة والقرية، أحد أعضاء اللجنة اختبار الأئمة والمؤذنين مع قاضي البلدة؛ تكونت لجنة من أمارة الرياض وأمانة مدينة الرياض، وعضو من الهيئة لدارسة ظاهرة وجود نساء في الأسواق؛ لغرض بيع الكراتين الفارغة، وأن وجودهن في الأسواق قد يسبب شيء من الفساد.
مُشاركة الهيئة مع المجمعات القروية، من أجل تنمية وتطوير القرى بالمملكة؛ فيما يتعلق بالمقابر والمسالخ، وأماكن بيع الأسوقة، شاركت الهيئة بمندوب
стр. 303
لدارسة ظاهرة انتشار محلات الألعاب الإلكترونية، لما لها من سلبيات، وانتهت الدارسة بمنع فتح المحلات الجديدة، وإغلاق ما فتح منها.
كما شاركت الهيئة التي قامت لمحاربة وضع انتشار ظاهرة التسول، التي يقوم بها بعض الأجانب وقلة من المواطنين".
وفي نهاية المقابلة التي أجريت مع فضيلة الشيخ إبراهيم بن غيث، قال فضيلته: "وهنا سؤال ذو أهمية بالغة: ما هو السر في عدم إبراز هذه الأنشطة وغيرها، مما جعل البعض يتصور أنّ عمل الهيئة قاصر على الصلاة كما قدمنا؟ ثم يجيب على هذا التساؤل بقوله: إنّ السبب هو أنه لا توجد تغطية إعلامية لمثل هذه الأنشطة؛ فالناسُ لا يشاهدون إلا عضو الهيئة وهو ينبه للصلاة، وهو في الوقت نفسه لا يُشاهدونه وهو يخطط للقبض على مروج المخدرات أو المسكرات، أو من يعاكس أو يتعرض لعورات المسلمين. إذن فمثل هذه الأمور لا تعرف إلا عن طريق وسائل الإعلام؛ لأن طبيعة القيام يتم بطرق خفية".
ويضيف فضيلة وكيل الرئيس العام: "ومع كل ما تقدم وغيرها من المجالات التي يغطيها عمل الهيئة، لا تقوم بعمل المحتسب سابقًا؛ سواء في العصور الإسلامية الماضية، أو في أول نشأة الهيئات في عهد الملك عبد العزيز يرحمه الله, ولعل السبب في ذلك: أن بعض مهمات الاحتساب في هذا الزمن قد أسندت إلى جهات أخرى كثيرة، وأنا أعتقد أنّ هذا ضرورة من ضروريات العصر؛ لتنوع الاختصاصات، وظهور كثير من الاكتشافات العلمية الدقيقة، وتنوع الأساليب والوسائل في الحياة؛ مما يتطلب إحاطة دقيقة بهذه الأمور؛ حتى يكون الاحتساب سليمًا ويؤدي دوره المطلوب.
стр. 304
إذ لو ربطنا كل أمور الاحتساب بالهيئات؛ للزم أن يكون من ضمن رجال الهيئات الأطباء والصيادلة والمعماريون، وفني هندسة السيارات والقطارات والطائرات ... إلخ. وللزم أن يكون فيها الأخصائيون العسكريون ونحو ذلك، وهذا شيء يشق ولا تستطيع هيئة أو جهة حكومية واحدة أن تقوم به؛ لذا اقتضت المصلحة أن تكون كل وزارة أو جهة ذات اختصاصات معنية هي بعملها".
وزيادة في الاطلاع والوقوف على تفصيلات أكثر حول اختصاصات الهيئة اليوم، والتي شملت مجالات ليست قليلة؛ فإنني رأيت أن نثبت بعضًا من الصور الحزبية الموثقة بقرارات وتعميم، ومكاتبات تمت من الهيئة في شأن تلك الصور الحزبية المختلفة؛ فمن هذه المكاتبات: الكتاب الموجه من الرئيس العام للهيئة إلى جميع الهيئات؛ يُؤكد ملاحظة الأندية الرياضية، ومنعها من إقامة ومزاولة الأنشطة الرياضية أثناء وقت الصلاة، بالخطاب التعميم المؤرخ في ٥/ ٩/١٣٩٨.
ووجه خطاب من رئيس هيئة الرياض برقم "٤٢٩١٢" في ١١/ ٧/١٤٠٣ إلى مدير الشركة النظافة بالرياض؛ بخصوص عدم التزام عمال النظافة ترك العمل وقت الصلاة، والمُكاتبات التي تتم من الهيئة لجهات عديدة في الدولة بشأن الصلاة كثيرة جدًّا، ويَصعب حصرها في هذا المجال.
أما في ما يتعلق بالبدع والمنكرات؛ فقد صدر توجيه فضيلة الرئيس العالم للهيئة إلى جميع الهيئات بخطاب مؤرخ في ٢٧/ ٦/١٣٩٩ ونصه ما يلي: "تعلمون وفقنا الله وإياكم إلى طريق الحق؛ أهمية الرسالة السماوية الشريفة، والأمانة الهامة العظيمة الملقاة على عواتق الأمة الإسلامية، ورجال الحسب بصفة خاصة؛ ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 305
وبالنظر لما لُوحظ في الآونة الأخيرة من انتشار بعض المنكرات، والظواهر في هذه البلاد، والتي تتنافي مع العقيدة الإسلامية السامية، والسنة النبوية المطهرة؛ التي قام بنشرها وترويجها أعداء الأمة الإسلامية، من أصحاب المذاهب الباطلة، والمبادئ الهدامة، والأفكار السامة والعقائد الفاسدة، والتيارات المضللة في المجتمعات الإسلامية، من أجل تقويض صرح الإسلام، وإذلال شأنه، وإضعاف مكانة أهله؛ حتى أثر ذلك على بعض أصحاب النفوس الضعيفة، والعقول السخيفة في مجتمعنا هذا؛ وذلك في تقليدهم تقليدًا أعمى لهذه الفئة الضالة؛ حتى أثر هذا على سلوكهم وتصرفاتهم.
ولخطورة هذا الأمر على المجتمع المسلم؛ فإن من الواجب محاربة المنكرات والبدع، التي تتنافى وروح العقيدة الإسلامية امتثالًا لقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
وما حصل من التساهل والتسامح في المنكرات، وعدم الاكتراث بخطورتها؛ فإن ذلك يوحي بخطر عظيم، وعقوبة وخيمة على المسلمين، ومن هذا المنطلق فإنه إيمانًا من هذه الرئاسة بأهمية دورها في المجتمع، وبحكم ما أنيط بها من واجبات ومسؤوليات؛ تهدف إلى إقامة الشعائر الإسلامية، وإعلاء كلمة "لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله" وإعزاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل على تحقيق الفضيلة ومحاربة الرذيلة.
فإنكم تعلمون اهتمامي شخصيًّا بهذا الواجب المقدس؛ وأعطيتكم تعليماتي المشددة الرامية إلى إزالة كل ما يتعارض مع الدين الإسلامي، مما يدخل في اختصاصكم؛ بل وحملتكم الأمانة في كل تقصير يحصل، وعليكم الرفع لنا
стр. 306
عن كل ما يصادفكم من مشاكل ومصاعب، تحول دون تحقيق الغرض المنشود على الوجه الأفضل، لإعطائكم التوجيه اللازم". الرئيس العام.
ولو حاولنا أن نتتبع أنشطة الهيئة في مجالات الحياة كلها لطال بنا الحديث؛ فللهيئة عملها ونشاطها في الأسواق، وفي الهيئات، وفي المحلات، وفي المنتزهات داخل المدن وفي أطرافها، وفي آخر استعرضنا لاختصاصات ومشاركة الهيئة في العديد من النشاطات؛ نثبت هنا بعض الصور الحزبية فيما يتعلق بالإعلام، فالهيئة وإن كانت لا تملك القرار فيما يعرض وينشر عبر وسائل الإعلام، إلا أنها وبحكم مهمتها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ تُكاتب المسئولين في الإعلام عن بعض السلبيات التي تظهر، ومن ذلك مثلًا: ما رفعه المشرف العام بفرع الرئاسة إلى مدير عام المطبوعات بوزارة الإعلام حول نشر بعض الجرائد لصور النساء، على سبيل الدعاية بموجب مرفوعه رقم "٥٢٨٩/ ١" وتاريخ ٨/ ١١/١٤٠٤.
أما التليفزيون وملاحظة ما يعرض فيه؛ فقد صدر كتاب لوكيل الرئيس العام للهيئة؛ موجه لوكيل وزير الإعلام لشئون التليفزيون، برقم ٢٦٩٩ وتاريخ ٧/ ٧/١٤٠٤ ومضمون الملاحظة والخطاب: أنّ التليفزيون أصبح في تلك الفترة يقدم برامج ومسلسلات لا تسر وتستحق الإنكار، وهذا مثال وغير كثير من الصور الحزبية في شأن وسائل الإعلام لا سيما التليفزيون.
وفي ختام هذا الاستعراض لبعض نشاطات الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال ما حُدد لها من اختصاصات نقول: إن كان ما أشرنا إليه يدل على سعة عمل الهيئة؛ فإنّ ما أسند من اختصاصاتها إلى جهات حكومية أخرى هو أكبر مما قد يتصوره البعض.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 307
الدرس: ١٧ الآثار المترتبة على ترك المسلمين الحسبة .
стр. 308
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(الآثار المترتبة على ترك المسلمين الحسبة)
عواقب ترك الحسبة والقعود عنها
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
إن شرائع الإسلام لا تقوم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لذا فقد أوجبه الله على الأمة؛ فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (آل عمران: ١٠٤).
فإن قامت هذه الأمة بهذا الواجب، فإنها تكون عزيزة مهابة الجانب متبوعة، وتتسنم قيادة الأمم، بل تكون مصدر خير للناس جميعًا تقودهم إلى ما فيه عزهم وتمكينهم ونجاتهم من عقاب الله تعالى في الدنيا وعذابه في الآخرة، حيث يقول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُو ر﴾ (الحج: ٤٠، ٤١).
وتكون بذلك قد أدت ما عليها، ونالت رضا ربها وتجنبت مقته وسخطه وعقوبته إياها، وإذا قصرت الأمة في أداء هذا الواجب، فإنها ستكون عرضة لعقاب الله وسخطه، وستجري عليها سنن الله تعالى في هذا الكون التي لا تتأخر عن القوم الظالمين، وهذا هو العدل المطلق، فليس بين الله وبين أحد نسب، وليس هناك محاباة في سنن الله .
وقد تحدثنا عن فوائد الحسبة في الدرس الأول من هذه المادة، وعرفنا ما يترتب من الخير على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى ضوء ما قدمنا من فوائد الأمر بالمعروف
стр. 309
والنهي عن المنكر فإننا نستطيع أن نفهم عواقب التقصير في هذا الواجب، وتتلخص فيما يلي:
أولًا: التعرض للغضب، والسخط الإلهي في الدنيا المتمثل في اللعن والطرد من رحمة الله مع التباغض والفرقة والخلاف.
في الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن من كان قبلكم من بين إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعزيرًا، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرًا، وليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعن كم كما لعنهم)).
كما يتمثل الغضب والسخط في تأمير الأشرار الذي يسومون الناس سوء العذاب مع عدم إجابة دعاء الأخيار، فعن أبي الرقاد قال: خرجت مع مولاي، وأنا غلام فدفعت إلى حذيفة- يعني: ابن اليمان- وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في ال مقعد الواحد أربع مرات: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير -أي: ليحض بعضكم بعضًا على فعل الخير- وليسحتنكم الله جميعًا بعذاب وليأمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم".
стр. 310
كما يتمثل سخط الله وغضبه على الذين تركوا القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الخذلان والهزيمة، وتمكن العدو منهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم، فقد تودع منهم)) أي: استريح منهم وخذلوا، وخلي بينهم وبين ما يرتكبون من المعاصي.
ثانيًا: من العقوبات تمكن الباطل وسيادته، وذلك يؤدي إلى أن تتحول الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١) وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠).
وقال النبي ﷺ : ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، فلم نؤذِ من فوقنا فلو تركوا وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).
ثالثًا: إعطاء الكسالى والمقصرين من الناس المبرر للقعود بدعوى أنهم لم يجدوا من يرشدهم، ويأمرهم وينهاهم ويدلهم على الله تعالى.
رابعًا: تضييع طائفة كبيرة من الناس تتمتع بنفس شفافة وفطرة نقية، ولكن صرفتها عن الالتزام بالإسلام والعمل له صوارف الحياة، ولعل هذا والذي قبله مما نفهمه من قول الله تعالى: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ (الأعراف: ١٦٤).
خامسًا: مقت الرأي العام المسلم الحر الذي يحرس آداب الأمة، وأخلاقها وفضائلها، وحقوقها، ويجعل لها الشخصية وسلطانًا هو أقوى من القوة، وأنفذ من القانون.
стр. 311
سادسًا: فقدان الناس لمعنى الأمن في أنفسهم، وفي أهليهم وذويهم وأموالهم الأمر الذي يؤدي إلى الكسل والتواني، والقعود عن أداء الواجب، وقد أشار الحديث إلى كل هذه العواقب؛ حيث قال ﷺ : ((أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)). فهذه هي عواقب ترك الحسبة والقعود عنها والتخلي.
ما كانت عليه المملكة العربية السعودية قبل توحيدها، وما صارت إليه بعد توحيدها
ولما كنا قد ذكرنا نموذجًا للحسبة القائمة في هذا العصر ممثلًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية، فنحن ونحن نتحدث عن الآثار السيئة المترتبة على ترك الحسبة نذكر ما كانت عليه المملكة العربية السعودية قبل توحيدها، وما صارت إليه بعد توحيدها، ما كانت عليه قبل توحيدها من الفوضى والقلق والفقر، وانتشار الفواحش وفساد الأخلاق، وذلك لغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتقاد ولاية الحسبة، وما آل إليه أمر المملكة بعد توحيدها بفضل الله، ثم بوجود المحتسبين الممثلين في العاملين بهيئة المعروف والنهي عن المنكر.
فنقول -وبالله تعالى التوفيق-: كانت تلك البلاد قبل توحيدها على يد الملك عبد العزيز -يرحمه الله- تتكون من عدة أقاليم وإمارات صغيرة، وكثيرًا ما كانت الحروب الطاحنة تقع بين إمارات متجاورة وبين قبيلة وأخرى على أتفه الأسباب نتيجة الطمع في الأموال والثأر.
أما البادية فكانت تسودها الأعراف والأنظمة القبيلة، ويسيطر عليها رؤساء القبائل، وكانت الغارات والمناوشات تقع بين تلك القبائل، فكانت القبيلة تغير على القبيلة الأخرى لتأخذ ما لديها من المواشي، وتغير على القرى لتنهب
стр. 312
الأموال والأغنام، وكان ذلك في عرف هذه القبائل جائزًا ويعتبرونه غنيمة، فالقوي يأكل الضعيف، بل يعتبرون ذلك ضربًا من ضروب الشجاعة ويفتخرون به، وخصوصًا في بادية نجد والشمال.
وكانت الفوضى ضاربة بأطنابها في هذه المجتمعات غير آبهة بشرع أو دين إلا ما يمليه عليها الهوى والشهوات.
كما كان الجهل بأمور الشرع وأحكامه سائدة، وكانت الخرافات منتشرة بين أهل تلك البلاد، وقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضعيفًا في كثير من مدن وقرى شبه الجزيرة العربية قبل توحيدها من قبل الملك عبد العزيز ﵀ بل إنه لا يكاد يوجد إلا في بعض البلدان والأمن مفقود، والخوف منتشر في تلك البلاد حيث كانت تسودها الفوضى والسلب والنهب من أبناء البادية، وغيرهم مما جعل أهل القرى والبلدان يبنون أسوارًا حول قراهم، ويجعلون عليها بوابات تغلق ليلًا كما يشيدون أبراجًا وحصونًا لحماية بلدانهم مع وضع نقاط مراقبة على الجبال المحيطة بالبلدة أو القرية خوفًا من الغارات، ولا يزال بعض هذه الحصون والأبراج موجودًا حتى الآن مما يدل على انتشار الخوف واضطرا ب الأمن آنذاك.
ولم يكن الوضع في إقليم الحجاز بأفضل منه في سائر أرجاء الجزيرة العريبة، بل كانت الفوضى منتشرة في هذا الإقليم، وكان الحجاج القادمون إلى بيت الله الحرام لا يأمنون على أنفسهم وأموالهم نتيجة إغارة القبائل المجاورة لمكة على قوافلهم أو من بعض اللصوص وقطاع الطرق المتربصين بتلك الحملات والقوافل على طول طريقها؛ فلا يستطيع الحجاج العبور إلى مكة إلا أن تكون القافلة قوية، ومزودة بسلاح، أو هناك من يحيمها من القبائل المجاورة لقاء دفع مبالغ معينة، وهي المعروفة بالإتاوات.
стр. 313
وكان الحجاز محطة لعصابات النهب والسلب وخصوصًا في موسم الحج مما جعل بعض الحجاج يكتبون وصاياهم قبل سفرهم، ويصطحبون معهم أكفانهم لتوقعهم الهلاك؛ حيث كان الحج آنذاك مظنة هلاك نتيجة الفوضى والاضطراب، واختلال الأمن حتى قيل في الأمثال: "الذاهب مفقود والعائد مولود".
ومما يدل على ذلك الاختلال ما سطره الشاعر أحم د شوقي ﵀ في قصيدة له بعثها للسلطان عبد الحميد يصف فيها اختلال الأمن في الحجاز وحالة الحجيج، فيقول:
ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ ... وَاِستَصرَخَت رَبَّها في مَكَّةَ الأُمَمُ
أُهينَ فيهاضُيوفُ اللَهِ وَاِضطُهِدوا ... إِن أَنتَ لَم تَنتَقِم فَاللَهُ مُنتَقِمُ
أَفي الضُحى وَعُيونُ الجُندِ ناظِرَة ... تُسبى النِساءُ وَيُؤذى الأَهلُ وَالحَشَمُ
وَيُسفِكُ الدَمُ في أَرضٍ مُقَدَّسَةٍ ... وَتُستَباحُ بِها الأَعراضُ وَالحُرَمُ
الحج ركن من الإسلام نكبره ... واليوم يوشك هذا الركن ينهدم
ويقول الشيخ عبد القادر عودة ﵀ واصفًا حالة الفوضى واختلال الأمن في الحجاز في تلك الفترة: "ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلًّا في الحجاز، بل كيف كان الحجاز مضرب الأمثال في كثرة الجرائم وشناعة الإجرام، فقد كان المسافر فيه كالمقيم لا يأمن على ماله، ولا على نفسه في بدو أو حضر في نهار وليل، وكانت الدول ترسل مع رعاياها الحجاج قوات مسلحة؛ لتأمين سلامتهم، ورد الاعتداء عنهم، وما كانت هذه القوات الخاصة، ولا القوات الحجازية قادرة على إعادة الأمن، وكبح جماح العصابات، ومنعها من سلب الحجاج أو الرعايا الحجازيين وخطفهم والتمثيل بهم".
стр. 314
ويعود السبب في ذلك كله؛ لشدة الفقر المنتشر بين تلك القبائل والجهل بأحكام الدين، وضعف السلطة الموجودة آنذاك وإهمالها، فلا يوجد من يضرب على أيدي المجرمين في قطاع الطرق، ويحمي الأمن ويقيم الحدود كما كانت الرذيلة، والفواحش وتعاطي المسكرات منتشرة في بعض بلدان الحجاز نتيجة قلة الوازع الديني، وضعف السلطة وإهمالها، وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث لم يكن هناك من يمنعها أو يسعى في إبطالها وتطهير هذه البلاد المقدسة منها.
أما في إقليم الإحساء، فكانت الفوضى سائدة، وكل قبيلة من القبائل في هذا الإقليم تغير على الأخرى، وكانت العصابات تغير على الحملات التجارية التي تأتي من وإلى هذا الإقليم؛ لتأخذ ما معها من أموال أو أرزاق، ولا يحميها من هذه الغارات إلا أن تدفع مبلغًا من المال إتاوة لكل قبيلة تمر بأراضيها حتى تسلمها للقبيلة الأخرى المجاورة، وهكذا حتى تعود سالمة بعد أن تدفع الأموال لتلك القبائل مقابل الحماية من اللصوص، وقطاع الطرق من أفراد تلك القبائل.
ولم يكن الوضع في جنوب شبه الجزيرة بأفضل من سابقه حيث كانت الإمارات التي تعاقبت على إقليمي عسير وجازان ضعيفة، وكانت غير قادرة على ضبط تصرفات أفراد القبائل، وكان الجهل والفقر الشديدان من أسباب انتشار الفوضى والجرائم، والمنكرات في العقائد والسلوك.
وعمومًا فإن الوضع في كافة أنحاء شبه الجزيرة العربية قبل توحيد المملكة العربية السعودية سيئ للغاية حيث كان الأمن مضطربًا، والجهل والفقر والمرض متفشيًا في أبناء تلك البلاد.
стр. 315
يقول اللواء عبد العزيز محمد الأحيدب واصفًا ما وصلت إليه البلاد في تلك الحال آنذاك: "فالقوي يبطش بالضعيف، والتاجر لا يأمن على أمواله وتجارته، والمسافر لا يأمن على زوجه وحياته، ورب الأسرة لا يأمن على أفراد عائلته، والقبيلة لا تأمن على كيانها من القبيلة الأخرى من ذعر ورعب أقل ما يقال عنها: إنها البدائية المفرطة في حدتها، والجهالة البالغة التي لا حد لفتكها، وهذا كله ناتج عن غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم وجود سلطة قوية تقوم على ذلك الأمر، وتحفظ على الناس أمنهم، وتقيم فيهم حدود الله تعالى، وتحكم بينهم بالعدل على هدي من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ مما جعل الأشرار والفساق يعيثون في الأرض فسادًا، وقد استفحل شرهم، وتطاول بطشهم بالضعفاء والمساكين، فكانوا يسلبون وينهبون الأموال، بل حتى الملابس التي تستر عورات الناس، وينتهكون الأعراض ويسفكون الدماء من غير وازع من إيمان، أو رادع من سلطان، أو خوف من عقاب، حيث لم يكن هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أو ينصر الضعيف، وذلك لبعد الناس عن دينهم، وجهلهم، وضعفهم أمام تسلط الأشرار واللصوص من أبناء البادية".
وقد ذكر المؤرخون أنواعًا شتى من العقوبات التي حلت بالناس في ذلك الزمان، والتي تناقلها الرواة وكتب عنها المؤرخون، وأفاضوا في وصف حالة الضيق والضنك والفقر والفتن والحروب، واختلال الأمن والمجاعات التي مرت بالناس في تلك الأيام، ومن ذلك: انتشار الخوف والقتل واختلال الأمن، فكانت البلاد قبل توحيدها مرتعا للفتن والقلاقل، وذلك لضعف الوازع الديني في النفوس من ناحية، ولضعف السلطة الحاكمة في كل إقليم من أقاليمها، وعجزها عن حفظ النظام والأمن، وإقامة الحدود الشرعية على المتعدين على حدود الله من ناحية أخرى، حيث كانت القبائل تغير بعضها على بعض، فتقتل الرجال
стр. 316
وتسلب السلاح والأموال، والقوي يأكل الضعيف، كما كانت الغارات الانتقامية للأخذ بالثأر مستمرة ومتواصلة، ولا تقتصر على القاتل فحسب بل تتعداه إلى أي فرد من أفراد القبيلة، وذلك لسيادة الأعراف والعادات القبلية الجاهلية.
ولم يكن الحضر من سكان المدن والقرى بمنأى عن الخطر، فكان بعض الأعراب يغيرون على المدن والقرى وينهبون ويسلبون الأموال، ويغيرون على المواشي ويأخذونها من غير وازع من إيمان أو رادع من سلطان.
وفي نجد والإحساء كان الناس متعادين متفرقين ليس فيهم ملك ولا إمام، ولا يسودهم شرع ولا نظام يقتل بعضهم بعضًا، ويأكل قويهم ضعيفهم، لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يؤطرون على فرد تركوه.
وكانت الحروب الطاحنة تقع بين القبائل على موارد المياه أو المراعي ولأتفه الأسباب، وكانت القبائل متنافرة ومتناحرة، وكثيرًا ما يقع حروب بين القبائل البدوية في الشمال ونجد مثل: حرب وقحطان والدويبة والدواسر، وغيرها من القبائل.
ولم تكن الحال في جنوب البلاد بأحسن منها في أواسطها، فقد كانت عسير تحت حكم الأتراك، وكان المخلاف السليماني تابعًا لمنطقة عسير حيث كان الأمن مضطربًا في هذا الإقليم، وكانت الفتن القبيلة والحروب الطاحنة تعصف بتلك الجهات، ولم يعد في استطاعة الإدارة التركية القبض على زمام الأمن في البلاد، بل إن القبائل بعد التقاتل المرير تعقد هدنة بينها حسبما تستعديه مقتضيات الأمور وتفرضه الظروف، ولكن سرعان ما تندلع الفتنة بين حين وآخر على أقل سبب، وهذه كلها عقوبات دنيوية نتيجة عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي
стр. 317
عن المنكر، ولعدم وجود سلطة قوية تتولى إقامة الشريعة، وتعاقب الخارجين على النظام وتقيم الحدود وذلك مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَات َّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ (الأنفال: ٢٥).
ولما ورد عن الرسول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو بكر ﵁ حيث يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)).
ولما رواه حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).
وكان الفقر يسود معظم المناطق، وكان الجوع منتشرًا بين سكانها مما جعل البادية يغيرون على سكان القرى والمدن، وينهبون الأموال ويسلبون المواشي والثمار، وهذا كان نتيجة الجدب والقحط وقلة الأمطار، وقلة موارد العيش.
يقول حسين محمد نصيب واصفًا الحال في الحجاز في ذلك الزمان: "فترى البعض من آل الطبقة الوسطى يجول في الشوارع طالبًا ما يمسك الرمق، ويسد الخلة، فكيف بالفقراء الضعفاء".
أما في مكة فلقد ضاقت الأزمة ضيقًا شديدًا، وانقطعت الأرزاق عنها وقلت الدراهم عنها حتى كادت تقع في خطر عظيم، وقد وصلت الحال بأهل البلاد إلى حالة من الجوع والفقر وضنك العيش مما جعل كثيرًا منهم يغادر وطنه، ويذهب إلى البلاد الأخرى المجاورة طلبًا للعيش، وما كان ذلك كله إلا بسبب الذنوب والمعاصي، وعلى رأسها التخلي عن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 318
ومن العقوبات تسلط الحكام الطغاة وجورهم، فلقد سلط الله تعالى على أهل هذه البلاد قبل توحيدها حكامًا طغاة ظلمة كانوا لا يرحمون الناس، ولا يبالون بما يقاسون من ويلات الجوع، والفقر وضنك العيش، وعصابات النهب والسلب، بل كانوا يرهقونهم بفرض الضرائب عليهم، ولم تكن الضرائب على الأهالي فحسب؛ بل إنها تنال كل من يطأ الأرض المقدسة قاصدًا البيت الحرام أو المسجد النبوي.
وقد انتشرت الرشوة، ودب الفساد بين العباد في ذلك الزمان، وخلاصة القول أن الحوادث والفتن وضنك العيش، وعدم الاستقرار، والخوف والفرقة والفقر والجهل، وانتشار الأمراض والأوبئة كانت هي السمات البارزة لمجتمعات وأقاليم هذه البلاد قبل توحيدها.
وقد أفاض في ذكرها كثير المؤرخين المنصفين، وباتت معروفة لدى كثير من الناس، والسبب الأعظم هو ترك طاعة الله، والوقوع في معصيته، وعلى رأس ذلك كله ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلما أراد الله ﵎ رحمة البلاد والعباد جمع شمل هذه البلاد، ووحد صفها تحت يد الملك عبد العزيز ﵀ فلما توحدت البلاد، ورجع الناس إلى دين الله وتوحيده، واجتهدوا في طاعته وتركوا معصيته، وأقاموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيَّر الله حالهم إلى أحسن حال.
ولمعرفة حال البلاد بعد توحيدها، وقيام هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها، وما آل إليه أمرها من الأمن والأمان والرخاء نقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الوسائل لإصلاح المجتمع وتزكيته، وتحقيق أمنه واستقراره هو العصمة المناعة الرادعة عن وقوع كثير من الجرائم
стр. 319
هو صمام الأمان للمجتمع، بل سفينة النجاة للأمة، ولا أدل على ذلك من هذا المثل العظيم الذي ضربه الرسول ﷺ لبيان أثر قيام بهذا الأمر في صيانة المجتمع والنجاة من الهلاك، فعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا)).
قال ابن النحاس ﵀: "اعلم أن في تمثيل النبي ﷺ هذا جملة من الفوائد منها:
أولًا: أن المسلمين مشتركون في الدين الذي هو آلة النجاة في الآخرة، كاشتراك آل الدنيا في السفينة التي هي آلة النجاة في الدنيا، وكما أن سكوت شركاء المدينة عن الشريك الذي أراد إفسادها سبب هلاكهم في الدنيا كذلك سكوت المسلمين عن الفاسق، وترك الإنكار عليه سبب هلاكهم في الآخرة.
ثانيًا: أنه كما لا ينجي الشركاء من الهلاك قول المفسد: إنما أفسد فيما يخصني كذلك لا ينجي المسلمين من الإثم والعقوبة قول مرتكب المنكر: إنما أجني على ديني لا على دينكم، وعليكم أنفسكم، لي عملي ولكم عملكم، وكل شاة معلقة بعرقوبها، ونحو هذا الكلام الذي يجري على ألسنة الجاهلين.
ثالثًا: أن أحد الشركاء في السفينة إذا منع المفسد من خرقها كان سببًا في نجاة أهل السفينة كلهم كذلك من قام من المسلمين بإنكار المنكر كان قائما بفرض الكفاية عنهم، وكان سببا لنجاة المسلمين جميعًا من الإثم، وله عند الله الأجر الجزيل.
رابعًا: أنه إذا أنكر منكر من آل السفينة على الشريك الذي أراد خرقها، فاعترض عليه معترض منهم نسب ذلك المعترض إلى قلة العقل والجهل بعواقب هذا
стр. 320
الفعل؛ إذ المنكر ساعٍ في نجاة المعترض وغيره كذلك لا يعترض على من لا ينكر منكر إلا من عظم جهله وقل عقله؛ إذ المنكر قائم بإسقاط الفرض الواجب على المعترض وغيره ساعٍ في نجاتهم وخلاصهم من الإثم والحرج.
خامسًا: أن شركاء السفينة إذا سكتوا عمن أراد خرقها كانوا هم وإياهم في الهلاك سواء، ولم يتميز المفسد في الهلاك من غيره، ولا الصالح منهم من الطالح.
كذلك إذا سكت الناس عن تغيير منكر عمهم العذاب، ولم يميز بين مرتكب الإثم وغيره، ولا بين الصالح والطالح ألم يقل الله ﵎: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
سادسًا: أنه لا يقدم من الشركاء على خرق سفينة إلا من هو أحمق يستحسن ما هو في الحقيقة قبيح، ويجهل عاقبة فعله الشنيع كذلك لا يقدم على المعصية إلا من استحسنها لنفسه وجهل ما فيها من عظيم الإثم، وأليم العاقبة قال الله تعالى: ﴿قُ لْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: ١٠٣، ١٠٤)
سابعًا: أنه لا يقدم على خرق السفينة من آمن يقينًا بما في إخراقها من هلاك؛ إذ لا يقدم على إهلاك نفسه إلا من جهل أو شك فيه كذلك لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن بوعيد الله تعالى وأليم عذابه على الزنا، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن قال الله تعالى: ﴿أَف َمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُون﴾ (السجدة: ١٨).
وعن زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: ((لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تليها قالت: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)).
следующие страницы →