← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8496

الحسبة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (344 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

-[الحسبة]- كود المادة: GDWH٥١٣٣ المرحلة: ماجستير المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية الناشر: جامعة المدينة العالمية عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

الدرس: ١ تعريف الحسبة ومنزلتها ومقصودها وفضائلها وفوائدها . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الأول (تعريف الحسبة ومنزلتها ومقصودها وفضائلها وفوائدها) تعريف الحسبة لغة واصطلاحًا إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: أما الحسبة في اللغة: فقد جاء في (لسان العرب) الحسبة مصدر احتسابك الأجر على الله، تقول: فعلته حسبة، واحتسب فيه احتسابًا، والاحتساب طلب الأجر، والاسم الحسبة بالكسر وهو الأجر، واحتسب فلان ابنًا له أو ابنة له إذا مات وهو كبير، وافترط فرطًا إذا مات له ولد صغير لم يبلغ الحلم, وفي الحديث: ((من مات له ولدًا فاحتسبه)) أي: احتسب الأجر بصبره على مصيبته به، ومعناه: اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها، واحتسب بكذا أجرًا عند الله والجمع الحسب, وفي الحديث ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا)) أي: طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه. والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه؛ لأنه حينئذ أن يعتد عمله، فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد، والاحتساب في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوِّ منها، وفي حديث عمر ﵁: "أيها الناس احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله كُتب له أجر عمله وأجر حسبته".

стр. 3

وأما الحسبة في اصطلاح العلماء: فقد قال فيها الإمام العالم العلامة أبو الحسن الماوردي ﵀: "الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس, قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء: ١١٤). فالحسبة إذًا هي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيشمل الاعتقاد وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، ويشمل العبادات من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والنكاح، والطلاق، والرضاع، والحضانة، والنفقة، والعدة، وما إلى ذلك. ويشمل النظم والتشريعات من المعاملات المالية، والحدود، والقصاص، والعقود والمعاهدات، ونحوها، ويشمل أيضًا الأخلاق من الصدق، والعدل، والأمانة، والعفة، والوفاء، ونحوها, وسمي المعروف معروفًا؛ لأن الفطر المستقيمة والعقول السليمة تعرفه، وتشهد بخيره وصلاحه. ومعنى الأمر بالمعروف: الدعوة إلى فعله، والإتيان به مع الترغيب فيه، وتمهيد أسبابه وسبله بصورة تثبت أركانه، وتوطد دعائمه، وتجعله السمة العامة للحياة جميعًا. وأما المنكر: فهو سم جامع لكل ما يبغضه الله تعالى ولا يرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فيشمل الشرك بكل ألوانه وصوره، ويشمل

стр. 4

الأمراض القلبية من الرياء والحقد والحسد والعداوة والبغضاء ونحوها، ويشمل تضيع العبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ونحوها، ويشمل المنكر أيضًا الفواحش كالزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف وقطع الطريق، والكذب، والحرابة، والبغي، ونحوها، ويشمل الكذب والجور والظلم، والخيانة والخسة ونحوها، وإنما سمي المنكر منكرًا؛ لأن الفطر السليمة المستقيمة والعقول السليمة تنكره، وتشهد بشره وضرره وفساده، ومعنى النهي عن المنكر التحذير من إتيانه وفعله، مع التنفير منه والصد عنه، وقطع أسبابه، وسبله بصورة تقتلعه من جذوره وتطهر منه الحياة جميعًا. منزلة الحسبة في الدين فقد قال ابن الأخوة فيها: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله به النبيين أجمعين، ولو طُوي بساطة وأهمل عمله وعلمه؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، ونسيت الصلاة، وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، وإن لم يشعروا بالهلاك إلى يوم التناد. وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، فانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، واستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحقت عنها مراقبة الخالق، فاسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بسيط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم. فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الظلمة، إما متكلفًا بعلمها، أو

стр. 5

متقلدًا لتنفيذها، مجردًا عزمه لهذه السنة الداثرة، ناهضًا بأعبائها، ومشمرًا في إحيائها، كان متأثرًا من بين الخلق باحتسابه، ومستندًا بقربة ينال بها درجات القرب دون أجناس". وقال الإمام النووي ﵀: "اعلم أن هذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قد ضُيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًّا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابه كما قال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣). فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمة، ويخلص نيته، ولا يهابن من ينكر عليه بارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (الحج: ٤٠)، وقال : ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٠١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩)، وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت ١ - ٣) ". ثم قال ﵀: "واعلم أن الأجر على قدر النصب، ولا يتاركه أيضًا لصداقته" أي: ولا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكون فلان صديقًا له، ولا يتاركه أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًّا، ومن حقه أن

стр. 6

ينصحه، ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من يسعى في ذهاب أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه، وإنما كان إبليس عدوًّا لنا لهذا، وكانت الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم، وهدايتهم إليها ونسأل الله الكريم توفيقنا وأحبابنا وسائر المسلمين لمرضاته، وأن يعمنا بجوده ورحمته"، والله تعالى أعلم. مقصود الحسبة في الإسلام فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أصل ذلك أن تعلم أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإن الله إنما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرسل، وعليه جاهد الرسول والمؤمنون، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) ". وقد أخبر عن جميع المرسلين عن جميع المرسلين أن كلًّا منهم قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩) وعبادته تكون بطاعته وطاعة رسوله، وذلك هو الخير والبر والتقوى والحسنات، والقربات، والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وإن كانت هذه الأسماء بينها فروق لطيفة ليس هذا موضعها.

стр. 7

وهذا الذي يقاتل عليه الخلق كما قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (البقرة: ١٩٣)، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال سأل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله فقال ﷺ : ((من قاتل لتكون كملة الله هي العليا فهو في سبيل الله)). وكل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا بالاجتماع والتعاون والتناصر، فالتعاون والتناصر على جلب منافعهم، والتناصر لدفع مضارهم، ولهذا يقال الإنسان مدني بالطبع، فإذا اجتمعوا فلا بد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة، وأمور يجتنبونها لما فيها من المفسدة، ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد والناهي عن تلك المفاسد، فجميع بني آدم لا بد لهم من طاعة آمرٍ وناهٍ، فمن لم يكن من أهل الكتب الإلهية ولا من أهل دين فإنهم يطيعون ملكوهم في ما يرون أنه يعود بمصالح دنياهم، مصيبين تارة ومخطئين أخرى، وأهل الأديان الفاسدة من المشركين، وأهل الكتاب المستمسكين به بعد التبديل، أو بعد النسخ والتبديل مطيعون في ما يرون أنه يعود عليهم بمصالح دينهم ودنياه. وغير أهل الكتاب منهم من يؤمن بالجزاء بعد الموت ومنهم من لا يؤمن به، وأما أهل الكتاب فمتفقون على الجزاء بعد الموت، ولكن الجزاء في الدنيا متفق عليه أهل الأرض. فإن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يقال: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة. وإذا كان لا بد من طاعة آمر وناه، فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له، وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

стр. 8

وذلك هو الواجب على جميع الخلق قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٤، ٦٥)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: ٦٩)، وقال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٣، ١٤). ولقد كان النبي ﷺ يقول في خطبته الجمعة: ((إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)). وقد بعث الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ بأفضل المناهج والشرائع، وأنزل عليه أفضل الكتب، فأرسله إلى خير أمة أخرجت للناس، وأكمل له ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة، وحرم الجنة إلا على من آمن به وبما جاء به، ولم يقبل من أحد إلا الإسلام الذي جاء به، فمن ابتغى غيره دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين. وأخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد ليقوم الناس بالقسط، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥).

стр. 9

ولهذا أمر النبي ﷺ أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل, وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى. ففي (سنن أبي داود) عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم))، وفي سننه أيضًا عن أبي هريرة مثله. وفي (مسند الإمام أحمد) عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمَّروا أحدهم)) , فإذا قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم؛ كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك؛ ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله، ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة، حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر)). وإذا كان جماع الدين، وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث به الله رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، وهذا نعت النبي ﷺ والمؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الأعراف: ١٥٦، ١٥٧). وقال الله تعالى في حق المؤمنين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة: ٧١).

стр. 10

وجميع الولايات الإسلامية إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ سواء في ذلك ولاية الحرب الكبرى مثل نيابة السلطنة، والصغرى مثل ولاية الشرطة وولاية الحكم، أو ولاية المال، وهي ولاية الدواوين المالية، وولاية الحسبة. لكن من المتولين من يقوم بمنزلة الشاة للمؤتمن والمطلوب منه الصدق، مثل الشهود عند الحاكم، ومثل صاحب الديوان الذي وظ يفته أن يكتب المستخرج والمصروف، والنقيب والعري ف الذي وظيفته إخبار ذي الأمر بالأحوال، ومنهم من يكون بمنزله الأمير المطاع والمطلوب منه العدل، مثل: الأمير والحاكم والمحتسب، وبالصدق في كل الأخبار والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (الأنعام: ١١٥). وقال النبي ﷺ لما ذكر الظلمة ((من صدقهم بكذبهم وأعانه م على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض)). وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحري الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الر جل يكذب ويتحري الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)). ولهذا قال الله : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢)، وقال سبحانه: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَة * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (العلق: ١٦، ١٧)، فلهذا على كل ولي أمرًا أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل،

стр. 11

وإن كان فيه كذب وظلم، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، والواجب إنما هو فعل المقدور، وقد قال النبي ﷺ : ((من قلد رجلًا على عصابة، وهو يرد في تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين)). فضائل الحسبة فضائل الحسبة -فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-: وفضائل الحسبة في القرآن الكريم كثيرة, فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُون * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: ١١٣، ١١٤)، فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر، حتى أضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبيَّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات رحمته، فقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ (التوبة: ٧١)، فنعت الله تعالى المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارجًا عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية.

стр. 12

وأخبر بأنه سيرحمهم بسبب قيامهم بما وصفهم به من الإيمان والصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات رحمة الله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات اللعنة والسخط والغضب، والعذاب، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨، ٧٩). وهذا غاية التشديد إذا علَّل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر، وأخبر أن هذه الأمة أمة محمد ﷺ كانت خير أمة للناس، وذلك بقيامها بالحسبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠)، وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بيَّن أن الأمة إنما كانت خير أمة أخرجت للناس بقيامها بهذه الوظيفة. كما بيَّن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة من عذابه إذا حلَّ بمستحقيه، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٥)، فبيَّن أن الناجين إنما استفادوا النجاة بالنهي عن السوء. وأخبر أن التمكين في الأرض إنما يتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: ٤١).

стр. 13

وأخبر بأنه إنما أهلك القرون الماضية بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦) فبيَّن سبحانه أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. ووعد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بالأجر العظيم، فقال : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٤). وبيَّن أن الفائزين بخيري الدنيا والآخرة هم القائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، وهذه الجملة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تفيد عند أهل العلم باللغة العربية الحصر أي: أن الفلاح إنما يكون لهؤلاء الذي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الخير. هذا بعض ما جاء في القرآن الكريم في فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما الأحاديث في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي كثيرة، فقد عدَّ النبي ﷺ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة، ورد ذلك في أكثر من حديث؛ فعن أبي ذر ﵁ أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : ((يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال ﷺ : أو ليس قد جعل الله لكم ما

стр. 14

تصدقون: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال ﷺ : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)). وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظمًا عن طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى؛ فإنه يمشي وقد زحزح نفسه عن النار)). وعن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظمة عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة)). وأخبر ﷺ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موجبات الجنة عن أبي كثير السحيمي عن أبيه قال سألت أبي ذر قلت: دُلني عن عمل إذا عمله العبد دخل الجنة، فقال أبو ذر ﵁ سألت عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه سلم- فقال: ((تؤمن بالله واليوم الآخر، قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملًا، قال: يرضخ مما رزقه الله، قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)).

стр. 15

وعن البراء بن عازب ﵄ قال: جاء أعرابي فقال: يا نبي الله علمني عملًا يدخلني الجنة، قال ﷺ : ((لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة اعتق النسمة، وفك الرقبة، قال: أوليستا واحدة؟ قال: لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكفَّ لسانك إلا من الخير)). فوائد الحسبة فوائد القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوائد عدة نذكر منها: السلامة من العقاب الإلهي، والظفر برضوان الله تعالى وجنته، فإن الله ﵎ قال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: ١٦٥). ومنها: الدخول في رحمة الله ﵎ والسلامة من عذابه كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ٧١، ٧٢). وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ

стр. 16

يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٧٨ - ٨١). ومن فوائدها: ظفر الإنسان بما يرجوه من خيري الدنيا والآخرة. ومنها: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب الأمن والأمان، وسبب جمع الشمل وتوحيد الصف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، ثم قال سبحانه بعد هذه الآية: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٠٥). فالنهي عن التفرق بعد ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل عن أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا للتفرق، وذلك أن الناس إذا كانت لهم مشارب متعددة مختلفة تفرقوا، فهذا يعمل طاعة، وهذا يعمل معصية، وهذا يسكر، وهذا يصلي وما أشبه ذلك؛ فتتفرق الأمة، ويكون لكل طائفة مشرب، ولهذا قال ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: ١٠٥). إذًا لا يجمع الأمة إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أن الأمة أمرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وتحاكمت إلى الكتاب والسنة ما تفرقت أبدًا، ولا حصل لهم الأمن، ولكان لهم أمن أشد من كل أمن، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢). إن الدول الآن الكبرى منها والصغرى كلها تكرس الجهود الكبيرة الجبارة لحفظ الأمن، ولكن كثيرًا من المسلمين غفلوا عن هذه الآية، الأمن التام موجود في هاتين الكلمتين: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فإذا تحقق الأمن في الشعب ولم يلبس إيمانه بظلم، فحينئذٍ يحصل له الأمن.

стр. 17

ومن فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: حماية الأرض أن تتحول إلى بؤرة من الشر والفساد، الأمر الذي يصعب معه تحقيق معنى العبودية لله , إذ يقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: ٤٠). والنبي ﷺ يقول: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من، فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيدهم نجوا ونجوا جميعًا)). ومن فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إقامة الحجة على المصرين والمعاندين فإن نفرا من الناس في فطرتهم عوج والتواء وإصرار وعناد، وأمثال هؤلاء لا يفيقون إلا في وقت المحن والشدائد، والواجب نحوهم هو التذكير والتخويف حتى إذا نزلت الشدائد، وكان العقاب لا يقولون: لو وجدنا من أرشدنا ودلنا على الطريق لكنا أهدى الناس وأقومهم قيلًا، ومن ثم يتوجهون إليه بالتأنيب والتوبيخ والعتاب، ويحاجون الله ﵎، وله سبحانه الحكمة البالغة. ولذا قال -سبحانه- عن حكمة بعثة النبي ﷺ : ﴿يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة: ١٩)، وقال سبحانه عن حكمة إرسال الرسل جميعًا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥).

стр. 18

ومن فوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تنبيه الغافلين، وانتشال الغارقين من الناس، ولا سيما المسلمين؛ فإن الإنسان خلق يوم خلق وهو ذو فطرة بيضاء نقية، لديها استعداد للخير واستعداد للشر، كما قال الخالق سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: ٧، ٨). والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان أو التي تحيط به هي التي تساعد في صنعة على شاكلتها، إن كانت خيرة كان خيرًا، وإن كانت شريرة كان شريرًا، ولذا قال النبي ﷺ : ((المرء على دين خليلة فلينظر أحدكم من يخالل)). هذا، وإن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفوائد أكثر ما ذكرنا، ولكن فيما ذكرناه الكفاية عما سكتنا عنه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 19

الدرس: ٢ حكم الحسبة والحكمة منها ومراتبها .

стр. 20

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني (حكم الحسبة والحكمة منها ومراتبها) حكم الحسبة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: روى مسلم وغيره عن النبي ﷺ قال: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان)). قال الحافظ أبو العباس القرطبي في شرح هذا الحديث: "قوله ﷺ : ((من رأى منكم فليغيره بيده))، هذا الأمر على الوجوب؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الإيمان، ودعائم الإسلام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا يعتدُّ بخلاف الرافضة في ذلك؛ لأنهم إما مكفرون فليسوا من الأمة، وإما مبتدعون فلا يُعتد بخلافهم لظهور فسقهم ووجوب ذلك بالشرع لا بالعقل؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه واجبًا عقلًا. والأدلة من القرآن الكريم على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة؛ منها: قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) , ففي هذه الآية بيان الإيجاب، فإن قول الله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ﴾ أمرًا وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوطًا به؛ إذ حصر، وقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومن الآيات الدالات أيضًا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢) , وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه، وتسهيل طرق الخير، وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان.

стр. 21

وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: ٦٣) , فبين أنهم أثموا بترك النهي. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦)، فبين سبحانه أنه أهلك جميعهم إلا قليلًا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: ١٣٥)، وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: ٩)، والإصلاح نهي عن البغي، وإعادة إلى الطاعة، فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله فقال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذلك هو النهي عن المنكر. وأما الأخبار والأحاديث والآثار عن النبي ﷺ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي كثيرة؛ فعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عذابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم)).

стр. 22

وعن جرير ﵁ مرفوعًا: ((ما من قوم يكونوا بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع لم يغيروا عليه إلا أصابهم الله بعذاب)). وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: ١٠٥)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهم الله تعالى بعذاب منه)) ". وعن عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن حارثة، عن أبي أمية الشعباني، عن أبي ثعلبة أنه سأل عنها -أي: عن هذه الآية- رسول الله ﷺ فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وانتهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بنفسك، ودع عنك العوم، فإن من ورائكم أيامًا الصبر فيهنَّ مثل القبض عن الجمر، للعامل فيهنَّ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم، قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: لا بل أجر خمسين منكم)). ولأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من حديث حذيفة: ((فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره يكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)). وعن أبي البحتري قال: أخبرني من سمع رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)). يقال: أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها، يعني: أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، فيستوجبون العقوبة، ويكون لمن بعدهم عذر، كأنهم قاموا

стр. 23

بعذرهم في ذلك، وحقيقة عذرته محوت الإساءة وطمستها، ويتعلق بالصدق والكذب ما يتعلق بالحق والباطل، وله تعلق بهذا. وعن أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعًا: "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم؛ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، ذلك لما عصوا وكانوا يعتدون". ومما يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن رسالة النبي ﷺ عالمية إلى قيام الساعة كما قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨)، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠). وقال النبي ﷺ عن نفسه: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))، والناس جميعًا مخاطبون أن يعملوا بشريعة محمد ﷺ وينزلوا على حكمها كما قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣). ومقتضى عالمية الرسالة إلى قيام الساعة مع هذا الخطاب أن يكون هناك بيان لكل ما أرشدت إليه هذه الرسالة من خير، وحذرت منه من شر إلى قيام الساعة كذلك؛ إذ إن الله رحمة منه بعبادة ما كان ليؤاخذهم قبل هذا البيان كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥)، وقال

стр. 24

سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه: ١٣٤). وقد بيَّن النبي ﷺ كل ما أرشدت إليه هذه الرسالة من خير، وحذرت منه من شر بكل الأساليب التي أتيحت له، وعلى هذا مضى الصحابة والتابعون فمن بعدهم, ويجب أن يبقى الأمر على هذا النحو ما بقيت الحياة لا سيما وأنه ما يأتي زمانًا إلا وما بعده شرًّا منه والشر لا يواجه بالسكوت، وإلا لتحولت الأرض إلى بؤرة من الشر والفساد، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًاٌ﴾ (الحج: ٤٠)، وإنما يواجه الفساد بالإيجابية التي تقضي عليه، أو تقلل منه على الأقل؛ بحيث تحصره في دائرة محدودة لا يتعداها. كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا لتحقيق مبدأ التضامن الاجتماعي بين الناس، فإن الناس جميعًا بينهم تضامن اجتماعي واجب كل واحد يسعى في مصلحة نفسه ومصلحة الآخرين، ويجتهد في دفع الشر عن نفسه وعن الآخرين، وما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا طريقان لحفظ هذا الواجب؛ إذًا فهما واجبان، وذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كذلك يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتحقيق مبدأ الأخوة الإنسانية والإسلامية التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: ١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠). ومقتضى هذه الأخوة أن يقوم كل أخٍ بدلالة أخيه على ما فيه مصلحته وسعادته في الدنيا والآخرة، وأن يزجره عن كل ما فيه فساده وشقوته في الدنيا والآخرة، ويكون ذلك فيه على سبيل وجوب لا سبيل الندب والتطوع، وانطلاقًا

стр. 25

من الحق ذاته، فإن لذات الحق حقوقًا على الناس، ومن هذه الحقوق صيانته بكل ما يمكن من أساليب ووسائل، وإلا ضاعت معالمه وطمست آثاره. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بين الأساليب والوسائل التي يتم بها حماية الحقوق, فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، إلا أن العلماء اختلفوا فيه من حيث العينية والكفائية، هل هو واجب عيني أم كفائي؟ ومعلوم أن الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الحرج عن الآخرين، وأما الواجب العيني فلا يقوم أحد مقام أحد فيه، وكل إنسان مكلف به فإذا تركه أثم وإن قام به الآخرون، وسبب الخلاف هو هل كلمة من في قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، هل كلمة من في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ للتبعيض أم للبيان؟ فقال بعضهم ليست للتبعيض، لدليلين: الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: ١١٠). والدليل الثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس، فإذا ثبت هذا نقول: معنى هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾: كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وأما كلمة من فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِِ﴾ (الحج: ٣٠)، ويقال

стр. 26

لفلان من أولاده: جند، وللأمير من غلمانه: عسكر، يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم، فكذلك الأمر ها هنا. والقول الثاني: أن من هنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضًا على قولين: أحدهما: أن فائدة كلمة من هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل: النساء، والمرضى، والعاجزين. والثاني: أن هذا التكليف مختصّ بالعلماء، ويدل عليه وجهان: الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه، فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من يزيده إنكاره إلا تماديًا؛ فثبت بهذه الوجوه أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢). والقول الثاني: قالوا: إنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل كفاية بمعنى: أنهم متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة إيجابًا على البعض لا على الكل,

стр. 27

فهذان هم القولان في هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض العين، أم فروض الكفاية، وقد جمع الحافظ ابن كثير ﵀ بين القولين، فقال في تفسير هذه الآية: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن أي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان ذلك واجبًا على كل فردٍ فردٍ من الأمة بحسبه لحديث ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وإلى هذا المذهب أيضًا ذهب الشيخ محمد رشيد رضا فقال في (مختصر تفسير المنار) في تفسير قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤)، قال الشيخ ﵀: قد اختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿مِنْكُمْ﴾ هل معناه بعضكم أم "من" بيانية، والظاهر أن الكلام على حد قولك ليكن لي منك صديق، فالأمر عام. ويدل على العموم قول الله تعالى ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ١ - ٣) , فإن التواصي هو الأمر والنهي، ويدل عليه أيضًا قول الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة: ٧٨، ٧٩) , وما قص الله علينا شيئًا من أخبار الأمم السالفة إلا لنعتبر به. قال ﵀: "ثم لهذه الدعوة مرتبتين: فالمرتبة الأولى هي دعوة هذه الأمة سائر الأمم إلى الخير ويشاركوهم في ما هم عليه من النور والهدى، وهو الذي يتجه به قول المفسر إن المراد بالخير

стр. 28

الإسلام، وقد فسرنا الإسلام من قبل بأنه دين الله على لسان جميع الأنبياء من جميع الأمم، وهو الإخلاص لله تعالى والرجوع عن الهوى إلى حكمه، وهذا مطلوب منا بحكم جعلنا أمة وسطًا، وشهداء على الناس كما تقدم في سورة البقرة"، وخير أمة أخرجت للناس كما سيأتي بعد آيات مقيدًا بكوننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وبحكم قوله في وصف المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. فالواجب دعوة الناس للإسلام أولًا، فإن أجابوا، فالواجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. والمرتبة الثانية في الدعوة والأمر والنهي: هي دعوة المسلمين بعضهم بعضًا إلى الخير، وتآمرهم فيما بينهم بالمعروف، وتناهيهم عن المنكر، والعموم فيها ظاهر أيضًا وله طريقان: أحدهما: الدعوة العامة الكلية لبيان طرق الخير، وتطبيق ذلك على أحوال الناس، وضرب الأمثال المؤثرة في النفوس التي يأخذ كل سامع منها بحسب حاله، وإنما يقوم على هذا الطريق خواص الأمة العارفون بأسرار الأحكام، وحكمة الدين وفقهه. والطريق الثاني: الدعوة الجزئية الخاصة، وهي ما يكون بين الأفراد بعضهم مع بعض ويستوي فيه العالم والجاهل، وهو ما يكون بين المتعارفين من الدلالة على الخير، والحث عليه عند عروضه، والنهي عن الشر والتحذير منه، وجملة القول أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض حتم على كل مسلم، كما تدل عليه الآية في ظاهرها المتبادل وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ (المائدة: ٧٩).

стр. 29

وكذلك عمل الرسول ﷺ وأصحابه ﵃، وكون هذا حفاظًا للأمة وحرزًا ظاهرًا، فإن الناس إذا تركوا دعوة الخير وسكت بعضهم لبعض عن ارتكاب المنكرات خرجوا عن معنى الأمة، وكانوا أفذاذا متفرقين لا جماعة لهم، ولهذا ضرب الرسول ﷺ هذا المثل كما روى البخاري عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيدهم نجوا ونجوا جميعًا)). فلا بد للمرء في حفظ نفسه ومن معه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سيما أمهات المنكرات المفسدة للاجتماع كالكذب والخيانة والحسد والغش. أما معنى الآية على القول بأن من للتبعيض، وتقدير الكلام: ولتكن منكم طائفة متميزة تقوم بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمخاطب بهذا جماعة المؤمنين كافة فهم المكلفون أن ينتخبوا منهم أمة تقوم بهذه الفريضة، فها هنا فريضتان أحدهما على جميع المسلمين، والثانية على الأمة التي يختارونها للدعوة. ولا يفهم معنى هذا حق الفهم إلا بفهم معنى لفظ الأمة، وليس معناه الجماعة كما قيل، وإلا لما اختير هذا اللفظ، والصواب أن الأمة أخص من الجامعة فهي الجماعة المؤلفة من أفراد لهم رابطة تضمهم، ووحدة يكونون بها كالأعضاء في بنية الشخص، والمراد بكون المؤمنين كافة مخاطبين بتكوين هذه الأمة لهذا العمل هو أن يكون لكل فرد منهم إرادة وعمل في إيجادها وإسعادها، ومراقبة سيرها بحسب الاستطاعة حتى إذا رأوا منها خطأ أو انحرافًا أرجعوها إلى الصواب.

стр. 30

وإذا كان كل فرد من أفراد المسلمين مكلفًا بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بمقتضى الوجه الأول في تفسير الآية، فهم مكلفون أن يختاروا أمة منهم تقوم بهذا العمل؛ لأجل أن تتقنه وتقدر على تنفيذه، فإقامة هذه الأمة الخاصة فرض عين يجب على كل مكلف أن يشترك فيه مع الآخرين، ولا مشقة في هذا علينا، فإنه يتيسر لأهل كل قرية أن يجتمعوا، ويختاروا منهم من يرونه أهلًا لهذا العمل؛ لينضم إلى من يختاره من سائر القرى والبلاد لأجل الضرب في الأرض للدعوة إلى الإسلام في غير بلادة، أو لإقامة بعض الفرائض والشعائر، أو إزالة بعض المنكرات من بلد آخر من بلاد المسلمين، فهذا هو حكم الحسبة أو حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الحِكمة من مشروعية الحسبة أما الحكمة من مشروعيتها؛ فقد قال فيها الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه (أصول الدعوة): "وحكمة مشروعيتها ظاهرة؛ لأن تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت المفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن من حكمة مشروعيتها توقي العذاب، واستنزال رحمة الله وبيان ذلك أن المعاصي سبب المصائب، وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال، وبهذا جرت سنة الله تعالى، فقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: ٣٠)، وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب للمصائب والهلاك فقط يذنب الرجل أو الطائفة، ويسقط الآخرون فلا يأمرون ولا ينهون فيكون ذلك من ذنوبهم فتصيبه المصائب. وفي الحديث الشريف قال النبي ﷺ : ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه)).

стр. 31

وفي الصحيح أن النبي ﷺ دخل على زينب بنت جحش ﵂ ذات ليلة وهو يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه، قالت: قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث))، وقد قال الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٥). وكما أن المعصية سبب المصيبة والعذاب، فإن الطاعة سبب النعمة والرخاء ورضوان الله تعالى، وبذلك جرت سنة الله كما قال : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: ٧)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: ٤١، ٤٢)، وقال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٨). فالطاعة تجلب الخير والبركة والرحمة، والمعصية تجلب العذاب واللعنة، ولن تدفع اللعنة، ولن تستجلب الرحمة إلا بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه هي الحكمة من مشروعية الحسبة. مراتب الحسبة وأما مراتبها: فقد أشار إليها النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم وغيره، وهو حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبلقبه، وذلك أضعف الإيمان)). تكلم الحافظ ابن رجب ﵀ عن هذا الحديث في كتابه القيم (جامع العلوم والحكم)، وأورد الروايات لهذا الحديث المتصلة والمنقطعة، ثم قال

стр. 32

-﵀: "فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، أما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فما لم ينكر قلب المؤمن دلَّ على ذهاب الإيمان من قبله"، وقد روي عن أبي جحيفة قال: قال علي: "إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد جهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمتى لم يعرف قلبه المعروف وينكر المنكر نُكس فجعل أعلاه أسفله". وسمع ابن مسعود رجلًا يقول: "هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر". فقال ابن مسعود: "هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر" يشير بقوله إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك. وأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بحسب الطاقة، قال ابن مسعود ﵁: "يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره". وفي (سنن أبي داود) عن النبي ﷺ قال: ((إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها، فمن شهد الخطيئة فكرهها في قلبه كان كمن لم يشهدها، إذا عجز عن إنكارها بلسانه ويده، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها وقدر على إنكارها، ولم ينكرها))؛ لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في كل حال من الأحوال. وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﵌ قال: ((من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها أحبها فكأنه حضرها))، وهذا مثل الذي قبله؛ فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم في كل حال.

стр. 33

وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة كما في حديث أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﵌ قال: ((ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا؛ إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه)) أخرجه أبو داود بهذا اللفظ، وقال: "قال شعبة فيه: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر من من يعملوا". وخرج أيضًا من حديث جليل قال: سمعت النبي ﵌ يقول: ((ما من رجل يكون في قوم يُعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه فلم يغيروا؛ إلا أصابهم الله بعاقب قبل أن يموتوا))، وخرج أيضًا من حديث عدي بن عمير سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله تعالى العامة والخاصة)). وأخرج ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره، فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا ربي رجوتك وفرقت من الناس)). وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضًا، عن النبي ﷺ قال: ((ألا لا يمنعنَّ رجلًا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه، وبكى سعيد وقال: والله رأينا أشياء فهبنا)). ومن حديث أبي سعيد أيضًا قال ﷺ : ((لا يحقر أحدكم ن فسه، قالوا: يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه في مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له: ما منعك أن تقول فيَّ كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول الله: إياي كنت أحق أن تخشى)). قال الحافظ ﵀: "فهذان الحديثان محمولان على أن يكون المانع له من الإنكار مجرد الهيبة دون الخوف المسقط للإنكار"، قال سعيد بن جبير: "قلت لابن

стр. 34

عباس: أآمر السلطان بالمعروف وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفت أن يقتلك فلا، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، ثم عدت فقال لي مثل ذلك، وقال: إن كنت لا بد فاعلًا ففي بينك وبينه". وقال طاوس أتى رجل ابن عباس فقال: "ألا أقوم إلى هذا السلطان فآمره وأنهاه؟ فقال: لا تكن له فتنة، قال: أفرأيت إن أمرني بمعصية الله؟ قال: ذاك الذي تريد، فكن حينئذ رجلًا"، وقد ذكرنا من حديث المسعود الذي فيه: ((يخلف من بعدهم خلوف فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)) إلى آخره، وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد، وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله ﷺ بالصبر على جور الأئمة. وقد يُجاب عن ذلك أيضًا بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وأما الخروج عليهم بالسيف فيخشى منه الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين, نعم إن خشي في الإقدام على الإنكار على الملوك أن يغزى أهله أو جيرانه لم ينبغ له التعارض لهم حينئذ؛ لما فيه من تعدي الأذى إلى غيره، كذا قال الفضيل بن عياض وغيره، ومع هذا متى خاف منهم على نفسه السيف أو السوط أو الحبس أو القيد أو النفي، أو أخذ المال، أو نحو ذلك من الأذى؛ سقط أمرهم ونهيهم، وقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم قال أحمد: "لا يتعرض إلى سلطان فإن سيفه مسلول". بعد هذا البيان قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهنا يغلط فريقان من الناس، فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلًا لقول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم﴾ (المائدة: ١٠٥)، والفريق الثاني يريد أن يأمر وينهى إما بلسانه، وإما بيده مطلقًا من غير فقه وصبر وحلم ونظر في ما يصلح من ذلك، وما لا

стр. 35

يصلح، وما يقدر عليه، وما لا در عليه, ثم أطال الكلام ﵀ في هذا، وأجمله القاضي عياض في (إكمال المعلم بفوائد مسلم) فقال ﵀ في تفسير الحديث الذي هو عمدة هذا الدرس: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)). قال القاضي عياض ﵀: "الحديث أصل في صفة تغيير منكر، وعلم على العلم في عمله، فمن حق المغير أولًا أن يكون عالمًا بما يغيره، عارفًا بالمنكر من غيره، فقيهًا بصفة التغيير ودرجاته، فيغيره بكل وجه أمكنه زواله به، وغلبت على ظنه منفعة تغييره بمنزعه ذلك من فعل أو قول، فيكسر آلات الباطل، ويريق ظروف المسكر بنفسه، أو يأمر بقوله من يتولى ذلك، وينزع المغصوب من أيدي المعتديين بيده، أو يأمر بأخذها منهم، ويمكِّن منها أربابها، كل هذا إذا أمكنه، ويرفق في التغيير جهده بالجاهل أو بالعزة الظالم المخوف شره؛ إذ ذلك أدعى إلى قبول قوله، وامتثال أمره، وأسمع لوعظه وتخويفه، كما يستحب أن يكون متولي ذلك من أهل الفضل والصلاح لهذا المعنى، ويغلظ على المغتر منهم في غيِّه، والمسرف في بطالته, إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرًا أشد مما غير، أو كان جانبه محميَّا عن سطوة الظالم، فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرًا أشد من قتله، أو قتل غيره بسببه؛ كف يده واقتصر على القول باللسان والوعظ والتخويف، فإن خاف أيضًا أن يسبب قوله مثل ذلك غير بقلبه وكان في سعة، وهذا هو المراد بالحديث إن شاء الله، وإن وجد من يستعين به على ذلك استعانة ما لم يؤد ذلك إلى إظهار سلاح وحرب، وليرفع ذلك إلى من له الأمر إن كان المنكر من غيره، أو يقتصر على تغييره بقلبه". هذا هو فقه المسألة وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافًا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتل ونِيل منه كل أذى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 36

الدرس: ٣ الأصل التاريخي للحسبة .

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الأصل التاريخي للحسبة) الحسبة نظام إسلامي أصيل إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: الأصل التاريخي للحسبة: إن الواقع التاريخي والتشريعي لعمل المحتسب يبيِّن أن الحسبة نظام إسلامي أصيل بدأ مع نزول النصوص الشرعية التي جاءت تأمر وتحث على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظام الحسبة هو الجهاز الرقابي الذي بدأ العمل به في تاريخنا الإسلامي؛ للنهوض بمستوى المجتمع الإسلامي دينيًّا، وحضاريًّا، وأخلاقيًّا، وإداريًّا، وتربويًّا، وصحيًّا، ويرجع ذلك على عصر النبوة؛ حيث تولاها النبي -صلى الله عليه وسل م- بنفسه، وفعلها خلفاؤه من بعده إلى أن أصبحت من النظم الإسلامية الأساسية في حكومة المسلمين. ولذا نجزم بأن فكرة الحسبة بالمفهوم الفعلي قد ابتدأت مع البدايات الأولى لنشأة المجتمع الإسلامي في المدينة النبوية؛ حيث كان من حق أي مسلم أن يمارس الحسبة فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولكن هل الحسبة بشكلها الإداري المنظم بدأت بنشأة أول حكومة إسلامية، أي: في عهد النبي -صلى الله عليه وسل م- أم بعد ذلك؟ يرى بعض المؤرخين أن الحسبة كنظام حكومي من الوظائف التي نشأت في العصر العباسي، فقد ذكر الطبري في أحداث عامة مائة وستة وأربعين حين ولى المنصور أبا زكريا يحيى بن عبد الله حسبة بغداد في الأسواق سنة مائة وسبع وخمسين، وهناك رأي يقول: إنه ربما حدث ذلك التنظيم للحسبة في العهد الأموي، لكن هذا القول فيما نعلم لا يستند إلى ما يُوثقه، أما تنظيمها كولاية في العهد العباسي، فهذا شيء مؤكد. واختلفت أقول بعض من تعرضوا لتنظيم ولاية الحسبة، فبينما يراها البعض مؤسسة إدارية، يرى مؤلف آخر أنها نظام استخدم من أجل تطبيق المبدأ الإسلامي

стр. 38

العظيم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الواقع التشريعي لعمل المحتسب يبين أن الحسبة نظام إسلامي يطبق وينفذ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى هذا يكون ما ذهب إليه الفريق الثاني هو الصحيح، وأن الشواهد من الكتاب والسنة والسيرة تُبين لنا أن الرسول -صلى الله عليه وسل م- كان يحتسب بنفسه، وما قصته مع صاحب الطعام المبلول في السوق إلا شاهد على ذلك، وكذلك أقواله وأفعاله الأخرى مع أهل البيع والشراء، وكذلك خلفاؤه من بعده؛ لا سيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الذي يعتبره البعض المؤصل أو المنظر الحقيقي لهذا النظام، فقد ولى عبد الله بن عقبة النظر في الأسواق والتفتيش على المكاييل والموازين، وقد كان الخلفاء والولاة في الصدر الأول يباشرون أعمالها بأنفسهم، كما أشرنا من قبل، يبتغون إصلاح الرعية ويرجون جزيل الثواب. إذا عرفنا هذا فإن بعض الكتاب قد شذَّ وأصاب الشطط عندما زعم أن الحسبة ذات أصول بيزنطينية رومانية، وأن المسلمين لما فتحوا البلاد التي كان يحكمها الرومان البيزنطيون وجدوا هذا النظام يُطبق في تلك البلاد، لا سيما في الشام؛ فتأثروا به واستمروا في تطبيقه. فهذا النظام في تلك المدن البيزنطية كان على أساس أن شئون السوق خاضعة لتدخل الدولة، التي أوجدت موظفين مختصين للإشراف على أهل الحرف والمهنيين، وممن تحمس لهذا الرأي كاتب لبناني يُدعى نقولا زيادة في كتابه (الحسبة والمحتسب) حيث يقول: "وكانت مثل هذه التنظيمات قد انتشرت في الشرق الأدنى، واستمرت طيلة العهد البيزنطي حتى الفتح العربي -يقصد الإسلامي- فلما جاء العرب اقتبسوها دون تبديل أو تغيير، وذلك لأنه لم يكن لهم ما يمكن أن يقدموه بديلًا عنها".

стр. 39

ونحن نقول كما يقول صاحب كتاب (البنية الإدارية للدولة العباسية): إن وجود الحسبة في العصر البيزنطي لا يعني بالتأكيد إرجاع نظام الحسبة إلى جذور بيزنطية، ويكفي المتتبع للنصوص الشرعية -والتي هي الأصل الشرعي للحسبة، ولكتب التاريخ والسير- أن يعرف أن هذا النظام إسلامي نابع من عقيدة المسلم وشريعته التي تحثه على القيام به في نفسه ومع إخوانه داخل المجتمع الإسلامي؛ ليتم بناؤه على التقوى والصلاح والخير. ثم إننا نقول: إن المسلمين لم يقتبسوا هذا لنظام من البيزنطيين، فنهضة الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، وتعقيدها، وكثرة الصناع، والغش، والتدليسات التي كانت تصدر من ضعاف الإيمان، ومقاومة الحكومة الإسلامية لهذه النزعة في نفوس مثل هؤلاء المعتدين التي تجعلهم يقومون بما يعود ضرره على المصلحة العامة للمسلمين، كانت كلها من العوامل التي أدت إلى قيام نظام الحسبة في شكله المنظم كولاية إسلامية رسمية. أما من حيث القيام به كعمل فردي، فهذا كان يقوم به المسلمون منذ نزلت أول آية تأمر وتحث على إقامة المعروف وإنكار المنكر وتغييره. هذا، وقد يكون الأثر البيزنطي قاصرًا على التأثر في الهيكل التنظيمي للولاية فحسب، وإلا فالرقابة على الأسواق كانت ومنذ تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة النبوية؛ فقد استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسل م- سعيد بن العاص على سوق مكة، كما استعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وولى مرة أخرى عبد الله بن سعيد بن أمية بن العاص على سوق المدينة، وهذا كله قبل اتصال المسلمين بالتراث البيزنطي في البلاد المفتوحة. كذلك فنظام الحسبة ليس مقصورًا على منكرات الأسواق والمخالفات التي تقع فيها، بل هو شامل لكل أوجه الحياة، وحيث ما ظهر المنكر واندثر المعروف.

стр. 40

وممن نسبوا الحسبة في أصلها ونشأتها إلى أصول غير إسلامية، وتابع الكاتب السابق فيما ذهب إليه موسى لقبال في مؤلفه (الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي) مع بعض الإضافات، ومما قاله "وظهر أن هذه الوظيفة -يقصد وظيفة "أغورا توماس" أي: صاحب السوق- نقلت إلى بلاد الشرق في العصر الهيلنسي، وربما نقلت أيضًا إلى شبه جزيرة إيطاليا، ثم نقلت إلى بواسطة الرومان أنفسهم الذين أصبحوا سادة بلاد اليونان؛ لأننا عرفنا بين أنظمة الرومان نظام الكنسورة، وكان الكنسور موظفًا ساميًا م همته الرقابة العامة على الأسواق، وعلى الأخلاق، وعلى الإحصاء". والواقع أن موسى لقبال لم يق دم المصادر التي استقى منها معلوماته هذه، كما أن مسألة الأخلاق والمراقبة عليها مسألة نسبية. فإن الأخلاق والمُثُل الإسلامية تختلف كل الاختلاف عن تلك الأخلاق التي كانت سائدة في العصور الإغريقية والرومانية وغيرها، والواقع أن موسى لقبال قد ناقض نفسه كثيرًا عند الحديث عن الحسبة والمحتسب، وخلط بين المعلومات بصورة تومئ للقارئ عدم تمكن المؤلف من الفكرة التي يكتب عنها، فقد قال في بداية حديثة: إن في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى الأمر والمعروف والنهي عن المنكر، وفي سيرة الرسول الكريم ما يفيد أنه مارس مهام المحتسب. ثم نلاحظ أنه لم يقف عند هذا الحد بل أضاف يقول: "وأشرت إلى أن نشأتها في الدولة الإسلامية العربية كنوع من التأثر بما عُرف عند الإغريق في نظام الأغورا توماس الذي يشير إلى صاحب السوق عند الرومان في نظام الكنسورة".
следующие страницы →