ولنقف الآن وقفة أطول عند خاطرة من خواطر الأستاذ أحمد أمين الممتعة, ومن الطريف أنه نشرها بعنوان: "من غير عنوان"١.
يبدأ الكاتب خاطرته بالحديث عن أكلة أكلها فساء هضمها في معدته، فانقبضت نفسه نتيجة لذلك، وتغير مزاجه، وفارقه المرح، وسئم كل شيء حوله، وبرم بمخالطة الناس كما برم بالعزلة عنهم، وكره السكوت كما كره الكلام. وعلى الجملة فقد اسودّ كل شيء في عينيه، فصار يرى العالم متجهمًا، "ثقيل الروح، فاسد المنطق"، يستوي فيه السعيد والشقي، والفقير والغني، والذكي والغبي، فقد سوى بينهم القبر. أما نظام هذا العالم فقد لاح له أنه فوضى، وأما الحياة فكلها فساد، وأما العيش فهذيان وتعلل بالأباطيل، وأما الدنيا فتلعب بالناس لعب الكرة. "وكل شيء في العالم مفترس؛ أسد يفترس ذئبًا، وذئب يفترس حَمَلًا، وإنسان يفترس كل شيء حتى نفسه". ثم زاد تلبّك معدته فزادت نقمته على الحياة. وفي خلال ذلك كانت أقوال قديمة للشعراء تتقاطر في ذهنه، مؤكدة كل المعاني السلبية البشعة التي رآها في العالم وفي الحياة وفي الناس.
ثم تناول -كما يقول- دواءً هاضمًا فتغير مزاجه وتغيرت نظرته من النقيض إلى النقيض، فأخذ يهش للحياة، وينظر إلى العالم بوجه منطلق، فإذا العالم يتألق في عينيه جمالًا، ورقة، وعذوبة، وإذا كل شيء حوله يتهلل بالبشر، وإذا الدنيا "قيثارة يوقع عليها شجى الألحان ... ". وكما تقاطرت الأشعار القديمة على ذهنه في الحالة الأولى، تقاطرت أشعار قديمة أخرى في ذهنه، مؤكدة في هذه المرة كل الجوانب الإيجابية المحببة في الحياة.
وهنا يقف الكاتب ليتأمل ما حدث في الحالين فيهوله الأمر، ويقول: "رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يغير وجه العالم، ويحيل السواد بياضًا، والشقاء سعادة، والقبح جمالًا، والظلام نورًا، والحزن سرورًا، فأين الحق؟ ".
ومن الواضح أن الكاتب هنا لم يناقش موضوعًا بعينه، ولم يصدر في كتابته عن فكرة محددة ومختمرة في ذهنه، ولم يرد أن يقرر في نفس القارئ وجهة نظر خاصة، فالأمر كله لم يخرج عن ملاحظة حالته المعنوية عندما ساء هضمه وتلبكت معدته، وحالته عندما زال هذا السوء وهذا التلبك. والغريب أن يتم هذا التحول من النقيض إلى النقيض نتيجة لتناوله جرعة دواء هاضم، ولكن الأغرب منه أن نجد الشعراء يتحدثون بلسانه في الحالين، فإذا هم -بما قالوا- يدعمون ذلك التناقش. ومن هنا ينهي الكاتب
стр. 177
كلامه بهذا السؤال الكبير: أين الحق؟ وهو يلقي هذا السؤال على القارئ في اللحظة التي يقرر فيها أن يصمت وكأنه يدعو القارئ إلى التأمل في قضية الحياة وموقف الإنسان منها، وكيف أن هذا الموقف قد يتأثر إلى أبعد حد بالحالة التي تكون عليها معدة الإنسان، أليس هذا الأمر مدعاة للسخرية؟!
وعلى هذا النحو تصبح الخاطرة المكتوبة -على الرغم من صغر حجمها- عملًا مثيرًا للذهن وممتعًا في الوقت نفسه، فيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحدة الشعور بالأشياء.
هذه هي ترجمة الحياة والمقال والخاطرة، رأينا ضرورة عرض أصولها بعد أن عرضنا نظريات الأدب والنقد والشعر والقصة والمسرحية.
وبذلك نكون قد وقفنا على أبرز فنون الأدب بأنواعها المختلفة، ونرجو -بعد- أن نكون قد حققنا الغاية التي من أجلها ألف هذا الكتاب.
стр. 178
المراجع
...
стр. 179
الفهرس
٤ إهداء
٥ مقدمة الطبعة الثامنة
٦ افتتاح
الباب الأول: نظرية الأدب والنقد الأدبي
الفصل الأول: نظرية الأدب
٩ ١- تعريف الأدب
٩ معنى كلمة "أدب"
١٠ فن الكلمة
١١ المزاولة النفسية للعمل الأدبي
١٢ المتعة والمنفعة في العمل الأدبي
١٣ الحياة مادة الأدب
١٤ عناصر العمل الأدبي
١٥ صفات الأدب المرضي
١٦ مشكلة الموضوعات الأدبية
١٧ شخصية العلم الأدبي
٢٠ إمكانيات اللغة
٢١ ٢- مشكلة الأسلوب
٢٤ ٣- العلاقة بين الأدب والمجتمع
стр. 180
٢٧ ٤- مناهج دراسة الأدب
٢٩ المذاهب الأدبية:
٢٩ الكلاسيكية، الرومانتيكية، الواقعية، الرمزية، السيريالية، الدادية، الوجودية، اللامعقول
الفصل الثاني: نظرية النقد
٣٩ معنى النقد
٣٩ أهمية النقد
٤٠ طبيعة النقد
٤٣ قواعد النقد
٤٤ مراحل العملية النقدية
٤٩ الأساس النقدي للأدب القديم والحديث
٥٢ النقد التفسيري للأدب
٦٠ النقد الحكمي
الباب الثاني: الفنون الأدبية
٦٩ تمهيد: الأنواع الأدبية
الفصل الأول: الشعر
٧٥ قدم فن الشعر
٧٥ محاولة تعريفه
٧٦ طبيعة الشعر
٧٩ الانفعال والفكرة
стр. 181
٨٠ الصور القديمة وخصائصها
٨٢ الصور في الشعر الحديث ودورها
٨٤ الشعر الذاتي والشعر الموضوعي وأنواعهما
٩٠ -قصائد لشوقي وحافظ والعقاد "دراسة تطبيقية"
٩٨ -قصيدة لصلاح عبد الصبور "دراسة تطبيقية"
الفصل الثاني: الفن القصصي
١٠١ الفن القصصي
١٠١ مادة العمل القصصي
١٠٢ عملية الاختيار
١٠٣ عناصر العمل القصصي
١٠٤ ١- الحادثة
١٠٤ ٢- السرد
١٠٥ ٣- البناء
١٠٧ ٤- الشخصية
١٠٨ ٥- الزمان والمكان
١٠٩ ٦- الفكرة
١١١ القصة القصيرة
١١٦ قصة "أنا الشعب" "دراسة تطبيقية"
الفصل الثالث: الفن المسرحي
١٣١ الحوار، الصراع، الحركة
١٣٤ علاقة المسرحية بالمسرح
стр. 182
١٣٥ المسرحية الفلسفية
١٣٦ لغة المسرح بين الشعر والنثر
١٣٧ الإطار المسرحي
١٣٨ الأنواع المسرحية
١٤١ مسرحية "غروب الأندلس" "دراسة تطبيقية"
الفصل الرابع: أنواع أدبية أخرى
١٥١ ١- ترجمة الحياة
١٦٢ ٢- المقالة
١٦٨ ٣- الخاطرة
١٧١ المراجع