← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 85

واحفظوا أيمانكم

عبد المنان التالبي

Полный текст (80 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ تأليف د/ عبدالمنان التالبي مع ملحق بالفتاوى الشرعية حول الأيمان لفضيلة القاضي العلامة/ محمد بن إسماعيل العمراني قدم للكتاب القاضي العلامة / محمد بن اسماعيل العمراني الشيخ العلامة الدكتور/ حسن محمد مقبولي الأهدل الشيخ / محمد الصادق مغلس

стр. 2

مقدمة: القاضي العلامة / محمد بن اسماعيل العمراني حفظه الله الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى الصحابة الغر الميامين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد: فهذا كتاب (واحفظوا أيمانكم) الذي دبجه يراع ولدي العزيز العالم الشاب النشيط: عبد المنان التالبي لمن أحسن المؤلفات العلمية التي خرجت في هذه الأيام لأنه قد تكلم في مؤلفه هذا بكلام جيد وقوي مركز كل مسئلة بدليها الصحيح ولم يحتج بأحاديث نبوية إلا ما كان صحيحا مخرجا وقد نزهه عن الحديث الضعيف ولم يتساهل في الاحتجاج بالأحاديث الواهية لا في الترهيب ولا في الوجوب والتحريم فهو كتاب تشد إليه الرحال ويكتب بماء الذهب لما فيه من الفوائد التي لا تحصى ومن المسائل القيمة التي لا تنحصر فرضي الله عنه وجزاه الله خيراً وزاد في الشباب من أمثاله آمين وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ربيع ثاني سنة ١٤٣٠ هـ محمد بن اسماعيل العمراني

стр. 3

مقدمة: القاضي العلامة / محمد بن اسماعيل العمراني حفظه الله

стр. 4

مقدمة الشيخ / محمد الصادق مغلس

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله الطاهرين وأصحابه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ... أما بعد: فإن من أعظم القُرب وأجل الطاعات التفقه في الدين، ولذا ندب الله تعالى إليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ومدح النبي ﷺ المتفقهين في الدين وبين أن الله أراد بهم خيراً حين ندبهم صوب هذه الغاية الشريفة، فقال ﷺ : «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» متفق عليه. وبهذا يتبين فضل التفقه في الدين على سائر العلوم، وإن من الفقه في الدين تبصير الناس بأمور دينهم وتحذيرهم من مضلات الهوى ومنزلقات الإغواء ,والأخذ بأيديهم إلى جادة الحق والصواب. وما من باب من أبواب الفقه إلا وتجد أن للناس فيه شيئاً من المخالفات الشرعية ومن هذا ما يخص الأيمان فإن الناظر إلى حال البعض اليوم يجد أنهم قد حادوا عن هدي النبي ﷺ في هذا الباب وذلك بحلفهم بغير أسماء الله تعالى وصفاته بصيغ وألفاظ متعددة منذ عهد قديم وهذا الكتاب على حجمه الصغير عالجت فيه موضوعات مهمة في باب الأيمان وما يتعلق بها من أحكام وما يلحق بها من مخالفات استهان بها الناس كالحلف بالحرام ,والحلف بالطلاق ,والحلف باليمين الزبيرية الذي ما زال البعض يحلف بها ويعتقدها إلى

стр. 6

يومنا هذا رغم أنها حرام وشرك لا يجوز الحلف بها. كما تطرقت إلى عقوبة اليمين الفاجرة وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة لينزجر بذلك من يستهين باليمين ,ويقسم الأيمان الكاذبة ليقتطع بها حقوق الآخرين بغير حق , وقد حرصت على أن تكون مسائل هذا الكتاب مقترنة بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة الصحيحة، مع عزو الأقوال إلى قائليها في مصادرها المعتبرة؛ ليسهل على المطلع فهمها ,والاستفادة منها. وقد استفدت كثيرا من تصويبات وملحوظات مشائخي الأجلاءالذين راجعوا هذا البحث وقدموا له. وإتماماً للفائدة فقد جمعت ما تيسر لي جمعه من فتاوى لفضيلة شيخنا القاضي العلامة /محمد بن إسماعيل العمراني حول الأيمان بصيغها المختلفة ,ومخالفاتها المتعددة ,سائلاً المولى أن يجعل هذا الجهد المتواضع خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفع به إنه حميد مجيد. كتبه الفقير إلى الله/ عبد المنان التالبي altalaby ١٠@hotmayl.com

стр. 7

واحفظوا أيمانكم سنتحدث في ظلال هذا التوجيه الرباني الكريم عن اليمين , وأحكامها , وكفارتها, وما يتعلق بها من مخالفات في أربعة مباحث على النحو التالي: ـ المبحث الأول: اليمين. ـ المبحث الثاني: أقسام اليمين. ـ المبحث الثالث: أحكام اليمين. ـ المبحث الرابع: كفارة اليمين.

стр. 8

المبحث الأول: اليمين مقدمة: اليمين وسيلة شرعية من وسائل إثبات الحق، عرفت منذ أقدم العصور، وتعددت أشكالها وطرق أدائها في المجتمعات، بحسب العقائد والأديان والأفكار. وقد كانت سائدة عند العرب في الجاهلية؛ فأقرها الشارع الحكيم بما يتفق مع العقيدة السليمة البعيدة عن الشرك. وقد بقيت اليمين في الشرائع والقوانين حتى عصرنا الحاضر، رغم تباين العقائد وشيوع المذاهب الإلحادية والمادية. وسأتناولها في خمسة مطالب: - المطلب الأول: تعريف اليمين - معانيها - سبب تسميتها. المطلب الثاني: مشروعية اليمين - حكمها - شروطها. المطلب الثالث: صفة اليمين- حكم الحلف بغير الله- صور من الحلف بغير الله. المطلب الرابع: الأمر بحفظ الأيمان، والتحذير من الحلف الكاذب. المطلب الخامس: -صيغ أيمان النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم التي كانوا يحلفون بها.

стр. 9

المطلب الأول: تعريف اليمين - معانيها- سبب تسميتها أولاً: تعريف اليمين: اليمين لغة: أصلها اليد اليمنى وجمعها أيمان وأيمُنٌ (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (٢). ومن معانيها: (أ) القوة (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (٤) (ب) الجهة (٥)، ومنه قوله تعالى: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ) (٦) (ج) الحلف والقسم والعهد (٧)، ومنه قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ. .) (٨). وقوله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ. .) (٩). واليمين في الشرع: " هي توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله" وهذا أخصر التعاريف ... وأقربها (١٠). ثانياً: سبب تسميتها: سمي الحلف يميناً: لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه فسمي الحلف يميناً مجازاً (١١). -وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها الحفظ للشيء , فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها (١٢). _ وقيل: لأن الحلف يتقوى بالقسم (١٣). _ وقيل: لإفادته القوة على المحلوف عليه من الفعل والترك (١٤).

стр. 10

المطلب الثاني: مشروعية اليمين -حكمها- شروطها أولاً: مشروعية اليمين: الأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ. .﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. .﴾ (٢). وأمر الله نبيه ﷺ بالحلف في ثلاثة مواضع: - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٣). - وقال سبحانه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٤) - وقال سبحانه ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ (٥). وأما السنة فقول النبي ﷺ : " والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" (٦). وكان أكثر قسم النبي ﷺ "ومصرف القلوب _ ومقلب القلوب _ والذي نفسي بيده " كما سيأتي لاحقاً. _ وقد يعتري اليمين الأحكام الخمسة فيكون حكمها حكم ما تفضي إليه: من الوجوب , أو الحرمة , أو الندب , أو الكراهه , أو الإباحة. وأجمعت الأمة على مشروعية اليمين , وثبوت حكمها , ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف عليه (٧).

стр. 11

ثانياً: كراهة الإكثار من اليمين: الأصل عدم الإكثار من اليمين، لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .﴾ (١) قيل: أراد به ترك الحلف. أي: لا تحلفوا. وقيلَ وهو الأصحَ: أراد به إذا حلفتم فلا تحنثوا (٢). ويكره الإفراط في الحلف بالله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ﴾ (٣) وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله، فإن لم يخرج إلى حد الإفراط فليس بمكروه إلا أن يقترن به ما يوجب كراهته (٤). ثالثاً: ركن اليمين القضائية وشروطها: اشترط الفقهاء بالاتفاق على ستة شروط في اليمين القضائية وهي: ١ - أن يكون الحالف مكلفاً (بالغاً، عاقلا، مختاراً) فلا يحلف الصبي والمجنون ولا تعتبر يمين النائم والمستكره. ٢ - أن يكون المدعى عليه منكراً حق المدعي فإن كان مقراً فلا حاجة للحلف. ٣ - أن يطلب الخصم اليمين من القاضي أو يوجهها القاضي إلى الحالف. ٤ - أن تكون اليمين شخصية فلا تقبل اليمين بالنيابة لصلتها بذمة الحالف ودينه فلا يحلف الوكيل أو ولي القاصر ويوقف الأمر حتى يبلغ. ٥ - أن لا تكون في الحقوق الخالصة لله تعالى كالحدود والقصاص. ٦ - أن تكون في الحقوق التي يجوز الإقرار بها، فلا تجوز اليمين في الحقوق التي لا يجوز الإقرار بها، فلا يحلف الوكيل والوصي والقيم؛ لأنه لا يصح إقرارهم على الغير (٥). وركنها: - اللفظ المستعمل فيها. (٦)

стр. 12

المطلب الثالث: صفة اليمين - حكم الحلف بغير الله - صور من الحلف بغير الله أولاً: صفة اليمين: واليمين لا تكون إلا باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته سبحانه، سواءً أكانت من صفات الذات أم من صفات الأفعال. وأدلة الحلف باسم الله ظاهرة؛ ومن ذلك قول النبي ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" (١) وعند أبي داود والترمذي بلفظ: "أو ليسكت" (٢) وفي رواية لمسلم: "من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله" (٣). قال الإمام النووي - في شرحه للحديث السابق-: "وفي الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها وهذا مجمع عليه" (٤). أما الحلف بصفات الفعل؛ فلحلفه ﷺ بمقلب القلوب، وبمصرف القلوب. ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ قال: "كانت يمين النبي ﷺ لا ومقلب القلوب" (٥). وفي سنن ابن ماجة "ومصرف القلوب" (٦). قال الحافظ في الفتح: "قال القاضي أبو بكر بن العربي: في الحديث - يشير إلى حديث لا ومقلب القلوب- جواز الحلف بأفعال الله إذا وصف بها ولم يذكر اسمه (٧) ". وأما الحلف بصفات الذات فلما، أخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لما خلق الله الجنة أرسل جبريل، فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها. فنظر إليها، فرجع، فقال: لا وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها" (٨).

стр. 13

وقد بوب البخاري في صحيحه - باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته - وأورد أحاديث فيها: منها حديث ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ يقول: " أعوذ بعزتك" وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يبقى رجل بين الجنة والنار؛ فيقول: يارب اصرف وجهي عن النار لا وعزتك لا أسألك غيرها" (١). ففي الأحاديث السابقة وأمثالها جواز الحلف بصفات الله تعالى كالعزة ونحوها من القدرة والجلال والكبرياء والعظمة. ثانيا: حكم الحلف بغير الله: الحلف بغير الله غير جائز، قد ورد المنع منه وأنه شرك، ففي سنن أبي داود من حديث ابن عمر- ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢). وفي رواية الترمذي: "فقد كفر أو أشرك " (٣). قال الحافظ ابن حجر: "والتعبير بقوله فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك" (٤). وقال ابن عبدالبر: "أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز لأحد الحلف بها" (٥). _ وهذا النوع من الشرك: يسمى شرك الألفاظ وهو من الشرك الأصغر كالحلف بالآباء والكعبة والأمانة .... إلخ. والحكمة من النهي عن الحلف بغير الله" أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، فلا يضاهي به غيره" (٦). "ولأن من حلف بغير الله فقد عظم غير الله تعظيماً يشبه تعظيم الرب ﵎، ولهذا سمي شركاً لكونه أشرك غير الله مع الله تعالى في تعظيمه بالقسم به. . . " (٧)

стр. 14

ثالثاً: صور من الحلف بغير الله: تعددت صور الحلف بغير الله قديماً وحديثاً، وتهاون بها الناس، غير آبهين بما ورد فيها من نصوص زاجرة. وسأذكر طرفاً من هذه الصور رغم كثرتها وتعددها، لكن يشملها قول النبي ﷺ : "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" (١). ١) الحلف بالآباء والأمهات: وهو حلف المشركين في الجاهلية، فقد كانت قريش تحلف بآبائها، وقد ورد النهي عنه في ديننا ففي البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أدرك عمر بن الخطاب ﵁ وهو يسير في ركب - يحلف بأبيه ـ فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. . . (٢) ". قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً. والمعنى: ما حلفت بها ولا حكيت ذلك عن غيري. وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم. . . (٣) " ٢) الحلف بالأنداد والطواغيت: لحديث عبدالرحمن بن سمرة ﵁ ــ أنَ النبي ﷺ قال: "لا تحلفوا بالطواغي. . . " (٤) وعند النسائي "ولا بالطواغيت" (٥)، والطواغي جمع طاغية، وهي الأصنام، سمي باسم المصدر لطغيان الكفار بعبادته لأنه سبب طغيانهم وكفرهم (٦). وفي سنن أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" (٧).

стр. 15

٣) الحلف باللات والعزى: في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله. . . " (١). ٤) الحلف بالبراءة من الإسلام: في سنن النسائي وأبي داود عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال: وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً" (٢). ٥) الحلف بملة غير ملة الإسلام: في البخاري عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من حلف بغير ملة الإسلام فهو كما قال. . . " (٣). وفي مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال هو يهودي فهو يهودي، وإن قال هو نصراني فهو نصراني، وإن قال هو بريء من الإسلام فهو بريء من الإسلام" (٤). ٦) الحلف بالأمانة في سنن أبي داود من حديث عبدالله بن بريده عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا" (٥). - وفي مسند أحمد بلفظ: "ليس منا من حلف بالأمانة" (٦).

стр. 16

٧) الحلف بالكعبة . في سنن الترمذي من حديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (١). وسمع أمير المؤمنين عمر ﵁ ابن الزبير يحلف بالكعبة فقال له: لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله فأثم أو ابرر (٢). وفي سنن النسائي من حديث عبدالله بن يسار عن قتيلة بنت صيفي ﵄ أن يهودياً أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة، ويقولوا ما شاء الله ثم شئت" (٣). وفي رواية لها: "من حلف فليحلف برب الكعبة" (٤). وفي حديث أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ثم إن النبي ﷺ قال لأبي: آبنك هذا؟ قال أبي: ورب الكعبة قال حقاً قال: أشهد به. قال: فتبسم رسول الله ضاحكاً" (٥).

стр. 17

المطلب الرابع: الأمر بحفظ الأيمان - والتحذير من الحلف الكاذب أولاً: الأمر بحفظ الأيمان: أمر الله بحفظ الأيمان فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .﴾ قال الإمام البغوي: " أراد به إذا حلفتم فلا تحنثوا , فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث .. " (١). قال الإمام القرطبي: والمعنى: " لا تستكثروا من اليمين بالله" (٢) وذم الله المكثرين للحلف فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَاّفٍ مَهِينٍ﴾ وهذا ذم له يقتضي كراهة فعله. قال الشوكاني ـفي تفسير الآية: - "كثير الحلف بالباطل، وقد كانت العرب في الجاهلية تتمادح بقلة الأيمان حتى قال قائلهم: قليل الألايا حافظ ليمينه ** وإن بدرت منه الأليةُ برّت (٣) " وقد بين الله في كتابه أن من صفات المنافقين كثرة الحلف بالباطل قال في شأنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وفي البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن مسعودـ ﵁ ـقال: سئل النبي ﷺ أيُّ الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادةُ أحدهم يمينه ويمينُه شهادته" (٥). قال الإمام النووي: "هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته" (٦). وقال الإمام الطحاوي: "أي يكثرون الأيمان في كل شيء حتى يصير لهم عادة فيحلف أحدهم حيث لا يراد منه اليمين ومن قبل أن يستحلف" (٧).

стр. 18

ورع الصحابة عن الحلف بغير الله وحفظهم لأيمانهم: قال ابن مسعود ﵁: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقاً، وورد مثل قوله عن ابن عمر (١) وابن عباس ــ ﵄ ــ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: معلقاً على كلام ابن مسعود: "لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢). وعندما بلغ أمير المؤمنين عمر ﵁ النهي من النبي ﷺ عن الحلف بالآباء قال: "والله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً" (٣). وعند ما سمع عمر ابن الزبير يحلف بالكعبة قال: "لو أعلم أنك فكرت فيها قبل أن تحلف لعاقبتك، احلف بالله فأثم أو ابرر" (٤). وروي عن جبير بن مطعم ﵁ أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم، ثم قال: "ورب هذا المسجد لو حلفت حلفت صادقاً وإنما هو شيء افتديت به يميني" (٥). قال الأشعث بن قيس: "اشتريت يميني مرة بسبعين ألفاً" (٦). وهكذا كان ورع من بعد الصحابة من التابعين وغيرهم في حفظهم لأيمانهم. قال عامر الشعبي _ رحمه الله_: "ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر" (٧). وقال إبراهيم النخعي _ ﵀ _: "وكان أصحابنا (مشايخنا) ينهوننا، ووردت بلفظ "يضربوننا " ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد". وفي هذا الرغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم ونهيهم عما يضرهم (٨). وأثر عن الشافعي أنه قال: "ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذبا".

стр. 19

ثانياً: - التحذير من الحلف الكاذب: حذر النبي ﷺ من الحلف الكاذب , ففي معجم الطبراني من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله جل ذكره أذن لي أن أُحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه مثنيٌ تحت العرش وهو يقول سبحانك ما أعظمك ربنا، فيردُّ عليه: ما علم ذلك من حلف بي كاذبا" (١). والحلف الكاذب من خصال النفاق قال تعالى-حاكياً عن حالهم-: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) ووصفهم بهذا الوصف في كثير من آيات القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) (٤). ويزداد إثم اليمين الكاذبة عندما تتعلق بحق آدمي ففي البخاري أن النبي ﷺ قال: " من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجل مسلم ــ أو قال أخيه- لقي الله وهو عليه غضبان" (٥) فعلى المسلم أن يحذر من الأيمان الكاذبة، وأن يتحرى الصدق في يمينه فما عظَّم الله من حلف به كاذباً قال ﷺ : " احلفوا بالله وبروا واصدقوا فإن الله يحب أن يحلف به" (٦).

стр. 20

المطلب الخامس: صيغ أيمان النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم التي كانوا يحلفون بها أولاً: أيمان النبي ﷺ التي كان يحلف بها: كانت يمين النبي ﷺ التي كان يحلف بها ويكثر منها هي: (أ) والله: ففي صحيح البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً" (١). ولما أخرجه الترمذي عن عبدالله بن عدي بن حمراء قال: "رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على _الحزورة (٢) _ فقال: " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" (٣). (ب) والذي نفسي بيده: لما أخرجه البخاري عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال: " إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله" (٤). وقد ورد هذا القسم عنه ﷺ بعدة ألفاظ منها: " والذي نفس محمد بيده "، وبعضها مصدر بلفظ " لا والذي نفسي بيده "، وبعضها بلفظ "أمَا والذي نفسي بيده"، وبعضها بلفظ "وأيم الذي نفسي بيده "، وكلها ألفاظ ثبتت في الصحيح (٥). وعند أبي داود بلفظ: "والذي نفس أبي القاسم بيده" (٦).

стр. 21

(ج) لا ومقلَّب القلوب: في البخاري من حديث ابن عمر قال كانت يمين النبي ﷺ "لا ومقلب القلوب" (١). (د) لا ومصرف القلوب: لما أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر قال: " كان أكثر أيمانه لا ومصرف القلوب" (٢). (هـ) وربَّ الكعبة: لما أخرجه البخاري عن أبي ذر ﵁ قال انتهيت إليه ـ إلى النبي ﷺ وهو يقول في ظلَّ الكعبة: "هم الأخسرون وربَّ الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة. . . فقلت من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال الأكثرون أموالاً إلَاّ من قال هكذا وهكذا وهكذا" (٣). ثانياً: أيمان الصحابة رضوان الله عليهم: كانت أيمان الصحابة رضوان الله عليهم كأيمان النبي ﷺ فقد كانوا يحلفون كحلفه ويتأسون به ﷺ ومن ذلك الآتي: (أ) والله: وقد كان أكثر حلفهم به لحديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن الإسلام وفيه أنه قال "وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٤). - وحديث عائشة وقد نفست في الحج أنها قالت: " لوددت والله أني لم أحج العام .. " (٥). - وحديث جابر في الخندق وفيه أن أمير المؤمنين عمر ﵁ قال " والله يا رسول الله ما كدت أصلي حتى كادت الشمس تغرب" (٦).

стр. 22

(ب) والذي نفسي بيده: كما في حديث نعيم المجمر، قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم الكتاب حتى إذا بلغ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ " قال: آمين فقال الناس: آمين فلما ركع قال: الله أكبر فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ثم قال: الله أكبر ثم سجد فلما رفع قال: الله أكبر فلما سجد قال: الله أكبر فلما رفع قال: الله أكبر ثم استقبل قائماً مع التكبير فلما قام من الثنتين قال: الله أكبر فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " (١). (ج) وربَّ الكعبة: لحديث أبي رمثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ثم إنَّ النبي ﷺ قال لأبي: " آبنك هذا؟ " قال: إي وربَّ الكعبة. قال حقاً؟ قال: أشهد به. قال: فبتسم رسول الله ﷺ ضاحكاً." (٢). (د) وربَّ محمد: ورد ذلك في حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليَّ غضبى؛ أما إذا كنت راضيةً فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عليَّ غضبى قلت: لا ورب إبراهيم" (٣).

стр. 23

المبحث الثاني: أقسام اليمين المطلب الأول: يمين اللغو ـ ماهيتها ـ حكمها. المطلب الثاني: اليمين المنعقدة ـ ماهيتها ـ حكمها. المطلب الثالث: اليمين الغموس ـ ماهيتها ـ سبب تسميتها ـ حكمها. المطلب الرابع: عقوبة اليمين الفاجرة وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة.

стр. 24

المطلب الأول: يمين اللغو ـ ماهيتها ـ حكمها يمين اللغو: (أولا) معنى اللغو: قال الراغب الأصبهاني: "هو في الأصل ما لا يعتد به من الكلام، والمراد به في الأيمان ما يورد من غير رويَة فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطير" (١). وقد اختلف في تأويلها على أقوال: أشهرها: وهو مذهب جمهور العلماء، أنَّهُ كلام الرجل لا والله وبلى والله من غير أن يقصد اليمين، لما أخرجه أبو داود في سننه عن إبراهيم الصائغ قال: سألت عطاء عن اللغو في اليمين؟ قال: ـ قالت عائشة ـ إن رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل كلا والله وبلى والله " (٢). وقد ورد الحديث عن عائشة ﵂ موقوفاً، كما في البخاري، ومرفوعاً كما في ... صحيح ابن حبان. (ثانيا) حكمها: لا كفارة فيها ولا مؤاخذة عليها. لقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ. . .﴾ (٣). قال الشوكاني - في تفسير هذه الآية-: " وفي الآية دليل على أنَّ أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها، ولا تجب فيها الكفارة" (٤). قال الإمام ابن قدامة: " وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه. وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا " (٥)

стр. 25

المطلب الثاني: اليمين المنعقدة ـ ماهيتها ـ حكمها اليمين المنعقدة: (أولا) ماهيتها: اليمين المنعقدة: منفعلة من العقد، وهي عقد القلب في المستقبل ألَاّ يفعل ففعل أو ليفعلَنَّ فلا يفعل (١). (ثانيا): حكمها: وجوب الوفاء بما حلف عليه , فإن حنث وجبت الكفارة. قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ. . .﴾ (٣). وقال ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" (٤). قال ابن عبدالبر: " اليمين التي فيها الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الأفعال" (٥).

стр. 26

المطلب الثالث: اليمين الغموس ماهيتها ـ سبب تسميتها ـ حكمها اليمين الغموس: وتسمى اليمين الصابرة. (أولا) ماهيتها: اليمين الغموس: قال المناوي: اليمين الغموس الحلف على فعل أو ترك ماضٍ كاذباً (١). وقد ورد تفسيرها عن النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: " الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس" وفي رواية أن أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس؟ " قُلتُ: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب" (٢). وفي مستدرك الحاكم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: كٌنَّا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس. قيل: وما اليمين الغموس؟ قال: الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل" (٣). (ثانيا) سبب تسميتها: قال الحافظ: سميت بذلك لأنَّها تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار. وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جفنة فجعلوا فيها طيبا أو دماً أو رماداً ثم يحلفون عندما يدخلون أيديهم فيها ليتم لهم بذلك المراد من تأكيد ما أرادوا، فسميت تلك اليمين إذا غدر صاحبها غموساً لكونه بالغاً في نقض العهد وكأنها على هذا مأخوذة من اليد المغموسة. . . " (٤).

стр. 27

(ثالثا) حكمها: اليمين الغموس كبيرة من كبائر الذنوب، لا كفارة لها عند جمهور العلماء، لأنها يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها. قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). وفيها نزل قول الله تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلََئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الاخِرَةِ وَلا يُكَلّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢). وفي مسند أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " خمسٌ ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق" (٣). قال ابن مسعود " كنا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس" (٤). وقال سعيد بن المسيب "هي من الكبائر وهي أعظم من أن تكفر" (٥). والواجب فيها التوبة ورد الحقوق إلى أصحابها.

стр. 28

المطلب الرابع: عقوبة اليمين الفاجرة وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة لليمين الفاجرة التي يقتطع بها المسلم مال أخيه آثار تترتب عليها، وعقوبات تنال صاحبها منها ما هو عاجل في الدنيا، ومنها ما هو آجل يوم القيامة، سأذكرها في هذا المطلب مُفَصَلةً: ـ (أولا) عقوبة اليمين الفاجرة وأثرها على صاحبهافي الدنيا . (أ) اليمين الفاجرة التي اقتطع المسلم بها مال أخيه تُذهب المال الذي حلف من أجله: لحديث عبدالرحمن بن عوف ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "اليمين الفاجرة تُذهب المال، أو تذهب بالمال" (١). (ب) اليمين الفاجرة نكتة سوداء في قلب صاحبها إلى يوم القيامة: لحديث عبدالله بن أُنيس الجهني _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله ﷺ : "وما حلف حالف بالله يمين صبر، فأدخل فيها مثل جناح بعوضة، إلَاّ جُعلت نُكتةً في قلبه إلى يوم القيامة" (٢). وقال ﷺ : "من اقتطع مال امرئٍ مسلم بيمينٍ كاذبة كانت نُكتة سوداء في قلبه لا يُغيرها شيءً إلى يوم القيامة" (٣). (ج) اليمين الفاجرة تقفر الديار وتذرها بلاقع . ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس مما عُصيَ الله به هو أعجل عِقاباً من البغي، وما من شيء أطيع الله فيه أسرع ثواباً من الصلة، واليمينُ الفاجرة تدعُ الديار بلاقع" (٤). وبلاقع: جمع بلقع وهي الأرضُ القفر التي لا شيء بها. يريد أن الحالف بها يفقر ويذهب ما في بيته من الرزق، وقيل: هو أن يفرق الله شمله، ويغير عليه ما أولاه من نعمة" (٥). وفي حديث أبي هريرة ﵁ أيضا قال رسول الله ﷺ : "وإن أعجل المعصية عقوبة البغي والخيانة، واليمين الغموس تُذهب المال وتذر الديار بلاقع" (٦).

стр. 29

(د) اليمين الفاجرة يُعجل لصاحبها العقوبة في الدنيا قبل الآخرة: لقوله ﷺ : "من قطع رحماً أو حلف على يمين فاجرة رأى وباله قبل أن يموت" (١). (هـ) اليمين الفاجرة صاحبها منزوع البركة بدعوة النبي ﷺ : ففي حديث سعيد بن زيد القرشي قال: أشهدُ لسمعت رسول الله ﷺ يقول: " من اقتطع مال امرئِ مسلم بيمين فلا بارك الله فيه" (٢). (ثانيا) عقوبة اليمين الفاجرة وأثرها على صاحبها في الآخرة . (أ) أنها من أعظم الخطايا عند الله تعالى يوم القيامة: لحديث أبي رهم السُمعي قال: قال رسول الله ﷺ : ". . . وإنَّ من أعظم الخطايا من اقتطع مال امرئٍ مسلم بغير حق. . . " (٣). (ب) اليمين الفاجرة سبب في غضب الله على العبد يوم القيامة: فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئٍ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما حدثكم أبو عبدالرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا قال: فيَّ أُنزلت. كانت لي بئر في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله ﷺ فقال: بينتُك أو يمينه. قلت: إذاً يحلف عليها يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئٍ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان" (٥). قال الحافظ: "وفيه التشديد على من حلف باطلاً ليأخذ حق مسلم وهو عند الجميع محمول على من مات على غير توبة صحيحة (٦).

стр. 30

(ج) اليمين الفاجرة سبب إعراض الله عن العبد يوم القيامة وعدم نظره إليه: لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كنده إلى النبي ﷺ فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي. فقال الكندي: هي أرضي في يدي، أزرعها ليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينه؟ قال: لا. قال: "فلك يمينه" قال: يا رسول الله إنَّ الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع عن شيء. فقال: "ليس لك مِنه إلَاّ يمينه" فانطلق ليحلف، فقال ﷺ لما أدبر: " لئِن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض" (١). وفي حديث أبي موسى ﵁ قال: اختصم رجلان إلى النبي ﷺ في أرضٍ، أحدهما من حضرموت قال: فجعل يمين أحدهما، فضج الآخر وقال: إذاً يذهبُ بأرضي. فقال: إن هو اقتطعها بيمينه ظلماً كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم. قال: وورع الآخر فردها" (٢). (د) من حلف بيمين فاجرة جاء يوم القيامة أجذم: لحديث الأشعث بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئٍ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله أجذم" (٣). والأجذم: هو الذي ذهبت أعضاؤه كلها. (٤). وقيل أجذم: مقطوع اليد، أو البركة، أو الحجة، أو الحركة، أو منقطع السبب. (هـ) اليمين الفاجرة توجب لصاحبها النار وتحرمه من الجنة: ففي حديث أبي أمامة _ ﵁ _أن رسول الله ﷺ قال: من اقتطع حق امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنَّة. قالوا: وإن كان شيئاً يسيرا يا رسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك" (٥). وعن الحارث بن البرصاء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ في الحج بين الجمرتين وهو يقول: "ومن اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار، ليُبلغ شاهدُكم غائبكم مرتين أو ثلاثاً" (٦). وفي رواية: "فليتبوأ بيتاً من النار" (٧).

стр. 31

المبحث الثالث: أحكام اليمين المطلب الأول: أحكام تتعلق بالحلف. المطلب الثاني: أحكام تتعلق بالحالف. المطلب الثالث: أحكام عامة.

стр. 32

المطلب الأول: أحكام تتعلق بالحلف يتعلق بالحلف أحكام كثيرة مِنها ما يلي: ـ ١ - لا يجوز الحلف إلا باسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته: لقوله ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" (١)، وفي رواية: "من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله" (٢)، وكانت يمين النبي ﷺ " لا ومقلب القلوب" (٣)، "لا ومصرف القلوب" (٤). وفي حديث ابن عباس ــ ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول: "أعوذ بعزتك " (٥) ٢ - يحرم الحلف بغير الله: لقوله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله. . " (٦). ولقوله ﷺ : "من حلف بغير الله كفر أو أشرك" (٧). ولقوله ﷺ : "كل يمين يحلف بها دون الله شرك" (٨). ٣ - يحرم الحلف بالله كذباً: وقد ذمّه الله تعالى في قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٩)، ولقوله ﷺ : "من حلف يميناً فاجرة يقتطع بها مال امرئٍ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" (١٠). وقال ﷺ : "إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، وعنقه مثنية تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظمك فَيُرَدُ عليه: " لا يعلم ذلك من حلف بي كاذباً" (١١).

стр. 33

٤ - يكره الحلف في البيع وإن كان صادقاً: لقوله ﷺ : "الحلف منفقةٌ للسلعة ممحقةٌ للبركة" (١). ولقوله ﷺ : "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق" (٢). ٥ - من حلف له أخوه المسلم صدقه على يمينه وإن عَلِمَ منه خلافه: لحديث ابن عمر- ﵄ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يحلف بأبيه. فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، ومن حلف بالله فليصدق، ومن حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله" (٣). عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق فقال: أسرقت؟ قال: لا، والذي لا إله إلا هو، قال عيسى: آمنتُ بالله وكذّبتُ بصري" (٤). ٦ - يحرم نقض الأيمان ويجب البر فيها والوفاء بها: قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلا تَنقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا. . .﴾ (٥) والنهي يقتضي التحريم. ولقوله ﷺ : "احلفوا بالله وبروا واصدقوا فإن الله يحب أن يحلف به" (٦). ٧ - يحرم إدخال غير اليمين في اليمين: لقوله ﷺ : "ما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جُعلت نُكتَةٌ في قلبه إلى يوم القيامة" (٧). ٨ - الأصل في اليمين أنها على المدعى عليه: لحديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه" (٨). وفي رواية عند الترمذي: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٩).

стр. 34

٩ - باليمين تنقطع الخصومة: قال ابن القيم، ولليمين فوائد مِنها: - تخويف المدعى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب فيحمله ذلك على الإقرار بالحق. - ومِنها القضاء عليه بنكوله عنها. - ومِنها انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كل من الخصمين من ملازمة الآخر؛ ولكنها لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة باطناً ولا ظاهراً، فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه سمعت وقضي بها، وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل ثم أقام المدعي بينة سمعت وحكم بها. - ومِنها إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي أو أقام شاهداً واحداً. - ومِنها تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس تدع الديار بلاقع، فيشقى بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه والله أعلم (١). ١٠ - الأيمان تبنى على العرف: قال العلامة السيد محمد رشيد رضا: "أمر الأيمان مبني على العرف العام بين الناس بالإجماع لا على مدلولات اللغة واصطلاحات الشرع فمن حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لا يحنث وإن سماه الله لحماً طرياً إلا إن نواه. . " (٢). ١١ - يشرع إبرار القسم إذا كان طاعة أو لم يكن الحنث خيراً من البر: لحديث أبي حازم أن ابن عمر مرَّ على رجل ومعه غنيمات له فقال له: بكم تبيع غنمك هذه؟ قال: بكذا وكذا فقال ابن عمر: آخذها بكذا وكذا فحلف أن لا يبيعها فانطلق ابن عمر فقضى حاجته فمر عليه فقال: يا أبا عبدالرحمن خُذها بالذي أعطيتني. قال: "حلفت على يمين فلم أكن لأعين الشيطان عليك إني أحنثك" (٣). وعن أبي الفيض قال: سمعت عبدالله _ رجلاً من أهل حمص _قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يساوم رجلاً بغنم فحلف ألا يبيعها، ثم قال بعدُ: أبيعُها فقال أبو الدرداء: إني لأكره أن أحملك على إثم فأبى أن يشتريها" (٤).

стр. 35

وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بإبرار المقسم" (١). والحِنث في اليمين: نقضها والنكث فيها، وكأنه من الإثم والمعصية (٢)، وحَنِث في يمينه إذا لم يف بها (٣). ١٢ - الحقوق التي يجوز فيها اليمين هي: أ) "اتفق الفقهاء على عدم جواز التحليف في حقوق الله تعالى المحضة، سواء كانت حدوداً كالزنا والسرقة. . . أم عبادات كالصلاة والصوم والحج. . . إلا إذا تعلق بها حق لآدمي فيجوز لأن الحدود تدرأ بالشبهات. . . ". ب) واتفق الفقهاء -أيضاً- على جواز اليمين في الأموال وما يؤول إلى المال فيحلف المدعى عليه إثباتاً ونفياً لقوله تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً. . .﴾ (٤)، وللحديث السابق: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناسٌ دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه". ج) واتفق الفقهاء على جواز التحليف في الجنايات من قصاص وجروح وفي بعض مسائل الأحوال الشخصية واختلفوا في بعض مسائلها. . . " (٥). ١٣ - ويخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء: الأول: إبرارها بفعل ما حلف عليه. الثاني: الكفارة وهي جائزةٌ قبل الحِنث وبعده على التحقيق. الثالث: الاستثناء بنحو إن شاء الله _ عقب اليمين _. . . " (٦).

стр. 36

المطلب الثاني: أحكام تتعلق بالحالف تتعلق بالحالف أحكام بينتها نصوص الكتاب والسُّنة مِنها ما يلي: ـ ١ - لا يحلف إلا على ما تأكد منه: لحديث أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي ﵄ حفظت عن رسول الله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة" (١). ٢ - لا يحلف على أن لا يغفر الله لفلان: لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة. فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب؛ فيقول: أقصِر. فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلِّني وربي؛ أبعثت عليَّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك - أو لا يدخلك الله الجنة- فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال: لهذا المجتهد أكنت بي عالماً أو كنت على ما في يدي قادراً. وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار" (٢). ٣ - من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير: ففي حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ". . . وإني والله إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتها" (٣). عن عبدالرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : "يا عبدالرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنت عليها. وإن حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك وأت الذي هو خير" (٤).

стр. 37

٤ - من حلف ألَاّ يفعل أمراً من المعروف فلا يتعلل باليمين وليكفر عن يمينه: لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ. .﴾ (١). قال الشوكاني: "أي لا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً لما حلفتم عليه، وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة رحم، أو إحسان إلى الغير، أو إصلاح بين الناس، بأن لا يفعل ذلك ثم يمتنع عن فعله معللاً لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية. . . " (٢). قال ابن عباس: "الرجل يحلف ألَاّ يصل قرابته وقد جعل الله له مخرجاً في التكفير فأمره ألا يعتل بالله فليكفر وليبر" (٣). ٥ - لا يجوز الإصرار على اليمين إذا تأذى بها أهل الحالف: لقوله ﷺ : "والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله" (٤). قال النووي "ومعنى الحديث أنه إذا حلف يميناً تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه ويكون الحنث ليس بمعصية فينبغي له أن يحنث فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه فإن قال لا أحنث بل أتورع عن ارتكاب الحنث وأخاف الإثم فيه فهو مخطئ بهذا القول بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أشد إثماً من الحِنث. واللجاج في اللغة: هو الإصرار على الشيء" (٥). واللجاجُ هو: التمادي في العناد من تعاطي الفعل المزجور عنه (٦). ٦ - من حلف على ما لا يملك أو على معصية أو في قطيعة رحم فلا يمين له وعليه الكفارة: لحديث سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة. فقال: لئن عُدت لتسألني القسمة لا أكلمك أبداً وكلُ مالٍ لي في رتاج الكعبة. فقال عمر بن الخطاب ﵁ إن الكعبة لغنيةٌ عن مالك. كفِّر عن يمينك، وكلِّم أخاك. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا تملك" (٧). -رتاج الكعبة أي: مصالحها أو زينتها (٨). قال أبو الطيب العظيم آبادي والمعنى: لا يجب إلزام هذه اليمين عليك وإنما عليك الكفارة".

стр. 38

وقال ﷺ : ". . ومن حلف على معصية فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له". ... وقال أيضاً "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " وفي حديث مالك الجُشمي ﵁ قال: قلت يا رسول الله: يأتيني ابنُ عمٍ فأحلف أن لا أُعطيه ولا أصِلَهُ قال: "كفر عن يمينك" (١). ٧ - من حلف وهو غضبان لزمته اليمين وعليه الكفارة: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال أتيتُ رسول الله ﷺ في نفرٍ من الأشعريين فوافقتهُ وهو غضبان فاستحملناه فحلف أن لا يحملنا ثم قال. . . والله إن شاء الله لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتها" (٢). قال القاضي عياض: "وفي الحديث دليل على لزوم يمين الغضب" (٣). ٨ - من حلف فاستثنى في يمينه فهو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء ترك غير حَنِث ولا كفارة عليه: لحديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف فاستثنى فهو بالخيار إن شاء مضى، وإن شاء ترك غير حَنِث" (٤) وفي رواية "من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث" (٥). ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى" (٦). قال القاضي عياض: "أجمع المسلمون على أن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً" (٧). ٩ - من حلف ناسياً فلا كفارة عليه: لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ. .﴾ (٨).

стр. 39

ولقوله سبحانه: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ. .﴾ (١). ولقوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست- أو حدَّثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلَّم" (٢). ١٠ - من حلف مكرهاً فلا إثم عليه ولا تلزمه الكفارة: لقوله تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ. . .﴾ (٣). عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤). ١١ - من حلف فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت: عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : "إذا حلف أحدكم فلا يقل ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت" (٥). وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رجلاً من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلاً من أهل الكتاب. فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون وتقولون: ما شاء الله وشاء محمد وذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﷺ : "أما والله إن كنت لأعرفها لكم، قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" (٦).

стр. 40

المطلب الثالث: أحكام عامة الحلف بالحرام ـ الحلف بالطلاق ــ الحلف باليمين الزبيرية أولاً: الحلف بالحرام: (أ) صيغتَهَ قال الإمام ابن القيم _ رحمه الله تعالى _: - الحف بالحرام له صيغتان: ـ إحدهما: إن فَعلتُ كذا فأنت عليَّ حرام، أو ما أحل الله عليَّ حرام. الثانية: الحرام يلزمني لا أفعل كذا" (١). (ب) أقوال الفُقهاء وأدلتهم فيه: هذه المسألة اختلف فيها السلف من الصحابة والتابعين والخلف من الأئمة المجتهدين حتى بلَّغها العلامةُ القُرطبي المفسر ثمانية عشر قولاً (٢)، قال الحافظ وزاد غيره عليها (٣)، وقد تكلم على هذه المسألة الإمام ابن القيم كلاماً طويلاً أوصلها إلى خمسة عشر قولاً أصولاً تفرعت إلى عشرين مذهباً (٤). أقربها ما يلي: ـ - القول الأول: أنُّه لغو وباطل لا يترتب عليه شيء. قال ابن القيم: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ﵄ وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة بن عبدالرحمن وعطاء وداود وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث وهو أحد قولي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج (٥). - استدلالاتهم: استدلوا بقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هََذَا حَلالٌ وَهََذَا حَرَامٌ. . .) [سورة: النحل - الآية: ١١٦]. قالوا: فما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه ولا أن يصير بتحريمه حراماً (٦). وقد قال الله لنبيه (٧). " (. . . . لِمَ تُحَرّمُ مَآ أَحَلّ اللهُ لَكَ. . .) [سورة التحريم - الآية: ١].
следующие страницы →