Полный текст (5 444 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
ديوان الحديث النبوي
(٢٢)
المُصَنَّفُ
للإمام الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همَّام الصّنعاني
الطبعة الثانية
طبعة مزيدة موثقة أعيد تحقيقها على سبع نسخ خطية
تحوي (١٦١) رواية جديدة
المُجَلَّد السَّادِسُ
تَحْقِيق ودِرَاسَة
مَرْكَز البُحُوث وَتَقْنِيَةِ المَعْلُومَات
دَار التأصيل
стр. 2732
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن هو إلا وحي يوحى
وما ينطق عن الهوى
стр. 2733
١٤ - كتاب المغازي
بسم الله الرحمن الرحيم *
١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حَقرِ زَمزَم وَقَدْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ أَوَّلُ مَا ذُكِرَ من عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
° [١٠٥٥٣] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا ذُكِرَ مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ رَسَولِ اللهِ ﷺ ، أَنَّ قُرَيْشًا خَرَجَتْ مِنَ الْحَرَمِ فَارَّةً مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ، وَهُوَ غلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ أَبْتَغِي الْعِزَّ (١) فِي غَيْرِهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البَيْتِ، وَأَجْلَتْ عَنْهُ قُرَيْشٌ، فَقَالَ:
لَاهُمَّ إِنَّ المَرْءَ يَمْـ … ـنَعُ رَحْلَهُ فَامنَعْ رِحَالَك
لَا يَغلِبَنَّ صَلِيبُهُم … وَمِحَالُهُم غَدْوَا (٢) مِحَالَك
فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى أَهْلَكَ اللَّهُ ﵎ الْفِيلَ وَأَصْحَابَهُ، فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ وَقَدْ عَظُمَ فِيهِمْ بِصَبْرِهِ، وَتَعْظِيمِهِ مَحَارِمَ اللَّهِ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ وُلِدَ لَهُ أَكبَرُ بَنِيهِ، فَأَدْرَكَ، وهُوَ الْحَارِثُ بْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأُتِيَ عَبْدُ المُطَّلِبِ فِي الْمَنَامِ، فَقِيلَ (٣) لَهُ: احْفُرْ زَمْزَمَ، خَبِيثَةَ الشَّيْخِ الأَعْظَمِ، قَالَ: فَاسْتَيقَظَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لِي، فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ مَرَّةً أُخْرَى: احْفُرْ زَمْزَمَ (٤) بَيْنَ الفَرْثِ (٥) وَالدَّمِ فِي مَبْحَثِ الْغُرَابِ فِي قَرْيَةِ النَّمْلِ (٦) الحواشي
(١) تصحف في الأصل إلى: "العير"، والتصويب من "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" (٧/ ٢٧٣) معزوا للمصنف، "أخبار مكة" للأزرقي (٢/ ٤٢).(٢) الغدو: الذهاب غدوة (أول النهار) ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان.
(انظر: التاج، مادة: غدو).(٣) تصحف في الأصل إلى: "فقال"، والتصويب من المصدرين السابقين.(٤) بعده في الأصل: "تكتم" وهو مزيد خطأ، والتصويب من المصدرين السابقين.(٥) الفرث: بقايا الطعام في الكرش. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: فرث).(٦) تصحف في الأصل إلى: "الدم"، والتصويب من المصدرين السابقين.стр. 2734
مُسْتَقبِلَةَ الْأَنْصَابِ الْحُمْرِ، قَالَ: فَقَامَ عَندُ المُطَّلِبِ، فَمَشَى حَتَّى جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ الحَرَامِ يَنْظُرُ مَا خُبِّئَ لَهُ مِنَ الآيَاتِ (١) ، فَنُحِرَتْ بَقَرَةٌ بِالحَزوَرَةِ، فَانْفَلَتت مِنْ جَازِرِهَا بِحُشَاشَةِ نَفْسِهَا، حَتَّى غَلَبَهَا المَوتُ فِي المَسْجِدِ فِي مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَجُزِرَتْ تِلْكَ البَقَرَةُ فِي مَكَانِهَا، حَتَّى احْتمِلَ لَحْمُهَا، فَأَقبَلَ غُرَابٌ يَهْوِي حَتَّى وَقَعَ فِي الفَرْثِ، فَبَحَثَ فِي قَرْيَةِ النَّمْلِ (٢) ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَحفِر هُنَالِكَ، فَجَاءَتْهُ قرَيْشٌ فَقَالُوا لِعَبْدِ المُطَّلِبِ: مَا هَذَا الصنِيعُ؟ لَم نَكُنْ نَزُنُّك بِالْجَهْلِ، لِمَ تَحفِرُ فِي مَسْجِدِنَا؟ فَقَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: إِني لَحَافِر هَذِهِ الْبِئْرَ، وَمُجَاهِدٌ مَنْ صدَّنِي عَنْهَا (٣) ، فَطَفِقَ يَحْفِرُ هُوَ وَابنهُ الْحَارِث وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ، فَيَسْعَى عَلَيهِمَا نَاسٌ مِن قُرَيشٍ، فَيُنَازِعُونَهُمَا، وَيُقَاتِلُونَهُمَا، وَيَنْهَى عَنْهَ النَّاسُ مِنْ قُرَيْشٍ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ عِتْقِ نَسَبِهِ، وَصدْقِهِ، وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِ يَومَئِذٍ، حَتَّى إِذَا أَمْكَنَ الْحَفْرُ، وَاشْتَدَّ عَلَيهِ الأَذَى، نَذَرَ إِنْ وفَيَ لَهُ بِعَشَرة مِنَ الْوَلَدِ أَنْ يَنحَرَ أَحَدَهُم، ثمَ حَفَرَ حَتَّى أَدْرَكَ سُيُوفًا دُفِنَت فِي زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَأَتْ قرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ السُّيُوفَ، فَقَالُوا لِعَبْدِ الْمُطلِبِ: أَحْذِنَا مِمَّا وَجَدْتَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: بَلْ هَذِهِ السُّيُوفُ لَبَيْتِ اللَّهِ، ثُمَّ حَفَرَ حَتَّى أَنْبَطَ الْمَاءَ، فَحَفَرَهَا فِي الْقَرَارِ، ثُمَّ بَحَرَهَا حَتَّى لَا تَنْزِفَ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهَا حَوْضًا، وَطَفِقَ هُوَ وَابْنُهُ يَنْزِعَانِ فَيَمْلَآنِ ذَلِكَ الْحَوْضَ، فَيَشْرَبُ مِنْهُ الْحَاجُّ، فَيَكْسِرُهُ نَاسٌ مِنْ حَسَدَةِ قُرَيْشٍ بِاللَّيْلِ، وَيُصْلِحُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ يُصْبحُ، فَلَمَّا أَكثَرُوا فَسَادَهُ، دَعَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَبَّهُ، فَأُرِيَ فِي الْمَنَامِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ هِيَ لِشَارِبٍ حِلُّ وَبَلٌّ، ثُمَّ كُفِيتَهُمْ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ اخْتَلَفَت (٤) قُرَيْشٌ بِالْمَسْجِدِ، فَنَادَى بِالَّذِي أُرِيَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَكُنْ يُفْسِدُ عَلَيْهِ حَوْضَهُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا رُمِيَ بِدَاءٍ فِي جَسَدِهِ، حَتَّى الحواشي
(١) الآيات: جمع آية، وهي المعجرة والكرامة، وسميت آية لأنها علامة النبوة. (انظر: المرقاة) (١٠/ ٢٤٤).(٢) تصحف في الأصل إلى: "الدم"، والتصويب من المصدرين السابقين.(٣) غير واضح في الأصل، وأثبتناه من المصدرين السابقين.(٤) في الأصل: "أجفرت"، والتصويب من المصدرين السابقين.стр. 2735
تَرَكُوا لَهُ حَوْضهُ ذَلِكَ، وَسِقَايَتَهُ، ثمَّ تَزَوَّجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ النِّسَاءَ فَوُلِدَ لَه عَشَرَةُ رَهطٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِني كُنْتُ نَذَرْتُ لَكَ نَحْرَ أَحَدِهِم، وَإِنِّي أُقرعُ بَيْنَهُمْ، فَأَصِبْ بِذَلِكَ مَنْ شِئتَ، فَأَقرَعَ بَيْنَهُمْ، فَصَارَتِ الْقُرْعَة عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ أَحَبَّ وَلَدِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هُوَ * أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ؟ قَالَ: ثُمَّ أَقرَعَ بَينَهُ وَبَينَ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَصَارَتِ القرْعَةُ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ فَنَحَرَهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَكَانَ عَبدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَحْسَنَ رَجُلٍ رُئِيَ فِي قُرَيشٍ قَطُّ، فَخَرَجَ يَوْمًا عَلَى نِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَجْتَمِعَاتٍ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنهُنَّ: يَا نِسَاءَ قرَيشٍ، أَيَّتُكنَّ يَتَزَوَّجُهَا هَذَا الفَتَى فَنَصَطَتِ النُّورَ الَّذِي بَيْنَ عَينَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ (١) بَينَ عَينَيْهِ نُورٌ فَتَزَوَّجَتْهُ آمِنَةُ ابنَةُ وَهبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَجَمَعَهَا، فَالْتَقَت (٢) فَحَمَلَت بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ بَعَثَ عَبْد الْمُطَّلِبِ عَبْدَ اللِّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَمتَارُ لَهُ تَمْرًا مِن يَثرِبَ، فَتُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بِهَا، وَوَلَدَتْ آمِنَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَ فِي حَجْرِ (٣) عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاسْتَرْضَعَهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ بِهِ الَتِي تُرْضعُهُ سُوقَ عُكَاظٍ، فَرَآهُ كَاهِنٌ مِنَ الْكُهَّانِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ عُكَاظٍ، اقْتُلُوا هَذَا الْغُلَامَ، فَإِنَّ لَهُ مُلْكًا، فَرَاعَتْ بِهِ أمُّهُ الَتِي تُرْضعُهُ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ شَبَّ عِنْدَهَا، حَتَّى إِذَا سَعَى وَأُخْتُهُ مِنَ الرَّضاعَةِ تَحْضنُهُ، فَجَائتْهُ أُخْتُهُ مِنْ أُمِّهِ الَّتِي تُرْضعُهُ، فَقَالَتْ: أَيْ أُمَّتَاهْ، إِني رَأَيْتُ رَهْطًا أَخَذُوا أَخِي آنِفًا، فَشَقُّوا بَطْنَهُ، فَقَامَتْ أُمَّهُ الَّتِي تُرْضِعُهُ فَزِعَةً، حَتَّى أَتَتهُ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ، لَا تَرَى عِنْدَهُ أَحَدًا، فَارْتَحَلَتْ بِهِ، حَتَّى أَقْدَمَتهُ عَلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ لَهَا: اقْبِضِي عَنِّي ابنَكِ، فَإِنِّي قَدْ خَشِيتُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: لَا وَاللَّهِ، مَا بِابْنِي مَا (١) تَخَافِينَ، لَقَدْ رَأَيْتُ وَهُوَ فِي بَطْنِي أَنَّهُ خَرَجَ نُورٌ مِنِّي أَضاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَلَقَدْ وَلَدَتْهُ حِينَ وَلَدَتْهُ، فَخَرَّ مُعْتَمِدًا عَلَى يَدَيْهِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَافْتَصلَتْهُ أُمُّهُ وَجَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ الحواشي
(١) سقط من الأصل، والسياق يقتضيه.(٢) كذا في الأصل، ولم نتبينه.(٣) الحجر: الحضانة والتربية. (انظر: المشارق) (١/ ١٨١).стр. 2736
توُفيَت أُمُّهُ، فَهَمَّ (١) فِي حَجْرِ جَدِّهِ، فَكَانَ وَهُوَ غُلامٌ يَأتي وِسَادَةَ جَدِّهِ، فيَجْلِسُ عَلَيْهَا، فَيَخْرُجُ جَدُّهُ وَقَدْ كَبُرَ، فَتَقُولُ الْجَارِيَةُ الَّتِي تَقُودُهُ: انْزِلْ عَنْ وِسَادَةِ جَدِّكَ، فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: دَعِي ابنِي، فَإِنَّهُ مُحسِنٌ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ جَدُّهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامٌ، فَكَفَلَهُ أَبو طَالِبٍ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَلَمَّا نَاهَزَ الْحُلُمَ، ارْتَحَلَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ تَاجِرًا قِبَلَ الشَّامِ، فَلَمَّا نَزَلَا تَيْمَاءَ رَآهُ حَبْرٌ مِنْ يَهُودِ تَمِيمٍ، فَقَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ؟ قَالَ: هُوَ ابْنُ أَخِي، قَالَ لَهُ: أَشَفِيقٌ أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدِمْتَ بِهِ إِلَى الشَامِ لَا تَصِلُ بِهِ إِلَى أَهْلِكَ أَبَدًا، لَيَقتُلُنَّهُ، إِنَّ هَذَا عَدُوُّهُمْ، فَرَجَعَ أَبُو طَالِبٍ مِنْ تَيْمَاءَ (٢) إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحُلُمَ، أَجمَرَتِ امْرَأَةٌ الْكَعْبَةَ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِن مِجْمَرِهَا فِي ثِيَابِ الكَعْبَةِ فَأَحْرَقَتهَا، وَوَهَتْ، فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْش فِي هَدْمِهَا، وَهَابُوا هَدْمَهَا، فَقَالَ لَهُمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: مَا تُرِيدُونَ بِهَدمِهَا؟ الْإِصْلَاحَ تُرِيدُونَ أَمِ الْإِسَاءَةَ؟ فَقَالُوا: بَلِ الْإِصلَاحَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ لَا يُهلِكُ المُصْلِحَ، قَالُوا: فَمَنِ الَّذِي يَعْلُوهَا فَيَهدِمُهَا؟ قَالَ الْوَلِيدُ: أَنَا أَعْلُوهَا، فَأَهْدِمُهَا، فَارْتَقَى الْوَلِيدُ بْنُ المُغِيرةِ عَلَى ظَهْرِ الْبَيتِ، وَمَعَهُ الْفَأْسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنا لَا نُرِيدُ إِلَّا الْإِصلَاحَ، ثُمَّ هَدَمَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْش قَد هَدَمَ مِنْهَا، وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَا خَافُوا مِنَ العَذَابِ، هَدَمُوا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَنَوْهَا فَبَلَغُوا مَوْضعَ الرُّكنِ، اجتَمَعَت قُرَيْش فِي الرُّكْنِ، أَيُّ الْقَبَائِلِ تَرْفَعُهُ؟ حَتَّى كَادَ يَشْجُرُ بَينَهُمْ، فَقَالُوا: تَعَالَوْا نُحَكِّمُ أَوَّلَ مَنْ يَطْلُعُ عَلَيْنَا مِنْ هَذِهِ السِّكَّةِ، فَاصطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهوَ غُلَامٌ عَلَيهِ وِشَاحُ (٣) نَمِرةٍ، فَحَكَّمُوهُ، فَأَمَرَ بِالرُّكْنِ، فَوُضِعَ في ثَوْبٍ، ثُمَّ أَمَرَ * بِسَيِّدِ كُلِّ قَبِيلَةٍ، أَعْطَاهُ بِنَاحِيَةِ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْتَقَى وَرَفَعوا إِلَيْهِ الرُّكْنَ، فَكَانَ هُوَ يَضَعُهُ، ثُمَّ طَفِقَ لَا يَزْدَادُ الحواشي
(١) كذا في الأصل، ولم نتبينه.(٢) تصحف في الأصل إلى: "تميم"، وصوبناه من الموضع السابق في الحديث.(٣) الوشاح: نسيج من أديم عريض يرصع بالجوهر، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها (خصريها). (انظر: معجم الملابس) (ص ٥٢٧).
* [٣/ ٦٦ أ].стр. 2737
فيهِمْ بِمَرِّ (١) السِّنِينَ إِلَّا رِضًا، حَتَّى سَمَّوه الْأَمِينَ قَبْلَ أَنْ يُنَزلَ عَلَيْهِ الْوَحي، ثُمَّ طَفِقُوا لَا يَنْحَرُونَ جَزُورًا (٢) لِبَيْعٍ إِلَّا دَرُوهُ فَيَدْعُو لَهُمْ فِيهَا، فَلَمَّا اسْتَوَى وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَلَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَالٍ اسْتَأْجَرَتْهُ خَدِيجَةُ ابْنَةُ خُوَيْلِدٍ إِلَى سُوقِ حُبَاشَةَ وَهُوَ سُوقٌ بِتِهَامَةَ وَاسْتَأْجَرَتْ مَعَهُ رَجُلًا آخَرَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنهَا: "مَا رَأَيتُ مِن صَاحِبَةِ أَجِيرٍ خَيرًا مِنْ خَدِيجَةَ، مَا كُنا نَرجِعُ أَنَا وَصَاحِبِي إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا تُحفَةً مِن طَعَامٍ تُخَبِّئه لَنَا"، قَالَ: "فَلَمَّا رَجَعْنَا مِن سُوقِ حُبَاشَةَ"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلْتُ لِصَاحِبِي: انْطَلِق بِنَا نُحْدِثُ عِندَ خَدِيجَةَ"، قَالَ: "فَجِئْنَاهَا فَبَينَا نَحْنُ عِندَهَا إِذ دَخَلَتْ عَلَينَا مُنتَشِيَةٌ مِنْ موَلَّدَاتِ قُرَيشٍ"، وَالْمُنْتَشِيَةُ: النَّاهِدُ الَّتِي تَشْتَهِي الرَّجُلَ، "قَالَت: أَمُحَمَدٌ هَذَا؟ وَالَّذِي يُخلَفُ بِهِ إِن جَاءَ لَخَاطِبا، فَقُلت: كَلَّا، فَلَمَّا خَرَجنَا أَنَا وَصَاحِبِي، قَالَ: أَمِن خِطبَةِ خَدِيجَةَ تَستَحيِي؟ فَوَاللَّهِ مَا مِن قُرَشِيةٍ إِلَّا تَرَاكَ لَهَا كُفُؤًا"، قَالَ: "فَرَجَعتُ إِلَيهَا مَرَّةً أخرَى، فَدَخَلَت عَلَينَا تِلكَ المُتتَشِيَةُ، فَقَالَت: أَمُحَمَّدٌ هَذَا؟ وَالَّذِي يُخلَفُ بِهِ إِن جَاءَ لَخَاطِبا"، قَالَ: "قُلْتُ عَلَى حَيَاءٍ: أَجَل"، قَالَ: "فَلَم تَعْصِنَا خَدِيجَةُ وَلَا أُخْتهَا"، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أَبِيهَا خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ وَهُوَ ثَمِلٌ مِنَ الشَّرَابِ، فَقَالَتْ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ يَخْطُبُ خَدِيجَةَ، وَقَدْ رَضِيَتْ خَدِيجَةُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَخَطَبَ إِلَيْهِ فَأَنْكَحَهُ، قَالَ: فَخَلَّقَتْ خَدِيجَةَ، وَحَلَّتْ عَلَيْهِ حُلَّةً، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَحَا الشَّيْخُ مِنْ سُكْرِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا الْخَلُوقُ (٣) ؟ وَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ (٤) ؟ قَالَت أُخْتُ خَدِيجَةَ: هَذِهِ حُلَّةٌ كَسَاكَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنْكَحْتَهُ خَدِيجَةَ، وَقَدْ بَنَى بِهَا، فَأَنْكَرَ الشَّيْخُ، ثُمَّ سَلَّمَ إِلَى أَنْ صارَ ذَلِكَ، وَاسْتَحْيَا الحواشي
(١) تصحف في الأصل إلى: "عن"، وصوبناه استظهارا للمعنى.(٢) الجزور: البعير (الجمل) ذكرًا كان أو أنثى، والجمع: جُزر وجزائر. (انظر: النهاية، مادة: جزر).(٣) الخلوق: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره، تغلب عليه الحمرة والصفرة. (انظر: النهاية، مادة: خلق).(٤) الحلة: إزار ورداء برد أو غيره، ويقال لكل واحد منهما على انفراد: حلة، وقيل: رداء وقميص وتمامها العمامة، والجمع: حُلَل وحِلَال. (انظر: معجم الملابس) (ص ١٣٦).стр. 2738
وَطَفِقَتْ رُجَّازٌ مِن رُجَّازِ قُرَيشٍ، تَقُول:
لَا تَزهَدِي خَدِيجُ فِي مُحَمَّدِ … جَلدٌ يُضِيء كَضِيَاءِ الفَرْقَدِ
فَلَبِثَ رَسُول اللهِ ﷺ مَعَ خَدِيجَةَ حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ بَعْضَ بَنَاتِهِ، وَكَانَ لَهَا وَلَهُ الْقَاسِم، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا وَلَدَت لَهُ غُلَامًا آخَرَ يُسَمَّى الطَّاهِرَ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا نَعْلَمُهَا وَلَدَتْ لَهُ إِلَّا الْقَاسِمَ، وَوَلَدَتْ لَهُ بَنَاتَهُ الْأَرْبَعَ: زَينَبَ، وَفَاطِمَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَمَا وَلَدَت لَهُ بَعْضَ بَنَاتِهِ يَتَحَنَّث وَحُبِّبَ إِلَيهِ الخَلَاءُ (١) .
° [١٠٥٥٤] عبد الرزاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الزّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصادِقَةُ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (٢) ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ (٣) ، فيَتَحَنَّثُ فيهِ، - وَهُوَ التَعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ - وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، فَحِينَ مَا جَاءَهُ الْحَقُ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ، يَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ *: اقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنَي الجَهْدَ (٤) ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِني الحواشي
(١) سبق عند المصنف برقم(٩٤٣٧) .
° [١٠٥٥٤] [الإتحاف: حب كم حم عه ٢٢١٥٢].(٢) فلق الصبح: ضوءه وإنارته. (انظر: النهاية، مادة: فلق).(٣) حراء: جبل يقع في الشمال الشرقي من مكة المكرمة، وهو الغار الذي كان يتعبد فيه ﷺ ، ويسمى جبل النور. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٩٧).
* [٣/ ٦٦ ب].(٤) الجهد: هو بالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم: الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير. (انظر: النهاية، مادة: جهد).стр. 2739
الْجَهدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿مَا لَم يَعلَمْ﴾ " [العلق: ١ - ٥]، فَرَجَعَ بِهَا تَرجُفُ بَوَادِرهُ (١) ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: "زَمِّلونِي (٢) ، زَمِّلُونِي"، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْع (٣) ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ: "مَا لِي" وَأَخبَرَهَا الخَبَرَ، فَقَالَ: "قَد خَشِيتُ عَلَيَّ "؟ فَقَالَتْ: كَلَّا، وَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدَق الحَدِيثَ، وَتَقرِي (٤) الضيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ (٥) الْحَقِّ، ثمَّ انطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ رَاشدِ بنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخو أَبِيهَا، وَكَانَ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، فَكَتَبَ بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإنْجِيلِ مَا شَاءَ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّي، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ وَرَقَةُ: ابْنَ أَخِي، مَا تَرَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوس (٦) الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ﵇، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (٧) ، حِينَ يخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَمُخْرِجِيَّ هُم "؟ فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَم لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمَا أَتَيْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَأُوذِيَ، وإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنصُرْكَ نَصرًا مُؤَزَّرًا (٨) ، ثُمَّ لَمْ يَنشَب (٩) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفترَ (١٠) الحواشي
(١) البوادر: جمع بادرة، وهي لحمة بين المنكب والعنق. (انظر: النهاية، مادة: بدر).(٢) التزمل: التغطي به لثوب، والالتفاف فيه. (انظر: النهاية، مادة: زمل).(٣) الروع: الخوف والفزع والفجأة. (انظر: النهاية، مادة: روع).(٤) القرى: ما تصنع للضيف من مأكول أو مشروب. (انظر: مجمع البحار، مادة: قرا).(٥) النوائب: جمع نائبة، وهي: ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به من المهمات والحوادث. (انظر: النهاية، مادة: نوب).(٦) الناموس: صاحب سر الملك، وقيل: الناموس: صاحب سر الخير، وأراد به جبريل ﵇. (انظر: النهاية، مادة: نمس).(٧) الجذع: الشاب، (انظر: النهاية، مادة: جذع).(٨) المؤزر: البالغ الشديد. من الأزْر، وهو: القوة والشدة. (انظر: النهاية، مادة: أزر).(٩) نشب: لبث. (انظر: النهاية، مادة: نشب).(١٠) الفتور: الضعف، والمراد هنا: الانقطاع. (انظر: ذيل النهاية، مادة: فتر).стр. 2740
الْوَحْى فَتْرَةً، حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا بَدَا مِنْهُ أَشَدَّ حُزْنًا، غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَي يَتَرَدَّى (١) مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ (٢) الْجِبَالِ، فَلَمَّا ارْتَقَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ (٣) وَتَقِرُّ (٤) نَفْسُهُ، فَرَجَعَ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ عَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا رَقَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبرِيلُ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
° [١٠٥٥٥] قال مَعْمَرٌ: قَالَ الزُهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهُوَ يُحَدِّثُ، عَنْ فَترَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: "بَينَا أَنَا أَمشِي سَمِعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعتُ رَأْسِي، فَإِذَا الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرسِيٍّ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَجَئِثتُ (٥) مِنهُ رُعبًا، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَقُلتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، وَدَثِّرُونِي" (٦) ، فَأَنرلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْأَوْثَانُ.
° [١٠٥٥٦] قال مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُرِيتُ فِي الجَنَّةِ بَيتًا لِخَدِيجَةَ مِن قَصَبٍ (٧) لَا صَخَبَ (٨) فِيهِ وَلَا نَصَبَ"، وَهُوَ قَصَبُ اللُّؤْلُؤِ. قَالَ: وَسَئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ كَمَا بَلَغَنَا، فَقَالَ: "رَأَيتُهُ فِي المَنَامِ عَلَيهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ، وَقَد أَظُنُّ أَن لَو كَانَ مِن أَهلِ النَّارِ لَم أَرَ عَلَيْهِ البَيَاضَ"، قَالَ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَتَرْكِ الْأَوْثَانِ. الحواشي
(١) التردي: السقوط. (انظر: النهاية، مادة: ردا).(٢) الشواهق: العوالي. (انظر: النهاية، مادة: شهق).(٣) الجأش: القَلْب والنَفْس والجَنَان. (انظر: النهاية، مادة: جأش).(٤) قرار العين والنفس: السرور والفرح. (انظر: النهاية، مادة: قرر).
° [١٠٥٥٥] [الإتحاف: حم ٣٨٥٥].(٥) الجأث: الذعر والخوف. (انظر: النهاية، مادة: جأث).(٦) الدثار: الثوب الذي يكون فوق الشعار، والمعنى: غطوني بما أدفأ به. (انظر: النهاية، مادة: دثر).(٧) القصب: لؤلؤ مجوف واسع. (انظر: النهاية، مادة: قصب).(٨) الصخب: الضجة، واضطراب الأصوات للخصام. (انظر: النهاية، مادة: صخب).стр. 2741
• [١٠٥٥٧] قال مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ.
• [١٠٥٥٨] قال: وَأَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: عَلِيٌّ أَوَّلُ مِنْ أَسْلَمَ، قَالَ: فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا أَسْلَمَ قَبْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ (*).
• [١٠٥٥٩] قال مَعْمَرٌ: فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ: فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللهُ مِنْ أَحْدَاثِ الرِّجَالِ، وَضعَفَاءٍ النَّاسِ، حَتَّى كَثُرَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَكُفَّارُ قُرَيْشٍ مُنْكِرُونَ لِمَا يَقُولُ، يَقُولُونَ: إِذَا مَرَّ عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ فَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ: إِنَّ غُلَامَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَذَا لَيُكَلَّمُ زَعَمُوا مِنَ السَّمَاءِ.
° [١٠٥٦٠] قال مَعْمَو: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ غَيْرُ رَجُلَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رحمهما الله، وَكَانَ عُمَرُ شَدِيدًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ أَيِّدْ دِينَكَ بِابْنِ الْخَطَّابِ"، فَكَانَ أَوَّلُ إِسْلَامِ عُمَرَ بَعْدَمَا أَسَلَمَ قَبْلَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، أَنْ حُدِّثَ أَنَّ أُخْتَهُ أُمَّ جَمِيلٍ ابْنَةَ الْخَطَّابِ أَسْلمَتْ، وإِنْ عِنْدَهَا كَتِفًا اكْتَتَبَتْهَا مِنَ الْقُرْآنِ، تَقْرَؤُهُ سِرًّا، وَحُدِّثَ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ مِنَ الْمَيْتَةِ الَّتِي يَأْكُلُ مِنْهَا عُمَرُ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: مَا الْكَتِفُ الَّتِي ذُكِرَ لِي عِنْدَكَ، تَقْرَئِينَ فِيهَا مَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدِي كَتِفٌ فَصَكَّهَا أَوْ، قَالَ: فَضَرَبَهَا عُمَرُ، ثُمَّ قَامَ فَالْتَمَسَ الْكَتِفَ فِي الْبَيْتِ، حَتَّى وَجَدَهَا، فَقَالَ حِينَ وَجَدَهَا: أَمَا إِنِّي قَدْ حُدِّثْتُ أَنَّكِ لَا تَأْكُلِينَ طَعَامِي الَّذِي آكُلُ مِنْهُ، ثُمَّ ضَرَبَهَا بِالْكَتِفِ فَشَجَّهَا شَجَّتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ بِالْكَتِفِ حَتَّى دَعَا قَارِئًا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ وَكَانَ عُمَرُ لَا يَكْتُبُ، فَلَمَّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ، تَحَرَّكَ قَلْبُهُ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا أَمْسَى انْطَلَقَ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصلِّي وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يقْرَأُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ حتى بلغ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨ - ٤٩] وَسَمِعَهُ
الحواشي
(١) (*) [٣/ ٦٧ أ].стр. 2742
يَقْرَؤُهَا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، قَالَ: فَانْتَظَرَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى سَلَّمَ مِن صَلَاتِهِ، ثُمَّ ائظَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أَهْلِهِ، فَأَسْرَعَ عُمَرَ الْمَشْيَ فِي أَثَرهِ حِينَ رَآهُ، فَقَالَ: انْظُرْنِي يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعُوذُ (١) بِاللهِ مِنْكَ"، فَقَالَ عُمَرُ: انْظُرْنِي يَا مُحَمَّدُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قالَ: فَانْتَظَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَآمَنَ بِهِ عُمَرَ وَصَدَّقَهُ، فَلَمَّا أَسلَمَ عُمَرُ ﵁ انْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَالِهِ (٢) الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَيْ خَالِي! اشْهَدْ أَنِّي أُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ محَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ ، فَأَخْبِرْ بِذَلِكَ قَوْمَكَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: ابْنَ أُخْتِي تَثَبَّتْ فِي أَمْرِكَ، فَأَنْتَ عَلَى حَالٍ تُعْرَفُ بِالنَّاسِ يُصبِحُ الْمَرْءُ فِيهَا عَلَى حَالٍ، وَيُمْسِي عَلَى حَالٍ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ قَدْ تَبَيَّنَ لِي الْأَمْرُ، فَأَخْبِرْ قَوْمَكَ بِإِسْلَامِي، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْكَ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْنَى (٣) ، فَلَمَّا عَلِمَ عُمَرَ أَنَّ الْوَلِيدَ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ شَأْنِهِ، دَخَلَ عَلَى جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِي، فَقَالَ: أَخْبِرْ أَنِّي أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ يَجُرُّ رِدَاءَهُ مِنَ الْعَجَلَةِ جَرًّا، حَتَّى تَتَبَّعَ مَجَالِسَ قُرَيْشٍ، يَقُولُ: صبَأَ (٤) عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ تُرْجِعْ إِلَيهِ قُرَيْشٌ شَيْئًا، وَكَانَ عُمَرُ سَيدَ قَوْمِهِ، فَهَابُوا الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ (*) مَشَى، حَتَّى أَتَى مَجَالِسَهُمْ أَكْمَلَ مَا كَانَتْ، فَدَخَلَ الْحِجْرَ (٥) ، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَثَارُوا فَقَاتَلَهُ رِجَالٌ مِنْهُمْ قِتَالًا الحواشي
(١) التعوذ والاستعاذة: اللجوء والملاذ والاعتصام. (انظر: النهاية، مادة: عوذ).(٢) في الأصل: "خالد بن"، والصواب ما أثبتناه.(٣) غير واضح في الأصل، وما أثبتناه أقرب للسياق.(٤) الصابئ: الخارج من دينه إلى دين غيره، والجمع: صُباة. (انظر: النهاية، مادة: صبأ).
(*) [٣/ ٦٧ ب].(٥) الحجر: فناء من الكعبة في شقها الشامي، محوط بجدار، ولا زاد يعرف بحجر إسماعيل. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٩٧).стр. 2743
شَدِيدًا، وَضرَبَهُمْ عَامَّةَ يَوْمِهِ حَتَّى تَرَكُوهُ، وَاسْتَعْلَنَ بِإِسْلَامِهِ وَجَعَلَ يَغْدُو عَلَيْهِمْ وَيَرُوحُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ محَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَتَرَكُوهُ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ بَعْدَ ثَوْرَتِهِمُ الْأُولَى، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى كُفَّارِ قرَيْشٍ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ أَسْلَمَ فَعَذَّبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرًا.
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَكَرَ هِلَالٌ آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَاتُوا كُفَّارًا فَشَقُّوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَعَادُوهُ فَلَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصى أَصبَحَ النَّاسُ يُخْبِرُ أَنَّهُ قَدْ أُسْرِيَ بِهِ فَارْتَدَّ أُنَاسٌ مِمَّن كَانَ قَدْ صدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ، وَفُتِنُوا وَكَذَّبُوهُ بِهِ، وَسَعَى رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكَ يَزعُمُ أَنَّهُ قَدْ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَشْهَدُ إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، فَقَالُوا: أَتُصَدِّقُهُ بِأَنَّهُ جَاءَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُصبِحَ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: نَعَمْ إِنِّي أُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ أُصَدَقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ.
• [١٠٥٦١] قال مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ إِلَى خَمْسٍ، ثُمَّ نُودِيَ يَا مُحَمَّدُ، ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وإِنَّ لَكَ بِالْخَمْسِ خَمْسِينَ.
° [١٠٥٦٢] قال مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قُمْتُ فِي الْحِجْرِ حِينَ كَذَّبَنِي قَوْمِي فَرُفِعَ لِي بَيتُ الْمَقدِسِ حَتَّى جَعَلْتُ أَنْعَتُ لَهُمْ".
° [١٠٥٦٣] قال مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : حِينَ أُسْرِيَ بِهِ "لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَهُ، "فَإِذَا رَجُلٌ" حَسِبْتُهُ، قَالَ:
الحواشي
(١) • [١٠٥٦١] [الإتحاف: عه حم ١٧٩٧].
° [١٠٥٦٢] [الإتحاف: عه حب حم ٣٨٤٩].
° [١٠٥٦٣] [الإتحاف: حم ١٨٧٤٥].стр. 2744
"مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ (١) "، قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى ﵇" فَنَعَتَهُ، فَقَالَ: "رَبْعَةٌ (٢) أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ (٣) "، قَالَ: "وَرَأَيتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ"، قَالَ: "وَأَتَى بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا لَبَنٌ وَفِي الْآخَرِ خَمْرٌ، فَقَالَ: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ (٤) أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذتَ الْخَمْرَ غَوَتْ (٥) أُمَّتُكَ".
٢ - غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ (٦)
° [١٠٥٦٤] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَر بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ صَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ (٧) قَلَّدَ (٨) رَسُولُ اللهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ (٩) ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ الحواشي
(١) شنوءة: قبيلة عربية تنسب إلى الأزد بن الغوث، كان موطنها اليمن، فلما تصدع سدّ مأرب تفرقت بين أنحاء الجزيرة. (انظر: أطلس الحديث النبوي) (ص ٣٥).(٢) رجل ربعة أو مربوع: بين الطويل والقصير. (انظر: النهاية، مادة: ربع).(٣) الديماس: الحَمَّام، والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه، كأنه خرج من حمام. (انظر: المرقاة) (٩/ ٧٠٢).(٤) الفطرة: الدين الذي فطر الله عليه الخلق. (انظر: المشارق) (٢/ ١٥٦).(٥) الغواية: الضلال. (انظر: النهاية، مادة: غوا).(٦) الحديبية: تقع على مسافة اثنين وعشرين كيلو مترا غرب مكة على طريق جدة، ولا تزال تعرف بهذا الاسم. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٩٧).
° [١٠٥٦٤] [شيبة: ٣٧٢٣١، ٣٨٠٠٥].(٧) ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة، تبعد عن المدينة على طريق مكة تسعة كيلو مترات جنوبًا، فيها مسجده ﷺ ، وتعرف اليوم عند العامة ببئار علي. (انظر: المعالم الجغرافية) (ص ١٠٣).(٨) تقليد الهدي: أن يجعل في رقبة الهدي شيئا كالقلادة من لحاء شجرة أو غيره ليُعلم أنها هدي. (انظر: مجمع البحار، مادة: قلد).(٩) الإشعار: أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هَدْيٌ. (انظر: النهاية، مادة: شعر).стр. 2745
عَيْنًا (١) لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ (٢) يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِغَدِير (٣) الأَشْطَاطِ (٤) قَريبًا مِنْ عُسْفَانَ (٥) أَتَاهُ عَيْنُهُ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ (*) بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ (٦) ، وَجَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَتَرَوْنَ لِي (٧) أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِيِّ (٨) هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورينَ (٩) مَحْرُوبِينَ (١٠) ، وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللهُ، أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدَّنَا قَاتَلْنَاهُ"، فَقَالُوا: رَسُولُ اللهِ أَعْلَمُ، يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَلَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَرُوحُوا إِذَنْ".
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مَشُورَةَ لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . الحواشي
(١) العين: الجاسوس. (انظر: النهاية، مادة: عين).(٢) خزاعة: قبيلة من الأزد من القحطانية، كانوا بأنحاء مكة في مر الظهران وما يليه. (انظر: العالم الأثيرة) (ص ١٠٨).(٣) الغدير: مستنقع ماء المطر صغيرا كان أو كبيرا. (انظر: اللسان، مادة: غدر).(٤) الأشطاط: موضع قرب عُسفان على مرحلتين (المرحلة= ٤٠ كم تقريبا) من مكة على طريق المدينة.
(انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٢٨).(٥) عسفان: بلد على مسافة ثمانين كيلو مترًا من مكة شمالا على طريق المدينة. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ١٩١).
(*) [٣/ ٦٨ أ].(٦) الأحابيش: أحياء من القارة، انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا. (انظر: النهاية، مادة: حبش).(٧) قوله: "أترون لي" ليس في الأصل، واستدركناه من "المعجم الكبير" للطبراني (٢٠/ ٩) من طريق الدبري، عن عبد الرزاق، به.(٨) الذراري: جمع ذرية، وهي: اسم يجمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى. (انظر: النهاية، مادة: ذرر).(٩) الموتورون: جمع الموتور، وهو: الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. (انظر: اللسان، مادة: وتر).(١٠) في الأصل: "موروثين"، والتصويب من المصدر السابق.
المحروبون: جمع: محروب، وهو المسلوب والمنهوب. (انظر: النهاية، مادة: حرب).стр. 2746
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ مِسْوَر بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ: فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ"، فَوَاللهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ (١) الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ، فَإِذَا هُوَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالثَّنِيَّةِ (٢) الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ (٣) ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ، فَقَالُوا: خَلأَتِ (٤) الْقَصْوَاءُ (٥) ، خَلأَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بخُلُقٍ، وَلَكِنَّهَا حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّة (٦) يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ، إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"، ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ بِهِ، قَالَ: فَعَدَلَ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ (٧) النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ، فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا زَالَ يَجِيشُ (٨) لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا (٩) عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ (١٠) نُصْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ (١١) ، الحواشي
(١) القترة: الغبار الأسود. (انظر: مجمع البحار، مادة: قتر).(٢) الثنية: الطريق العالي في الجبل، والجمع: الثنايا. (انظر: النهاية، مادة: ثنا).(٣) الراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال، ويقع على الذكر والأنثى. (انظر: النهاية، مادة: رحل).(٤) خلأت الناقة: إذا حَرَنَتْ، والحِران: أن يقف (أي الدابة) فلا يتحرك وإن ضُرِب. (انظر: غريب الحديث للحربي) (٢/ ٤٤٦).(٥) القصواء: الناقة التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة النبي ﷺ كذلك، وإنما كان هذا لقبًا لها. (انظر: النهاية، مادة: قصا).(٦) الخطة: الحال والأمر والخطب. (انظر: النهاية، مادة: خطط).(٧) التبرض: أخذ الشيء قليلًا قليلًا، وهو أيضًا التبلُّغ بالشيء القليل. (انظر: جامع الأصول) (٨/ ٣٠٢).(٨) يجيش: يَتَدَفَّق ويجري بالماء. (انظر: النهاية، مادة: جيش).(٩) الصدر والصدور: الرجوع والانصراف. (انظر: اللسان، مادة: صدر).(١٠) العيبة: خاصة الرجل وموضع سره. (انظر: النهاية، مادة: عيب).(١١) تهامة: الأرض المنكفئة إلى البحر الأحمر، من الشرق من العقبة في الأردن إلى المخا في اليمن.
(انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٧٣).стр. 2747
فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (١) ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصادُّوكَ، عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ، فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا (٢) ، وَإِنْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي (٣) أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللهُ أَمْرَهُ"، فَقَالَ بُدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ: إِنَّا جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ، يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُحَدِّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِي! أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ (٤) ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي؟ قَالُوا: لَا (*)، قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَني اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خَصلَةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: فَأْتِهِ، فَأَتَاهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَحْوَا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ! أَرَأَيْتَ إِنِ الحواشي
(١) العوذ المطافيل: جمع عائذ وهي الناقة إذا وضعت، وبعدما تضع أياما حتى يقوى ولدها، يريد النساء والصبيان. (انظر: النهاية، مادة: عوذ).(٢) جم الشخص: استراح فعادت إليه قوته. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: جمم).(٣) تنفرد سالفتي: السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، وكنى بانفرادها عن الموت، وقيل: أراد حتى يفرق بين رأسي وجسدي. (انظر: النهاية، مادة: سلف).(٤) قوله: "ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد" وقع في الأصل: "ألستم بالولد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد" ولا يستقيم به السياق، ووقع في "صحيح ابن حبان"(٤٩٠١) من طريق المصنف: "ألستم بالولد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالوالد؟ "، والمثبت من "مسند أحمد"(١٩٢٣١) ، "صحيح البخاري"(٢٧٤٩) ، "السنن الكبرى" للبيهقي(١٨٨٤٠) ، وغيرهم، جميعهم من طريق المصنف، به.
(*) [٣/ ٦٨ ب].стр. 2748
اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصلَهُ قَبْلَكَ؟ وإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي لأَرَى وُجُوهًا، وَأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا عَنْكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: امْصصْ بَظْرَ اللَّاتِ، نَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالَ: "أَبُو بَكْرٍ"، قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَخزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ، قَالَ: وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ السَّيْفُ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ يَدَهُ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأسَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ صَحِبَ قَوْمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَيْءٍ"، ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ صحَابَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضوئِهِ، وإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، قَالَ: فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ! وَاللهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُحَمَّدًا، وَاللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةَ إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ (١) : دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ"، فَبَعَثُوهَا لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ إِلَلى أَصْحَابِهِ، قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الحواشي
(١) في الأصل: "كندة"، والتصويب من "صحيح البخاري"(٢٧٤٩) من طريق المصنف، به.стр. 2749
الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ: دَعُونِي آتِهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَذَا مِكْرَزٌ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ"، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو.
وَقَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ (*) عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُ قَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ".
قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْكَاتِبَ (١) ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللهِ لَا يَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اكتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ"، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللهِ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ".
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: "لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةَ اللهِ إِلَّا أَعْطَيتُهُمْ إِيَّاهَا"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَينَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ"، فَقَالَ سُهَيْلٌ: لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضغْطَةً، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ الحواشي
(١) قوله: "فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي ﷺ الكاتب" ليس في الأصل، ولعله بسبب انتقال نظر الناسخ، وأثبتناه من "مسند أحمد"، "صحيح البخاري"، "صحيح ابن حبان"، "سنن البيهقي".стр. 2750
جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ (١) بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ (٢) فِي قُيُودِهِ، وَقَدْ خرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مِنْ أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ (٣) ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَأَجِزْهُ لِي"، فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، فَقَالَ: "بَلَى، فَافْعَلْ"، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ، وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: "بَلَى"، قَالَ: قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: "بَلَى"، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَقَالَ: "إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي"، قُلْتُ: أَوَلَسْتَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، فَأَخبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ" قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ"، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيةَ فِي دِينِنَا إِذَنْ؟ قَالَ: أَيهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْرهِ حَتَّى تَمُوتَ، فَوَاللهِ إِنَّا لَعَلَى الْحَقِّ، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهِ الْعَامَ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ، وَمُطَّوِّفٌ بِهِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، الحواشي
(١) قوله: "أبو جندل" وقع في الأصل "جندب"، والتصويب من "المعجم الكبير" للطبراني (٢٠/ ٩) من حديث الدبري، عن عبد الرزاق، به.(٢) قوله: "يرسف" تصحف في الأصل إلى: "بن يوسف"، والتصويب من المصدر السابق.(٣) بعده في "المعجم الكبير": "إلي، فقال النبي ﷺ : "إنا لم نقض الكتاب بعد"، قال: فوالله إذن لم أصالحك على شيء أبدا".стр. 2751
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصحَابِهِ: "قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا"، قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَقَامَ، فَخَرَجَ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ (*) قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا غَمًّا، ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ، فَتَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا حَتَّى إِذَا بَلَغَا بِهِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَأ يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ، فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُ: "لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا"، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي، وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ، قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَيْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ"، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ، قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ
الحواشي
(١) (*) [٣/ ٦٩ ب].стр. 2752
- ﷺ تُنَاشِدُهُ اللهَ وَالرَّحِمَ إِلَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.
• [١٠٥٦٥] عبد الرزاق، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو زُمَيْلٍ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَاتِبُ الْكِتَابِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
• [١٠٥٦٦] عبد الرزاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَضَحِكَ، وَقَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَوْ سَأَلْتَ عَنْهُ هَؤُلَاءِ، قَالُوا: عُثْمَانَ يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ.
• [١٠٥٦٧] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَأَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ أَنْكَرَ أَهْلُ مَجْلِسِهِ هَيْئَتَهُ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ اللَّيْلَةَ، فَرَأَيْتُ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، قَالُوا: فَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا يَخْتَتِنُ الْيَهُودُ، فَابْعَثْ إِلَى مَدَائِنِكَ فَاقْتُلْ كُلَّ (١) يَهُودِيٍّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَتَبَ إِلَى نَظِيرٍ لَهُ حَزَّاءٍ أَيْضًا، يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ، قَالَ: وَرَفَعَ إِلَيْهِ مَلِكُ بُصْرَى رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ يُخْبِرُهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: انْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ؟ قَالُوا: فَنَظَرُوا، فَإِذَا هُوَ مُخْتَتِنٌ، فَقَالُوا: هَذَا مَلِكُ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ.
° [١٠٥٦٨] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلَى أُذُنِي (٢) ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (*) قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى الحواشي
(١) قوله: "فاقتل كل" تصحف في الأصل إلى: "فأقبل على".(٢) في الأصل: "فيَّ"، والتصويب من "المعجم الكبير" للطبراني (٨/ ١٤) من طريق الدبري، عن عبد الرزاق، به.
(*) [٣/ ٧٠ أ].стр. 2753
عَظِيمِ بُصْرَى (١) ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: أَهَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ (٢) لَوْلَا أَنْ يُؤْثَرَ (٣) عَلَيَّ الْكَذِبُ لكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَنِ اتَّبَعَهُ؟ أَشْرَافُكُمْ أَمْ ضُعَفَاؤُكُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُنَا، قَالَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً (٤) لَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونَ قِتَالكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَكُونَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا (٥) يُصِيبُ مِنَّا، وَنُصِيبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِتهُ فِي هُدْنَةٍ (٦) لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا، قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ إِنِّي سَأَلْتُكُمْ عَنْ حَسَبِهِ، فَقُلْتَ: إِنَّهُ الحواشي
(١) بصرى: مدينة في منتصف المسافة بين عمان ودمشق، وهي اليوم آثار قرب مدينة "دَرعة"، وهما داخل حدود سورية. (انظر: المعالم الجغرافية) (ص ٤٣).(٢) ايم الله: من ألفاظ القسم، كقولك: لَعمر الله وعهد الله، وهمزتها وصل، وقد تقطع، وقيل: إنها جمع يمين، وقيل: هي اسم موضوع للقسم. (انظر: النهاية، مادة: أيم).(٣) أثر الحدبُ: نقله، ورواه عن غيره. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: أثر).(٤) السخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به. (انظر: النهاية، مادة: سخط).(٥) سجال: مرة لنا ومرة علينا. (انظر: النهاية، مادة: سجل).(٦) الهدنة: الصلح الذي ينعقد بين الكفار والمسلمين. وقد يكون بين كل طائفتين اقتتلتا إذا تركتا القتال عن صلح. (انظر: جامع الأصول) (١٠/ ٢٦).стр. 2754
فِينَا ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ (١) قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ (٢) ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشِدَّاؤُهُمْ؟ قَالَ: فَقُلْتَ: بَلْ ضعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَا يَزَالُ إِلَى أَنْ يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ (٣) قَاتَلْتُمُوهُ، فَيَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ (٤) ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ (٥) لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ، قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُهُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وإِنِّي كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَخَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الحواشي
(١) الأحساب: جمع الحسب، وهو في الأصل: الشرف بالآباء وما يعده الناس من مفاخرهم. (انظر: النهاية، مادة: حسب).(٢) قوله: "فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك" ليس في الأصل، واستدركناه من المصدر السابق.(٣) في الأصل: "أنك"، والتصويب من المصدر السابق.(٤) العاقبة: الجزاء بالخير، وآخر كل شيء أو خاتمته. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: عقب).(٥) قوله: "تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل" ليس في الأصل، واستدركناه من المصدر السابق.стр. 2755
الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ (*) الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَينِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ (١) وَ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] "، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَأَمَرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ (٢) أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لكُمْ إِلَى الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ آخِرَ الْأَبَدِ؟ وَأَنْ يَثْبُتَ لكُمْ مُلْكُكُمْ؟ قَالُوا: فَحَاصُوا (٣) حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ، فَقَالَ: إِنِّي اخْتَبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضوا عَنْهُ.
٣ - وَقْعَةُ بَدْرٍ
• [١٠٥٦٩] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، قَالَ: اسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَيُّنَا كَانَ أَفْجَرَ لَكَ وَأَقْطَعَ لِلرَّحِمِ، فَأَحِنْهُ الْيَوْمَ يَعْنِي مُحَمَّدًا وَنَفْسَهُ، فَقَتَلَهُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا إِلَى النَّارِ.
° [١٠٥٧٠] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ بِالْقِتَالِ فِي آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا، وَكَانَ رَأْسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ، فَالْتَقَوْا بِبَدْرٍ يَوْمَ الحواشي
(١) الأريسيون: الضعفاء والأتباع. (انظهـ: غريب الخطابي) (١/ ٤٩٩).(٢) أمر: كثر وارتفع شأنه، يعني النبي ﷺ . (انظر: النهاية، مادة: أمر).(٣) حاصوا: نفروا وكروا راجعين، وقيل: جالوا. (انظر: المشارق) (١/ ٢١٧).
• [١٠٥٦٩] [شيبة: ٣٧٨٣٦].стр. 2756
الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ أَوْ سِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَمَضانَ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْألفِ وَالتِّسْعِمِائَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفُرْقَانِ، وَهَزَمَ اللهُ يَوْمَئِذٍ الْمُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى سَبْعِينَ مُهَجٍ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا إِلَّا قُرَشيٌّ، أَوْ أَنْصارِيٌّ، أَوْ حَلِيفٌ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ.
° [١٠٥٧١] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ (١) لِقُرَيْشٍ، وَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مُغْوِثِينَ لِعِيرِهِمْ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَيْنًا طَلِيعَةً، يَنْظُرَانِ بِأَيِّ مَاءٍ هُوَ، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا عَلِمَا عِلْمَهُ، وَأُخْبِرَا خَبَرَهُ، جَاءَا سَرِيعَيْنِ، فَأَخْبَرَا النَّبِيَّ ﷺ ، وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ بِهِ الرَّجُلَانِ، فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَاءِ: هَلْ أَحْسَسْتُمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ؟ قَالَ: فَهَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: مَا رَأَيْنَا إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَأَيْنَ كَانَ مُنَاخُهُمَا؟ فَدَلُّوهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى بَعْرًا لَهُمَا فَفَتَّهُ، فَإِذَا فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَنَّى لِبَنِي فُلَانٍ هَذَا النَّوَى؟ هَذِي نَوَاضِحُ (٢) أَهْلِ يَثْرِبَ، فَتَرَكَ الطَّرِيقَ، وَأَخَذَ سَيْفَ الْبَحْرِ، وَجَاءَ الرَّجُلَانِ، فَأَخْبَرَا النَّبِيَّ ﷺ خبَرَهُ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ أَخَذَ هَذِهِ الطَّرِيقَ؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: أَنَا، هُوَ بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، وَنَحْنُ بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، فَيَرْتَحِلُ فَيَنْزِلُ بِمَاءَ كَذَا وَكَذَا، وَنَنْزِلُ بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَنْزِلُ بِمَاءَ كَذَا وَكَذَا، وَنَنْزِلُ بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ نَلْتَقِي بِمَاءِ كَذَا وَكَذَا، كَأَنَّا فَرَسَا رِهَانٍ، فَسَارَ النَّبِيُّ ﷺ (*) حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا فَوَجَدَ عَلَى مَاءِ بَدْرٍ بَعْضَ رَقِيقِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ خَرَجَ يُغِيثُ أَبَا سُفْيَانَ، فَأَخَذَهُمْ أَصحَابُهُ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمْ، فَإِذَا صَدَقُوهُمْ الحواشي
(١) العير: الإبل بأحمالها، وقيل: قافلة الحمير، فكثرت حتى سميت بها كل قافلة. (انظر: النهاية، مادة: عير).(٢) النواضح: جمع ناضح، وهي الإبل التي يُستقى عليها الماء. (انظر: النهاية، مادة: نضح).
(*) [٣/ ٧١ أ].стр. 2757
ضَرَبُوهُمْ، وإِذَا كَذَبُوهُمْ تَرَكُوهُمْ، فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنْ صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ، وَإِذَا كذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ"، ثُمَّ دَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ: "مَنْ يُطْعِمُ الْقَوْمَ"؟ قَالَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَعَدَّ رِجَالًا يُطْعِمُهُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَوْمًا، قَالَ: "فَكَمْ يَنْحَرُ (١) لهُمْ"؟ قال: عَشْرًا مِنَ الجَزُورِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الجَزُورُ بِمِائَةٍ، وَهُمْ بَيْنَ الْأَلْفِ وَالتِّسْعِمِائَةِ"، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ الْمُشْرِكُونَ وَصافُّوهُمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اسْتَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي قِتَالِهِمْ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُشِيرُ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَشَارَ، فَقَامَ عُمَرُ يُشِيرُ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَكَأَنَّكَ تُعَرِّضُ بِنَا الْيَوْمَ لِتَعْلَمَ مَا فِي نُفُوسِنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ضَرَبْتَ أَكْبَادَهَا (٢) حَتَّى بَرْكِ الْغِمَادِ (٣) مِنْ ذِي يَمَنٍ لكنَّا مَعَكَ، فَوَطَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ عَلَى الصَّبْرِ وَالْقِتَالِ، وَسُرَّ بِذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا سَارَ فِي قُرَيْشٍ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِي أَطِيعُونِي وَلَا تُقَاتِلُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَإِنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ لَمْ يَزَلْ بَيْنَكُمْ إِحْنَةٌ مَا بَقِيتُمْ، وَفَسَادٌ لَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ أَخِيهِ، وَإِلَى قَاتِلِ ابْنِ عَمِّهِ، فَإِنْ يَكُنْ مُلْكًا أَكَلْتُمْ فِي مُلْكِ أَخِيكُمْ، وَإِنْ يَكُ نَبِيًّا فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا كَفَتْكُمُوهُ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ، فَأَبَوْا أَنْ يَسْمَعُوا مَقَالَتَهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوهُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ الله (٤) فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي كَأَنَّهَا الْمَصَابِيحُ أَنْ تَجْعَلُوهَا أَنْدَادًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ، الَّتِي كَأَنَّهَا عُيُونُ الْحَيَّاتِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَقَدْ مَلأْتَ سَحْرَكَ رُعْبًا، ثُمَّ سَارَ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ إِنَّمَا يُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا لِأَنَّ ابْنَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَمِّهِ، فَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يُقْتَلَ ابْنُهُ وَابْنُ عَمِّهِ، فَغَضبَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَالَ: أَيْ مُصَفِّرَ اسْتِهِ! سَتَعْلَمُ أَيُّنَا أَجْبَنُ وَأَلْأَمُ، وَأَفْشَلُ لِقَوْمِهِ الْيَوْمَ، الحواشي
(١) النحر: الطعن في أسفل العنق عند المصدر. (انظر: معجم لغة الفقهاء) (ص ٤٧٦).(٢) ضربت أكبادها: كناية عن السفر إلى مسافات بعيدة. (انظر: اللسان، مادة: كبد).(٣) برك الغماد: قيل: إنه موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: بلد باليمن. ويبدو أنها أمكنة متعددة توصف بالوعورة، أو البعد والوعورة. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٤٧).(٤) النشدة والنشدان والمناشدة: السؤال بالله والقسم على المخاطب. (انظر: النهاية، مادة: نشد).стр. 2758
ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ مَعَهُ أَخُوهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ (١) ، فَقَالُوا: أَبْرِزْ إِلَيْنَا أَكْفَاءَنَا، فَثَارَ نَاسٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، فَأَجْلَسَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَامَ عَلِيٌّ، وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَاخْتَلَفَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَقَرِينُهُ ضَرْبَتَيْنِ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صاحِبَهُ، وَأَعَانَ حَمْزَةُ عَلِيًّا عَلَى صَاحِبِهِ فَقَتَلَهُ، وَقُطِعَتْ رِجْلُ عُبَيْدَةَ فَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ، وَهَزَمَ عَدُوَّهُ، وَقُتِلَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَفَعَلْتُمْ؟ " قَالُوا: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: "إِنَّ عَهْدِي بِهِ فِي رُكْبتَيْهِ حَوَرٌ، فَاذْهَبُوا، فَانْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ ذَلِكَ"؟ قَالَ: فَنَظَرُوا، فَرَأَوْهُ قَالَ: وَأُسِرَ يَوْمَئِذٍ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْقَتْلَى، فَجُرُّوا حَتَّى أُلْقُوا فِي قَلِيبٍ، ثُمَّ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ (*)، فَقَالَ: "أَيْ عُتبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ! أَيْ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ"، فَجَعَلَ يُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، "هَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُكُمْ حَقًّا؟ " قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَيَسْمَعُونَ مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَنْتُمْ بِأَعْلَمَ بِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ"، أَيْ إِنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا أَعْمَالَهُمْ.
قَالَ مَعْمَرٌ: وَسَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ بَشِيرًا يُبَشِّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ نَاسٌ لَا يُصَدِّقُونَهُ، وَيَقُولُونَ (٢) : وَاللهِ مَا رَجَعَ هَذَا إِلَّا فَارًّا، وَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ بِالْأُسَارَى، وَيُخْبِرُهُمْ بِمَنْ قُتِلَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ حَتَّى جِيءَ بِالْأُسَارَى، مُقَرَّنِينَ فِي قَيْدٍ، ثُمَّ فَادَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ .
٤ - مَنْ أسَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ
° [١٠٥٧٢] أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَعُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ قَالَا: فَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَارَى بَدْرٍ، وَكَانَ فِدَاءُ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَقُتِلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ قَبْلَ الْفِدَاءِ، وَقَامَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: "النَّارُ". الحواشي
(١) في الأصل: "المغيرة"، وهو خطأ.
(*) [٣/ ٧١ ب].(٢) ليس في الأصل، واستدركناه من "التفسير" للمصنف (٢/ ٢٥٤).стр. 2759
° [١٠٥٧٣] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ الْجَزَرِيُّ، عَنْ مِقْسَمٍ قَالَ: لَمَّا أُسِرَ الْعَبَّاسُ فِي الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِينَهُ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَنَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا يَأْخُذُهُ نَوْمٌ، فَفَطِنَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَتُؤَرَّقُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ: "الْعَبَّاسُ أَوْجَعَهُ الْوَثَاقُ، فَذَلِكَ أَرَّقَنِي"، قَالَ: أَفَلَا أَذْهَبُ فَأُرْخِي عَنْهُ شَيْئًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ"، فَانْطَلَقَ الْأَنْصَارِيُّ فَأَرْخَى عَنْ وَثَاقِهِ (١) ، فَسَكَنَ وَهَدَأَ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
٥ - وَقْعَةُ هُذَيْلٍ بِالرَّجِيعِ، وَالرَّجِيعُ مَوْضِعٌ
° [١٠٥٧٤] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةَ (٢) عَيْنًا لَهُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ وَهُوَ جَدُّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ نُزُولًا، فَذُكِرُوا لُحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ (٣) ، فَتَبِعُوهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ حَتَّى رَأَوْا آثَارَهُمْ، حَتَّى نَزَلُوا مَنْزِلًا يَرَوْنَهُ، فَوَجَدُوا فِيهِ نَوَى تَمْرٍ يَرَوْنَهُ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: هَذَا مِنْ تَمْرِ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ حَتَّى لَحِقُوهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّهُمْ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ (٤) ، وَجَاءَ الْقَوْمُ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَقَالُوا: لكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ (٥) ، إِنْ نَزَلْتُمْ إِلَيْنَا لَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ (٦) كَافِرٍ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا رَسُولَكَ، قَالَ: فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قَتَلُوا عَاصِمًا الحواشي
(١) الوثاق: القيد. والجمع: الوثائق. (انظر: النهاية، مادة: وثق).
° [١٠٥٧٤] [الإتحاف: حب حم ١٩٦٥٥].(٢) السرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعث إلى العدو، وجمعها: سرايا. (انظر: النهاية، مادة: سرى).(٣) بنو لحيان: قبيلة عدنانية، وبسببهم كانت غزوة الرجيع، أو بني لحيان، وهم من هذيل، وما زالوا سكان ضواحي مكة الكرمة، بينها وبين مر الظهران. (انظر: أطلس الحديث النبوي) (ص ٣٢٣).(٤) الفدفد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. (انظر: النهاية، مادة: فدفد).(٥) الميثاق: العهد. (انظر: التاج، مادة: وثق).(٦) الذمة: العهد والأمان والضمان، والحرمة والحق، والجمع: الذمم. (انظر: النهاية، مادة: ذمم).стр. 2760
فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ وَبَقِيَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ، وَزَيْدُ بْنُ دَثِنَةَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ إِنْ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ، فَنَزَلُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ حَلُّوا أَوْتَارَ (١) قِسِيِّهِمْ (٢) فَرَبَطُوهُمْ بِهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ الَّذِي كَانَ مَعَهُمَا: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ، فَجَرُّوهُ فَأَبَى أَنْ يَتْبَعَهُمْ، وَقَالَ: لِي فِي هَؤُلَاءِ أُسْوَةٌ، فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ دَثِنَةَ، حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ، فَاشْتَرَى خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَكَانَ (*) قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى إِذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ اسْتَعَارَ (٣) مُوسَى (٤) مِنْ إِحْدَى بَنَاتِ الْحَارِثِ لِيَسْتَحِدَّ بِهَا، فَأَعَارَتْهُ، قَالَتْ: فَغَفَلْتُ عَنْ صبِيٍّ لِي فَدَرَجَ (٥) إِلَيْهِ حَتَّى أَتَاهُ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ فَزِعْتُ فَزَعًا عَرَفَهُ فِيَّ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، قَالَ: أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَنْ أَفْعَلَ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ (٦) عِنَبٍ، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ثَمَرَةٌ، وإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ، وَمَا كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُرَوْا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ مِنَ الْمَوْتِ لَزِدْتُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ هُوَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصهِمْ عَدَدًا، ثُمَّ (٧) قَالَ: الحواشي
(١) الأوتار: جمع وتر، وهو الخيط الذي يُشد به القوس. (انظر: اللسان، مادة: وتر).(٢) القسي: جمع القوس، وهو: عود منحنٍ يصل بين طرفيه وتر تُرمى به السهام. (انظر: المعجم العربي الأساسي، مادة: قوس).
(*) [٣/ ٧٢ أ].(٣) الاستعارة: طلب الشيء من شخص على أن يعيده إليه. (انظر: المعجم العربي الأساسي، مادة: عور).(٤) الموسى: أداة حديدية لحلق الشعر. (انظر: المصباح المنير، مادة: موس).(٥) الدرج: المشي. (انظر: النهاية، مادة: درج).(٦) القطف: العنقود. وهو اسم لكل ما يُقطف. (انظر: النهاية، مادة: قطف).(٧) ليس في الأصل، واستدركناه من "المعجم الكبير" للطبراني (٤/ ٢٢١) من طريق الدبري، عن عبد الرزاق، به.стр. 2761
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ للهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ (١) مُمَزَّع (٢)
ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، قَالَ: وَبَعَثَ قُرَيْش إِلَى عَاصِمٍ لِيُؤْتَوْا بِشَيءٍ مِنْ جَسَدِهِ يَعْرِفُونَهُ، وَكَانَ قَتَلَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ مِثْلَ الظُّلَّةِ (٣) مِنَ الدَّبْرِ (٤) ، فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ.
° [١٠٥٧٥] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عُثْمَانَ الْجَزَرِيِّ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ مَعْمَرٌ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ بِبَعْضِهِ، قالَ: إِنَّ ابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ الْتَقَيَا، فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ: وَكَانَا خَلِيلَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عُقْبَةُ، قَالَ: لَا أَرْضى عَنْكَ حَتَّى تَأْتيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ، وَتَشْتِمَهُ وَتُكَذِّبَهُ، قَالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فِي الْأُسَارَى، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ علِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَالَ عُقْبَةُ: يَا مُحَمَّدُ، مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ أُقْتَلُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: "بِكُفْرِكَ وَفُجُورِكَ، وَعُتُوِّكَ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ".
قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ مِقْسَمٌ: فَبَلَغَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ، قَالَ: فَمَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ قَالَ: "النَّارُ"، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَأَمَّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقَالَ: وَاللهِ لأَقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: "بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ"، فَأَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: أَنْشُدُكَ الحواشي
(١) الشلو: العضو من اللحم، والجمع: الأشلاء. (انظر: النهاية، مادة: شلا).(٢) الممزع: القطع. (انظر: النهاية، مادة: مزع).(٣) الظلة: السحابة. (انظر: المشارق) (١/ ٣٢٨).(٤) الدبر: النحل، وقيل: الزنابير. (انظر: النهاية، مادة: دبر).стр. 2762
بِاللهِ أَسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ قَوْلًا إِلَّا كَانَ حَقًّا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفَلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَينَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ فلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَصحَابِهِ: "خَلُّوا عَنْهُ"، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ فَجَزَلهُ بِهَا، يَقُول: رَمَاهُ بِهَا، فَيَقَعُ فِي تَرْقُوَتِهِ (١) تحت تسْبِغةِ (٢) البَيْضَةِ (٣) ، وَفَوْقَ الدِّرْعِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ كَبِيرُ دَمٍ، وَاحْتَقَنَ (٦) الدَّمُ فِي جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأَقْبَلَ أَصْحَابُهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ وَهُوَ يَخُورُ، وَقَالُوا: مَا هَذَا فَوَاللهِ مَا بِكَ إِلَّا خَدْشٌ، فَقَالَ: وَاللهِ لَوْ لَمْ يُصبْنِي إِلَّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، أَلَيْسَ، قَدْ قَالَ: "أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ"، وَاللهِ لَوْ كَانَ الَّذِي بِي بِأَهْلِ الْحِجَازِ (٤) لَقَتَلَهُمْ، قَالَ: فَمَا لَبِثَ إِلَّا يَوْمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ إِلَى النَّارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
٦ - وَقْعَةُ بَنِي النَّضِيرِ (٥)
° [١٠٥٧٦] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ عُرْوَةَ ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَنَخْلُهُمْ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ وَعَلَى الحواشي
(١) الترقوة: عَظمَة مشرفة بَين ثغرة النَّحْر والعاتق وهما ترقوتان، والجمع: تراق. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: ترق).(٢) التسبغة: شئ من حلق الدروع والزرد يعلق بالخوذة دائرا معها ليستر الرقبة وجيب الدرع. (انظر: النهاية، مادة: سبغ).(٣) البيضة: الخوذة. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: بيض).
(*) [٣/ ٧٢ ب].(٤) تصحف في الأصل إلى: "المجاز"، والتصويب من "التفسير" للمصنف (٣/ ٦٨).(٥) بنمو النضير: اسم قبيلة يهودية كانت تسكن بالمدينة ممن وفدوا إلى المدينة في العصر الجاهلي.
(انظر: المعالم الأثيرة) (ص ٢٨٨).стр. 2763
أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ (١) الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا الْحَلْقَةَ (٢) يَعْنِي السِّلَاحَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ١ - ٢]، فَقَاتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ فَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَكَانُوا مِنْ سِبْطٍ (٣) لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ فِيمَا خَلَا، وَكَانَ اللهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسِّبَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرٍ فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ.
° [١٠٥٧٧] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (٤) ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ السَّلُولِ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، يَقُولُونَ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وإنَّكُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَدَدًا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللهِ لَتَقْتُلُنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسْتَعْدِيَنَّ (٥) عَلَيْكُمُ الْعَرَبَ، ثُمَّ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ، وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ تَرَاسَلُوا، فَاجْتَمَعُوا، وَأَرْسَلُوا، وَأَجْمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَقِيَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَالَ: "لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمُ الْمَبَالِغَ، مَا كَانَتْ لِتَكِيدَكُمْ الحواشي
(١) الإقلال: رفع الشيء، وحمله. (انظر: النهاية، مادة: قلل).(٢) في الأصل: "الحليقة"، والتصويب من "فتح الباري" لابن حجر (٧/ ٣٣٠) معزوا للمصنف.(٣) سبط: ولد الابن والابنة، والسبط من الْيَهُود كالقبيلة من الْعَرَب، والجمع: أسباط. (انظر: المعجم الوسيط، مادة: سبط).(٤) وقع في الأصل: "عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" وهو خطأ، وصوابه ما أثبتناه كما في "التاريخ الكبير" للبخاري (٥/ ٣١٣)، "سنن أبي داود"(٢٩٩١) من طريق المصنف، به، وينظر أيضا: "الدر المنثور" للسيوطي (١٤/ ٣٤٠).(٥) في الأصل: "لنستعن"، والتصويب من "الدر المنثور".стр. 2764
بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، فَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُرِيدُونَ أَنْ تَقْتُلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإخْوَانَكُمْ"، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ تَفَرَّقُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ: إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ، وإنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا، أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ (١) ، وَهُوَ الْخَلَاخِلُ، فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمُ الْيَهُودَ أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ عَلَى الْغَدْرِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ، وَلْنَخْرُجْ فِي ثَلَاثِينَ حَبْرًا حَتَّى نَلْتَقِيَ فِي مَكَانِ كَذَا نِصْفٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَآمَنُوا بِكَ، آمَنَّا كُلُّنَا، فَخَرَجَ (*) النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ حَبْرًا مِنْ يَهُودَ، حَتَّى إِذَا بَرَزُوا فِي بَرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ، قَالَ بَعْضُ الْيَهُودِ لِبَعْضٍ: كَيْفَ تَخْلُصُونَ إِلَيهِ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ أَصحَابِهِ كُلُّهُمْ يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ، فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ كَيْفَ تَفْهَمُ وَنَفْهَمُ وَنَحْنُ سِتُّونَ رَجُلًا؟ اخْرُجْ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْكَ ثَلَاثَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، فَلْيَسْمَعُوا مِنْكَ، فَإِنْ آمَنُوا بِكَ آمَنَّا كُلُّنَا، وَصَدَّقْنَاكَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاشْتَمَلُوا عَلَى الْخَنَاجِرِ، وَأَرَادُوا الْفَتْكَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَرْسَلَتِ امْرَأَةٌ نَاصحَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى بَنِي أَخِيهَا، وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ مَا أَرَادَتْ بَنُو النَّضِيرِ مِنَ الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَخُوهَا سَرِيعًا، حَتَّى أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فسَارَّهُ (٢) بِخَبَرِهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْكَتَائِبِ فَحَاصَرَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ لَا تَأْمَنُونَ عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ"، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْخَيْلِ وَالْكَتَائِبِ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ، فَعَاهَدُوهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَغَدَا إِلَى بَنِي الحواشي
(١) ليس في الأصل، واستدركناه من "سنن أبي داود" من حديث المصنف، به.
(*) [٣/ ٧٣ أ].(٢) الإسرار والمساررة: خفض الصوت عند التحدث. (انظر: النهاية، مادة: سرر).стр. 2765
النَّضيرِ بِالْكَتَائِبِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ، وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ إِلَّا الْحَلْقَةَ، وَالْحَلْقَةُ: السِّلَاحُ، فَجَاءَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتِ إِبِلٌ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا، فَكَانُوا يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ، فَيَهْدِمُونَهَا فَيَحْمِلُونَ مَا وَافَقَهُمْ مِنْ خَشَبِهَا، وَكَانَ جَلَاؤُهُمْ ذَلِكَ أَوَّلَ حَشْرِ النَّاسِ إِلَى الشَّامِ وَكَانَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَمْ يُصِبْهُمْ جَلَاءٌ مُنْذُ كَتَبَ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْجَلَاءَ، فَلِذَلِكَ أَجْلَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَوْلَا مَا كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَلَاءِ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا كَمَا عُذِّبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ١ - ٦]، وَكَانَتْ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، فَأَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهَا وَخَصَّهُ بِهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، يَقُولُ: بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَالَ: فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ، وَقَسَمَ مِنْهَا (١) لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصارِ كَانَا ذَوَيْ حَاجَةٍ، لَمْ يَقْسِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ غَيْرَهُمَا، وَبَقِيَ مِنْهَا صدَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَدِ بَنِي فَاطِمَةَ.
° [١٠٥٧٨] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: أَخَبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ سِرًّا، وَهُوَ خَائِفٌ حَتَّى بَعَثَ اللهُ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ أَنْزَلَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٣]، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] وَالْعِضِينَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ: السِّحْرُ، يُقَالُ لِلسَّاحِرَةِ: عَاضِهَةٌ (٢) ، فَأَمَرَ بِعَدَاوَتِهِمْ (*)، فَقَالَ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]، ثُمَّ أَمَرَ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمَ فِي ثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ (٣) الحواشي
(١) قوله: "وقسم منها" ليس في الأصل، واستدركناه من "سنن أبي داود"، "الدر المنثور".(٢) في الأصل: "عاضية".
(*) [٣/ ٧٣ ب].(٣) الخلو: المضي والذهاب. (انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، مادة: خلو).стр. 2766
مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥]، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أَرَادَ اللهُ الْقَوْمَ، وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِيرَ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] الْآيَة، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] الْآيَةُ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: ١٣] فِي شَأْنِ الْعِيرِ ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] أَخَذُوا أَسْفَلَ الْوَادِي، هَذَا كُلُّهُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ، وَكَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ سَرِيَّة يَوْمَ قُتِلَ الْحَضْرَمِيُّ، ثُمَّ كَانَتْ أُحُدٌ، ثُمَّ يَوْمُ الْأَحْزَابِ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ، ثُمَّ كَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ، وَهُوَ يَوْمُ الشَّجَرَةِ، فَصالَحَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ فِي عَامٍ قَابِلٍ (١) فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَفِيهَا أُنْزِلَتْ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فَشَهْرُ عَامِ الْأَوَّلِ بِشَهْرِ الْعَامِ الثَّانِي (٢) ، فَكَانَتْ ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ (٣) ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ثَمَّ كَانَ الْفَتْحُ بَعْدَ الْعُمْرَةِ، فَفِيهَا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧]، وَذَلِكَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ غَزَاهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا أَعَدُّوا لَهُ أُهْبَةَ (٤) الْقِتَالِ، وَلَقَدْ قُتِلَ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ (٥) ، وَمَنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ خَمْسُونَ أَوْ زِيَادَةٌ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ لَمَّا دَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ إِلَى الطَّائِفِ (٦) ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الحواشي
(١) العام القابل: المقبل. (انظر: اللسان، مادة: قبل).(٢) ليس في الأصل، ويقتضيه السياق.(٣) القصاص: الأخذ من الجاني مثل ما جنى. (انظر: التبيان في تفسير غريب القرآن) (ص ١٠٢).(٤) الأهبة: العُدَّةُ. (انظر: اللسان، مادة: أهب).(٥) الرهط: ما دون العشرة من الرجال. وقيل إلى الأربعين ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط. (انظهـ: النهاية، مادة: رهط).(٦) الطائف: مدينة تقع شرق مكة مع مَيْل قليل إلى الجنوب، على مسافة تسعة وتسعين كيلو مترا، وترتفع عن سطح البحر ١٦٣٠ مترا. (انظر: المعالم الأثيرة) (ص ١٧٠).стр. 2767
الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، ثُمَّ وَدَّعَ النَّاسَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي لَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ، وَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَجِّ غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَبُوكًا.
٧ - وَقْعَةُ أُحُدٍ
° [١٠٥٧٩] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ غَزَا أَبُو سُفْيَانَ وَكُفَّارُ قُرَيْشٍ: "إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي لَبِسْتُ دِرْعًا (١) حَصِينَةً، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، فَاجْلِسُوا فِي ضَيْعَتِكُمْ، وَقَاتِلُوا مِنْ وَرَائِهَا"، وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ قَدْ شُبِّكَتْ بِالْبُنْيَانِ فَهِيَ كَالْحِصْنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا: يَا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ فَلْنُقَاتِلْهُمْ، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: نَعَمْ وَاللهِ يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا رَأَيْتُ، إِنَّا وَاللهِ مَا نَزَلَ بِنَا عَدُوُّ قَطُّ فَخَرَجْنَا إِلَيْهِ، فَأَصَابَ فِينَا، وَلَا ثَبَتْنَا فِي الْمَدِينَةِ، وَقَاتَلْنَا مِنْ وَرَائِهَا إِلَّا هَزَمْنَا عَدُوُّنَا، فَكَلَّمَهُ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ، فَدَعَا بِلأْمَتِهِ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: "مَا أَظُنُّ الصَّرْعَى إِلَّا سَتَكْثُرُ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ، إِنِّي أَرَى فِي النَّوْمِ مَنْحُورَةً، فَأَقُولُ: بَقَرٌ، وَاللهِ بِخَيْرٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَاجْلِسْ بِنَا، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأْمَتَهُ (٢) أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَلْقَى النَّاسَ، فَهَلْ مِنْ رَجُلٍ يَدُلُّنَا الطَّرِيقَ (*) فَيُخْرِجُنَا (٣) عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ (٤) "؟ فَانْطَلَقَتْ بِهِ الْأَدِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْوَاسِطِ مِنَ الحواشي
(١) الدرع: نسيج من حلق حديد يتصل بعضها ببعض، يُلبس في الحرب ليقي المحارب ضربات السيوف والرماح، والجمع: دروع. (انظر: معجم السلاح) (ص ٩٦).(٢) قوله: "إذا لبس لأمته" في الأصل: "إذا لابس أمته"، وهو خطأ من الناسخ.
اللأمة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: أداته. (انظر: النهاية، مادة: لأم).
(*) [٣/ ٧٤ أ].(٣) في تعقيبة الأصل: "فخرجنا"، والمثبت من عند المصنف في "التفسير" (١/ ١٣٥).(٤) في الأصل: "كثيب"، والصواب المثبت، كما عند المصنف في "التفسير" (١/ ١٣٥).
الكثب: القرب. (انظر: النهاية، مادة: كثب).стр. 2768
الْجَبَّانَةِ (١) ، انْخَزَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الْجَيْشِ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ثُلُثِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى لَقُوهُمْ بِأُحُدٍ، وَصَافُّوهُمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَهِدَ إِلَى أَصْحَابِهِ إِنْ هُمْ هَزَمُوهُمْ أَلَّا يَدْخُلُوا لَهُمْ عَسْكَرًا، وَلَا يَتْبَعُوهُمْ، فَلَمَّا الْتَقَوْا هَزَمُوا، وَعَصَوْا النَّبِيَّ ﷺ ، وَتَنَازَعُوا وَاخْتَلَفُوا، ثُمَّ صَرَفَهُمُ اللهُ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَهُمْ، كَمَا قَالَ اللهُ، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وَعَلَى خَيْلِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ شَدِيدَةٌ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ (٢) رَسُولِ اللهِ ﷺ ودَمِيَ وَجْهُهُ، حَتَّى صَاحَ الشَّيْطَانُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ قُتِلَ مُحَمَّد، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَ النَّبِيَّ ﷺ ، عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ مِنْ وَرَاءِ الْمِغْفَرِ (٣) ، فَنَادَيْتُ بِصوْتيَ الْأَعْلَى: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اسْكُتْ، وَكَفُّ اللهُ الْمُشْرِكِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وُقُوفٌ، فَنَادَى أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَمَا مُثِّلَ بِبَعْضِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَجُدِعُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ بُقِرَ بَطْنُهُ، فَقَالَ أَبُو سفْيَانَ: إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ بَعْضَ الْمَثْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ ذَوِي رَأْيِنَا وَلَا سَادَتِنَا، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ (٤) ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، فَقَالَ: أَنْعَمْتَ عَيْنًا، قَتْلَى بِقَتْلَى بَدْرٍ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا يَسْتَوِي الْقَتْلَى، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَقَدْ خِبْنَا إِذَنْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ، وَنَدَبَ (٥) النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي طَلَبِهِمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا قَرِيبًا مِنْ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ (٦) ، وَكَانَ فِيمَنْ طَلَبَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَذَلِكَ حِينَ الحواشي
(١) الجبانة: الصحراء، وتسمى بها المقابر، لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. (انظر: النهاية، مادة: جبن).(٢) الرباعية: إحدى الأسنان الأربع التي تلي الثنايا بين الثنية والناب تكون للإنسان وغيره، والجمع: رباعيات. (انظر: اللسان، مادة: ربع).(٣) المغفر: اللثام أو طرف العمامة يشده على فمه. (انظر: اللسان، مادة: غفر).(٤) هبل: صنم معروف كان يُعبَد. (انظر: النهاية، مادة: هبل).(٥) الندب: الحث على الشيء والترغيب فيه. (انظر: المشارق) (٢/ ٧).(٦) حمراء الأسد: على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. (انظر: الروض المعطار) (ص ٢٠٠).стр. 2769
قَالَ اللهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
° [١٠٥٨٠] عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، دَعَا الْمُسْلِمِينَ لِطَلَبِ الْكُفَّارِ، فَاسْتَجَابُوا فَطَلَبُوهُمْ عَامَّةَ يَوْمِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ (١) [آل عمران: ١٧٢] الْآيَةَ.
وَلَقَدْ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَّ وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضُرِبَ يَوْمَئِذٍ بِالسَّيْفِ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، وَقَاهُ اللهُ شَرَّهَا كُلَّهَا.
٨ - وَقْعَةُ الْأحْزَابِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ (٢)
° [١٠٥٨١] عبد الرزاق (٣) ، ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الْأَحْزَابِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ بِسَنَتَيْنِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جانِبَ الْمَدِينَةِ، وَرَأْسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو سُفْيَانَ، فَحَاصَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حَتَّى خَلُصَ إِلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمُ الْكَرْبُ، وَحَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، كَمَا أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ ألَّا تُعْبَدَ"، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ رَأْسُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَطَفَانَ، وَهُوَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ: "أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ لَكَ ثُلُثَ ثَمَرِ الْأَنْصَارِ أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَكَ * مِنْ غَطَفَانَ؟ وَتُخَذِّلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ"؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُيَيْنَةُ: إِنْ جَعَلْتَ لِيَ الشَّطْرَ (٤) فَعَلْتُ، فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدِ بْنِ الحواشي
(١) القرح: الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من خارج. (انظر: المفردات للأصفهاني) (ص ٦٦٥).(٢) بنو قريظة: قبيلة يهودية سكنت المدينة المنورة في جنوبها الشرقي. (انظر: أطلس الحديث النبوي) (ص ٣٠٧).(٣) يعني: بسنده عن الزهري، به. كما في "التفسير" للمصنف (١/ ٨٣).
(*) [٣/ ٧٤ ب].(٤) الشطر: النصف، والجمع: أشطر وشطور. (انظر: النهاية، مادة: شطر).стр. 2770
مُعَاذٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَإِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ لَهُمَا: "إِنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ قَدْ سَأَلَنِي نِصْفَ ثَمَرِكُمَا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ غَطَفَانَ، وَيُخَذِّلَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ، وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهُ الثُّلُثَ، فَأَبَى إِلَّا الشَّطْرَ، فَمَاذَا تَرَيَانِ"؟ قَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ بِشَيْءٍ فَامْضِ لِأَمْرِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَسْتَأْمِرْكُمَا، وَلَكِنْ هَذَا رَأيِي أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمَا"، قَالَا: فَإِنَّا لَا نَرَى أَنْ نُعْطِيَهُ إِلَّا السَّيْفَ، قَالَ: "فَنِعْمَ إِذَنْ".
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، أَنَّهُمَا قَالَا لَهُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدْ كَانَ، أَفَالْآنَ حِينَ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ نُعْطِيهِمْ ذَلِكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَنِعْمَ إِذَنْ".
قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَكَانَ يَأْمَنُهُ الْفَرِيقَانِ، كَانَ مُوَادِعًا لَهُمَا، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ عُيَيْنَةَ وَأَبِي سُفْيَانَ إِذْ جَاءَهُمْ رَسُولُ بَنِي قُرَيْظَةَ: أَنِ اثْبُتُوا، فَإِنَّا سَنُخَالِفُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَيْضَتِهِمْ (١) ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ"، وَكَانَ نُعَيْمٌ رَجُلًا لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ، فَقَامَ بِكَلِمَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ مِنَ اللهِ فَأَمْضِهِ، وَإِنْ كَانَ رَأْيًا مِنْكَ فَإِنَّ شَأْنَ قُرَيْشٍ وَبَنِي قُرَيْظَةَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْكَ فِيهِ مَقَالٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجُلَ: "رُدُّوهُ"، فَرَدُّوهُ، فَقَالَ: "انْظُرِ الَّذِي ذَكَرْنَا لَكَ، فَلَا تَذْكُرهُ لِأَحَدٍ"، فَإِنَّمَا أَغْرَاهُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى عُيَيْنَةَ وَأَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ يَقُولُ قَوْلًا إِلَّا كَانَ حَقًّا؟ قَالَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي لَمَّا ذَكَرْتُ لَهُ شَأْنَ قُرَيْظَةَ، قَالَ: "فَلَعَلَّنَا أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ"، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: سَنَعْلَمُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَكْرًا، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنَّكُمْ قَدْ أَمَرْتُمُونَا أَنْ نَثْبُتَ، وَأَنَّكُمْ سَتُخَالِفُونَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بَيْضَتِهِمْ، فَأَعْطُونَا بِذَلِكَ رَهِينَةً، فَقَالُوا: إِنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ، وَإِنَّا لَا نَقْضي فِي السَّبْتِ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنَّكُمْ فِي مَكْرٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، الحواشي
(١) بيضة القوم: مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم. وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد عدوا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم. (انظر: النهاية، مادة: بيض).следующие страницы →