محمد علي مغربي
أَعْلامُ الحِجَاز في القرن الرّابع عشْر للهجرة
١٣٠١ - ١٤٠٠ هـ
١٨٨٣ - ١٩٨٠ م
стр. 2
الجُزءُ الأوّل
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
النَّاشِر
تهامة
جَدّة - المملكة العربية السعودية
ص. ب ٥٤٥٥ - هاتف ٦٤٤٤٤٤٤
стр. 5
مقدمة
الحمد لله الذى خلق الإنسان فسواه، وصوره فأحسن تصويره، ووهبه من الصفات والمزايا وفضله على سائر المخلوقات، وأرسل الأنبياء والرسل لهدايته وتقويمه، وجعل له الخلافة في الارض وأسبغ عليه من نعمه ما لا يحصيه العد ولا يصل إليه حد، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله وصفوته من الخلق سيدنا ونبينا محمد الذي أرسله الله هدى للعالمين ورحمة، والذى اصطفاه ورباه وقومه أحسن تقويم، فكان كما قال تعالى في وصفه "وإنك لعلى خلق عظيم" صلوات الله وسلامه عليه وعلى كافة الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، وبعد فهذه تراجم لبعض أعلام الرجال الذين عاصرتهم وقد انتقلوا جميعا إلى جوار ربهم وهم جميعا ممن ولدوا وتوفوا خلال القرن الرابع عشر الهجرى الذى نقترب من نهايته، وأغلب هؤلاء الرجال ممن اتصلت أسبابي بأسبابهم فعرفتهم عن قرب وخبرت من أمورهم ما قد يخفى على كثير من شباب الأمة ورجالها خاصة وأن الكثير ممن عاصرهم وعرفهم إما أن يكون قد لحق بهم أو أنه مثلي في الطريق إليهم، ورأيت أن من الخير التعريف بهم والتذكير بما كانوا عليه من كريم الصفات وما قاموا به من عمل نافع، على اختلاف وجوه هذه الإعمال التي يمكن أن تجتمع تحت كلمة (النفع العام) نعم فإن جميع هؤلاء الرجال الذين تحدثت عنهم كانوا قد وهبوا أنفسهم للخدمة العامة على اختلاف السبل، وتفاوت الدرجات، ولست أزعم أن هؤلاء الرجال قد سلموا من الشوائب، أو تبرأوا من النقص فهم بشرٌ كسائر
стр. 6
الناس ولكني رأيت أن صفات الخير قد غلبت عليهم، وأنهم تغلبوا على الانانية الفردية فوهبوا من نفوسهم واموالهم واوقاتهم للناس ما يجعلهم مثلا يحتذى وحديثا يتردد فهم من الصفوة التي تتخذ قدوة حسنة لمن يرغب السير في طريق الخير والنفع العام، كما أن من الواجب أن أوضح أن كلما كتبته عن هؤلاء الرجال هو تسجيل لذكرياتى عنهم وعن اعمالهم، فهذه التراجم ادخل في باب الذكريات منها في باب التراجم التي قد يتطلب فيها الكثير من التدقيق، كما أني أود أن أذكر أن هؤلاء الرجال الذين تحدثت عنهم لم يكونوا وحيدين في عصرهم وإنما كان لهم اخوة وزملاء لا شك أن الكثيرين منهم يستحق أن يكتب عنه ويشاد بذكره ولكنى إنما كتبت عمن أعرف ولعل غيرى من الاخوة الكتاب في كافة مدن للكلمة يكتب عن اعلام بلده ومن عرف منهم إحياء للذكريات الحسنة والاعمال الطيبه، ولا شك أن هذا أن تم فستكون هناك حصيلة طيبة لاعلام هذا القرن تكون سندا لمن يكتبون تاريخه ويسجلون وقائعه، فالتاريخ إنما يصنعه الرجال.
وهناك مسألة أخيرة أود أن أذكرها في ختام هذا الحديث لقد كتبت عن الأعلام الذين توفاهم الله والذين ولدوا وتوفوا خلال هذا القرن الرابع عشر الهجرى، ولم أتعرض للكتابة عن الأعلام الكثيرين الباقين على قيد الحياة والذين أسأل الله تعالى لهم حياة طيبة مديدة وعملا نافعا طيبا، فلا يخفى أن الكتابة عن الاحياء لا يمكن أن تتم بنفس الأسلوب الذى اتبعته في الكتابة عن ذكرياتى عن هؤلاء الرجال الذين انتقلوا إلى جوار ربهم وهو الأسلوب الخاص بالجانب الحسن من حياتهم لأن ذلك أن تم في حال الحياة ربما اعتبره البعض من أسباب التقرب إليهم وتطلب موداتهم، وليس هذا هو الغرض من كتابة هذه الذكريات بحال من الأحوال، ولا شك أن كل من يقوم بعمل نافع فسيلقى جزاءه في الدنيا ذكرا حسنا وفى الآخرة مثوبة وأجرا وإني لأرجو أن يتيسر لى الكتابة عن طائفة أخرى من الأعلام في وقت قريب والله المعين وعليه الاتكال.
محمد علي مغربي
стр. 7
أَعْلَامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة
стр. 8
الشيخ أحمد الزهراء
لعله من المستحسن قبل الكلام عن ترجمة الشيخ أحمد الزهراء أن أوضح للقراء الكرام القاعدة التي اتبعها في الكتابة عن الرجال الذين عاصرتهم أو عاصرت أخبارهم وآثارهم، أن هذه القاعدة تتلخص عندى في أن تكون حياة صاحب الترجمة واعماله ذات نفع ملموس للمجتمع سواء أكان هذا النفع يتمثل في خدمة عامة أدَّاها للناس مضحيا بماله أو جهده في سبيلها أو كان في عمل حضارى قدمه لبلاده وإن كان قد أفاد هو منه ربحا وفيرا أو مالا كثيرا وليست القاعدة عندى في الكتابة عن الرجال هي الشهرة فحسب، فقد يكون الرجل جهير الاسم ذائع الصيت ولكنها شهرة لا تتصل بالنفع العام أو بخدمة الناس، قد تكون الشهرة بالطغيان مثلا في الثراء وفى ظلم الناس واضطهادهم والإساءة إليهم، ليست الشهرة أو ذيوع الصيت هي الدافع عندى في الكتابة عن أعلام الرجال وإنما الدافع هو ما أثمرته حياة هؤلاء الناس وجهودهم من نفع للناس واثراء للحياة نفسها في شتى المجالات، وبعد هذه المقدمة التي رأيتها ضرورية بين يدى هذه الترجمة بالذات نعود إلى صاحب الترجمة فنقول:
стр. 9
ضئيل الجسم أقرب إلى القصر، اصفر اللون، مغضن الوجه، كفيف البصر يرتدى القفطان والعمامة المصرية وهي طربوش داكن الحمرة له زرٌّ طويل اسود وتطوقه عمامه بيضاء وهذا الزيّ في مجموعه هو زيُّ العلماء المصريين ولا يزال سائدا حتى اليوم، وكان الشيخ أحمد الزهراء شديد البخل مضيقا على نفسه فلم يكن يرتدى سوى الملابس الصوفية الغليظة حتى في أيام الصيف الذى يشتد في مدينة جدة شدته المعروفة ولم تكن له زوجة أو خادم يقوم بشأنه ولم يكن له مطبخ في داره وإنما كان يأكل الغليظ من الطعام كالعيش والبصل والكرَّات، هذا حينما يأكل في داره ولقد كان يشترى الجواري فلا تقيم الواحدة منهن في داره إلا أياما ثم تطلب منه أن يبيعها لغيره فلم يكن يطيق العيش معه إنسان، وعلى ذكر الجواري فقد كان هناك سوق للرقيق في مدينة جدة وفى مكة المكرمة أيضا وكان الرقيق الذى يرد من الحبشة والسودان وأفريقيا بصورة عامة يعرض في هذه الأسواق وبقوم على شؤون هذه الأسواق باعة مشهورون أو دلَّالون على الأصح وأشهر دلَّالى الرقيق الذين ادركتهم في جده كان رجلا حضرميا اسمه حسن العامودى وقد اختفت هذه الأسواق بعد ذلك ولكن الرفيق كان يعرض للبيع في بيت حسن العامودى آنف الذكر وكان يذهب إليه المشترون لاختيار الجارية التي يرغبون شراءها وقد تؤخذ للدار لتجربتها لفترة يومين أو ثلاثة حتى إذا ثبت للمشترى صلاحها وخلوها من العيوب الصحية اشتراها وقد انتهت هذه التجارة اللا انسانية إلى غير رجعة حيما أصدرت الحكومة أوامرها بعتق الرفيق وتعويض أصحابه الاثمان التي دفعوها في شرائه وكان ذاك في عهد رئاسة المرحوم الملك فيصل للوزارة أثناء ولاية الملك سعود للعرش رحمهما الله، ومن ألطف ما اذكره عن تجارة الرقيق هذه أن كبيرا من اثرياء نجد كتب إلى صديق له في الحجاز يطلب منه شراء جوار لا يشربن الدخان وليس عليهن زيران، وشرب الدخان هو
стр. 10
استعمال السجاير كما هو معلوم أما الزيران فجمع زار وهذا الزار كان نوعا من أنواع الشعوذة التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجرى وكانت تمارس خفية في العهد السعودى وهي ادعاء بعض المشعوذين والمشعوذات شفاء الأمراض يعمل الزار أو ما يسمى النعيش وهو إقامة حفلات رقص يلبس فيها النساء ملابس الرجال ويتحدثن إلى صانعى الزيران والى الحاضرين بلغة بدوية صرفة وتذبح فيها الذبائح للجن والعفاريت والعياذ بالله وربما تكون هذه البدعة الوثنية وفدت إلى الحجاز من بعض البلاد المجاورة وقد انتهت هذه العادات السيئة التي تدخل مرتكبيها في أبواب من الشرك والعياذ بالله إلى غير رجعة فلم يعد لها أثر فيما أعلم والحمد لله، نعود بعد هذا الاستطراد إلى الشيخ أحمد الزهراء فنقول أنه لم يكن يطيق العيش معه إنسان وهو على ما وصفنا من الضيق والتقتير على نفسه ومن معه، وكان الرجل إلى كل هذا طالب علم له حلقة للتدريس في مسجد الشافعي وهو أقدم مساجد جدة، وكان له تلامذة يحبونه ويخدمونه وكان الرجل مقرئا بل عالما بالقراءات السبع ومن أشهر المقرئين المجودين وكان الناس يدعونه إلى تلاوة القرآن في مآتمهم وفى ملحقات هذه المآتم إذا صحَّ هذا التعبير ذلك أن الناس كانوا يتمسكون بعادات كثيرة في الموت كادت الآن أن تنقرض، ولقد أدركت الناس إذا مات الميت حضر المعزون إلى المسجد المجاور لبيت المتوفى أو مسجد بعينونه فيصلون العصر ويتناول الواحد منهم جزءًا من القرآن فيتلوه حتى أذان المغرب فيعزوُّن أهل المتوفى ثم يصلون المغرب وينصرفون ثم تطورت هذه العادة فأصبحت تتم في بيت المتوفى بين المغرب والعشاء وبنفس الطريقة التي وصفناها فيحضر المعزُّون ويمسك كل واحد منهم جزءا من الصحف يتلوه حتى يحين موعد صلاة العشاء فيعزون وينصرفون وقد تطورت هذه العادة إلى ما هو متبع في الوقت الحاضر من حضور الناس بعد صلاة
стр. 11
المغرب لفترة بسيطة يستمعون فيها إلى تلاوة القرآن من المقرئين الذين يحضرهم أهل الميت ثم يعزُّون وينصرفون، وكان هناك إلى جانب الأيام الثلاثة للتعزية يوم العشرين والأربعين والحوْل فإذا مضت عشرون يوما على وفاة الميت أقام له أهله - العشرين - ويحضر في هذه الأثناء مقرئ واحد أو أكثر من الصباح فيقرأ القرآن على روح الميت إلى ما بعد الظهر حيث يحضر المدعوون من خاصة أهل المتوفى وأصدقائه فيستمعون إلى التلاوة ويتناولون الطعام ويقرأون الفاتحة على روح الميت ويدعون له بالمغفرة وينصرفون وبنفس الترتيب يقيمون حفل الأربعين بعد مضى أربعين يوما على وفاة الميت ثم حفل الحوْل وهو بعد مضى عام كامل على الوفاة، هذا علاوة على ما يتلى له من القرآن في شهر رمضان وكان يتولى هذه التلاوة صغار الأطفال ممن يحسنون القراءة والبعض كان يهتم بأمر هذه التلاوة لا في شهر رمضان وحده وإنما في رجب وشعبان كذلك قلنا وقد انتهت هذه العادات جميعها فلم يبق منها سوى ثلاثة أيام العزاء بين العشاءين.
نعود بعد هذا الاستطراد عن عادات الناس في أيام الوفاة إلى الشيخ أحمد الزهراء فنقول أنه كان من أبرز المقرئين في مدينة جدة ولهذا كان منشغلا في كثير من الأيام بتلاوة القرآن في المآتم وفى أيام العشرين والأربعين والحول كما أسلفنا وكان يتناول طعامه في كثير من الأيام في البيوت التي يدعى إليها، كما أن تلامذته كانوا يتحفونه بأطيب الطعام في بعض الأيام ويخدمونه ويقومون على تمريضه إذا مرض والله هو الذى يدبر الأمور بحكمته فيسخر لهذا الرجل الكفيف البخيل من يقوم على إصلاح أمره وتسيير شؤونه.
هذا وكان الشيخ كثير الوسواس فلم يكن على تمكنه من التجويد وحفظه للقرآن الكريم وحسن ترتيله بمستطيع أن يتولى الإمامة في المساجد وهي الوظيفة الطبيعية لأمثاله، لأنه كان كثير الوسوسة وكنت أراه في مسجد الشافعي وهو
стр. 12
ينوى للصلاة - صلاة النفل فأسمعه يقول الله الله الله الله أكبر وما هي إلا ثوان ثم يعود لتكبيرة الإحرام بنفس الأسلوب السابق يكرر النطق بلفظ الجلالة مرات ومرات حتى يستقيم له الدخول في الصلاة، ولكن الرجل لم يكن بحاجة إلى الإمامة لأن موارده من المآتم وتلاوة القرآن كانت كبيرة في ذلك الزمان لا ينفق منها شيئا وقد أخذ نفسه بهذه الحياة الضيقة الشديدة وقد تجمعت لديه ثروة كبيرة هيأت له أن يشترى ثلاثة بيوت من أشهر بيوت جدة أولها في منطقة باب مكة مما يلى سوق البدو وكان يسكن في جزء منه ويؤجر الأجزاء الباقية وهي كثيرة للمستأجرين ويتسلم الغلة فيضيفها إلى ما يكنزه من مال والبيتان الآخران وكان يطلق عليها اسم بيوت الشرايبى على ما أذكر وهما يقعان الآن في قلب شارع الملك عبد العزيز في وسط شارع الأشراف بين شارع الملك عبد العزيز والسوق الكبير وكانت هذه المنطفة قبل تعمير شارع الملك عبد العزيز تسمى باب الصبَّة وهو باب يؤدى إلى البحر وكان هذا الباب من داخل سور مدينة جدة الموازى للبحر وكان هذا الباب فيه حرس للجمارك وتخرج منه العربات المحملة بالأرزاق ولعل معنى الاسم أنه الباب الذى تنصب منه البضائع إلى المدينة أو لعل له تعليلا آخر يعرفه المعمرون من أهل جدة أو المهتمون بتاريخها.
لقد كان شراء الشيخ أحمد الزهراء لهذه البيوت الكبيرة في مدينة جدة حديث الناس في ذاك الزمان فكانوا يعجبون لهذا المقرئ الأعمى الذى كان مجمع القرش إلى القرش والريال إلى الريال والدينار إلى الدينار ثم يشترى البيوت الشهيرة التي تعرض للبيع ولست أشك أن كثيرا من التجار كانوا يرغبون في شراء هذه البيوت أو واحد منها على الأقل فجميعها تقع في مناطق تجارية ولكن التجار كانوا لا يفكرون كثيرا في شراء أمثال هذه البيوت إذا لم تكن لهم حاجة ضرورية إليها لأنها تجمِّد المال السائل الذى يتعاملون به في تجاراتهم ولم يكن في
стр. 13
البلاد بنك واحد حتى يتعامل معه الناس أو يقترضوا منه وكانت العملة السائدة هي الجنيهات الذهبية بنوعيها العثماني والإنجليزى ثم الدينار الهاشمى والسعودى والريالات المجيدية أولا ثم الهاشمية والسعودية فما بعد ولم تكن أوراق البنكنوت بالعملة الرائجة إلا في مواسم الحج يشتريها الصرافون من الحجاج حيما يقدمون ويبدلونها لهم بالعملة المحلية ثم يبيعونها للحجاج حينما يعودون إلى بلادهم بأسعار أقل ويستفيدون الفرق بين السعرين وكانت أغلب العملات التي ترد مع الحجاج عملات فضية كالروبيات الجاوية والهندية وقد رأيت التجار يشترون الروبيات الهندية خاصة ثم يصدرونها إلى عدن أو إلى الهند وبعد ذاك كثر التعامل بأوراق البنكنوت فأصبح الناس يفضلون التعامل بها لأنها أخف حملا وأسهل حفظا وباستثناء البنك العثماني الذي افتتح فرعا له في مدينة جده في العهد الهاشمى ثم في أوائل العهد السعودى ولم يستمر طويلا كان أول بنك أسس في المملكة هو الشركة التجارية الهولندية وكان الصرافون يشترون العملات المختلفة ويبيعونها له ويقوم هو بتصديرها إلى الخارج عن طريق قسم الحوالات والطرود بالبريد في ظروف كبيرة مختومة بالشمع الأحمر ومؤمن عليها ويزن الواحد منها ألفى غرام.
نعود بعد هذا الاستطراد عن العملات الأجنبية فنقول أن شراء المتن أحمد الزهراء لهذه البيوت كان حديث الناس والتجار منهم خاصة في مدينة جدة لأن هذا القرئ الأعمى استطاع أن مجمع هذا المال الكثير الذي يشترى به هذه البيوت الكبيرة في مدينة جدة عبر سنوات طويلة من التقتير على نفسه والتضييق عليها ولكن المفاجأة العظمى التي فاجأ بها الشيخ أحمد الزهراء الناس جميعا هي أنه وهب هذه البيوت الثلاثة إلى مدارس الفلاح وأوقفها عليها فختم الرجل حياته أحسن ختام إذ تنازل عن ثروته الكبيرة التي جمعها خلال سنوات عمره الطويل من التضييق على نفسه لعمل من أنبل الأعمال وأجلها فوهب ثمرة سعيه في هذه
стр. 14
الحياة لتصرف على العلم والتعليم ممثلة في مدارس الفلاح التي كانت رائدة التعليم في ذاك الزمان وهكذا استحق الشيخ أحمد الزهراء أن يسجل اسمه بين أعلام الرجال في عصره بهذه الهبة العظيمة التي لم يقدم عليها أثرياء عصره فكان بها فريد العصر وواحد الزمان.
ولقد توفي الشيخ أحمد الزهراء في منتصف القرن الرابع عشر الهجرى عن عمر يناهز الثمانين عاما تغمده الله برحمته الواسعة وتقبل منه عمله الطيب العظيم.
стр. 15
أحمد صالح قنديل
стр. 16
أحْمَد صَالح قَنْدِيل
معتدل القامة أقرب إلى القصر، أسمر اللون شديد السمرة، ممتلئ الجسم واسع العينين، ذكي لماح، خفيف الظل، مرسل الشعر في غير إسراف، كان في مطلع شبابه يرتدى الكوفية الحجازية والشال وهو ما يستعمل للاعتمام وكان من أنواع كثيرة ترد من الشام وبعد أن التحق بوظائف الدولة أصبح يرتدى العباءة والعقال، ولد بمدينة جدة فما أقدر في أواخر العشرينات أو أوائل الثلاثينات من القرن الهجرى وتلقى تعليمه في مدرسة الفلاح وبعد تخرجه منها عمل بها أستاذا.
وقد أدركته وهو أستاذ بالمدرسة التحضيرية في الفلاح، والتى كانت تسمى المجتمع وهو البيت الذى أنشأه المرحوم الحاج محمد على زينل مؤسس الفلاح ليكون مقرا للاجتماعات الخاصة بالمدرسة ثم تحول إلى مدرسة تحضيرية تابعة لمدرسة الفلاح، وهو منفصل عن مبانى الفلاح الحالية وقد تخرب فلم تمتد إليه يد الإصلاح وأخشى أن يكون قد اندثر أو هو في طريقه إلى الاندثار، ثم عمل أستاذا بمدرسة الفلاح الكبرى واستمر يعمل فيها لسنوات طوال إلى أن انتقل إلى مكة رئيسا لتحرير جريدة صوت الحجاز عام ١٣٥٥ هـ بترشيح من صديقه
стр. 17
المرحوم الأستاذ حمزة شحاتة لدى المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان رئيس الشركة العربية للطبع والنشر.
قنديْل وَحَمْزة شحَاته
وكان الأستاذ أحمد قنديل ينشر شعره في صوت الحجاز بتوقيع الصوت الحساس وقد استرعى هذا التوقيع انتباه الأستاذ حمزة شحاتة فسألنى أن كنت أعرف هذا الشاعر الذى بدأت بواكيره الطيبة منذ القصائد الأولى التي نشرتها له صوت الحجاز فقلت أنه الأستاذ أحمد قنديل وهو مدرس بمدرسة الفلاح وأعرفه منذ أن كنت تلميذا بها وكان هو في الفصول الأخيرة ثم أستاذا بالمدرسة المذكورة، وطلب منى الأستاذ حمزة أن أجمعه بالقنديل بل وأعرفه عليه وكان شحاتة يومها أديبا جهيرا وشخصية مرموقه فاتصلت بالقنديل ﵀ وأعربت له عن إعجاب الأستاذ حمزة بما ينشره من شعر وضربت له موعدا للاجتماع بالأستاذ حمزة في - مربعة الجمجوم - وهو مبنى كان يومها خارج مدينة جدة بالعمارية قريبا من مقبرة حواء، كان قد بناه المرحوم الشيخ محمد أنيس جمجوم، وكان هذا المبنى الخلوى الذى يسمى مربعة أشبه ما يكون بنادٍ مجتمع فيه آل جمجوم وأصدقاؤهم عصر كل يوم وصدرا من الليل، وكنت والأستاذ حمزة شحاتة من رواد هذا المجتمع الجمجومى كل أصيل ونحن جميعا في مطلع الشباب في أوائل الخمسينات من هذا القرن وقد استمرت صلة القنديل بالأستاذ شحاتة منذ ذلك الوقت وإلى أن توفى الأستاذ حمزة شحاتة باستثناء فترة ليست بالطويلة حدث بينهما من الجفوة ما أوقف هذه الصلة ولكن هذا التوقف لم يستمر فعادت صلتهما إلى ما كانت عليه من قبل يرحمهما الله.
стр. 18
البَوَاكير الأُولى
لقد ذكرت أن بواكير شعر القنديل الأولى في الخمسينات كانت تبشر بميلاد شاعر كبير وأود أن اذكر أن اغلب من عرفت من الشعراء والكتاب الموهوبين كانت بواكيرهم الأولى تنبئ عن نهاياتهم العظيمة، ولعل الشاعر أو الكاتب الاصيل تولد معه الموهبة فإذا استطاع التعبير ظهرت بذور هذه الموهبة في بواكيره الأولى وما تلبث هذه الوهبة أن تتمكن وتتجلى بالدراسة والتجاريب.
عَودُ عَلى بدء
نعود بعد هذا الاستطراد إلى ترجمة حياة الأستاذ قنديل فنقول أنه عمل رئيسا لتحرير صوت الحجاز وانتقل بعمله هذا إلى مكة المكرمة وكانت فترة رئاسة تحرير القنديل لصوت الحجاز من الفترات الخصيبة في تاريخها فقد افسح صدر الجريدة لمقالات الكتاب وقصائد الشعراء كما أنه عين المرحوم الأستاذ عبد الله المزروع - والد الدكتور المزروع - مخبرا صحفيا يوافيه بالأخبار الداخلية وخاصة الأخبار الحكومية وخلال رئاسته لصوت الحجاز نظم قصائده الأولى من الشعر (الحلمنتيشي) وهو الشعر الذى تختلط فيه العربية بالعامية وكانت صحيفة صوت الحجاز مجال النشر لقصائده الأولى من هذا الشعر وقد استمر القنديل رئيسا لتحرير صوت الحجاز من ٤ شعبان سنة ١٣٥٥ هـ إلى ١٢ جمادى الأولى سنة ١٣٥٦ هـ وقد أقصى عن صوت الحجاز بعد أن نشر قصيدة أسيئ تفسيرها بتوقيع رمزى وحملها المرحوم الدكتور محمد على الشواف إلى صاحب السمو الملكى الأمير فيصل النائب العام لجلالة الملك - جلالة الملك فيصل فما بعد - وقد أصدر سموه أمره بإيقاف الشاعر وإقصائه عن الجريدة ثم تبين أن الشاعر هو رئيس
стр. 19
التحرير نفسه ولم تمض أيام طويلة حتى فاء سموه إلى الرضا وأفرج عنه فعاد إلى مدينة جدة مسقط رأسه مرة أخرى وعمل فترة في مكتب رئيس وكلاء مطوفى الجاوه - الأندنوسيين - الشيخ محمد نور جوخدار ﵀ ثم انتقل مرة أخرى للعمل في مكة المكرمة في ديوان التحرير بوزارة المالية زميلا للأساتذة عبد الوهاب آشى ومحمد حسن فقى ومحمد حسن كتبى ثم عين رئيسا لمصلحة أملاك الدولة بوزارة بالمالية وكانت تتخلل ما بين هذه الوظائف فترات تعطل ثم عين أخيرا مديرا لإدارة الحج بجدة في أول تأسيسها وكان أول مدير عام للحج هو الشيخ محمد صالح قزاز مد الله في عمره وكان مركزه في مكة المكرمة وبعد انتداب الشيخ محمد صالح قزاز للعمل في توسعة الحرم المدنى لانتقاله إلى المدينة المنورة .. أصبح الأستاذ أحمد قنديل مديرا عاما لإدارة الحج بجدة ثم أحيل إلى التقاعد وهاجر إلى مصر لبضع سنوات افتتح خلالها مكتبا تجاريا له بالاشتراك مع الأستاذ رشاد برنجى واحد أصدقائهما من المصريين ثم عاد مرة أخرى إلى الحجاز وما لبث أن هاجر مرة أخرى إلى بيروت، وفى بيروت تفرغ للانتاج الفنى للاذاعة والتليفزيون وعكف على طبع مؤلفاته عن جدة ودواوينه الشعرية الكثيرة وبعد أن اندلعت الحرب الأهلية في بيروت عاد مرة أخرى إلى جده وكان يسافر بين الفينة والأخرى إلى القاهرة لموالاة أعماله الفنية سواء في طبع مؤلفاته أو لعرض أعماله الفنية في الاذاعة والتليفزيون إلى أن توفاه الله تعالى وهو يكتب الحلقة الأخيرة من قناديل رمضان لعام ١٣٩٩ هـ في صباح الجمعة ١٢ شعبان ١٣٩٩ هـ
الشِّعُر الضَّاحِك
تميز الأستاذ أحمد قنديل ﵀ إلى جانب إبداعه الشعرى ومكانته في الكتابة والأدب بشعره الضاحك الذى كان ينشر مقطوعة منه كل صباح في
стр. 20
جريدة البلاد أولا ثم في جريدة عكاظ تحت عنوان (قناديل)، ثم أصبح يستعمل هذا النوع الضاحك ولكن في أسلوب نثرى وكان ينشر في الأعوام الأخيرة في جريدة البلاد بعنوان قناديل ملونة وهذه القناديل الشعرية خاصة كانت سبب شهرته على المستوى الشعبى وفد خلقت منه شاعرا شعبيا محبوبا يتحدت عنه الناس في طول البلاد وعرضها كما خلقت له قراء كثيرين يتابعون ما ينشر له في كل يوم ويتفكهون به ويتحدثون عنه في مجالسهم ومنتدياتهم وللتاريخ فإني سأورد هنا بداية القنديل في هذا الشعر الضاحك فأقول.
الأُسْتَاذ حُسَين شفيق المصْري ومجَلّة الفكَاهة
كانت دار الهلال في القاهرة تصدر مجلة أسبوعية اسمها (الفكاهة) وهي مجلة فكاهية كما يدل عليه اسمها وكان يتولى رئاسة تحريرها الأستاذ حسين شفيق المصرى وهو شاعر مجيد وزجال مصرى معروف، وكان الأستاذ حسين شفيق فيما أعرف هو أول من نشر الشعر الضاحك في أسلوب عامى ولكن هذا الشعر العامى كان يحتفظ بالوزن والقافيه، وكانت الطريقة أنه يفتتح القصيدة بمطلع قصيدة من عيون الشعر العربى القديم ثم ينسج على منوالها كلاما موزونا مقفى تختلط فيه العامية بالعربية الفصحى وكانت مواضيع هذا الشعر دائما انتقادية ولكنها في أسلوب فكاهى مقبول، وكنا نجتمع في مكة المكرمة الأستاذ حمزة شحاتة وأحمد قنديل رحمهما الله وأنا وكان الوقت صيفا وكنا نهرب من حر مكة اللاهب إلى اطراف الشهداء وكان في موضع مكاتب وقراج الشركة العربية للسيارات بالزاهر مقهى لرجل اسمه العم حمزة وكان العمران في مكة ينتهى عند قشلة جرول وكانت الأرض بعدها خلاء وكنا نجئ إلى هذا المقهى مع الغروب ونتسامر صدرا من الليل ونتناول عشاء خفيفا ثم يأوى كل منا إلى فراشه الذى كان يحفظ في
стр. 21
داخل المقهى والذى يحضره لنا العم حمزة مع ابتداء الظلمة وكنا نتخذ من كراسى المقهى العادية الطويلة سررا ننام عليها تحت السماء، وذات ليلة جاء ذكر هذا الشعر الفكاهى، وكان حسين شفيق المصرى يطلق عليه اسم الشعر (الحلمنتيشى) نقول جاء ذكر هذا الشعر (الحلمنتيشى) فسأل الأستاذ شحاتة الأستاذ قنديل أن كان يستطيع النظم على هذا النسق فأجابه بالإيجاب وفى اليوم التالى بدأت المحاولات الأولى للقنديل في هذا الشعر وكانت موفقة جدا وما هي إلا فترة بسيطة حتى بدأ القنديل في نشرها في صوت الحجاز فترة بعد أخرى ووجدت صدى شعبيا واسعا واستقبالا حسنا من جميع القراء خاصة وإن (قنديل) ﵀ تحاشى العامية المصرية التي كان حسين شفيق المصرى ولجأ إلى العامية الحجازية ثم توسع فيها وخلطها بالعامية النجدية فيها بعد ومن هذه القصائد التي لا تزال عالقة بالذاكرة ما نشره القنديل في صوت الحجاز والمطلع لقصيدة مشهورة لابن الفارض:
غيرى على السلوان قادر … وسواى في العشاق غادر
لى في الصباح فطيرة … والبيض أليق بالفطائر
وهناك قصيدة أخرى والمطلع كذلك لشاعر قديم:
صاح في العاشقين يالكنانه … رِشَأُ في الفؤاد منه كنانه
شِمْرِقِيٌّ مكحل ومُحَنّى … حامل في يمينه خيزرانه
هذه هي البدايات الأولى لهذا الشعر الضاحك وكانت القصيدة تنشر طويلة وليست مقطوعة صغيرة كما صارت إليه القناديل أخيرا ولكن النشر لم يكن يوميا كما هو الحال مع القناديل اليومية وإنما كان اسبوعيا أو أكثر من اسبوعى وآخر ما
стр. 22
نظمه قنديل في هذا المجال الغزاوية الأخيرة وهي قصيدة ألقاها في الجلسة الختامية للمؤتمر الأول للأدباء السعوديين وصف فيها الأدباء القدامى والمحدثين ودعا فيها إلى تكريم شيخ شعراء مكة الأستاذ أحمد إبراهيم الغزاوى مدَّ الله في حياته وقد قوبلت بالاستحسان وقوطعت بالتصفيق وهي تمثل شعر قنديل الضاحك وقد نشرت بالمجلد الأول عن بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين كاملة فليرجع إليها من رغب الاطلاع عليها.
حَمْزة شحاتة وَالشِّعر الضَاحِك
ولعل معظم القراء بل والأدباء لا يعرفون أن المرحوم الأستاذ حمزة شحاتة كان ينظم هذا الشعر ولكنه لم يستمر عليه وإنما نظمه مرة واحدة أو مرتين وله قصيدة جميلة أذكر بعض أبياتها فيما بعد وهذه القصيدة لها قصة لا بأس من إيرادها فقد عُلم إن العراق سيرسل بعثة كشافة إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة ولعل ذلك في زمن الحج وارادت الحكومة أن تكرم كشافة العراق فأعدت لهم برنامجا حافلا كان من ضمنه إقامة حفل تكربم لهم في جدة وتولى الأخ الشيخ محمد عبد الله رضا يومها أمر ترتيب هذا الحفل الشعبى فأرسل دعوة إلى شباب مدينة جدة للحضور إلى منزله ودعاهم للتبرع لإِقامة هذا الحفل ولكن المرحوم حمزة شحاتة لم يدع إلى هذا الاجتماع مع أننا كنا جميعا على علم بالحفل الذى كان سيقام في بيت نصيف وكان صديقنا المرحوم الأستاذ حسين محمد نصيف - مؤلف كتاب ماضى الحجاز وحاضره - يخبرنا يوميا عن هذا الحفل ويحثنا على الحضور فيه وغضب حمزة لعدم دعوته من قبل الشيخ محمد عبد الله رضا فأنشأ قصيدة ضاحكة صور فيها ما وقع من المجتمعين للتبرع في أسلوب ضاحك جميل والقصيدة أخذ مطلعها من قصيدة أبي تمام الشهيرة:
стр. 23
بسيفك يعلو الحق والحق أغلب … ويضرب سيف الله أيان تضرب
وبالأمس قد أرسلت حِتَّة دعوة … إلى فتية بالصالحات تحزبوا
فلم تك إلا ساعةً أو دقيقةً … تجازوْا سراعًا بعدها وتكركبوا
ومنها يصف ملابسات التبرعات:
فجاء فتى منهم جرئ حَجَنْجَلٌ … فجاد بربع ريال فانبروا وتعجبوا
وقال استحي ياسى فلانٍ فإنه … قليل ومن يكتب قليلا يُؤَنَّب
فقال لهم ليس نسبتى تقتضى كدا؟ … فإن راقكم قولى وإلَّا فأحْسِبُوا
فبان حماسٌ فوقَ وَجْه زعيمهم … فسجَّل عشرينًا وقد كاد يغضب
والقصة أن المرحوم الأستاذ محمد لارى - والد الأستاذ رضا محمد لارى - كان من ضمن من حضروا الاجتماع فجاد بربع ريال فقال المجتمعون أنه قليل فقال لهم أنه ليس قليلا بالنسبة لما تبرع به الشيخ محمد رضا فتحمَّس الداعى وسجل عشرين ريالا أخرى وسواء أكانت القصة حقيقيةً أم من خيال الأستاذ حمزة شحاتة ﵀، وأغلب الظن أنها حقيقة فإن محمد لارى كان معروفا بالجرأة، فإن ايرادها على هذا النحو في هذا الشعر الضاحك كان مناسبة يتفكه بها مجتمع الشباب بل مجتمع جدة كلها فكاهة تخلو من الحرج والبذاء.
عَودَةُ القنَاديل
نعود بعد هذا الاستطراد إلى القناديل التي توسع فيها الأستاذ أحمد قنديل وطورها إلى أن صارت إلى ما يعرفه جميع القراء فنقول أن الأسلوب الذى بدأ به قنديل هذا الشعر الضاحك ربما كان أحبَّ إلى الأدباء من القراء لأنه لم يسرف في استعمال اللفظ العامى كما هو الحال بالنسبة للمناديل ولكن جوهر الفكرة واحد وهو النقد الاجتماعى وأذكر أن قنديلا ﵀ أراد أن يصدر المجموعة الأولى من
стр. 24
شعره الأصيل فعهد إلى الأستاذ حمزة شحاتة ﵀ أن يكتب مقدمة لهذه المجموعة، كما أنه حينما أراد إصدار المجموعة الأولى من شعره الفكاهى طلب منى كتابة مقدمة لها واذكر أني كتبت في تقديم هذه المجموعة ولعل اسمها المركاز ما معناه: -
"إذا كان هذا الشعر الفكاهى لا يدخل التاريخ من باب الأدب والشعر فإنه يدخل التاريخ من أوسع أبوابه كفنِّ يصور الحياة الاجتماعية في هذه البلاد في أسلوب ساخر ضاحك فهو يتحدث عن أمور يعانى منها كل فرد - ولا تخلو حياة أى مجتمع من المعاناة - مما يتصل بحياته اليومية في مختلف وجوه هذه الحياة في داخل المنزل، أو في خارجه في السوق، في المدرسة، وفى الدائرة الحكومية، في البيع والشراء، في السفر والإقامة، في متطلبات الحياة اليومية ومشاكلها، وسيعود المؤرخون إلى هذا الشعر الساخر ليجدوا فيه مادة تصف الحياة بل تصف كثيرا من دقائقها وأدوائها مما ينطوى مع الزمن ويتغير مع الأيام" انتهى معنى ما كتبته لهذه المقدمة التي لم يكتب لها النشر فقد عدل قنديل ﵀ عن نشر الكتابين بالمقدمات التي طلب من أصدقائه كتابتها وعلمت أنه فضَّل أن يقابل القراءُ مؤلفاته دون تقديم وهو رأى له وجاهته على أي حال.
أقول أن هذا الذى كتبته عن هذا الشعر قبل أربعين عاما لا يزال يمثل رأيى في هذا الشعر أو هذا الفن على الأصح فإن هذا الشعر العامى لا يمكن أن يدخل التاريخ الشعر رفيع ولكنه يدخل من أوسع أبواب التاريخ كفن يمثل الحياة الاجتماعية ومشاكلها وكفن يمقل النقد الفنى للحياة إذا جاز هذا الوصف وما تحفل به من مفارقات ومشكلات، وقنديل غنيٌّ بتسعره البدع الأصيل وبفنه الرائع الذى يتجلى في مؤلفاته الشعرية الكثيرة عن إضافة هذه القناديل إلى سعره
стр. 25
الأصيل، إنها فن مستقل يمثل الناحية الشعبية في قنديل والتى سنتحدث عنها فيما يلى.
شَعبيَّة أحْمَد قنديل
الأستاذ أحمد قنديل ﵀ كان شعبيا بالمعنى الدقيق للكلمة أو ابن بلد كما يقول العامة من الناس ولا غرو في ذلك فقد ولد في بيئة شعبية وبيت قنديل الذى ولد ونشأ فيه في العلوى من محلة اليمن - كان من منازل جدة القديمة وكان آل قنديل جميعا يسكنون فيه وكان قنديل ﵀ يسميه القرية لكثرة من يسكنه من آل قنديل والبيت يقع في قلب حى شعبى مشهور يحيط به سوق العلوى المشهور والمؤدى إلى باب مكة وتحف به بيوت شعبية للطبقة الوسطى من المجتمع التي عاش قنديل بينها والتى عبر عنها في شعره الفكاهى أصدق وأجمل تعبير - ولقد كان أبوه الشيخ صالح قنديل ﵀ مدرسا للقرآن في الصفوف الأولى من مدرسة الفلاح كما كان من أشهر المقرئين والمأذونين وكان رجلا ظريفا سريع النكتة حاضر البديهة أنيس المجلس وقد أخذ عنه ابنه قنديل هذا الظرف، كما أن سقيقه الأكبر يوسف قنديل كان ظريفا عفويا في كلامه وتصرفاته وكان محبوبا من أصدقائه الكثيرين وقد نشأ قنديل في هذه البيئة الضاحكة وكان اتصاله بالصحف والكتابة فيها وانتقاله إلى مكة أحدث له شهرة في هذه البيئة الشعبية فكان الجميع يطلقون عليه لقب الأستاذ، فإذا قيل الأستاذ فهو أحمد قنديل وهو عند أصدقائه الخُلَّص - قنديل وكفى - وقد احتفظ قنديل بشعبيته هذه طيلة حياته واتخذ منها مادة لفنه الشعرى الضاحك وهذه الشعبية تتجلى في كل شئ في وصف المكان والزمان واللهجة الخاص والشعبية واصطلاحاتها والمقارنة بينها وبين الحاضر، وبين يدى الآن قصيدته الغزاوية
стр. 26
التي أسلفت الحديث عنها انقل منها بعض الأبيات فهي أبلغ في وصف هذه المادة الشعبية من كل تعبير:
وقد تعجب من حالى بلا سبب … الباب والعقب والروشان والقفف
كما تطلَّع نحوى زاغرا ابدا … في سقفه القندل المرصوص والحَصف
ومنها:
وكل تمشيتى - بولطا - أقوم بها … فوق السطوح يوازينى بها الطنف
ومنها:
بردان ففضفت من ظهرى وفى ركبى … شئ إذا غزها من جلستى اقف
وليس هذا مجال الإطالة في الاقتباس فإن كل أبيات هذا الشعر الضاحك
تمثل الشعبية الصميمة التي تتجلى في كل كلماته ومقاطعه.
شِعر الأَفْرَاح
ولعل القراء لا يعرفون أن "قنديلا" كان ينظم الشعر للمنشدين الذين جرت العاده بحضورهم احتفالات العرس "فكانوا جميعا يلجأون إليه لينظم لهم الشعر الذى يلقونه في هذه الحفلات والذى يجب أن يتضمن اسم العريس واسم آل العروسين والذى يلقى حين خروج العريس من داره بصحبة المأذون والرجال الذين يصاحبونه فيقف المنشد ويحييه ويهنئه بما هو مقدم عليه، فإِذا وصل الموكب إلى دار العروس وقف الجميع في فناء الدار وألقى المنشد مقطوعة أخرى يحيى فيها العريس ولا بد من نخية أهل العروس كذاك بذكر اسم اسرتهم واسم أسرة العريس، وبعد انتهاء حفل العقد يلقى المنشد تحيته الأخيرة للعروسين وآلهما وكان المنشدون في جدة يلجأون وخاصة في حفلات العرس الكبيرة إلى قنديل
стр. 27
رحمه الله فينظم لهم المقطوعات المطلوبة من الشعر الفصيح متضمنة اسم العريس وأسماء آل العروسين ولم يكن يتقاضى منهم مقابل ذاك شيئا وإنما يفعله بدافع من صداقته لهم وهذه العادة لا تزال باقية إلى اليوم ولكنها في نطاق ضيق جدا وفى بعض الأعراس الكبيرة التي يحرص أصحابها على إحياء هذه العادات القديمة.
القناديل وَالنَقْد
يتميز شعر القناديل بالنقد الساخر وهو النقد لأوجه الحياة اليومية التي يعانى منها الناس ولا يملكون شيئا لتغييرها أو إصلاحها والقارئ اليومى للقناديل كان يرى فيها تعبيرا عما يشعر به أو يشكو منه ولكن في أسلوب ضاحك ساخر ولهذا لقيت نجاحا على المستوى الشعبى لأنها كانت تعبيرا واقعيا عن الحياة اليومية في أسلوب ساخر ينفس به الناس عن شعورهم إزاء ما يحسون به من ضيق وقد شمل هذا التعبير كل أوجه الحياة - تعطيل المعاملات، زحمة المرور، تعطيل الكهرباء، انقطاع الماء، غلاء الأسعار، تخريب الشوارع، كثرة الأجانب - وقل ما شئت من مظاهر الحياة اليومية فستجدها واردة في القناديل ولهذا أحبهما الناس وقرأوها وتحدثوا عنها في كل يوم وهذه القناديل أو هذا الفن الضاحك هو ما امتاز به قنديل من بين أدباء جيله فكان له هذا الصدى الشعبى الواسع الذى جعله بحق أديبًا شعبيا راسخ القدم، ثابت البنيان وكان إذا ألقى قصيدة من شعره الضاحك قوبلت بالاستعادة والاستحسان والتصفيق وعلى ذكر الإلقاء أذكر هنا أن "قنديلا" ﵀ في بدء حياته الأدبية لم يكن يرغب في إلقاء شعره ويفضل أن يلقيه غيره ممن يحسنون الإلقاء أو ممن اشتهروا بذاك ولكنه ما لبث أن اكتشف في نفسه موهبة الإلقاء ولذالك قصة نذكرها للتاريخ.
стр. 28
قنْديل وَإِلقاءُ الشِّعر
أقامت السفارة اللبنانية في جدة حفل تكريم لمعالى المرحوم الشيخ محمد سرور الصبان قدم له فيها القائم بأعمال السفارة اللبنانية السيد أسعد الأسعد في ذاك الوقت، الأمين الساعد للجامعة العربية حاليا - قدم له فيها وسام الأرز من درجة فارس على ما أذكر وطلب منى المرحوم الشيخ محمد سرور إلقاء كلمة الشكر نيابة عنه، وحضر قنديل ﵀ وقد اكتمل المدعوون وبدأت فقرات الحفل بخطاب السيد أسعد الأسعد فوقف إلى جانبى وقال لقد أعددت قصيدة لهذه المناسبة وأريدك أن تلقيها نيابة عنى قلت أنى سألقى كلمة الشكر نيابة عن الشيخ محمد سرور وقال وما العمل قلت قصيدتك أنت ولا يلقيها غيرك.
وهكذا كان وقد قوبلت القصيدة يومها أحسن استقبال وانطلق بعدها قنديل بلقى شعره بنفسه وهو خير من يلقيه بلا مراء.
قنْديل الشّاعِر
لقد أطلنا الحديث عن فن قنديل الضاحك الذى تختلط فيه العامية بالفصحى والذى تحول إلى القناديل اليومية وآن لنا أن نتحدث قليلا عن أحمد قنديلا الشاعر العربى الأصيل.
أحمد قنديل شاعر مبدع ظهر إبداعه من القصائد الأولى والتى نشرت له في صوت الحجاز في الخمسينات وقد نظم في جميع فنون الشعر شعرا جيدا موزونا وتميز عن كثير من أدباء جيله بأنه كان يوالى النظم والكتابة كما يوالى النشر إما في الصحف أو في دواوين خاصة بكل مجموعة شعرية وأمامى الآن خمس من
стр. 29
مجموعات هذا الشعر هي: اللوحات، أوراقى الصفراء، شمعتى تكفى، قاطع الطريق، الراعى والمطر، ولا شك أن له مجموعات أخرى لم أذكرها وليست هذه الترجمة دراسة لشعر أحمد قنديل وإنما هي تصوير لحياته التي تميزت بالشعر فليس الاستقصاء من متطلبات هذه الترجمة وإنما هو مطلب الدراسة الكاملة لشعر أحمد قنديل وعطائه وسأورد بعض أبيات من هذه المجموعات دون اختيار للتعبير عن مكانته في الشعر الأصيل ..
"أيها العاشق لاقى ما لقينا واصطبر
نحن كنا آية في الحب تتلى في حذر
يوم عشنا خفقة في القلب رنَّتْ كوتر
إنما اليوم غدونا مثلما شاء القدر"
ويقول في قصيدة أخرى: -
ودعت أيام الشباب تفيأت … زهراتها ظل الشباب الأملد
رفرافة الأوراق حيتها الصّبا … باللمس بين تَوُجِّدٍ وتَوَدِّدِ
ممتدة الأعراض طاب غراسها … في السفح في الأغوار لم تتأبد
رفَّت على الأغصان ناكحة الشذى … سفرا تنهد بغية المتنهد
والقارئ لمجموعات القنديل الشعرية يجدها حافلة بالصور فياضة بوهج العاطفة التي هي جوهر الشعر كله وبعض مجموعات القنديل تمثل موضوعات معينة مثل الراعى والمطر وقاطع الطريق ولا شك أن هذا العطاء الكثير ليستحق دراسة جادة شاملة متأنية تضع القنديل في مكانه الصحيح لا بين شعراء المملكة فحسب وإنما بين شعراء العرب جميعا في هذا العصر.
стр. 30
مَكّة المكرّمَة في الشِّعْر
لقنديل قصائد شعرية في مدينة جدة ومكة والمدينة بل وحتى في سويسرا حينما زارها لأول مرة وقد كان يعمل قبل وفاته برحمه الله على إصدار كتاب عن كل ما قال شعراء الملكة في مكة المكرمة وقد زارنى وطلب منى موافاته بما لدى في هذا المجال فبعثت إليه بعض ما عندى ولست أعرف أني هذا الكتاب قد طبع وربما كان تحت الطبع أو ما زال مخطوطا بين أوراقه فقد علمت منه أن الكتاب قد اكتمل فحبذا لو عمل أبناؤه الأساتذة أمل وسمير على استخراج مخطوط كتاب مكة ونشره أو الاتفاق مع أحد النوادى الأدبية على إصداره وأنا على ثقه من أن جميع النوادى الأدبية ترحب بالمساهمة في مثل هذا الأمر.
كتابُ قنِديل عن جدّة
وللقنديل كتابان (١) عن جدة مزينان بالصور وهو من الشعر الضاحك الذى تختلط فيه العامية بالفصحى وهو يصف جدة الجديدة ويقارن بينها وبين جدة القديمة كما أن له كتابا آخر عن ذكريات طفولته وشبابه وهو يجمع بين هذا الشعر الضاحك والنشر يصور فيه بعض الشخصيات الشعبية التي صاحبت طفولته وشبابه كما يصور بعض الحكايات الشعبية في أسلوب يجمع بين العامية والفصحى وهذه الكتب جميعها تصور شعبية القنديل التي تحدثنا عنها في صدر هذه الترجمة بإسهاب.
стр. 31
شِعرُ المَلاحِم
ولقنديل إلى جانب هذا الشعر الضاحك والمجموعات الشعرية الأصيلة التي تحدثنا عنها ملحمة شعرية عظيمة نشرت كاملة في المجلد الأول من بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين تصل إلى ما يقارب الألف بيت من الشعر استعرض فيها سيرة النبي الكريم ﷺ وتاريخ الجزيرة العربية وهي من أطول ما أنتج القنديل من الشعر وهي تدل على اطلاع واسع وتمكن في النظم والتصوير.
إنتاجُه للإِذاعة وَالتّلفزيُون
كما أن للقنديل إنتاجا وافرا كان يبثه التليفزيون السعودى وخاصة في شهر رمضان من كل عام تحت عنوان "قناديل رمضان" وكان هذا الإنتاج في معظمه يلقى ترحيبا شعبيا واسعا لأنه تصوير لعادات الشعب وحياته.
لقد كان قنديل وفيا للقلم، حفيا بالفن، معطاء لا تفتر حماسته للكتابة والشعر وقد صور نفسه أصدق تصوير حين قال من قصيدة قديمة:
صناعتى في الورى الكلامُ … به أحيا وحرفتى الأدب
وقد استمر في تقديم انتاجه للصحف ولوسائل الأعلام وللطباعة خمسين عاما دون توقف وحين أدركته الوفاة كان يكتب الحلقة الأخيرة من "قناديل رمضان" كما ذكرت في صدر هذة الترجمة فقضى والقلم في يده وكانت وفاته صباح يوم الجمعة الثانى عشر من شهر شعبان ١٣٩٩ هـ وقد تركت وفاته رنة حزن عميق وشارك الناس جميعا في عزاء أبنائه وأفراد أسرته وقامت بلدية جدة مشكورة
стр. 32
بإطلاق اسمه على الشارع المؤدى إلى منزله بجدة وهو تكريم يستحقه بلا مراء وشارك الأدباء والشعراء في رثائه، ﵀ رحمة واسعة فقد كان من الشعب وإلى الشعب لسانا معبرا ناطقا وشعرا مصورا سائرا يصور حياة الناس اليومية ويعبر عن آمالهم وأحلامهم. غفر الله له وأحسن جزاءه في دار الخلود ..
стр. 33
الحَاج زَيْنل عَلي رِضَا
قصير القامة أبيض اللون تشوب بياضه حمرة، تزين وجهه لحية بيضاء متكاملة ونظرة رفيقة حانية وكان دائما يرتدى البياض فتراه في لباسه الأبيض من الكتان وقد وضع العمامة الحجازية على رأسه فتطالعك صورة رجل وقور إلا أنك تشعر أن هذه الصورة تفيض حنوا وحبا، وقد أدركته في الأربعينات قبل دخول السيارات إلى البلاد وهو يمتطى صهوة حصان أحمر اللون - ولقد كان كبراء جدة جميعا يستعملون الخيل في تنقلاتهم في العهد العثمانى والعهد الهاشمى - حيث لم تكن السيارات قد وصلت إلى البلاد أو على الأصح لم يكن يسمح بدخولها الشريف الملك الحسين بن على كما أسلفنا في حلقات سابقة من هذه التراجم وكان لهؤلاء الكبراء إسطبلات للخيل وسواس يرعونها ولقد أدركت هذا الجهد الذى ظل سائدا في مدينة جدة إلى أن بدأ العهد السعودى فسمح بدخول السيارات وتألفت شركات خاصة وعامة لها بعد ذاك.
نعود بعد هذا إلى الحاج زينل علي رضا فنقول إنه كان من أكبر تجار جدة وقد أسس مع شقيقه الأصغر الحاج عبد الله على رضا قائم مقام جدة الأسبق بيتهم التجارى في مدينة جدة ثم في بومباى، وكان الحاج عبد الله هو المدير الفعلى لهذا البيت التجارى في الوقت الذى كان فيه الحاج زينل يكبره في السن.
стр. 34
إن ما يلفت النظر في سيرة الحاج زينل ليس ثراؤه وتجارته فما أكثر التجار وأصحاب الثراء ولكن ما عرف عنه من البذل الكثير وخاصة للفقراء والساكين، لقد رأيت الحاج زينل والمساكين يحيطون به في مسجد العمار كلما ذهب لأداء الصلاة ويلتفون حوله وهو خارج من داره سواء للمسجد أو لزيارة بعض أصدقائه، فيقف لهم باسما ويمنحهم الأعطيات، ولم يكن يظهر عليه التأفف أو الضيق وهم يعانقونه ويتوددون إليه، بل كثيرا ما رأيتهم يوقفونه في الطريق ويدلون إليه بحاجاتهم فلا يجدون إلا يدًا سخية ووجهًا باشا وكلاما حسنا، وهذه الصفات لا تدل على الكرم المطبوع فحسب وإنما تدل على أن نفس الرجل قد أشربت حب الخير والعطف على المحتاجين فبذل لهم من نفسه كما بذل لهم من ماله ورفده.
وخلال الحرب السعودية الهاشمية كانت مدينة جدة محاطة بالأسلاك الشائكة وكان السلطان عبد العزيز يعسكر بجيشه في الرغامة وكانت المدينة تعانى من الحصار، كما أن واردات جدة من البضائع قد تأثرت بسبب حالة الحرب أقول في تلك الأيام كان الحاج زينل على رضا يتولى ذبح الذبائح وطبخ الطعام من الأرز ليطعم هؤلاء الفقراء والمساكين وكنت أراه وهو يقف بنفسه أمام القدور العظيمة التي يطهى فيها الطعام وينظر إلى الطاعمين في بشاشة ولطف وإيناس، كما رأيته وهو يأمر بإخراج بالآت السليطى - قماش من القطن نباتى اللون تستعمله البادية في الثياب - فتوزع على هؤلاء الفقراء ثيابا تكسو أجسادهم وتدخل السعادة إلى قلوبهم ولقد اشتهر الحاج زينل ﵀ بحبه للفقراء وحدبه عليهم حتى لقب بأبى المساكين.
стр. 35
وَالِد مُؤَسِّس الفَلاح
ولعل من المهم هنا أن نذكر أن الحاج محمد على زينل مؤسس مدارس الفلاح الشهيرة والعظيمة هو الابن الأكبر للحاج زينل رحمهما الله فكأنَّ حب الخير الذى تأصل في نفس الحاج زينل قد انتقل إلى ابنه البكر الحاج محمد على فقام بعمله العظيم الخالد في إنشاء مدارس الفلاح والإنفاق عليها طيلة ما يقرب من أربعين عاما فكانت حسنة عظيمة وصدقة جارية فكان هذا الشبل من ذاك الأسد. ولقد كان الحاج زينل يرغب أن يرى ابنه محمد على وهو يعمل في بيته التجارى ليكون امتدادا لاسمه وعمله ولكن فكرة نشر العلم التي استأترت بجهود محمد على صرفته عن العمل في ظل أبيه فانفرد بعمله الخاص في تجارة اللؤلؤ، وقرت عين الحاج زينل بابنه محمد على وهو من أعظم الرجال ثراء وإن كان يستعمل هذا الثراء في تعليم أبناء الأمة وإعدادهم رجالا للبلاد، ولا شك أن الله تعالى اختار لكليهما ما هو خير فليس أسعد من أن يرى الإنسان ابنه وقد شق طريقه في الحياة وأثمر سعيه وتهيأت له أسباب النجاح فظهر اسمه ولمع نجمه.
ولقد رأى الحاج زينل ذاك في ابنه محمد على كأحسن ما يمكن أن يرى أب في أبنائه وهذا هو صنع الله العلى القدير لمن شاء من عباده وحكمته البالغة في التدبير والتقدير.
وَفَاة الحَاج زيْنل
هذا ولقد توفى الحاج زينل على رضا عام ١٣٤٨ هـ بمدينة جدة عن عمر يناهز الرابعة والثمانين من العمر إذ كانت ولادته عام ١٢٦٥ هـ واشترك أهل
стр. 36
جدة كلهم في تشييعه والصلاة على جثمانه، وكان أبرز ما رؤى في هذه الجنازة بكاء الفقراء وعويلهم على الفقيد الراحل ومزاحمتهم الأعيان والأثرياء في حمل جثمانه والصلاة عليه، تغمده الله برحمته الواسعة فلقد كان مثلا في البر بالفقراء والمساكين.
стр. 37
الشَّيْخ ضَياءُ الدِّيْن حَمْزَة رَجَب
مستدير الوجه واسع العينين عظيم الأنف، حنطى اللون معتدل القامة أقرب إلى الامتلاء خفيف اللحية حليق الشارب والعارضين، يتخذ زيَّ العلماء السلفيين فيرتدى العباءة والغترة ولا يضع على رأسه عقالا وقد تمسك بهذا الزي طيلة حياته ﵀، ولد بالمدينة المنورة سنة ١٣٣٥ هـ وتلقى العلم على أيدى علماء المسجد النبوى الشريف ومن أبرز أساتذته الشيخ الطيب الأنصارى العالم السلفى المشهور والشيخ أبو بكر التمبكتى والشيخ عبد الكريم كردى والشيخ العايش وهو من علماء الأزهر المجاورين بالمدينة المنورة، كما أنه تأثر بخاله الشيخ عبد الحفيظ كردى شاعر المدينة المنورة ومن قضاتها المشهورين في العهد الهاشمى، وبعد إتمام دراسته اشتغل بالتدريس في مدارس المدينة المنورة كما عمل في تحرير جريدة المدينة المنورة أول ظهورها، ولم تطل إقامته بالمدينة المنورة فعين ١٣٥٧ هـ قاضيا بمدينة العلا شمال المدينة المنورة وانتقل إليها لبضع سنين وما لبث أن عاد إلى المدينة المنورة بعد أن ترك العلا ليعمل في المحاماة وضاقت المدينة بنشاطه في المحاماة فانتقل إلى مكة المكرمة في أواخر الخمسينات وعمل بها في المحاماة فترة من الزمن، ثم عين رئيسا لكتاب
стр. 38
مديرية الأوقاف العامة بمكة المكرمة ثم مستشارا قضائيا لأمانة العاصمة في عهد المرحوم الشيخ عبد الرؤوف الصبان ثم عضوا بمجلس الشورى في أوائل عهد الملك سعود وقد بقى يمارس عمله في مجلس الشورى إلى أن انتقل بأسرته إلى سوريا ثم إلى مصر وتكرر انقطاعه عن المجلس فترات طويلة فأحيل إلى التقاعد، وقد بقى في مصر عدة سنوات إلى أن حصل نجله حمزة ﵀ على البكالوريوس من جامعة القاهرة فعاد بأسرته إلى جدة وافتتح مكتبا للمحاماة نجح فيه نجاحا كبيرا وقد بقى يمارس هذا العمل إلى أن توفى فجأة بالرياض بتاريخ ٢٤ صفر ١٣٩٦ هـ ﵀ رحمة واسعة، كان الشيخ ضياء الدين رجب نمطًا فريدا من الناس وقد استطاع بما وهبه الله من سماحة نفس وهدوء طبع أن يجمع القلوب حوله فأحبه الناس والتفوا حوله فكانت داره كلما كان مكتبه يزدحم بالناس من كافة الطبقات وكانت له قدرة عجيبة على الاستماع إلى الناس ومشاركتهم فيما يهتمون به من شؤون أنفسهم وكانت هذه المشاركة تقتضى منه التوسط لدى المسؤولين في الإِدارات المختلفة، أو لدى القادرين من الناس ولم يكن عمله في المحاماة قائما على المادة وحدها وإنما كانت معظم أعماله تتصف بالصبغة الإنسانية أكثر مما تتصف بالعمل المادى المنظّم، وكان هذا الأمر يتجلى إذا كان أصحاب الحق من المستضعفين من الناس أو من النساء اللاتى فقدن الناصر والعين، ولم يكن يلجأ في مثل هذه الحالات إلى المقاضاة وإنما كان يتخذ طريق الإصلاح وسيلة لفض هذه المنازعات وقد اكتشفنا بعد وفاته ﵀ حوادث كان يمكنه أن يربح من ورائها الملايين ولكنه بدلا من أن يلجأ إلى التعاقد مع أصحاب - أو على الأصح - صاحبات القضايا دخل فيها بروح النجدة لامرأة استضعفها أهلها فحرموها حقوقا كثيرة فقام هو باستخلاصها لها بهذه الروح الطيبة التي تندفع بدافع المروءة والنجدة وتتناسى ما يجنيه أمثاله في هذه
стр. 39
المواقف من أموال طائلة تعتبر بالنسبة لمن يمارسون هذا العمل من الفرص القليلة النادرة، وكان الشيخ ضياء الدين ذا صلة وثيقة بالمرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وعُرفت هذه الصلة بينهما خاصة خلال الفترة التي ولى فيها المرحوم الشيخ محمد سرور وزارة المالية، وخلال إقامته في مصر بعد خروجه من الوزارة فكان الشيخ ضياء الدين ينقل إليه حاجات الناس ومطالبهم وخاصة أولئك الذين يمنعهم الحياء من الطلب أو الذين يتحرجون في إيصال مطالبهم إليه وكان الشيخ محمد سرور ﵀ يستجيب لهذه الطالب بروح من السماحة والبذل ويدافع من ثقته الشخصية بالشيخ ضياء الدين وسعيه في الخير وكان الرجلان يكتمان من أمور الناس ما يجب كتمانه ويستران من العورات ما يجب ستره، وكان الشيخ ضياء الدين ﵀ كريما في جميع الحالات حتى في الأوقات التي كان يعانى فيها من ترك العمل أو خلو ذات اليد فإذا وصل إلى يده شئ سرعان ما أسعف به غيره من أصحاب الحاجات ولعل البعض من هؤلاء الناس كان أحسن منه حالا ولكنه يرحمه الله كان مفطورا على النجدة والعطاء على الإِقلال والإعسار، وحينما حسنت أحواله كان له الكثير من الإِحسان الخفى وكان ينفق على ذوى قرباه ويصلهم ويرعى شؤونهم.
وكان أصدقاء الشيخ ضياء الدين من كافة الطبقات بدءًا بالعامة من الناس وانتهاء بالوزراء كما كان معروفا لدى الكثيرين من العلية والحكام وكان الجميع يحبونه وكان الكثيرون يعتمدون عليه في قضاء حوائجهم، وما أكثر هذه الحوائج وكنت أعجب له ﵀ كيف يستطيع احتمال كل هذه الأعباء إلى جانب عمله الشاق في المحاكم وفي مكتبه الذى يغص بأصحاب القضايا والحاجات حتى وقت متأخر من الليل، وكان هاتفه لا ينقطع من المكالمات التي تحمل في ثناياها هذه التكاليف العجيبة ولكنه كما ذكرت كان ذا قدرة عجيبة على إرضاء الناس وعلى
стр. 40
الإِصغاء إليهم، وتفهم حاجاتهم وكان ذا بصيرة بطباع أصدقائه والمتحدثين إليه فكانوا يتركونه وهم يشعرون بالراحة وحتى ولو لم تقض لهم حاجة أو يتحقق لهم مطلب فإن شعور المرء بأن هناك من يشاركه في همومه ومشاكله يخفف من أعبائه النفسية ويشعره بالراحة والاطمئنان، وهكذا فإن مشاركة الشيخ ضياء الدين ﵀ للناس في اهتماماتهم أكسبه محبة الناس وتقديرهم، وقد تجلّى هذا الحب في حياته حينما فقد ابنه الشاب المرحوم حمزة ضياء الدين رجب وهو في اكتمال فتوته وأوج شبابه فكانت مشاركة الناس للشيخ ضياء الدين في فجيعته بوحيده البكر، - كان المرحوم حمزة رجب هو الولد الوحيد وبقية ذرية الشيخ ضياء الدبن من الإِناث - مشاركة عظيمة تجلت في إقبال الناس عليه بالتعزية والمواساة، وتجلَّت فما كتبه الكثيرون من أصدقائه أو معارفه في رثاء ابنه ومواساته، كما تجلت هذه المشاركة بعد وفاة المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب ﵀ فقد لمسنا من مواساتهم مقدار ما كان يتمتع به في نفوس الناس من محبة وتقدير.
وللشيخ ضياء الدين ﵀ إلى جانب أخلاقه الشخصية الكريمة نواحٍ أخرى فهو شاعر من أكبر شعراء المملكة وكاتب من أقدر الكتاب وكان ينشر إنتاجه الأدبى بجريدة المدينة المنورة في أول ظهورها فقد كان أحد كتابها البارزين، كما كان ينشر بين الفينة والفينة في جريدة صوت الحجاز والمنهل ما تجود به قريحته من شعر ونثر وفى السنوات الأخيرة من حياته واصل الكتابة للإذاعة السعودية فكانت له أحاديت يومية مذاعة، كما واصل الكتابة في جريدة البلاد وكانت له كلمة يومية تنشر بعنوان "قطوف" كما كان له مقال أسبوعى في هذه الصحيفة، هذا عدا ما تنشره المجلات الأخرى مثل "قافلة الزيت" "والمنهل" وخلافهما من شعر ونثر، والكتابة اليومية في الصحف إذا كانت ناجحة ليست عملا سهلا كما يتصور البعض من الناس، لأنها تعتمد أولا على