← Адаб

Адаб · id 8497

فن المقالة

محمد يوسف نجم

Полный текст (120 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة: تصدر هذه الطبعة من هذا الكتاب، على كره مني. فقد كنت أتمنى أن تتاح إعادة النظر فيه، بعد أن مضي على طبعته الأولى زهاء أربعين سنة. وكم كنت أود أن أرى لزملائي من الباحثين، في الجامعة وخارجها، دراسات تسند هذه الدراسة وتضيف عليها، وتوسع بعض جوانبها. على أن ذلك لم يحدث لا في بلادنا العربية، ولا في الخارج. ولعل انصراف النقد العربي عن هذا الموضوع هو جزء من انصرافه العام عن العناية بفنون الأدب الحديثة، من قصة وأقصوصة ومسرحية، وإيثاره الترجمة على التأليف. أما النقد الغربي فلم تصدر فيه في السنوات الأخيرة، فيما أعلم، دراسة بوسعها أن تصحح رأيا أو تضيف جديدا. وأكثر عناية مدرسي الأدب وفنونه في الجامعات الغربية، وخاصة الأمريكية، منصبة على قراءة النصوص وتحليلها واستخراج القيم الفنية من داخلها. يضاف على هذا كله أن المقالة لم تعد في هذا القرن فنا من الفنون الأدبية التي تتجلى فيها قدرة الأديب على الإبداع؛ إذ تحولت إلى أداة سريعة في يد الصحافة، أو غدت وسيلة من وسائل الباحث؛ يعرض فيها رأيا في موضوعه، أو يبسط نتيجة من النتائج التي توصل إليها خلال دراساته، مما لا يمتد ويتفرع ليشغل كتابا بكامله. ولذا أصبح البحث في فن المقالة اليوم، لا يدخل في نطاق دراسة النثر الفني، بل أصبحت قواعده وشروطه ادخل في قواعد المباحث العلمية. ونحن نرى اليوم العديد من الكتب يصدر

стр. 2

ليعالج وسائل الباحث الحديث ومناهجه، والباحث هنا هو مؤلف الكتاب أو الدراسة المطولة، ومؤلف المقالة العلمية أيضا على ما فيها من إيجاز واحتجاز. ولذا بقيت دراسة المقالة، باعتبارها فنا أدبيا، مقصورة على دراسة أعلامها السابقين ابتداء من مونتين، ومرورا بكتاب مقالة المجلات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومثل هذه الدراسات وإن كانت تجلو جوانب كانت خفية في ذلك التاريخ، أو تبسط أمورا كانت موجزة فيه، فإنها لا تضيف على دراسة هذا الفن إلا القليل. محمد يوسف نجم

стр. 3

القسم الأول: المحاولات المقالية قبل مونتين تمهيد ... القسم الأول: المحاولات المقالية قبل مونتين ١- تمهيد: تجمع مراجع التاريخ الأدبي على أن الكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين، هو رائد المقالة الحديثة في الآداب الأوروبية. ولهذا يقسم مؤرخو الأدب تاريخ المقالة إلى طورين متباينين، يقف مونتين حدا فاصلا بينهما. والطور الأول هو الذي ظهرت فيه المحاولات المقالية في صورتها البدائية الفجة، حين كانت تجارب مضطربة لا يحكمها ضابط ولا يحدها قانون، وذلك قبل أن تتطور إلى صورتها الحديثة حين أخذت طريقها نحوالنضج والتكامل، واتخذت لها قالبا أضحى مقررا معروفا فغدت فنامن فنون الأدب المعترف بها، كالملحمة والقصيدة الغنائية والمسرحية والقصة والسيرة وما إلى ذلك. ولما كانت غايتنا في القسمين الأولين، أن نؤرخ بإيجاز لتطور هذا الفن الكتابي، رأينا أن نلم بتاريخ المحاولات البدائية التي تمت في الطور الأول، ثم نتقدم إلى تأريخ أدب المقالة، في طورها الحديث، الطور المونتيني، لكي يلمس القارئ بنفسه مدى التطور الذي لحق هذا الفن الأدبي في الطورين السابقين.

стр. 4

٢- بذور المقالة في الآداب الشرقية القديمة: ظهرت بذور الأدب المقالي، بأنواعه المختلفة، في الآداب القديمة قبل القرن السادس عشر. وهذا الأمر ليس مظنة الاستغراب، فالمقالة في حقيقتها، شأن سائر فنون الأدب الأخرى، تقوم على ملاحظة الحياة وتدبر ظواهرها وتأمل معانيها. وهذه ظاهرة نفسية رافقت الانسان منذ ظهوره على وجه الأرض؛ إذ هي مركبة في طبيعته، بل هي جوهر جبلته التي فطر عليها. وقد عبر عنها منذ فجر التاريخه في تهاويل السحر ورسوم الكهوف، ووجدت في أحاديثه ومسامراته قبل عهد التدوين متنفسا ومراحا, وأصبح من عادة هذا الإنسان المتأمل فيما بعد، أن يدون نتيجة تأملاته وخاطراته على صورة ساذجة تتسم بالبساطة والعفوية دون أن يشق على نفسه في خلق قالب فني محدد، أو لعله لم يكن من الفطنة والحذق بحيث يتيسر له ذلك. وهذا ما نجده في أمثال الأمم وجوامع كلمها وللعرب حظ عظيم منها يرجع إلى عهود موغلة في القدم، وعليها يعتمد الباحثون في دراسة تطورهم العقلي، والمرتبة التي بلغوها في تمرسهم بالحياة واختيارهم لها وتأملهم معانيها. ثم إن لها فائدة أخرى في نظر الباحثين، فهي تختلف عن الشعر بصدورها في الأكثر عن عامة أبناء الشعب وأوشابهم، بينما يصدر الشعر عن طبقة ترتفع بعقليتها عن مستوى العوام، وتلتمس لفنها ألوانا من الصقل والتهذيب، لا يأبه لها أصحاب الأمثال الذين اعتادوا أن يلقوا بها في المناسبات التي تعرض لهم، تعبيرا ساذجا سريعا عن إحساس فطري تلقائي. وهذا هو شأن الأمم جمعاء في أطوار بداوتها. والمثل قريب بطبيعة وضعه وصياغته من فن المقالة، التي أراد لها مونتين أن تكون صورة صادقة عن إحساسه بالحياة وتأمله لها، لا يلحقها أي تشذيب أو تصنع. وخير صورة نقع عليها لمثل هذه الحكم الشعبية، ما نجده في بعض أسفار العهد القديم، وخاصة في أسفار الحكمة وهي "الأمثال" و"الجامعة" و"سفر يشوع بن سيراخ". فهذه الأسفار الثلاثة، توضح لنا المراحل الثلاث، التي تجتازها الملاحظات العابرة، حتى تغدو نوعا من الأدب المقالي. ففي المرحلة الأولى تظهر على صورة الأمثال والأقوال

стр. 5

السائرة، وجوامع الكلم التي لا تنتظمها وحدة شاملة١..وفي المرحلة الثانية تستقطب هذه الأمثال والأقوال الحكمية، حول فكرة واحدة، هي فكرة الملك والجاهل، وهذه الفكرة الموحدة، أو الموضوع العام، هي البداية الحقيقية لفكرة وضع عنوان لكل مقالة٢. وفي المرحلة الثالثة، نجد أن هذه الأمثال التي دارت حول فكرة واحدة، قد اتسع نطاقها حتى شملت مجموعة من الأفكار التي تنتظمها وحدة موضوعية. فأصبح المثل الموجز المركز موضوعا عاما يتيح للكاتب أن يحيل قلمه في حديث مسهب، وأن يفيض في عرض أفكاره وبسط نظراته، وهنا نقع على الصورة الموجزة للمقالة الحديثة٣. ويعكس لنا الأدب الصيني القديم الذي يدور حول الموضوعات الدينية والفلسفية مثل هذه المراحل أيضا، وخاصة في الأقوال المأثورة التي تنسب إلى كونفوشيوس "حوالي ٥٠٠ ق. م"، وكذلك في آثار تسي زي في ذلك العهد، ثم في كتابات منشيوس "حوالي ٣٠٠ ق. م"، أكبر أتباع كونفوشيوسي، وخاصة في تلك الفصول التي كتبها عن الحب الكوني. ثم في تعاليم لاووتس، في أوائل القرن السابع ب. م. التي ضمنها كتابه "الطريق".

стр. 6

٣- في أدب الإغريق والرومان: بيد أننا نعثر في آثار الإغريق والرومان الأدبية أيضا، على صورة متطورة لهذه المحاولات البدائية، حيث نقع على تباشير المقالة الحديثة على أنواعها. والأدب الإغريقي قبل الفتح الروماني، لا يقدم لنا الكثير مما نستطيع أن نعتبره نماذج ساذجة للمقالة الحديثة، مع ما بلغه من تقدم في الفنون الأدبية الأخرى كالملاحم والمآسي والملاهي. ولكن تلك الفترة التي تنتهي حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، كانت المعين الثر الذي استقى منه أدباء الإغريق المتأخرون، وكذلك أدباء الرومان، الذين قدموا بين يدي المقالة الحديثة آثارا فذة، أتيح لهم أن يوفقوا إلى إنتاجها بسبب الظروف المواتية التي أحاطت بهم آنذاك. ولعل أجدرها بالذكر، تلك الفترة الطويلة من السلم والازدهار، وما هيأته لهم من الفراغ والدعة والطمأنينة، وما شملهم فيها من رعاية أولى الأمر وحدبهم وتقديرهم. وهذا لا ينفي أن تباشير المقالة قد ظهرت في آثار بعض كتاب الإغريق أمثال فيثاغورس وهيردوتس وثيوكديدس وأكزينوفون وديموسثنيس وأبيقور وبوليبيوس وديونيزيوس ولوسيان ولونجينوس وأثينايوس وسواهم، ممن عاشوا في الفترة التي امتدت من القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن الثالث بعده. كما أن أساليب بعض الفلاسفة والكتاب أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وثيوفراسطوس وفلوطارخوس، كانت ذات أثر مباشر في أساليب بعض أنواع المقالة الحديثة. فأسلوب الحوار ظهر مشرقا بارعا في آثار سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس. وقد امتاز أفلاطون فضلا عن ذلك، بالحرية في التعبير والانطلاق في الحديث، وهاتان الميزتان ظهرتا

стр. 7

فيما بعد بجلاء في مقالات مونتين رائد المقالة الحديثة. كما أن كتابات أرسطوطاليس التي تميزت بالتركيز والشمول ودقة المنطق، كانت ذات أثر بالغ في مقالات باكون. زد على ذلك أنه قدم لنا أول مقالة نقدية تمتاز بعمق في التفكير ودقة في التحليل، وذلك في فصل المأساة من "كتاب الشعر". ويعتبر ثيوفراسطوس، تلميذ أرسطوطاليس، رائدا لمقالة الشخصيات وقد جال في كتابه "شخصيات"، جولات موفقة في تصوير بعض النماذج البشرية الشريرة، وهو بهذا يعتبر الكاتب الإغريقي الوحيد الذي استطاع أن يشق الطريق لهذا النوع من المقالة، وأن يضع خطوطها الأولى جلية موحية. أما فلوطارخوس فقد وضع أسس المقالة التأملية في كتابه "أخلاقيات" "Moralia" وخاصة في فصله الذي سماه "تأخير الطعام". وهو أقوى الكتاب القدامى، باستثناء سنيكا، أثرا في رائدي المقالة الحديثة: مونتين وباكون. وكذلك الشأن في الأدب اللاتيني، فإننا نجد آثار بعض أعلامه بذورا لبعض أنواع المقالة الحديثة، كالمقالة الوصفية والنقدية والتأملية. ونذكر منهم كانوا الأكبر يوليوس قيصر وسالوست وليفي وبليني الأكبر وتاكتوس وديوجينس ومرسيلينوس وكلوديان الشاعر. وهؤلاء جميعا عاشوا في الفترة الممتدة من القرن الثاني قبل الميلاد، إلى القرن الرابع بعده. إلا أن هنالك بعض الكتاب الذين تركوا أثرا أبلغ، ومنهم هوارس الذي تعتبر رسالته "فن الشعر" مقالة نقدية كتبت نظما. وكونتليان "في القرن الأول ب. م" الذي عالج في كتابه "قواعد الخطابة"، ووسائل تدريب الخطيب، وطرفا من تاريخ الأدبين الإغريقي واللاتيني، وكان له بذلك

стр. 8

قيمة تربوية وتاريخية. وكذلك تلميذه بليني الأصغر، الذي تعتبر رسائله نوعا من مقالات الرسائل. ومنهم الإمبراطور ماركوس أوريليوس "في القرن الثاني ب. م" الذي يعكس كتابه "التأملات" صفات المفكر المتأمل الذي يفيض خواطره على القرطاس بأسلوب متدفق حر طليق، وهو الأسلوب الذي كتب به المقالة فيما بعد. ولكن أهمهم دون شك، وأشدهم اتصالا بموضوعنا، شخصيات ثلاث تألقت في سماء الأدب اللاتيني وهم: شيشرون "١٠٦-٤٣ ق. م" وسنيكا "توفي ٦٥ ب. م" وأولوس جيليوس "في القرن الثاني بعد الميلاد". وقد قدم شيشرون لرواد المقالة الحديثة، وخاصة في مقالتيه "الشيخوخة" و"الصداقة"، مثلا يحتذى من حيث الصورة والمضمون. ولكن سنيكا تفوق عليه في ذلك إذ كانت رسائله إلى لوسيليوس، كما قفال باكون، نوعا من المقالات أو "المحاولات". وهي تعكس لنا مدى تحضره وعمق تأملاته الرواقية، وسموه عن مستوى العامة في التفكير، وبراعته في التحليل بأسلوب بليغ يجمع بين القوة والسلالة، وبهذا كانت معينًا ثرًّا نهل منه كتاب المقالة الأول في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بل إن مونتين نفسه نظر إلى أسلوبها في عدد من مقالاته. و"الليالي الأتيكية" لجيليوس، من أقرب المحاولات الأدبية إلى صورة المقالة الشخصية التي عرف بها مونتين. وهي تحتوي تعليقات موجزة حرة، تتناول بعض الموضوعات التي عبر بها الكاتب أثناء مطالعته.

стр. 9

٤- في العصور الوسطى: وعندما طويت صحفة الرومان في سجل التاريخ، وقامت على أنقاضهم المسيحية مسيطرة عصفت بالوثنية والإشراك، تردى الأدب في هوة لا قرار لها، واستمر في ترديه هذا فترة نيفت على قرون عشرة. وانتهت مقاليد الأدب إلى أيدي فئة من الوعاظ كان همهم الأول خلاص الإنسان من سجن الجسد وتحرره من ربقة الشهوات التي كان يرسف فيها سادرا في غية لا يثنيه رادع من اخلاق أو دين.. فكانت هذه الفترة مرحلة ركود اندثر فيها هذا النوع من الكتابة الأدبية أو كاد، كما اندثر غيره من الأنواع إلى أن قيض له الانتعاش ثانية على أيدي رجال النهضة. إلا أن نوعا واحدا من أنواع المقالة البدائية، التي بذرت بذورها في عهد الرومان، كتب له أن يوفق ويزدهر في هذه الفترة، وهو المقالة التأملية الفلسفية. فطبيعة الحياة آنذاك كانت تقتضي وجود مثل هذا النوع الذي كان يصطنع في أكثر الأحيان لجلاء العقيدة والذب عنها ورد كيد خصومها ومقارعتهم الحجة بالحجة. ثم إن منابر الوعظ ومحافل العبادة، كانت تهيئ الفرص للتنافس، وتغري بالاتقان والتجويد. ولعل "اعترافات القديس أغسطين" "حوالي ٤٠٠ ب. م"، هي أبرع استهلال لهذا النوع. ثم تلتها "مباهج الفلسفة" لبوثيوس "حوالي ٥٠٠ ب. م"، وبعد ذلك نستطيع أن نرصد تطور هذا النوع في كتابات بيد وألفرد الكبير وتوما الأكويني وجيرالدوس كمرنس وسواهم، حتى أواخر القرن الرابع عشر. ويدخل في نطاق هذه الفترة أيضا بعض المترسلين الفرس أمثال نظامي الكنجوي "في القرن الثالث عشر"، وسعدي الشيرازي "في القرن الثالث عشر" الذي اشتهر بكتابه "الكلستان" وبرسائله، وكذلك مندفيل وشوسر من الكتاب الإنكليز، وقد عكسا في كتاباتهما بعض سمات المقالة الوصفية، والمقالة القصصية.

стр. 10

٥- عصر النهضة: وكان الانقلاب الذي رافق عصر النهضة، مدعاة إلى وصل ما انقطع من التقاليد الأدبية عند الإغريق والرومان. وهكذا عاد فلوطارخوس وسنيكا وشيشرون ثانية إلى تبوء مكان الصدارة. وظهر في هذه الفترة بعض الأعلام الذين مهدوا السبيل أمام ازدهار هذا الفن الأدبي.. نذكر منهم على سبيل المثال، لا الحصر، دانتي وبترارك ومكيافيلي وسانسوفدو وسافونا رولا وأرازمس ولوثر ومرغريت النافارية ورابليه. وهؤلاء جميعا عاشوا بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر. وسارت المقالة في إنكلترا خلال ذلك، على مثل هذه الوتيرة، وظهرت بذورها في آثار بعض كبار الأدباء أمثال توماس أليوت، وروبرت أشام، وتوماس ولسون، وفيليب سدني، وجون ليلي، وروبرت جرين، وجورج غاسقوينه وصمويل دانيال، وتوماس مور، ووالتر رالي.

стр. 11

٦- في الأدب العربي القديم: آثرت تأخير الحديث عن بذور المقالة في الأدب العربي، لكي أتناولها في شيء من التفصيل. فقد ظهرت المقالة في أدبنا منذ القرن الثاني للهجرة. وتمثلت على أحسن صورها في الرسائل، وخاصة الإخوانية والعلمية. فلو نحينا جانبا الرسائل الديوانية التي كانت تتحجر في كل عصر، في قوالب معينة يرثها الخلف عن السلف، والتفتنا إلى الإخوانيات، وما تدور عليه من مسامرات ومناظرات وأوصاف وعتاب، وإلى الرسائل التي كانت تتناول الموضوعات التي تفرد بها الشعر كالغزل والمديح والهجاء والفخر والوصف، لوجدنا أنها تعكس خصائص المقالة، لا كما عرفت في طورها الأول الذي استمر حتى القرن السادس عشر، بل كما عرفت عند رائديها في فرنسا وإنكلترا. ولولا أنها تطورت هذا التطور المرذول الذي طبعها بطابع الصنعة الثقيلة الممجوجة، في الأسلوب الإنشائي وفي الصور البديعية والبيانية، لكانت المثل البكر لفن المقالة كما عرفتها الآداب الأوروبية الحديثة. وإذا تصفحنا كتب الأدب ومصادر التاريخ وجدنا أمثلة كثيرة تدعم هذا الرأي الذي نذهب إليه. فصفة الإمام العادل، للحسن البصري، مثل جيد على المقالة الأخلاقية. وفيها يقول: "اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق، الذي يرتاد لها أطيب المراعي ويذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده. هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله،

стр. 12

فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها. وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده. وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر. واعلم أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا، فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهليين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة، فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك. وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك". ففي هذه القطعة صورة دقيقة للإمام العادل كما يراه الحسن البصري، تتصل باتجاه الحسن الأخلاقي الوعظي أشد اتصال، وتعكس لنا حرصه على التشخيص وإخراج الصور من دائرة الرمز إلى دائرة الواقع المشرق لتكون أقوى دلالة وأكثر جدوى في إبراز الموعظة الحسنة. ورسالة عبد الحميد إلى الكُتَّاب، التي تضع دستورا للكتابة الديوانية ولأخلاق الكُتَّاب، قريبة الشبة بالمقالة النقدية الحديثة، من حيث الموضوع والأسلوب. وكذلك رسالته إلى ولي العهد، التي تدور حول ما يجب أن تكون عليه أخلاقه في سيرته الخاصة وفي علاقاته مع أفراد حاشيته من القواد والموظفين، وحول تنظيم الجيوش، تعتبر مقالة في السياسة وتدبير الحاشية. وكذلك رسالتاه عن الشطرنج والصيد تقتربان، إلى حد ما، من أسلوب المقالة الحديثة، ورسالة سهل بن

стр. 13

هارون إلى بني عمه في مدح البخل وذم الإسراف، مثل على المقالة الفكاهية وهي شديدة الشبه بمقالات أديسون وستيل. ورسالة الصحابة لابن المقفع، مقالة في سياسة الدولة وتدبير الرعية، وفي نقد نظام الحكم ووجوه إصلاحه، ورسائل الجاحظ، وفصول كتبه التي كادت تلم بكل موضوع، وما فيها من فكاهة عذبة، وانطلاق في التعبير وتحرر من القيود، وتدفق في الأفكار وتلوين في الصور، وتنويع في موسيقى العبارات، خير مثل على النموذج المقالي في الأدب القديم. وقد وصفها المسعودي في مروج الذهب، وصفا يدعم هذا الرأي، فقال: "وكتب الجاحظ مع انحرافه المشهور تجلو صدأ الأذهان وتكشف واضح البرهان لأنه نظمها أحسن نظم ورصفها أحسن رصف وكساها من كلامه أجزل لفظ. وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خرج من جد إلى هزل ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة١. وحسبنا مثلا على مقالاته التصويرية، كتاب "البخلاء"، الذي صور فيه حياة البصرة وبغداد في عصره، أحسن تصوير وأدقه، وعرض نماذج رائعة من البخل، في أشخاص بعض معاصريه، وبعض من أبدعتهم مخيلته منهم، على غير نسق موجود، وبأسلوب تفرد به وأصبح علما عليه. وفي القرن الرابع خطت الرسائل المقالية خطوة ذميمة نحو التكلف والرهق، فغدت، وإن تنوعت موضوعاتها، متحجرة الأسلوب، مما يبعدها في نظر النقد عما يقتضيه أسلوب المقالة الحديثة من تدفق وحرية وانطلاق. ولا نجد في هذا القرن كاتبا يعادل أبا حيان التوحيدي في طلاقة تعبيره وغزارة معانيه وبراعة تصويره. فرسائله -على ما يتسم به

стр. 14

بعضها من الطول- شديدة الشبه بالمقالات الموضوعية الحديثة. وفي فصول مقابساته مشابه من المقالات التأملية والفلسفية، وفي "الإمتاع والمؤانسة" صور شخصية بارعة، ولعل أصلحها للتمثيل في معرض الحديث عن المقالة، وصف الصاحب بن عباد، فهي مقالة هجائية بارعة، التزم فيها أسلوبا هادئا رصينا، خاليا من التهجم المفضوح والسباب البذيء، حتى لا يفوت على نفسه الغرض الذي رمى إليه. وما أقرب روحها من روح مقالات أديسون وستيل الهجائية الساخرة، التي كانا يصطنعان لها أسلوبا مبطنا لا يتورطان فيه بالتهكم الصارخ والضحك المجلجل، قال: "إن الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان، قد نتف من كل أدب خفيف أشياء وأخذ من كل فن أطرافا. والغالب عليه كلام المتكلمين المعتزلة وكتابته مهجنة بطرائقهم ومناظرته مشوبة بعبارة الكتاب. وهو شديد التعصب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطب والتنجيم والموسيقى والمنطق والعدد، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر ولا له فيه عين ولا أثر. وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ويقول الشعر وليس بذاك. وفي بديهته غزارة، وأما رويته فخوارة، وطالعه الجوزاء والشعرى قريبة منه، ويتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية، ولا يرجع إلى الرقة والرأفة والرحمة. والناس كلهم محجمون عنه لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته. شديد العقاب طفيف الثواب طويل العتاب بذيء اللسان يعطي كثيرا قليلا "أعني يعطي الكثير القليل". مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب بعيد الفيئة قريب الطيرة حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل وحقده سار إلى أهل الكفاية. أما الكُتَّاب والمتصرفون فيخافون سطوته، وأما المنتجعون

стр. 15

فيخافون جفوته وقد قتل خلقا وأهلك ناسا ونفى أمة، نخوة وتعنتا وتجبرا وزهوا وهو مع هذا يخدعه الصبي، ويخلبه الغبي؛ لأن المدخل عليه واسع والمأتى إليه سهل، وذلك بأن يقال: مولانا يتقدم بأن أعار شيئا من كلامه ورسائل منثورة ومنظومة، فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلا لأستفيد كلامه وأفصح به وأتعلم البلاغة منه. لكأنما رسائل مولانا سور قرآن، وفقره فيها آيات فرقان، واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان. فسبحان من جمع العالم في واحد، وأبرز جميع قدرته في شخص. فيلين عند ذلك ويذوب ويلهى عن كل مهم له، وينسى كل فريضة عليه، ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الورَق والوَرِق ويسهل له الإذن عليه والوصول إليه والتمكن من مجلسه، فهذا هذا. ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجم ويقول: قد نحلتك هذه القصيدة، امدحني بها في جملة الشعراء، وكن الثالث من الهمج المنشدين. فيفعل أبو عيسى -وهو بغدادي محكك قد شاخ على الخدائع وتحنك- وينشد، فيقول له عند سماعه شعره في نفسه ووصفه بلسانه ومدحه من تحبيره: أعد يا أبا عيسى، فإنك والله مجيد، زه يا أبا عيسى، والله قد صفا ذهنك وزادت قريحتك وتنقحت قوافيك، ليس هذا من الطراز الأول حين أنشدتنا في العيد الماضي، مجالسنا تخرّج الناس وتهب لهم الذكاء، وتزيد لهم الفطنة، وتحول الكودن عتيقا والمحمر جوادا، ثم لا يصرفه عن مجلسه إلا بجائزة سنية وعطية هنية. ويغيظ الجماعة من الشعراء وغيرهم. لأنهم يعلمون أن أبا عيسى لا يقرض مصراعا ولا يزن بيتا ولا يذوق عروضا"١.

стр. 16

فأي صورة أبلغ في الإزراء بصاحبها، والغض من شأنه، والإضحاك منه، على شهرته بين معاصريه، من صورة هذا المدعي الذي ينظم الشعر في مدح نفسه ثم ينحله الناس ليقولوه فيه. إنها مقالة رائعة في تصوير المساوئ والكشف عن المعايب، صاغها أبو حيان على غرار صور أستاذه الجاحظ التي ابتدعها في "البخلاء"، وفي "رسالة التربيع والتدوير". وبعد، فقد عرضت بعض المحاولات المقالية عند العرب، على مقاييس النقد الحديث، في تحديده للمقالة. ولعمري إن الفنون الأدبية تمر في أطوار من النمو والتطور والتنقيح، فينأى اللاحق منها عن السابق، حتى ليتباينان أشد التباين. وفي الأمثلة القليلة التي ذكرتها، دليل على أن العرب، في نطاق فهمهم للتعبير الأدبي، قدموا بعض الرسائل والفصول الأدبية الممتعة، التي يصح أن ندرجها تحت الأدب المقالي، مع شيء من التجاوز والاعتدال في التحديد، شأنهم في ذلك شأن أكثر الأمم التي سبقتهم أو عاصرتهم.

стр. 17

القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث مونتين "١٥٣٣-١٥٩٢ " ... القسم الثاني: المقالة في طورها الحديث ١- مونتين "١٥٣٣-١٥٩٢": يجمع مؤرخو الآداب الغربية، على أن المقالة الأدبية الحديثة، عرفت سبيلها إلى الحياة على يد الكاتب الفرنسي ميشل دي مونتين. وقد بدأت بذورها تتكون في نفسه عندما اعتزل الحياة العامة، حيث كان يعمل في المحاماة، وترك بوردو إلى مزارعه الريفية سنة ١٥٧٠، وذلك ليعيش حياة يرف عليها الهدوء، وتخصبها القراءة، على حد قوله. ويمثل مونتين في ثقافته وذوقه، رجل النهضة الفرنسي أحسن تمثيل, وقد ألهبته حماسة أبيه وشغفه بالثقافة الإيطالية الإنسانية، فاتجه هو بدوره إلى دراسة اللاتينية، قبل أن يشدو في الفرنسية، وقد تتلمذ فيها لبعض المشاهير من علماء الكلاسيكيات في عصره. وهكذا استقطبت ثقافته حول اللاتينية. ومن خلالها استطاع أن يقرأ روائع الأدب الإغريقي، أما عنايته بالأدب الفرنسي، فقد اقتصرت على بعض المؤلفين وخاصة في حقل التاريخ. وعندما تقدمت به السن أخذ يعنى بمشكلات عصره الفكرية والاجتماعية التي انبثقت من نهضة الأدب الكلاسيكي والفلسفة القديمة، ومن اكتشاف العالم الجديد، وطغت موجتها حتى عمت أوروبا كلها. ولكنه بعد ذلك كله، آثر أن يلجأ إلى مكتبته في مقاطعته الخاصة باسمه. ولم يمض عليه فيها طويل وقت، حتى دفعته الرغبة في تخليد اسمه وجلاء أفكاره، إلى الكتابة والتسجيل. وأدار مونتين عينيه فيما حوله من أنواع الأدب المقروء والمسموع، فرأى سيلا طاغيا من الحكم والأمثال وجوامع الكلم، التي تحدرت إلى

стр. 18

أوروبا عن الآداب القديمة. وأخذ كتّاب عصر النهضة يختارون منها، ويزيدون عليها، ما يلائم ثفافة العصر وذوقه وروحه. ولهذا وجدناهم يجمعون الحكم والأقوال السائرة، التي تدور حول الحياة والموت، وحول بعض العادات الغريبة، وذكاء الحيوان وقوة الخيال، ولم يكن لهم فيها سوى فضل الاختيار والجمع والتنسيق، أما شخصياتهم فلم تظهر في هذه المجموعات، ولم يكن طبيعيا أن تظهر. وعندما بدأ مونتين الكتابة، حوالي سنة ١٥٧١، استوحى كتّاب هذه المواعظ والدروس الخلفية. ولم يكن شاذا ولا منحرفا في هذا الاستحياء؛ إذ إن الدافع الذي استحثه على الكتابة كان في طبيعته أخلاقيا تهذيبيا. ولم يكن يطمح آنذاك إلى أن يأتي بعمل فذ جديد، بل كان كل ما يطمح إليه، هو أن يضفر ضميمه من تلك العبارات والأفكار الجميلة الرائعة التي يعبر بها أثناء قراءته. وتبعا لذلك كانت آثاره الأولى لا تختلف اختلافا بينا عن آثار هؤلاء الجماع "المؤلفين"؛ فهي عبارات ملتقطة من هنا وهناك، تدور حول بعض المشكلات الخلقية والمعاشية. وكان كلما مضى في كتابته قدما، يضيف عبارة هنا أو تعليقا هناك. إلا أن هذه الآثار عامة كانت تخلو من العنصر الذاتي خلوا يكاد يكون تاما. وهذه المرحلة التجريبية تمثل الطور الأول من نمو مونتين الأدبي، وقد استغرقت العامين الأولين من أعوام عزلته. ولكنه ما عتم عقب ذلك، أن أخذ يشق طريقه نحو إبداع فن جديد، يبتعد فيه عن تلك الدروس الخلفية التي احتذى فيها آثار سابقية. وقد حدث ذلك حوالي سنة ١٥٧٤م، وكانت النتيجة التي خلص بها في هذا الطور، هي إبداع هذا الفن الأدبي الجديد، الذي سجل له التاريخ فيه فضل الريادة، وكان ذلك قبل أن تظله سنة ١٥٨٠م.

стр. 19

ولعل السبب الأول الذي أدى إلى هذا التطور هو مزاجه الخاص, والظروف التي أحاطت به آنذاك. فقد استغرق مونتين أثناء عزلته في بعض التأملات، وأخذ ينظر إلى مجتمعه بعين ناقدة، ويستبطن أعماق نفسه بعقل ممحص، وخاصة في فترة المرض الذي انتابه حوالي ١٥٧٨. ولكن هذا كله لا يعلل هذا الاكتشاف الذي توصل إليه، بل كانت ثمة تيارات أدبية قوية، رفدت هذا المجرى الصغير في نفسه، واعدته للاضطلاع بهذه المهمة خير إعداد وأتمه. تنبئنا المصادر، أنه وقع في سنة ١٥٧٢ تحت تأثير كتابات فلوطارخوس؛ وقد وجد فيها، وخاصة في "الأخلاقيات"، بعض النماذج الأدبية الحية التي تختلف اختلافا بينا عن تلك الشذور الجافة التي كانت عينه تقع عليها في آثار معاصريه، فتكون زادا لقلمه الغض الناشئ. ولم تكن كتابات فلوطارخوس تخلو من الأمثال والأوابد والأقوال السائرة، إلا أن هذه لم تكن قوام فنه الأدبي، بل كانت تمر عرضا أثناء تأملاته وتكتسي بحلة من بيانه الرائع، وتطفو إلى السطح بعد أن تنقحها آراؤه الشخصية، وتخلصها من شوائب الفتور والجمود التي تخالط الحِكم الشعبية عندما تنبت عن مناسباتها الأولى التي ألقيت فيها. وقد تأثر مونتين أيما تأثر بمسحة الطلاقة واليسر التي تلف كتابات فلوطارخوس فتخرج سليمة من التكلف والرهق. وقضى مدة طويلة عاكفا على هذه الآثار الممتعة يستنطقها فتجيب ويستلهمها فينهمر عليه وحيها، والعملية الأدبية سائرة في نفسه سيرتها الطبيعية، تصقل ذوقه وتنقح تعبيره وتمده بصور جديدة وأحاسيس مبتكرة. وسيرة هذا التحول تتضح في بعض كتاباته التي خطها ببراعه بين سنتي ١٥٧٨ و١٥٨٠، وخاصة في "تربية الأولاد" و"حب الآباء

стр. 20

للأبناء" و"الكتب" و"القسوة" و" من أشبه أباه فما ظلم". وهي تظهرنا على أن مونتين لم يعد قانعا بجمع تلك الفرائد والأقوال المأثورة، التي كانت تسقط في ساحته أثناء تمرسه بعملية القراءة والاقتباس، بل انتقل إلى مرحلة جديدة قوامها التأمل العميق في الموضوعات الخلقية والنفسية. إلا أنه لم يتنازل عن الأمثال وجوامع الكلم مرة واحدة، بل أخذ يختار منها ما كان صالحا للتضمين في كتاباته، ولجمع شتات أفكاره، ثم يرصع بها بعض الصور والحوادث التي يستمدها من ملاحظاته الخاصة وتجاربه الشخصية. ونحن نجد مصداق ذلك في مقالته عن "تربية الأولاد"، فقد استهلها بمبدأ عام يحدد القاعدة الأساسية التي ينبغي أن يستند إليها في تربية الأولاد. ثم انتقل إلى الحديث عن تربيته الخاصة، وعن بعض الأحداث التي مرت به أثناءها. وهكذا أخذ مونتين يغلب العنصر الشخصي في كتاباته على العناصر التي كانت ترفده من قراءاته المختلفة. ولكنه في معرض حديثه عن تجاربه الخاصة، لا ينسى أن يدعم أفكاره ببعض الأقوال المأثورة, والحكم الجارية مجرى المثل. وتمتاز مقالاته في الطور الثاني بأنها كانت أطول من سابقاتها، وبأنه لم يكن فيها حريصا على التصميم المحكم والتنسيق الدقيق، شأنه في محاولاته الأولى؛ لأنه أصبح يحس الآن بأنه امتلك ناصية الفن، وشق طريقه الخاصة فيه، فله أن يجيل قلمه في شتى الموضوعات بحرية وانطلاق وتدفق. وفي سنة ١٥٨٠ جمع تلك الفصول التي كان قد كتبها، وعدتها أربعة وتسعون، ونشرها تفي بوردو في جزأين، وسماها "محاولات". وقد نبه القارئ في مقدمته التي كتبها، بأنه إنما يصور نفسه أو شرائح منها، في هذه الشذرات التي يعنى بنشرها على الناس.

стр. 21

وعكف مونتين على هذا المولود الجديد، يتعهده بالحدب والرعاية والسهر الطويل، إلى أن أتيح له في سنة ١٥٨٨ أن يخرج طبعة جديدة نقح فيها مقالاته السابقة. وتولاها بالصقل والتهذيب، وضم إليها ثلاث عشرة مقالة جديدة، كان من بينها بعض تلك المقالات التي استهل بها شهرته الجديد. وقد تجلت فيها موهبته الأدبية كاملة مستحصدة. وتمتاز عما سبقها من مقالاته، بتألق العنصر الشخصي، ويتسم أسلوبها بالحرية والتدفق والتشعب، والسير على غير أصول مرعية، أو قواعد معينة. ولم تخل هذه المقالات من الأمثال والحكم السائرة خلوا تاما، إلا أنها كانت تأتي عرضا دون قصد أو تعمد، وكانت تقف على هامش العمل الأدبي، عنصرا ثانويا، بالسنة إلى ذلك الفيض من التأملات العميقة، والتجارب الشخصية الصادقة. وقد كان دأبه فيها، أن يمعن في الحديث عن نفسه، وعن ذكريات صباه وشبابه، وعن الأحداث الطريفة المعجبة التي مر بها في طور الرجولة والاكتهال، وكان لا يتورع عن كشف عيوبه للناس، وعرض صور من شذوذه، شذوذ كل أديب. ولهذا نجرؤ على القول بأن مونتين بذر في مقالاته هذه، بذور التراجم الشخصية التي استوت فيما بعد فنا قائما بذاته له أصوله ومشخصاته.

стр. 22

٢- فرنسيس باكون: لقد طبقت شهرة مونتين ومقالاته أرجاء القارة الأوروبية، ولم يمض غير قليل وقت حتى عبرت المانش إلى إنكلترا، ففي سنة ١٥٩٥، أي بعد وفاته بثلاث سنوات، ترجم جون فلوريو، أحد نظار المدارس الإنكليزية، هذه المقالات، في صورتها الأخيرة، ولعل هذه الترجمة هي التي امتثلت للطبع سنة ١٦٠٣. وقد لاقت إقبالا منقطع النظير فطبعت مرات عدة، في أوائل القرن السابع عشر. وغدت بذلك غذاء دسما للقارئ الإنكليزي في عصر الياصبات، وعكف عليها وتأثير بها بعض كبار الأدباء في ذلك العصر. وأول أثر أدبي في اللغة الإنكليزية، اتسم بميسم هذا الفن الجديد، كان مجموعة من المقالات التي دبجها يراع محام ناشئ كان في خدمة الملكة آنذاك، وهو فرنسيس باكون، وكان ذلك سنة ١٥٩٧. وكانت عدتها عشرا، لا تحمل منسمات فن مونتين إلا الاسم؛ إذ كانت أقرب إلى الأمثال والحكم منها إلى الفيض الأدبي المتدفق الذي عرفناه عند مونتين. وهي بهذا تنتمي إلى كتابات القرن السادس عشر، خارج الدائرة المونتينية، ففيها من تلك ذلك الحرص على إيراد الأقوال السائرة والأفكار الحكمية المركزة. وينعدم فيها العنصر الشخصي، وصور التجارب الخاصة. وقد أشار الأستاذ العقاد إلى هذا الفرق بينه وبين مونتين فقال: "فمونتين فياض مسترسل كثير الأغواص متعدد الملامح الشخصية قريب في أسلوبه إلى أساليب المقاليين المحدثين، ولكن باكون -على دابة في جميع محاولاته- كان أقرب إلى الاحتجاز والتركيز ودسومة المادة الفكرية واجتناب الألوان الشخصية والملامح الخاصة التي تنم عليه وعلى الجانب الإنساني فيه"١. وهذا الفرق الذي لمسناه بينهما، والذي أشار إليه الأستاذ العقاد، ناجم عن تباين مذهبيهما في تلقي الحياة والصدور عنها. أما مونتين فقد اعتزل الناس والحياة ليخلو إلى نفسه يتأملها ويستبطن أغوارها، وهكذا

стр. 23

خرجت مقالاته مزيجا من تجارب الشباب ونزواته وتأملاته الكهولة وما تتسم به من رزانة وتحرج. وأما باكون فقد كان آنذاك في مطلع حياته العملية، وكان الطموح يملأ جانبيه ويملك عليه أقطار نفسه، ويرسم أما عينيه هالة المثل الأعلى في الحكم والرئاسة، ولذا جعل من مقالاته دروسا واضحة مركزة لأولئك الذين يكدون ويجتهدون حتى يبلغوا النجاح في حياتهم العملية. إلا أن أثر مقالات مونتين، ما لبث أن شق طريقه إلى الأدب الإنكليزي عريضا لاحبا، وكان ذلك على يدي وليم كورنوالس١، صديق بن جونسون، الذي أصدر مجموعة من المقالات في مجلدين ظهرا سنة ١٦٠٠ و١٦٠١ على التوالي. وقد عرض فيها لبعض الموضوعات العامة التي عرض لها مونتين وباكون كالحب والمجد والطموح والشهرة والحزن والغرور والحظ وما إلى ذلك. وكتب أكثرها بضمير المتكلم، وأدارها حول نفسه، شأن مونتين الذي اعترف له كورنوالس بدين لا ينسى، في غير موضع من تلك المقالات. وقد استعان فيها ببعض الأقوال المأثورة التي استقاها من قراءاته، إلا أنه شأن مونتين أيضا، أضاف إليها الكثير من تجاربه الخاصة، وجعل منها معرضا لآرائه وذوقه وأحاسيسه. ونتيجة لذلك كله، لقيت هذه المقالات تقديرا كبيرا في الأوساط الخاصة والعامة، سحابة النصف الأول من القرن السابع عشر. وإذا عدنا إلى باكون ثانية، نجد أنه يصدر في سنة ١٦١٢ طبعة جديدة موسعة من مقالاته، وقد أصبح عددها ثمانيا وثلاثين، بعد أن

стр. 24

كانت في طبعتها الأولى عشرا. وقد أعاد فيها طبع المقالات القديمة دون ما تعديل، واحتفظت بعض المقالات الجديدة بطابع الوعظ المركز، الذي يتسم بالدسامة والاحتجاز، على غرار المحاولات الأولى. إلا أن الكثرة الغالبة منها تؤرخ بداية اتجاه جديد في القالب والمحتوى. فمن حيث القالب نراه يعمد إلى كثير من التصميم والتنسيق. ومن حيث المحتوى نجد أنه يضرب صفحا عن الحكم المركزة والأقوال المأثورة، ويغادرها إلى شيء من الحديث المرسل المستفيض الذي ينضح بالحيوية والتدفق والألفة. وهذا التطور الذي بدت مظاهره الأولى في هذه المجموعة، أصبح مذهبا واضح المعالم في المجموعة الأخيرة التي أصدرها سنة ١٦٢٥، وضمنها ثمانيا وخمسين مقالة، بما فيها مقالاته التي نشرها في مجموعتيه السابقتين. وقد أجال باكون قلمه في المحاولات السابقة منقحا ومهذبا، وخاصة المقالات الجديدة في الطبعة الثانية، فقد فازت بالنصيب الأوفى من عناية الكاتب، فأجرى عليها كثيرا من التعديلات لكي تلحق بمقالاته الجديدة من حيث المادة والصياعة. وقد مثلت هذه المقالات، مفارقة كبيرة بالنسبة إلى مقالاته السابقة، حتى إنها بانت عنها في أكثر من خاصة. إذا ازداد حظها من التصميم والتنسيق والإطالة، كما ازداد نصيب الموضوعات من الإسهاب والتحليل. فضلا عن أن أسلوبه تجلى في حلة قشيبة، فأصبح أمتن أسرا وأدق تعبيرا وأوسع خيالا وأحفل بالبلاغة والزخرف والتشويق، إلا أن الفرق الظاهر الذي يطغى على كل ما عداه، هو كثرة الاستشهادات التاريخية، والاعتماد على الآراء الشخصية والتجارب الخاصة في التفسير والتوضيح والاستدلال. وقد وصف الأستاذ العقاد مقالات باكون في هذين الطورين وأوضح

стр. 25

ما بينها من فروق فقال: "فمقالات باكطون في بواكيرها كانت طرائف من المتفرقات الفكرية تجمعها سلسلة الموضوع والعنوان في إيجاز شديد، غير محتفل فيه بالتفصيل والتوضيح، كأنما يكتبها الكاتب لنفسه فهو غني عن تفصيلها وتوضيحها، لعلمه بمقصده منها حين الحاجة إليها. أو كأنما هو يكتبها بلغة الاختزال، ويجهد في شرحها غير المرتاضين عليه. ثم جنحت في صيغتها الأخيرة إلى التسمح بعد التزمت، والسخاء بعد الضنانة، والتفسير بعد الإيماء والاقتضاب. وازدانت في هذه الصيغة بأجمل ما يزدان به النثر البليغ من براعة التشبيه وطرافة الأمثولة واختيار الشواهد من المأثورات اللاتينية واليونانية في سياقها الملائم وموقعها المنتظر"١. وقد اجتمعت عوامل عدة، لتؤدي إلى هذا التطور الواضح الذي تم بين عامي ١٥٩٧ و١٦٢٥. منها أن باكون كان يطمح دائما إلى تقعيد علم للأخلاق. وقد اقترح في كتابه "ترقية المعارف" الذي أصدره سنة ١٦٢٣، وسيلة لتحقيق هذا المطلب، وهي أن تكتب مجموعة من الرسائل القصيرة تدور حول الشهوات والفضائل والنماذج الأخلاقية. ولم يحاول باكون أن ينفذ هذا المشروع وأن يخصه بجزء من نشاطه الأدبي، إلا أن بعض مقالاته الجديدة، التي ظهرت في الطبعة الأخيرة، تدور حول شيء من ذلك، كمقالته عن "الحسد" ومقالته عن "التظاهر والرياء".

стр. 26

وهنالك عامل آخر أدى إلى هذا التغير الواضح في أسلوبه المقالي وهو "رسائل سنيكا" التي سبقت الإشارة إليها. فقد كان هذا الكتاب الأخلاقي، واسع الانتشار بين القراء آنذاك، وكثيرا ما اقتبس باكون منه في كتاباته. ويذكر مؤرخو الأدبي، أنه في مقدمة لم تنشر لمجموعة المقالات التي طبعت سنة ١٦١٢، ذكر في معرض حديثه عن عنوان الكتاب "إن الاسم حديث، مع أن الموضوع قديم؛ إذ إن رسائل سنيكا إلى لوسيليوس -إذا نظر إليها الإنسان بتمعن- ليست إلا مقالات، أي تأملات منثورة، مع أنها مجموعة من الرسائل". والعامل الأخير، الذي أدى إلى هذا التطور، هو أثر مونتين في باكون. فمما لا شك فيه، أن باكون بعد أن أقبل على هذا الفن واستغرق فيه، أخذ يراجع طريقته البدائية في الكتابة، عاد ثانية إلى مونتين، فقرأه بتمعن وتمحيص، فخرج منه بهذه السمات الجديدة التي وسمت مقالاته الأخيرة؛ فبتأثير مونتين، عني باكون بأسلوبه، فوفر له بعض القيم الجمالية والزخرفية التي لم يعرفها من قبل. وعني بموضوعاته، فمال عن ترصيع الحكم والمواعظ المركزة، إلى الحديث المسهب المتصل الذي يدعمه بالشواهد والإيضاحات، مما استمده من كتب التاريخ ومن تجاربه الخاصة. وأباح لنفسه أخيرا أن يعنى بإبراز العنصر الشخصي، لتتوفر لكتابته جميع مقومات الأدب الرائع. وقد أشار الأستاذ العقاد إلى هذا التغير الذي طرأ على أسلوب باكون في مرحلته الأخيرة، وحاول أن يعلله فقال: "وقد لاحظ النقاد بحق أنها كانت في صيغتها الأخيرة أحفل بالبلاغة والزخرف وفنون التخيل والتشويق، منها في صيغتها الأولى. واستطرد بعضهم من هذا إلى ملاحظة عجلى ليس فيها بصائب؛ لأنه حسب أن

стр. 27

هذا الاختلاف بين أسلوب الشباب وأسلوب الشيخوخة ظاهرة متسغربة لا تجري مع المعهود من طبائع القرائح الإنسانية. فإن القرائح في الناس عامة، أخصب بالخيال والرونق أيام الشباب، خلافا لما بدا من أسلوب باكون في حالتيه على رأي أولئك النقاد. ولا حاجة هنا، على ما نرى، إلى مجاراتهم في اختراع بدعة غريبة من بدع القرائح الإنسانية عامة. إذ المألوف في الواقع، أن يكون الشباب أقرب إلى تكلف الوقار لأنه مظنة الخفة، وأن تكون الشيخوخة أقرب إلى الخفة لأنها مظنة الفتور والجمود. وثمة سبب آخر نرجع إليه قبل الوثوب إلى البدع والخوارق التي لا تشاهد في جميع الأحوال. فمما لا شك فيه أن باكون قد بدأ تجربته الأولى في فن المقالة، وهو مترفع عنه ناظر إليه نظرة المتحفظ الذي لا يوليه جهده من العناية والاحتفال. وقد كانت له قبل كتابة المقالات فصول تفيض بالتخيل والرونق، كما تفيض بهما مقالاته الأخيرة بعد أن عاودها وهو معني بها محتفل بتنميقها، فليس في قريحته من هذه الناحية ظاهرة جديدة أو غريبة تخالف المعهود والمألوف. وإنما هو اكتراث بعد تهاون، وإقبال بعد تردد. وما كان هذا التحول من التردد إلى الإقبال بالمستغرب، بعد شيوع المقالات وتسابق الخاصة والعامة إلى مطالعتها والاستزادة منها، وتلاحق ترجماتها بالفرنسية واللاتينية والإيطالية في سنوات قليلة. فقد تغير تقدير باكون لمقالاته تبعا لتقدير القراء والنقاد. وبدا منه الارتياح إلى رواجها والإعجاب بها في معارض شتى، فأشار مغتبطا إلى تكرار طبعها، وقال في خطابه إلى أسقف ونشستر: إنه لا يجهل أن هذا الضرب من الكتابة يضيف إلى اسمه سمعة وسطوعا فوق ما استفاده من الكتب الأخرى مع قلة الغناء فيه. وقال في رسالته إلى دوق بكنغهام: إن المقالات أروج أعماله؛ لأنها على ما يظهر أدنى إلى شواغل الناس وطواياهم"١.

стр. 28

٣- بين مونتين وباكون: ولكن على الرغم من تأثر باكون في مقالاته بمونتين واقتدائه به في الصياغة والمحتوى وعناوين بعض المقالات، نجد أن بينهما فروقا أساسية تعزى في الأكثر إلى ما بينها من تباين من حيث الشخصية والمنزع الأدبي فمن حيث الصياغة والقالب، نجد أن مقالة باكون أدنى إلى القصر، وأشد إحكاما وأدق تصميما وأكثر اقترابا من الموضوعية. أما من حيث المحتوى، فإن غاية باكون كانت عملية؛ إذ كان يرمي من وراء هذه المقالات إلى تقديم بعض النصائح العملية لهؤلاء الذي تتطلع نفوسهم إلى العمل في البلاط، أو في مناصب الدولة العليا. وهي من هذه الناحية، تشبه إلى حد كبير تلك النصائح التي كان يوجهها الأدباء والكتاب إلى الناشئين من الكتاب ليتيسر لهم الاضطلاع بأعمالهم في خدمة الخلفاء على الوجه الأكمل. ومن هذا القبيل رسالة عبد الحميد المشهورة، وتلك الرسائل والكتب التي تدور حول أدب الكتاب في الإنشاء والسلوك. ونجد مصداق ذلك، في العنوان الذي توج به مجموعة مقالاته التي نشرها سنة ١٦٢٥م. فقد دعاها "مقالات أو نصائح مدنية وخلقية". وهذا يعني أنه أراد من كتابه هذا، أن يكون دليلا أدبيا وسياسيا للناشئة من رجال البلاط أو رجال السياسة. ونستطيع أن ندرك غاية باكون تمام الإدراك، من تلك العناية الفائقة التي بذلها في مقالاته الاجتماعية والمدنية،

стр. 29

كمقالاته عن فائدة الزواج والعزوبة للرجال الذين يتولون المناصب العامة، وعن الرسائل التي تيسر الوصول إلى المناصب الرفيعة، وعن أحسن الوسائل لمعاملة الرعية الثائرة، وعن أثر السفر في تهذيب الرجال، وما إلى ذلك من المقالات التي تذكرنا بمقالات ابن المقفع في صحابة الخلفاء، وأدب الحاشية وواجبات الخليفة. ونستطيع أن نوجز ما مضى بقولنا: إن باكون الذي أفاد من مقالات مونتين، فائدة ظاهرة، استطاع أن يأتي بجديد في هذا الفن الناشئ١.

стр. 30

٤- نهضة المقالة الإنكليزية بعد عودة الملكية: في تلك الفترة التي انصرمت بين نمو البذور التي طرحها مونتين في حقل المقالة، وعودة الملكية إلى إنكلترا سنة ١٦٦٠م، نلتقي بعض الكتاب المغمورين، الذي جربوا أقلامهم في تحبير المقالات، متأثرين بأحد الأسلوبين: أسلوب مونتين، وأسلوب باكون. ولكن واحدا منهم لم يترك أثرا ذا قيمة في هذا السبيل، إن في القالب أو في المضمون. وقد مرت المقالة في هذه الفترة بمحنة. ولعل ذلك عائد إلى انصراف أكثر الكتاب إلى معالجة "الصور الشخصية" أو إلى المشاركة في الخصومات السياسية والحزبية التي تلظى أوارها في ذلك الحين. ولكن ما لبثت المقالة أن استردت مكانتها، في فترة الهدوء التي عقبت عودة الملكية. وكان للتقليد الذي تركه مونتين فيها أثر كبير في نهضتها تلك. وقد يعزى ذلك إلى اتجاه القارئ الإنكليزي آنذاك نحو الاطلاع على الأدب الفرنسي، بعد عودة الأسرة المالكة من فرنسا. أو إلى كون

стр. 31

مقالات مونتين بما فيها من شك في القيم، ومن حرية في التفكير والتعبير، أكثر ملاءمة للمزاج الإنكليزي في ذلك الوقت الذي اختلت فيه المفاهيم واهتزت القيم. وقد ترجمت مقالات مونتين في هذه الفترة ترجمة جديدة متقنة، نسخت ترجمة فلوريو، وطبعت ثلاث طبعات قبل سنة ١٧٠٠م. وقد جرى ذكر مونتين على أقلام أعلام الكتاب في تلك الفترة، ومنهم إبراهام كاولي "١٦١٨-١٦٦٧م" ودريدن "١٦٣١-١٧٠٠م" وويشرلي "١٦٤٠-١٧١٦م". واشتهر منهم في كتابتها كاولي، الذي تزود لها بثقافة كلاسيكية عميقة شاملة، وبخبرة واسعة في الشئون العامة، فضلا عن أسلوبه العذب الرقيق، الذي اكتسبه نتيجه لتمرسه بنظم الشعر فترة من الزمن. ثم قدر له أن يعتزل الحياة العامة، بعد أن يئس من مكافأة الملك شارل الثاني له، لقاء ولائه للملكية ودفاعه عنها. وقضى سنوات عزلته الأربع في تأمل وكتابة. ونشرت مقالاته لأول مرة سنة ١٦٦٨م، وهي تشي بتأثر شديد بالأسلوب المونتيني، وخاصة في بث أحاسيسه الخاصة تجاربه الشخصية وفي تضمين بعض الاستشهادات والأقوال المأثورة التي اقتبسها عن الكتاب المتقدمين، وفي أسلوبه الطلق الأليف، الذي يتدنى أحيانا إلى مستوى لغة الكلام العادي. وكذلك اشتهر في هذه الفترة سير وليم تمبل "١٦٢٨-١٦٩٩م" الذي أسهم في الحياة السياسية بنصيب كبير. وكان كلما خلا إلى نفسه في مقاطعته الخاصة في سري يدون بعض تأملاته بأسلوب أدبي حر طليق، في مقالات تدور في الفلك المونتيني ولا تند عنه، وقد نشرت مقالاته هذه في ثلاثة أجزاء. وقد عني بعض كتاب هذه الفترة بالمقالة، وتركوا فيها بعض الآثار

стр. 32

التي يتضح فيها تأثير مونتين وباكون. وبانتهاء هذا القول، ينتهي الطور الأول من تاريخ المقالة الإنكليزية، هذا الطور الذي يشمل مرحلة التأثر بمونتين أولا ثم به وبباكون ثانيا. أما الأول فقد طبعها بطابع الصراحة والحرية في التعبير والحرص على إبراز العنصر الشخصي. وأما الثاني فقد ترك فيها خصائصه في التركيز والاحتجاز والموضوعية. واجتمع أثرهما فيها فيما أبداه الكتاب من عناية بالموضوعات الأخلاقية بمعناها الواسع، على أن تعالج هذه الموضوعات في ظل الحِكم الكلاسيكية السائرة، أو بالروح الكلاسيكية في الأخلاق والتأملات. وكانت الفضائل والرذائل التي حرصوا على شرحها وبسطها للناس وتبيان منافعها أو أضرارها، تنعكس على شخصية المؤلف، فتتأثر بنظرته الخاصة إليها، منحية جانبا نظرة المجتمع الذي كان يتقلب فيه. أما شئون المجتمع المختلفة، من عادات ونظم وتقاليد، فقد كانت لا تلقى منهم إلا بعض العناية لأنهم كانوا ما يزالون يعيشون تحت وطأة النزعة الفردية العنيفة التي خلفها عصر النهضة في نفوس أبناء القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد كان لعصر النهضة أثرا آخر في أساليبهم يتضح لنا من توافدهم على الأدب الكلاسيكي، الإغريقي واللاتيني، وحرصهم على أن يقتبسوا منه، وعلى أن يشيروا إلى أحداثه وشخصياته، بمزيد من العناية والتوقير.

стр. 33

٥- مقالة المجلات في القرن الثامن عشر: كانت المقالة في القرن السابع عشر، فنا ثانويا يعيش على هامش الفنون الأخرى كالشعر والمسرحية. وقد صد عنها أكثر الكتاب في هذا القرن. أما هؤلاء الذين عنوا بها، فلم يتفرغوا لكتابتها كل التفرغ، بل كانوا يتخذون منها وسيلة للتسلية ولتزجية الوقت في فترات الدعة والفراغ. وقد كان قراؤها كذلك أقلية ضئيلة، بالنسبة إلى مجموع القراء، وكانوا من الطبقة الممتازة التي تعنى بالأدب عناية خاصة. أما في القرن الثامن عشر، فقد انبرى لكتابتها أعلام الكتاب، وتفرغوا لها واعتبروها فنا قائما بذاته حسب الكاتب أن ينبغ فيه حتى تكتب له الشهرة والخلود. وقد لحقها تطور كبير في المحتوى، تبعا لذلك، فلم تقتصر على التأملات الذاتية في بعض المشكلات التي تعرض للإنسان في حياته الخاصة، أو في علاقته بالمجتمع، بل اتجهت نحو تحليل مظاهر الحياة المعاصرة، وتناولها بالنقد والتجريح. كما طرأ عليها تغير من حيث الأسلوب، فاصطنع لها أسلوب إنشائي جديد، وطرق مستحدثة في العرض والتحليل، حتى نستطيع أن نقول إنها غدت في هذا القرن فنا أدبيا جديدا. ويعزى الفضل في هذا التطور الذي لحقها، إلى جهود كاتبين برزا في هذه الفترة، هما رتشارد ستيل "١٦٧٢-١٧٢٩م" وصديقه جوزيف أديسون "١٦٧٢-١٧١٩م". وقد توفرت لديهما الموهبة المبدعة، وأتيح لهما من الظروف ما ساعدهما على إبراز هذه الموهبة، وتعهدها بالصقل والتهذيب. وكان أعظم هذه الظروف أثرا في تطور المقالة على النحو الذي ألمحنا إليه تطور المجلات الأدبية في ذلك الحين. ففي السنوات القليلة التي عقبت ١٦٨٨م، وما رافقها من ازدياد عناية الناس بالشئون السياسية، وتراخي قبضة الرقابة على الرأي العام، أخذت الصحف الحديثة تظهر على الناس في أعداد وفيرة. وخطر لبعض الكتاب أن

стр. 34

يصدروا بعض الصحف التي لا تقتصر على الأخبار والسياسة فحسب، بل تتعدى ذلك إلى بعض الشئون العامة التي كانت تشغل أذهان الناس آنذاك، كالأزياء والأدب والأخبار الاجتماعية. وقد استهل هذا العمل وراق يدعى جون دنتون، فأصدر سنة ١٦٩١ نشرة دعاها "الصحفية الأثينية" "the Athenian Gazette" ثم دعاها، "عطارد أثينا" "Athenian Mercury" وكانت غايته وغاية المحررين الذين أعانوه على إصدارها، نشر بعض الأخبار والمعارف العامة موشاة بالطرائف والأحاديث المسلية، على طريقة السؤال والجواب. فكانوا يتلقون من قرائهم الأسئلة التي تدور حول شتى أنواع المعارف، ويتولون الإجابة عليها. واستمرت هذه النشرة ست سنوات، وكانت أول صحيفة إنكليزية تخرج عن نطاق السياسة وتتولى نشر الأخبار والموضوعات والأبواب المتنوعة. وبعد احتجابها بقليل، أصدر الكاتب الساخر دانيال ديفو "١٦٦٠-١٧١٣م" مجلة دعاها "مجلة أسبوعية خاصة بشئون فرنسا". وقد استمرت منذ سنة ١٧٠٤م حتى سنة ١٧١٣م؛ وكانت غايته الأولى من إصدارها خلق وسيلة تساعده على بث آرائه الخاصة في الشئون العامة، وخاصة ذلك الصراع الذي كانت تدور رحاه مع فرنسا آنذاك، وتطور التجارة الإنكليزية. ولذا كان كل عدد منها يحتوي مقالة يدبجها هو حول أحد هذه الشئون. وقد دفعه حرصه على إرضاء ذوق القارئ، وملاقاته في منتصف الطريق، إلى أن يثير بعض المشكلات الهامة، بطريقته الفكهة المعروفة. فأخذ ينشر بعض النتف والشذرات تحت عنوان "نصيحة من نادي الفضائح"، وكانت تدور حول الأزياء والعادات والأخلاق والذوق العام

стр. 35

ما إلى ذلك من موضوعات، ويدعي أنها صادرة عن أقلام أعضاء هذا النادي المزعوم. وقد كان لهاتين الصحيفتين فضل في لفت نظر القارئ الإنكليزي إلى فوائد المجلات الأدبية والاجتماعية، إلا أن أثرهما في تطوير فن المقالة كان ضئيلا. ويعزى هذا التطور في المقام الأول إلى مجلتين ظهرتا خلال هذه الفترة، واتجهتا إلى الذوق الإنكليزي المحدث الذي تربى في صحيفتي دنتون وديفو. ففي سنة ١٩٠٧م، حين كانت صحيفة ديفو في ربيع العمر، ظهر العدد الأول من صحيفة الثرثار "the Tatler"، والتي أصدرها باسم مستعار، رتشارد ستيل، محرر الجريدة الرسمية، وأحد أعضاء حزب الأحرار. وقد أعلن في العدد الأول منها، أن الصحيفة ستنقسم إلى بابين، أحدهما للأخبار الثاني للمقالات. وقد اضطلع ستيل بتحريرها منذ البداية، إلا أنه ابتداء من العدد الثامن عشر، أخذ يتلقى معونة من زميله وصديقه في الدراسة والحزب، جوزف أديسون. وقد ظل يساعده في التحرير حتى احتجاب المجلة سنة ١٧١١، على كره من القراء وأسف شديد. ولكن لم يخل الميدان من نشاطهما المقالي سوى شهرين، إذ أصدرا مجلتهما الثانية "المراقب" "the Spectator"، وكانت تشبه الأولى في مظهرها الخارجي، ولكنها كانت تصدر يوما، خالية من الأخبار اليومية العابرة، وكانت محتوياتها لا تزيد على مقالة متوجة بعبارة لاتينية أو يونانية، وبعض الإعلانات. وفي هاتين المجلتين ظهرت المقالة الحديثة، مقالة القرن الثامن عشر، التي اختلفت عن المقالة القديمة في أكثر من خاصة. فقد كانت هذه

стр. 36

تنشر في المجلات لجمهور متباين الأذواق مختلف الاتجاهات، ولذا كان كتابها يحاولون دوما أن يضفوا عليها صفة الجماعية، لكي تلائم أكثر الأذواق. وكانت موضوعاتها تستمد من الأحداث اليومية ومن التطورات الاجتماعية التي كانت تطرأ على المجتمع آنًا بعد آن. وكان من نتيجة نشرها في المجلات ليطلع عليها الجمهور، أن اتجهت اتجاها إصلاحيا تهذيبيا. وقد نوه ستيل وأديسون في أعداد كثيرة بهذه الغاية الإصلاحية، التي كانا يشدان إليها, وبأنهما إنما وقفا قلميهما على خدمة المجتمع ومكافحة الآفات الضارة والخرافات الشائعة بين الناس. وقد كان هذا الموقف طبيعيا من كلا الكاتبين؛ إذ كان تيار الإصلاح الاجتماعي في إنكلترا آنذاك ينحدر بقوة واندفاع، عقب تلك الحرية التي رتع في ظلالها الشعب الإنكليزي حينا بعد عودة الملكية، والتي كان من أسبابها أو نتائجها، ظهور الطبقة الوسطى واضطرابها في لجة الحياة العامة. وثمة عامل آخر ساعد على تطور المقالة في هذا القرن، وهو انتشار المقاهي التي كانت بمثابة نوادٍ يلتقي فيها جمع وفير من أبناء الشعب، فيتناقشون في مختلف شئون الحياة من اجتماع وأدب وسياسة واقتصاد، وقد عودتهم تلك المناقشات أن يستقلوا بتفكيرهم، وأن يكونوا آراءهم الخاصة في مختلف الشئون التي تعرض لهم. واتجهوا نتيجة لذلك، إلى التبسط في الحديث والترخص في اللغة وأسلوب المحاورة. وكانت مقالة المجلات، بحكم طبيعتها ونوعها، التعبير الصحيح عن هذا الاتجاه من مختلف نواحيه الفكرية والأدبية. وكان كتابها يؤمون هذه المقاهي، ويشاركون في مثل تلك المناقشات، ليتصيدوا النماذج الحية، والصور الفكهة التي ينقلونها إلى صحفهم بعد أن يجيلوا فيها أقلامهم بالتشويه

стр. 37

والمسخ، ويعرضونها على القراء عرضا ينضح بالسخرية المرة والنقد اللاذع، بقصد إصلاح ما فسد وتقويم ما أعوج من أخلاق الناس وعاداتهم. وقد وجد كتَّاب هذه المقالات، أن مقالة القرنين السادس عشر والسابع عشر، بحدودها الضيقة الصلبة التي رسمها مونتين، ثم قفّى على آثاره فيها باكون وكاولي، لم تعد مطية ذلولا لهذه النزعة الإصلاحية القوية، ولم تعد أداة صالحة لتربية الذوق وتقويم الأخلاق وخضد شوكة النزوات. ولذا حاولوا أن يحتفظوا بقالبها العام في حدود ضيقة، وجدوا في خلق نوع جديد منها، يحتمل أغراضهم المستحدثة، ويصلح لقرائهم على اختلاف أذواقهم ومشاربهم. وكان من أهم ما أدخلوه إلى مقالتهم الحديثة هذه، الصور الشخصية، متأثرين بذلك التقليد الذي تركته شخصيات ثيوفراسطوس في الأدب الأوروبي عامة، منذ بدء النهضة، وفي الأدب الإنكليزي خاصة منذ أوائل القرن السابع عشر. وكان الكتَّاب الإنكليز يكتمون أعجابهم الشديد بهذه الصور الحية، ويودون لو استطاعوا أن يتأثروها في مقالاتهم، حتى خرج عليهم الكاتب الفرنسي لابرويير بنماذجه التي ترجمت إلى إلإنكليزية سنة ١٦٩٩، فاستعلن هذا الإعجاب المستسر، وظهر تأثيره في مقالاتهم بعد بضع سنوات. وقد أفاد هؤلاء الكتاب أيضا من أسلوب الرسائل الأدبية، واستعانوا ببعض الحكايات والمواعظ القصصية ذات المغزى، التي وقعوا عليها في الآداب الكلاسيكية، من غربية وشرقية.

стр. 38

٦- خصائص هذه المقالة في المحتوى والصورة: ولا بد لنا من أن نعرض لخصائص هذه المقالة بشيء من الإسهاب؛ لأن كتابنا المعاصرين تأثروا بها تأثرا بينا، ضاربين صحفا عن مقالات مونتين وباكون، شأنهم في ذلك شأن المقاليين الأوروبيين في القرنين التاسع عشر والعشرين. أما من حيث المحتوى، فقد كانت هذه المقالات تدور حول الموضوعات العامة التي تتصف بصفة الاستمرار والثبات، وتعرض للمجتمع في مختلف مراحل تطوره، ومنها تلك الموضوعات التي تدور حول بعض الصفات الخلقية كالتواضع والحلم والسماحة والكرم والغرور والجشع، أو حول بعض العلاقات الاجتماعية كالصداقة، والزواج، وأدب الحديث، وحسن العشرة والتربية الصالحة وما إلى ذلك. أو حول الموضوعات الطارئة التي تجد في المجتمع عند تغيير بعض العادات والتقاليد والأزياء، كالحفلات التنكرية والمبارزات واستنشاق السعوط وتطور أزياء النساء والرجال وشيوع قراءة الصحف، وما يتصل بكل ذلك من أسباب. وأما من حيث الصورة، أو الإطار العام الذي كان ينتظم المقالة، فقد ظهرت الأنواع التالية: ١- المقالة الاجتماعية: وكانوا ينهجون في كتابتها مناهج مختلفة؛ منها أسلوب العرض المسهب الذي كان يكتفي بتخطيط الموضوع، بصورة عامة، دون الالتفات إلى التفاصيل والشواهد.

стр. 39

٢- المقالة النقدية: وكانت تدور حول الموضوعات الأدبية، أو تتناول بعض الكتب بالنقد والتحليل، وكانوا يعمدون فيها إلى إيراد الشواهد الكثيرة، ويمعنون في الشرح والتفسير. ٣- الصور الشخصية: وقد تأثروا فيها بأسلوب لابرويير كما ذكرنا آنفا، وتجلى أثره فيهم في الحوار والالتفات والوصف والقصص. ٤- الاستشهاد بالحوادث الطارئة: وذلك لتوضيح بعض الصفات الخلقية أو نقد بعض العيوب الاجتماعية. ٥- مقالات الرسائل: وكانوا يستقون مادتها من رسائل القراء، أو من رسائل من نسج خيالهم، يجعلون وكدهم أن يستغلوها خير استغلال لتصوير اتجاههم والتعبير عن آرائهم فيما يحيط بهم من مشكلات المجتمع. ٦- المقالة القصصية: وكانوا يسردون فيها بعض القصص والحكايات الحقيقية أو المخترعة، ليصوروا بعض العادات أو ليرسموا صورة للمجتمع الإنكليزي في عصرهم. وبعد فهذه لمحة موجزة عن المقالة الحديثة التي نشأت وترعرعت في المجلات التي ظهرت في أوائل القرن الثامن عشر. ولم تأت سنة ١٧١٢، حين توقفت مجلة "المراقب" "the Spectator" عن الصدور، حتى كانت هذه المقالة قد استوت على ساقها، ناضجة مكتملة. ومنذ ذلك الحين ولفترة استمرت قرنا من الزمن، والمقالة الإنكليزية تدور في فلك ستيل وأديسون. وقد اشتهر من كتابها بعدهما، صمويل جونسون "١٧٠٩-١٧٨٤م" وأولفر غولدسمث "١٧٢٨-١٧٧٤م". أما الأول فقد قدم نفسه للقراء حين أخذ ينشر مقالاته في مجلة "السائح" "the Rambler". وحين

стр. 40

احتجبت هذه المجلة، غادرها إلى مجلات أخرى. ومقالته لا تخرج من حيث الصنعة الفنية، عن التقليد الأدبي الذي أرساه المقاليون الأول في هذا القرن، وقد وقفها على النقد والإصلاح. وكان في أسلوبه الإنشائي، وطريقته في تلمس الموضوع وعرضه، تلميذا مخلصا لستيل وأديسون، إلا أنه يباينهما في ناحيتين، الأولى: أنه كان يفضل معالجة الموضوعات الدينية والأبحاث الأخلاقية الجدية، على صور الحياة اليومية، والثانية: أنه كان لا يترخص في لغته ولا يتدنى في بيانه، بل كان يحتفل بأسلوبه فيعنى باختيار ألفاظه، وبتوفير القيم الزخرفية والبديعية لعباراته. أما غولدسمث فقد برزت مواهبه في كتابة المقالة، حوالي العقد السادس من القرن نفسه. واستهل عمله الأدبي بالنشر في المجلات، إلا أنه اشتهر بمجموعة من المقالات كتبها على صورة رسائل وأجراها على لسان صيني متفلسف، جاء إلى إنكلترا سائحا. وقد نفذ منها إلى نقد الحياة الاجتماعية في إنكلترا والسخرية من بعض العادات الشائنة والتقاليد السخيفة، ونشرها في كتاب سماه "المواطن العالمي". وقد تأثر فيها بأسلوب الرسائل الذي كان شائعا في إنكلترا آنذاك، نتيجة لنشر "الرسائل الفارسية" لمونتسكيو في ترجمتها الإنكليزية. واختار لنفسه أسلوب الفكاهة والسخرية الاجتماعية، إلا أنه لم يهجر الموضوعات الجدية هجرا تاما. واستأثر هذا التقليد الأدبي الذي أرسى قواعده هؤلاء الكتاب الأعلام بالمجلات الإنكليزية سحابة القرن الثامن عشر، واستمر فيها حتى مطلع القرن التاسع عشر.
следующие страницы →