← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8496

الحسبة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (344 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الدرس: ٣ الأصل التاريخي للحسبة .

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (الأصل التاريخي للحسبة) الحسبة نظام إسلامي أصيل إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: الأصل التاريخي للحسبة: إن الواقع التاريخي والتشريعي لعمل المحتسب يبيِّن أن الحسبة نظام إسلامي أصيل بدأ مع نزول النصوص الشرعية التي جاءت تأمر وتحث على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونظام الحسبة هو الجهاز الرقابي الذي بدأ العمل به في تاريخنا الإسلامي؛ للنهوض بمستوى المجتمع الإسلامي دينيًّا، وحضاريًّا، وأخلاقيًّا، وإداريًّا، وتربويًّا، وصحيًّا، ويرجع ذلك على عصر النبوة؛ حيث تولاها النبي -صلى الله عليه وسل م- بنفسه، وفعلها خلفاؤه من بعده إلى أن أصبحت من النظم الإسلامية الأساسية في حكومة المسلمين. ولذا نجزم بأن فكرة الحسبة بالمفهوم الفعلي قد ابتدأت مع البدايات الأولى لنشأة المجتمع الإسلامي في المدينة النبوية؛ حيث كان من حق أي مسلم أن يمارس الحسبة فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولكن هل الحسبة بشكلها الإداري المنظم بدأت بنشأة أول حكومة إسلامية، أي: في عهد النبي -صلى الله عليه وسل م- أم بعد ذلك؟ يرى بعض المؤرخين أن الحسبة كنظام حكومي من الوظائف التي نشأت في العصر العباسي، فقد ذكر الطبري في أحداث عامة مائة وستة وأربعين حين ولى المنصور أبا زكريا يحيى بن عبد الله حسبة بغداد في الأسواق سنة مائة وسبع وخمسين، وهناك رأي يقول: إنه ربما حدث ذلك التنظيم للحسبة في العهد الأموي، لكن هذا القول فيما نعلم لا يستند إلى ما يُوثقه، أما تنظيمها كولاية في العهد العباسي، فهذا شيء مؤكد. واختلفت أقول بعض من تعرضوا لتنظيم ولاية الحسبة، فبينما يراها البعض مؤسسة إدارية، يرى مؤلف آخر أنها نظام استخدم من أجل تطبيق المبدأ الإسلامي

стр. 38

العظيم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الواقع التشريعي لعمل المحتسب يبين أن الحسبة نظام إسلامي يطبق وينفذ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعلى هذا يكون ما ذهب إليه الفريق الثاني هو الصحيح، وأن الشواهد من الكتاب والسنة والسيرة تُبين لنا أن الرسول -صلى الله عليه وسل م- كان يحتسب بنفسه، وما قصته مع صاحب الطعام المبلول في السوق إلا شاهد على ذلك، وكذلك أقواله وأفعاله الأخرى مع أهل البيع والشراء، وكذلك خلفاؤه من بعده؛ لا سيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الذي يعتبره البعض المؤصل أو المنظر الحقيقي لهذا النظام، فقد ولى عبد الله بن عقبة النظر في الأسواق والتفتيش على المكاييل والموازين، وقد كان الخلفاء والولاة في الصدر الأول يباشرون أعمالها بأنفسهم، كما أشرنا من قبل، يبتغون إصلاح الرعية ويرجون جزيل الثواب. إذا عرفنا هذا فإن بعض الكتاب قد شذَّ وأصاب الشطط عندما زعم أن الحسبة ذات أصول بيزنطينية رومانية، وأن المسلمين لما فتحوا البلاد التي كان يحكمها الرومان البيزنطيون وجدوا هذا النظام يُطبق في تلك البلاد، لا سيما في الشام؛ فتأثروا به واستمروا في تطبيقه. فهذا النظام في تلك المدن البيزنطية كان على أساس أن شئون السوق خاضعة لتدخل الدولة، التي أوجدت موظفين مختصين للإشراف على أهل الحرف والمهنيين، وممن تحمس لهذا الرأي كاتب لبناني يُدعى نقولا زيادة في كتابه (الحسبة والمحتسب) حيث يقول: "وكانت مثل هذه التنظيمات قد انتشرت في الشرق الأدنى، واستمرت طيلة العهد البيزنطي حتى الفتح العربي -يقصد الإسلامي- فلما جاء العرب اقتبسوها دون تبديل أو تغيير، وذلك لأنه لم يكن لهم ما يمكن أن يقدموه بديلًا عنها".

стр. 39

ونحن نقول كما يقول صاحب كتاب (البنية الإدارية للدولة العباسية): إن وجود الحسبة في العصر البيزنطي لا يعني بالتأكيد إرجاع نظام الحسبة إلى جذور بيزنطية، ويكفي المتتبع للنصوص الشرعية -والتي هي الأصل الشرعي للحسبة، ولكتب التاريخ والسير- أن يعرف أن هذا النظام إسلامي نابع من عقيدة المسلم وشريعته التي تحثه على القيام به في نفسه ومع إخوانه داخل المجتمع الإسلامي؛ ليتم بناؤه على التقوى والصلاح والخير. ثم إننا نقول: إن المسلمين لم يقتبسوا هذا لنظام من البيزنطيين، فنهضة الحياة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، وتعقيدها، وكثرة الصناع، والغش، والتدليسات التي كانت تصدر من ضعاف الإيمان، ومقاومة الحكومة الإسلامية لهذه النزعة في نفوس مثل هؤلاء المعتدين التي تجعلهم يقومون بما يعود ضرره على المصلحة العامة للمسلمين، كانت كلها من العوامل التي أدت إلى قيام نظام الحسبة في شكله المنظم كولاية إسلامية رسمية. أما من حيث القيام به كعمل فردي، فهذا كان يقوم به المسلمون منذ نزلت أول آية تأمر وتحث على إقامة المعروف وإنكار المنكر وتغييره. هذا، وقد يكون الأثر البيزنطي قاصرًا على التأثر في الهيكل التنظيمي للولاية فحسب، وإلا فالرقابة على الأسواق كانت ومنذ تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة النبوية؛ فقد استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسل م- سعيد بن العاص على سوق مكة، كما استعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وولى مرة أخرى عبد الله بن سعيد بن أمية بن العاص على سوق المدينة، وهذا كله قبل اتصال المسلمين بالتراث البيزنطي في البلاد المفتوحة. كذلك فنظام الحسبة ليس مقصورًا على منكرات الأسواق والمخالفات التي تقع فيها، بل هو شامل لكل أوجه الحياة، وحيث ما ظهر المنكر واندثر المعروف.

стр. 40

وممن نسبوا الحسبة في أصلها ونشأتها إلى أصول غير إسلامية، وتابع الكاتب السابق فيما ذهب إليه موسى لقبال في مؤلفه (الحسبة المذهبية في بلاد المغرب العربي) مع بعض الإضافات، ومما قاله "وظهر أن هذه الوظيفة -يقصد وظيفة "أغورا توماس" أي: صاحب السوق- نقلت إلى بلاد الشرق في العصر الهيلنسي، وربما نقلت أيضًا إلى شبه جزيرة إيطاليا، ثم نقلت إلى بواسطة الرومان أنفسهم الذين أصبحوا سادة بلاد اليونان؛ لأننا عرفنا بين أنظمة الرومان نظام الكنسورة، وكان الكنسور موظفًا ساميًا م همته الرقابة العامة على الأسواق، وعلى الأخلاق، وعلى الإحصاء". والواقع أن موسى لقبال لم يق دم المصادر التي استقى منها معلوماته هذه، كما أن مسألة الأخلاق والمراقبة عليها مسألة نسبية. فإن الأخلاق والمُثُل الإسلامية تختلف كل الاختلاف عن تلك الأخلاق التي كانت سائدة في العصور الإغريقية والرومانية وغيرها، والواقع أن موسى لقبال قد ناقض نفسه كثيرًا عند الحديث عن الحسبة والمحتسب، وخلط بين المعلومات بصورة تومئ للقارئ عدم تمكن المؤلف من الفكرة التي يكتب عنها، فقد قال في بداية حديثة: إن في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى الأمر والمعروف والنهي عن المنكر، وفي سيرة الرسول الكريم ما يفيد أنه مارس مهام المحتسب. ثم نلاحظ أنه لم يقف عند هذا الحد بل أضاف يقول: "وأشرت إلى أن نشأتها في الدولة الإسلامية العربية كنوع من التأثر بما عُرف عند الإغريق في نظام الأغورا توماس الذي يشير إلى صاحب السوق عند الرومان في نظام الكنسورة".

стр. 41

وقد توسع الأستاذ رشاد في تفنيد كل ما جاء به الأستاذ لقبال، ومخافة الإطالة نقتصر على ما نذكره، وكان هذان الرجلان -أقصد نقولا زيادة وموسى لقبال- هما أكثر من خاض في أصل نشأة الحسبة، وأنه غير إسلامي. وممن خاض أيضًا في أصل الحسبة ونشأتها، وادَّعى أن هذا النظام وُجد عند الرومان قبل الفتح الإسلامي لبلاد الشام منير العجلاني؛ حيث قال: "ومن غير المستحيل أن يكون الأمويون قد أقاموا المحتسب الروماني في عمله مدة ما، كما أقروا مثلًا عامل الخراج ابن سرجون، لكننا نستطيع أن نجزم بذلك، ومهما يكن فإن الشام عرفت الحسبة في العهد الروماني، ثم عرفت الحسبة في العهد الإسلامي، وبين الحسبتين على تشابه اختصاصاتهما اختلاف غير قليل في الروح والأساليب، والباحث الفاحص يقف متسائلًا أمام هذا الكلام، يريد الدليل البين على أن مصطلح محتسب قد وُلد قبل الإسلام، ولكن الكاتب لم يسند قوله المتقدم بمرجع يُتعمد عليه، ولعله قد حكم بهذا من خلال اطلاعه على أعمال موظف كان يقوم بمراقبة الأسواق في العهد الروماني يسمى إيدل. أما الذي تشهد له مصنفات النظم الإسلامية والمعاجم اللغوية فهو أن لفظة محتسب لفظة إسلامية بحتة، ولا يمكن بحال أن نصرفها إلى أصل آخر حتى ولو تشابه المحتسب في بعض وظائفه وواجباته مع موظف الإيدل في العهد الروماني؛ فالتسمية المحتسب لم تأتِ من فراغ، فهي تمثل وتعني طلب الأجر من الله، وهذه غاية عظمى لا توجد في غير عقيدة المسلم، وهي تختلف اختلافًا جوهريًّا عن أي غاية أخرى، وإن وجد -كما قلنا- التشابه في بعض الواجبات والوظائف. وممن انبرى للرد على هذه المزاعم المشككة في أصل الحسبة ونشأتها الإسلامية الأستاذ الدكتور محمد كمال الإمام حيث يقول: "فلم يكن نظام الحسبة -كما ادعى المستشرقون ومن تابعهم من الكتاب- مستجلبًا من فكرة رومانية، أو

стр. 42

امتدادًا لنظام بيزنطي؛ لأن والي الحسبة لم يكن أبدًا فرضًا أو واقعًا مختصًّا بأمر السوق فحسب، بل إن نشاطه يمتد، واختصاصاته تتسع لتشمل كل المخالفات التي تقع في المجتمع الإسلامي، ويمكن الاحتساب فيها على عامة المسلمين، وعلى ذوي الجاه والسلطان، وأيضًا على الخليفة نفسه، وهذا ما ينطق به تاريخ الحسبة في النظام الإسلامي، وما يفرضه الحكم الشرعي الخاص بالحسبة". ونختم هذه الردود بالقول بأن هذا الفهم وهذا الشطط الذي ذهب إليه المستشرقون ومن تابعهم من كُتَّاب المسلمين وغيرهم، هو نتيجة الفهم الضيق لمفهوم الحسبة الشمولي العام في الإسلام، فهم نظروا إلى الحسبة من زاوية ضيقة جدًّا في أن جعلوا مهمة المحتسب مراقبة الأسواق، ومخالفات البيع والشراء، ولا ننكر بأن هذه الأمور مما يحتسب فيه المحتسب، ولكنها لا تشكل من دائرة عمل المحتسب الواسعة إلا مساحة صغيرة. وقبل أن ننتهي من إتمام الكلام نقول: إن الواقع يشهد بأن ما ذهب إليه هؤلاء الذين شكَّكوا في أصل الحسبة هو العكس؛ فإن الإفرنج الصليبيين قد ثبت أنهم استفادوا من نظام الحسبة، فبعد اتصالهم بالمشرق الإسلامي إبان الحروب الصليبية استفادوا من هذا النظام، ومما يؤكد هذا الكلام ما ذكره الأستاذ زكي النقاش في حديثه عن بلاد الشام بعد تأسيس المملكة الصليبية الأولى في القدس؛ فقد أثبت أن الصليبيين اكتسبوا منصب المحتسب، وعملوا به وطبقوه مع بعض التحويل. إذًا الحسبة نظام إسلامي أصيل بدأ مع نزول النصوص الشرعية التي جاءت تأمر وتحث على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تولاها النبي -صلى الله عليه وسل م- بنفسه وفعلها خلفاؤه من بعده إلى أن أصبحت من النظم الإسلامية الأساسية في حكومة المسلمين.

стр. 43

الحسبة في عهد النبي ﷺ - وها نحن نورد باختصار شيئًا من الحسبة في عهد النبي ﷺ وعهد خلفائه الراشدين الأربعة ﵃ أجمعين- فنقول: لقد بدأت الحسبة في عهده ﷺ بشكل فردي تتطوعي لا تديره ولاية، ولا يتم عن طريق تنظيم معين، فالحسبة كغيرها من أعمال وخطط الحكومة النبوية في المدنية النبوية، وفي بداية تأسيسها تدار بشكل فردي. وهذا شيء بدهي لكيان يتشكل ودولة تؤسس، فبالمحتسب الفرد بدأ نظام الحسبة، خاصة وأن نظام الحسبة لا يرتبط بنشوء الدولة؛ بل مارسها المسلمون منذ فجر الدعوة الإسلامية على وحي من النصوص التي جاءت تحث على القيام بها. ذلك لأن الحسبة من الأمور الهامة والضرورية لأي مجتمع يتطلع إلى أن يسود بين أفراده الصلاح والفضيلة؛ إذ بدونها -أي: الحسبة- لا يمكن أن يحافظ على تطبيق شرائع الإسلام بين أفراد الأمة، وعلى هذا فإن وجود الحسبة لا يتوقف على قيام الدولة ذات الكيان السياسي، وإنما الحسبة توجد أينما وُجد مسلمان فأكثر؛ لأن الحسبة هي النصيحة، والنصيحة بين المسلمين مطلوبة ومأمور بها شرعًا. ألم يقل النبي ﷺ : ((الدين النصيحة))، ويقول ﵊: ((المؤمن مرآة أخيه))، أي: أن المؤمن يرى أخطاءه من خلال نصح أخيه له، وهذه هي عين الحسبة. ولقد كان ﷺ قد بدأ بالحسبة بنفسه قولًا وعملًا؛ فبالحسبة الفعلية أنه ((مر يومًا على سوق المدينة، فوجد صاحب طعام يبيع، وكان قد أخفى الطعام المبتل بالماء داخل الطعام، فمدَّ النبي ﷺ يده في الطعام ووجد البلل، فقال لصاحب الطعام: ما هذا؟ قال: لقد أصابته السماء يا رسول الله -أي: نزل عليه المطر-

стр. 44

فقال ﵊: أفلا جعلته في أعلى الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منَّا))، فهذه صورة من صور احتسابه ﷺ في الأسواق. وصور احتسابه كثيرة جدًّا، بل كل ما أسداه للأمة، ووجهها إليها من خير وإن كان تكليفًا من ربه فهو صور حسبية، لكن من أمثلة احتسابه ﷺ في الأسواق ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄: "أن الناس كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهده ﷺ فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث تباع الأطعمة". وفيه أيضًا عن سالم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "رأينا الذين يبيعون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يذهبوا به إلى رحالهم". وصور احتسابه ﷺ في الأسواق وغيرها كثيرة، وهذه مجرد أمثلة، ولا نستغرب قيامه ﷺ بهذه العمل بنفسه؛ فقد كان ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، ويولي الأماكن البعيدة عنه بعض الصحابة، كما عرفنا من قبل توليته لعمر على سوق المدينة، ولسعيد بن العاص على سوق مكة، كما ولى على مكة أيضًا عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن العاص، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد، وبعث عليًّا ومعاذًا إلى اليمن. وذكر ابن عساكر أن النبي -صلى الله عليه وسل م- ولى عبد الله بن سعيد سوق المدينة، وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الأموال الزكوية السُّعاة، فيأخذونها ممَّن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله تعالى في القرآن، فيرجع الساعي إلى المدينة وليس معه إلا السوط، لا يأتي النبي -صلى الله عليه وسل م- بشيء إذا وجد لها موضعًا يضعها فيه.

стр. 45

وهذا من أظهر ما يكون من أمر الاهتمام بالحسبة في عهده صلى الله عليه وسل م، فاختيار الولاة الصالحين وأمرهم بتطبيق تعاليم الإسلام فيمن يولون عليهم هو عين الحسبة التي يقيمون به مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بين من وُلُّوا أمرهم، ثم كان -صلى الله عليه وسل م- لا يكتفي بأن يرسل الوالي دون محاسبة وتعقيب على ما يقوم به؛ فقد قال ابن تيمية ﵀: "وقد كان النبي -صلى الله عليه وسل م- يستوفي الحاسب على العمال، يحاسبهم على المستخرج والمصروف. كما في الصحيحين عن أبي حميد السعيدي ﵁: ((أن النبي -صلى الله عليه وسل م- ولى رجلًا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقات، فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم وهذا أه دي إليَّ، فقال النبي ﷺ : ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليه، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلًا على العمل مما ولانا الله فيغلُّ منه شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، وإن كانت بقرة لها خوار، وإن كانت شاة تيعر، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت))، قالها مرتين أو ثلاثة. وممن كان يتولى الحسبة من النساء في عهده -صلى الله عليه وسل م- وأقرها على ذلك سمراء بنت نهيك الأسدية، فقد ذكر ابن عبد البر أنها أدركت رسول الله -صلى الله عليه وسل م- وعمر، وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتضرب الناس -أي: الغشاشين منهم- بسوط كان معها. ولم تكن كذلك لتحاسب وتعاقب إلا عن أمر ممن له الأمر في ذلك الحين، وهو الرسول -صلى الله عليه وسل م، وهذا النص فيه إطلاق، أي: الذي يشير إلى تولي تلك المرأة الحسبة في السوق، وعلى ذلك فلا أرى تقييده بما قيده غير واحد بأنه قد يكون

стр. 46

احتسابها في أمر يخص النساء، وأعتقد أن هذا تكلف لا يسنده دليل يقيد حسبتها في ذلك، ولا ينافي هذا اشتراط الذكورة في المحتسب؛ لأن إثبات هذا العمل في المصادر القديمة لتلك المرأة هو بحكم النادر، والنادر لا حكم له كما هو معروف. ولفظ المحتسب لم يكن شائعًا ولا معروفًا في عهده صلى الله عليه وسل م، ولا في عهد الخلفاء الراشدين من بعده ﵃، ومما تجدر الإشارة إليه أن لفظ العامل على السوق أو صاحب السوق: هو اللقب الذي كان يطلق على من يتولى الإشراف على السوق، ومراقبة المكاييل والموازين طيلة عصر الرسول صلى الله عليه وسل م، ابتداء من هجرته إلى المدينة، وكذلك طوال فترة حكم الخلفاء الراشدين، وفي العصر الأموي، وبالأحرى في أوله، وفي آخر العصر الأموي وأول العصر العباسي بدأ ظهور لفظ المحتسب، وقد شاع بعد ذلك استعمال هذا اللفظ في العصر العباسي، وأنشأت ولاية تدير علمه سميت باسم ولاية الحسبة. وبهذا نصل إلى القول بأن الحسبة في عهده -صلى الله عليه وسل م- كانت عملًا فرديًّا تطوعيًّا، ولم تعرف باسم الحسبة، ولم يسمَّ من يقوم بها محتسبًا، وإنما يُسمى العامل على السوق، أو صاحب السوق. ولفظ المحتسب والحسبة عرف فيما بعد الصدر الأول من تاريخ الأمة الإسلامية. أما الحسبة في عهد الخلفاء الراشدين، فنقول: إن عهد الخلفاء الراشدين هو امتداد للعهد النبوي في كثير من جوانب الحكم والإدارة، فالعهدان معًا هما ما اصطلح على تسميته عند كثير من أهل العلم والتاريخ بالصدر الأول من التاريخ الإسلامي، وعهد الخلفاء الراشدين، وإن وجد فيه بعض التطوير والتغيير لنظم الإدارة في جوانب أخرى؛ لا سيما في منتصف خلافة عمر بن

стр. 47

الخطاب ﵁ ومن بعده من الخلفاء الراشدين؛ حيث استحدثت بعض الدواوين، ونظمت شئون الحكم للمقاطعات والولايات في الدولة الإسلامية، وجُعل على رأس كل ولاية أو مقاطعة أمير ينوب عن الخليفة في كثير من شئون الحكم والإدارة، إلا أنه فيما يتعلق بالحسبة ظل الأمير يسير على النمط نفسه الذي كانت تسير عليه الحسبة في عهده -صلى الله عليه وسل م- فلم تنشأ لها ولاية تتولى إدارة شئون الحسبة، وتأخذ الاسم نفسه الذي عُرفت به فيما بعد؛ بل كان يسمى من يقوم بعملية الاحتساب بين الناس، لا سيما إذا كان مكلفًا من قبل الخليفة كان يسمى عاملًا؛ سواء كانت حسبته في السوق أو في مراقبة مسائل اجتماعية أخرى تستدعي الاحتساب. الحسبة في عهد الخليفة أبي بكر ﵁ - وها نحن نضرب بعض الأمثلة لعهد كل خليفة على حدة ليتبين لنا كيف كانت الحسبة في عهدهم -رضوان الله عليهم أجمعين. الحسبة في عهد أبي بكر ﵁: فعلى الرغم من قصر فترة خلافته إلا أن ما قام به في هذه الفترة القصير عمل عظيم يُسجل له في الخالدين، الذين حفظوا للإسلام عزه وسؤدده وانتشاره، وكان في رأس كل أعماله موقفه الصلب القوي في حروب الردة؛ إذ جعل منه أعظم المحتسبين في التاريخ الإسلامي، فلولا توفيق الله أولًا، ثم ذلك الموقف الذي لم يرضخ فيه لبعض آراء الصحابة بألا يقاتل المرتدين؛ لما قامت للإسلام بعد ذلك قائمة، وكانت تلك الردة بداية سوسة تنخر في عظم الأمة حتى تقضي على دينها، ولكن لقوته ﵁ في الحق وقف وقفة مشهورة في وجه تيار الهجمة وحاربهم، وألزمهم الحق بالقوة، وقال قولته المشهورة: "والله لو منعوني عناق بعير كان يؤدونه لرسول الله -صلى الله عليه وسل م- لقاتلتهم على منعه". ولقد كان ظهور فتنة الارتداد على ثلاث صور: الأولى: الامتناع عن أداء الزكاة.

стр. 48

والثانية: ادعاء النبوة .. والثالثة: الارتداد مطلقًا. وأمام هذه الفتنة العمياء اشتدت الأهوال بالصديق وبسائر المؤمنين، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تصف ذلك الكرب الذي حل بالمسلمين: "لما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسل م- ارتدت العرب قاطبة، واشرأبت الأعناق، والله قد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسي ات لهاضها، وص ار أصحاب محمد -صلى الله عليه وسل م- كأنهم معزى مطيرة في حُشٍّ في ليلة مطيرة بأرض مسبعة". ولو أردنا أن نقف على جانب من احتساب الصديق بنفسه على هذا المنكر العظيم، وهذه الفتنة العمياء إلى جانب إسناده أمر الاحتساب في شأنها إلى رجال آخرين؛ لوجدنا أنه ﵁ قد خرج شاهرًا سيفه إلى ذي القصة لقتال القبائل المرتدة الذين جاءوا لمهاجمة المدينة النبوية. ولما طلب منه المسلمون البقاء في المدينة، وإرسال من ينوب عنه قال: "لا والله لا أفعل، ولأواسينَّكم بنفسي". ومن صور احتسابه ﵁: ما قام به مع أحد الصحابة -وهو عبد الرحمن بن عوف، ﵄ وهو ينازع جار له قائلًا له: "لا تماض جارك، فإنه يبقى ويذهب عنك الناس" أي: لا تشاتم جارك. ومنها: احتسابه على عمر بن الخطاب ﵁ حينما بلغه طلب الأنصار بتأمير شخص غير أسامة ﵁ عليهم، فقد نقل الطبري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأبي بكر الصديق ﵁: "إن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلًا أقدم سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر ﵁ وكان جالسًا فأخذ

стр. 49

بلحية عمر فقال: ثكلت أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله -صلى الله عليه وسل م- وتأمرني أن أعزله". ومنها: احتسابه في شأن مخنث وُجد في عهده بالمدينة النبوية، فلقد علم برجل مخنث فأمر بإخراجه فأخرج من المدينة، أخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: "أمر النبي -صلى الله عليه وسل م- برجل من المخنثين فأُخرج من المدينة، وأمر أبو بكر ﵁ برجل منهم فأخرج أيضًا". ومن صور احتسابه أيضًا: أنه ظهر في عهده ﵁ أن بعض النساء قُمن بقطع شعورهن، فسئل عن ذلك فقال: "على من فعلت ذلك أن تستغفر الله وتتوب، ولا تعود إلى مثله، قيل: فإن فعلت ذلك بإذن زوجها؟ قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قيل له: ولم لا يجوز لها ذلك؟ قال: لأنها شبَّهت نفسها بالرجال، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال))، ولأن الشعر للمرأة بمنزلة اللحية للرجل، فكما أنه لا يحل للرجل أن يقطع لحيته، فكذلك لا يحل للمرأة أن تقطع شعرها، قيل له: وإذا وصلت شعرها بشعر غيرها؟ قال: لا يحل لها ذلك". الحسبة في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ - أما الحسبة في عهد الفاروق عمر ﵁ فصورها كثيرة جدًّا: ومن صور احتسابه ﵁ في مجال العبادات: أنه جمع الناس على إمام لصلاة التراويح في رمضان حتى أصبحت بين المسلمين سنة يُعمل بها، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع

стр. 50

متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ﵁، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون" يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. ومنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال: "دخل رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسل م- المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب الناس، فقال عمر ﵁: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. فقال عمر: الوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- كان يأمر بالغسل". فهذه صور من صور احتساب عمر ﵁ على الناس في العبادات. أما احتسابه على عماله؛ فقد خطب ﵁ يومًا فقال: "أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقتصنَّ منه". وكان ﵁ إذا استعمل عاملًا اشترط عليه ألا يركب برذونًا، ولا ولا يلبس رقيقًا، ولا يأكل نقيًّا، ولا يتخذ بابًا دون حوائج الناس، فإن فعل شيئًا من ذلك جلب إليه العقوبة". وكتب ﵁ إلى عماله يحثُّهم على الصلاة فقال: "إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها وحفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواه أضيع".

стр. 51

ومن اهتمامه ﵁ بأمر الأسواق: أنه كان يطوف في الأسواق حاملًا درته م عه يؤدب بها من رآه مستحقًّا لذلك، روى ابن سعد عن أن س بن مالك ﵁ قال: "رأيت على عمر ﵁ إزارًا في أربع عشرة رقعة وما عليه قميص ولا رداء معتم معه الدرة يطوف في سوق المدينة". أما احتسابه ﵁ فيما يتعلق بالآداب العامة والأخلاق؛ فمنها: ما حكاه الماوردي عن إبراهيم النخعي: "أن عمر بن الخطاب ﵁ نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء، فرأى رجلًا يصلي مع النساء فضربه بالدرة، فقال الرجل: والله إن كنت أحسنت لقد ظلمتني، وإن كنت أسأت فما علمتني، فقال عمر: أما شهدت عزمتي؟ قال: ما شهدت لك عزمة، فألقى عمر الدرة إليه وقال: اقتص. قال: لا أقتص منك اليوم. قال: فاعفُ عني. قال: لا أعفو، فافترقا على ذلك ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان مني قد أسرع فيك. قال: أجل، قال: فأشهد الله أني قد عفوت عنك". وبلغه أن رجلًا يعقل النساء إذا أردن القيام فإذا قمن سقطن، فتتكشف الواحدة منهن فيضحك عليه بقية النساء، فدعاه وكلمه فأقر فضربه مائة، وهو معقول، ونهاه أن يدخل على النساء المغيبات. وأما احتسابه ﵁ فيما يتعلق بالحيوان؛ فقد روى المسيب بن دار قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يضرب رجلًا ويقول: حملت جملك ما لا يطيق".

стр. 52

الحسبة في عهد الخليفة عثمان، وعلي ﵄ - أما الحسبة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ فقد سارت على الطريقة نفسها التي سارت عليها في عهد من سبقه من الخلفاء، وقد أولاها ﵁ عناية خاصة بالإشراف على مصالح المسلمين، ومن ذلك ما يتعلق بالحسبة في الأسواق وغيرها، ومن حسبته على ولاته الذين أمرهم على الأنصار أنه كتب إليهم في أول ولايته يقول: "أما بعد؛ فإن الله أمر الأئمة أن يكون رُعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكون جباة، وإن صدر هذه الأمة قد خُلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يكون جباة ولا يكونوا رعاة، فإن عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء، فعليكم أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم وتأخذوا بما عليهم، ثم تثنوا بأهل الذمة فتعطوهم الذي لهم، وتأخذوا بالذي عليهم، ثم العدو والذي تنتابون، فاستفتحوا عليهم بالوفاء". أما احتسابه ﵁ بنفسه؛ فقد كان ينهى الناس عن اللعب بالنرد، وأمرهم بتحريقه أو كسره، ومن احتسابه أنه منع الناس من الانشغال في طيران الحمام، وكان من احتسابه أيضًا أن كان ينكر على من يراه على شر أو كان يحمل معه سلاحًا، ويأمر بإخراجه من المدينة. أما الحسبة في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁ ففي المسار نفسه وعلى الطريقة نفسها، كان يتم الاحتساب في عهده ﵁، وقد باشر ﵁ الحسبة بنفسه. ومن أظهر احتسابه في شأن الصلاة: أنه ﵁ كان شديد الاهتمام بأمر الصلاة، وكان يمر بالطريق مناديًا الصلاة الصلاة، كان يُوقظ بذلك الناس في صلاة الفجر، يحدث ابنه الحسن ﵁ عن خروجه في اليوم الذي طُعن فيه من بيته فيقول: فلما خرج من البيت نادى: "أيها الناس الصلاة الصلاة"، وكذلك كان يصنع

стр. 53

كل يوم ومعه درته، فاعترضه الرجلان فضربه أحدهما على دماغه. وكان ﵁ يمشي في السوق ومعه درته يأمر الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، روى ابن سعد في طبقاته عن الحر بن جرموز عن أبيه قال: "رأيت عليًّا ﵁ وهو يخرج من القصر إلى السوق وعليه قطريتان، إزار إلى نصف الساق ورداء مشمر قريب منه، ومعه درة له يمشي بها في الأسواق، ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع، ويقول: أوفوا الكيل والميزان، ويقول: لا تنفخوا اللحم". وكان ﵁ يستمر بالخروج إلى الأسواق وحده وهو خليفة المسلمين يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالباعة والبقالين، ويفتح عليه القرآن، ويقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣). ومن صور احتسابه ﵁: أنه كان يلاحق أهل الشر والفساد، فإذا ما ظفر بأحد منهم حبسه، روى القاضي أبو يوسف عن عبد الملك بن عمير قال كان علي ﵁ إذا وجد في القبيلة أو القوم الرجل الداعر حبسه، فإذا كان له مال أنفق عليه من ماله، وإن لم يكن له مال أنفق من بيت مال المسلمين، وقال: يحبس عنهم شره وينفق عليه من بيت مالهم. وبوقوفنا على هذه الصور الحسبية في عهد علي بن أبي طالب ﵁ نأتي على كل ما يتعلق بالحسبة في هذه الحقبة من تاريخ الإسلام، ويتبين لنا ما أكدناه مرارًا في هذا الدرس أن الحسبة نظام إسلامي أصيل ظهر مع أول آية نزلت من القرآن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وباشر النبي -صلى الله عليه وسل م- الحسبة بنفسه، وصار على سنته خلفاؤه الراشدون الأربعة، ثم استمر العمل بهذه الحسبة في العصور الإسلامية الأخرى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 54

الدرس: ٤ المحتسب (١) .

стр. 55

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (المحتسب (١)) تعريف المحتسب إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: المحتسب: هو من يأمر بالمعروف وينهى المنكر احتسابًا، إلا أن الفقهاء خصصوا هذا الاسم بمن يعينه ولي الأمر للقيام بالاحتساب، وسموا غير المعين بالمتطوع، وفرقوا بين المحتسب والمتطوع بفروق. يقول الإمام الماوردي في (الرتبة في طلب الحسبة): "المحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية، والكشف عن أمورهم ومصالحهم وابتياعاتهم، ومأكولهم، ومشروبهم، وملبوسهم، ومساكنهم، وطرقاتهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر". ويقول القاضي أبو يعلى الفراء: "والحسبة: هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله". وهذا وإن صح من كل مسلم، فالفرق بين المحتسب والمتطوع من تسعة أوجه: أحدها: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخل في فرض الكفاية. الثاني: أن قيام المحتسب به من حقوق تصرفه الذي لا يجوز أن يتشاغل عنه بغيره، وقيام المتطوع به من النوافل الذي يجوز التشاغل عنه لغيره. الثالث: أنه منصوب للاستعداء عليه فيما يجب، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء. الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعدى به، وليس على المتطوع إجابته.

стр. 56

الخامس: أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما تُرك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعين بحث ولا فحص. السادس: أن له أن يتخذ على الإنكار أعوانًا؛ لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب؛ ليكون له أقهر وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا. السابع: أن له أن يُعذر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها إلى الحدود، وليس للمتطوع أن يعذر على منكر. الثامن: أن له أن يرتزق من بيت المال على عمله، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكاره. التاسع: أن له اجتهاد رأيه فيما تعلق بالعرف دون الشرع، كالمقاعد في الأسواق وإخراج الأجنحة، فيقر وينكر من ذلك ما أبداه اجتهاده إليه، وليس هذا للمتطوع". وقد تكلم الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذه الفروق وبيَّن رأيه فيها، فقال: "هذه الفروق بُنيت على أساس التفريق بين المعين للحسبة وغير المعين لها، والواقع أن الحسبة من فروض الإسلام، فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قِبَل ولي الأمر، ومن ثَمَّ كانت تسمية غير المعين بالمتطوع تسمية غير دقيقة؛ لأنها تشعر بأن القيام بالحسبة من قبل غير المعين لها هو من قبيل القيام بالأمور المستحبة غير الواجبة. ومع هذا فإن تنظيم الحسبة وضبطها من قبل ولي الأمر، وتعيين الأكْفاء لها؛ حتى لا تسود الفوضى في المجتمع باسم الحسبة. أقول: إن هذا التنظيم من الأمور

стр. 57

الحسنة، ولكن بشرط ألا يكون هذا التنظيم مانعًا من قيام الآخرين بواجب الحسبة على الوجه المشروع، وعلى هذا لا نرى ما قاله الفقهاء من أن المحتسب له أن يتخذ أعوانًا. أما المتطوع فليس له ذلك؛ لأن اتخاذ الأعوان على الحسبة من التعاون على البر والتقوى، فلا ينبغي منع من يقوم بالحسبة من هذا التعاون بحجة أنه غير معين من قبل ولي الأمر ما دام صالحًا للحسبة، وتتوفر فيه شروطها". وكذلك لا نرى منع المتطوع من التعذير على المنكرات الظاهرة أو على الأقل لا نرى منعه من التعذير مطلقًا؛ لأن التعذير درجات، فينبغي ألا يمنع إلا من بعضها لا كلها، كأن يمنع من الضرب والجلد، وولاية المحتسب يستمدُّها من الشرع الشريف؛ لأن المسلم مكلف بالحسبة، وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كُلف به، إلا أنه في حالة قيام ولي الأمر بتنظيم أمور الحسبة، وتعيين الأكفاء لها، فإن المعين يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعين، ومع هذا، فإن ولاية المحتسب المعين من قبل ولي الأمر يستمدها من الشرع، وإن جاءت عن طريق ولي الأمر باعتبار أن تنظيم ولي الأمر الحسبة سائغ مشروع فكأن الشرع خوَّله ذلك. هذا هو المحتسب، والفرق بينه وبين المتطوع كما ذهب إليه الفقهاء، ورأي الدكتور عبد الكريم زيدان في هذه التفرقة. شروط المحتسب يُشترط لإيجاب الأمر بالمعروف والن هي عن المنكر اتفاقًا ببين العلماء ثلاثة شروط، وهي: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة،

стр. 58

واختلفوا في شرطين، وهما: العدالة، والإذن من الإمام. أما الإسلام: فلأن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو نصرة للدين فلا يقوم به من هو جاحد لأصل الدين، قال الله تعالى: ﴿الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (النساء: ١٤١). أما التكليف: فإنه شرط لوجوب سائر العبادات، فلا يجب الأمر والنهي على مجنون أو صبي؛ لأن القلم مرفوع عنهما، ولكن لو أنكر الصبي المميز جاز، وأثيب على ذلك لم يكن لأحد منعه؛ لأنها قربة إلى الله، وهو من أهل أدائها لا من أهل وجوبها قاله الغزالي والرافعي والنووي ﵏ وغيرهم، ولا أعلم في ذلك خلافًا، فإنه ليس لأحد منع الصبي من كسر الملاهي، وإراقة الخمر، وغيرهما من المنكرات. أما اشتراط الاستطاعة فلقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، ولقول النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((ما نهيتكم عن أمر فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم))، وقد يكون وجود الاستطاعة كعدمها أحيانًا، فيسقط الوجوب مع وجودها، كما إذا خاف على نفسه أو ماله مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الواقع.

стр. 59

أما العدالة: فقد ذهب قوم إلى أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يُشترط أن يكون عدلًا، وأنه ليس لفاسق أن يأمر وينهى، قال الإمام ابن النحاس: "وهذا من حيث الإطلاق فاسد". قال الإمام النووي في (شرح مسلم): "قال العلماء: لا يُشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما ينهى عنه؛ بل عليه الأمر وإن كان مخلًّا بما يأمر به، وعليه النهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه أمران: أن يأمر نفسه وينهاها، وأن يأمر غيره وينهاها، فإذا أخل بأحدهما كيف يحل له الإخلال بالآخر". وقال الإمام القرطبي في تفسيره في أوائل سورة "آل عمران": "ليس من شرط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عدلًا عند أهل السنة؛ خلافًا للمعتزلة حيث تقول: لا يغير المنكر إلا عدل، وهذا كلام ساقط". ثم قال المصنف: "ومما يدل على أن للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قول النبي ﷺ : ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) ". الشرط الخامس: وهو الإذن من الإمام، قال الإمام الغزالي: "قد شرط قوم أن يكون مأذونًا لهم من جهة الإمام، وهذا الاشتراط فاسد؛ فإن الآيات والأخبار تدل على أن كل من رأى منكرًا وسكت عنه، عصى أينما رآه وكيفما رآه، على العموم بلا تخصيص فشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له. قال الإمام الرافعي والإمام النووي وغيرهما: "لا يختص الأمر والنهي بأصحاب الولايات والمراتب، بل ذلك ثابت لآحاد الناس من المسلمين وواجب عليهم".

стр. 60

وقال إمام الحرمين: "والدليل عليه إجماع المسلمين بأن غير الولاة في الصدر الأول كانوا يأمرون الولاة وينهونهم، مع تقرير المسلمين إياهم على ذلك، وترك توبيخهم على التشاغل بذلك بغير ولاية". قال الإمام ابن النحاس: قلت: ويؤكد ما سبق من حديث طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري في الإنكار على مروان بن الحكم تقديمه الخطبة على الصلاة في العيد، واستدل على فعله بقول النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وقد تكلم الدكتور عبد الكريم زيدان عن هذين الشرطين المختلف فيهما، وهما: العدالة، وإذن الإمام؛ فقال: "أما الإذن من الإمام أو نائبه فهذا شرط محل نظر، ذلك أن المحتسب إذا عُيِّن من قبل ولي الأمر فلا حاجة له للإذن؛ لأنه ما عُين إلا للاحتساب، أما إذا لم يكن معينًا وهو الذي يسمونه المتطوع فإن اشترطوا له الإذن لكل نوع من أنواع الحسبة، فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه، بل إن النصوص تدفعه؛ لأن كل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه، وقدر على إزالته، دون اشتراط إذن من الإمام، ويؤيد ذلك استمرار السلف الصالح على الحسبة دون إذن من الإمام؛ فضلًا على أن الحسبة تجري على الإمام نفسه، فكيف يحتاج المحتسب إلى إذن منه للإنكار عليه. وإن اشترطوا الإذن بالنسبة لبعض أنواع الحسبة، وهي التي يجري فيها التعذير واتخاذ الأعوان، واستعمال القوة، فهذا الشرط له وجه مقبول لابتنائه على المصلحة؛ لأن إباحة هذا النوع من الاحتساب لكل أحد قد يؤدي إلى الفتنة والفوضى، ووقوع الاقتتال بين الناس بحجة الحسبة، وباشتراط الإذن تندفع هذه

стр. 61

الأضرار، فيلزم الإذن؛ لأن دفع الضرر واجب، وما يستلزمه هذا الدافع يكون مشروعًا، ومع هذا التوجيه المقبول نرى جواز تغيير المنكر من المتطوع إذا أمن الفتنة، وإن استلزم التغيير اتخاذ الأعوان، واستعمال القوة، ومباشرة التعزير كلما كان ذلك ضروريًّا، ولا يحتمل التأخير حتى يتحصل الإذن. وأما العدالة، فهذا شرط قال به البعض، فعندهم لا بد أن يكون المحتسب عدلًا غير فاسق، ومن مظاهر عدالته أن يعمل بما يعلم، ولا يخالف قوله عمله، ويمكن أن يستدل بهذا القول بقول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤). كما أن المطلوب من المسلم أن يعمل بما يدعو الناس إليه، ولا يخالف قوله فعله؛ ليكون لقوله التأثير المطلوب في رفع المنكر واستجابة الناس له، ولهذا قال شعيب ﵇ لقومه كما أخبرنا الله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨). وفي الحديث الشريف أن النبي -صلى الله عليه وسل م- قال: ((رأيت ليلة أسري به رجالًا تقرض شفاههم بالمقرايض، فقلت له: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)). وقال البعض الآخر: العدالة ليست شرطًا، وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر؛ لأنه ما من أحد إلا ويصدر منه العصيان، والمعصية تثلم العدالة، فكيف يُشترط ما يتعذر التحقق في المسلم، ولهذا قال سعيد بن جبير -رحمه الله تعالى: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء، لم يأمر أحد بشيء".

стр. 62

والراجح: عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ، ومن حيث الجملة دون التفصيل؛ لأن الاحتساب فرض كسائر الفروض الإسلامية، لا يتوقف القيام به على أكثر مما يتطلبه ويحتاجه هذا الفرض، وليس مما يتوقف عليه أن يكون المحتسب عدلًا بالاصطلاح المعروف عند الفقهاء؛ لأن ما يأمر به المحتسب أو ينهى عنه، هو من الأمور الحسنة المشروعة، والحق ينبغي أن يتبع ويقبل من قائله بغض النظر عن فعله وسلوكه، وما احتج به المشترطون لا حجة لهم فيه؛ لأن الذمَّ على من يأمر غيره بالمعروف وينسى نفسه إنما استحق هذا الذم بسبب ارتكابه ما نهى عنه، لا على نهيه على المنكر، وإن كان النهي على المنكر ممن يأتيه مستقبحًا في النفوس، كما أن أمره بالمعروف دلَّ على قوة علمه، وعقاب العالم وذمُّه إذا ارتكب المنكر أشد من الجاهل إذا ارتكب المنكر. وعليه، فإن الإنكار في قول الله تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ إنما كان بسبب أنهم نسوا أنفسهم لا بسبب أنهم أمروا غيرهم بالمعروف. هذا هو رأينا في المسألة واشتراط العدالة في المحتسب، ومع ترجيحنا عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ والأصل إلا أن العدالة لها تأثير في بعض أنواع الحسبة وفي وجوبها أو عدم وجوبها، ومن ثم يكون لاشتراط العدالة وجه مقبول، وبيان ذلك أن الحسبة إذا كانت بالوعظ والإرشاد؛ فإن نفعها المرجو يحصل إذا كان المحتسب ورعًا تقيًّا عدلًا، حيث يكون لكلامه ووعظه عادة تأثير في الناس وقبول عندهم، فيتركون المنكر، وحيث كان نفع الحسبة مرجوًّا بالوعظ ولا ضرر للمحتسب منه؛ كانت الحسبة عليه واجبة. فيكون اشتراط العدالة في هذه الحالة لوجوب الحسبة اشتراطًا مقبولًا.

стр. 63

أما إذا كان المحتسب فاسقًا غير عدل، فالغالب أن وعظه لا يؤثر ولا يقبل فلا يفيد، وإذا لم ينفع وعظه لم تجب عليه الحسبة؛ لفقدان شرط وجوبها وهو العدالة. أما إذا كانت الحسبة بالقوة والقهر فالعدالة ليست شرطًا في المحتسب؛ لوجوب الحسبة عليه، إذ الشرط لوجوبها عليه القوة والقدرة وليست العدالة، ولأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ومع هذا التفصيل الذي بيناه، فإنه مما لا ريب فيه أن من المرغوب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكون على أكبر قدر ممكن من العدالة، وتجنب ما يخدشها، وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره كان ذلك -كما قالوا- أزيد في توقيره، وأنفى للطعن في دينه، وتؤثر حسبته وتقبل، وإن كانت بالقوة والقهر. ومن شروط المحتسب: العلم، فيُشترط في المحتسب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبط، وقد جاء في الأثر: "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به فقيهًا فيما ينهى عنه"، ويدخل في حد العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها، ومجاريها، وموانعها؛ ليقف عند حدود الشرع، ولكن هل يشترط في المحتسب أن يكون مجتهدًا؟ الجواب بالإيجاب إذا قلنا للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه في الأمور المختلف فيها. أما إذا قلنا: ليس للمحتسب ذلك؛ فالاجتهاد ليس شرطًا، وإنما يكفي أن يكون عالمًا بالمنكرات المتفق عليها، وبالمعروف المتفق عليه، وعدم اشتراط الاجتهاد هو ما نرجحه.

стр. 64

ويقول الشيخ ابن عثيمين -رحمة الله عليه- في اشتراط العلم للمحتسب: "الأمر بالمعروف النهي عن المنكر يحتاج إلى أن يكون الإنسان عالمًا بالمعروف والمنكر، فإن لم يكن عالمًا بالمعروف؛ فإنه لا يجوز أن يأمر به؛ لأنه قد يأمر بأمر يظنه معروفًا وهو منكر ولا يدري، فلا بد أن يكون عالمًا أن هذا من المعروف الذي شرعه الله ورسوله، ولا بد أن يكون عالمًا بالمنكر، أي: عالمًا أن هذا منكر، فإن لم يكن عالمًا بذلك فلا ينهى عنه؛ لأنه قد ينهى عن شيء هو معروف، فيترك المعروف بسببه أو ينهى عن شيء وهو مباح، فيضيِّق على عباد الله بمنعهم بما هو مباح لهم، فلا بد أن يكون عالمًا بأن هذا منكر، وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين، فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكرًا، فيضيقون على عباد الله؛ فالواجب ألا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف، وألا تنهى عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر. كما يجب عليك أن تعلم بأن هذا الرجل تارك للمعروف، أو فاعل للمنكر، ولا تأخذ الناس بالتهمة أو بالظن، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: ١٢)، فإذا رأيت شخصًا لا يصلي معك في المسجد؛ فلا يلزم من ذلك أنه لا يصلي في مسجد آخر، بل قد يكون يصلي في مسجد آخر، وقد يكون معذورًا، فلا تذهب من أجل أن تُنكر عليه حتى تعلم أنه يتخلف بلا عذر، نعم، لا بأس أن تذهب وتسأله وتقول: يا فلان نحن نفقدك بالمسجد لا بأس عليك، لعل المانع خير، أما أن تنكر أو أشد من ذلك أن تتكلم في المجالس، فهذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري ربما يكون يصلي في مسجد آخر، أو يكون معذورًا في التخلف عن الجماعة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يستفهم أولًا قبل أن يأمر، فقد ثبت في (صحيح مسلم): ((أن رجلًا دخل يوم الجمعة والنب ي ﷺ يخطب، فجلس ولم يصلِّ تحية المسجد، فقال النبي ﷺ : أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصلِّ ركعتين))، ولم

стр. 65

يأمره أن يصلي ركعتين حتى سأله هل صلى أم لا، مع أن ظاهر الحال أنه رجل دخل وجلس ولم يصل، ولكن الرسول -صلى الله عليه وسل م- خاف أن يكون قد صلى وهو لم يشعر به، فقال: ((أصليت، فقال: لا، قال: قم فصل ركعتين)). كذلك في المنكر لا يجوز أن تُنكر على شخص إلا إذا علمت أنه وقع في المنكر، فإذا رأيت مع شخص امرأة في سيارة مثلًا، فإنه لا يجوز أن تتكلم عليه أو على المرأة؛ لأنه ربما تكون هذه المرأة من محارمه زوجة، أو أمًّا، أو أختًا، أو ما أشبه ذلك؛ حتى تعلم أنه قد أركب معه امرأة ليست من محارمه، وأمثال هذا كثير، والمهم أنه لا بد من علم الإنسان أن هذا معروف ليأمر به، أو منكر لينهى عنه، ولا بد أن يعلم أيضًا أن الذي وجه إليه الأمر أو النهي قد وقع في أمر يحتاج إلى أمر فيه أو نهي عنه. وهل يُشترط في المحتسب أن يكون عارفًا بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟ الواقع أن هذا التساؤل وراد؛ لأن عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن، والحرف ليتأكد من عدم غش أصحابها واحتيالهم، وإضرارهم بالناس؛ فقد ذكر الفقهاء أن على المحتسب أن يراقب أصحاب المهن والصنائع المختلفة، ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قبل الجُهَّال بها، ومن البديهي أن هذا لا يتأتَّى للمحتسب إلا إذا كان عارفًا بهذه الصنائع والحرف؛ بل ذهب الفقهاء إلى أن المحتسب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كطبيب العيون، ليتأكد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم. قال الفقيه عبد الرحمن النصر الشيزاري: "وأما الكحالون -يعني: أطباء العيون- فيمتحنهم المحتسب، فمن وجده فيمن امتحنه عارفًا بتشريح عدد

стр. 66

طبقات العين سبعة، وكان خبيرًا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير؛ أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس". كما صرح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها فمن أقوالهم: لما كانت هذه -أي: القناطير، الأرطال، والمثاقيل، الدراهم- أصول المعاملات، وبها اعتبار المبيعات؛ لزم المحتسب معرفتها، وتحقيق كميتها؛ لتقع المعاملة بها من غير غُبنٍ على الوجه الشرعي. وعلى هذا يجب على المحتسب أن يعرف ما يحتسبه فيه من المهن والحرف والصنائع، لكن يمكن أن يقال: إن إلزام المحتسب معرفة هذه الأشياء كلها أو أكثرها، بل وحتى بعضها مما يشقُّ عليه ويعسر، ولهذا نرى أن وجوب هذه المعرفة في المحتسب يمكن أن تحقق باستعانته بذوي الخبرة بهذه الأشياء؛ سواء كان هؤلاء الخبراء من أعوانه الدائمين أو من غيرهم، فيستشيرهم فيما يتحسب فيه من شئون هذه المهن والحرف والصنائع، ويأخذ بأقوالهم ما داموا أمناء ثقاتًا. ويشترط أيضًا في المحتسب: القدرة: أن يكون قادرًا على الاحتساب باليد واللسان، وإلا وقف عند الإنكار القلبي، وهذا اشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه، وبدون تعيين من ولي الأمر. أما المعين فإن القدرة حاصلة فيه؛ لأن الدولة معه، هذا ولا يقف سقوط وجوب الحسبة على العجز الحسي، بل يلحق به ما يخاف من المكروه الذي ينزل به ولا يطيقه على ما بيَّنه الفقهاء،

стр. 67

آداب المحتسب أول ما يجب على المحتسب أن يعمل بما يعلم، ولا يكون قوله مخالفًا لفعله، فقد قال الله ﵎ في ذم بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٤٤)، وخاطبنا الله نحن المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣). وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسل م- أنه قال: ((رأيت ليلة أسري بي رجالًا تُقرض شفاههم بالمقاريض، فقلت له: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم)). وقد قال الله تعالى مخبرًا عن شعيب ﵇ لما نهى قومه عن بخس الموازين ونقص المكاييل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: ٨٨). وقد قال القائل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ويجب على المحتسب أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى، وطلب مرضاته، خالص النية لا يشوبه في طويته رياء ولا مراء، ويتجنب في رياسته منافسة الخلق، ومفاخرة أبناء الجنس؛ لينشر الله عليه رداء القبول، وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة، وجلالة، ومبادرة إلى قبول قوله بالسمع والطاعة، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((من أرضى الله بسخط الناس كفاه شرهم، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إليهم، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله فيما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه)).

стр. 68

وقد ذُكر أن أتابك سلطان دمشق طلب محتسبًا، فذُكر له رجلٌ من أهل العلم، فأمر بإحضاره فلما نظره قال: "إني وليتك أمر الحسبة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إن كان الأمر كذلك فقم عن هذه الطُّرَّاحة -مرتبة يجلس عليها السلطان- وارفع هذا المسند، فإنهما حرير، واخلع هذا الخاتم فإنه ذهب، وقد قال -صلى الله عليه وسل م-: ((هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها))، فنهض السلطان عن طراحته وأمر برفع المسند، وخلع الخاتم من أصبعه، وقال: ضممت إليك النظر في أمور الشرطة، فما رأى الناس محتسبًا أهيب منه". وينبغي للمحتسب أن يكون مواظبًا على سنن رسول الله -صلى الله عليه وسل م- من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وتقليم الأظافر، ونظافة الثياب، وتقصيرها، والتعطر بالمسك، ونحوه، وجميع سنن الشرع ومستحباته، هذا مع القيام على الفرائض والسنن الراتبة؛ فقد نقل عن بعض أصحاب مذهب الشافعي ﵁: "أن العدل إذا أصر على ترك السنن الراتبة؛ كان ذلك قادحًا في عدالته". وقد حُكي أن رجل حضر عند السلطان محمود بمدينة غزنة يطلب الحسبة، فنظر السلطان فرأى شاربه قد غطى فاه من طوله، وأذياله تسحب على الأرض، فقال السلطان للشيخ: "يا شيخ امضِ واحتسب على نفسك، ثم عُد واطلب الحسبة على غيرك". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ضرورة الإخلاص لله، والتمسك بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسل م- في حق الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يقول: "وتحقيق ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من أوجب الأعمال، وأفضلها، وأحسنها، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: ٢)، وقد قال الفضيل بن عياض في تفسير هذه الآية: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: يعني: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصًا، ولم

стр. 69

يكن صوابًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة". فالعمل الصالح لا بد أن يُراد به وجه الله تعالى، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده، كما في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسل م- قال: ((يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشرك)). وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسوله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحًا وهو ما أمر الله به ورسوله، وهو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح، وكل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون؛ إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، وهو الحسن، وهو البر، وهو الخير، وضده المعصية، والعمل الفاسد، والسيئة، والفجور، والظلم. ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين النية والحركة، قال النبي -صلى الله عليه وسل م-: ((أصدق الأسماء حارث وهمام))، فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها أن يُراد الله بذلك العمل، والعمل المحمود الصالح، وهو المأمور به، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا". وإذا كان هذا حد كل عمل صالح، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحًا إن لم يكن بعلم وفقه،

стр. 70

وكما قال عمر بن عبد العزيز: "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وكما قال معاذ بن جبل: "العلم إمام العمل، والعمل تابعه"، وهذا ظاهر، فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلًا وضلالًا واتباعًا للهوى، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولا بد من العلم بحال المأمور والمنهي، ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والصلاح بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود. ومن آداب المحتسب: تقليل العلائق: رُوي عن بعض المشايخ أنه كان له قط، وكان يأخذ له كل يوم من الجزار شيئًا لغذائه، فرأى على الجزار منكرًا فدخل الدار، وأخرج القط، ثم جاء واحتسب على الجزار، فقال الجزار: لا أعطيك بعد اليوم شيئًا للقط، فقال الشيخ: ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج القط، وقطع الطمع منك، ويجب أن يلزم غلمانه وأعوانه بما التزمه من هذه الشروط، فإن أكثر ما تتطرق التهم إلى المحتسب من غلمانه وأعوانه، فإن علم أن أحدًا منهم أخذ رشوة أو قبل هدية؛ صرفه عنه لينفي عنه الظنون، وتنجلي عنه الشبهات، فإن ذلك أزيد لتوقيره وأتقى للطعن في دينه. وليكن سمته الرفق ولين القول، وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره الناس ونهيه، فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب وحصول المقصود، قال الله ﵎ لنبيه -صلى الله عليه وسل م-: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩). ولأن الإغلاظ في الزجر ربما أغرى بالمعصية، والتعنيف بالموعظة ينفر القلوب. حُكي أن رجلًا دخل على المأمون فأمره بمعروف ونهاه عن منكر، وأغلظ له

стр. 71

في القول، فقال له المأمون: يا هذا إن الله أرسل من هو خير منك لمن هو شر مني، فقال لموسى وهارون ﵉: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: ٤٣، ٤٤)، ثم أعرض عنه ولم يلتفت إليه. ولأن الرجل قد ينال بالرفق ما لا ينال فيما يأمر به من غير الرفق، يقول الشيخ ابن عثيمين ﵀ في الفرق بين المحتسب الرفيق والعنيف: "يُذكر أن رجلًا من أهل الحسبة -يعني: من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- في زمان مضى قديمًا مر على شخص يسقي إبله عند أذان المغرب، وعادة الناس أن يحدوا بالإبل -يعني: ينشد لها شعرًا من أجل أن تخف وتسرع؛ لأنه -سبحان الله- الإبل تطرب لناشدي الشعر- فجاء هذا الرجل ومعه غيره وتكلم على هذا بكلام قبيح على العامل الذي يسقي الماء، والعامل متعب من الشغل، وضاقت عليه نفسه، فضرب الرجل بالمسوقة -يقول الشيخ: وهي عصى طويلة متينة- فشرد الرجل وذهب إلى المسجد، والتقى بالشيخ عالم من العلماء من أحفاد الشيخ محمد بن الوهاب ﵀ وقال: إني فعلت كذا وكذا، وإن الرجل ضربني بالمسوقة، فلما كان من اليوم الثاني ذهب الشيخ بنفسه إلى المكان قبل غروب الشمس وتوضأ، ووضع عباءته على خشبة حوله، ثم أذن المغرب فوقف كأنه يريد أن يأخذ عباءته، فقال له: يا فلان يا أخي جزاك الله خيرًا، أنت تتطلب الخير في العمل هذا، وأنت على خير، لكن الآن أذن للصلاة، لو أنك تذهب وتصلي المغرب وترجع ما فاتك شيء، سبحان الله الكلام هين لين، فقال العامل للشيخ: جزاك الله خيرًا مر عليَّ رجل أمس جلف، وقام ينتهرني، وقال لي: أنت فيك ما فيك، وما ملكت نفسي حتى ضربته بالمسوقة، قال: الأمر لا يحتاج

стр. 72

إلى ضرب أنت عاقل، تكلم معه بكلام لين، فأسند المسوقة العصى التي يضرب بها الإبل، ثم ذهب يصلي بانقياد، وكان هذا؛ لأن الأول عامله بالعنف والثاني عامله بالرفق". ونحن وإن لم تحصل هذه القصة هذه الواقعة، فكلام رسول الله -صلى الله عليه وسل م- يكفينا، ففي الحديث أنه -صلى الله عليه وسل م- قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، وقال -صلى الله عليه وسل م-: ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه))، فعلى الآمر أن يحرص على أن يكون أمره ونهيه رفيقًا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 73

الدرس: ٥ المحتسب (٢) .

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (المحتسب (٢)) أهمية العمل بالعلم للمحتسب إن الحمد الله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أما بعد: نؤكد على ضرورة عمل المحتسب بعلمه، واجتهاده في القيام بالواجبات، وتركه المحرمات، واجتهاده بعد ذلك في فعل المندوبات، وترك المكروهات حتى تؤثر دعوته في النفوس، وتؤتي أكلها وثمارها، فإن الدعوة بالسلوك أكثر تأثيرًا في النفوس؛ ولذلك قيل: عمل رجل في ألف رجل خير من قول ألف رجل في رجل. فعلى المحتسب أن يعلم أن العمل بالعلم واجب، وأن من لم يعمل بما علم عذب. وقد كثرت في ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة. قال الخطيب البغدادي ﵀ في كتاب (اقتضاء العلم العمل) بعد أن حمد الله، وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ : ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه؛ فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا، وقيل: العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية. فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشًا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرًا في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قَلَّ نصيبك منهما، وما شيء أضعف من عالم، ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته، والقليل من هذا مع القليل من هذا أنجى في العاقبة؛ إذا تفضل الله بالرحمة، وتمم على عبده النعمة. فأما المدافعة، والإهمال، وحب الهوينى، والاسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل مع الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال ذميمة، وعقباها كريهة وخيمة.

стр. 75

والعلم يراد للعمل، كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرًا عن العلم، كان العلم كَلًا على العالم، ونعوذ بالله من علم عاد كلًّا، وأورث ذلًّا، وصار في رقبة صاحبه غِلًّا. قال بعض الحكماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلًا به أحب إلي من أن أدعه زهدًا فيه. وقال سهل بن مزاحم: الأمر أضيق على العالم من عقد التسعين، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته، لكن العالم أشد عذابًا إذا ترك ما علم فلم يعمل به. قال الشيخ ﵀: وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا؟ وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما؟ وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤ لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثواء قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨) ". والأدلة على ضرورة العمل بالعلم كثيرة جدًّا، ومما يدل على أهمية العمل بالعلم، وتأثير سلوك المحتسب في حسبته على الناس أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لم
следующие страницы →