← Адаб

Адаб · id 8497

فن المقالة

محمد يوسف نجم

Полный текст (120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تنشر في المجلات لجمهور متباين الأذواق مختلف الاتجاهات، ولذا كان كتابها يحاولون دوما أن يضفوا عليها صفة الجماعية، لكي تلائم أكثر الأذواق. وكانت موضوعاتها تستمد من الأحداث اليومية ومن التطورات الاجتماعية التي كانت تطرأ على المجتمع آنًا بعد آن. وكان من نتيجة نشرها في المجلات ليطلع عليها الجمهور، أن اتجهت اتجاها إصلاحيا تهذيبيا. وقد نوه ستيل وأديسون في أعداد كثيرة بهذه الغاية الإصلاحية، التي كانا يشدان إليها, وبأنهما إنما وقفا قلميهما على خدمة المجتمع ومكافحة الآفات الضارة والخرافات الشائعة بين الناس. وقد كان هذا الموقف طبيعيا من كلا الكاتبين؛ إذ كان تيار الإصلاح الاجتماعي في إنكلترا آنذاك ينحدر بقوة واندفاع، عقب تلك الحرية التي رتع في ظلالها الشعب الإنكليزي حينا بعد عودة الملكية، والتي كان من أسبابها أو نتائجها، ظهور الطبقة الوسطى واضطرابها في لجة الحياة العامة. وثمة عامل آخر ساعد على تطور المقالة في هذا القرن، وهو انتشار المقاهي التي كانت بمثابة نوادٍ يلتقي فيها جمع وفير من أبناء الشعب، فيتناقشون في مختلف شئون الحياة من اجتماع وأدب وسياسة واقتصاد، وقد عودتهم تلك المناقشات أن يستقلوا بتفكيرهم، وأن يكونوا آراءهم الخاصة في مختلف الشئون التي تعرض لهم. واتجهوا نتيجة لذلك، إلى التبسط في الحديث والترخص في اللغة وأسلوب المحاورة. وكانت مقالة المجلات، بحكم طبيعتها ونوعها، التعبير الصحيح عن هذا الاتجاه من مختلف نواحيه الفكرية والأدبية. وكان كتابها يؤمون هذه المقاهي، ويشاركون في مثل تلك المناقشات، ليتصيدوا النماذج الحية، والصور الفكهة التي ينقلونها إلى صحفهم بعد أن يجيلوا فيها أقلامهم بالتشويه

стр. 37

والمسخ، ويعرضونها على القراء عرضا ينضح بالسخرية المرة والنقد اللاذع، بقصد إصلاح ما فسد وتقويم ما أعوج من أخلاق الناس وعاداتهم. وقد وجد كتَّاب هذه المقالات، أن مقالة القرنين السادس عشر والسابع عشر، بحدودها الضيقة الصلبة التي رسمها مونتين، ثم قفّى على آثاره فيها باكون وكاولي، لم تعد مطية ذلولا لهذه النزعة الإصلاحية القوية، ولم تعد أداة صالحة لتربية الذوق وتقويم الأخلاق وخضد شوكة النزوات. ولذا حاولوا أن يحتفظوا بقالبها العام في حدود ضيقة، وجدوا في خلق نوع جديد منها، يحتمل أغراضهم المستحدثة، ويصلح لقرائهم على اختلاف أذواقهم ومشاربهم. وكان من أهم ما أدخلوه إلى مقالتهم الحديثة هذه، الصور الشخصية، متأثرين بذلك التقليد الذي تركته شخصيات ثيوفراسطوس في الأدب الأوروبي عامة، منذ بدء النهضة، وفي الأدب الإنكليزي خاصة منذ أوائل القرن السابع عشر. وكان الكتَّاب الإنكليز يكتمون أعجابهم الشديد بهذه الصور الحية، ويودون لو استطاعوا أن يتأثروها في مقالاتهم، حتى خرج عليهم الكاتب الفرنسي لابرويير بنماذجه التي ترجمت إلى إلإنكليزية سنة ١٦٩٩، فاستعلن هذا الإعجاب المستسر، وظهر تأثيره في مقالاتهم بعد بضع سنوات. وقد أفاد هؤلاء الكتاب أيضا من أسلوب الرسائل الأدبية، واستعانوا ببعض الحكايات والمواعظ القصصية ذات المغزى، التي وقعوا عليها في الآداب الكلاسيكية، من غربية وشرقية.

стр. 38

٦- خصائص هذه المقالة في المحتوى والصورة: ولا بد لنا من أن نعرض لخصائص هذه المقالة بشيء من الإسهاب؛ لأن كتابنا المعاصرين تأثروا بها تأثرا بينا، ضاربين صحفا عن مقالات مونتين وباكون، شأنهم في ذلك شأن المقاليين الأوروبيين في القرنين التاسع عشر والعشرين. أما من حيث المحتوى، فقد كانت هذه المقالات تدور حول الموضوعات العامة التي تتصف بصفة الاستمرار والثبات، وتعرض للمجتمع في مختلف مراحل تطوره، ومنها تلك الموضوعات التي تدور حول بعض الصفات الخلقية كالتواضع والحلم والسماحة والكرم والغرور والجشع، أو حول بعض العلاقات الاجتماعية كالصداقة، والزواج، وأدب الحديث، وحسن العشرة والتربية الصالحة وما إلى ذلك. أو حول الموضوعات الطارئة التي تجد في المجتمع عند تغيير بعض العادات والتقاليد والأزياء، كالحفلات التنكرية والمبارزات واستنشاق السعوط وتطور أزياء النساء والرجال وشيوع قراءة الصحف، وما يتصل بكل ذلك من أسباب. وأما من حيث الصورة، أو الإطار العام الذي كان ينتظم المقالة، فقد ظهرت الأنواع التالية: ١- المقالة الاجتماعية: وكانوا ينهجون في كتابتها مناهج مختلفة؛ منها أسلوب العرض المسهب الذي كان يكتفي بتخطيط الموضوع، بصورة عامة، دون الالتفات إلى التفاصيل والشواهد.

стр. 39

٢- المقالة النقدية: وكانت تدور حول الموضوعات الأدبية، أو تتناول بعض الكتب بالنقد والتحليل، وكانوا يعمدون فيها إلى إيراد الشواهد الكثيرة، ويمعنون في الشرح والتفسير. ٣- الصور الشخصية: وقد تأثروا فيها بأسلوب لابرويير كما ذكرنا آنفا، وتجلى أثره فيهم في الحوار والالتفات والوصف والقصص. ٤- الاستشهاد بالحوادث الطارئة: وذلك لتوضيح بعض الصفات الخلقية أو نقد بعض العيوب الاجتماعية. ٥- مقالات الرسائل: وكانوا يستقون مادتها من رسائل القراء، أو من رسائل من نسج خيالهم، يجعلون وكدهم أن يستغلوها خير استغلال لتصوير اتجاههم والتعبير عن آرائهم فيما يحيط بهم من مشكلات المجتمع. ٦- المقالة القصصية: وكانوا يسردون فيها بعض القصص والحكايات الحقيقية أو المخترعة، ليصوروا بعض العادات أو ليرسموا صورة للمجتمع الإنكليزي في عصرهم. وبعد فهذه لمحة موجزة عن المقالة الحديثة التي نشأت وترعرعت في المجلات التي ظهرت في أوائل القرن الثامن عشر. ولم تأت سنة ١٧١٢، حين توقفت مجلة "المراقب" "the Spectator" عن الصدور، حتى كانت هذه المقالة قد استوت على ساقها، ناضجة مكتملة. ومنذ ذلك الحين ولفترة استمرت قرنا من الزمن، والمقالة الإنكليزية تدور في فلك ستيل وأديسون. وقد اشتهر من كتابها بعدهما، صمويل جونسون "١٧٠٩-١٧٨٤م" وأولفر غولدسمث "١٧٢٨-١٧٧٤م". أما الأول فقد قدم نفسه للقراء حين أخذ ينشر مقالاته في مجلة "السائح" "the Rambler". وحين

стр. 40

احتجبت هذه المجلة، غادرها إلى مجلات أخرى. ومقالته لا تخرج من حيث الصنعة الفنية، عن التقليد الأدبي الذي أرساه المقاليون الأول في هذا القرن، وقد وقفها على النقد والإصلاح. وكان في أسلوبه الإنشائي، وطريقته في تلمس الموضوع وعرضه، تلميذا مخلصا لستيل وأديسون، إلا أنه يباينهما في ناحيتين، الأولى: أنه كان يفضل معالجة الموضوعات الدينية والأبحاث الأخلاقية الجدية، على صور الحياة اليومية، والثانية: أنه كان لا يترخص في لغته ولا يتدنى في بيانه، بل كان يحتفل بأسلوبه فيعنى باختيار ألفاظه، وبتوفير القيم الزخرفية والبديعية لعباراته. أما غولدسمث فقد برزت مواهبه في كتابة المقالة، حوالي العقد السادس من القرن نفسه. واستهل عمله الأدبي بالنشر في المجلات، إلا أنه اشتهر بمجموعة من المقالات كتبها على صورة رسائل وأجراها على لسان صيني متفلسف، جاء إلى إنكلترا سائحا. وقد نفذ منها إلى نقد الحياة الاجتماعية في إنكلترا والسخرية من بعض العادات الشائنة والتقاليد السخيفة، ونشرها في كتاب سماه "المواطن العالمي". وقد تأثر فيها بأسلوب الرسائل الذي كان شائعا في إنكلترا آنذاك، نتيجة لنشر "الرسائل الفارسية" لمونتسكيو في ترجمتها الإنكليزية. واختار لنفسه أسلوب الفكاهة والسخرية الاجتماعية، إلا أنه لم يهجر الموضوعات الجدية هجرا تاما. واستأثر هذا التقليد الأدبي الذي أرسى قواعده هؤلاء الكتاب الأعلام بالمجلات الإنكليزية سحابة القرن الثامن عشر، واستمر فيها حتى مطلع القرن التاسع عشر.

стр. 41

٧- المقالة في القرن التاسع عشر: عرف هذا القرن نخبة من المقاليين الذين تنكروا لمقالة القرن الثامن عشر، كما أرسيت قواعدها على أيدي ستيل وأديسون، وأحلوا محلها نوعا جديدا من المقالة، ظل متحكما بالتقليد الأدبي حتى اليوم. ومن أشهر هؤلاء الكتاب شارلس لام ولي هنت وهزلت ودي كونسي. وقد فارقت مقالة هؤلاء مقالة القرن السابق، في اعتبارات عدة، نذكر منها ما يلي: ١- اتساع نطاق الموضوعات التي أصبحت المقالة تدور حولها. فلم تعد مقصورة على حياة المدن، وأزياء المجتمع وصغاراته، وعادات السلوك والأخلاق، بل تناولت مختلف الموضوعات وصار الكاتب يكتب في الموضوع الذي يروقه، وأصبحت موضوعاته تعتمد على مدى اتساع ثقافته، وعلى مدى تنوع اتصاله بالحياة العامة. فلام مثلا كتب عن حياته المدرسية، وعن أعماله اليومية، وعن نزهاته ومغامراته فيها، وعن أصدقائه وأفراد عائلته، وعن الأشياء التي يحبها أو يمقتها. ولي هنت كان يكتب عن مطالعاته الواسعة، وعن تأملاته وأحلام يقظته. وهو يجلس إلى جانب المدفأة في الشتاء، وعن الشخصيات الطريفة التي كان يقابلها في الحياة، وعن التجارب التي يتمرس بها. وهزلت كان يحوم حول كتبه، أو يستعيد ذكرياته عن أولى مقابلاته للشعراء الذين نالوا حظا كبيرا من الشهرة فيما بعد، أو يسجل الأفكار التي كانت تجول في خاطره أثناء تجواله وحيدا في الريف، أو يتحدث عن المتعة التي يجد أثناء انزوائه في إحدى الحانات المسائية، أو يتحدث عن الممثلين، وعن التصوير والنحت وما إلى ذلك. وكان يطيب لدي كونسي أن يتحدث عن معارفه، أو يستعيد تفاصيل بعض الأحلام المزعجة، التي يقع تحت

стр. 42

كابوسها. وكان هؤلاء الكتاب يعيشون في لندن، ولذا نراهم يعنون بالحياة الاجتماعية فيها، إلا أنهم كانوا يقفون عند بعض مظاهرها الثانوية التافهة ويتحدثون عنها حديث المنتشي المستمتع. ٢- ظهور شخصية الكاتب، واضحة جلية، دون التوقيع باسم مستعار، أو التستر خلف شخصية مخترعة كشخصية الصيني الفيلسوف. وحتى في الحالات التي كان يضطر فيها الكاتب إلى إخفاء اسمه، كانت شخصيته تبدو جلية من خلال كتابته، فلا يحجبها ذلك القناع الشفاف الذي كان يتقنع به مضطرا، وقد أهمل الكتاب بعض الأساليب التقليدية في صياغة المقالة وتوجيهها، فكانوا لا يعنون بحياة النوادي والمقاهي، أو بوسائل القراء، أو بالرؤى والحكايات ذوات المغزى، أو بالشخصيات الكلاسيكية الحقيقة أو المخترعة. ثم انهم انصرفوا عن الاستشهاد بالتاريخ القديم، وشوارد الحكم وجوامع الكلم، وآثروا استقاء شواهدهم من تجاربهم الحية، أو من تجارب أصدقائهم، ومن الأخبار السيارة، في الأدب والاجتماع بأسلوب طبعي بسيط، خال من الكلفة والتصنع والافتعال. ولم يكن هم هؤلاء الكتاب المحدثين أن يسوقوا مقالاتهم للعظة والاصلاح، شأن كتاب القرن الماضي. بل كانت مقالاتهم تعبيرا حرا طليقا عن الذات، يخلو من كل توجيه أو الالتزام. والحقيقة أن هذا العكوف على الذات، والاهتمام بتجليتها في الأدب، هو أبرز خاصة تميز بها أدب القرن التاسع عشر، عصر الرومانطيقية. ٣- وقد ازداد طول هذه المقالة، ازديادا واضحا، وذلك بسبب تغيير نظام المجلات، واعتياد القراء قراءة الأبحاث الطويلة بعد أن ألفوا المجلات، مما فسح المجال أمام الكتاب لعرض آرائهم وصورهم في

стр. 43

إسهاب لم تعرفه مقالة القرن الماضي التي كانت تكتفي بعرض الصور القصيرة، وبتصوير بعض جوانب الموضوع. وهذه التغيرات الواضحة التي لحقت المقالة الحديثة، تعود إلى أسباب عديدة، نستطيع أن نجعلها فيما يلي: ١- طغيان موجة الرومانطيقية، التي غيرت مُثُل الناس وتقاليدهم في الأدب والحياة، فعكفوا على ذواتهم ونضوا عن أنفسهم أسمال الكلاسيكية، وجدوا في البحث عن وسائل جديدة، لاكتشاف ذواتهم والتعبير عنها. وقد تأثر المقاليون بطغيان هذه الموجة، شأنهم في ذلك شأن الشعراء، ولذا التقت المقالة الحديثة بالشعر الحديث في أكثر من خاصة. وهذه التيارات الجديدة في حياة الناس وأذواقهم ومُثُلهم، جرفت بعض أعلام الكتاب، فطوروا المقالة حتى أصبحت تحتمل هذه المثل الجديدة، وكان نجاحهم في ذلك، خير مشجع لغيرهم من الكتاب على السير وفق هذا النهج الجديد. وعلى هذا، لا يقل أثر لام ولي هنت وهزلت، في الحركة الأدبية الجديدة، عن أثر زملائهم من الشعراء أمثال وردزورث وبايرون وكيتس. وقد كان من شأن هؤلاء الكتّاب، الذين التفوا حول ذواتهم، أن يعودوا إلى الكاتب المقالي الذاتي الأول، مونتين، وبهذا استردت المقالة المونتينية مكانتها في نفوس الأدباء، وأصبحت دستور هذه الفئة الجديدة، يصبون على غرارها ويستشهدون بها، ويذكرون صاحبها بالتقدير والأعجاب. ٢- ظهور المجلة الأدبية: وقد كان لظهور المجلة الأدبية في هذا القرن، أثر كبير في تطور المقالة الحديثة. فقد كانت المجلة القديمة، التي سارت على نهج مجلتي ستيل وأديسون، تتسع لأغراض شتى

стр. 44

وموضوعات متنوعة، ولذا كان نصيب المقالة فيها ضئيلا. وكان لمجلات الأحزاب شأن كبير في هذا التطور. فمجلة "Edinburgh Review" التي صدرت سنة ١٨٠٢، كانت منبرا لأدباء حزب الأحرار. ومجلة "Quarterly Review" التي صدرت سنة ١٨٠٩م، كانت تنطق بلسان أدباء المحافظين. وكانت المنافسة بينهما على أشدها. ولهذا كان كل منهما تبذل المال بسخاء، لاجتذاب كبار الكتاب إليها. ولكن المجلة الأدبية الأولى، التي صدرت في هذا العهد، كانت مجلة "المتأمل" "Reflector" "١٨١-١٨١٢"، للي هنت. وقد قدمت خدمات جلى للحركة الأدبية الجديدة، ولكن عمرها كان قصيرا، وتولى تحريرها كبار كتاب العصر، وكانت خير تعبير عن الروح الجديدة التي شملت الأدب والحياة. وقد تركت هذه المجلات، آثارا بارزة في المقالة الجديدة؛ إذ استغنت عن المادة الصحفية التي كانت تضطر إليها المجلات القديمة، وبهذا فسحت المجال أمام كتاب المقالات لكي يعالجوا موضوعاتهم بإسهاب وإفاضة؛ إذ بينما كانت المجلة القديمة تخص المقالة بصفحة أو صفحتين، أصبحت المجلة الجديدة تفتح صدرها للمقالة، حتى إن بعض المقالات كانت تسود ما يقرب من عشرين صفحة. وبهذا ازداد حجم المقالة الحديثة، واتسع نطاق موضوعاتها تبعا لذلك. ومن ناحية أخرى، نجد أن المجلة الجديدة تركت أثرا كبيرا في المقالة الحديثة، وذلك بحرصها على اجتذاب أعلام الكتاب، ونفحهم المكافآت الضخمة وتركها الحرية لهم ليعالجوا الموضوعات التي يريدون. هذا فضلا عن أن سير هذه المجلات نحو التجديد بخط حثيثة،

стр. 45

وحرصها على أن تأتي بكل جديد مفيد، شجع الكتاب على أن يجربوا أقلامهم في موضوعات طريفة لم تخطر لأسلافهم من كتاب القرن الثامن عشر على بال. وحسب هذه المجلات فخرا أنها قدمت للأدب الإنكليزي، بل للأدب العالمي، مجموعة من أعلام الكتاب كان في طليعتهم لام وهزلت ودي كونسي ولي هنت، الذين عرفوا بتأثرهم بالمقالة القديمة، وبأثرهم الكبير في خلق المقالة الحديثة. ثم بخلود آثارهم الأدبية وبقائها على الزمن. وكان منهم مجموعة اشتهرت بتميزها في الفنون الأدبية الأخرى، وخاصة القصة، ومنهم دكنز وثكري وستيفنسون.

стр. 46

٨- المقالة الحديثة: كان روبرت لويس ستيفنسون آخر كتَّاب المقالة العظام، في القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الفن الأدبي لم يفقد روعته وسحره عند الكتاب المحدثين، ولكنه انطبع بما تجلى في هذا القرن من ميل إلى التخصص، بعد اتساع نطاق العلوم والفنون؛ وأخذت المقالة الذاتية تفقد روعتها تدريجا نظرا لطغيان النزعة العلمية، وأصبح هم الكتاب أن يقدموا لقرائهم مادة طريفة، تنم عن تفكير عميق، وطول تدبر وتمعن، مجلوة بأسلوب أدبي متقن. ولذا غلب فيها طابع الدرس والتمحيص على طابع التعبير الذاتي الحر الطليق، وصار الكتاب يتنافسون على التعمق في دراسة الموضوعات التي يعرضون لها، والتعبير عنها بأسلوب أدبي رصين. إلا أن فنا أدبيا قديما، أخذ يزاحم المقالة، ويحاول أن يجليها عن مكانتها المرموقة في الصحف والمجلات. وهذا الفن هو الأقصوصة، التي تطورت في القرن التاسع عشر، من الحكاية الساذجة

стр. 47

البسيطة، التي تخلو من الصنعة الفنية المتقنة، إلى عمل أدبي صرف له شروط دقيقة محكمة، ويحتاج كاتبه إلى فطنة وبراعة في اختيار المادة وإخراجها. والأقصوصة من بين ألوان الكتابة النثرية القصيرة، هي الزي الأدبي المفضل في النصف الأول من هذا القرن. وقد اشتهر من كتاب المقالة الشخصية في هذا القرن ماكس بيربوم وإدوارد لوكاس وهيلير بلوك وجون جولزورذي ووليم بتلر بيتس وجوزيف كنراد وستيفان ليكرك. واشتهر في كتابة المقالة النقدية والعلمية والفلسفية، فضلا عمن ذكرنا، جورج برنارد شو، وجورج مور، وهيو ولبول، وت. س. أليوت، وهـ. ج. ولز، وأرنولد بنيت، وبرتراند رسل، وسير أولفر لودج وسواهم. وقد شهدت المقالة ازدهارا عظيما في أميركا، وخاصة في وصف الطبيعة وفي النقد الأدبي. وشهرتها في سائر بلدان العالم لا تقل عن ذلك؛ لأنها أصبحت الوسيلة السريعة الأولى للاتصال بالقراء، وتزودهم بالمعلومات، وإثارة أفكارهم وعواطفهم، وذلك في الصحف السيارة وفي المجلات. وهذا مما يجعل أمر حصرها واستقصاء أنواعها وأسماء كتابها في هذا البحث الموجز، من الصعوبة بمكان عظيم.

стр. 48

٩- المقالة في الأدب العربي الحديث: يرتبط تاريخ المقالة في أدبنا الحديث بتاريخ الصحافة ارتباطا وثيقا. فالمقالة بنوعيها الذاتي والموضوعي، لم تظهر في أدبنا، أول ما ظهرت على أنها فن مستقل شأنها في فرنسا وإنكلترا. بل نشأت في حضن الصحافة، واستمدت منها نسمة الحياة منذ ظهورها، وخدمت أغراضها المختلفة، وحملت إلى قرائها آراء محرريها وكتابها. ولذا كان لزاما علينا أن نبحث عن تطور المقالة في الصحف اليومية أولا، ثم في المجلات، مع تقدير الفوارق الهامة بين أنواع المقالات التي تكتب للصحف وتلك التي تكتب للمجلات. إذا استعرضنا المقالات التي ظهرت في الصحف المصرية، خلال النهضة، نجد أنها مرت في أطوار أربعة: الطور الأول: طور المدرسة الصحفية الأولى، ويمثلها كتاب الصحف الرسمية، التي أصدرتها الدولة أو أعانت على إصدارها. ويمتد هذا الطور، حتى الثورة العرابية. ومن أشهر الكتاب الذين شاركوا في تحرير صحف هذه الفترة: رفاعة الطهطاوي وعبد الله أبو السعود وميخائيل عبد السيد ومحمد أنسي وسليم عنحوري. وقد نشروا مقالاتهم في الوقائع المصرية ووادي النيل والوطن وروضة الأخبار ومرآة الشرق على التوالي. وقد ظهرت المقالة على أيديهم، بصورة بدائية فجة، وكان أسلوبهم أقرب إلى أساليب عصر الانحطاط، فهو يزهى بالسجع الغث وبالمحسنات البديعية والزخارف المتكلفة الممجوجة. وقد كانت الشئون السياسية هي الموضوع الأول لهذا المقالات، ولكن الكتاب كانوا يعرضون أحيانا لبعض الشئون الاجتماعية والتعليمية. الطور الثاني: وفيه ظهرت المدرسة الصحفية الثانية، التي تأثرت بدعوة جمال الدين الأفغاني، وبنشأة الحزب الوطني الأول، وبروح الثورة والاندفاع التي سبقت الحركة العرابية. وكان للمدرسة السورية المتمصرة يد لا تنكر على تطوير المقالة في هذه المرحلة من حياتها. وقد برز في هذه المدرسة عدد من الشخصيات التي ارتبط تاريخها بتاريخ الكفاح الوطني في مصر، ومنهم أديب إسحاق وسليم النقاش وسعيد البستاني وعبد الله نديم ومحمد عبده وإبراهيم المويلحي

стр. 49

ومحمد عثمان جلال وعبد الرحمن الكواكبي وبشارة تقلا. وقد تحللت هذه المدرسة من قيود السجع. إلى حد بعيد، وأخذت تقترب من الشعب شيئا فشيئا، وذلك بتأثير الشيخ محمد عبده وحركته الإصلاحية. ومن أهم الصحف التي كتبوا فيها: الأهرام ومصر والتجارة والفلاح والحقوق. الطور الثالث: وفيه ظهرت طلائع المدرسة الصحفية الحديثة، ومنهم علي يوسف ومصطفى كامل وعبد العزيز جاويش وولي الدين يكن وسليم سركيس ومحمد رشيد رضا وخليل مطران ونجيب الحداد وأمين الحداد ولطفي السيد ومحمد مسعود. وهذه المدرسة نشأت في عهد الاحتلال، وتأثرت بالنزعات الوطنية والإصلاحية التي سبقته وبالنزعات الحزبية التي تلته؛ إذ كان من نتيجة الاحتلال الإنكليزي لمصر أن ظهرت الأحزاب السياسية؛ لتنظم الكفاح ضد الإنكليز والأتراك، وفقا لفلسفتها ومثلها الخاصة. فكان علي يوسف يمثل حزب الإصلاح، ويحمّل جريدة "المؤيد" رسالته. وكان مصطفى كامل يمثل الحزب الوطني وينشر مبادئه على صفحات "اللواء". وكان لطفي السيد يمثل حزب الأمة الذي كان يضم مثقفي ذلك العصر، وينشر أفكاره السياسية والثقافية على صفحات "الجريدة" والحقيقة أن أكثر هذه الصحف اتجه اتجاها سياسيا قويا، فكانت المقالة فيه محدودة بحدود الموضوع، وهي أقرب إلى الخطبة الحماسية منها إلى المقالة الهادئة المتزنة. أما "الجريدة"، فقد تميزت في ذلك الحين بأنها تحمل دعوة التجديد والبعث، على أساس العلم الحديث؛ ولذا عنيت بشئون التربية والتعليم، وبشئون السياسية النظرية، وكانت خير مجال لتمثيل النزعات الأدبية الحديثة -نزعات المطربشين- وقد ربت عددا من الكتاب، الذين قادوا الحركة

стр. 50

الأدبية والاجتماعية فيما بعد، ومنهم: عبد الرحمن شكري وعبد الحميد حمدي وعبد الحميد الزهراوي وعبد العزيز البشري ومحمد السباعي وعبد السلام ذهني وإبراهيم رمزي ومحمد حسين هيكل وطه حسين وإبراهيم عبد القادر المازني وعباس محمود العقاد وعزيز خانكي ومصطفى عبد الرازق وسلامة موسى وتوفيق دياب. ومن السيدات: لبيبة هاشم ونبوية موسى وملك حفني ناصف. وهؤلاء في الحقيقة هم أساطين الحركة الأدبية الحديثة التي ظهرت بين الحربين، وقد توزعوا شئون الكتابة فيما بينهم، فكان منهم الناقد والمؤرخ والمربي والمتفلسف والخطيب والسياسي والقاص. ومن هنا ندرك أهمية الدور الذي لعبه لطفي السيد وجريدته، حتى أصبح الباحثون يدعونه: أستاذ الجيل١. وقد خطت هذه المدرسة بالأسلوب الأدبي خطوات جبارة، فخلصته من قيود الصنعة والسجع، وأطلقته حرا بسيطا، حمولته من الأفكار والمعاني تفوق حمولته من الزخرف والعبث البديعي. الطور الرابع: المدرسة الحديثة، وتبدأ بالحرب العظمى الأولى وما تلاها من أحداث جسام، قلبت الحياة المصرية رأسا على عقب، وصفت جوهر الشخصية المصرية حتى ظهرت على حقيقتها. وأهم هذه الأحداث الثورة المصرية الأولى سنة ١٩١٩م. وقد ظهر في هذه الفترة من الصحف التي تركت أثرها في الحياة الأدبية عامة، وفي المقالة

стр. 51

خاصة: جريدة السفور لعبد الحميد حمدي "١٩١٥"، وقد اجتذبت إليها أكثر كتاب "الجريدة"، و"الوجديات" لمحمد فريد وجدي "١٩٢١" ثم صحف الثورة وما بعدها، وخاصة صحف الأحزاب ومنها "الاستقلال" لمحمود عزمي "١٩٢١"، وقد شارك في تحريرها الدكتور طه حسين، و"النهضة المصرية" "١٩٢٢" لعبد الحميد حمدي، و"السياسة" "١٩٢٢" لمحمد حسين هيكل، وكانت لسان حال حزب الأحرار الدستوريين، و"البلاغ" "١٩٢٣" لعبد القادر حمزة، وكانت وفدية، و"كوكب الشرق" "١٩٢٤" لأحمد حافظ عوض، وكانت وفدية أيضا، و"الأخبار" "١٩٢٥" لأمين الرافعي، و"الأسبوع" "١٩٢٦" لإبراهيم عبد القادر المازني. ثم ظهرت الصحف الحزبية والمستقلة الحديثة كـ"المصري" و"صوت الأمة" و"الدستور" و"الأساس" و"أخبار اليوم" و"الأخبار"، وكلها سارت على التقليد الصحفي الذي أرسى قواعده رجال الصحافة الحزبية في طورها الأول، مع بعض التجديد الذي اقتضاه اتساع الثقافة وتدرب الكتاب واستحصاد ملكاتهم بالممارسة، واتساع شئون الحياة السياسية بعد معاهدة ١٩٣٦. وكان أثر هذه الصحف في المقالة محصورا في نطاق المقالة السياسية، أو افتتاحية التحرير. أما أثرها الأدبي فقد كان ضعيفا؛ إلا أنها قدمت للقارئ بعض كبار الكتاب، ومنهم محمد تيمور ومحمود تيمور اللذان ظهرا على صفحات "السفور"، والمازني الذي برز في تحرير "الأهرام" و"الأفكار" و"الرجاء" و"البلاغ"، وهيكل محرر "السياسة اليومية" و"السياسة الأسبوعية". وامتازت المقالة في هذا الطور بالتركيز والدقة العلمية، والميل إلى بث

стр. 52

الثقافة العامة لتربية أذواق الناس وعقولهم. أما أسلوبها فهو الأسلوب الأدبي الحديث الذي عرف به محرر هذه الصحف، وقد كان منهم نفر من أقطاب المدرسة الأدبية الحديثة. إلا أن الصحف اليومية بطبيعتها، توجه عنايتها في المقام الأول إلى شئون السياسة، ولذا نجد أن المقالة التي ظهرت فيها، اقتصرت على لون خاص؛ ولكن المجلات تعهدت بسد هذه الثلمة. وشأن المقالة الصحفية في لبنان يختلف عنه في مصر، فقد كان لبنان سباقا إلى التجديد، في مختلف فنون الأدب، بحكم ظروفه الاجتماعية وصلاته الثقافية المبكرة مع الغرب. ولقد اختصرت صحفة تلك المراحل العديدة التي تلكأت فيها الصحافة المصرية، وكان لظهور الصحف الشعبية فيه، في وقت مبكر، أثر كبير في ذلك. وكذلك كان لاضطلاع بعض الأجانب القائمين على شئون الصحف الدينية، بعملية التحرير والتنسيق أثر في تهذيب الذوق الصحفي في لبنان، بعاملي التقليد والتحديد. وكذلك كان للصحف العربية التي صدرت خارج لبنان كـ"عطارد" و"برجيس باريس" و"المشترى" في فرنسا أثر كبير في ذلك. وأول جريدة سياسية شعبية ظهرت في لبنان هي "حديقة الأخبار" "١٨٥٨" لخليل الخوري. وقد أعانه على تحريرها بعض أدباء العصر ومنهم أخوه سليم الخوري وسليم شحادة وسليم الشلفون وميخائيل المدور. وبعد هذه الصحيفة، ظهرت صحف يوسف الشلفون وهي "الشركة الشهرية" و"الزهرة" و"النجاح" و"التقدم". ولم يخرج في أسلوبه الصحفي عن النهج الذي سار عليه محررو "حديقة الأخبار". هذه الصحف التي ذكرنا، هي التي وضعت الأسس التي سارت عليها المدرسة الصحفية الأولى، مدرسة القرن التاسع عشر والعقد الأول

стр. 53

من القرن العشرين: وقد تبعتها صحف أخرى، تولى تحريرها كبار كتاب العصر أمثال: بطرس البستاني وسليم البستاني وإبراهيم سركيس والشيخ يوسف الأمير وأنطون الجميل١ والشيخ إسكندر العازار وعبد القادر القباني وسليم سركيس ونقولا نقاش ولويس صابونجي وأديب إسحاق وسواهم من أدباء القرن الماضي في لبنان. وتطورت الحركة الصحفية بعد إعلان الدستور العثماني وانتشار الحرية الفردية والشعور بالكرامة؛ لتسهم في توطيد أسس هذا العهد الجديد؛ فلمع من الكتاب بشارة الخوري في "البرق" وجرجي شاهين عطية في "المراقب" وفيلكس فارس في "لسان الاتحاد" وعبد الغني العريسي في "المفيد" و"صدى المفيد" و"لسان العرب" و"الفتى العربي"، وكان أول كاتب صحفي درس أصول هذا الفن في أوروبا. وكان أقوى المدافعين عن القضية العربية حجة وأجرأهم لسانا وأمضاهم قلما. كما ظهر طانيوس عبده الشاعر الناثر في "الأيام" و"الراوي"، وقد خصصها للقصة. ومحمد الباقر في "البلاغ" وخليل زينية في "المرأة". وقد امتازت هذه الطبقة بازدياد حظها من الثقافة والحرية، ولذا تطورت المقالة الصحفية على يدها تطورا كبيرا. وقد فترت الحركة الصحفية أثناء الحرب العظمى الأولى، لتعود قوية نشطة بعدها. وكان للاحتلال الفرنسي أثر كبير في هذا النشاط؛ إذ إنه في ناحية حرص على نشر ثقافته ولغته بين الناس. ومن ناحية أخرى أخذ يرهق الناس بالضغط السياسي والتفرقة الطائفية واحتكار

стр. 54

اقتصاديات البلاد، وتوجيه أبنائها وجهة خاصة، تذلل له حكمهم والسيطرة عليهم. فكانت هذه الثقافة التي بذل المستعمر جهوده في تعميقها بين الناس، سلاحا حادا شهره الكتاب في وجهه. وبذا خطت الصحافة اللبنانية خطوة كبيرة ونشأت في هذا العهد طبقة من الكتاب بين مؤازر ومحايد ومعارض، اصطنعت الصحافة لتحقيق أهدافها وتجسيم مثلها، وكانت هذه الطبقة نواة للمدرسة الصحفية الحديثة في لبنان، التي لمع من كتابها جبران التويني وميشال زكور ومحيي الدين النصولي وعبد الله مشنوق ويوسف يزبك وميشال أبو شهلا وعمر فاخوري وسواهم.

стр. 55

١٠- المجلات وأثرها في تطور المقالة العربية الحديثة: كان للبنانيين، وخاصة رجال المدرسة السورية المتمصرة، أثر كبير في نشأة المجلة العربية وتطورها. فقد عرف لبنان المجلات في وقت مبكر من تاريخ نهضته؛ فظهرت "الجنان" و"الزهرة" و"المهماز" و"النحلة" سنة ١٨٧٠، و"النجاح" سنة ١٨٧١، و"المقتطف" سنة ١٨٧٦، و"المشكاة" سنة ١٨٧٨، و"الجامعة"، سنة ١٨٩٤، و"المشرق" سنة ١٨٩٨، وسواها من مجلات القرن الماضي. وقد كانت "الجنان" بحق رائد المجلات العربية قاطبة؛ إذ إنها وضعت الأسس التي سارت عليها تلك المجلات فيما بعد، فالمقتطف، فيما يبدو لي، اقتبس خطتها ووسعها وتصرف فيها متعمدا على ذلك النبع الثر من ثقافة منشئية. وفي مصر كان للبنانيين أثر كبير في نشأة المجلات الثقافية والعلمية، وتطويرها وتهذيب أسلوبها. فقد أنشأ فيها لويس الصابونجي "النحلة الحرة" "١٨٧١"، وأنشأ خليل اليازجي "مرآة الشرق" "١٨٨٢"،

стр. 56

وميخائيل جرجس عورا "الحضارة" "١٨٨٢"، والدكتور شبلي الشميل "الشفاء" "١٨٨٦"، وشاهين مكاريوس "اللطائف" "١٨٨٦"، وانتقلت إليها المقتطف سنة ١٨٨٥، وأصدر زيدان مجلة "الهلال" سنة ١٨٩٢. وبعد ذلك أنشأ شاكر شقير "الكنانة"، وأنشأ إبراهيم اليازجي "البيان" و"الضياء". وقد أصدر عدد من الأدباء المصريين مجلات عدة كانوا ينهجون فيها نهج المدرسة السورية المتمصرة، من حيث التنسيق والتحرير والكتابة. والحقيقة أن المصريين لم ينتبهوا إلى أثر المجلة وأهميتها في النهضة الأدبية والاجتماعية، إلا بعد الثورة المصرية، التي انضجت بذور الوعي القومي في نفوس المصريين، ولهذا رأينا إقبالا كبيرا عليها في ذلك العهد. وقد امتازت المجلة آنذاك بالتخصص، فأصبح لكل فن من الفنون، ولكل فرع من فروع الصناعة مجلة خاصة، إلا أن هنالك بعض المجلات الأدبية التي غنيت بالمقالة الأدبية ومن أهمها: "الزهراء" و"الجديد" و"السياسة الأسبوعية" و"البلاغة الأسبوعي" و"الناقد" و"الرسالة" و"الفجر" و"المجلة الجديدة" و"أبولو" و"الشباب" و"الثقافة و"الكتاب المصري" و"الكتاب". عرضنا في ما ضي لأثر الصحف اليومية في تطور المقالة الأدبية ونهضتها، إلا أن أثر المجلة كان أعظم شأنا. فالمجلة بطبيعة حجمها، ومواعيد صدورها، تحتمل من الجد والإسهاب أكثر مما تحتمل الصحيفة اليومية. ثم إن غايتها تختلف عن غاية الصحيفة، نجد أن المجلة تعني بالثقافة والأدب في المقام الأول. ومن أهم المجلات التي لعبت دورا خطيرا في نهضتها الأدبية مجلة

стр. 57

"المقتطف"، التي وضعت أسس المنهج العلمي في الكتابة والتفكير. في العالم العربي. وكانت في طورها الأول الذي ينتهي بوفاة الدكتور يعقوب صروف، أكثر تعلقا بالأبحاث العلمية، ثم حدث فيها التوازن بين العلم والأدب حين تولى تحريرها الأستاذ فؤاد صروف، وكذلك "الهلال"، التي احتفظت بطابع البحث العلمي في التاريخ والأدب، على عهد منشئها، ثم مالت إلى التنويع، واجتذبت عددا كبيرا من كتاب الشرق العربي، بعد وفاته سنة ١٩١٤. أما المجلات الحديثة، فقد نشأت نتيجة للصراع بين الأحزاب، فعندما أصدرت "السياسة" محلقها الأدبي "السياسة الأسبوعية" في ١٩ آذار "مارس" سنة ١٩٢٦، تبعتها "البلاغ" وأصدرت "البلاغ الأسبوعي" في ٢٦ من تشرين الثاني "نوفمبر" من ذلك العام. وكان لهاتين المجلتين خدمات لا تنكر. فعلى صفحات "السياسة الأسبوعية" قرأنا أول دعوة للأدب القومي المصري، وقرأنا مقالات طه حسين في الأدب والنقد وصورة البشري التي سماها "في المرآة". وقرأنا مقالات محمد حسين هيكل النقدية والتاريخية والاجتماعية، وقرأنا لعدد كبير من كتاب النهضة. وفي البلاغ الأسبوعي، دخل العقاد طورا جديدا من حياته الأدبية بعد الطور الأول الذي قطعه في "البيان" و"الجريدة" وقرأنا قصص السباعي ومقالاته الأدبية. ثم مالت المجلات إلى التخصص، فخرجت "الرسالة" سنة ١٩٣٣، وأسهم في تحريرها طه حسين وأعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر الذين استقلوا سنة ١٩٣٩ بمجلتهم "الثقافة". وفي نهاية الحرب صدرت بعض المجلات الأدبية الرصينة، التي كادت تنسخ أثر الرسالة والثقافة والمقتطف والهلال، ومنها الكاتب المصري

стр. 58

"١٩٤٥-١٩٤٨" التي تولى تحريرها الدكتور طه حسين، والكتاب "١٩٤٥-١٩٥٣" التي أصدرتها دار المعارف وتولى تحريرها عادل الغضبان. وفي لبنان، عدا ما ذكرنا من مجلات القرن الماضي، نجد أن المجلة الأدبية تقفز قفزة هائلة بين الحربين، ومن أهم المجلات التي ظهرت في هذا الطور: "المرأة الجديدة" "١٩٢١"، و"منيرفا" "١٩٢٣" وهما نسائيان، و"الكشاف" و"المعرض" و"الجمهور" و"المكشوف" و"الأديب" وسواها. وقد كان لهذه المجلات أثر كبير في تطوير المقالة الأدبية، وكانت في اتجاهها العام أميل إلى المقالة الأدبية والنقدية، منها إلى المقالة الذاتية. وفي سائر أقطار العالم العربي، سارت الصحف والمجلات سيرتها في مصر ولبنان، وقد كان هذان القطران، وما يزالان عنوان النهضة الأدبية الحديثة، فلا عجب إذا رأينا هذه الأقطار تقلدهما في الصحافة والأدب بوجه عام. ونستطيع بعد هذا العرض التاريخي لحركة المجلات في لبنان ومصر، أن نوجز أثر المجلة في تطور المقالة بما يلي: ١- تطوير اللغة وتهذيب أسلوب الكتابة بحيث أصبح أداة مواتية لنقل الأفكار الحديثة. ٢- اتساع صفحاتها لنشر مختلف أنواع المقالة من ذاتية وموضوعية. ٣- خلق طبقة من الكتاب الذين عنوا بفن المقالة وجعلوها الوسيلة الأولى لنقل أفكارهم وإذاعة آرائهم. وقد برز من هؤلاء أعلام المدرسة الأدبية الحديثة في مصر ولبنان.

стр. 59

أعلام المقالين المحدثين ... ١١- أعلام المقاليين المحدثين: قلنا إن المجلات ربت طبقة من الكتّاب الذين جعلوا من المقالة وسيلتهم الأولى لنشر آرائهم وإذاعة أفكارهم على جمهور القراء، وقد اتضحت أساليب بعض هؤلاء الكتاب واستبانت خصائصها ومميزاتها بطول الممارسة ومداومة المران. حتى أصبح لكل كاتب أسلوب خاص يعرف به ويميزه عن غيره من الكتاب المنشئين. فعرف يعقوب صروف أسلوبه العلمي الرصين الذي كان يقصد به إذاعة الحقائق العلمية وتبسيطها حتى يسلس قيادها للجمهور. وهذا الأسلوب يمتاز بالدقة والوضوح والتحديد والاستقصاء والقصد إلى الموضوع دون مداورة أو مقدمات. وفيه حرص شديد على تنزيل المصطلح العلمي في مكانه اللائق الذي لا يبدو فيه قلقا أو نابيا. وإنشاؤه سهل اللفظ بسيط العبارة منيع التركيب، يخلو من الحشو والاستطراد والتخلخل. وقد ورث عنه هذه الخصائص تلميذه القائم على تراثه الأستاذ فؤاد صروف، إلا أنه أشد عناية بصقل الأسلوب وتهذيب العبارة وتوفير الصور البيانية القوية الموحية. وامتاز المنفلوطي بأسلوبه الخطابي الذي كان تهذيبا لأساليب أمراء البيان في عصور العرب الزاهرة، بحيث تتلاءم مع حاجات الكتابة العصرية. وقد كان المنفلوطي يفلت من التقيد بتراث السلف في الصور والقوالب، إلا أنه احتفظ ببعض لوازم هذا الأسلوب كالإفراط في الترادف والتوازن، والإسهاب في عرض الأفكار وجلائها في أزياء مختلفة، والتورط في السجع والإسراف فيه في غير مواضعه المستحبة، في أحيان كثيرة، وقد برع في تخير الألفاظ ومراعاة المشاكلة في

стр. 60

رصفها وتنسيقها لكي تحجب ما في تفكيره وخياله من ضحالة وسطحية. ومال إلى المبالغة في التلفيق والتصنع، والغلو في إيراد الصفات المؤكدة التي تكسب الكلام قوة مفتعلة وعنفا في غير موضعه. وقد أشار المازني إلى ذلك في "الديوان" فقال عنه: "فهو لا يزال يعالج الإقناع والتأثير بضروب من التأكيد والغلو والتفصيل وغير ذلك، مما ليس أدل منه على الكذب والتزوير، لما وقع في وهمه من أنه يكسب الكلام قوة وشدة، لا يفيدهما أن يلقيه ساذجا ويدعه غفلا. وأول ما يستوقف النظر فيه من هذا، ولعه بالمفعول المطلق وتكلفه له لظنه أنه من المحسنات اللازمة للصقل، وأن العبارات بدونه تكون مبتورة، والجمل لا يجري فيها النفس إلى آخره دون توقف واعتراض"١. وأسلوب البشري وسط بين الترسل والسجع، يختار له الألفاظ المجلجلة ذات الجرس القوي والعبارات الضخمة الرنانة، لكي يستأثر بانتباه القارئ ويوهمه بأن الكتابة عمل ضخم رائع يحتاج إلى ذخيرة من الأوابد، ومقدرة على معاناة التفصح الثقيل والتعالم الممجوج. ولكن هذا الأسلوب يتفاوت بتفاوت الغرض، فهو حين يميل إلى الفكاهة والمداعبة، يلتزم تقصير الفواصل، وإيراد العبارات الرشيقة التي لا تعصف بما تحتاج إليه الفكاهة من سرعة ولمح. وأسلوب طه حسين يجمع بين موضوعية العلم وذاتية الفن، ففيه لذة للعقل والشعور والذوق معا. وهو متأثر بالجاحظ في حرصه على تلوين العبارة وتنويع الصور والأفكار بما ينفي الملل عن القارئ. وهو

стр. 61

"لا يهجم عليك برأيه فيلقيه إلقاء الآمر، وإنما يلقاك صديقا لطيفا، ثم يأخذ بيدك أو بعقلك وشعورك ويدور معك مستقصيا المقدمات محللا ناقدا، يشركك معه في البحث حتى يسلمك الرأي ناضجا ويلزمك به في حيطة واحتياط، ثم يتركك ويقف غير بعيد متحديا لك أو ضاحكا منك. وذلك في عبارات رقيقة عذبة أو قوية جزلة فيها ترديد الجاحظ وتقسيمه. فإذا قص أو وصف أخذ عليك أقطار الحوادث والأشياء ودخل إلى أعماق الشعور وجوانب النفوس مدققا متقصيا، يخشى أن يفوته شيء ولا يخشى الملال في شيء. دقيق الشعور، صافي النفس، نبيل الجدل حاده، يسير مع خصمه بعقله حتى إذا آنس منه الغضب أو التولي تركه وانصرف"١. أو هو كما قال الدكتور محمد مندور: "أسلوب سمح تسلم الصفحة من عند أول قراءة كل ما تملك، فلا تشعر بالحاجة إلى أن تعود تستوحيها جديدا، ولكنك رغم ذلك تحمد للكاتب يسره. أسلوب واضح الموسيقى يكشف في سهولة عن أصالته"٢. وقد رد المازني ما في أسلوب طه حسين من ترادف الجمل وتقطيعها ومن تكرار وحشو إلى تلك العاهة التي فرضت عليه أن يملي مقالاته إملاء، وإلى أنه أستاذ مدرس، والأستاذ حريص دائما على أن يبسط الموضوع لتلامذته لكي يتأكد من فهمهم له وإدراكهم لجزئياته. فقال: "ولا شك أن أظهر عيب في مقالات الدكتور هو التكرار والحشو وما هو منهما بسبيل، وعندنا أن علة ذلك ليست فقط أنه يملي ولا

стр. 62

يراجع ما يملي، بل الأمر يرجع في اعتقادنا إلى سببين جوهريين: أولهما أن ما أصيب به في حياته من فقد بصره، كان له تأثير لا نستطيع أن نقدر كل مداه، في الأسلوب الذي يتناول به موضوعاته، وفي طريقة العبارة عن معانيه وأغراضه. ولسنا نتحرج أن نذكر ذلك، فإنه أعرف بنا من أن يشك في عطفنا، بل نحن أعلى به عينا وأسمى تقديرا من أن نعتقد أن به حاجة إلى هذا العطف. وليس يخفى أن المرء إذا حيل بينه وبين المرئيات ضعف أثرها في نفسه، ولم تعد الكلمة الواحدة تغني في إحضار الصورة المقصودة إلى ذهنه بالسرعة والقوة الكافيتين، فلا يسعه إلا الإسهاب ومحاولة الإحاطة ومعالجة الاستقصاء والتصفية. وثاني هذين السببين أنه أستاذ مدرس وقد طال عهده بذلك، والتعليم مهنة تعود المشتغل بها التبسط في الإيضاح، والإطناب في الشرح والتكرير أيضا، بل تفعل ما هو شر من ذلك: وأعني أنها تدفع المرء عن الأغوار والأعماق إلى السطوح. وبعبارة أخرى تضطر المدرس أن يجتنب التعمق والغوص، وأن يكتفي -ما وسعه الاكتفاء- بما لا عسر في فهمه ولا عناء في تلقيه"١. أما أحمد أمين، فشأنه غير هذا الشأن؛ إذ إن جانب العقل عنده يطغى على جانب العاطفة، وهو يتلقى الحياة بعقله وتفكيره ولا يلتهمها بقلبه وشعوره، وهو من أصحاب المعاني لا من أصحاب الألفاظ، ولذا امتاز أسلوبه بالوضوح في التعبير، والدقة في الوصف، والإيجاز في العرض، على طريقة الكتاب الذين يستمدون صورهم من واقع الحياة البسيطة التي يحيونها. وهو في حرصه على تصوير هذا الواقع لا يستنكف عن استعماله الألفاظ العامية والتعبيرات الإقليمية، التي يظهر أنه كان مفتونا بها، حتى

стр. 63

إنه أفرد لها أحد كتبه. وفي أسلوبه يقول الزيات: "كان همه من الكتابة أن يقرر ويقنع، لا أن يؤثر ويمتع، ولعل منشأ ذلك فيه أن عقله كان أخصب من خياله، وأن علمه كان أكبر من فنه، وأن حبه للحرية والصراحة كان يحبب إليه إرسال النفس على سجيتها من غير تقييدها بأسلوب معين، وعرض الفكرة على حقيقتها من غير تمويهها بوشي خاص. ومع ذلك كان لأسلوبه طابعه المميز وجاذبيته القوية. تقرؤه فلا تروعك منه الصور البيانية الأخاذة ولا الأصوات الموسيقية الخلابة، وإنما تروعك منه المعاني المبتكرة الطريفة والآراء الصريحة الجريئة والشخصية القوية المهيمنة. فأنت منه بإزاء عالم يبحث لينتج، أو مصلح يصف ليعالج، لا بإزاء مصور يلون ليعجب أو موسيقار يلحن ليطرب"١. وقد وصفه طه حسين أحسن وصف، حين نقد الجزء الأول من "فيض الخاطر" فقال: "ومع ذلك فهناك شيئا لا أستطيع أن أختم هذا الفصل دون أن ألم بهما وأشير إليهما: فأما أولهما فهو أن الأستاذ أحمد أمين يسرف في حبه للمعاني وإعراضه عن جمال اللفظ، وغلوه في أن يكون قريبا سهلا وسائغا مألوفا ومفهوما من العامة وأوساط الناس، حتى يضطره ذلك إلى أن يصطنع بعض الاستعمالات العامية التي لا حاجة إليها، ولا تدعو النكتة الفنية إلى استعمالها. وإنما هو تعمد من الأستاذ وتكلف يفسد عليه الجمال الأدبي أحيانا، ويغري بعض نقاده أن يزعموا أن إنشاءه ليس إنشاء أدبيا. وهو مع ذلك أحسن ما يكون الإنشاء الأدبي لو لم يتطرف صاحبه -أحيانا- بهلهلة نسجه، متعمدا لذلك متكلفا له مسرفا فيه ...

стр. 64

هذا أحد الأمرين، والأمر الآخر يتصل ببساطة الأستاذ التي أشرت إليها في أول هذا الفصل. فما أكثر ما يقف الأستاذ عند الأوليات التي لا تخفى على أحد فيبسطها بسطا ويفصلها تفصيلا، ويطيل فيها كأنه يعالج بعض المشكلات الغامضة"١. وأسلوب الزيات يعتمد على الصنعة المحكمة والتكلف المرهق، وتوفير القيم اللفظية والتوازن الموسيقي، ولو أدى ذلك إلى هدر المعنى والافتئات على الفكرة. فهو ضفيرة منسقة من الألفاظ الموسيقية المجلجلة، أو قطعة عن الفسيفساء أبدعتها يد فنان صناع، أو هو قوالب جاهزة يلبسها لكل فكرة، ويلقيها على كل موضوع، دون أن يحاول الخروج عن النسق المعتاد، أو السنة المقررة، ودون أن يعني بتحوير القالب وتهذيبه بحيث يلائم الشكل المطلوب. وهو بهذه "اللفظية" المحكمة، يتنكر للبلاغة، ما دامت البلاغة ملاءمة الكلام لمقتضى الحال. ولا نستطيع أن نتحدث عن المازني، دون أن نلم بصديقه وعشير صباه العقاد، على ما كان بينهما من تباين، بل تناقض، في تناول الحياة والتعبير عنها، كأنهما جوادان شدا إلى عربة واحدة، كل منهما يجرها في طريق معاكس للآخر. فالعقاد كاتب متجهم القلم، ذو طبيعة جدية، يكتب كمن يحمل أعباء التاريخ على كاهله، أو كمن وكل بعقول الناس يتناولها بالتشذيب والتهذيب. لا يعبث بموضوعه ولا يحيله إلى مهرجان من السخرية والضحك، يعيش في برجه العاجي، ويرود آفاقا سامية نبيلة ولا يتدنى إلى العادي من مشكلات الحياة اليومية؛ وهو إن أراد أن يزيح عن كاهله نير الجد، وأن يطلق أساريره بالبشاشة والمرح، أو إذا ألحت عليه نزعة التطرف الذي عرف عنه في مجالسه الخاصة وندواته الأدبية،

стр. 65

لجأ إلى الشعر، فأحاله إلى عبث عابر سبيل. وعندما تجيل نظرك في مجموعات مقالاته. لا تقع عينك إلا على كل رصين متزمت من الموضوعات. وعنوانك كتبه توحي بهذا العبوس الجاد. على عكس المازني الذي نستطيع أن تلم بملامحه الفارقة. من أسماء كتبه، كقبض الريح، وخيوط العنكبوت، وصندوق الدنيا، وحصاد الهشيم ... وهذا لا يعني أن المازني أقل حكمة وعقلا من رفيق عمره وعشير صباه. بل أن نظرته إلى الحياة، في بعض الأمور، أشد عمقا وأكثر أصالة. ولكنه مرح فكه ثرثار عابث، يرضيه أن يبث قارئه كل ما في قلبه، أما العقاد فلا يتيح لأفكاره أن تستقبل القراء إلا بعد أن يستن لها مقصا حادا قاسيا لا يرحم. والمازني كلما حاول الجد -وهو قلما يحاول ذلك- خانته طبيعته فاستثقل مسوح الوعاظ، وألقى عن كاهله طيلسان المفكر العابس، أو الأستاذ الجامعي المتزمت. فكأنه كان يكتب كتبه، ونصب عينيه قولة مونتين المشهورة ... "هذا الكتاب يقوم على موضوع بيتي خاص، وقد وقفته على أصدقائي حتى إذا ما افتقدوني -وهذا ما سيحدث سريعا- وجدوا فيه بعض ملامح من أحوالي وفكاهتي. وهكذا يتاح لهم أن يختفظوا بمعلوماتهم عني على صورة أكمل وبطريقة أكثر حيوية". ولذا فهو يسعى أن يعرض على القارئ صورة نفسه، صادقة واضحة، بما فطرت عليه من دمامة أو جمال، وبما امتازت به من أساليب في التفكير والتأمل، وما علق بها من غبار التجارب، وما جنته من ثمار الحياة، حلوها ومرها، ناضجها وفجها. وكان إذا ما وضع قلمه على القرطاس، انهالت عليه الأفكار الطريفة، والصور المونقة، واللفتات

стр. 66

البارعة، فتدفق في حديثه وتبسط، وأفرغ ما في نفسه دون تمويه أو تصفية؛ وكأنه يرى أن حياته الخاصة ملك للبشرية، فلا يضن بها على الورق، صدقهتا القارئ أو لم يصدقها. وهو لا يعرض الموضوع بمقدماته ونتائجه، ليقدم إليك صورة واضحة عن عملية التفكير، بل يحيلك إلى موضع الأسرار من نفسه، فيعرض عليك انبثاق التجارب فيها ونموها واكتمالها. وهو يرى أن كل شيء تقع عليه عينه يصلح لأن يكون موضوعا للكتابة، فهو يتقبل المنحة سواء كانت من يد عجوز شمطاء، أو من يد غادة لعوب. وعالمه هو عالم الأساطير والخرافات الشعبية، تتنزى فيه أشباح الموتى واللصوص وقطاع الطرق وخفافيش الليل. في صميم قلبه حزن دفين يعبث به ويخفف وطأته على نفسه بالسخرية والضحك، وإحساس بضياع الحقيقة في مجتمعه، فهو يدور من حولها، ويحوم ولا يرد. يضحك من نفسه ومن قارئه ويجسم عاهاته ونقائصه، ويتصرف تصرفات "دونكيشوتية"، ويجول في آفاق الحلم واليوتوبيا، وهو قادر على أن يفاجئك دائما وإن يأتيك من مأمنك، بذهن متوقد وحيوية متدفقة ومرح يبعث على الضحك المجلجل الصريح. يبدأ مقالاته أحيانا ببعض الخواطر العابرة أو الأفكار التافهة، ثم ينتقل إلى الجد، ولكن بطريقته الخاصة؛ وهو يخدع القارئ عن نفسه ويوقعه في حبائله بسهولة ويسر، حتى يظن أنه أمام عابث لاه، لا عمل له إلا السخرية والضحك، ولكنه في الحقيقة، بعيد الغور عميق القرار. فهو حين يحدثك عن خصوصياته، عن زوجه وابنته وأبنائه وجدته العجوز، يشعرك بأنه يجاذبك أطراف حديث سخيف، لتزجية الفراغ وقتل الوقت. فلا تنخدع بذلك، إنه يخفي عنك جوهر الحقيقة حقيقة النفس المتألمة الحزينة التي ترى أن خير وسيلة لنساين الألم، هي

стр. 67

مبادرته باللهو والعبث واللامبالاة. فمرحه مبطن بحزن دفين. فهذا المرح المولع بالفكاهة والنكتة يقشعر بدنه ويقف شعره عند ذكر الموت. وهذا الشاك الذي لا يؤمن بأي شيء، يتعلق دوما بحبال الدين، ويتدنى في إيمانه إلى منزلة إيمان العجائز. ويرنو بعينيه إلى المثل العليا، ولكنه يرى في نفسه عجزا عن بلوغها، منبعه كسل ركب في طبيعته، أو شك في مقدرته وفضائله. وهو أثناء ذلك كله متمسك بأثارة من الفكاهة التي تظهر على صور مختلفة، وتتجلى في مواقع متباينة، هي مرح سطحي هنا، وعبث لاه هناك، وسخرية لاذعة مرة هنالك. وبهذا وحده كان المازني نسيج وحده في أدبنا بل هو ظاهرة لم تتكرر في أدبنا المعاصر، وإن تكررت مرتين في أدبنا -في الجاحظ والشدياق. ويمتاز أسلوب مي بالتنوق في اختيار الألفاظ ذات الجرس المؤثر، والعبارات الأنيفة الرشيقة، والوضوح الذي ينفي كل لس وإبهام. وهو ينم عن عناية فائقة بالصقل والتهذيب، واحتفال شديد بتوازن العبارات في موسيقى عذبة هادئة. وهي تحرص على تنسيق الجمل في وحدات مترادفة متساوقة، على ألا يؤدي ذلك إلى الرتابة والإملال، بل هي في كل موقف تفجؤك بنغم جديد، يوقظ حواسك ويثير انفعالك، ثم تتبعه وتستقصيه، خافتة هنا، صاخبة هناك كأنها تعزف قطعة موسيقية بعيدة الأغوار متباينة الجرس إلا أنها منسقة الألحان، منسجمة الأنغام. ولعل لشغفها بالموسيقى وتدلهما بها إلى حد العبادة، وبراعتها في العزف على عدد من آلاتها، أثرا في خلق هذا الأسلوب الموقع المتماوج، وفي تراوح نغماته بين الغموض والوضوح، والشدة واللين، والقوة والضعف، تبعا لتغير الموضوعات واختلافها، بين خاطرة شعرية ومقالة اجتماعية ودراسة أدبية.

стр. 68

القسم الثالث: فن المقالة تمهيد وتعريف ... القسم الثالث: فن المقالة ١- تمهيد وتعريف: هناك نفر من الناس يجدون لذة فائقة في الحياة عندما يخلون إلى أنفسهم ليفكروا في أمر هذا العالم الذي يحيط بهم. وهم يجدون في هذه الحياة التي يحيونها متعة لا تعدلها متعة، لا لأنها تتيح لهم أن يستغرقوا في أعمالهم ويعكفوا عليها بل لأنها تهيئ لهم ساعات من الفراغ يقضونها في التأمل والتفكير. ولا يجد رجل الأعمال متعته في اضطلاعه بعمله وتمرسه به؛ لأنه لا يعتبر هذا العمل هواية يمارسها ويشغف بها لذاتها، ولكنه يتخذ منه وسيلة لتحقيق هدفه الأول وهو الكسب المادي. أما رجل الفكر والتأمل فلا تعنيه مثل هذه الغايات في حد ذاتها، بل يبحث عن التجارب الحيوية التي يغوص في لجتها ويستغرق فيها لأنه يجد في التجربة ذاتها لذة ومتعة وترويحا عن النفس. فإذا ما اجتاز مثل هذا الرجل مرحلة التأمل والاستيعاب إلى مرحلة التعبير، فإن وسيلته الأولى هي المقالة. وإذا ذهبنا نبحث عن تعريف جامع مانع للمقالة، أعيانا البحث وضلت بنا سبله، شأننا في ذلك شأن هؤلاء النقاد الذين عجزوا عن أن يحيطوا هذا الفن الأدبي بتعريف دقيق؛ نظرا لتشعب أطرافه واختلاطه بالفنون الأخرى على صورة من الصور. فالدكتور جونسون يعرف المقالة بأنها "نزوة عقلية لا ينبغي أن يكون لها ضابط من نظام هي قطعة لا تجري على نسق معلوم ولم يتم هضمها في كاتبها. وليس الإنشاء المنغم -في نظرة- من المقالة الأدبية في شيء". وهذا التعريف إن صدق على المقالة في طورها الأول، فهو لا يصدق عليها اليوم، بعد أن تنوق كتابها في إحكام نسجها وإتقان تأليفها.

стр. 69

أمأ موري في قاموسه، فقد تنبه للتغيرات التي طرأت على المقالة الحديثة، فعرفها بأنها "قطعة إنشائية ذات طول معتدل تدور حول موضوع معين أو حول جزء منه". ثم مضى قائلا: "وكانت في الأصل تعني موضوعا يحتاج إلى مزيد تهذيب، ولكنها أصبحت الآن تطلق على أية قطعة إنشائية، يختلف أسلوبها بين الإيجاز والإسهاب ضمن مجالها الموضوعي المحدود". والذي نستبينه من هذا التعريف، أن المقالة بمرور الأيام واختلاف الكتاب أصبحت عملا منظما، يتطلب مزيدا من إحكام الصنعة وضبط التصميم، إلا أنها مع هذا، لا تبلغ مبلغ الكتاب أو البحث الكامل. وقد عرف أدموند جوس المقالة في بحثه المنشور في دائرة المعارف البريطانية بقوله: "المقالة باعتبارها فنا من فنون الأدب، هي قطعة إنشائية ذات طول معتدل تكتب نثرا، وتلم بالمظاهر الخارجية للموضوع بطريقة سهلة سريعة، ولا تعنى إلا الناحية التي تمس الكاتب عن قرب". من هذه التعريفات المختلفة نخرج بتعريف يكاد يشملها جميعا، وهو أن المقالة الأدبية قطعة نثرية محدودة في الطول والموضوع، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية من الكلفة والرهق. وشرطها الأول أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب. وهذا التعريف ينطبق على المقالة بمعناها الفني الضيق ويحتفظ لها بصفتها التي أرادها لها مونتين حين سماها "محاولة".

стр. 70

٢- التمييز بين المقالة الذاتية والمقالة الموضوعية: وحوالي نهاية القرن الماضي أصبحت المقالة مطية ذلولا لجميع الكتاب يلجئون إليها لعرض تأملاتهم الذاتية أو أفكارهم الموضوعية، دون أن يتقيدوا بالتقليد الذي وضعه مونتين أو باكون. وهكذا وسعت المقالة خواطر شارلس لام ومقطوعاته التي تتسم بميسم الغنائية الذاتية، كما وسعت دراسات كارليل التاريخية، ودراسات ماثيو أرنولد النقدية، ومباحث الدوس هكسلي العلمية. وبهذا نضت عنها الثوب القديم؛ إذ بدا مهلهلا، وأرتدت ثوبا قشيبا، وغدت في عرف الأدباء والدارسين قطعة نثرية تدور حول موضوع من الموضوعات، ومن شأنها أن تروق القارئ وتستهويه؛ لأن الكاتب بذل جهده في تجلية ذاك الموضوع في حلة أنيقة ملائمة. ومن طبيعة الفنون الأدبية إلا تنحصر في نطاق محدود صلب الأطراف، بل هي كالأواني المستطرفة، يعدو كل منها على أخيه، ويفيد منه. وهكذا استغلت المقالة الفنون الأخرى فأخذت من السيرة والقصص رسم الشخصيات ومن المسرحية الحوار ومن القصيدة النائية النفحة الشعرية. وتسهيلا للبحث، نلجأ إلى تقسيم المقالة الحديثة إلى نوعين هما: المقالة الذاتية والمقالة الموضوعية. بيد أنه ليس من السهولة بمكان وضع حدود فارقة بين هذين النوعين، إلا أن محك التمييز الصادق بينهما، هو مقدار ما يبثه الكاتب في كل منهما من عناصر شخصية. ففي النوع الأول تبدو شخصية الكاتب جلية جذابة تستهوي القارئ وتستأثر بلبه، وعدته في ذلك الأسلوب الأدبي الذي يشع بالعاطفة ويثير الانفعال، ويستند إلى ركائز قوية من الصور الخيالية والصنعة البيانية والعبارات الموسيقية والألفاظ القوية الجزلة. والمثل الواضح على ذلك مقالات لام في الأدب الإنكليزي ومقالات المازني في أدبنا. وفي النوع الثاني تستقطب عناية الكاتب، ومن ثم القارئ، حول موضوع معين، يتعهد الكاتب بتجليته، مستعينا بالأسلوب العلمي الذي ييسر له ذلك. ومن خصائص

стр. 71

هذا الأسلوب الوضوح والدقة والقصد وتسمية الأشياء بأسمائها. ولا يبيح الكاتب لشخصيته وأحلامه وعواطفه أن تطغى على الموضوع. ومن ذلك أنه يضحي بحريته في عرض أحاسيسه الخاصة في سبيل الحفاظ على حدود الموضوع ومنطقه الخاص وبنائه القائم على المقدمات والعرض والنتائج. فالفروق الأساسية بين هذين النوعين إذًا هي أن المقالة الذاتية تعني بإبراز شخصية الكاتب، بينما تعني المقالة الموضوعية بتجلية موضوعها، بسيطا واضحا خاليا من الشوائب التي قد تؤدي إلى الغموض واللبس. والمقالة الذاتية حرة في أسلوبها وطريقة عرضها، لا يضبطها ضابط، بينما تحرص المقالة الموضوعية على التقيد بما يتطلبه الموضوع من منطق في العرض والبحث والجدل وتقديم المقدمات واستخراج النتائج. ولكنهما أخيرا تنبعان من منبع واحد، هو رغبة الكاتب الملحة في التعبير عن شيء ما. وقد يكون هذا الشيء تأملاته الشخصية في الحياة والناس، فيكتب مقالة ذاتية. وقد يكون موضوعا من الموضوعات، فيعمد إلى المقالة الموضوعية، وفي كلتا الحالتين يهتدي الكاتب إلى الأسلوب المعبر الذي يعينه على تجلية غرضه.

стр. 72

٣- المقالة الذاتية: تبين لنا مما سبق من حديث، أن المقالة الذاتية هي التي احتفظت بالمعنى الأدبي والتاريخي للاصطلاح؛ إذ كانت المقالة في أصلها، كما ذكرنا آنفا، تكتب لتوفر قيما أدبية خاصة، أي أن كاتبها كان يصطنع النثر الفني وسيلة للتعبير عن إحساسه بالحياة وتجربته فيها. وهي في هذا تقابل القصيدة الغنائية "لأن كلتيهما تغوص بالقارئ إلى أعمق أعماق نفس الكاتب أو الشاعر، وتتغلغل في ثنايا روحه حتى تعثر على ضميره المكنون. فكل الفرق بين المقالة والقصيدة الغنائية هو فرق في درجة الحرارة. تعلو وتتناغم فتكون قصيدة أو تهبط وتتناثر فتكون مقالة أدبية"١. ولعلنا نقع على خير صورة لهذا النوع من المقالة عند مونتين؛ إذ جعل "نفسه" المحور الذي تدور عليه جميعا، وانصرف إلى التحدث إلى قرائه، عارضا عليهم تأملاته ونظراته في الحياة والناس، مقبلا تارة مدبرا أخرى، محبا هنا مبغضا هناك. وهو في ذلك لا يعني بتهذيب أفكاره ونظراته وتشذيبها، فقد يسهب في موضع حين يجد مجال القول ذا سعة، وقد يوجز في موضع آخر حين يكل قلمه أو لا يلفي في نفسه رغبة في الإسهاب. بيد أنه في كل ذلك، كان ينظر إلى شئون الحياة والأدب بمنظاره الخاص، معريا نفسه للقارئ، نابشا عن أعمق أعماقه، بأسلوب ساذج رخو، هو أسلوب الحديث العادي الذي يمتاز بالبساطة واليسر والسلاسة والتنوع. وقد لاحظنا من التعريفات السابقة، أن من شروط المقالة الذاتية أن تكون على غير نسق من المنطق وأن تسير رخاء دون تكلف للتنسيق أو افتعال للترتيب، ودون أن يتورط كاتبها في الإسراف في الوعظ والإرشاد. وقد عبر أحد المقاليين عن هذه المعاني جميعا حين خاطب كتاب المقالة عندنا بقوله: "كلا ليس للمقالة الأدبية، ولا ينبغي أن يكون لها نقط ولا تبويب ولا تنظيم. فإن كانت كذلك فلا عجب أني ينفر القارئون -أيها الأدباء- من قراءة ما تكتبون. لا تعجبون يا قادة الأدب المصري ألا يقرؤكم إلا قلة من طبقة القارئين؛ لأنكم تصرون على أن يقف الكاتب منكم إزاء قارئه

стр. 73

موقف المعلم لا الزميل، موقف الكاتب لا المحدث، موقف المؤدب لا الصديق، ويصطنع الوقار فلا يصل نفسه بنفسه. وإلا فحدثني بربك أي فرق يجده القارئ بين الصحيفة الأدبية والكتاب المدرسي؟.." ثم يقول: "فكاتب المقالة الأدبية على أصح صورها، هو الذي تكفيه ظاهرة ضئيلة مما يعج به العالم من حوله، فيأخذها نقطة ابتداء، ثم يسلم نفسه إلى أحلام يأخذ بعضها برقاب بعض، دون أن يكون له أثر قوي في استدعائها عن عمد وتدبير، حتى إذا ما تكاملت من هذه الخواطر المتقاطعة صورة، عمد الكاتب إلى إثباتها في رزانة لا تظهر فيها حدة العاطفة، وفي رفق بالقارئ حتى لا ينفر منه نفور الجواد الجموح؛ لأن واجب الأديب الحق أن يخدع القارئ كي يمعن في القراءة كأنما هو يسري عن نفسه المكروبة عناء اليوم أو يزجي فراغه الثقيل، وهو كلما قرأ تسلل إلى نفسه ما شاع في سطور المقالة من نكتة خفية وسخرية هادئة، دون شعور منه بأن الكاتب يعمد في كتابته إلى النكتة والسخرية. فإذا بالقارئ آخر الأمر يضحك، أو يتأثر على أي صورة من الصور، بهذه الصور الخيالية التي أثبتها الكاتب في مقالته. وقد تعجب القارئ: كيف يمكن أن يكون في النفوس البشرية مثل هذه اللفتات واللمحات! ولكنه لن يلبث حتى يتبين أن هذا الذي عجب منه إنما هو جزء من نفسه أو نفوس اصدقائه، فيضجره أن يكون على هذا النحو السخيف، فيكون هذا الضجر منه أولى خطوات الإصلاح المنشود"١. وهذا يعني أن تأملات الكاتب يجب أن تكون ممتعة في ذاتها فلا يحسن أن تكون وسيلة لغاية تختفي بين سطورها، فتوجه المقالة توجيها وعظيا يضعف من

стр. 74

قيمتها، بل يقضي عليها بالفناء العاجل ... وهي بهذا تختلف عن البحوث والدراسات؛ لأن هذه تفنى متعتها عندما يستنزف القارئ ما فيها من معلومات أو عندما تتغير بعض الحقائق التي اشتملت عليها، بتقدم العلم، أو اختلاف الأذواق. وليس هذا مصير المقالة بمعناها الأدبي الصحيح؛ إذ إنها في هذه الحالة، لا تشتمل على قيم خارجة عن نطاقها الخاص، أي أنها تكون ممتعة في ذاتها، وبهذا وحده يكتب لها الخلود، لا بما تحتويه من المعلومات الموثوقة أو التحليل العلمي الدقيق. وكذلك لا تقوم المقالة على الجدل والنقاش؛ لأن المجادل يسعى دوما إلى عرض الحقائق كما يراها من زاويته الخاصة، وكما ينسقها بمنطقه الخاص. وهو بهذا يدافع عن رأي ارتآه، أو مذهب اعتنقه. ولكن المقالة لا تعنى بشيء من ذلك، بل تعنى بالتعبير عن تجربة حيوية تمرس بها الكاتب وتقلب على جمرها، ويشترط في كاتب المقالة الذاتية أيضا ألا ينظر إلى الحياة نظرة جادة، بل عليه أن يلمحها بعين ساخرة متسامحة تغضي على القذى وتستمرئ العلقم. فلا يندفع في تيار المواعظ التي تصبح غاية في نفسها، بحيث تمحي معالم شخصية الكاتب فينحرف عن مهمته الأولى وهي التعبير عن نفسه، تعبيرا صادقًا ممتعًا.

стр. 75

٤- ألوانها وأشهر كتابها: ليس من اليسير تحديد الموضوعات التي يتاح لكتاب المقالة الذاتية، أن يديروا حولها مقالاتهم. فهي متنوعة تنوع التجارب الإنسانية، متباينة تباين شخصيات الكتاب، فكل كاتب من الكتاب، صورة متميزة بألوانها وخطوطها. وقد تتقارب الألوان وتتلاقى الخطوط، إلا أن كل شخصية تحتفظ بطابعها الخاص وقسماتها الفارقة. وقد رأينا تسهيلا للبحث أن نعرض أهم ألوان هذا النوع من المقالة، كما ظهرت على أقلام أشهر كتابها: ١- الصورة الشخصية: وهي خير ما يمثل هذا النوع؛ إذ إنها تعبير فني صادق عن تجارب الكاتب الخاصة والوراسب التي تتركها انعكاسها الحياة في نفسه. وهي في أحسن حالاتها ضرب من الحديث الشخصي الأليف، والثرثرة والمسامرة، والاعتراف والبوح. ولكنها تمتاز إلى جانب ذلك بروعة المفاجأة وتوقد الذكاء وتألق الفكاهة. ولا تخلو من السخرية الناعمة أو الحادة، تبعا لاتجاه الكاتب وألوان شخصيته. وقد حدد الدكتور زكي نجيب محمود شروط هذا النوع من المقالة واتجاه الكتاب فيها بقوله: "شروط المقالة الأدبية أن يكون الأديب ناقما، وإن تكون النقمة خفيفة يشيع منها لون باهت من التفكه الجميل. فإن التمست في مقالة الأديب نقمة على وضع من أوضاع الناس فلم تجدها، وإن افتقدت في مقالة الأديب هذا اللون من الفكاهة الحلوة المستساغة فلم تصبه، فاعلم أن المقالة ليست من الأدب الرفيع في كثير أو قليل، مهما تكن بارعة الأسلوب رائعة الفكرة. وإن شئت فاقرأ لرب المقالة الإنكليزية "أديسون" ما كتب، فلن تجده إلا مازجا سخطه بفكاهته، فكان ذلك أفعل أدوات الإصلاح. نريد من كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه محدثا لا معلما، بحيث يجد القارئ نفسه إلى جانب صديق يسامره لا أمام معلم يعنفه. نريد من كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه زميلا مخلصا، يحدثه عن تجاربه ووجهة نظره، لا أن يقف منه موقف الواعظ فوق منبره، يميل صلفا وتيها بورعه وتقواه، أو موقف المؤدب يصطنع الوقار حين يصب في أذن
следующие страницы →