← Адаб

Адаб · id 8497

فن المقالة

محمد يوسف نجم

Полный текст (120 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا الأسلوب الوضوح والدقة والقصد وتسمية الأشياء بأسمائها. ولا يبيح الكاتب لشخصيته وأحلامه وعواطفه أن تطغى على الموضوع. ومن ذلك أنه يضحي بحريته في عرض أحاسيسه الخاصة في سبيل الحفاظ على حدود الموضوع ومنطقه الخاص وبنائه القائم على المقدمات والعرض والنتائج. فالفروق الأساسية بين هذين النوعين إذًا هي أن المقالة الذاتية تعني بإبراز شخصية الكاتب، بينما تعني المقالة الموضوعية بتجلية موضوعها، بسيطا واضحا خاليا من الشوائب التي قد تؤدي إلى الغموض واللبس. والمقالة الذاتية حرة في أسلوبها وطريقة عرضها، لا يضبطها ضابط، بينما تحرص المقالة الموضوعية على التقيد بما يتطلبه الموضوع من منطق في العرض والبحث والجدل وتقديم المقدمات واستخراج النتائج. ولكنهما أخيرا تنبعان من منبع واحد، هو رغبة الكاتب الملحة في التعبير عن شيء ما. وقد يكون هذا الشيء تأملاته الشخصية في الحياة والناس، فيكتب مقالة ذاتية. وقد يكون موضوعا من الموضوعات، فيعمد إلى المقالة الموضوعية، وفي كلتا الحالتين يهتدي الكاتب إلى الأسلوب المعبر الذي يعينه على تجلية غرضه.

стр. 72

٣- المقالة الذاتية: تبين لنا مما سبق من حديث، أن المقالة الذاتية هي التي احتفظت بالمعنى الأدبي والتاريخي للاصطلاح؛ إذ كانت المقالة في أصلها، كما ذكرنا آنفا، تكتب لتوفر قيما أدبية خاصة، أي أن كاتبها كان يصطنع النثر الفني وسيلة للتعبير عن إحساسه بالحياة وتجربته فيها. وهي في هذا تقابل القصيدة الغنائية "لأن كلتيهما تغوص بالقارئ إلى أعمق أعماق نفس الكاتب أو الشاعر، وتتغلغل في ثنايا روحه حتى تعثر على ضميره المكنون. فكل الفرق بين المقالة والقصيدة الغنائية هو فرق في درجة الحرارة. تعلو وتتناغم فتكون قصيدة أو تهبط وتتناثر فتكون مقالة أدبية"١. ولعلنا نقع على خير صورة لهذا النوع من المقالة عند مونتين؛ إذ جعل "نفسه" المحور الذي تدور عليه جميعا، وانصرف إلى التحدث إلى قرائه، عارضا عليهم تأملاته ونظراته في الحياة والناس، مقبلا تارة مدبرا أخرى، محبا هنا مبغضا هناك. وهو في ذلك لا يعني بتهذيب أفكاره ونظراته وتشذيبها، فقد يسهب في موضع حين يجد مجال القول ذا سعة، وقد يوجز في موضع آخر حين يكل قلمه أو لا يلفي في نفسه رغبة في الإسهاب. بيد أنه في كل ذلك، كان ينظر إلى شئون الحياة والأدب بمنظاره الخاص، معريا نفسه للقارئ، نابشا عن أعمق أعماقه، بأسلوب ساذج رخو، هو أسلوب الحديث العادي الذي يمتاز بالبساطة واليسر والسلاسة والتنوع. وقد لاحظنا من التعريفات السابقة، أن من شروط المقالة الذاتية أن تكون على غير نسق من المنطق وأن تسير رخاء دون تكلف للتنسيق أو افتعال للترتيب، ودون أن يتورط كاتبها في الإسراف في الوعظ والإرشاد. وقد عبر أحد المقاليين عن هذه المعاني جميعا حين خاطب كتاب المقالة عندنا بقوله: "كلا ليس للمقالة الأدبية، ولا ينبغي أن يكون لها نقط ولا تبويب ولا تنظيم. فإن كانت كذلك فلا عجب أني ينفر القارئون -أيها الأدباء- من قراءة ما تكتبون. لا تعجبون يا قادة الأدب المصري ألا يقرؤكم إلا قلة من طبقة القارئين؛ لأنكم تصرون على أن يقف الكاتب منكم إزاء قارئه

стр. 73

موقف المعلم لا الزميل، موقف الكاتب لا المحدث، موقف المؤدب لا الصديق، ويصطنع الوقار فلا يصل نفسه بنفسه. وإلا فحدثني بربك أي فرق يجده القارئ بين الصحيفة الأدبية والكتاب المدرسي؟.." ثم يقول: "فكاتب المقالة الأدبية على أصح صورها، هو الذي تكفيه ظاهرة ضئيلة مما يعج به العالم من حوله، فيأخذها نقطة ابتداء، ثم يسلم نفسه إلى أحلام يأخذ بعضها برقاب بعض، دون أن يكون له أثر قوي في استدعائها عن عمد وتدبير، حتى إذا ما تكاملت من هذه الخواطر المتقاطعة صورة، عمد الكاتب إلى إثباتها في رزانة لا تظهر فيها حدة العاطفة، وفي رفق بالقارئ حتى لا ينفر منه نفور الجواد الجموح؛ لأن واجب الأديب الحق أن يخدع القارئ كي يمعن في القراءة كأنما هو يسري عن نفسه المكروبة عناء اليوم أو يزجي فراغه الثقيل، وهو كلما قرأ تسلل إلى نفسه ما شاع في سطور المقالة من نكتة خفية وسخرية هادئة، دون شعور منه بأن الكاتب يعمد في كتابته إلى النكتة والسخرية. فإذا بالقارئ آخر الأمر يضحك، أو يتأثر على أي صورة من الصور، بهذه الصور الخيالية التي أثبتها الكاتب في مقالته. وقد تعجب القارئ: كيف يمكن أن يكون في النفوس البشرية مثل هذه اللفتات واللمحات! ولكنه لن يلبث حتى يتبين أن هذا الذي عجب منه إنما هو جزء من نفسه أو نفوس اصدقائه، فيضجره أن يكون على هذا النحو السخيف، فيكون هذا الضجر منه أولى خطوات الإصلاح المنشود"١. وهذا يعني أن تأملات الكاتب يجب أن تكون ممتعة في ذاتها فلا يحسن أن تكون وسيلة لغاية تختفي بين سطورها، فتوجه المقالة توجيها وعظيا يضعف من

стр. 74

قيمتها، بل يقضي عليها بالفناء العاجل ... وهي بهذا تختلف عن البحوث والدراسات؛ لأن هذه تفنى متعتها عندما يستنزف القارئ ما فيها من معلومات أو عندما تتغير بعض الحقائق التي اشتملت عليها، بتقدم العلم، أو اختلاف الأذواق. وليس هذا مصير المقالة بمعناها الأدبي الصحيح؛ إذ إنها في هذه الحالة، لا تشتمل على قيم خارجة عن نطاقها الخاص، أي أنها تكون ممتعة في ذاتها، وبهذا وحده يكتب لها الخلود، لا بما تحتويه من المعلومات الموثوقة أو التحليل العلمي الدقيق. وكذلك لا تقوم المقالة على الجدل والنقاش؛ لأن المجادل يسعى دوما إلى عرض الحقائق كما يراها من زاويته الخاصة، وكما ينسقها بمنطقه الخاص. وهو بهذا يدافع عن رأي ارتآه، أو مذهب اعتنقه. ولكن المقالة لا تعنى بشيء من ذلك، بل تعنى بالتعبير عن تجربة حيوية تمرس بها الكاتب وتقلب على جمرها، ويشترط في كاتب المقالة الذاتية أيضا ألا ينظر إلى الحياة نظرة جادة، بل عليه أن يلمحها بعين ساخرة متسامحة تغضي على القذى وتستمرئ العلقم. فلا يندفع في تيار المواعظ التي تصبح غاية في نفسها، بحيث تمحي معالم شخصية الكاتب فينحرف عن مهمته الأولى وهي التعبير عن نفسه، تعبيرا صادقًا ممتعًا.

стр. 75

٤- ألوانها وأشهر كتابها: ليس من اليسير تحديد الموضوعات التي يتاح لكتاب المقالة الذاتية، أن يديروا حولها مقالاتهم. فهي متنوعة تنوع التجارب الإنسانية، متباينة تباين شخصيات الكتاب، فكل كاتب من الكتاب، صورة متميزة بألوانها وخطوطها. وقد تتقارب الألوان وتتلاقى الخطوط، إلا أن كل شخصية تحتفظ بطابعها الخاص وقسماتها الفارقة. وقد رأينا تسهيلا للبحث أن نعرض أهم ألوان هذا النوع من المقالة، كما ظهرت على أقلام أشهر كتابها: ١- الصورة الشخصية: وهي خير ما يمثل هذا النوع؛ إذ إنها تعبير فني صادق عن تجارب الكاتب الخاصة والوراسب التي تتركها انعكاسها الحياة في نفسه. وهي في أحسن حالاتها ضرب من الحديث الشخصي الأليف، والثرثرة والمسامرة، والاعتراف والبوح. ولكنها تمتاز إلى جانب ذلك بروعة المفاجأة وتوقد الذكاء وتألق الفكاهة. ولا تخلو من السخرية الناعمة أو الحادة، تبعا لاتجاه الكاتب وألوان شخصيته. وقد حدد الدكتور زكي نجيب محمود شروط هذا النوع من المقالة واتجاه الكتاب فيها بقوله: "شروط المقالة الأدبية أن يكون الأديب ناقما، وإن تكون النقمة خفيفة يشيع منها لون باهت من التفكه الجميل. فإن التمست في مقالة الأديب نقمة على وضع من أوضاع الناس فلم تجدها، وإن افتقدت في مقالة الأديب هذا اللون من الفكاهة الحلوة المستساغة فلم تصبه، فاعلم أن المقالة ليست من الأدب الرفيع في كثير أو قليل، مهما تكن بارعة الأسلوب رائعة الفكرة. وإن شئت فاقرأ لرب المقالة الإنكليزية "أديسون" ما كتب، فلن تجده إلا مازجا سخطه بفكاهته، فكان ذلك أفعل أدوات الإصلاح. نريد من كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه محدثا لا معلما، بحيث يجد القارئ نفسه إلى جانب صديق يسامره لا أمام معلم يعنفه. نريد من كاتب المقالة الأدبية أن يكون لقارئه زميلا مخلصا، يحدثه عن تجاربه ووجهة نظره، لا أن يقف منه موقف الواعظ فوق منبره، يميل صلفا وتيها بورعه وتقواه، أو موقف المؤدب يصطنع الوقار حين يصب في أذن

стр. 76

سامعه الحكمة صبا ثقيلا. نريد للقارئ أن يشعر وهو يقرأ المقالة الأدبية أنه ضيف قد استقبله الكاتب في حديقته ليمتعه بحلو الحديث. لا أن يحس كأنما الكاتب قد دفعه دفعا عنيفا إلى مكتبته ليقرأ له فصلا من كتاب"١. وخير من يمثل هذا النوع من المقالات في الأدب الأوروبي، مونتين وشارلس لام وأولفر وندل هولمس. وقد كان لكل منهم طريقة خاصة، غدت بين الكتاب عرفا شائعا، ونبراسا تعشو إليه أبصارهم. فطريقة مونتين ومن اهتدى بهديه من الكتاب تقوم على الموضوع والتألق، وتعكس كبيرا من الفكاهة الحلوة والسخرية الناعمة. ويبدو لنا الكاتب من خلالها، رجلا اختبر الحياة وتمرس بآفاقها وتجرع كأس الشقاء حتى الثمالة، وخرج من كل ذلك بابتسامة المدرك الواعي، الذي اطلع على صغار الناس، وعرف دواعيه ونتائجه، فوقف منه موقف المشفق المتسامح. وقد أدرك أن طموح الإنسان وآماله العريضة في الحياة، إن هي إلا سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا أتاه لم يجده شيئا، فأحر به أذن أن يزور عن الحياة أو أن ينظر إليها بعين مستخفة ساخرة انبثاق بعض الحقائق التي تمثل أمام ناظريه وتحمله على أن يتدبرها، أو يلقاها بالجد الصارم بادئ ذي بدء، ثم يحدب عليها بعطفه، أو يذرف عليها دمعة رثاء. وهو رضي النفس دمث الخلق لا يشمخ بآنفه، أنفة وكبرياء، ولا يتصرف تصرف الجلف الجافي الطباع، بل يحتفظ باتزانه وهدوئه دوما. ثم إنه يقف إلى جانب الحق دائما، ويعليه على كل اعتبار، بيد أنه لا

стр. 77

يندفع في ذلك متحمسا طائشا، بل يكبح جماح أهوائه، ويكفكف من غرب نزواته. وأسلوبه بسيط رخي، فهو لا يسهب مثرثرا، ولا يبيح لقلمه أن يجول على وجه القرطاس ويصول، دون ما رادع أو زاجر. وهو أخيرا رجل متحضر مثقف. صقلت أخلاقه المدنية، وهذبت ميوله اختباراته الواسعة في الحياة. أما شارلس لام ورجال مدرسته، فإنهم يؤثرون المبالغة ويشقون على أنفسهم في التهويل ويسرفون في عواطفهم إلى غير غاية. والكاتب من هؤلاء يمتاز بتأثره الشديد بالجمال، ويكون عبدا للحالات النفسية التي تنتابه، فهو تارة حزين مسرف في الحزن، والفرح في نفسه مدثرة أو مائعة، فهو هوائي المزاج، يضحك حتى تطفر من عينيه دمعة الرضا والبهجة، ولكنها سرعان ما تنقلب إلى دمعة حرّى سخينة، هي دمعة الحزن العميق، والألم العاصف. وهو لا يرمي بضحكه إلى تهذيب، ولا يستهدف به إصلاحا، بل يجد في البحث عن النكتة، ويجعلها وكده، حتى ولو أقام نفسه محورا للتفكه والتندر. وهو شارد اللب موزع الخاطر في بعض الأحيان قد يركب رأسه وتجمع به نزوات الغضب. ولكنه يحتفظ دوما بصفته الأساسية وهي الوداعة والتسامح وصفاء النفس. وهو يحب الأطفال ويحدب عليهم، ويحترم السيدات ويقف لهن إجلالا ويركع أمامهن متعبدا. وله في اختيار أنواع الطعام وتمييز ألوان الشراب ذوق صادق لا يخطئ، ولكنه إذا طولب بتعليل لهذا الاختيار أو ببرهان على إيثار هذا اللون على ذاك، لجأ إلى المداورة والتحيل، وتورط في بعض الأدلة المضحكة والآراء المستهجنة

стр. 78

وخبرته في الآثار والعادات، لا تقل عن خبرته في تمييز المآكل والمشارب، فإذا ما دخل بيتا من البيوت، أخذ يتلفت يمنه ويسره باحثا عن خزانة الصيني، ليجلو عينيه بمرأى قطعها النفيسة. فإذا افتقدها، بحث عن الكتب القديمة والمخطوطات النادرة، أو حدق في قطع الأثاث التاريخية والرياش النفسية، يتأملها تأمل الهاوي الخبير. أما أولفر وندل هولمس، فإنه يتميز بالنوادر العملية التي تنضح بالذكاء وتشي بالمهارة وخفة اليد. وله عين لاقطة تلمح المفارقات المستغربة والصور العجيبة في الحياة. ولا يذهب به التطرف إلى أن يجعل من مقالته مكرضا للغو والهذر، بل يحرص أشد الحرص على أن يوفر لكتابته الكثير من القيم الاجتماعية التي تمس المشكلات الأساسية في بيئته. ولا يفهم من هذا أنه كان يترخص في كتابته، فقد كان الرجل واسع الاطلاع محيط الثقافة، لا يعجزه أن يستغل علمه الغزير فيما يكتب، وذلك لكي يبرز الأشياء المألوفة في حلة قشيبة من البداهة والذوق وحسن التعليل، يبطنها بفكاهة خبيثة ذكية. وقد كان لوراثته البيوريتانية أثر في اتجاهه الوعظي، فقد كان يلتزم الدفاع عن تقاليد بيئته الموروثة؛ لأنه كان يشعر بأنه يعيش في عصر يميل أهله إلى التحرير، بل إلى الإباحية في كثير من الأحيان. وكان يتجنب الألفاظ التافهة الخاوية التي لا تنطوي على مدلول اجتماعي قوي واضح. وكان لخبرته التي اجتناها من احتكاكه ببعض الشخصيات، ومن تمرسه بمختلف ضروب النشاط الحيوي، فضل في ما امتازت به مقالته من النظر الاجتماعي والتحليل الخلقي. وهذه الأساليب جميعا موجودة في أدبنا المقالي عند الكتاب المشاهير، أمثال محمد السباعي والمازني والعقاد وأحمد أمين ومي زيادة

стр. 79

وميخائيل نعيمة. ٢- مقالة النقد الاجتماعي: وقوامها نقد العادات الناخرة والتقاليد البالية التي ترسبت في المجتمع، على مدى الدهور. ولا تعفي الأزياء الطارئة والبدع المستحدثة من سخريتها وعبثها. ويعزى فضل إدخالها إلى الأدب الإنكليزي إلى أديسون وستيل كما ذكرنا سابقا. والمبرر الطبيعي لذيوع مثل هذا النوع من المقالات، في مجتمع ما، هو ما يطرأ عليه من مستحدثات الحضارة في الأزياء والعادات والأخلاق ووسائل اللهو والتسلية. أو ما يحتدم فيه عادة من صراع بين القديم والجديد، في فترات الانتقال. يتمثل في أكثر الأحيان في ذلك التباين الذي نلمحه بين ما يتمسك به الآباء من تقاليد، وبين ما ينزع إليه الأبناء من تجدد وتغيير. وعدة الكاتب في هذه المقالات ملاحظة دقيقة وقدرة على إحكام الوصف وإجادة التحليل، واتزان في الحكم وعمق في التأمل، وبراعة في التهكم والسخرية، حتى لا تخرج المقالة من بين يديه جثة هامدة، لا تسمع لها نأمة ولا تبدو لها حركة، فتزول قيمتها بزوال المؤثرات الطارئة التي دعت إلى كتابتها. وفي زمن أديسون وستيل كان "للموضة" أهمية خاصة؛ إذ كان الإنسان يدرك قيمة السيدة ويقدر منزلتها الاجتماعية عندما يلحظ طريقتها في اللبس ونوع الملابس التي ترتديها والحلي التي تتزين بها. ولذا كان لمقالات الأزياء والعادات متعة خاصة عند قراء القرن الثامن عشر. وقد احتدم الصراع في مصر بين القديم والجديد في فترة ما بين الحربين، وتجلى هذا الصراع واضحا في العادات والأزياء، وفي الأدب بمختلف فنونه وأساليبه. فلا عجب إذا رأينا أكثر كتاب المقالة عندنا، كأحمد أمين والمازني وطه حسين والرافعي والعقاد، يخوضون هذه المعركة في مختلف

стр. 80

ميادينها، فيتحيز أحدهم للقديم، ويتصدى له الآخر، يرد دعواه ويبطل آراءه، وتمثلث هذه المعركة على صفحات الرسالة والثقافة في ميدان الأدب. وخير ما يمثلها في الميدان الاجتماعي مقالة "سلطة الآباء" لأحمد أمين. وهو يتحدث فيها أولا عن ذلك الزمان الذي كان فيه الأب هو الآمر الناهي في الأسرة، والحاكم المطلق في جميع شئون أفرادها، من دينية ودنيوية. ثم ينتقل إلى الحديث عن هذا الزمان الذي صار فيه الأبناء آباء والمرءوس رئيسا والرئيس مرءوسا. وعرض لمشكلة لا بد من أن تحدث في كل أسرة، وهي مشكلة زواج الفتى والفتاة، وشرح المطالب الفادحة والشروط القاسية التي تتقدم بها الزوجة، بأسلوب ساخر فكه، يبين مدى الفرق بين الزواج العصري، والزواج القديم. ثم تحدث عن حياة هذه الأسرة الجديدة، حين عمر بيتها البنون والبنات، فقال: وشاء الله أن يرزقا بنين وبنات. وقد رأوا أن الأم لا تجل الأب فلم يجلوه، ولم تعره كبيرة التفات فلم يعيروه، ورأوها تبذر في مال الأب فبذروا, ورأوها حرة التصرف فتحرروا، ورأوها تخرج من البيت من غير أذان الأب فخرجوا خروجها، وتعود متى شاءت ففعلوا فعلها، ورأوها لا تتدين فلم يتدينوا، ورأوها تطالب الأب ألا يفتح رسائلها فطالبوا، ورأوها تتكلم في المسائل الدقيقة أمام أبنائها وبناتها في صراحة فتفتحت شهواتهم، وتحركت رغباتهم، وجمحت تخيلاتهم. وقال الأبناء لأبيهم: إنا مخلوقون لزمان غير زمانك فاخضع لحكم الزمان، وقد نشأنا في زمن حرية في الآراء، وحرية في الأعمال، وحرية في التصرف، لا كما نشأت في جو من الطاعة والقيد والأسر والتقاليد، فمحال أن يسع ثوبك الضيق أبداننا، وتقاليدك العتيقة البالية

стр. 81

نفوسنا، فإن حاولت ذلك فإنما تحاول إدخال الثور في قارورة، أو لف القصر الكبير بمنديل صغير! قال: نعم. قالوا: وأنت الذي سمح لنا بادئ ذي بدء أن نغشى دور السينما والتمثيل، وأن نسمع الأغاني البلدية، ونشاهد المراقص الأوروبية، فإذا أقررت المقدمة فلا تهرب من النتيجة. وأنت الذي عودنا ألا نضع للبيت ميزانية، فأنت تعطي "ماهيتك" لأمنا تنفق من غير حساب فإن انتهت في نصف الشهر طلبت منك أن تقترض فاقترضت، وأن تشتري ما لا حاجة لنا به فاشتريت، وإن تقدم الكمالي على الضروري فأطعت، فليس لك أن تطالبنا بالاقتصاد في الجدول الصغير والنهر الكبير ليس له ضابط. وخرق أن تحاول أن تضع ميزانية دقيقة لمصلحة وميزانية الدولة مبعثرة! قال: نعم. قالوا: وقد أضعت سيادتك على أمنا فلمَ تفرض سيادتك علينا؟. ورضيت بالخضوع لها فلمَ تأباه علينا وهي أم الحاضر وأنت أبو الماضي ونحن رجال المستقبل؟ قال: نعم. قالوا: وأنت نشأت في زمن خضوع تام: خضعت لأبيك في المهد صبيا، وخضعت للفقيه في المكتب، وللمدرس في المدرسة، فإذا قلت برأسك هكذا، قال الأستاذ بعصاه هكذا، فنكست رأسك وغضضت بصرك. واسعفتك عينك بالبكاء، ولم يسعفك لسانك بالقول. فلما صرت "موظفا" وقفت من رئيسك موقفك من أبيك وأستاذك، تنفذ دائما وتطيع دائما، ولم يجر على ذهنك يوما تفكير في استقلال، ولا على لسانك نداء بحرية. أما نحن فحريتنا في بيتنا حررتنا على أساتذتنا، ونادينا بالحرية القومية فتبعتمونا في شيء من الرياء، تظهرون الطاعة لرؤسائكم، وتبطنون الرضا عن حركاتنا، وتريدون أن تجمعوا بين الحرص على ماهيتكم والحرص على وطنيتكم المكبوتة، قال: نعم. قالوا: فلما قدناك وقدنا رجالنا في السياسة فلنقدكم جميعا في كل شيء: في البيت

стр. 82

وفي المال وفي العلم وفي رسم الخطط، ولنقلب الوضع فنكون قادة وتكونوا جنودا وإلا لم نرض عنكم جنودا ولا قادة. وقالت البنات لأبيهن: يا أبانا الذي ليس في السماء! رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سرا فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهرا، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حبا فأحببنا، ورأينا عريا على الشواطئ فتعرينا، وتزوجت أمنا بإذن أبيها فلنتزوج نحن بإذننا، قال: نعم. قلن: وقد أوصتنا أمنا أن نركب الزوج ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها. فإنا نرى شبان اليوم متمردين لا يخضعون خضوعك ولا يستسلمون استسلامك، فإرادتهم قوية كإرادتنا، وهم يحبون السلطة حبنا. فهم أحرار ونحن أحرار، وهم مستبدون ونحن مستبدات، فكيف نتفق؟ هل يمكن أن يبقى البيت بعدة استبدادات؟ ولكن لا بأس يا أبانا! هل البيت ضرورة من ضرورات الحياة؟ أو ليس نظام الأسرة نظاما عتيقا من آثار القرون الوسطى؟ قال: نعم. قلن: على كل حال فيصح أن يجرب جيل النساء الجديد مع جيل الرجال الجديد، فإن وقع ما خشينا عشنا أحرارات وعاشوا أحرارا، وطالبنا بتسهيل الطلاق وبهدم المحاكم الشرعية على رءوس أصحابها، وتعاقدنا تعاقدا مدنيا. قال الأب: وما تفعلن بما ترزقن من أبناء وبنات؟ قلن: لك الله يا أبانا! إنك لا تزال تفكر بعقل جدنا وجدتنا! لقد كنت أنت وأبوك وجدك تحملون أنفسكم عناء كبيرا في التفكير في الأولاد، وتضحون بأنفسكم وأموالكم في سبيلهم، وتعيشون لهم لا لكم. أما عقليتنا أهل الجيل الحاضر فأن نعيش لأنفسنا لا لغيرنا. لقد ضحك عليكم الدين والأخلاق ففهمتم أن الواجب كل شيء، وكشفنا اللعبة ففهمنا أن اللذة كل شيء، فنحن نمنع النسل، فإذا جاء قسرا فليعش كما شاء القدر،

стр. 83

ولنقدم حظنا على حظه، وسعادتنا على سعادته، ولا نفكر فيه طولا، ولا يتدخل في شئوننا كثيرا ولا قليلا. قال الأب: وأمر المال كيف يدبر؟ كيف تعشن أنتن وأولادكن إذا كان طلاق وكان فراق؟ قلن: هذا ظل آخر ظريف من ظلال تفكيرك. دع هذا يا أبانا والبركة أخيرا فيك. أما بعد فقد خلا الأب يوما إلى نفسه، وأجال النظر في يومه وأمسه، فبكى على أطلال سلطته المنهارة، وعزته الزائلة، ورأى أنهم خدعوه بنظرياتهم الحديثة، وتعاليمهم الجديدة قال: لقد قالوا إن زمان الاستبداد قد فات ومات، فلا استبداد في الحكومة ولا استبداد في المدرسة، فيجب ألا يكون استبداد في البيت، إنما هناك ديمقراطية في كل شيء، فيجب أن يكون البيت برلمانا صغيرا يسمع فيه الأب رأي ابنه ورأي زوجته، وتؤخذ الأصوات بالأغلبية في العمل وفي المال وفي كل شيء. وقالوا تنازل عن سلطتك طوعا وإلا تنازلت عنها كرها، وقالوا إن هذا أسعد للبيت، وأبعث للراحة والطمأنينة. وقالوا إن هذا يخفف العبء عنك، فنحن نقسم البيت إلى مناطق نفوذ، فمنطقة نفوذ للمرأة، وأخرى للرجل، وثالثة للأولاد، وكلهم يتعاونون في الرأي ويتبادلون المشورة. سمعت وأطعت فماذا رأيت؟ رأيت كل إنسان في البيت له منطقة نفوذ إلا شخصي، ولم أر البيت برلمانا، بل رأيته حماما بلا ماء وسوقا بلا نظام، إن حصلت على مال أرادته المرأة فستانا، وأرادته البنت بيانو، وأراده الابن سيارة، ولا تسل عما يحدث بعد ذلك من نزاع وخصام. وإن أردنا راحة في الصيف أردت رأس البر لأستريح، وأرادت الأم والبنت الإسكندرية قريبا من ستانلي باي، وأراد الابن أروربا، إلى ما لا يحصى، ولا يمكن أن يستقصى. وأخيرا يتفقون على كل شيء إلا على

стр. 84

رأيي. فوالله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما تزوجت، فإن كان ولا بد ففلاحة صعيدية، لم تسمع يوما بمدينة، ولم تركب يوما قطارا إلى القاهرة والإسكندرية لها يد صناع في عمل "الأقراص" ورأس صناع في حمل "البلاص". أيتها الزوجة! ويا أيها الأبناء والبنات! ارحموا عزيز قوم ذل. ٣- المقالة الوصفية: وتعتمد قيمتها الحقيقية على دقة الملاحظة وعلى التعاطف العميق مع الطبيعة الذي لا يحور إلا عاطفية مسرفة. ثم على الوصف الرشيق المعبر الي ينقل أحاسيس الكاتب وصورة الطبيعة كما تنعكس على مرآة نفسه، بصدق وإخلاص. والغاية الأولى في مثل هذه المقالات هي تصوير البيئة المكانية التي يعيش فيها الكاتب كما تتراءى لإنسان عميق الإحساس حاد البصر نافد البصيرة. وهذا الامتزاج مع الطبيعة، والتعبير الإنساني عنه، هو ما يميز مثل هذه المقالة عن مقالات العلماء وأبحاثهم في عالمي النبات والحيوان. ولعل مما يفسد هذه المقالة، ويعصف بقيمتها الفنية، اتجاه الكاتب إلى السفسطة والتفلسف والتحليل والتعليل. فالتصوير الساذج البسيط، هو الخاصة الأولى للمقالة الفنية، كما أنه الخاصة الأولى للقصيدة الغنائية. ومن خير أمثلتها في أدبنا "وحي البحر" و"بجوار شجرة ورد" و"مع الطير" لأحمد أمين١ و"الصخور" لميخائيل نعيمة٢ و"جمال الطبيعة" للعقاد٣ و"الربيع" للرافعي٤.

стр. 85

٤- وصف الرحلات: وقيمتها متأتية من أنها تصور لنا تأثر الكاتب بعالم جديد لم يألفه، والانطباعات التي تركها في نفسه، ناسه وحيوانه ومشاهده الطبيعية وآثاره، فهي بهذا مغامرة ممتعة تقوم بها روح حساسة في أمكنة جديدة وبين أناس لم يكن لها بهم سابق عهد. والرحالة العابر الذي يكتفي بحسو الطائر لا يستطيع أن يقدم لنا صورة حية عن رحلته، بوسعنا أن نألفها ونتعاطف معها ونعيد تجربته فيها بأنفسنا. بينما الرحالة المتبصر المتأمل، يسحب صفاته العقلية والنفسية على تلك المشاهد التي تقع عليها عينه، ويجمع الملاحظات ويقارن بينها ويتناولها بالنخل والاصطفاء، ويحاول أن يفهم المعاني الحقيقية التي تكمن وراء المرئيات التي تقع عليها عينه. فالرحلة إذن في نظره، ليست سوى تجربة إنسانية حية يتمرس بها ويجعل التعرف إلى دقائقها واستكناه خفاياها وكده، فيخرج منها أكثر فهما وأصدق ملاحظة وأغنى ثقافة وأعمق تأملا. وهي تتطلب منه عقلا حساسا مرنا سريع التأثر والتكيف والاستجابة، بوسعه أن يدرك معاني المرئيات وأن يحللها إلى خصائصها الأساسية ويقدر قيمتها حق قدرها. وشر ما يعتري هذه المقالة تدنى الكاتب إلى العاطفية المسرفة، وتكلفه المواقف التي وقفها غيره أمام المشاهد التي يستوعبها بصره وبصيرته. فهنا التزييف والتصوير والتمويه. ثم إن كتب الجغرافيا وخرائط البلدان، تستطيع أن تقدم للقارئ مادة علمية تتسم بميسم الصدق والدقة، إلا أن هذه الحقائق التي تعرضها على القارئ هي الحقائق العلمية الجافة، التي كثيرا ما تكون عرضة للهدر والتجاوز إذا ما اتسع نطاق الاكتشافات أو ازدادت معرفة العلماء بحقائق هذا الكوكب الذي نعيش عليه. والقارئ الذواقة لا يبحث عن شيء من ذلك، بل يعنيه أن يرى التفسير الذي تجود به شخصية إنسانية ملهمة، دقيقة الإحساس بارعة

стр. 86

التصوير لما تجول فيه عيناها من مشاهد المدن والبلدان. وكلما كان الكاتب عميقا في إحساسه دقيقا في تصويره، ازدادت متعة القارئ بما يقرأ ومحاولته أعادة تشكيل التجربة التي مر بها الكاتب في نفسه. ويمثلها في أدبنا "رحلة" لأحمد أمين١ و"رغيف وإبريق ماء" و"غدا تنتهي الحرب" لميخائيل نعيمة٢ و"في الزورق" للعقاد٣. ٥- مقالة السيرة: وهي صورة حية لإنسان حي. تختلف عن الترجمة في النوع والدرجة الفنية. فكاتب التراجم يعنى بجمع المعلومات وتنسيقها وعرضها عرضا علميا واضحا، ولكنه يتوارى خلف موضوعه، ولا يحاول أن يكشف الغطاء عن شخصيته في كثير أو قليل. أما كاتب السيرة المقالية، فإنه يصور لنا موقفا إنسانيا خاصا من شخصية إنسانية، فيعكس لنا تأثره بها وانطباعاته الخاصة عنها ويحاول أن يخطط معالمها الإنسانية تخطيطا فنيا واضحا، معتمدا على التنسيق والاختيار، بحيث تتراءى لنا الشخصية الموصوفة، وكأنها حية متحركة تحدثنا ونصغي لها وتروقنا بعض صفاتها فنعجب بها أو تسوءنا فننفر منها، ومقالة السيرة بالنسبة إلى السيرة الكبيرة، كالأقصوصة بالنسبة إلى القصة. الأولى تصور شريحة من الحياة أو قطاعا من الشخصية بلمسات سريعة موحية، والثانية تعرض حياة متكاملة، بريشة متأنية بطيئة تعنى بجزئيات الخطوط، وتبرز مختلف الملامح والقسمات بألوان قد تكون فائقة قوية هنا، وباهتة ضعيفة هناك. ومن أمثلتها في أدبنا "شخصية عرفتها" و"الشيخ مصطفى عبد

стр. 87

الزراق" لأحمد أمين١ و"حافظ" للبشري٢ و"القاسم أمين الفنان" للعقاد٣ و"طه حسين" و"العقاد والمازني" لتيمور٤. ٦- المقالة التأملية: وهي تعرض لمشكلات الحياة والكون والنفس الإنسانية، وتحاول أن تدرسها درسا لا يتقيد بمنهج الفلسفة ونظامها المنطقي الخاص، بل تكتفي بوجة نظر الكاتب وتفسيره الخاص للظواهر التي تحيط به. وخير ما يمثلها في أدبنا الأستاذ ميخائيل نعيمة الذي جعل وكده في مقالاته، الكشف عن روح الشرق وصوفيته العميقة، والتنبيه إلى خصائصه الروحية والفكرية، والتنويه بطاقاته والأخذ بضبع أبنائه حتى يبلغ بهم إلى ميدانهم الأصيل الذي يناسب طبعائهم ويفتح مواهبهم. ومقالاته في "البيادر"٥ تعكس هذه المعاني جميعا. وقد اشتهرت المدرسة المصرية في كتابة المقالة، بتلوين المشكلات الاجتماعية تلوينا تأمليا، لا يبلغ في عمقه مبلغ مقالات نعيمه، وهذا واضح في مقالات أحمد أمين ومنها: "فلسفة المصائب" و"نظرة في الكون" و"الحظ"٦.

стр. 88

٥- تحليل المقالة الذاتية: دراسة المقالة وتحليلها إلى أجزائها، تجربة هامة وافرة النفع كبيرة الجدوى؛ لأنها تظهر لنا كيف يعمل عقل الكاتب، حين يتمخض بالعمل الأدبي. والغاية الأخيرة لهذه الدراسة هي تذوق العمل الأدبي ثم تقدير حظه من البراعة والاتقان. وبوسعنا، تسهيلا للدراسة، أن نقسم المقالة إلى عنصرين اثنين، هما: المضمون والقالب. والقالب بدوره ينقسم إلى قسمين هما: التصميم والأسلوب. أول سؤال نلقيه على أنفسنا بعد الفراغ من قراءة المقالة هو: ما الذي أراد الكاتب أن يقوله؟ والجواب على هذا التساؤل أصعب مما يبدو لنا في الظاهر؛ لأن كاتب المقالة ليس واعظا ولا خطيبا ولا معلما. وإنما هو أديب يتأمل الحياة ويصور انعكاساتها في نفسه وأثر وقوعها على وجدانه. وعمل الدارس أن يكشف طريقة الكاتب في تفسير المادة التي وقع عليها نظره واستوعبتها عين بصيرته، ثم طريقته في عرض هذا التفسير ونشره على الناس. وعليه أن يستبين الخطوات المنطقية الخفية، التي كانت سدى العمل الأدبي، وهي أكثرها تقوم على المقارنة والمعارضة والتقسيم وتحليل العلاقات وملاحظة أوجه الشبه إذ ليست المقالة الأدبية رايا جامعا مانعا، وليست هي حكمة موجزة أو مثلا سائرا أو جامعة من جوامع الكلم. وإنما هي تجربة عقلية ووجدانية مر بها الكاتب وتمثل خطوطها وألوانها وعبر عنها بأسلوبه الخاص الذي يحمل طابع شخصيته. فهي بهذا تنضح بالذاتية، وتمثل شخصية الكاتب أصدق تمثيل. وليس من الطبيعي أن يتناسى الدارس الشق الثاني من البناء المقالي

стр. 89

-وهو ناحيتها الشكلية التي تنهض على تكأتي التصميم والأسلوب- أثناء تحليله للشق الأول. فالمضمون والصورة لا ينفصلان في العمل الأدبي الذي يتمثل كما قال عبد القاهر الجرجاني في عملية النظم. ولكن تسهيلا للدراسة، كما أسلفنا، لا بد لنا من أن نعالج كلا منهما على حدة. وقد عرف والتر باتر تصميم المقالة، في مقالته المعروفة عن الأسلوب بقوله: "هو ذلك التصور البنائي للموضوع الذي يرهص بالنهاية منذ البداية ولا يرفع عينه عنها. وهو في أي جزء من الأجزاء، يلتفت إلى الأجزاء الأخرى، إلى أن تكشف العبارة الأخيرة عن كنه العبارة الأولى وتبرر وجودها دون أن تحس بأي فتور"١. وإذا اتخذنا مقاله "فن السرور" لأحمد أمين٢ مثلا، وحاولنا أن نكشف التصميم الذي وضعه الكاتب في نفسه لها، وجدنا أولا تلك المقدمة التي يتحدث فيها عن هذه النعمة الكبرى التي منحها الله الإنسان وعن مظاهرها في مشاهد الطبيعة وفي حياة الإنسان، ويقرر أن السرور لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل يعتمد على النفس وقدرتها على اجتلاب السرور، فيقول: "نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور، يستمتع به إن كان أسبابه، ويخلقها إن لم تكن. يعجبني القمر في تقلده هالة جميلة تشع فنًّا وسرورا وبهاء ونورا. ويعجبني الرجل أو المرأة، يخلق حوله جوا مشبعا بالغبطة والسرور، ثم يتشربه فيشرق في محياه ويلمع في عينيه.

стр. 90

ويتألق في جبينه ويتدفق في وجهه. يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية فيشترط ليسر مالا وبنين وصحة؛ فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف، وفي الناس من يشقى في النعيم، ومنهم من ينعم في الشقاء. وفي الناس من لا يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلا ثمن". ونجد ثانيا ذلك العرض الموجز لأسباب قلة السرور في مصر والشرق عامة ومحاولته تعليله ورده إلى أسبابه النفسية في أمم الشرق، ثم تلك المقارنة التي عقدها بين أمم الشرق وأمم الغرب من حيث تكوين النفسيات والظروف الخارجية والداخلية التي تترك أثرها في ذلك. وثالثا: تلك الخاتمة التي بسط فيها الوسائل التي يستطيع بها الإنسان أن يتغلب على مصاعبه، فيخلق هالة من السرور تحيط به، وقد جعلها على صورة دروس، يلقنها الإنسان لكي يجعل من حياته سرورا دائما ومرحا مقيما. والأسلوب هو الشق الآخر من الصورة الفنية الظاهرة للمقالة. وإذا لجأنا ثانية إلى والتر باتر، في مقالته تلك، وجدناه يصف التصميم بأنه "العقل في الأسلوب" أما الصورة الفنية للعمل الأدبي فهي على حد قوله "الروح في الأسلوب". ويعني بها الطريقة التي يعمد إليها بعض الكتاب في اصطناع اللغة واستغلال طاقاتها التعبيرية، بحيث تستطيع أن تعبر عن تلك الروح التي ترفرف في نفوسهم، قلقة حائرة تريد الانطلاق تعبيرا كأنه الوحي المنزل. وقد عرف الناقد و. س. برونل. الأسلوب، بأنه "ذلك الركن من

стр. 91

أركان العمل الأدبي، الذي يحتفظ في كل جزء من أجزائه بروح الصورة العامة للأثر الأدبي بأجمعه. وهو روح دالة، تنتظم العمل الإنشائي، وفكرة تتجلى في صور مختلفة. وهو يكشف عن العلاقات، ويدلي بالآراء، وينظم التنوع في الوحدة". وهو يعني بذلك أن الاسلوب هو طريقة التفكير والتصوير والتعبير مجتمعة. إذًا ينبغي للدارس أن ينظر إلى الأسلوب من ناحيتين، هما شخصية الكاتب ثم طريقته في التعبير عن هذه الشخصية. أما الناحية الأولى، فإنها تتطلب تمعنا ونفاذ بصيرة ودقة في التحديد. وعلى الدارس حين يفرغ من قراءة المقالة، أن يحاول الإجابة على هذا السؤال: أي نوع من الناس هذا الذي قرأت مقالته؟ ومن اليسير عليه أن يجيب على هذا السؤال إذا تمعن في دراسة مادة المقالة، وتناولها بتؤدة وتأن. وطريقة الكاتب في التعبير عن شخصيته تقودنا حتما إلى دراسة بلاغية، تكشف لنا عن خصائص أسلوبه، وترشدنا إلى اتجاهه في تناول المادة، واصطناع اللغة: مفرداتها وتراكيبها، بيانها وبديعها، للتعبير عن فكرته. ولعل من المفيد هنا أن نوجز ما قاله الكاتب المقالي العظيم، روبرت لويس ستيفسون، عن هذا الموضوع في مقاله له عن العناصر الفنية للأسلوب١؛ لأنه يكشف لنا، بطريقة غير مباشرة، عن طريقته الخاصة في كتابة المقالات. يذهب ستيفنسون في هذا المقال إلى أن الأسلوب الأدبي يقوم على العناصر التالية:

стр. 92

١- اختيار الجمل وتنسيقها. ٢- تركيب الجمل. ٣- إيقاع العبارات. ٤- مضمونها. وهو يرى أن العنصر الأول، هو أقل هذه العناصر شأنا، وأهم منه، في نظره، تركيب الجمل، أو نسجها على حد تعبيره؛ لأنه يرى أن الغاية الأولى والأخيرة في كل فن من الفنون، هي إبداع الصورة الفنية. ويرى أيضا أن المهمة الحقيقية للكاتب، هي تضفير معانيه، وتنسيقها في نسيج محكم السرد، بحيث تتوالى الجمل والعبارات في سلسلة واحدة مستمرة، ثم تأخذ في التكشف والانجلاء. فالأسلوب في نظره إذًا هو نسيج حسي منطقي في آن واحد. ومهما يكن من أمر، فإن الأسلوب المقالة لا يحتمل الصنعة والتشذيب والتهذيب؛ لأن اتجاه الكاتب وحرصه على مثل هذا، يخرج به عن حدود الطبيعة والألفة والمسامرة التي يجب أن تتسم بها المقالة، إلى حدود الصنعة المرهقة والافتعال الممجوج.

стр. 93

٦- نحو دراسة المقالة الذاتية: ولما كانت غايتنا في هذا الكتاب أن نيسر على القارئ، وعلى طالب الأدب، تفهم الأدب المقالي وتحليله تحليلا يكشف عن عناصره الأولى وقسماته الفارقة، رأينا أن نوجز له الآراء والأفكار التي أسلفنا الحديث عنها، على صورة واضحة جلية، يسهل عليه فهمها واستيعابها. تستهل أكثر المقالات الذاتية بفكرة عامة، أو بخاطرة من الخواطر، يقيم عليها الكاتب بناء موضوعه، ثم يتتبعها بالشرح والتفسير والتعليق -كما رأينا في تحليلنا لمقالة "فن السرور"- وهذه الفكرة الموجزة المركزة هي نواة المقالة التي تستقطب ما حولها. وبعد أن يفرغ الكاتب من وضع هذه الفكرة وجلائها على وجه من الوجوه، يتقدم إلى شرحها وتوسيعها، وذلك بأن يقدم بعض الأمثلة الواقعية المحسوسة التي يستمدها من تجاربه في الحياة وتمرسه بها. ولاستهلال المقالة أهمية خاصة في نظر الكتاب والقارئ؛ إذ إن القارئ -وهو المقصود في كل عمل أدبي- لن يقبل على قراءتها بلذة ونهم إلا إذا طالعته بادئ ذي بدء بصورة جذابة مشوقة، مجلوة بأسلوب طبيعي سلس، هو أسلوب المسامرة والحديث العادي. وبفكرة طريفة متألقة، تسترعي عنايته وتجتذبه إليها بقوة وإغراء. ولتيسير الأمر على الدارس، نضع له فيما يلي بعض المقترحات والأسئلة، التي تساعده على دراسة المقالة واستيعاب مادتها وتفهم أسلوبها: ١- بعد أن تقرأ المقالة: قراءة عميقة مستوعبة، حاول أن تكتشف الفكرة الأساسية التي جعلها الكاتب محور مقالته. وحاول أن توجز هذه الفكرة في عبارة واحدة، تستمدها من موضوعها، أو من الأقوال السائرة والأمثال. ٢- حاول أن تتبين الطريقة التي اصطنعها الكاتب في تتبع هذه الفكرة ومعالجتها وشرحها، حتى نمت بين يديه واتسع مداها حتى شمل الحياة المحلية في بيئته أو مجتمعه، أو الحياة الإنسانية عامة. وتأمل طريقته في اقتباس الأمثلة المحسوسة التي يستمدها من تجاربه الخاصة أو من ثقافته العامة في الأدب والتاريخ والاجتماع.

стр. 94

٣- لاحظ مدى اعتماد الكاتب على أسلوب العرض، ومدى استعانته بأساليب الإنشاء الأخرى كالقصص والجدل والحوار والوصف. ثم تبين الفوائد الأدبية التي جناها من كل ذلك. ٤- تأمل موضوع المقالة، وأثر شخصية الكاتب ونفسيته وأسلوبه في جعل ذلك الموضوع مقبولا مشوقا يحظى بموافقة القارئ ورضاه. وتبين أيضا إلى أي مدى استطاع الكاتب أن يكشف عن معالم شخصيته للقارئ، وكيف تيسر له ذاك وإلى أي حد وفق فيه. وهل الموضوع لاذ ممتع في ذاته أم أنه اكتسب ذلك من طريقة المؤلف في علاجه وعرضه. ٥- حاول أن تحلل أسلوب الكاتب، فتكشف عن خصائصه، وتستجلي عيوبه. ثم حاول أن ترى مدى ملاءمته لطبيعة الموضوع، ونفسية الكاتب. هل الأسلوب هو أهم ما لفت نظرك في المقال، وأية صفة من الصفات التالية تنطبق عليه: سهل، متدفق، متوازن، موسيقي، متماوج، رشيق، مصور، مباشر، جزل، قوي، واضح، شعري، مركز، فصيح، مصقول، مهشم، مضطرب، دقيق، مهذب، سطحي، لفظي. ٦- لاحظ الفقرات والجمل والألفاظ، وهل هي قصيرة أو طويلة. هل هي محكمة التركيب وثيقة النسج أو مفككة مخلخلة ضعيفة النباء. وهل للكتاب اتجاه خاص في اختيار الألفاظ. ٧- لا تتوان عن اللجوء إلى المعاجم والموسوعات، إذا أشكلت عليك فكرة من الفكر أو عبارة من العبارات. فلمعاني الألفاظ وتركيبها ولدلالة الإشارة التاريخية والأدبية والموسيقية، وما إلى ذلك، أثر كبير في جلاء الموضوع والكشف عن أجزائه، وفي توثيق عرى المحبة والألفة بين القارئ والكاتب. ٨- أكثر من قراءة الأدب وتأمل أساليبه. وعندما تقرأ المقالات خاصة حاول أن تتبين بنفسك خصائص هذا الفن الأدبي، فإن الدراسات النظرية لن تجديك نفعا إذا لم تدعمها بقراءات واسعة في الفن الأدبي نفسه. وحاول دائما أن تكون لنفسك آراءك الشخصية وإن تنمي شخصيتك الأدبية بما تقرؤه وتتذوقه، وذلك لكي تبلغ مرتبة التذوق المبني على التحليل والتعليل.

стр. 95

٧- قيمة المقالة الذاتية: تعتمد قيمة المقالة الذاتية إلى حد ما على قيمة الأفكار التي يبثها الكاتب فيها. فإذا لم يكن لديه شيء قيم يقوله -كما هو شأن الرافعي والزيات مثلا- فإن مقالته سرعان ما تطوي في ثياب النسيان. إلا أن الأفكار ليست كل شيء في المقالة. فالعمل الأدبي لا يعتمد على صحتها من الناحية العقلية والعلمية، بقدر ما يعتمد على طريقة تجليتها وعرضها في حلة أدبية رائعة. وتعتمد المقالة أيضا، إلى حد كبير، على أسلوبها؛ فالبراعة الأدبية سبب قوي في أسباب المتعة التي يجدها القارئ في تذوق الأدب. ولعل جزءا كبيرا من شهرة طه حسين الأدبية قائم على أسلوبه الموسيقي العذب المتموج الذي تميز به بين الكتاب. ولكن القيمة الحقيقية للمقالة، تعتمد في المقام الأول، على مدى تجليتها للشخصية الإنسانية التي تتوارى خلفها، في خفر وحياء. فإذا قرأنا إحدى مقالات مونتين، فإننا لا نعجب بما احتوته من أفكار، ولا تروقنا الحلة اللفظية التي أبرزت فيها، بقدر ما نعجب بشخصية الكاتب. نفسه. فالناس في كل زمان ومكان، يؤخذون بالذكاء المتوقد والعقل المغامر الجريء، الذي يستطيع أن يزن أقدار الناس ويكشف عن انبعاثاتهم، الأصلية، وصغاراتهم وحقاراتهم، ولكنه يتعالى عليها وينظر إليها على أنها طبائع ركبت في جبلة الإنسان، لا يستطيع عنها محيدا. وكذلك مقالات شارلس لام، فإن ذخيرتها من الأفكار العميقة هزيلة، إلا أن شخصية الكاتب الأليفة العذبة، هي التي تستهوي القارئ وتملك عليه أقطار نفسه، بما فيه من خفة وسحر وجاذبية وتألق، وذوق مصقول لا تفسده فظاظة، ولين لا يتدنى إلى درجة الميوعة. وكذلك مقالات المازني، لا تستهوينا بما فيها من الأفكار العميقة والآراء النيرة، بل بما فيها من براعة في التصور ومقدرة على انتزاع الفكاهة من أكثر وجوه الحياة عبوسا وتجهما.

стр. 96

٨- المقالة الموضوعية: منذ أواخر القرن الماضي، أخذ رجال البحوث العلمية يستعينون بالصورة المعروفة للمقالة الأدبية، لنشر آرائهم وإذاعة نظرياتهم. وقد ضعف شأن المقالة الأدبية الصرف في المائة سنة الأخيرة، وأخذت المقالة الموضوعية تحل محلها، وتعم بين الكتاب بانتشار الصحف والمجلات المتخصصة، حتى شملت جميع فروع العلوم الطبيعية والإنسانية. ونرى في بعض الأحيان، أن بعض الكتاب يتقربون من منهج المقالة الذاتية، وذلك بما يحاولونه من إبراز شخصياتهم وتأثراتهم الخاصة في الموضوع الذي يكتبون. إلا أن الغالب عليها، هو منهج البحث العلمي وما يقتضيه من جمع المادة وترتيبها وتنسيقها، وعرضها بأسلوب واضح جلي، لا يورط القارئ في اللبس، ولا يقوده إلى مجاهل التعمية والإبهام. ولذا يعنى الكاتب بوضع تصميم دقيق وخطة محكمة لما يكتب، حتى لا يضل

стр. 97

قارئه السبيل. وقد حدد أحد المؤلفين، خطة المقالة الموضوعية بما يلي: "وأما خطة المقالة "Plan" فهي أسلوبها المعنوي من حيث تقسيمه وترتيبه، لتكون قضاياه متواصلة، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها مقدمة لما بعدها حتى تنتهي جميعا إلى الغاية المقصودة. وهذه الخطة تقوم على المقدمة، والعرض والختام. فالمقدمة تتألف من معارف مسلم بها لدى القراء، قصيرة متصلة بالموضوع معينة على فهمه بما تعد النفس له، وما تثير فيها من معارف تتصل به. والعرض -أو صلب الموضوع- هو النقط الرئيسية أو الطريقة التي يؤديها الكاتب، سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم إلى عدة نتائج هي في الواقع متصلة معا، وخاضعة لفكرة رئيسية واحدة. ويكون العرض منطقيا مقدما الأهم على المهم، مؤيدا بالبراهين قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجها إلى الخاتمة لأنها منارة الذي يقصده. والخاتمة هي ثمرة المقالة وعندها يكون السكوت، فلا بد أن تكون نتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسية المراد إثباتها، حازمة تدل على اقتناع ويقين، لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة"١. وهذا النوع من المقالة، هو اللون الغالب على أدبنا المقالي اليوم، بل على الأدب المقالي في العالم. وأهم ألوانه: ١- المقالة النقدية: في حقول الأدب والفن، ويرجع تاريخها في الأدب الأوروبي إلى فترة مبكرة، فنحن نجد جون دريد يكتب مقالة طويلة عن الشعر المسرحي، سنة ١٦٦٨. ونرى كتابا آخر يتناولون بعض الموضوعات الأدبية بالنقد والتحليل، في القرن الثامن عشر. إلا أن

стр. 98

هذا النوع من المقالة، بصورته الشائعة اليوم، ثمرة من ثمرات ظهور المجلات الأدبية في أوروبا وأميركا والشرق. وازدادت حصيلته بازدياد العناية بالموضوعات الأدبية منذ النصف الثاني للقرن الماضي. وتعتمد المقالة النقدية على قدرة الكاتب على تذوق الأثر الأدبي، ثم تعليل الأحكام وتفسيرها وتقويم الأثر بوجه عام. ومن أشهر كتابها عندنا: العقاد والمازني وأحمد أمين وطه حسين. ٢- المقالة الفلسفة: وهي تعرض لشئون الفلسفة بالتحليل والتفسير. ومهمة الكاتب هنا دقيقة صعبة؛ إذ عليه أن ينقب عن الأسس الحقيقية للموضوع، وأن ينظر إليها نظرة إنسانية، حتى لا تندثر قيمة مقالته بتقدم العقل الإنساني وتجدد مكتشفاته النظرية. وعليه أن يعرض مادته بدقة ووضوح حتى لا يضل القارئ سبيله في شعاب هذا الموضوع الشائك. وقد اشتهر من كتاب المقالات الفلسفية في أدبنا أحمد لطفي السيد والدكتور زكي نجيب محمود. ٣- المقالة التاريخية: وتعتمد على جمع الروايات والأخبار والحقائق، وتمحيصها وتنسيقها وتفسيرها وعرضها. وللكاتب أن يتجه في كتابتها اتجاها موضوعيا صرفا. تتوارى فيه شخصيته، وله أن يضفي عليها غلالة إنسانية رقيقة، فيوشيها بالقصص، ويربط بين حلقات الوقائع بخياله حتى يخرج منها سلسلة متصلة مستمرة. ٤- المقالة العلمية: وفيها يعرض الكاتب نظرية من نظريات العلم أو مشكلة من مشكلاته عرضا موضوعيا بحتا، وهذا شأن العلماء المتخصصين. أو عرضا موضوعيا يمتزج ببعض عناصر الذات، وهذا شأن العلماء الذين يحاولون تبسيط العلوم وإذاعتها بين عامة القراء. وممن برز في كتابة هذه المقالات في أدبنا الحديث الدكتور يعقوب صروف

стр. 99

والدكتور فؤاد صورف والدكتور أحمد زكي. ٥- مقالة العلوم الاجتماعية: وهي تعرض لشئون السياسة والاقتصاد والاجتماع، عرضا موضوعيا، يعتمد على الإحصاءات والمقارنات، وعلى التحليل والتعليل، والتنبوء في بعض الأحيان. والخطة في جميع هذه المقالات، يجب أن تقوم على تصميم محكم وتنسيق دقيق، كما أن أسلوبها يجب أن يكون واضحا دقيقا خاليا من الحشو والاستطراد والالتفاف، قوامه المصطلحات العلمية المتداولة بين ذوي الاختصاص. وبعد، فإن التمييز بين أنواع المقالات مهمة شاقة عسيرة، إن ارتضيناه لأنفسنا تسهيلا للبحث، فإن طبيعة هذا الفن الأدبي لا تقره ولا توافق عليه؛ إذ إن بعض الكتاب يجمعون في مقالاتهم بين طرفي الموضوع والذات، ويمسكون الحبل من منتصفه، فتطغى الصفة الذاتية على بعض المقالات الموضوعية، أو تنعكس الآية فتطغى الصفة الموضوعية على بعض المقالات الذاتية. وهذا واضح في أدبنا المقالي الحديث، فإن كتابنا إذا ما عرضوا لمشكلة من مشكلات السياسة أو الاجتماع، لا بد من أن يضفوا عليها مسحة ذاتية صريحة وهذا ما نجده في أكثر مقالات العقاد والمازني وأحمد أمين وطه حسين. ولعل هذا هو شأن المقالة الأوروبية اليوم، خارج دائرة الاختصاص الضيق المحدود. فكتاب الاختصاص، هنا وهناك، هم الذين يلتزمون الحدود الموضوعية لا يتعدونها، أما الكتاب المحترفون الذين يجيلون أقلامهم في كل فن وعلم، فإنهم يمليون إلى التبسيط والتبسط، وإلى تلوين المقالة بلون شخصي يبث فيها الحياة والإشراق، على حساب موضوعية العلم ونظرياته.

стр. 100

المراجع والمصادر: المراجع والمصادر العربية: أحمد أمين - فيض الخاطر: لجنة التأليف والترجمة والنشر. عبد العزيز البشري - في المرآة: مطبعة دار الكتب المصرية ١٩٢٧. أبو حيان التوحيدي - الإمتاع والمؤانسة "ج١": لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٩. محمود تيمور - ملامح وغضون: المطبعة النموذجية ١٩٥٠. طه حسين - فصول في الأدب والنقد: دار المعارف ١٩٤٥. مصطفى صادق الرافعي - وحي القلم "ج١". الطبعة الثانية: مطبعة الاستقامة ١٩٤١. أحمد الشايب - الأسلوب. الطبعة الثانية: مطبعة الاعتماد ١٩٥٢. عباس محمود العقاد - بين الكتاب والناس: مطبعة مصر ١٩٥٢. - فرنسيس باكون مجرب العلم والحياة: دار المعارف ١٩٤٥. - الفصول: مطبعة السعادة ١٩٢٢. سيد قطب - كتب وشخصيات: مطبعة الرسالة ١٩٤٦. إبراهيم عبد القادر المازني - الديوان "ج٢": ١٩٢١. "بالاشتراك مع العقاد". - قبض الريح: المطبعة العصرية ١٩٢٧. زكي نجيب محمود - جنة العبيط أو أديب المقالة: لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٧. المسعودي - مروج الذهب.

стр. 101

محمد مندور - في الميزان الجديد: لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٤. ميخائيل نعيمة - البيادر: دار المعارف ١٩٤٥. أحمد أمين بقلمة وقلم - الكتاب المقدس. أصدقائه: لجنة. التأليف والترجمة والنشر ١٩٥٥.

стр. 102

المراجع والمصادر الأجنبية ...

стр. 103

الفهارس فهرس الأعلام والكتب والصحف ... فهرس الأعلام والكتب والصحف: أ- أبو السعود، عبد الله:٥٤. أبو شهلا، ميشال:٦٠. أبيقور: ١٢. أبو حنيفة: ٢٠. أبو عيسى بن المنجم: ٢١. أبولو: ٦١. الاتحاد: ٧٠. أثينايوس: ١٢. أحمد أمين: ٦٧، ٦٨، ٨٥، ٨٦، ٩١، ٩٣، ٩٤، ٩٦، ١٠٥، ١٠٦. أحمد زكي: ١٠٦. أحمد لطفي السيد: ٥٥، ٥٦، ١٠٥. الأخبار "أمين الرافعي": ٥٧. الأخبار "مصطفى أمين": ٥٧. الأخبار: ٥٧. أخبار اليوم: ٥٧. الأخلاقيات: ١٣، ٢٧. الأديب: ٦٣.

стр. 104

أديسون، جوزيف: ١٩، ٢٠، ٤٠، ٤٤، ٤٣، ٤٦، ٤٨، ٥٠، ٨٦. أرازمس: ١٦. أرسطوطاليس: ١٢. أرنولد. ماثيو: ٧٧. الأساس: ٥٧. الأسبوع: ٥٧. الاستقلال: ٥٧. إسحاق، أديب: ٥٤، ٥٩. الأسير، الشيخ يوسف: ٥٩. أشام، روبرت: ١٦. اعترافات القديس أغسطين: ١٥. الأفغاني، جمال الدين: ٥٤. الأفكار: ٥٧. أفلاطون: ١٢. أكرنفون: ١٢. الفرد الكبير: ١٥. اليوت، توماس: ١٦. اليوت، ت. س.: ٥٣. الإمتاع والمؤانسة: ٢٠. أنسى، محمد: ٥٤. الأهرام: ٥٧. أولوس، جيليوس: ١٤. الأيام: ٥٩. ب- باتر، والتر:٩٦، ٩٧.

стр. 105

الباقر، محمد: ٥٩. باكون، فرنسيس: ١٣، ١٤، ٢٩، ٣٦، ٣١،/ ٣٢، ٣٣، ٣٤، ٣٦، ٣٧، ٣٩، ٤٤، ٤٥، ٧٧. بايرون، جورج: ٥٠. بترارك: ١٦. البخلاء: ١٩، ٢٢. برجيس باريس: ٥٨. البرق: ٥٩. برونل، و. س.: ٩٧. البستاني، بطرس: ٥٩. البستاني، سعيد: ٥٤. البستاني، سليم: ٥٩. البشري، عبد العزيز: ٥٦، ٦٢، ٦٥، ٩٤. البلاغ: ٥٧، ٦٢. البلاغ "محمد الباقر": ٦٠. البلاغ الأسبوعي: ٦١، ٦٢. بلوك، هيلير: ٥٣. بليني الأصغر: ١٤. بليني الأكبر: ١٣. بن جونسون: ٣١. بنيت، أرنولد: ٥٣. بوثيون: ١٥. بوليبيوس: ١٢. البيان "اليازجي": ٦١. البيان "البرقوقي": ٦٢. بيد: ١٥. بيربوم، ماكس: ٥٣.

стр. 106

تاكتوس: ١٣. التأملات: ١٣. التربيع والتدوير: ٢٢. ترقية المعارف: ٣٣. تسي زي: ١١. التقدم: ٥٨. تقلا، بشارة: ٥٥. تمبل، وليم: ٣٨. التوحيدي، أبو حيان: ١٩، ٢٢. توما الأكويني: ١٥. التويني، جبران: ٦٠. تيمور، محمد: ٥٧. تيمور، محمود: ٥٧، ٩٤. ث- الثرثار: ٤٢. الثقافة: ٦١، ٦٢. ثكري، وليم: ٥٢. ثيوكيديدس: ١٢. ثيوفراسطوس: ١٢، ٥٢. ج- الجاحظ: ١٩، ٢٢، ٦٥، ٧٢. الجامعة: ٦٠.

стр. 107

جاويش، عبد العزيز: ٥٥. الجديد: ٦١. الجرجاني، عبد القاهر: ٩٦. الجريدة: ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٦٢. جرين، روبرت: ١٦. جلال، محمد عثمان: ٥٥. الجمهور: ٦٣. الجميل، أنطون: ٥٩. الجنان: ٦٠. جوس، أدموند: ٧٦. جولزوردي، جون: ٥٣. جونسون، صمويل: ٤٦، ٧٥. ح- الحداد، أمين: ٥٥. الحداد، نجيب: ٥٥. حديقة الأخبار: ٥٨. الحسن البصري: ١٧، ١٨. حصاد الهشيم: ٧٠. الحضارة: ٦١. حمدي، عبد الحميد: ٥٦، ٥٧. حمزة، عبد القادر: ٥٧. خ- خانكي، عزيز: ٥٦. الخوري، بشارة: ٥٩. الخوري، خليل: ٥٨.

стр. 108

الخوري، سليم: ٥٨. خيوط العنكبوت: ٧٠. د- دانتي: ١٦. دريدن، جون: ٣٨، ١٠٤. الدستور: ٥٧. دنتون، جون: ٤١، ٤٢. دانيال، صمويل: ١٦. دائرة المعارف البريطانية: ٧٦. دكنز، شارلس: ٥٢. دي كونسي، توماس: ٤٨، ٥٢. دياب، توفيق: ٥٦. ديفو، دانيال: ٤١، ٤٢. ديموشنيس: ١٢. الديوان: ٦٥. ديوجينس: ١٣. ديونيزيوس: ١٢. ذ- ذهني، عبد السلام: ٥٦. ر- رابلة، فرنسوا: ١٦. الرافعي، أمين: ٥٧. الرافعي، مصطفى صادق: ٨٦، ٩١، ١٠٢.

стр. 109

رالي، والتر: ١٦. الراوي: ٥٩. الرجاء: ٥٧. الرسالة: ٦١، ٦٣. رسالة الصحابة: ١٩. رسائل سنيكا: ٣٤. الرسائل الفارسية: ٤٧. رسل، برتراند: ٥٣. رضا، محمد رشيد: ٥٥. رمزي، إبراهيم: ٥٦. روضة الأخبار: ٥٤. ز- زكور، ميشال: ٦٠. الزهراء: ٦١. الزهراوي، عبد الحميد: ٥٦. الزهرة: ٥٨، ٦٠. زيدان، جرجي: ٦١. زينيه، خليل: ٥٩. الزيات، أحمد حسن: ٦٨، ٦٩، ١٠٢. س- سافونارولا: ١٦. السائح: ٤٦. سألوت: ١٣. سانسوفينو: ١٦. السباعي، محمد: ٥٦، ٦٢، ٨٥.

стр. 110

ستيفنسون، ر. ل.: ٥٢، ٩٨. ستيل، رتشارد: ١٩، ٢٠، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ٤٦، ٤٨، ٥٠، ٨٦. سدنين، فيليب: ١٦. سركيس، إبراهيم: ٥٩. سركيس، سليم: ٥٥، ٥٩. سعدي الشيرازي: ١٦. سفر الأمثال: ١٠. سفر الجامعة: ١٠. سفر الحكمة: ١٠. سفر يشوع بن سيراخ: ١٠. السفور: ٥٧. سقراط: ١٢. سلامي موسى: ٥٦. سنيكا: ١٣، ١٤، ١٦، ٣٤. سهل بن هارون: ١٨، ١٩. السياسة: ٥٧، ٥٨، ٦٢. السياسة الأسبوعية: ٥٧، ٦١، ٦٢. ش- الشباب: ٦١. شحاده، سليم: ٥٨. شخصيات: ١٣. الشدياق، أحمد فارس: ٧٢. الشركة الشهرية: ٥٨. الشفاء: ٦١. شقير، شاكر: ٦١.
следующие страницы →