← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جدة كلهم في تشييعه والصلاة على جثمانه، وكان أبرز ما رؤى في هذه الجنازة بكاء الفقراء وعويلهم على الفقيد الراحل ومزاحمتهم الأعيان والأثرياء في حمل جثمانه والصلاة عليه، تغمده الله برحمته الواسعة فلقد كان مثلا في البر بالفقراء والمساكين.

стр. 37

الشَّيْخ ضَياءُ الدِّيْن حَمْزَة رَجَب مستدير الوجه واسع العينين عظيم الأنف، حنطى اللون معتدل القامة أقرب إلى الامتلاء خفيف اللحية حليق الشارب والعارضين، يتخذ زيَّ العلماء السلفيين فيرتدى العباءة والغترة ولا يضع على رأسه عقالا وقد تمسك بهذا الزي طيلة حياته ﵀، ولد بالمدينة المنورة سنة ١٣٣٥ هـ وتلقى العلم على أيدى علماء المسجد النبوى الشريف ومن أبرز أساتذته الشيخ الطيب الأنصارى العالم السلفى المشهور والشيخ أبو بكر التمبكتى والشيخ عبد الكريم كردى والشيخ العايش وهو من علماء الأزهر المجاورين بالمدينة المنورة، كما أنه تأثر بخاله الشيخ عبد الحفيظ كردى شاعر المدينة المنورة ومن قضاتها المشهورين في العهد الهاشمى، وبعد إتمام دراسته اشتغل بالتدريس في مدارس المدينة المنورة كما عمل في تحرير جريدة المدينة المنورة أول ظهورها، ولم تطل إقامته بالمدينة المنورة فعين ١٣٥٧ هـ قاضيا بمدينة العلا شمال المدينة المنورة وانتقل إليها لبضع سنين وما لبث أن عاد إلى المدينة المنورة بعد أن ترك العلا ليعمل في المحاماة وضاقت المدينة بنشاطه في المحاماة فانتقل إلى مكة المكرمة في أواخر الخمسينات وعمل بها في المحاماة فترة من الزمن، ثم عين رئيسا لكتاب

стр. 38

مديرية الأوقاف العامة بمكة المكرمة ثم مستشارا قضائيا لأمانة العاصمة في عهد المرحوم الشيخ عبد الرؤوف الصبان ثم عضوا بمجلس الشورى في أوائل عهد الملك سعود وقد بقى يمارس عمله في مجلس الشورى إلى أن انتقل بأسرته إلى سوريا ثم إلى مصر وتكرر انقطاعه عن المجلس فترات طويلة فأحيل إلى التقاعد، وقد بقى في مصر عدة سنوات إلى أن حصل نجله حمزة ﵀ على البكالوريوس من جامعة القاهرة فعاد بأسرته إلى جدة وافتتح مكتبا للمحاماة نجح فيه نجاحا كبيرا وقد بقى يمارس هذا العمل إلى أن توفى فجأة بالرياض بتاريخ ٢٤ صفر ١٣٩٦ هـ ﵀ رحمة واسعة، كان الشيخ ضياء الدين رجب نمطًا فريدا من الناس وقد استطاع بما وهبه الله من سماحة نفس وهدوء طبع أن يجمع القلوب حوله فأحبه الناس والتفوا حوله فكانت داره كلما كان مكتبه يزدحم بالناس من كافة الطبقات وكانت له قدرة عجيبة على الاستماع إلى الناس ومشاركتهم فيما يهتمون به من شؤون أنفسهم وكانت هذه المشاركة تقتضى منه التوسط لدى المسؤولين في الإِدارات المختلفة، أو لدى القادرين من الناس ولم يكن عمله في المحاماة قائما على المادة وحدها وإنما كانت معظم أعماله تتصف بالصبغة الإنسانية أكثر مما تتصف بالعمل المادى المنظّم، وكان هذا الأمر يتجلى إذا كان أصحاب الحق من المستضعفين من الناس أو من النساء اللاتى فقدن الناصر والعين، ولم يكن يلجأ في مثل هذه الحالات إلى المقاضاة وإنما كان يتخذ طريق الإصلاح وسيلة لفض هذه المنازعات وقد اكتشفنا بعد وفاته ﵀ حوادث كان يمكنه أن يربح من ورائها الملايين ولكنه بدلا من أن يلجأ إلى التعاقد مع أصحاب - أو على الأصح - صاحبات القضايا دخل فيها بروح النجدة لامرأة استضعفها أهلها فحرموها حقوقا كثيرة فقام هو باستخلاصها لها بهذه الروح الطيبة التي تندفع بدافع المروءة والنجدة وتتناسى ما يجنيه أمثاله في هذه

стр. 39

المواقف من أموال طائلة تعتبر بالنسبة لمن يمارسون هذا العمل من الفرص القليلة النادرة، وكان الشيخ ضياء الدين ذا صلة وثيقة بالمرحوم الشيخ محمد سرور الصبان وعُرفت هذه الصلة بينهما خاصة خلال الفترة التي ولى فيها المرحوم الشيخ محمد سرور وزارة المالية، وخلال إقامته في مصر بعد خروجه من الوزارة فكان الشيخ ضياء الدين ينقل إليه حاجات الناس ومطالبهم وخاصة أولئك الذين يمنعهم الحياء من الطلب أو الذين يتحرجون في إيصال مطالبهم إليه وكان الشيخ محمد سرور ﵀ يستجيب لهذه الطالب بروح من السماحة والبذل ويدافع من ثقته الشخصية بالشيخ ضياء الدين وسعيه في الخير وكان الرجلان يكتمان من أمور الناس ما يجب كتمانه ويستران من العورات ما يجب ستره، وكان الشيخ ضياء الدين ﵀ كريما في جميع الحالات حتى في الأوقات التي كان يعانى فيها من ترك العمل أو خلو ذات اليد فإذا وصل إلى يده شئ سرعان ما أسعف به غيره من أصحاب الحاجات ولعل البعض من هؤلاء الناس كان أحسن منه حالا ولكنه يرحمه الله كان مفطورا على النجدة والعطاء على الإِقلال والإعسار، وحينما حسنت أحواله كان له الكثير من الإِحسان الخفى وكان ينفق على ذوى قرباه ويصلهم ويرعى شؤونهم. وكان أصدقاء الشيخ ضياء الدين من كافة الطبقات بدءًا بالعامة من الناس وانتهاء بالوزراء كما كان معروفا لدى الكثيرين من العلية والحكام وكان الجميع يحبونه وكان الكثيرون يعتمدون عليه في قضاء حوائجهم، وما أكثر هذه الحوائج وكنت أعجب له ﵀ كيف يستطيع احتمال كل هذه الأعباء إلى جانب عمله الشاق في المحاكم وفي مكتبه الذى يغص بأصحاب القضايا والحاجات حتى وقت متأخر من الليل، وكان هاتفه لا ينقطع من المكالمات التي تحمل في ثناياها هذه التكاليف العجيبة ولكنه كما ذكرت كان ذا قدرة عجيبة على إرضاء الناس وعلى

стр. 40

الإِصغاء إليهم، وتفهم حاجاتهم وكان ذا بصيرة بطباع أصدقائه والمتحدثين إليه فكانوا يتركونه وهم يشعرون بالراحة وحتى ولو لم تقض لهم حاجة أو يتحقق لهم مطلب فإن شعور المرء بأن هناك من يشاركه في همومه ومشاكله يخفف من أعبائه النفسية ويشعره بالراحة والاطمئنان، وهكذا فإن مشاركة الشيخ ضياء الدين ﵀ للناس في اهتماماتهم أكسبه محبة الناس وتقديرهم، وقد تجلّى هذا الحب في حياته حينما فقد ابنه الشاب المرحوم حمزة ضياء الدين رجب وهو في اكتمال فتوته وأوج شبابه فكانت مشاركة الناس للشيخ ضياء الدين في فجيعته بوحيده البكر، - كان المرحوم حمزة رجب هو الولد الوحيد وبقية ذرية الشيخ ضياء الدبن من الإِناث - مشاركة عظيمة تجلت في إقبال الناس عليه بالتعزية والمواساة، وتجلَّت فما كتبه الكثيرون من أصدقائه أو معارفه في رثاء ابنه ومواساته، كما تجلت هذه المشاركة بعد وفاة المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب ﵀ فقد لمسنا من مواساتهم مقدار ما كان يتمتع به في نفوس الناس من محبة وتقدير. وللشيخ ضياء الدين ﵀ إلى جانب أخلاقه الشخصية الكريمة نواحٍ أخرى فهو شاعر من أكبر شعراء المملكة وكاتب من أقدر الكتاب وكان ينشر إنتاجه الأدبى بجريدة المدينة المنورة في أول ظهورها فقد كان أحد كتابها البارزين، كما كان ينشر بين الفينة والفينة في جريدة صوت الحجاز والمنهل ما تجود به قريحته من شعر ونثر وفى السنوات الأخيرة من حياته واصل الكتابة للإذاعة السعودية فكانت له أحاديت يومية مذاعة، كما واصل الكتابة في جريدة البلاد وكانت له كلمة يومية تنشر بعنوان "قطوف" كما كان له مقال أسبوعى في هذه الصحيفة، هذا عدا ما تنشره المجلات الأخرى مثل "قافلة الزيت" "والمنهل" وخلافهما من شعر ونثر، والكتابة اليومية في الصحف إذا كانت ناجحة ليست عملا سهلا كما يتصور البعض من الناس، لأنها تعتمد أولا على

стр. 41

ذكاء الكاتب وسعة إطلاعه، وشمول إدراكه وحساسيته إزاء ما يصادفه في حياته اليومية مما يقرأ ويسمع ومما تضطرب به حياته وحياة من حوله من الناس، فإذا استطاع الكاتب أن يشدَّ القراء إلى عموده اليومى مهما كان قصيرا فهو كاتب أصيل ممتاز وأشهد أن قطوف الشيخ ضياء الدين ﵀ كانت تجذبنى إلى قراءتها صباح كل يوم ضمن القليل الذى أحرص على قراءته في مختلف الصحف مع ضيق وقتى عن القراءة بما يزدحم به يومى من أعمال، وإذا كان لى أن أقول كلمة صغيرة عن الشيخ ضياء الدين ﵀ كأديب فهو في رأيي كاتب مجيد وشاعر عظيم يذكرنى بالصفوة المختارة من الشعراء بأسلوبه العربى الأصيل، وعاطفته الدافقة الثَّرَّةَ وهو يمثل نمطا فريدا من الشعراء فكأنك تستمع إلى الفحول من شعراء العصر العباسى كالشريف الرضى ومهيار الديلمى أو كأنك تستمع إلى شوقى في ديباجته الناصعة ولعلى لا أفشى سرا إذا ذكرت هنا أن الشيخ ضياء الدين ﵀ كان يسره أن يستمع إلى من ينشد ما ينظمه من شر فكان يحضر إلى مكتبى إذا نشرت له قصيدة ويطلب منى إنشادها وأشعر بنفسه تهتز رضا وهو يستمع إلى هذا الإنشاد، ولعله كان يعجب بحرصى على فهم معانى القصيدة ومراميها، فقد كنت أناقشه دائما في كل ما ينشر له من شعر، وكثيرا ما كنا نعقد المقارنات بين القصائد التي تنشر لأعلام الشعراء في موضوع واحد وإنى لأذكر هنا أننا تدارسنا القصائد التي نظمت في رثاء المرحوم رياض الصلح زعيم لبنان الكبير وفى أمثال هذه المناسبات كنا نتدارس القصائد الموسمية التي تلقى في موسم الحج والتى يشترك فيها شعراء كثيرون من داخل المملكة وخارجها وكان الشيخ ضياء الدين ﵀ على صلة واسعة بشعراء عصره وأدبائهم فحين إقامته في الشام توثقت صلته بشعراء سوريا الكبار شفيق جبرى وسليمان الأحمد وغيرهم كما أنى اجتمعت في داره بدمشق بالأستاذ نصوح

стр. 42

بابيل صاحب جريدة الأيام الشهيرة في سوريا إذ ذاك وكان على صلة وثيقة بالسيدين أبو الخير الميداني والسيد محمد مكى الكتانى رحمهما الله وكليهما من علماء سوريا وزعمائها الدينيين وفى مصر اجتمعنا في منزله بالأستاذ الشاعر أحمد رامى الذى كان ممن توثقت صلة الشيخ ضياء الدين بهم ﵀، كما علمت أنه كانت له صلات كتيرة يرجالات العلم والأدب في كل من القطرين وفى مصر كنت أرى الشاعر المرحوم محمد مصطفى حمام والشاعر محمد جبر لدى الشيخ ضياء الدين في أوقات متقاربة وغير هؤلاء كثيرون ممن لا تحصيهم الذاكرة وحينما كان في مصر كان على صلة كبيرة بالأمير عبد الكريم الخطابى قائد ثورة المغرب الشهيرة ضد أسبانيا وفرنسا وحينما توفى رثاه بقصيدة عصماء نشرتها له مجلة "قافلة الزيت" في تلك الأيام أما صلة الشيخ ضياء الدبن ﵀ بشعراء وأدباء عصره فهى صلة الصداقة الكريمة والحب الخالص، كان يحب الجميع وكان الجميع يحبونه ويقدرونه وكان بما وهبه الله من خلق سمح ولسان عف لبعد عن النازعات التي تكدر علائق المودة بين الأدباء فلا يهاتر ولا يخاصم ووقف من هذه الخصومات الأدبية التي كانت تحدث بين أدباء عصره وشعرائهم موقف المحايد النائى بنفسه عن التورط فيما لا يليق بمقام العالم والأديب. نعم لقد كان الشيخ ضياء الدين قبل كل شئ وبعده لا ينسى أنه طالب علم، وأنه تقلد القضاء وهو عمل من أرفع الأعمال وتولى التدريس وهي مهنة شريفة كريمة، وقد كان مع من يحيط به من الشباب الذى يحبونه في مقام الأبوة الحانية يرشد ويعلم ويحنو ولكرم دون أن يشعر من حوله بشئ من الاعتزاز بعلمه أو الإِدلال بمكانته، بل أنه لشعر من حوله بأنه منهم وإليهم وبهذه الصفات الكريمة السمحة تبوأ مكانه في النفوس ورسخت محبته في القلوب ﵀ رحمة واسعة.

стр. 43

مُبَالغتهُ في تقدير سِنّه ومن طرائف الشيخ ضياء الدين ﵀ أنه كان يبالغ في تقدير عمره خلافا لما جرى عليه العرف بين الناس وقد رأيته مرة يذكر أنه في الثمانين من العمر وكانت المبالغة واضحة فقلت له ألم تذكر لى أنك توليت القضاء وأنت في العشرين من العمر قال نعم قلت فكيف بلغت الثمانين ولم يمض على هذا الأمر الأربعون عاما فضحك وقال إننى في الحقيقة لا أدرى قلت ولكنك تتعمد البالغة قال لقد رأيت الناس يحاولون إنقاص أعمارهم فأردت أن أخرج من النزاع في هذا الأمر بالزيادة بدل النقصان .. الشَّيْخ ضَياء الدِّين وَالنسَيان ومن طرائفه أيضا أنه كان كثير النسيان حتى عرف بذاك بين أصدقائه، وأنا شخصيا أعرف أنه كان يبالغ في التظاهر بكثرة النسيان فقد كان كما ذكرت في صدر هذه الترجمة مقصودا من الناس في أمور كثيرة ومن المؤكد أن وقته كان يضيق بالقيام بهذه الأمور بل ببعضها فكان النسيان والسرحان هو العذر الذى يلجأ إليه والذى يقبله الناس عملا بالحديث الشريف "رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولقد رأيته ﵀ يحفظ أرقام التليفونات ولا يكتبها في مذكرة وإنما يستمدها من ذاكرته العجيبة التي تحفظ ما تريد وتتناسى ما لا تريد، ولا شك أنه كان لا ينسى إطلاقا ما يهم من الأمر ولكن حادثة طريفة سمعتها منه تعتبر من أعاجيب السهو والنسيان. قال: وفد عليه من الطائف المرحوم محمد بصراوى - وكان يلقب بالبيك - وحصان مديرا لأوقاف الطائف وخرجا من إدارة الأوقاف بالمالية بمكة بعد انتهاء

стр. 44

ساعات العمل وذهبا إلى منزل الشيخ ضياء الدين في جرول لتناول الغداء وترك الشيخ ضياء الدين ضيفه في الدور الأول من المنزل ونسى أن يذكر لأهل الدار أن ضيفا سيتناول الغداء معه قال الشيخ ضياء الدين: وكنت متعبا فاستلقيت على السرير ونمت ولم أقم إلا وقد غشينا العصر فتغديت ونسيت الضيف الذى ينتظرنى في الدور الأول وقد أوشكت الشمس على المغيب وحينما هبطت إليه وجدته يكاد يبكي من الجوع وضاعت معه كل حيلى في الاعتذار بالسهو والسرحان وظل يشكونى إلى كل من يراه إلى أن توفاه الله. المحَامَاة في القرآن ومن الطرائف التي ذكرها لى الشيخ ضياء الدين ﵀، أنه كان يعمل بالمحاماة بعد أن صرف عن قضاء العلا، ويبدو أن بعض القضاة شكوه إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ واقتضى الأمر أن يقابل هو جلالة الملك عبد العزيز ويشرح له الموضوع قال، قال لى جلالة الملك ولكن المحاماة لا أصل لها في الشرع، قال فقلت لجلالته إن لها أصلا في القرآن قال هاته. قال: قلت. قال تعالى في سورة النساء "ولا تكن للخائنين خصيما"، أى مدافعا عنهم والمحاماة هي الدفاع عمن لا يستطيع الإِدلاء بحجته فقبل جلالته ذلك راضيا. ومما يذكر أن هذه الآية كانت مكتوبة بخط جميل في لوحة خشبية وكان الشيخ ضياء الدين يضعها في مكتبه الذى يمارس فيه عمل المحاماة بحيث يراها كل من يجلس إليه من أصحاب القضايا، وكأنه بهذا يوحي إليهم أنه لا يقبل من الفضايا الا ما كان أصحابها على حق وهو مبدأ لو تمسك به المتخاصمون لأراحوا واستراحوا.

стр. 45

ديوان الشّيخ ضِيَاء الدِّين هذا وقد جمع المرحوم الشيخ ضياء الدين قصائده في مجموعات كبيرة مجلدة ومنسوخة بالآلة الكاتبة وكثير من هذه القصائد لم ينشر في حياته وقد اتفقت أسرته مع نادي جدة الأدبي على نشر هذه القصائد في مجموعات متفرقة ولابد أن المجموعة الأولى ستنشر قريبًا بإذن الله وهي خدمة عظيمة للأدب السعودي يقدمها نادي جدة الأدبي مشكورًا فإن الشيخ ضياء الدين يعتبر مفخرة من مفاخر الشعر العربي في هذا العصر لا في المملكة العربية السعودية وحدها وإنما في الوطن العربي كله وهو بأسلوبه الناصع ومعانيه الثرة وعاطفته المتوهجة يمثل النسق الشعري الأصيل في صفائه وجودته ورقته. بعد كتابة ما تقدم يسرني أن أذكر أن المجموعة الكاملة لشعر الشيخ ضياء الدين رجب قد تم إعدادها للطبع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير الشاعر عبد الله الفيصل وأمل أن تكون قد ظهرت قبل طبع هذا الكتاب. تَمَسُّكه بالشِّعر العَمُودِي ولعل مما يحسن ذكره ونحن نتحدث عن شعر الشيخ ضياء الدين أنه كان من المتمسكين بالشعر العمودي المنظوم ولم يكن يمارس هذا الخلط الذي يسمونه الشعر المنثور بل ولا يستسيغه أو يعترف به كما هو شأن الكثرة من الشعراء المجيدين. فتى سلع كما أن الشيخ ضياء الدين كان ينشر شعره الغزلي بتوقيع مستعار هو - فتي سلع - ولقد كان يتبع هذه الطريقة منذ بداية نشره للقصائد الشعرية في الخمسينات وإلى أن توفاه الله وهو يهدف إلى الشيخوخة.

стр. 46

مُؤلَّفاتُه الأخرى هذا وقد كان الشيخ ضياء الدين ﵀ أخبرني أن له مؤلفا صغيرا بعنوان - وقفة في ديار ثمود - وقد ألفه حينا كان قاضيا بالعلا ولكني لم أجد مخطوط هذا الكتاب ضمن ما تركه من آثار أدبية، وإني لأرى أن أديبا كبيرًا كالشيخ ضياء الدين يستحق أن تتكفل كلية الآداب بإحدى جامعاتنا بجمع آثاره المنشورة بالصحف والمذاعة بالمذياع لاختيار ما يصلح منها للنشر توطئة لطبعه ونشره لتكون هذه المنشورات وسيلة كافية للدراسة الكاملة لأدبه وإنتاجه. وفَاتُه هذا وقد أدركت الوفاة المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب في الرياض في ليل الرابع عشر من شهر صفر ١٣٩٦ هـ وكان بدار ابنته "لميس" فشعر بضيق في التنفس وألم في الصدر وحينا نقل إلى المستشفى لإسعافه أسلم الروح وهو في الطريق إلى المستشفى ﵀ وكانت لوفاته رنة حزن عظيمة في جميع الأوساط وقد نقل بطائرة تابعة لوزارة الدفاع من الرياض في صباح يوم الخامس عشر من صفر ١٣٩٦ هـ إلى جدة حيث جهز ونقل إلى مكة المكرمة وصلى على جثمانه في المسجد الحرام ودفن بمقبرة المعلاه ﵀ رحمة واسعة فلقد كان رجلا خيرا وعالما نيرا وأديبا وشاعرا كبيرًا ..

стр. 47

أعلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 48

سليمان أمان قابل

стр. 49

سُليمان أمَان قَابل متوسط القامة ممتلئ الجسم شديد السمرة واسع العينين يضع على عينيه نظارة ذهبية كان يرتدي الجبة والعامة الحجازية ثم أصبح يرتدى العباءة والعقال المقصب في العهد السعودي. إن ما لفت نظري في تاريخ الشيخ سلمان قابل هي عصاميته الفذة فلقد بدأ حياته مع أخيه الشيخ عبد القادر قابل بداية بسيطة ولكنه استطاع بطموحه وعصاميته أن يتبوأ المناصب الكبيرة في العهد الهاشمي ثم في العهد السعودي وأن يستطيع محله التجاري افتتاح شارع من أهم شوارع مدينة جدة كما سيأتي ايضاحه فيما بعد. رَئيس المحكمة التجَاريّة عرفت الشيخ سلمان قابل وهو يتولى منصب رئيس المحكمة التجارية بمدينة جدة، وهي أول محكمة من نوعها تقام في العهد السعودي للفصل في الأمور التجارية التي لها طابع خاص وذلك لما تتميز به مدينة جدة من التخصص في أمور التجارة بأنواعها (١)، كما كان يمارس الأمور المتعلقة بالتجارة منذ العهد

стр. 50

الهاشمى فلقد كان يرأس الإدارة التي تمنح تراخيص الاستيراد في وقت من الأوقات وهو أمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الرجل قد استطاع الفوز بثقة الدولة في العهد الهاشمي والعهد السعودي على السواء وهو يدل كذلك على أن شخصيته العصامية وطموحه قد مهدا له السبيل للبروز بين أقرانه من الرجال ولعله من المناسب أن نذكر أن الشيخ سلمان قابل تولى رئاسة أول شركة للسيارات تأسست في مدينة جدة في أوائل العهد السعودي ولكن هذه الشركة لم تستمر فقد واجهتها مشاكل كثيرة انتهت بتصفيتها. شَارع قَابل على أن أهم إنجاز يتميز به الشيخ سليمان قابل في نظري هو افتتاحه لشارع قابل المعروف والمسمى باسم أسرته حتى اليوم وهو شارع من أهم شوارع مدينة جدة كما هو معلوم، وهذا الشارع قصة يحسن ذكرها فإن الملك الحُسين بن علي هو الذي قام ببناء الشارع في الثلاثينات في عهد ولايته عرش الحجاز وفي عهد ابنه الملك على بن الحُسين اشتراه آل قابل من الملك على مقابل بعض المال وبعض الأغذية التي كانت حكومته في أشد الحاجة إليها لتصرف للجند خلال الحرب السعودية الهاشمية، قالوا وكانت الصفقة في مصلحة المشتري أكثر منها في مصلحة البائع وليس هذا هو المهم في الأمر ولكن المهم أن الشيخ سليمان قابل استطاع بذهنيته المتفتحة أن يجعل من هذا الشارع أهم شارع في مدينة جدة في ذلك الزمان فلقد كان الشارع مكشوفا فتعاقد بيته التجاري مع شركة ألمانية على تسقيفه وتم تغطية الشارع بسقف من المعدن المضلع - التوتوه - يقوم على أعمدة حديدية ويرتفع ارتفاعا كبيرًا لأن على الشارع كان قد بنى عليه دور من المكاتب التجارية، ولقد شاهدت العمل في تغطية الشارع في الأربعينات في أوائل العهد

стр. 51

السعودي وهو يسير على قدم وساق حتى تمت التغطية على أحسن ما تكون في ذلك الزمان ولم يكتف آل قابل بهذا التجديد، ولكنهم استوردوا مكينة كهربائية ضخمة وأدخلوا النور الكهربائي والتهوية الكهربائية إلى كل دكان ومكتب في الشارع فتدافع أصحاب الدكاكين إلى الاستئجار في شارع قابل وأصبح الشارع مختصا بالقماشين ومن إليهم ممن تحتاج بضائعهم إلى مثل هذه التحسينات والتجديدات التي تميز بها شارع قابل، إن آل قابل قد أفادوا كثيرًا من التحسينات التي أدخلوها على شارعهم، ولكنهم في نفس الوقت قد أفادوا الناس، وقدموا للمدينة التي ينتمون إليها خدمة حضارية لا شك فيها، ولقد ذكرت فيما مضى من هذه التَّراجم أن الربح لا يغضن من قيمة العمل المفيد ولا ينقص من تقديره وأن الجانب الذي يعنينا منه هو مقدار ما يفيد منه الناس وما يدخل على الوطن من أسباب الحضارة والتيسير وفي رأيي أن هذا العمل إذا كان تجاريا فإن توفر عنصر الربح جوهري لبقائه ودوامه. مَوَائِد الإِفطار في رَمَضان وكان منزل آل قابل في مدينة جدة يتميز كذلك بإقامة موائد الإفطار في كل يوم من أيام رمضان من بداية الشهر إلى نهايته وكانت هذه الموائد تضم في كل يوم كبار موظفي دائرة حكومية مع بعض أعيان المدينة وتجارها وكانت هذه العادة الجميلة تتيح لآل قابل توثيق علاقاتهم بكبار موظفي مدينة جدة وهو نوع مما يسمى في الوقت الحاضر بالعلاقات العامة لم يكن معروفا في ذلك الزمان، على أي حال لقد كان منزل آل قابل مفتوحا مغرب كل يوم في رمضان وكانت موائدهم منصوبة لاستقبال الضيوف كما كان منزلهم في مساء كل يوم مفتوحا لأصدقائهم من أعيان المدينة وكنت أرى الحاج عبد الله على رضا قائممقام جدة وشقيقه

стр. 52

الحاج زينل على رضا ممن يحضرون إلى منزل آل قابل أصيل كل يوم حيث يصلون المغرب جماعة ويتسامرون ساعة من الليل ثم يعود كل منهم إلى داره على عادة كبار أهل جدة في ذلك الزمان. وكان منزل آل قابل من المنازل القليلة التي تضاء بالكهرباء في وقت لم تكن فيه الكهرباء معروفة إلا في منازل السفارات والشركات الأجنبية. وكان منزل آل قابل يقع في الحدود ما بين حارة الشام وحارة المظلوم ولا يزال هذا المنزل قائما ولكن أهله قد تركوه منذ سنوات طويلة بعد وفاة كبار رجال العائلة وأصبح المنزل خربا غير مسكون. أَهْلُ الحَارة وعَنعَناتهم وعلى ذكر منزل آل قابل الذي ذكرنا أنه يقع في الحدود ما بين حارة الشام والمظلوم نذكر هنا حادثة طريفة تتعلق بموضوع حارات جدة والعنعنات التي كان يتمسك بها رجال الحارة أو الحارات على الأصح وهي تدل على مدى العقلية التي كانت تتحكم في عقول بعض الناس في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري الذي ودعناه منذ بضعة شهور، كانت مدينة جدة تنقسم إلى أربع حارات هي: حارة الشام وكانت في شمال المدينة وفيها مقر الحكومة ومقر السفارات والشركات الأجنبية، مما يلي البحر والشمال وحارة المظلوم وهي تقع في شرق مدينة جدة وتمتد إلى وسطها، وحارة اليمن وهي في جنوب جدة وكان يتمركز فيها وكلاء الحجاج وينزل فيها الحجاج قبل بناء مدينة حجاج البحر وحارة البحر وهي ممتده إلى جوار البحر من الجنوب باتجاه الشرق ويسكن فيها البحارون وملاك الزوارق البحرية وما إليها وكل من تتعلق أعمالهم بالبحر يوم

стр. 53

أن كان للبحر رجاله وعماله من أهل المدينة قبل التطور العظيم الذي أدخل على ميناء جدة (١). نقول كان رجال كل حارة يعتبرون حارتهم معقلا لهم وينظرون إليها نظرة فيها كثير من العصبية إذا جاز هذا التعبير فلا يسمحون لرجال الحارات الأخرى بالدخول إليها في المواكب والحفلات إلا بعد ترتيب خاص يخبرون فيه أهل الحارة بقدومهم، وحدث أن أقام الشيخ محمد الطويل كبير جدة في ذلك الزمان عرسا لأحد أقربائه وكان الشيخ محمد الطويل من سكان حارة الشام وكان أهل العروس يسكنون في حارة اليمن وفي الهزيع الأخير من الليل قام موكب العريس من بيت الشيخ محمد الطويل بحارة الشام يحف به المنشدون المشهورون في ذلك الوقت وتتقدمه المصابيح الغازية الكبيرة - الأتاريك - يحملها الرجال، كما كان يمشي حملة مباخر العود بين يدي العريس وحينا وصل الموكب الذي كان يمشي فيه كثير من أعيان المدينة ورجالها وشبابها إلى حدود حارة اليمن وتقع هذه الحدود أمام مسجد المعمار عند بيت آل الجمجوم في ذلك الوقت تعرض بعض أهل حارة اليمن للموكب وطلبوا منه العودة من حيث أتي قائلين - هذه حارتنا ولن نسمح لكم بالدخول وأصر أهل حارة الشام على الدخول فكيف يعودون ومعهم هذا الموكب الضخم العظيم وفقد رجال الحارتين أعصابهم فتسابوا ثم استعملوا عصيهم يضربون بها بعضهم بعضا وانفرط عقد الموكب وتفرق الناس خائفين على أنفسهم من نتائج المعركة المجنونة التي نشبت فجأة دون إنذار والتي أوقد شعلتها شباب غير مسؤولين فقدوا أعصابهم في ساعة من ساعات الحمية الكاذبة ولم يستطع العقلاء التدخل وإيصال العريس إلى منزل عروسه إلا بعد مشقة وتعب ولكن كان الضرب قد حدث وكذلك الإصابات في الجانبين وتدخلت الشرطة وأخذت

стр. 54

الجميع إلى السجن وكان مساعد قائممقام جدة يومها المرحوم الشيخ عبد العزيز بن زيد وسمعته يقول: إن كانت هذه المعركة بسبب الحدود فإننا سنرسل المتقاتلين إلى الحدود الحقيقية لحمايتها أما هذه الحدود داخل المدينة الواحدة فهي حدود كاذبة مفتعلة ولقد كانت هذه الحادثة هي آخر ما أعرفه عن حوادث الحدود بين الحارات إذ كان تصرف الدولة الحازم كفيلا بالقضاء على هذه النعرات إلى غير رجعة والحمد لله. نعود بعد هذا الاستطراد الذي جرنا إليه موقع منزل آل قابل في مدينة جدة إلى الشيخ سلمان قابل فنقول إنه توفي إلى رحمة الله تعالى بعد مرض ألَمَّ به سافر من أجله للاستشفاء في مدينة القاهرة ثم عاد إلى مدينة جدة ولكن الأجل كان قد دنا فتوفي وكأنما كانت وفاته نذيرا بانطواء تاريخ الأسرة التي كان يجمع شملها ويرفع اسمها ﵀ رحمة واسعة فلقد كان رجلا عصاميا طموحا وقد استطاع أن يبرز بين رجال مدينة جدة بهذه العصامية وبهذا الطموح.

стр. 55

أعْلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 56

السيد صالح بن بكرى شطا

стр. 57

السَّيد صَالح بن بَكري شَطا طويل فارع، معتدل الجسم، أبيض اللون تشوب بياضه حمرة خفيفة، واسع العينين، أقنى الأنف، يضع على عينيه نظارة ذهبية، كان في العهد الهاشمي يرتدي الجبة والعمامة الحجازية، وقد أدركته في الخمسينات وهو يرتدي العباءة العربية والغترة البيضاء دون عقال وهو الزي الذي يتميز به علماء الدين والقضاة، ولا عجب في ذلك فالرجل من بيت علم ودين وقد ظل محتفظا بصفته هذه رغم المناصب الكبيرة التي أسندت إليه فهو من أولئك الرجال الذين تنفرد شخصياتهم بما وهبها الله من صفات فتضع بصماتها على ما يسند إليها من منصب أو عمل فلا يعرفها المنصب أو الجاه، ولا يبطرها الثراء أو الحسب لأنها تستمد قوتها من صفاتها الشخصية التي تفرض حبها على الناس في بساطة ويسر. ولد السيد صالح شطا عام ١٣٠٢ هـ بمكة المكرمة وتوفي والده وهو في الثامنة من العمر فكفله أخوه الأكبر السيد أحمد شطا المدرس بالمسجد الحرام، وحفظ القرآن الكريم في صباه وتلقى تعليمه على أيدي أعلام العُلماء من أسرته ومن علماء مكة المكرمة الذين تعقد حلقات دروسهم في رحاب المسجد الحرام

стр. 58

أمثال السادة: أحمد وعمر شطا والسيد عبد الله دحلان والسيد حسين الحبشي وغيرهم (١) وبعد أن أتم دراسته حصل على إجازة بالتدريس من هيئة العُلماء بمكة المكرمة فكان يلقى دروسه في رحاب المسجد الحرام بباب الزيارة. سمعت باسم السيد صالح شطا ﵀ أول مرة في أوائل الأربعينات حينا وفد بأسرته من مكة المكرمة إلى جدة خلال الحرب السعودية الهاشمية ونزل بدار الشيخ عبد الرحمن باجنيد - كانت هذه الدار في شارع قابل أمام مسجد المعمار وقد أزيلت وأدخلت مع البيوت التي حولها في الشارع الجديد المسمى شارع الذهب حاليا - أقول سمعت باسم صالح شطا لأول مرة حينها وفد بأسرته من مكة المكرمة ولكن لم يمض طويل وقت حتى شاع في مدينة جدة خبر التجائه إلى مخيم السلطان عبد العزيز آل سعود بالرغامة - خارج مدينة جدة ولهذا الالتجاء خلفية لابد من ذكرها وقد حدثني عنها السيد صالح شطا نفسه ﵀ قال: كنت أقاوم حكم الشريف الحُسين بن على لأنه كان ظالما بطاشا ولقد سجنت ومعي الشريف رضا "والد المرحوم الشريف محمد شرف رضا" في سجن الحُسين بمكة المكرمة لأن الحُسين كان يعرف عنا هذه المعارضة، قال وكنت أرسل المقالات إلى الجرائد المصرية "ولعله ذكر اسم مجلة المقتطف" أعدد فيها مظالم الحُسين بتوقيع مستعار، وكانت هذه المقالات تنشر ولا يعرف كاتبها إذ كانت الصحيفة تحتفظ باسم الكاتب سرا إذا رغب في ذلك، أقول أن هذه الخلفية للسيد صالح شطا ﵀ توضح اختراقه للأسلاك الشائكة التي تحيط بمدينة جدة في أيام الحصار والتجاءه إلى مخيم السلطان عبد العزيز فهو إنما فعل هذا مدفوعا بكراهيته للعهد القائم إذ ذاك وهذه الحادثة بالذات تظهر مدى قوة شخصية الرجل وشجاعته في اقتحام المخاطر، فلو أن محاولته للخروج من مدينة

стр. 59

جدة كشفت أو ألقي القبض عليه من قبل الجيش المدافع عن المدينة، لكان مصيره في مهب الريح، ولكان في موقف من أسوأ المواقف التي يتعرض لها من يقتحم هذه الأخطار بينها كانت أسرته الكبيرة مقيمة بمدينة جدة. هذا ما كنت قد كتبته عن هذه الحادثة المشار إليها ونشر في الحلقة الخاصة بالمرحوم السيد صالح شطا. وقد اتصل بي ابنه الأخ السيد محمود شطا عضو مجلس الشورى وأخبرني أن والده لم يلجأ إلى مخيم السلطان عبد العزيز وأنه إنما ذهب مع من ذهبوا من زعماء مكة وجدة لمقابلة السلطان عبد العزيز بالرغامة لإبداء آرائهم فيا تتعرض له مدينة جدة من المخاطر بما تضمه من الأهالي ورعايا الدول الأجنبية وأن الشريف الملك علي بن الحُسين لم يكن راضيا عن ذهابهم ولكنه لم يستطع منعهم وأنهم حينا عادوا سجنوا بالقشلة وأبعد منهم من أبعد عن البلاد وأن والده السيد صالح شطا كان من ضمن المسجونين بالقشلة مع المرحوم الأفندى محمد نصيف والشيخ سليمان عزايه. هذا وقد وجدت في كتاب ماضى الحجاز وحاضره للأستاذ حسين محمد نصيف ﵀ ما يدل على أن السيد صالح شطا كان أحد أعضاء الحزب الوطني الذي تأسس في مدينة جدة أيام الحرب الهاشمية السعودية وللتوفيق بين ما كنت كتبته عن التجاء السيد صالح شطا إلى مخيم السلطان عبد العزيز حسب المعلومات التي كانت متداولة في ذلك الوقت وبين ما ذكره لي ابنه السيد محمود شطا أقول إن السيد صالح ﵀ كان معروفا معارضته الشديدة للحكم الهاشمي ولابد أن البعض حينا علم بذهابه مع من ذهبوا لمقابلة السلطان عبد العزيز على كره من الملك على أنهم ظنوا أنه لجأ إلى مخيم السلطان عبد العزيز أو أن هذه الإشاعة أطلقت لتبرير سجنه مع زملائه الذين سجنوا وأبعدوا فيما بعد. ولعله من المناسب أن نذكر الآن طرفا من الحالة الاجتماعية التي كانت تسود

стр. 60

البلاد في هذه الفترة من الزمان في أوائل الأربعينات من هذا القرن الهجري الذي يوشك على الانتهاء. كانت الحياة الاجتماعية في الحجاز مبنية على الترابط والسياحة وكانت البيوت مفتوحة لاستقبال الضيوف ولم تكن هناك فنادق أو خانات ينزل فيها المسافرون بين مدينة وأخرى وإنما كانت هناك علاقات صهارة أو صداقة أو عمل تربط بين الناس فكان المسافر من مكة إلى جدة. أو من جدة إلى مكة ينزل في بيت قريب أو صديق وكانت أغلب المنازل بها أماكن مخصصة للضيافة وكانت ضيافة الرجال في الدور الأرضي من المنزل الذي كان يحتوي على دواوين ومقاعد بما يلزم لها من خدمات، أما النساء فكانت استضافتهن في الأدوار العليا مع نساء العائلة فإذا حضر الرجل بأهله دعي ليلا إلى الصعود إلى مجلس في هذه الأدوار يخصص لمبيته مع أهل بيته لا يختلط بنساء العائلة أو رجالها فإذا كان الصباح ترك هذا المجلس إلى الدور الأرضى حيث يجتمع الرجال جميعا لتناول الإفطار ثم طعام الغداء وتبقى هذه البيوت مفتوحة طيلة النهار وصدرا من الليل يقوم على خدمتها المكلفون بذلك من الرجال. لهذا فإنه حينا وقعت الحرب الهاشمية السعودية وهاجر الكثيرون من أهل مكة إلى مدينة جدة بعائلاتهم نزل كل هؤلاء المهاجرين تقريبًا في بيوت أهل جدة فالقريب نزل عند أقربائه أو أصهاره والصديق نزل في بيت صديقه، والذي لا قريب له أو صديقا نزل كذلك في بيوت عرف أصحابها بالكرم والنخوة، ولقد كان لكبير جدة في ذلك الوقت الشيخ محمد الطويل ﵀ دور عظيم في إسكان الوافدين من أهل مكة وإنزالهم في جدة بحكم منصبه العظيم وزعامته في مدينة جدة في ذلك الزمان. وتعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن السيد صالح شطا رحمه الله

стр. 61

فنقول كان من المؤكد بعدما ذكرنا عن معارضته الشديدة الحكم الشريف الملك الحُسين بن على ثم لابنه الملك علي مع ما للرجل من صفات شخصية ومركز عائلي مرموق أن يكون من أبرز رجال العهد السعودي في الحجاز بعد أن أصبح السلطان عبد العزيز ملكا على الحجاز عام ١٣٤٤ هـ - فكان عضوا بمجلس الشورى عن مكة المكرمة في بداية تأسيس المجلس عام ١٣٤٥ هـ ثم عهد إليه بإدارة المعارف العامة، ثم عين مساعدا للنائب العام لجلالة الملك في الحجاز - وكان النائب العام في ذلك العهد هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل - جلالة الملك فيصل فيما بعد - وهو منصب من أرفع المناصب الإدارية وقد استقر الأمر بالسيد صالح شطا بعد أن أصبح النائب الثاني لرئيس مجلس الشورى (النائب الأول للمجلس هو صاحب السمو الملكي الأمير فيصل) وكانت رئاسته للمجلس شرفية إذ أن سموه لم يكن يحضر إلا حفلات افتتاح المجلس الرسمية في كل عام وكانت الرئاسة العملية هي للنائب الثاني وهو المنصب الذي شغله المرحوم السيد صالح شطا سنوات طويلة وأداره بمنتهي الكفاءة والحزم. ولعله من المناسب أن نذكر هنا أن مجلس الشورى كان له تأثير كبير في شؤون الدولة وخاصة في النواحي القانونية والتنظيمية في الوقت الذي لم تكن الوزارات فيه قد تأسست ولم يكن هناك كذلك مجلس للوزراء فكانت جميع الأنظمة التي تفكر فيها الدولة تحال إلى المجلس لصياغتها أو دراستها وإقرارها، وأذكر أنني ذهبت إلى مجلس الشورى أكثر من مرة لمناقشة الأنظمة الاقتصادية التي وضعت لبعض الشركات العربية في ذلك الوقت كشركة التوفير والاقتصاد وغيرها منتدبا من مجلس إدارة هذه الشركات وكانت مواد هذه الأنظمة تناقش بدقة كما كان يحال إلى المجلس الكثير من القضايا الإدارية وغيرها لدراستها وإبداء الرأي فيها، وكان الرأي المجلس وزن كبير فيا يعرض عليه وخاصة في

стр. 62

عهد جلالة المغفور له الملك عبد العزيز ولم يكن السيد صالح ﵀ رئيسا عاديا ولكنه كان شخصية مؤثرة فالرجل طالب علم منذ نشأته وهو بحكم مركزه الاجتماعي من دعاة الإصلاح والتنظيم، فلم يكن يكتفي بإدارة جلسات المجلس وإنما كان يشارك في المناقشات ويؤثر فيها بشخصيته القوية الحازمة فكان بعمله هذا يضفي على مناقشات المجلس حيوية دافقة تجعلها ذات قوة وتأثير (ولعل أستاذنا الكبير الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي النائب الثاني لرئاسة المجلس حاليا يحدثنا عن المجلس وتاريخه بحكم خبرته العملية الطويلة وخاصة عن ذكرياته فيه بكل معجب وطريف مد الله في حياته وأسبغ عليه أثواب الصحة والعافية). إلغَاء الكوشَان حينما سمح الملك عبد العزيز بدخول السيارات إلى الحجاز لأول مرة فرضت الدولة رسما مقداره أربعة وثلاثون قرشا ذهبا "ما يساوي ثلث الجنيه" للسفر إلى مكة المكرمة، ورسما آخر لعله يكون جنيهين للسفر إلى المدينة المنورة - وكنت ذكرت قبلا أن واردات الدولة قبل ظهور الزيت كانت تتألف من الجمارك ومن هذا الرسم الذي كان يسمى الكوشان والذي كان مفروضا على الأهالي كما كان مفروضا على الحجاج - ولعل كلمة الكوشان من أصل تركي تؤدي هذا المعنى - نقول إن هذا الرسم أو هذه الضريبة فرضت مع السماح بدخول السيارات إلى المملكة واستعمالها فقد كانت ممنوعة في العهد الهاشمي كما أسلفنا إذ كانت سياسة الشريف الحُسين بن على تتلخص في أن إدخال السيارات إلى البلاد تستنزف ثرواتها فهو يعتبر أن الجمل هو الوسيلة المثلى للنقل من الناحية الاقتصادية لأن البادية وهي تكون سواد الشعب إنما تعيش على الجمل في حين أن السيارات تحتاج في وقودها وصيانتها وإدارتها إلى الخارج وهو أمر يستنزف ثروات البلاد بينَما أن

стр. 63

الجمل يحفظ ثروة الأمة داخل حدودها، ولهذا فلم يكن في العهد الهاشمي أي نوع من السيارات يسمح به باستثناء سيارة الملك نفسه، قالوا وكان في مكة المكرمة ثري كبير اسمه السيت جان كندواني وهو من أصل هندي وكان يرغب في استيراد سيارة له فاستأذن الشريف الحسين في ذلك فلم يجب عليه بشيء فظن أن سكوت الشريف معناه الموافقة فاستورد السيارة وحينما وصلت السيارة إلى مكة وأراد استعمالها تعرض له الصبية والسفهاء فقذفوها بالحجارة وأتلفوا بعض أجزائها ولما لم يجد من يعترض على هذا الأذى أدرك أن الشريف لم يوافق على استيراد السيارات ولن يوافق عليها وهكذا كان ونعود الآن إلى موضوع الكوشان فنذكر أن هذه الضريبة كانت مفروضة على السفر إلى كل من مكة والمدينة المنورة فلما تم توحيد المملكة كان بقاء هذه الضريبة رغم أهميتها للدولة لاختصاصها بالمدينتين المقدستين غير مستساغ، قالوا وكان أول من طالب بإلغائها في المدينة المنورة هو المرحوم الشيخ سعود دشيشة نائب المدينة المنورة في مجلس الشورى حيث خاطب الملك عبد العزيز بما معناه إنك يا طويل العمر قد وحدت هذه المملكة وآخيت بين الرعية فلماذا يدفع أهل المدينة ضريبة كلما أرادوا أن يعودوا إلى مدينتهم حينما يخرجون منها فرفع جلالته الضريبة عن أهل المدينة المنورة وفي الحال تقدم السيد صالح شطا إلى جلالته قائلا إن نائب المدينة طلب إعفاء أهلها من الضريبة وأنا أتقدم باسم أهالى مكة المكرمة لطلب إعفائهم منها وقد استجاب جلالة الملك عبد العزيز لطلبه فألغيت هذه الضريبة أو ألغى رسم الكوشان عن الأهالي وبقي مفروضا على الحجاج إلى أن تم إلغاؤه في عام ١٣٧٠ هـ، وهكذا أثبت السيد صالح شطا ﵀ أنه كان رجل مكة المكرمة ونائبها بحق فلقد كان الرجل رغم مناصبه العظيمة يعيش مع الناس يتحسس آلامهم ويتفهم مشاكلهم وكانت داره مفتوحة لاستقبال الناس طيلة النهار وصدرا من الليل يفد إليها الوافدون لا

стр. 64

يصدهم عن لقائه حجاب وإنما يجدون صدرا رحبا ووجها كريما باشا وبساطة محببة. لعمرك ليس الجود أن تطعم القرى … ولكنما وجه الكريم جواد الطَائف وعَاِصمة الدَّولة في الصَّيْف ومما يدخل في هذا الباب عن تحسسات السيد صالح شطا ﵀ نذكر أن الدولة كانت تنتقل إلى الطائف صيف كل عام بكامل أجهزتها طيلة عهد الملك عبد العزيز ﵀ وأوائل عهد الملك سعود وكانت عاصمة الدولة الرسمية في مكة المكرمة فإذا حل الصيف انتقلت الدولة بكامل إدارتها إلى الطائف وكان أهل مكة المكرمة كما هو معلوم ترتبط مصالح الكثيرين منهم بأعمال الحج، وشؤون الحجاج، فإذا ما اقترب موسم الحج رغبوا في العودة إلى مكة المكرمة لمباشرة أعمال الحجاج وكان الكثيرون منهم إلى جانب ارتباطهم بأعمال الحج والحجاج موظفين في الدولة ولا يستطيعون العودة إلى مكة إلا إذا أذنت الدولة بذلك، وكان الجميع مرتبطين بصاحب السمو الملكي الأمير فيصل النائب العام الجلالة الملك في الحجاز جلالة الملك فيصل فيما بعد وكان الإذن بالعودة يتأخر في كثير من الأوقات عن الوقت الذي يرغب فيه الموظفون وخاصة إذا تأخر الصيف واقترب الموسم وبدأت طلائع الحجاج في القدوم فمنهم من يرغب في استئجار البيوت اللازمة لحجاجه ومنهم من يرغب في تأجير منزله على الحجاج، والكثيرون منهم يرتبطون بعمل الحج بشكل من الأشكال وكان الشخص الوحيد الذي يتصدى لهذا الأمر هو المرحوم السيد صالح شطا فيتحدث إلى سمو النائب العام

стр. 65

في الأمر ويستصدر الإذن بعودة الدوائر الرسمية إلى مكة المكرمة بينما يبقى هو شخصيا بالطائف إلى حين عودة سمو الأمير نفسه إليها. إِمَامَة المسْجِد الحَرَام قالوا وكان السيد صالح شطا يؤدي صلاة المغرب يوما في المسجد الحرام فتأخر الإمام المرحوم الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وكان يسكن بالصفا بجوار المسجد قبل إدخال هذه البيوت في التوسعة الأولى في المسجد الحرام، ورأى السيد صالح أن تأخر الإمام قد زاد عن الحد الطبيعي فلم يكن منه إلا أن تقدم إلى المحراب وأشار إلى المؤذن بإقامة الصلاة وصلى بالناس وكان الشيخ عبد الظاهر قد حضر بعد إقامة الصلاة فتقدم من السيد صالح شاكرا وداعيا له بالخير. هذه الحوادث البسيطة وأمثالها تدل على مدى شعور الرجل بالمسؤولية إزاء الناس سواء في أمور دينهم أو دنياهم وهي تحسسات قد يشعر بها الكثيرون ولكنهم لا يملكون الشجاعة للتعبير عنها بالأسلوب العملي الذي يحل المشكلات ويرفع الضيق عن الصدور. تَشجيعُ الكَفَاءات ولقد لمست كما لمس غيري في السيد صالح ﵀ تشجيعه للكفاءات وخاصة للشبان الذين لم تعرف أسماؤهم أو تظهر مواهبهم وأذكر لذلك حادثة أو حادثتين وقعت معي شخصيا وأبدأ بالحادثة الثانية فلقد فوجئت يوما في أوائل عهدي بالعمل التجاري أن دعيت لحضور إجتماع رسمى للبحث في أمور العملة في الطائف وكان هذا في منتصف الستينات وذهبت إلى الطائف لحضور الاجتماع

стр. 66

وكنت في عجب من دعوتي إليه بينا أنني تاجر حديث وهناك من هم أكبر سنا وأعظم خبرة وأكثر تجربة من أصحاب الأسماء الكبيرة والتقيت في الطائف بالصديق الأستاذ محمد عمر توفيق - معالي وزير المواصلات فيها بعد - وكان يعمل بديوان سمو النائب العام ولم أكتمه عجبي من اختياري لحضور الاجتماع فقال لي أن السيد صالح شطا كان يتابع ما تكتبه من مقالات اقتصادية في صوت الحجاز وهو الذي رشحك لدى سمو النائب العام لحضور هذا الاجتماع أما الحادثة الأولى فاذكر أنني كتبت مرة بحثا عن النقد في جريدة صوت الحجاز ونشر في حلقتين أو أكثر أوضحت فيه رأيي فيما يجب أن يكون عليه النقد والصفات التي يجب أن يتحلى بها الناقد من علم تام بما ينقد، ومن حيدة لا تؤثر فيها العواطف والأهواء وقلت فيما قلته إن الناقد هو قاض عادل يزن الأمور ميزان دقيق فيؤدى أمانة النقد كاملة فيذكر ما له كما يذكر ما عليه وكنت يومها أصيف بالطائف ولم أشعر إلا والمرحوم السيد عبد الحميد الخطيب عضو مجلس الشورى والسفير السعودي في باكستان فيما بعد، يزورني ويذكر لى ثناء السيد صالح ﵀ وإعجابه بما قرأ وحديثه عن ذلك في المجلس وحينما أعود الآن بذكرياتي عن هذا الأمر بعد ما مر بي من تجاريب الحياة يتمثل لي السيد صالح شطا وأمثاله من عظماء الرجال رجالا كبارا، فلقد كان الرجل في ذروة مجده رئيسا لمجلس الشورى وزعيما من زعماء مكة المكرمة بل من أكبر زعمائها وكنت أنا شابا في بداية الطريق أعمل سكرتيرا لمعالي الشيخ محمد سرور وكان الفارق بيني وبينه كبيرًا في كل شيء ولكن هذه الفوارق على سعتها لم تمنع الرجل من التحدث بما استحسنه حتى وصل به الأمر إلى الأخذ بيدى إلى الظهور بينا أنني رأيت بعد ذلك من الناس الأعاجيب في غمط حقوق الغير وطمس آثارهم وإظهار الحسنات بمظهر السيئات وهذه هي الصفة الغالبة على الناس بكل أسف لم ينج منها إلا كبار النفوس والعقول.

стр. 67

وهذا الذي فعله السيد صالح ﵀ معي من المؤكد أنه فعل أمثاله مع الكثيرين غيري ولعل من يقرأ هذه الحلقات يستطيع أن يضيف إلى ما أكتبه وما كتبته عن هؤلاء الأعلام الكثير من الأخبار والحوادث التي تجلو شخصياتهم وتبرز مآثرهم فما أحق هذا التاريخ أن يدون وأن يعرفه أبناؤنا وأحفادنا ليكون لهم قدوة تحتذى ومنارا به يهتدي. محَاضَرات جمعيَّة الإِسعَاف كانت جمعية الإسعاف بمكة المكرمة تنظم محاضرات أسبوعية لتثقيف الجمهور وكانت تستدعي كبار العُلماء والأدباء لإلقاء محاضراتهم فيما بعد صلاة العشاء من إحدى ليالي الأسبوع وكان الإعلان عن هذه المحاضرات يتم بالنشر عن ذلك في جريدة صوت الحجاز وفي لوحة ترفع أمام مبنى الجمعية الذي كان أمام الحميدية في أجياد - وقد هدم هذا المبنى فيما بعد مع المباني الكثيرة وأدخل ضمن التوسعة الأولى للمسجد الحرام وكان الناس يقبلون على سماع هذه المحاضرات بأعداد كبيرة مما يجعل الصالة المخصصة لذلك تضيق بالحاضرين وكان من أبرز المحاضرين في جمعية الإسعاف السيد محمد شطا - مد الله في حياته - وكانت محاضراته عن قصص القرآن وكان مبدعا في إلقائه وتعبيره كما أن مبنى الجمعية شهد محاضرات دينيه كثيرة من فضيلة الشيخ بن حميد وسعادة الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي وكان موضوع محاضرته ما نحن أحوج إليه، واذكر أن أطول محاضرة ألقيت في الجمعية هي محاضرة المرحوم الأستاذ حمزة شحاتة لأنها كانت عبارة عن مؤلف صغير استغرق عدة ساعات نقول وكان السيد صالح شطا من أبرز المحاضرين في جمعية الاسعاف وكان الناس يحرصون ألا تفوتهم محاضراته لما عرف عنه من صراحة وإخلاص وقد تم جمع القسم الأول من هذه المحاضرات وطبعت في كتاب صدر منه جزء واحد باسم محاضرات الإسعاف.

стр. 68

وَفَاة السَيّد صالح شَطا وكان موضوع محاضرته الأخيرة "الإسلام والدعوة القومية" وفي الليلة التي تحدد فيها إلقاء المحاضرة قبيل المغرب رن جرس التلفون في مكتب الشيخ محمد سرور ورفع السماعة ثم وجم وجوما شديدا ثم قال الدوام لله فسألته ما الأمر قال: لقد ذهب السيد صالح إلى رحمة الله وساد المجلس وجوم وأسى فلم تكن الفجيعة في فرد من الناس وإنما كانت في رجل عظيم كبير. ولم يكن خبر الوفاة قد أعلن فحضر الناس إلى جمعية الإسعاف للاستماع إلى السيد صالح شطا وهو يحاضر عن الدعوة القومية في نظر الإسلام فأعلنت الجمعية للحاضرين وفاة السيد صالح شطا ثم ألقيت المحاضرة نيابة عنه وكان رأي السيد صالح ﵀ كما هو متوقع أن الإسلام لا يعترف بالقومية فالمسلمون إخوة كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى وهكذا كان مسك الختام للسيد صالح شطا ﵀ دعوة بالقلم واللسان إلى الخير والإصلاح. رحم الله السيد صالح شطا رحمة الأبرار فلقد كان من عظماء الرجال.

стр. 69

أعلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 70

الشيخ عباس يوسف قطان

стр. 71

الشَّيخ عَباس يوسُف قَطان متوسط القامة، ممتلئ الجسم قمحي اللون واسع العينين يضع على عينيه نظارة طبية له لحية خفيفة كان يرتدي العباءة والعقال المقصب في العهد الهاشمي ثم أصبح يرتدى العباءة والعقال العادي في العهد السعودي. ولد الشيخ عباس قطان بمكة المكرمة سنة ١٣١٣ هـ وتلقى تعليمه الابتدائي في الكُتَّاب. والكتاب عبارة عن مدرسة صغيرة يتلقى فيها الأولاد مبادئ القراءة والكتابة على يد أحد المشايخ وبعد فترة قصيرة انتقل إلى المدرسة الصولتية وهي من أوائل المدارس الخيرية الخاصة التي أنشئت بمكة المكرمة في أوائل القرن الهجري الرابع عشر من قبل بعض أثرياء الهنود المسلمين. وكانوا يتولون الإنفاق عليها وهي لا تزال قائمة حتى الآن وهي تقوم على تعليم العلوم الدينية وكان لها دور بارز في هذا المجال وخاصة قبل انتشار المدارس الحكومية في العهد السعودي، وكان الشيخ يوسف قطان وهو من أثرياء مكة وأعيانها المعروفين قد عنى عناية خاصة بتعليم ابنه البكر الشيخ عباس قطان فكان يحضر له بعض المشايخ في الدار لتجويد القرآن الكريم ولتلقي بعض دروس الفقه واللغة كما كان يرسله لحضور حلقات الدرس في المسجد الحرام بين العشاءين فكان يحضر حلقات الدروس التي يعقدها علماء مكة المكرمة في ذلك الزمان أصحاب الفضيلة الشيخ

стр. 72

عباس مالكي والشيخ سعيد يماني والسيد المرزوقي والشيخ عمر باجنيد والشيخ عمر حمدان وجميعهم من أعلام العُلماء في مكة المكرمة في النصف الأول من القرن الرابع عشر ﵏ وهكذا تزود الشيخ عباس قطان من العلم بقدر ما كان يسمح به الزمن الذي نشأ فيه. وقد نشأ الشيخ عباس قطان في ظل والده الشيخ يوسف قطان الذي كان من أكبر أعيان مكة المكرمة وأثريائها وكان وزيرا للنافعة - وزارة النافعة هي وزارة الأشغال العامة - في عهد الملك الشريف الحسين بن على كما كان على صلة تامة بأمراء مكة قبل ذلك ولقد قيل لي أنه هو الذي أشرف على بناء قصر شبرا في الطائف للشريف على باشا أمير مكة الأسبق في العهد العثماني، كما أنه كان من المقربين لجلالة المرحوم الملك عبد العزيز بعد فتح الحجاز وقد زاره جلالته في داره حينما مرض فهو إذا من أولئك الرجال الذين تظهر شخصياتهم في مختلف العهود، نقول أن الشيخ عباس قطان نشأ في ظل والده الذي أسلفنا ذكره وكان هذا الوالد عظيم الثراء فلم يهيئ ابنه للوظائف الحكومية ولعله كان منشغلا بأعمال والده ولكنه على أي حال أصبح عضوا في المجلس البلدي بمكة المكرمة في أوائل العهد السعودي وفي عام ١٣٤٧ هـ عينه جلالة الملك عبد العزيز أمينا للعاصمة - وكانت مكة المكرمة هي عاصمة الدولة منذ أوائل العهد السعودي واستمرت كذلك طيلة عهد الملك عبد العزيز وفي عهد الملك سعود ثم نقل العاصمة إلى الرياض وأصبحت مكة المكرمة هي العاصمة المقدسة فيقال الآن عن رئيس بلدية مكة المكرمة أمين العاصمة المقدسة للتفريق بينها وبين العاصمة الرياض وقد استمر الشيخ عباس قطان أمينا للعاصمة بمكة المكرمة من عام ١٣٤٧ هـ إلى نهاية عام ١٣٤٦ هـ وبعدها عين عضوا في مجلس الشورى إلا أنه طلب من جلالة الملك عبد العزيز إعفاءه من هذا العمل حيث كان راغبا في التفرغ للأعمال الخيرية التي كان ينوي القيام بها.

стр. 73

ولقد كان الشيخ عباس قطان موضع ثقة جلالة الملك عبد العزيز فكان يكلفه بمهام الأمور في عهد رئاسته لأمانة العاصمة فحينا انتهت إمارة الأمير عبد العزيز بن إبراهيم على المدينة المنورة كلف جلالته الشيخ عباس قطان بالسفر إلى المدينة المنورة وتصريف شؤونها إلى حين تولى الأمير عبد الله السديري إمارة المدينة المنورة، كما كان يعهد إليه بالعمل في بعض الأمور التي تطرأ والتي يرغب جلالته اتخاذ إجراء معين فيها، وكانت دار الشيخ عباس قطان في مكة المكرمة وفي الطائف أيام الصيف مفتوحة للناس تغص بروادها من أهل العلم والفضل ومن الضيوف الذين كانت تنصب لهم الموائد صباح مساء وكانت هذه الدار تستقبل الضيوف من كبار الحجاج في موسم الحج، من كل عام وحينما قدم الدكتور محمد حسين هيكل باشا الكاتب المصري المعروف ورئيس مجلس الشيوخ المصري إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج نزل بدار الشيخ عباس قطان بمكة المكرمة بالشامية وفي هذه الرحلة رغب التعرف على آثار مكة ومعالمها فطلب من الشيخ عباس قطان أن يختار له مرافقا ملما بهذه الآثار فاختار له المرحوم الشيخ عبد الحميد حديدي العضو بأمانة العاصمة ومن أبرز رجالات مكة العارفين بتاريخها وآثارها وقد صحب الشيخ عبد الحميد ﵀ الدكتور محمد حسين هيكل إلى زيارة آثار مكة المكرمة ومن أبرزها غار حراء وقد كتب الدكتور هيكل عن ذلك بالتفصيل في كتابه المشهور في منزل الوحي الذي ألفه بعد كتابه "حياة محمد" ﷺ وما أذكره عن رحلة الدكتور هيكل هذه إلى مكة المكرمة أنه كان أحد الخطباء في الحفل الذي كان يقيمه شباب مكة وأدباؤها في كل عام في منى في أيام التشريق ولم يكن قد أعد نفسه للخطابة ولكنه استجاب للطلب وألقى خطابا جيدا في ذلك الحفل نشرته جريدة صوت الحجاز فيما بعد وأشرف على تصحيحه الشاعر والكاتب الكبير الأستاذ محمد حسن فقي بطلب من الدكتور هيكل نفسه كما علمت منه في ذلك الزمان.

стр. 74

مَوْلِد النَّبيّ ﷺ - ولد النبي ﷺ بمحلة شعب على المعروفة بمكة المكرمة والتي تسمى في الوقت الحاضر سوق الليل وكان الشيخ عباس قطان يتمنى أن يقيم في هذا المكان مكتبة عامة واتفق مع أصهاره آل الكردي أن يشتري منهم مكتبة المرحوم الشيخ ماجد كردي الشهيرة بالمكتبة الماجدية وهي من أثمن المكتبات الخاصة وينقل محتوياتها إلى هذه الدار صيانة للموضع الذي ولد فيه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه من أن يبقى معرضا للإهمال وتكريما له بإقامة عمل نافع للناس فيه، وكانت العقبات التي واجهها الشيخ عباس قطان التحقيق هذه الأمنية الكبيرة كثيرة ولكنه استمر في محاولاته تلك دون كلل أو ملل فاستطاع بعد سنوات طويلة من الصبر وتصيد الفرص المناسبة أن يحظى بموافقة جلالة المغفور له الملك عبد العزيز للسماح له بإقامة المبنى الذي يريد وما أن حصل على الإذن من جلالته بإقامة المبنى حتى سارع باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك عام ١٣٧٠ هـ وكان يشرف على البناء بنفسه في كل يوم راغبا في سرعة إنجازه وتحقيق الأمنية التي كان ينشدها برؤية المكتبة العامة مشيدة في موضع مولد النبي ﷺ وفي يوم من أيام شهر رجب ١٣٧٠ هـ ذهب كعادته لرؤية العمارة مصطحبا بعض أصدقائه ولكنه شعر بألم مفاجيء وهو واقف في الموقع فقد فاجأته نوبة قلبية حادة فأمسك به الحاضرون من أبنائه وأصدقائه واستدعى له أحد الأطباء ثم نقل إلى بيته وفي اليوم التالى فارق الحياة فكانت هذه العمارة التي تمنى أن ينشئها هي الخانة السعيدة لحياته ولقد قام أبناؤه من بعده بإكمال العمل الطيب الذي بدأه والدهم العظيم كما نقلوا إليها المكتبة الماجدية وسلمت إلى وزارة الحج والأوقاف وهي مفتوحة للجميع.

стр. 75

[صورة] موضع مولد النبي ﷺ -
следующие страницы →