أن يترجم لنفسه لغة الأبطال، ولكن المسرح لا يتيح للمشاهدة فرصة التأمل، بل هو يتلقى كلام الأبطال مباشرة من أفواههم، فكل تنافر بين مظهر الأبطال على المسرح واللغة التي ينطقونها يحدث في الحال شعورًا باختلال الصورة الفنية في الذهن؛ لذلك كانت الروايات المسرحية التي تمثل أشخاصًا أجانب في المكان، أو الروايات التاريخية أو الأسطورية التي تمثل أشخاصًا أجانب في الزمان، لا بأس في جعل لغتها فصحى أو شعرية لا علاقة لها بالواقع الذي يعيشه المشاهد. أما إذا شعر المشاهد أن الأشخاص يتفقون معه في الزمان والمكان فلا بد حتمًا عندئذ من أن يتكلموا اللغة التي تفرضها عليهم حياتهم الحقيقية الواقعية في الزمان والمكان"١.
هذه العناصر الثلاثة "الحوار، الصراع، الحركة" هي العناصر الجوهرية التي تميز فن المسرحية عن غيره من الفنون الأدبية. ومن الواضح أن المسرحية تشترك مع القصة في أنها تستغلّ عناصر القصة من حادثة وشخصية وفكرة. والواقع أن كل مسرحية تشتمل على قصة, إنها قصة غير مسرودة ولكنها ممثلة كما تحدث في الواقع. و"وحدة الموضوع" التي يتحدث عنها النقاد ليست تعني عند أرسطو -أول من نادى بها في المسرحية- سوى وحدة القصة unity of action التي تصورها المسرحية.
стр. 142
الإطار المسرحي:
ولكن برغم هذا الاشتراك فإن المسرحية تختلف عن القصة في استخدامها هذه العناصر؛ ذلك أن الإطار المسرحي الخاص يفرض على المؤلف المسرحي طريقة خاصة لبناء الحادثة وتكوينها. ويكفي أن نذكر هنا أن كاتب القصة يستطيع أحيانًا أن يستطرد، وقد يستهلك فصلا بكامله في هذا الاستطراد، دون أن يؤثر هذا على الحادثة الأساسية، بل قد يكون مفيدًا لها. أما المسرحية فهي "لا تسمح بالأشياء الجانبية التي ربما أبعدت ذهن المتفرج عن الحادثة الرئيسية. إن هناك مكانًا يسمح به للوقائع ذات الأهمية الثانوية بجانب تطور المواقف الدرامية أو فيه، ولكنها يجب دائمًا أن تشارك في حركة القصة، سواء بأن تزيد من التعريف بشخصية من الشخصيات، أو بأن تبعث دوافع جديدة للقرارات التي ستتخذها الشخصيات"١.
وما يقال عن الحوادث الجانبية يقال عن الشخصيات الجانبية من حيث ضرورة ارتباطها بالحادثة الأساسية، وضرورة دورها في بناء هذه الحادثة.
إن الإطار المسرحي إطار ضيق، وهو كذلك إطار محكم؛ ولذلك تصعب الكتابة المسرحية حتى إننا لنجد بجانب كل مائة كاتب قصة كاتبًا مسرحيًّا واحدًا. والحق أن
стр. 143
الكتابة المسرحية تحتاج إلى نضوج فني خاص يتحقق في مرحلة مزاولة الكتابة القصصية.
وفي القصة يرسم الكاتب شخصياته بأن يصفها من الناحية الشكلية aspect physique كما يصفها من ناحيتها الأخلاقية aspect morale وهذا يساعد على تمثيل الشخصية وفهمها. أما في المسرحية فالشخصية أمامنا، ولا سبيل إلى رسمها عند الكاتب سوى أن يحركها وأن ينطقها، على أن تصدر عنها كل حركة وكل كلمة في كل موقف من المواقف بحيث تأتلف في رسم الشخصية مع غيرها من الحركات والكلمات, وأنا أسمي ذلك "وحدة الشخصية". وهذا لا يمنع نمو الشخصية مع نمو المسرحية، تمامًا كما يحدث في القصة. فالصعوبة في رسم الشخصية المسرحية تأتي من أن الكاتب مضطرّ لأن يحرك الشخصية أمامنا، وأن يخلق لها مجالات تتصرف فيها تصرفات خاصة، وأن يجري على لسانها الحديث في مناسبات معينة حتى نتعرفها، على أن يكون كل ذلك داخلًا في صميم المسرحية ذاتها. ولا تنس أن طريقة المؤلف المسرحي في رسم الشخصية هكذا تكون -حين تنجح- أكثر تأثيرًا من طريقة كاتب القصة، كما أنها تربط بيننا وبين الشخصية برباط قوي.
أما الفكرة فإنها لازمة لكل مسرحية، في الوقت الذي لا تلزم فيه الفكرة في القصة إلا في القصة الدرامية. ومنذ اللحظة الأولى ظهرت المسرحية لتصور موقف الإنسان والطبيعة من الخير والشر. وقد تصور الصراع بين الإنسان والطبيعة، كما قد ترتبط بمشكلات الحياة اليومية, ومن هنا أمكن الحديث عن مسرحيات فكرية وأخرى اجتماعية. والمسرحية قد تستغل التاريخ كما تستغل الأسطورة، وقد تستقل عنهما. أما المسرحية الاجتماعية فهي قد تستغلهما أحيانًا لتلقي من خلالهما الأضواء على مشكلات الحياة الراهنة، أخذًا بفكرة أن التاريخ يعيد نفسه.
стр. 144
الأنواع المسرحية:
والمسرحية تنقسم إلى: "كوميديا" و"تراجيديا" أو "ملهاة" و"مأساة". وقد كانت الملهاة تتميز بتناولها الشخصيات غير المهمة، واهتمامها بشئون الحياة العامة، وعلى العكس من ذلك المأساة، فهي تتناول الشخصيات العظيمة. بدأت بالآلهة عند الإغريق، ثم بأبطال من البشر هم في الحقيقة أنصاف آلهة، ثم صار الإنسان هو البطل، وبخاصة في عصر النهضة، حين كان يظن أن الإنسان مركز العالم ولكنه ظل الإنسان الممتاز، كشخصيات الملوك والأمراء. حتى إذا ما تزعزعت تلك العقيدة ذهبت معها فكرة البطولة، ولم تعد البطولة تستخدم إلا لتدل على الشخصية الرئيسية في المسرحية، كما تتناول الموضوعات العالمية البالغة الأهمية. أما في العصور الحديثة فيقوم التفريق بين الملهاة والمأساة على أساس من فكرة "النهاية السعيدة" ففي الملهاة تتحقق النهاية السعيدة، أما النهاية المميزة للمأساة فهي هزيمة البطل أو موته في العادة.
стр. 145
وحينما كانت المأساة ترتبط بالشخصيات ذات المكانة العالية أو الأهمية, ظهر نوع خاص أطلق عليه اسم "المأساة البرجوازية" أو مأساة الحياة العامة.
وينبغي أن نذكر أن المأساة بمعناها الصحيح إنما تتمثل عند كتاب الإغريق بالذات مثل "سوفوكليس"١، حيث يصور صراع الإنسان في اختياره بين المقادير والدافع الأخلاقي، بعكس "يوربيد"٢ الذي كان متشائمًا يرى الحقيقة في جوهرها في الشر، ولا يرى قيمة للصراع، ولم يتحقق المعنى التراجيدي فيما بعد، وإن ظهرت مسرحيات كثيرة تصطنع الجدية والخطورة. وبعض النقاد يؤكدون أن المأساة لم تعد ممكنة؛ لأنها تتطلب إيمانًا بالإنسان ومستوًى مسلمًا به من القيم، كلاهما قد هدمه العلم. ومع ذلك فهم يرون أن المأساة تحتاج إلى شاعر عظيم, وربما ظهر.
أما الملهاة فيمكن تقسيمها بسهولة إلى ثلاثة أنواع: ملهاة الأخلاق comedy of manners، والملهاة الرومانتيكية، والفارص farce. والأولى من شأنها أن تحمل على الأوضاع المألوفة في الحياة المعاصرة، كمسرحيات "برناردشو"٣. وكما أن هذا النوع قريب من القصة فكذلك الملهاة الرومانتيكية قريبة من الرواية، فهي تتناول جوانب من التجربة لا يألفها الناس كثيرًا وتعالجها معالجة أقرب إلى العطف عليها منها إلى أن تحمل عليها. وعند شكسبير يتمثل هذا النوع، وهو غير مزدهر في العصور الحديثة. أما الفارص فهي تقوم على الحركة المسلية، وفيها تهمل إثارة الحبكة ورسم الشخصية إهمالًا صريحًا. "ينظر إلى الفارص أحيانًا على أنها ملهاة منحطة، وأن الملهاة التي تقوم على رسم الشخصية هي الملهاة الراقية".
وبجانب هذه الأنواع الرئيسية هناك أنواع مختلفة مختلطة أو غير محددة يجب أن تلاحظ. فهناك الملهاة الباكية "Tragi-Comedy" وهي مزيج من المأساة والملهاة، وهي نوع مسرحي ازدهر خلال السنين الأولى من القرن السابع عشر. وهي في أوج ازدهارها قد انقسمت إلى نوعين عامين: أما النوع الأول فقد كانت فيه القصة جادة، وهي تتحرك نحو نهاية مأساوية، حتى إذا كان المشهد أو المشهدان الأخيران من المسرحية إذا بالحوادث تنتهي إلى نهاية سعيدة أو كوميدية. أما النوع الثاني فيتمثل في المسرحية التي يمتزج
стр. 146
العنصران التراجيدي والكوميدي خلالها، فالحادثة الرئيسية جادة ولها إمكانات مأساوية برغم أنها تنتهي نهاية سعيدة, وكذلك تتضمن أشد المشاهد جدية عناصر كوميدية تتعارض أحيانًا تعارضًا حادًّا مع النغمة الحزينة الرئيسية. وينبغي الانتباه إلى أن العناصر الكوميدية في "الملهاة الباكية" أجزاء أساسية من المسرحية، فهي تختلف عن المواقف الكوميدية التي تستخدم أحيانًا في المأساة للتخفيف من وقعها حتى لا يضجر المتفرج، وكذلك لتقوي أثر العواطف المأساوية عن طريق التقابل.
ومن الأنواع المسرحية كذلك "الميلودراما Melodrama" وهي في الأصل تعني المسرحية الموسيقية music-drama، وهو لفظ يستخدم استخدامًا غير محدد إلى حد ما؛ ليدل على ما يمكن أن يسمى بالفارص الجادة، وهي مسرحية تعتمد على الوقائع أكثر من اعتمادها على الشخصية، وتميل لا إلى المعنى الكوميدي بل إلى العواطف الحادة.
وهناك أيضًا نوع يسمى "الماسك masque"، وهو ليس مسرحية ولكنه شيء يشبهها. إنه نوع من الاحتفال الذي قد يحدث في الهواء الطلق. وقد ازدهر في إنجلترا في خلال القرن السادس عشر وبداية السابع عشر، وهو يرتبط بصفة خاصة بحفلات "عيد الميلاد". وهو يجمع بين الحديث العاطفي والحوار والملابس والمناظر والموسيقى والرقص، ولكن بحيث يربط بينها جميعًا قصة بسيطة في طبيعتها، ورمزية في مدلولها، وقد كانت هذه الحفلات تقام في بلاط الملوك، ويقوم بالأدوار فيها النبلاء ورجال البلاط أنفسهم، وحين ازدهر هذا النوع اجتذب إليه أحسن الكفايات في الموسيقى والمسرح والزخرفة، ولكن هذه الحفلات كانت تتكلف نفقات باهظة. وقد انتهى كل ذلك بمجيء الطهريين١ Puritans. وأشهر كتاب هذا النوع هو "بن جونسون٢ Ben Jonson"، وأشهر"ماسك" هي التي ألفها "ملتن" بعنوان Camus.
هذه هي الأنواع المسرحية المختلفة, وقد ظهرت عندنا منها المسرحية الشعرية التي تصور مأساة تاريخية، كمسرحيات شوقي وتلميذه عزيز أباظة، كما ظهرت المسرحية الفكرية التي يتناول فيها الكاتب الصراع والمشكلات الإنسانية الكبرى، كمسرحيات توفيق الحكيم الأسطورية، وكذلك ظهرت المسرحية الاجتماعية التي تتناول مشكلات وقتية، وتقدم صورة للمجتمع، ونظرًا لأن هذا النوع تنشره الصحف أحيانًا فقد كانت المسرحية ذات الفصل الواحد One-act Play هي أصلح إطار لهذا الغرض.
стр. 147
مسرحية "غروب الأندلس" دراسة تطبيقية:
وفيما يلي دراسة ونقد لمسرحية تمثل النوع الأول. أما المسرحية فهي "غروب الأندلس"، وأما المؤلف فهو الشاعر عزيز أباظة, وتمثل له في هذا الموسم بدار الأوبرا مسرحية كتبها أخيرًا عن "شهريار"١.
ومسرحية "غروب الأندلس" مسرحية تاريخية تستمد حوادثها ووقائعها من التاريخ, وكذلك كانت شخصياتها هي الشخصيات التي ارتبطت بهذه الفترة التاريخية، وهي كما نعلم الفترة التي انتهى فيها حكم العرب لإسبانيا بعد أن كان حكمًا عريضًا وملكًا واسعًا، وانقسم العرب في إسبانيا إلى طوائف واستقلت كل طائفة بجهة من الجهات، وأقامت لها فيها إمارة، وأخذ الأمراء يتنافسون ويحاربون بعضهم بعضًا فأضعفت الفرقة من شوكتهم، وأتاحت الفرصة للإسبان أن يقووا وأن يحملوا على ملك العرب ليعيدوه مرة أخرى إلى حوزتهم, ويردوا هؤلاء الغزاة. والمسرحية تصور لنا انهيار الحكم في غرناطة، وهي أكبر إمارة في ذلك العهد. وقد حاول الكاتب أن يجعل مسرحيته صورة لحياة الأمم في الفترة التي يؤذن الحكم فيها بالانهيار، وهي الفترة التي يستبد فيها الحاكم وينصرف إلى ملاهيه وملذاته، ويترك القيادة إلى الضعفاء أو النساء يصرفن الأمور كيف شئن، هذا فضلا عن إهمال هؤلاء الحكام العابثين حقوق الشعب, والعمل على رفاهيته وقوته. وهناك عوامل كثيرة في الواقع تتدخل في انهيار الأمم وتكون سببًا مباشرًا لما يجتاحها من ثورات، أو تنتهي إليها حياتها من انحلال واضمحلال. وقد كانت مصر في ذلك الوقت الذي كتب فيه المؤلف مسرحيته تعاني كثيرًا من الأزمات التي مصدرها عبث الحاكم واختلاف آراء الناس وتفرقهم شيعًا وأحزابًا، إلى غير ذلك من العوامل التي كانت سببًا في انتكاس الحياة المصرية في ذلك العهد، وقد لمس الكاتب شبهًا بين ظروف الحياة في مصر في ذلك العهد وبين تلك الأحداث المريرة التي مرت بها إمارة غرناطة في تلك الفترة التاريخية التي صورها لنا، ومعنى ذلك أن المسرحية لم تأخذ على عاتقها مجرد السرد التاريخي لواقعة أو وقائع لها طرافتها، ولكنها -إلى جانب ذلك- كانت تحمل مضمونًا اجتماعيًّا هو ذلك الذي تمثل في تصوير مساوئ الحياة في مصر ومفاسدها في الوقت الذي كتبت فيه المسرحية، وهو من وراء ذلك يوجه الإنذار ويلفت الأنظار إلى أن تلك الحياة كانت كفيلة -وإن صبرنا عليها- بأن تنتهي بنا إلى ما انتهت إليه الحياة في غرناطة في ذلك العهد.
ويحس قارئ المسرحية بصفة خاصة أن المؤلف كان يلحّ إلحاحًا شديدًا على إبراز جوانب الحياة الفاسدة في المجتمع المصري، بل يحس أنه إنما كان يتحدث في كل لحظة
стр. 148
عن مظهر من مظاهر الحياة المصرية ذاتها، ولكن في القرن العشرين؛ ولذلك يكاد الإنسان ينسى أن هذه المسرحية تمثل لنا آخر عهد العرب بإسبانيا، ويخيل إليه أنها تصور لنا أحداثًا مصرية وشخصيات مصرية، وهذا في حد ذاته -بغض النظر عن الناحية الفنية- يمكن أن يكون مقبولا إذا أخذنا بأن مهمة الكاتب هي أن يلمس مشكلات المجتمع الذي يعيش فيه، وأن يصورها للناس بحيث يحملهم على تمثلها، ويثير فيهم الرغبة في إيجاد الحل أو الحلول لها، فهي من الناحية الاجتماعية إذن تؤدي هذه المهمة، وهي أن تجعل القارئ يحس بمشكلات الحياة في مصر في ذلك العهد. ولكن تحقيق هذا من خلال مسرحية تاريخية أمر من الصعوبة بمكان، يورط الكاتب في مزالق كبيرة من الناحية الفنية إذا لم يكن من المهارة الفنية على قدر كبير.
ومن أمثلة تصويره لواقع الحياة المصرية قوله:
الملك يلهو والحوادث حوله ... متظاهرات والخطوب سراع
والقصر تفهق بالخنا قاعاته ... ويبيت يروى إثمها ويذاع
والحكم فوضى، لبه وقوامه ... ذمم تسام رخيصة فتباع
والشعب مكدود القوى متحفز ... إن الضعيف يصول حين يراع
أو قوله:
يا دولة هوم أحراسها ... فاستشرت النيران في غابها
مخمورة يعبث سواسها ... والغاصب العادي على بابها
وكذلك:
قد رشوتم -أقولها- وارتشيتم ... واستباح المحارم الحكام
واتجرتم بالعدل فالأمر فوضى ... فحدود تطوى وأخرى تقام
.....إلخ.
وصور أخرى كثيرة من صميم الحياة المصرية آنذاك.
ووصف الدكتور طه حسين للمسرحية في مقدمتها بأنها مصرية أندلسية، أو أنها مصرية الموضوع، مصرية الأحداث، مصرية التصوير والأداء، يعد نقدًا قاسيًا أكثر مما هو إطراء. وأول ما يدل عليه أن القصة في المسرحية كانت مفككة ولم تأخذ الشكل المسرحي المطلوب, فهي لم تأخذ من التاريخ سوى الأسماء والأشكال، وما عدا ذلك فهو
стр. 149
مصري معاصر. ولعله ذكر مصر والمصريين وما وقع لهم في هذه الأيام الأخيرة أكثر مما ذكر غرناطة وأهلها وما جرى عليهم من الأحداث.
وكان من الممكن أن تؤدي المسرحية مهمتها الاجتماعية إذا اتبع فيها الكاتب طريقة أخرى، هي أن يقتصر على الحادثة التاريخية يصورها لنا في الإطار المسرحي تصويرًا فنيًّا، ويضع في خلال هذا التصوير العناصر المسرحية التي تثير في القارئ شعورًا نفسيًّا موازيًا، فإذا به في كل موقف من المواقف يقف أمام التاريخ لينظر إلى واقع، ويستنتج، ويحس إحساسًا عميقًا بهذا الواقع، ولكن بطريقة غير مباشرة، وكأنه ينبع من وجدانه الخاص، وعندئذ كان المؤلف يظل مرتبطًا في كل لحظة بالتاريخ وبما تم في الفترة التي يصورها، تاركًا القارئ يرسم -موازيًا له- خطا آخر للحياة الواقعة التي يحياها. وإذا كانت مهمة العمل الفني أن يجعلنا نحس بحياتنا إحساسًا أعمق، ونلمس مشكلاتنا عن قرب، فإن المسرحية في هذه الحالة -برغم أنها تصور لنا فترة تاريخية قديمة- تكون قد نجحت في أن تؤدي هذه المهمة الحيوية أداء فنيا. ولكن عزيز أباظة لم يترك للقارئ لحظة واحدة ينظر فيها إلى التاريخ الذي يصوره لنا ليستنبط ويستخرج المضمونات، فكان في كل مناسبة يستنبط للقارئ ويضع أمامه النتائج؛ بل أكثر من هذا فقد كان يعقب على هذه النتائج ويستخلص منها الحكمة، وأوضح مثال على ذلك نهاية كثير من المشاهد ونهايات الفصول، فأكثر هذه النهايات يكون عادة حكمة تلخص لنا الموقف أو تلخص لنا الفصل.
في نهاية الفصل الأول نقرأ -قبل إسدال الستار مباشرة:
من لم يدعم بالأسنة ملكه ... والحزم، بات مفزعًا لم يسلم
وفي نهاية الفصل الثاني -أيضًا- قبل إسدال الستار مباشرة:
الله إن أخذ القرى بفسوقها ... عصف الخلاف بها فكان قضاء
كذلك في نهاية الفصل الرابع:
واضيعة الإسلام إن لم تقهروا ... أهواءكم، واضيعة الإسلام!
وفي كثير من نهايات المشاهد.
стр. 150
ومعنى هذا أن المؤلف كان يقوم بدور المؤلف والقارئ في وقت واحد؛ لأنه لم يترك للقارئ فرصة واحدة يستنبط فيها ما يهدف إليه الكاتب، ويتذوق ويستمتع بالمسرحية.
وهذه النزعة إلى الحكمة أثر من آثار النزعة الخطابية التي تميز بها الشعر العربي منذ القدم، وكما نعرف ليس المسرح ميدانًا للخطابة ولكنه مكان تبرز فيه الحياة طبيعية عادية, ولكن عزيز أباظة الذي أتقن كتابة الشعر على النسق القديم، والذي يعد تلميذًا لشوقي في كتابة المسرح، كان من الطبيعي عنده أن تظهر في مسرحياته تلك النزعة الخطابية.
وتقوم المسرحية في أساسها -كما سبق أن عرفنا- على الصراع، فإذا نظرنا -على هذا الأساس- إلى مسرحية "غروب الأندلس" نبحث فيها عن ذلك العنصر الجوهري وجدنا أن المسرحية تمثل لنا نوعًا من الصراع الحسي بين مجموعتين من الناس. وهو صراع حول الحصول على الحكم، فكلتا الطائفتين تسعى جاهدة لتثبيت أقدامها في الحكم، وتدبر -في سبيل ذلك- المؤامرات التي تنال بها من الطائفة الأخرى. فلدينا عائشة وابنها موسى وابن سراج ومن معهم يتخذون جانبًا واحدًا هو تثبيت الحكم لعبد الله بن أبي الحسن, ووراء ذلك نزعة عصبية تدعوهم إلى أن يتخذوا هذا الموقف محافظة منهم على ملك العرب. وفي الجانب الآخر نجد الثريا وابنها الأمير يحيى ومن والاهما من الإسبان يسعون إلى تقويض هذا الحكم، ويتخذون لذلك الوسائل، وربما كان من أهم هذه الوسائل التي صورها لنا المؤلف عملية التزاوج بين العرب والإسبان، فتزاوج العرب من الإسبان أتاح الفرصة لخروج أجيال تكاد لا تخلص للعرب، وربما كانت ميولها أقرب إلى الإسبان. كل هذا جعل عناصر هذا الملك العربي لا تحتفظ بصفاتها وأصالتها، بل تدخل فيها تلك العناصر الأجنبية التي ستعمل فيما بعد لتثبيط الهمم أو لمساعدة الإسبان. هناك إذن هذا الصراع الحسي الذي نلمسه بين هاتين الطائفتين، وهو لا يسمو إلى أن يكون صراعًا حول فكرة، وكذلك لا يصل إلى أن يكون صراعًا نفسيًّا يتجاذب شخصية أو مجموعة من الأشخاص, ووصفه بأنه صراع حسي يقصد به إلى بيان أن العمل المسرحي هنا لم يكن في أدق مظاهره، فلم يكن صراعًا حول مذهب فكري مثلا، ولم يقم ليصور لنا مشكلة إنسانية -كما هو الشأن في المسرح- ولكن كانت مشكلة هذه المسرحية -كما قلنا- مشكلة الحصول على الحكم. وهي مشكلة لا تتضمن أي موقف فكري إنساني يهتم به كل إنسان في كل زمان ومكان, ومن هنا نلمس مدى تحقق هذا العنصر المسرحي الجوهري -وهو عنصر الصراع- في هذه المسرحية. فقد كان تحققه على هذا النحو البعيد عن مشكلات القارئ
стр. 151
النفسية والمشكلات العامة الإنسانية؛ ولذلك فإننا نقرأ المسرحية أو نشاهدها دون أن تنشأ بيننا وبينها علاقة بالمعنى الدقيق، قد يلفتنا فيها اتصالها بتلك الفترة التاريخية التي لها في نفوس العرب -بصفة عامة- أصداء حزينة، وقد تثير فيها لونًا من الذكريات الإسبانية، ولكن هذا كله شيء واتصالنا بصميم المسرحية شيء آخر. فليس في المسرحية مشكلة فكرية تتصل بنا، وليس فيها مشكلة نفسية تهم كل فرد منا، ولكنها -كما رأينا- تقوم على ذلك الصراع الحسي بين أناس يسعون إلى الحكم، وهم في سعيهم إليه يتخذون كل وسيلة، بالخداع أحيانًا والتهديد أحيانًا، والتضحية إذا لزم الأمر، وما شاكل ذلك من الوسيلة العنيفة أو اللينة التي يلجأ إليها كل من وجد في مثل هذا الموقف، موقف الساعي في سبيل الحصول على الحكم. فإذا وقفنا بعيدًا عن هذه المسرحية، بمشكلاتنا وبمشاعرنا وبكياننا بما نحن أفراد في هذه الإنسانية، ولم نحس بارتباط حيوي بيننا وبينها، فإن ذلك مرجعه إلى أن المسرحية قامت على ذلك الصراع الحسي البعيد عن كل فرد منا، ومن ثم كانت فرصة الاستمتاع بهذه المسرحية من هذه الوجهة فرصة ضئيلة جدا, إذا لم نقل: إنها معدومة. قد تروعنا أشياء أخرى في هذه المسرحية نعجب بها عند قراءتها أو عند مشاهدتها، ولكن هذه الأشياء بعيدة عن صميم العمل المسرحي. ستعجبنا -بلا شك- تلك الأناقة الواضحة في اللغة الشعرية، وهذه الصنعة الدقيقة التي في الشعر، سيعجبنا هذا من ناحية مستقلة كل الاستقلال عن المسرحية، فنقول: إن هذه "القطعة من الشعر" التي جاءت على لسان فلان من الشخصيات قطعة رائعة، فيها صناعة شكلية دقيقة ممتازة, ولكن إعجابنا بهذا شيء آخر لا دخل له بالمسرحية. بعبارة أخرى مجملة نقول: إن إعجابنا "بشعر" هذه المسرحية لا يعني بالضرورة أننا نعجب بالمسرحية ذاتها, وقد يختلف الكثيرون في إعجابهم بهذه الناحية أيضًا، فالصنعة في العمل الشعري شيء ممقوت، وقد زاد المؤلف على هذه الصنعة نوعًا من التكلف, فهو لا تواتيه الفرصة لأن يستخدم صورًا بديعية ولا يستخدمها. ومن أمثلة ذلك:
تصدت له رومية فانطوى لها ... "وأسلم حتى كاد أن ينتصرا"
وقوله:
فلتجمعي ولنمض إما حجة ... "لجني المنى أو حجة لمنون"
بل أكثر من هذا أنه يمضي في البحث وراء الألفاظ الغريبة، فهو لا يستخدم كلمة "الموج" ويمضي يبحث عن كلمة غريبة تؤدي المعنى, فيجد أمامه كلمة "الدفاع", ويجد كلمة "فرصة" سائرة على الألسن فيجتنبها ويبحث عن كلمة غريبة -نوعًا ما- فيجد
стр. 152
كلمة "نهزة"، فيستخدمها. وهذا الاحتفال بالصنعة الشعرية قد لا يرضى عنه الكثيرون، وعند هؤلاء ستفقد المسرحية كل ما فيها، ستفقد جوهرها المسرحي، وستفقد أهمية الشعر فيها.
والظاهرة الأساسية الأخرى للعمل المسرحي هي -كما عرفنا أيضًا- الحوار. فالمسرحية قطعة من الحياة، والشخصيات فيها عناصر بارزة تتحرك أمامنا وتتحدث ويتصل بعضها ببعض في صورة عملية لا عن طريق حكاية سردية. فالشخصية أمامنا دائمًا، نراها ونستمع إليها، وهي تعبر عن موقفها وعن شخصيتها أو عن ذاتها بأسلوبها الخاص, وهنا يكون للغة دور خطير في تصوير هذه الشخصيات. وإذا قلنا: إن المسرحية تصور لنا الحياة أقرب ما تكون إلى الواقع كان ذلك معناه أننا ننتظر دائمًا أن يتحدث الأشخاص بعضهم إلى بعض على النحو الذي يمكن أن يتمثل لنا في الحياة العادية. والحوار الذي يدور بين الناس في الحياة العادية تكون له أهميته بمقدار ما يستمد من حيوات الأشخاص المتكلمين، فالشخصيات الحية المتدفقة الحياة يصدر عنها حديث يتمتع بقسط كبير من الحيوية، فحيوية الحوار مرتبطة -إلى حد بعيد- بحيوية الأشخاص، وحيوية الأشخاص مرجعها إلى مواقفهم الفكرية أو النفسية العميقة التي يحسون بها إحساسًا قويًّا، ويصدرون في حديثهم عنها. وهي تتمثل في تلك الحركة النفسية أو الفكرية التي تدور داخل هذه الشخصيات, بعبارة أخرى: فإن حيوية الحوار مرجعها إلى الحركة الذهنية أو النفسية التي تقع في داخل الشخصيات، والشخصيات في تفاعلها وفي اتصالها بعضها ببعض تعبر عن تلك الحركة في لغتها, فإذا بتعبيرها يتمتع بقسط كبير من الحركة والحيوية.
وكل من يقرأ مسرحية "غروب الأندلس" يفتقد فيها الحيوية اللازمة؛ لأن اللغة فيها لم تكن تتصل اتصالًا مباشرًا بالشخصيات، فلم تكن تدل على كل شخصية متميزة كل التميز عن الأخرى، وبنظرة فاحصة إلى الشعر الذي نقرؤه في هذه المسرحية نستطيع أن نعرف السبب في فقدانها الحيوية اللازمة. فالملاحظ أن أسلوب الشعر كان نمطًا واحدًا عند كل الشخصيات، ولم يكن فيه التنويع والتلوين اللذان يحددان كل شخصية ويحددان موقفها؛ ولذلك نستطيع أن نقرأ في بعض الحالات ما يقرب من عشرين بيتًا في وزن واحد وقافية واحدة وتيار نفسي واحد. ثم إذا بنا نجد هذه الأبيات قد قسمت تقسيمًا ما بين شخصين أو أكثر، والانتقال من حيث شخصية إلى أخرى لا نكاد نشعر به في كل حالة، بل يخيل للقارئ أنه يقرأ كلامًا متصلًا لشخصية واحدة، وكأنه على صلة بهذه الشخصية وحدها دون غيرها من الشخصيات التي وجدت في الموقف! وهذا
стр. 153
من شأنه أن يجعل الحوار بهذه الطريقة بعيدًا عما يقع في الحياة، ومن هنا يبتعد عن هذه الحياة ويظل يفتقد الحيوية اللازمة، وكذلك كان المؤلف يجري الحديث على ألسنة الشخصيات دون النظر إلى ما بينها من فروق جوهرية. فنحن نقرأ حديثًا لشخصية من شخصيات الرجال لا نكاد نميز بينه وبين حديث تال له لشخصية من شخصيات النساء، وهكذا تضيع ملامح الشخصيات ولا يبقى أمامنا في الحقيقة إلا القصيدة في مجموعها بوزنها الواحد وقافيتها الواحدة. ويتضح جمود الموقف دائمًا عندما تستقل الشخصية الواحدة بحديث طويل، فنحن لا نكاد نطيق على المسرح مثل هذه المواقف، لا نريد شخصية متحركة متحدثة وبجانبها شخصيات أخرى جامدة صامتة، وإنما ننتظر دائمًا على المسرح حيوية شاملة. ويبدو ذلك واضحًا في الأجزاء الأخيرة من المسرحية بصفة خاصة، فنجد الشخصية الواحدة تستقل بحديث يطول فيشغل أكثر من عشرة أبيات، ثم يليه حديث لشخصية أخرى يمتد امتدادًا يقرب من هذا، ويليه حديث شخصية ثالثة، وهكذا.
هذه الصورة أبعد ما تكون عن الحوار المسرحي الحي, وليس معنى هذا أن المؤلف لم يكن يوفر لمشاهده الحيوية على الإطلاق، ففي المشهد السادس من القسم الثاني من الفصل الأول نجد أن المؤلف ينجح في بث الحركة والحيوية في الموقف. وهو المشهد الذي يخبر فيه الوزير "أبو القاسم" "السلطان" أنه أطلق سراح عائشة ومن معها قبل أن يأذن له السلطان؛ تنفيذًا لرغبة الأمير يحيى، ففي هذا الموقف نجد المؤلف يحتفظ لكل شخصية بموقفها الخاص وبانفعالها الخاص، ويداول الحديث بين هذه الشخصيات في سرعة تتناسب مع الانفعالات المفاجئة السريعة التي لازمت هذا الموقف؛ ولذلك يمكن أن نقول: إن هذا الموقف قد أدى أداء مسرحيا ناجحا، وإن فيه من الحيوية ما جعل الحوار طبيعيًّا قريبًا من الواقع.
يبقى أن ننظر في شخصيات المسرحية، وفي ضوء ما قدمنا من مقدمات تتصل بتكوين المسرحية "بنيتها" وبالحركة المسرحية وبلغة الحوار والصراع نستطيع أن ننتهي إلى أن شخصيات هذه المسرحية لم تنجح في أن تكون شخصيات إنسانية بارزة، بمعنى أنها لا تصور لنا ظواهر إنسانية باقية، وإنما هي أقرب إلى الشخصيات العادية في الحياة وإن كانت تقوم بالأدوار التي تتم في الحياة داخل القصور؛ فلدينا شخصيات السلطان والأمراء والقواد والجواري والولاة وكل من له صلة بطبقة الحكام. وخطورة الشخصية بالنسبة للعمل المسرحي لا تأتي من خطورة مركزها الاجتماعي أو مركزها السياسي، ولكن من أهميتها الإنسانية؛ ولذلك نجد كثيرًا من الشخصيات الشعبية تظفر باهتمام
стр. 154
المؤلفين المسرحيين فإذا بهم يخلدونها، لا على أنها قامت بدور سياسي خطير أو لأنها حكمت الناس فترة من الزمان، بل لأنها -قبل كل شيء- ظاهرة إنسانية لها قيمتها؛ ولذلك لم تكن شخصيات "غروب الأندلس" هي تلك الشخصيات الإنسانية ذات القيمة, وإن صورت لنا النوازع الإنسانية. فنحن نصادف ألوانًا من العواطف والميول كالحب والبغض والدهاء والخداع وما شاكل ذلك من النوازع الإنسانية، ولكن هذه الأشياء لم تأخذ وضعًا مسرحيًّا، ولم يركز الكاتب على واحد منها، ولو أنه ركز عمله المسرحي على تصوير نوع من الصراع يدور في داخل شخصية عائشة حول الإبقاء على الحكم العربي والنزعة القومية، والميل نحو ابنها "عبد الله" والعطف على موقفه. أو لنقل: بين النزعة القومية فيها وعاطفة الأمومة، لكان ذلك سبيلا إلى إخراج مسرحية لها قيمتها. ولكن المؤلف لا يستغل هذا الموقف الاستغلال المسرحي على نطاق واسع، أو لنقل: لم تكن المسرحية في أساسها تهدف إلى تصوير هذا الصراع، ولو أنها فعلت لكان لها شأن آخر.
ونعود إلى الشخصيات مرة أخرى فنجد أن كل شخصية من أجل هذا لم تكن تمثل فكرة إنسانية أو اتجاهًا نفسيًّا، ولكنها -جميعًا- كانت تمضي إلى تحقيق غرض واحد وهو الحصول على الحكم. ومن ثم لم تكن للشخصيات طبيعتها المستقلة المنفردة بل كانت تتشابه إلى حد بعيد, وهي -لذلك- كانت تبدو "باهتة"؛ لأن ملامحها الخاصة لم تكن من الوضوح بقدر كافٍ, وربما كانت شخصية عائشة من أبرز الشخصيات. والحق أنها قامت في المسرحية بأكبر دور، وتحركت بشكل يلفت النظر، فنحن نصادفها في مصر وفي وادي آش أكثر مما نصادف أي شخصية أخرى، وربما كان وجودها عنصرًا لازمًا لهذه المسرحية، ولكن لا ننسى أن هناك شخصيات أخرى كان من الممكن استغلالها مسرحيا ولكنها اختفت سريعًا، كشخصية الأمير يحيى، وكذلك كانت شخصية الوزير أبي القاسم شخصية درامية ناجحة، فقد ركز فيه المؤلف مفهومات الوزير ومبادئه، فاستطاع أن يعطينا صورة صادقة لحياة الوزراء الضعاف القلقة المضطربة التي لا تخلو من ذلة أمام الحكام، والتي تصطنع البطش والجبروت والقوة مع الشعب الضعيف، بعبارة عامة كانت شخصية الوزير أبي القاسم مرسومة رسمًا دقيقًا وأدت دورها على النحو المفروض. وفيما عدا ذلك نصادف شخصيات أبطال وقواد ليس لهم إلا أن يتحمسوا لعائشة وأن يبذلوا لها النصح أحيانًا، أما شخصية السلطان أبي الحسن فقد كانت ناجحة إلى حد ما، فيها عناصر الشيخوخة وفيها آثارها وتصرفاتها، ثم فيها -إلى جانب ذلك- بقية من حماسة قديمة ونجدة عربية أصيلة. أما شخصيات الإسبان فقد كانت أهميتها في أن تكمل القصة، ولم تكن شخصيات لها أهمية في ذاتها. هي
стр. 155
شخصيات يقتضيها تكوين المسرحية، وتكوين الحادثة فيها, ولكن لم تكن شخصيات لها في ذاتها قيمة مستقلة. كذلك كانت شخصيتا الوصيفتين "وجد" و"أمل" فهما شخصيتان جانبيتان ليس لهما قيمة خاصة, ولكن تتحدد أهميتهما بضرورة موقفهما المسرحي الذي يتكرر في بداية القسم الثاني من الفصل الأول, وفي بداية الفصل الخامس. وهذا الموقف يفيد دائمًا في التعريف ببعض الشخصيات التي لم يسبق لنا معرفتها والتي سيبدأ دورها.
وعلى العموم نستطيع أن نقول: إن شخصيات المسرحية لا تعدو أن تكون أدوات لازمة لتكوين القصة أو لتكوين الإطار المسرحي، ولكنها -في مجموعها- لا تتضمن شخصية بارزة لها قيمة مستقلة في ذاتها.
стр. 156
الفصل الرابع: أنواع أدبية أخرى ترجمة الحياة . المقال. الخاطرة
ترجمة الحياة
...
الفصل الرابع: أنواع أدبية أخرى: ترجمة الحياة، المقال، الخاطرة
١- ترجمة الحياة:
لا تقتصر الفنون الأدبية على الشعر والقصة والمسرحية بأنواعها المختلفة، وإن كانت هذه هي الأنواع الكبرى الذائعة منذ أقدم العصور، فإن هناك فنونًا أخرى لا تقل رواجًا في السوق الأدبية وتستحق منا العناية والدراسة. وهي فنون حديثة العهد بالقياس إلى فن الشعر أو فن المسرح. وهي في الحقيقة مرتبطة بظهور فن الكتابة النثرية؛ لأن ترجمة الحياة والمقال والخاطرة جميعًا فنون نثرية.
وترجمة الحياة Biography هي الكتابة عن أحد الأشخاص البارزين لجلاء شخصيته، والكشف عن عناصر العظمة فيها. ولسنا نريد بذلك أن نعرف هذا الفن؛ لأن ترجمة الحياة تتسع لتشمل جوانب العظمة وجوانب الانحطاط -إن وجدت- في الشخصية المترجم لها. فالترجمة في الواقع عملية تحليلية لكل مركز من عناصر كثيرة مختلفة هو الشخصية. ومن خلال هذا التحليل تبرز القيم الإنسانية التي تنطوي عليها الشخصية، والتي يهم الآخرين الاطلاع عليها.
ولكي نفهم عملية التحليل التي تتم في ترجمة الحياة ينبغي أن نفهم معنى الشخصية. وكتب علم النفس تمدنا بكثير من المعرفة الخاصة بالشخصية، ولكننا -دون الدخول في تفصيلات الدراسة النفسية- نستطيع أن نقرر أن الشخصية "مجموعة من المجالات"، فأنا مع أصدقائي غيري مع أقاربي، وأنا مع تلاميذي غيري مع أساتذتي، وأنا مع جاري غيري مع الشخص الغريب، ومع المصري غيري مع الأجنبي ... وهلم، ففي كل حالة من هذه يظهر جانب خاص من شخصيتي يكون هو الغالب على الموقف. وهو يظهر نتيجة لوجودي مع شخص معين، فوجودي مع ذلك الشخص حدد لي مجالًا معينًا للتفاعل والتفاهم والسلوك بعامة، فحين يزورني أقاربي من الريف يظهر من شخصيتي الجانب الذي يستطيع أن يتفاعل معهم، أو الجانب الذي يستطيع أن يدخل في مجالهم. وهذا الجانب يختفي تمامًا حينما يجمعني بشخص أجنبي مكان، وعندئذ يظهر جانب آخر، أو مجال آخر ... وهكذا، فمن دراسة "العلاقات" التي تجمع الشخص بآخرين، وكذلك التي تتمثل في تصرفات الشخص الخاصة في المواقف المختلفة،
стр. 157
أستطيع أن أحدد مجموع المجالات التي تتكون منها الشخصية، ولسنا نستطيع أن نتصور الشخصية بغير مجالات، فمن يكون الشخص بغير العلاقات الكثيرة التي بينه وبين الحياة؟!
وفي ضوء هذا الفهم لمعنى الشخصية نستطيع أن نفهم معنى ترجمة الحياة، فترجمة الحياة عملية فنية تجمع بين عمل المؤرخ من جهة ارتباطها بسيرة إنسان عاش في بيئة بعينها وزمن بعينه، وبين عمل المصور الفنان الذي يتخصص في رسم الصور النصفية للأشخاص "البورتريت" Portrait.
ومن اللازم للمؤرخ أن يكون دقيقًا وموضعيًّا وأن يرتب الأحداث في نسقها المعقول، فلا يكفي المؤرخ أو كاتب ترجمة الحياة أن يحشد الحقائق التاريخية حشدًا، وإنما يحتاج المؤرخ كذلك إلى نوع من الحس الفني في اختياره وصياغته وتنسيقه لتلك الحقائق. وكذلك يحرص رسام البورتريت على أن يقدم صورة صادقة للشخص الجالس أمامه, وذلك في الوقت نفسه عمل فني.
ومن ثم يتحدد عمل كاتب ترجمة الحياة مبدئيا في جمع المصادر والحقائق وكل الوثائق المتصلة بالشخص الذي يترجم له، ثم تركيب صورة لحياة هذا الشخص بطريقة تجعل منها -إلى جانب ذلك- عملا أدبيا بكل ما للعمل الأدبي من مقومات.
ومع ما هنالك من تشابه جزئي بين عمل كاتب ترجمة الحياة والمؤرخ, فإن طريقة تناول كل منهما لحياة زعيم سياسي أو فكري أو حياة قائد عسكري أو مصلح اجتماعي تختلف. فحين يترجم كاتب لحياة نابليون مثلا فإنه لا يهتم بوقائع التاريخ إلا من زاوية واحدة هي مدى ما كان لتلك الوقائع التاريخية من تأثير في حياته، وتشكيل لشخصيته, وبلورة لها على مر الأيام.
ويتصور بعض كتاب الترجمة أن مهمتهم لا تقتصر على تصوير حياة الشخص الذي يترجمون له وإنما تمتد إلى العصر الذي عاش فيه. ويرى إدموند جروسيه E. Grosse أن هذا التصوير خطأ؛ لأن ترجمة الحياة -في رأيه- دراسة محدودة بحادثين هما الميلاد والوفاة، ومن ثم يجب أن تكتب الترجمة بحيث تجعل الشخصية الأساسية في حالة استرخاء كلي. فإذا تناول كاتب حياة دزرائيلي١ مثلا فمن الواضح أنه لا يستطيع أن يهمل الظروف السياسية في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر، ولكنه يجب أن يقتصر على تلك الجوانب التي كانت معروفة لدزرائيلي نفسه، وكان لها تأثير في حياته.
стр. 158
وهذه الوجهة ترد كاتب ترجمة الحياة مرة أخرى إلى وظيفة رسام البورتريت، فهذا الأخير دائمًا يواجه مشكلة خلفية الصورة التي يرسمها. وليس الرسامون على وفاق بشأن هذه الخلفية، فبعضهم يتركها عارية تمامًا من أي تفصيلات، وبعضهم يختار منظرًا له دلالته ليجعل منه خلفية للصورة. وبنفس المنطق يواجه كاتب الترجمة -أو ينبغي أن يواجه- مشكلة الخلفية التاريخية لحياة من يترجم له, ترى أي الإطارين يختار؟ أيكتفي بحياة الشخص نفسه المحددة بحادثتي ميلاده ووفاته, أم يضع هذه الحياة المحددة داخل إطار من تفصيلات العصر؟
الجواب على هذا السؤال تحدده طبيعة الإنسان نفسه الذي نترجم له، فإذا كانت حقيقته البارزة ماثلة في تطور "حياته الداخلية"، وكان قد آثر لنفسه العزلة فلم ينتمِ إلى مدرسة فكرية أو أدبية أو إلى تنظيم سياسي، فعند ذلك يكون من العبث الصراح صرف اهتمام كبير إلى تفصيلات الحياة في العصر الذي عاش فيه. أما إذا كان قد خضع لبعض المؤثرات في هذا العصر, فإن الضرورة تقضي بالتعرض لتلك المؤثرات -وتلك المؤثرات وحدها- التي عملت على تشكيل شخصيته.
ولعلنا نلاحظ في هذا المقام عيبًا فنيًّا في كثير من التراجم التي يصدرها كتابنا، هو أنهم يحشدون كل ما يجمعونه من حقائق عن عصر الشخص الذي يترجمون لحياته دون أن يستفيدوا منها في تجلية جوانب الشخص الرئيسية. قد تكون هذه الحقائق معلومات مفيدة في ذاتها، ولكنها -بهذه الطريقة- تجافي طبيعة فن ترجمة الحياة.
كيف يختار كاتب الترجمة موضوعه؟
قدر لبعض الشخصيات ذات الأهمية أن تظفر بعناية الكتاب سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم, ولكن مثل هذه الكتابات لا يمكن أن تكون نهائية، فما زال هناك أكثر من مبرر لإعادة الكتابة عنها. وفي الوقت نفسه يحفل التاريخ بأشخاص كان لهم في حياتهم دور كبير، ولكن المترجمين أهملوهم؛ لنقص في المصادر والوثائق، أو لظروف اجتماعية وسياسية عاشها أولئك الكتاب أو لغير ذلك من الأسباب. وفي هاتين الحالتين يجد كاتب الترجمة الفرصة متاحة له لاختيار الشخصية التي يترجم لها.
فإذا كانت الشخصية قد سبق أن ترجم لها آخرون في أزمان مختلفة فهناك المبررات التي تجعل من حق الكاتب الترجمة لها من جديد، فكثيرًا ما يكون ظهور الوثائق والشواهد والأدلة الجديدة مغيرًا لما انتهت إليه التراجم السابقة كليا أو جزئيا, وهذا مبرر لإعادة الترجمة. وحتى عندما لا تظهر الوثائق الجديدة فإن المبرر يظل قائمًا في أن الشخصية الواحدة قد تعني بالنسبة لعصر خلاف ما تعنيه بالنسبة لآخر. ومن ثم
стр. 159
يمكن أن ينظر كل جيل إلى الشخصية الواحدة من منظور خاص به. فإذا لم تكن الترجمة الجديدة قائمة على أحد هذين الأساسين، أو على أساس آخر مقنع يبررها، وكانت مجرد إعادة صياغة لترجمة سابقة، كانت لغوًا لا قيمة له.
أما في حالة الأشخاص الذين لم تسبق ترجمة حياتهم فمبرر الترجمة لهم واضح، ما دامت الوثائق والشواهد المطلوبة قد صارت في متناول يد الكاتب. فكثيرًا ما يحدث أن يترك بعض الأشخاص من الرجال والنساء الذين لم يكونوا معروفين على نطاق واسع في أثناء حياتهم مذكرات أو يوميات أو خطابات ذات أهمية فائقة، وعندما تستكشف هذه الوثائق فيما بعد يصبح أصحابها موضوعات صالحة لكتابة تراجم حياتهم، وحياة صمويل بيبس S. pepsy ومي زيادة مثال على هذا.
ما المصادر الأساسية التي يتحتم الرجوع إليها لكتابة ترجمة حياة؟
عرفنا أن من واجب كاتب السيرة أن يلم بكل الحقائق التي لها صلة مباشرة ببطله، وبالأحداث والمواقف التي كان لها تأثير مباشر في حياته. وعلى هذا الأساس لا يحق له أن يهمل أي مصدر يمكن أن يمده بشيء من هذا، ألا يحدث في كثير من الأحيان أن يمدنا شاهد لم نتوقعه ولم نحسب له حسابًا بمادة طريفة تلقي ضوءًا مباشرًا على الشخصية موضوع دراستنا؟
ومن ثم حددت المصادر اللازمة لكاتب الترجمة بما يلي:
أ- الكتب التي سبق تأليفها في الموضوع, أو في موضوع متصل به.
ب- الوثائق الأصلية؛ كالخطابات أو اليوميات أو السجلات الرسمية.
جـ- ذكريات المعاصرين.
د- مقتنيات الشهود الأحياء، وذلك عندما لا تكون الفترة موضوع الدراسة بعيدة.
هـ- ذكريات المؤلف نفسه إذا كانت له معرفة شخصية ببطله، كما هو ماثل في ترجمة بوزول لحياة جونسون، أو ترجمة العقاد لسعد زغلول.
وأخيرًا، ينبغي على الكاتب -قدر المستطاع- أن يزور الأماكن التي يجد نفسه مضطرًّا لوصفها١.
стр. 160
ولكن ما موقف الكاتب من المادة التي يجمعها من هذه المصادر؟
قلنا: إنه لا يستطيع أن يحشد كل ما جمع كما هو، وإنما هو مطالب على الدوام بأن يزن الأمور ويتحقق من صدق هذه المادة، ولكن هذا وحده لا يكفي، فترجمة الحياة كما قلنا عمل فني، وكل عمل فني يتضمن وجهة نظر خاصة بالضرورة، ومن ثم يبرز عنصر شخصي خاص بالكاتب نفسه، متجليًا في "تفسيره" الخاص لهذه المادة التي وزنها وتثبت من صحتها، ثم لا ننسى أن الكاتب كثيرًا ما يواجه تناقضًا في المادة التي يجمعها. وهنا ينبغي الالتفات إلى حقيقة مهمة، هي أن هذا التناقض قد يكون راجعًا إلى عيب في المصادر نفسها، وقد يكون راجعًا إلى نفس الشخص الذي يترجم له. ومن ثم يتعين على الكاتب أن يحدد ما إذا كانت المصادر نفسها هي المسئولة عن هذا التناقض، فعند ذاك يحق له -بل يجب عليه- أن ينفي من الروايات ما لا يرقى إلى مستوى الثقة. أما إذا لم يستطع الكاتب رد هذا التناقض إلى عيب في المصادر نفسها فلا ضير على الكاتب في أن يقرر أن التناقض في الشخصية نفسها التي يترجم لها.
وهنا يحق لنا أن نتنبه إلى أن بعض كتاب التراجم يميلون إلى إرجاع التناقض دائمًا إلى المرويات وإلى المصادر، ويتحرجون من نسبته إلى الشخصية التي يترجمون لها، وهذا خطأ؛ لأنهم يتصورون أنهم مطالبون بأن يقدموا إلينا دائمًا شخصية منطقية مع نفسها، وإن كان الواقع يشهد بعكس ذلك. ألا يحدث كثيرًا أن يتناقض الإنسان مع نفسه خلال تطوره؟ ألا يحدث كثيرًا أننا نستكشف في الحياة نفسها تناقضا؟ وكل هذا يجعل من الخطأ نفي التناقض الثابت عن الشخصية التي نترجم لها، وإنما يقتضينا الأمر إثبات هذا التناقض ومحاولة تفسيره، بل إن تفسير هذا التناقض يصبح عملا أساسيا بالنسبة لكاتب الترجمة.
ماذا يهدف كاتب ترجمة الحياة من عمله؟
إنه يريد أن يثير فينا الاهتمام بحياة إنسان له قيمته, ولكن أي مدى من الحرية في التناول يحق له لكي يثير فينا هذا الاهتمام؟ كان الكاتب -في تراجم الحياة ذات الطابع الرومانتيكي- يسمح لنفسه باختراع الأحداث والحوار، مقتربًا بذلك من الرواية التاريخية. ولكن ترجمة الحياة شيء آخر غير الرواية التاريخية، وإن غلب على طريقة بنائها الأسلوب القصصي. فمهمة كاتب الترجمة هي أن يصور لنا البطل وهو يستكشف الحياة شيئًا فشيئًا، كما يحدث في الواقع بالنسبة لكل فرد منا. لا شك أن نظرتنا إلى الأمور تتطور وتتبلور خلال مراحل حياتنا المختلفة, فنحن إذن في كشف مستمر لأنفسنا وللحياة من حولنا، وما يقربنا من الشخصية المترجم لها هو إحساسنا بهذا الكشف
стр. 161
المستمر الذي تقوم به هذه الشخصية؛ ومن ثَمَّ فإننا نتعرف ملامح هذه الشخصية خلال هذا الكشف المستمر.
وما زال هناك من كتابنا من يتبع المنهج البلوتاركي١ القديم في تقديمه الشخصية، فقد كان بلوتارك يسرد أعمال من يختار الترجمة لهم من المشاهير ثم يأتي في النهاية بتلك المواقف التي تصور شخصياتهم. وهو منهج لا يمكن أن يخلق التعاطف بين القارئ والشخصية المترجم لها، ذلك التعاطف الذي لا بد منه كي تؤدي الترجمة مهمتها وتثبت فنيتها. على أن فن التراجم الحديث قد نبذ هذا المنهج تمامًا.
وأخيرًا، ينبغي الالتفات إلى حقيقة مهمة في موقف الكاتب من الشخصية التي يترجم لها ومن القراء، فليس الكاتب مطالبًا -بل ليس من حقه- أن يصدر على الشخصية التي يترجم لها أي حكم من أي نوع.
وهنا لا بد من الالتفات إلى نوعين من ترجمة الحياة. فالكاتب قد يترجم لشخصية سابقة, وهو عندئذ يتمثل الآخر في البيئة والزمان اللذين عاش فيهما هذا نوع, والنوع الآخر هو ترجمة الحياة الشخصية، وذلك عندما يكتب لنا الكاتب ترجمة حياته هو الخاصة, وهي عندئذ تسمى "ترجمة ذاتية Autobigrophy"، وهذا النوع يحتاج من الكاتب إلى الأمانة والصدق.
ويمكن أن يقال: إن أصدق حياة يمكن أن يكتبها الإنسان هي ترجمته لحياته الخاصة، فهو أعرف الناس بها، ولكن يبدو أن هذا غير صحيح في كثير من الأحوال، ففهم الإنسان لنفسه أمر مشكوك فيه، فربما كانت قدرته على فهم الآخرين أكبر من قدرته على فهم نفسه. واعتماد الإنسان على ذاكرته في استرجاع أحداث حياته يجعل من المحتمل إفلات كثير من الوقائع الصغيرة ذات الدلالة الكبيرة في حياته من ذاكرته. ولا بد في هذه الحالة من أن يكون الشخص قد دون كل ما مر به في حياته في حينه، حتى إذا ما عاد إليه بالقراءة استطاع أن يسترجع المواقف القديمة. وهو في هذه الحالة مضطر لأن يخرج عن ذاته يفحص ذلك الذي دونه فحصًا موضوعيًّا، وكأنه يفحص مذكرات شخص آخر يريد أن يكتب ترجمة حياته.
ومن جهة أخرى يستطيع كاتب الترجمة الذاتية أن يتجنب من الوقائع القديمة ما لا يرضى عنه، وبخاصة تلك الوقائع التي لا يعرفها -أو لم يعد يعرفها- أحد سواه.
стр. 162
ومن ثم يحتاج كاتب الترجمة الذاتية لكثير من الصراحة. وقبل ذلك هو في حاجة لكثير من الشجاعة؛ لكي يثبت الوقائع التي لا يرضى عنها، وأغلب ما يكون ذلك متعلقا بحياته العاطفية والجنسية. فإذا كانت لديه الشجاعة لأن يكشف كل ذلك من نفسه, فإنه ربما تحرج من ذكر الوقائع كاملة؛ لأنها عندئذ تمس شخصيات الآخرين الذين شاركوه تلك المواقف.
يضاف إلى هذا أنه مهما بلغت صراحة كاتب السيرة الذاتية وشجاعته, فإنه غالبًا ما يحرص على أن يقدم صورة متناسقة لحياته من أولها إلى آخرها، وهو لذلك قد يتجنب تلك الوقائع التي قد تبرز نوعًا من التناقض في شخصيته.
وكل هذه العوامل تجعل الترجمة الذاتية شاقة على نفس صاحبها، وقليلون هم أولئك الذين استطاعوا أن يكونوا صادقين مع أنفسهم في ترجمتهم لذواتهم.
وقد ظهر فن الترجمة لدينا حديثًا. ويعد العقاد أول كاتب يكتب لنا ترجمة فنية تمثل النوع الأول، ويتجلى فيها الذكاء والمهارة والخبرة، كالعبقريات، وترجماته للمهاتما غاندي ومحمد علي جناح وسن يات سن وغيرهم. أما النوع الثاني فقد بدأه الدكتور طه حسين بكتابه "الأيام" الذي ترجم فيه لنشأته وأطوار حياته، وهو لذلك قريب من طابع القصة. ومنذ أكثر من أربعة أعوام أصدر المرحوم الأستاذ أحمد أمين كتابه "حياتي"١ الذي ترجم فيه لنفسه. والمفروض في حالة النوع الثاني أن الكاتب يكون حريصًا على أن يلحظ الحياة الخارجية بحيث تمتد عملية التحليل والتفسير والتقويم خارج حياة الكاتب الخاصة إلى الحياة العامة. ولعل الكاتب والشاعر الإنجليزي المعاصر "إستيفن إسبندر Stephen Spender" كان صادقًا كل الصدق حين سمى ترجمته لحياته "حياة خلال حياة Life Within Life".
هذا النوع الأدبي له مكانته في الآداب الأوروبية الحديثة وله خطورته، بما يحمل إلى الناس من نماذج بشرية وقيم إنسانية لا بد أن يكون لها أثرها في تكوينهم وتوجيههم، ولكنه يحتاج دائمًا إلى الكاتب الخبير المتمكن، ونرجو أن يصرف الأدباء جزءًا من جهودهم للنهوض بهذا النوع.
وفيما يلي دراسة لنموذج من السيرة الذاتية.
كتب المفكر والأديب الكبير عباس محمود العقاد سيرة حياته في عدد من الفصول، نشر مفرقًا في مجلات "الهلال والمصور والاثنين وكل شيء والقافلة"، ثم قام
стр. 163
على جمعها في كتاب بعنوان "أنا" الكاتب الصحفي طاهر الطناحي بعد موافقة العقاد نفسه.
وربما خطر لنا منذ البداية أن كتابة هذه الفصول مفرقة ونشرها على هذا النحو "وإن كان معظمها قد نشر في مجلة "الهلال"" قد لا يؤديان بها مجتمعة إلى ما يكون عليه العمل الأدبي، الذي تتصل كتابته، من التماسك والوحدة, لكن من يعرف منهج العقاد في التأليف بصفة عامة، يدرك أنه لم يكن يتقيد في تأليف كتبه بنسق الفصول التي يتضمنها كل كتاب، وأنه ربما كتب فصلًا متأخرًا من الكتاب قبل فصل متقدم، حسبما تتيسر له كتابة الفصول التي يشتمل عليها الكتاب. لقد جرى على أن يبني في عقله تصوره للكتاب الذي يؤلفه، في إجماله وتفصيله، وفي نسقه الواجب له، فإذا جاءت مرحلة الكتابة لم يجر فيها -بالضرورة- على النسق الذي تصوره، وإن كان ذلك لا ينفي -في النهاية- تحقق الوحدة الموضوعية, والفكرية للكتاب.
وعلى هذا الأساس نستطيع أن نقول: إن العقاد حين نشر تلك الفصول المفرقة عن نفسه إنما كان يصدر فيها عن تصور شامل لكتاب يترجم فيه لنفسه، أو يقدم فيه سيرة حياته. ويؤكد هذا ما ذكره طاهر الطناحي حين اقترح عليه أن يكتب كتابًا عن حياته فأجاب بقوله:
"سأكتب هذا الكتاب، وسيكون عنوانه "عني" وسيتناول حياتي من جانبين: الأول حياتي الشخصية بما فيها من صفاتي وخصائصي، نشأتي وتربيتي البيتية والفكرية، وآمالي وأهدافي، وما تأثرت به من بيئة وأساتذة وأصدقاء، وما طبع أو انطبع في نفسي من إيمان وعقيدة ومبادئ أو بعبارة أخرى "عباس العقاد الإنسان" الذي أعرفه أنا وحدي، لا "عباس العقاد" كما يعرفه الناس، ولا "عباس العقاد" كما خلقه الله، والجانب الثاني حياتي الأدبية والسياسية والاجتماعية المتصلة بمن حولي من الناس، أو بالأحداث التي مرت بي وعشت فيها أو عشت معها، وخضت بسببها عدة معارك قلمية، وكانت صناعة القلم أبرز ما فيها، أو بعبارة أخرى "حياة قلمي". ولعلي أبدأ بالجانب الأول، الذي هو "أنا"؛ لأنه أقرب إلى الكتابة، وبخاصة وأنا في نهاية الحلقة السادسة من عمري ... "١.
من هذا يتضح أن العقاد حين شرع في كتابة تلك الفصول عن نفسه كان يدرك أنه بصدد أن يكتب ترجمة ذاتية، وأن عناصر هذه الترجمة كانت واضحة في ذهنه،
стр. 164
حتى إنه قسمها إلى مجموعتين متمايزتين ومتكاملتين في الوقت نفسه، إحداهما تتعلق بشخصه، والأخرى بعالم الكتابة عنده، وقد أنجز كتابة القسم الأول، الذي هو بين أيدينا الآن، والذي يحمل عنوان "أنا"، وإن نشرت فصول هذا القسم في البداية مفرقة, ودون التزام بنسقها الطبيعي.
ينقسم كتاب "أنا" إلى تسعة فصول، يشتمل كل فصل منها على عدد من العناصر يقل أو يكثر, وقد رُوعي في كل فصل أن تكون عناصره -في الأغلب الأعم- متآلفة ومتكاملة. فالعناصر التي يشتمل عليها الفصل الأول -على سبيل المثال- هي على التوالي: أنا، أبي، أمي، بلدتي، طفولتي, ذكريات العيد، وهذه العناصر في مجموعها وفي نسقها هذا توحي بأن الكاتب قد أفرد هذا الفصل لمرحلة النشأة الأولى في حياته، أي: مرحلة الطفولة، حيث يتحدد عالم الطفل بعلاقاته المحدودة بأقرب الناس والأشياء إليه. ومع ذلك فإن العقاد حين تحدث في العنصر الأول عن نفسه لم يتحدث عن أنا الطفل في شخصه، بل راح يتحدث عن أنا العقاد الناضج المشهور بين الناس. ولما كانت صورته المتداولة بين الناس ليست -في رأيه- هي صورته الحقيقية بل لعلها -في رأيه كذلك- نقيض صورته الحقيقية، فقد اتخذ من الحديث عن مكونات صورته الحقيقية التي يعرفها لنفسه مدخلا لتصحيح تلك الصورة المغلوطة الشائعة، فإذا كان الشائع عنه بين الناس أنه رجل مفرط الكبرياء، مفرط القسوة والجفاء، وأنه رجل منقطع للكتب، لا يباشر الحياة كما يباشرها الناس، وأنه يملكه سلطان المنطق والتفكير ولا سلطان للقلب والعاطفة عليه، وأنه شديد الصرامة فلا تفتر شفتاه بضحكة واحدة إلا بعد الاستغفار, إذا كان هذا هو الشائع عنه فإنه ينكره جملة وتفصيلًا، ويقول: "أقسم بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن عباسا العقاد هذا رجل لا أعرفه، ولا رأيته، ولا عشت معه لحظة واحدة، ولا التقيت به في طريق، ونقيض ذلك هو الأقرب إلى الصواب"١. ثم يمضي يحدد مشخصاته التي هي نقيض ذلك.
لقد اختار العقاد أن يكون هذا الحديث عن صورته المغلوطة لدى الناس وصورته الحقيقية مدخلًا إلى الحديث عن سيرته الذاتية، وكأنه يقدم بين يدي القارئ ما يبرر له كتابة هذه السيرة.
أما بقية عناصر هذا الفصل فيتصل الحديث فيها على نحو يحدد ملامح البيئة المادية التي تفاعل معها العقاد في طفولته، ونعني بها مدينة أسوان، كما يحدد أسلوب التربية الذي خضع له -أو تمرد عليه أحيانًا- في البيت وفي المدرسة. أضف إلى هذا
стр. 165
الحديث عن شخصية أبيه وشخصية أمه، وعن أصولهما في أجداده لأبيه وأجداده لأمه ... إلخ.
على أن العقاد لا يذكر ذلك كله لمجرد تقرير عدد من الحقائق التي صاحبت نشأته الأولى، بل كان الهدف البعيد من ذكر ذلك هو أن يفسر في ضوئه -قدر المستطاع- سلوكه الشخصي والعقلي بعد أن شبَّ ونضج؛ إيمانًا منه بأن الطباع تورث، وأن كثيرًا من طباعه التي لازمت سلوكه في شتى مراحل حياته دون تغير إنما يرجع بصفة أساسية إلى عناصر الوراثة لديه. وهو نفسه يقول في الفصل السادس من الكتاب تحت عنوان "فلسفتي في الحياة": "من فلسفة الحياة ما نستمده من الطبع الموروث، ومنها ما نستمده من تجربة الحوادث والناس، ومنها ما نستمده من الدرس والاطلاع، وهي في اعتقادي على هذا الترتيب في القوة والأصالة"١, ومن ثم نراه حين يحدثنا عن نزعته الإيمانية -مثلًا- يقول:
"أؤمن بالله وراثة وشعورًا وبعد تفكير طويل"٢. ونعود فنتذكر حديثه في الفصل الأول عن أبيه، كيف أنه كان يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، وكيف أن صورته وهو يؤدي صلاة الصبح، جالسًا على سجادة الصلاة من مطلع الفجر إلى ما قبل الإفطار، يتلو سورًا خاصة من القرآن الكريم ويعقبها بالدعوات, كيف أن صورته هذه ظلت مطبوعة في ذاكرته طوال حياته٣. وكذلك نتذكر ما قرره في الفصل نفسه عن أمه، من أنه ورث عنها تقواها، وأنه فتح عينيه يراها وهي تصلي وتؤدي الصلاة في مواقيتها٤.
وعلى هذا النحو يتشبث العقاد بأثر التنشئة الأولى وبعنصر الوراثة في تشكيل سلوكيات الإنسان ومعتقداته على السواء، ومن هنا يتضح لنا معلم أساسي من معالم منهج العقاد في كتابة الترجمة الذاتية، بل في كتابة السيرة بعامة، وهو أنه يقدم على الشخصية التي يترجم لها كأنها موضوع دراسة لا بد أن تلتئم نتائجه مع مقدماته، وكأن الشخصية موضوع الترجمة أمامه مجموعة من الظواهر المادية والمعنوية التي تصدر في بدايتها عن عوامل بيئية ووراثية، وتئول في نهايتها إليها. وهو منهج تبريري في أساسه، يرد فيه الكاتب كل مزية أو نقص في الشخصية التي يترجم لها إلى ما كمن فيها من
стр. 166
استعداد بأثر الوراثة أو أثر البيئة. وهذا ما صنعه في ترجمته لنفسه، فهو لا يروي سيرة حياته بكل ما فيها، ولا يكتفي بتسجيل ذكرياته عن الأشخاص والأحداث كما مرت في حياته، أو يكتفي برواية مواقفه ومغامراته بمعزل عن أي قيمة اجتماعية أو موقف أخلاقي، بل يجعل ما يختار روايته من ذلك موضع تأمل، ومادة لا بد لها من تفسير. ومن ثم نستطيع أن نقول: إن كتاب "أنا" لا يحكي لنا قصة حياة العقاد بقدر ما يعكس محاولة الكاتب فهم نفسه.
وتسلمنا هذه الحقيقة العامة إلى أسلوب العقاد في تناول كل عنصر من العناصر التي أدار عليها الكلام في فصول ذلك الكتاب، ذلك أنه يدخل إلى الحديث -في الأغلب الأعم- من مدخل فكري وتأملي عام، يطول أحيانًا ويقصر أحيانًا، وكأنه شرح أو تبرير لما سيتحدث به عن نفسه فيما بعد. ولنقف -على سبيل المثال- عند بداية الفصل السابع من الكتاب لنجد مصداق هذا.
في مستهل هذا الفصل يتحدث العقاد -تحت عنوان "طفت العالم من مكاني"- حديثًا مستفيضًا عن كبار الرحالين وكيف أنهم تملكهم -على الرغم منهم- "ملكة شخصية" يصح أن تسمى عبقرية السياحة، وكيف أن هذه الملكة الشخصية تستمد أصولها من ملكة قومية، حيث خرج هؤلاء الرحالون من أمم قد تعود أبناؤها الرحلة، كالعرب؛ لأنهم أبناء بادية، والفينيقيين والإغريق والبنادقة والبرتغاليين والإنجليز؛ لأنهم جميعًا بحريون وملاحون. ثم ينتقل إلى الحديث عن نوع آخر من الرحلة في غير المكان, وهي الرحلة في داخل النفس، أو في عالم الخيال، حيث تتم الرحلة دون أن يفارق الإنسان مكانه خلال عشرات السنين، كأبي العلاء المعري، الشاعر العربي، رهين المحبسين، وكجول فيرن، الكاتب الفرنسي المشهور في عالم القصص العلمي.
حتى إذا ما انتهى من تقرير هذين النوعين من الرحلة، راح يحدثنا عن نفسه، كيف أنه ينتمي إلى الرحالين بغير انتقال، على الرغم من أنه في صباه كان مشوقًا للسياحة في مشارق الأرض ومغاربها. إنه يرد ذلك الشوق القديم إلى ما يسميه "عارضًا من عوارض الصبا التي تنزوي مع الزمن وراء غيرها من الميول المتمكنة في السليقة"١. وكان الميل المتمكن من السليقة لديه هو حب العزل التي نشأ عليها وورثها من أبويه٢. فهو إذن أميل إلى ذلك النوع من الرحلة الذي يتحقق دون الانتقال في المكان, على أنه يعتقد أنه لم يخسر بذلك شيئًا مما يحصله الرحالون المتنقلون.
стр. 167
مهما يكن من شيء فإن رغبة العقاد في الحديث عن ميله إلى العزلة وعدم إقباله على السياحة في المكان اقتضت منه ذلك التمهيد الطويل عن كبار الرحالة في العالم، وعن ملكة الرحلة، وعن الشعوب التي صارت الرحلة ملكة من ملكاتها القومية ... إلخ.
ولعله من الواضح الآن أن هذا المنهج في كتابة العنصر الواحد من عناصر السيرة يأتلف كل الائتلاف مع المنهج العام للسيرة كلها، في أن الكاتب لا يتجه إلى سرد قصة حياته إجمالا وتفصيلا بقدر ما يحاول التأمل في هذه الحياة، وتفسيرها وتبريرها.
لقد كره العقاد السياحة في المكان، أي: الحركة فيه، وآثر عليها السياحة في النفس. ولعل سيرته الذاتية -"أنا"- كما كتبها تؤكد أنه حتى على مستوى الكتابة، قد آثر أن يستبطن ذاته على أن يحكي قصة حياته، فكان بذلك صادقًا مع نفسه فيما اعتقد وفيما كتب.
стр. 168
٢- المقالة:
وكلمة المقال ليست غريبة على اللغة العربية، ولكنها من حيث دلالتها الفنية تعد محدثة في أدبنا العربي، والحق أن تاريخ المقالة عندنا يرتبط بتاريخ الصحافة، وهو تاريخ لا يرجع بنا إلى الوراء أكثر من قرن ونصف قرن بكثير؛ وبذلك يكون المقال قد دخل في حياتنا الأدبية بعد أن أخذ في الآداب الأوروبية وضعه الحديث. وذلك أن أول استعمال لكلمة مقال Essay ظهر حين نشر "مونتين"١ مقالاته عام ١٨٥٠، ولكن كلمة "مقال" كانت في الحقيقة أقرب إلى ما عرفة الأدب العربي القديم في "الرسالة" لا الرسالة الشخصية أو الديوانية, ولكن الرسالة التي تتناول موضوعًا بالبحث، كرسالة إخوان الصفا مثلا, وهي بذلك كانت تطول حتى تملأ عشرات من الصفحات. أما المقالة في وضعها الفني الحديث فتتميز بالقصر؛ لأنها "لا تحاول أن تشمل كل الحقائق والأفكار المتصلة بموضوعها كما صنع "لوك"٢ في "مقال عن الإدراك الإنساني"، ولكنها تختار جانبًا أو على الأكثر قليلًا من جوانبه لتجعله موضع الاعتبار. وهنا يكون ما فيها من فن؛ لأن المؤلف يجب أن يختار هذه الجوانب من موضوعه بحيث يستطيع تقديمها إلى قرائه بطريقة مشوقة. وهذا لا يتضمن المهارة في اختيار موضوع محدد، والحرص في اختيار المادة المتصلة به فحسب، بل يتضمن كذلك الحذاقة Graftsmanship الكافية
стр. 169
لتوزيع درجات القوة على المواضع المناسبة من المقالة؛ وذلك لضمان الاستجابة المطلوبة عند القارئ"١.
فالمقال ليس حشدًا من المعلومات، وليس كل هدفه أن ينقل المعرفة، بل لا بد إلى جانب ذلك أن يكون مشوقًا، ولا يكون المقال كذلك حتى يعطينا من شخصية الكاتب بمقدار ما يعطينا من الموضوع ذاته. فشخصية الكاتب لا بد أن تبرز في مقاله، لا في أسلوبه فحسب، بل في طريقة تناوله للموضوع وعرضه إياه، ثم في العنصر الذاتي الذي يضيفه الكاتب من خبرته الشخصية وممارسته للحياة العامة.
والمقال نفسه يبدأ بأن يكون فكرة في رأس الكاتب، تظل في رأسه فترة من الزمن، تنمو فيها وتكبر وتأخذ الشكل السوي. وهي في تلك الفترة من النمو تتغذى من ملاحظة الكاتب، ومن قراءاته المتعددة النواحي، ومن خبراته الشخصية؛ ومن هنا اعتمد المقال على الحكاية والمثل والإشارة إلى جانب المادة التحصيلية, وكل ذلك يتشكل -حين يأخذ صورته النهائية- بحالة الكاتب النفسية. ومعنى هذا أن الكاتب يحدد مشروع مقاله قبل أن يكتبه بحيث تتوجه كل مادته على اختلاف أنواعها إلى جلاء فكرة واحدة في جميع جوانبها. وفي الوقت الذي يحرص فيه الكاتب على تماسك مقاله وقوته نجده حريصًا على إمتاع قارئه.
ولما لم يكن للمقال ميدان محدد فقد رأيناه يتنوع أنواعًا عدة، فمقال أدبي، وآخر سياسي، وثالث اجتماعي، ورابع نقدي ... إلى غير ذلك من الأنواع. وقد كانت صحافتنا -قبل الحرب العالمية الأخيرة- صحافة مقال، أي: إنها تعتمد اعتمادًا كبيرًا في تحريرها على المقالات المختلفة، ثم تحولت فترة إلى صحافة خبر، وأصبح دور المقالات ثانويًّا. أما في الوقت الحاضر فقد عادت المقالة تحتل مكانها في الصحف والمجلات على السواء، ولا ننسى أن المجلات الأدبية تهتمّ بالمقالة اهتمامًا خاصًّا.
وفيما يلي دراسة لإحدى المقالات:
شهر الدكتور زكي نجيب محمود -من بين المشتغلين بالفلسفة، ومنذ وقت مبكر- بكتابة المقال، فقد شغل -إلى جانب الفلسفة والتفلسف- بالظاهرة الأدبية، وتكون لديه تصور عملي لفن المقال، الذي يمتزج فيه الفكر بالحس، والتصور النظري بالتجربة العملية، والتاريخ بالواقع. والمقصود بالتصور العملي هنا هو طريقة إنشاء المقال وتركيب عناصره على نحو يحقق له الوحدة الموضوعية من جهة، ويجعله مثيرًا ومشوقًا للقارئ العام من جهة أخرى.
стр. 170
وهذا مقال نشره بعنوان "مدينة الفكر كثيرة الأبواب"١.
ونلاحظ منذ البداية أن هذا العنوان قد صِيغ في جملة تامة مفيدة، وهي عبارة تبدو بسيطة للغاية، ومع ذلك فمن الواضح أنها لا ترد على الذهن ابتداء، أعني أنها لا تعبر عن مشكلة تطرح للوهلة الأولى على بساط التفكير، بل تبدو كما لو كانت تلخص النتيجة الأخيرة لسلسلة من الأفكار. ومن ثم تنشأ لدى القارئ -إثر قراءته لهذا العنوان- الرغبة في أن يعرف تلك الأفكار التي قادت إلى هذه النتيجة.
وهذه هي الإثارة الأولى التي يمكن أن يحققها عنوان المقال لدى القارئ, وذلك عندما ينجح في حفزه على قراءة المقال. وربما كان يغلب على الاعتقاد أن العنوان الذي تتصف صيغته بالغموض هو العنوان المحقق للإثارة، ولكننا رأينا هنا كيف أن العنوان الذي صيغ في جملة "مفيدة" كان أيضًا مثيرًا.
والمعول في كل الأحوال على مدى قدرة العنوان على أن يثير في ذهن القارئ هذا السؤال:
كيف كان ذلك؟ فعند ذاك تتولد لدى القارئ الرغبة في قراءة المقال. فإذا قال الدكتور زكي نجيب محمود في عنوان مقاله: إن "مدينة الفكر كثيرة الأبواب" قلنا: وكيف كان ذلك؟ وهنالك نشرع في قراءة المقال.
وكما أن عنوان المقال يؤدي دورًا مهمًّا في إثارة ذهن القارئ ودفعه إلى قراءة المقال، فكذلك الشأن بالنسبة إلى مدخل المقال نفسه، فكاتب المقال يختار المدخل الذي يظل يترجح في علاقته بالموضوع بين الوضوح والغموض، والذي قد يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن صلب الموضوع، وإن اتضحت علاقته الماسة به فيما بعد.
وقد دخل الكاتب إلى المقال الذي بين أيدينا من مدخل غريب، فحدثنا عن كتاب عربي صدر في مستهل الخمسينيات بعنوان "علمتني الحياة" يضم مجموعة من المقالات لكتاب غربيين وعرب، يتحدثون فيها من خلال تجاربهم عما علمتهم إياه الحياة. وكان كاتبنا واحدًا ممن اختيروا من الكتاب العرب للكتابة في هذا الموضوع. ويستعيد كاتبنا خلاصة ما قاله حينذاك، وهو أنه "كلما امتدت الأعوام بالإنسان قلت حدة انفعاله، وزادت رجاحة عقله"، فإذا بسلوكه يختلف أمام الموقف الواحد، فيكون انفعاليا في سن الشباب، رزينا ومتعقلا في سن الكهولة فضلا عن الشيخوخة. ثم يذكر الكاتب أنه
стр. 171
ضرب لذلك مثلًا واقعيًّا شهده في جدته لأبيه، كيف بلغ بها الحزن والهلع حد الجنون عندما غرق أحد أبنائها في النيل، وكيف كظمت حزنها على وفاة ابن آخر لها بعد عشرين عامًا من الواقعة الأولى.
وإلى هذا يبدو الحديث غريبًا عن الموضوع، إذن ما العلاقة بين تطور الإنسان في حياته من الانفعالية الثائرة إلى العقلانية الهادئة، ومدينة الفكر الكثيرة الأبواب؟ لكن المؤكد أن الكاتب لن يكتب كلامًا لا علاقة له بما هو فيه، إلا أن يكون فاسد التفكير. وإذن فلا بد من المضي في القراءة لاستجلاء المقصود من هذا المدخل, وعندئذ يكون الكاتب قد ولد لدى القارئ الرغبة في متابعة القراءة، حتى يدرك لم اختار الكاتب هذا المدخل لموضوعه.
ويمضي الكاتب بعد ذلك فيسأل نفسه عما إذا كان ما يزال عند رأيه القديم ذاك، فيقرر أن رأيه لم يتغير، ولكنه يضيف إليه إضافة جديدة ومهمة، مؤداها أنه يجب على الإنسان ألا يضيق على نفسه الأفق، بأن يقف من أي موضوع معروض للنظر موقفًا يقول فيه: "إما.. وإما.. ولا ثالث لها". ذلك أن معظم الأمور تحتمل الجمع فيها بين جانب وجانب، بل بين عدة جوانب كان المظنون في أول الأمر أنها لا تجتمع.
وواضح أن هذه الإضافة الجديدة تترتب على الفكرة الأولى، التي توضح كيف أن الفرد نفسه يتعامل مع الموقف الواحد في زمنين مختلفين بأسلوبين مختلفين.
وهنا يشرع الكاتب في ضرب مثال واقعي يؤكد به الفكرة الجديدة، فيذكر كيف مرت أعوام كان فيها هو وزملاؤه من أساتذة الفلسفة يعتركون حول النظرة الفلسفية الصحيحة وما تكون، فكان منهم من يرى أنها النظرة المثالية، ومنهم من يرى أنها النظرة الوجودية، وكان هو نفسه يرى "أن النظرة الفلسفية الصحيحة هي ما يجعل المعرفة العلمية موضوعه الرئيسي، وما يجعل لشهادة الحواس المنزلة الأولى في الحكم على تلك المعرفة بالصواب أو بالخطأ". ولكنه أدرك -فيما بعد- أن النظرة الصائبة صوابًا كاملًا "هي تلك التي تجمع تلك الاتجاهات كلها في رقعة واحدة"، على أساس أن الكيان الإنساني نفسه إنما يقوم على عدد من العناصر، وأن الحياة الإنسانية متعددة الجوانب. فإذا اهتم الكاتب بجانب الحياة العلمية فليس يمنع هذا أن يهتم غيره بجانب آخر.
ومرة أخرى يعود الكاتب فيضرب مثالا ولكنه في هذه المرة مثال افتراضي، فيشبه الأمر بجماعة من الناس "وقفوا جميعًا ينظرون معًا إلى منظر واحد، لكنّ كلا منهم أخذ ينظر إليه من زاويته الخاصة، فأحدهم يفكر لنفسه: هل يصلح هذا المكان لإقامة ملعب للكرة؟ وآخر يفكر لنفسه: ماذا لو أحضرت أدواتي غدا, وجلست أرسم هذا المنظر؟
стр. 172
وثالث يفكر لنفسه متسائلًا: كيف لم يحدث له أن يصطاد السمك من النهر الجاري هناك؟ ورابع، وخامس ... إلخ".
ثم يتساءل: "أفنقول في هذه الحالة: إن اتجاهات أولئك متعارضة؟ أم الأصوب أن نقول عنها: إن بعضها يكمل بعضًا؟ ".
وهكذا ينتهي الكاتب في هذه المرحلة من المقال إلى تقرير أن ما قد نظنه تعارضًا في وجهات النظر إنما هو تعارض وهمي، إذ هي في حقيقة أمرها زوايا للنظر مختلفة.
وإذا كان مدار الحديث حتى الآن هو الآراء والأفكار الفلسفية، فإن الأمر لا يختلف إذا نحن انتقلنا إلى إطار معرفي آخر، هو الآراء والأفكار الأدبية أو الفنية بعامة.
وهنا يشرع الكاتب في بيان كيف أن زوايا النظر إلى الفن قد تختلف فتنشأ عن ذلك مذاهب مختلفة في النقد الفني. وهذه الزوايا لا تخرج -في رأيه- عن أربع: زاوية نفسية، وزاوية اجتماعية، وزاوية شخصية انطباعية، وزاوية شكلية، ثم يتساءل: "هل هذه الوقفات الأربع متعارضة؟ ". وهو يقرر -في الإجابة عن هذا السؤال- أن الأقرب إلى الصواب أن نقول: إن كل اتجاه يجيء إضافة إلى الاتجاهات الأخرى, فقراءة العمل الأدبي وفهمه من زاويتين أفضل من قراءته وفهمه من زاوية واحدة. ويزداد هذا الفهم إذا كان من ثلاث زوايا, ويكتمل الفهم إذا قرئ العمل الأدبي من خلال الزوايا الأربع مجتمعة.
حتى إذا فرغ الكاتب من تقرير هذه الحقيقة على مستوى الفكر الفلسفي, ومستوى الفكر الأدبي بدا كما لو أنه ساق كل هذا التحليل ليتخذ منه مدخلًا للحديث عن خطاب بعث به إليه واحد من الحاصلين على درجة الليسانس في الفلسفة -ذكر الكاتب اسمه- على أثر قراءته عن اتجاه الكاتب في النقد، على نحو ما شرحه في كتابه "قصة عقل". ونفهم من هذا الخطاب أن اتجاه الكاتب في النقد الأدبي هو ذلك الاتجاه الذي يعنى بدراسة النص ذاته، بغض النظر عن دوافع صاحبه النفسية وظروفه الاجتماعية، في حين أن فهم الحياة النفسية والاجتماعية للفنان -في رأي صاحب الخطاب- يساعد الناقد كثيرًا في تحليله للأثر الأدبي.
وهنا يعود الكاتب -في صدد الرد على صاحب الرسالة- ليؤكد فكرته السابقة في أن اختيار الناقد لزاوية من زوايا النظر الأربع لا يعني إلغاء الزوايا الأخرى.
ثم يورد الكاتب جزءًا آخر من الرسالة، يأخذ فيها صاحبها عليه ما تقوله -أي الكاتب- من أن "من يقول حقيقة عامة، يعد قوله بعيدًا عن الفن الرفيع". وصاحب الرسالة إذ ينكر عليه هذا القول، يسوق بيت أبي تمام القائل:
стр. 173
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
ثم يتجه إلى الكاتب بهذا السؤال: "أتراك بموجب هذا تحكم على هذا البيت من الشعر بالبعد عن الفن الرفيع لكونه يقرر حقيقة تقريرية؟ ".
ويجيب الكاتب بأن ذلك البيت "ما كان ليكون شعرًا في الأساس إذا لم تكن مفرداته قد صيغت في هذا النظام الخاص، ووقعت في هذا الوزن الخاص، فهذا وذاك يكونان "الشكل" الذي هو جواز المرور المبدئي لدخوله في دنيا الفن". وعلى هذا الأساس يمضي الكاتب في بيان كيف يمكن له دراسته وتحليله على أساس معطياته الشكلية؛ ليبين موقعه من الفن الرفيع.
على أنه يعود مرة أخرى فلا ينكر أهمية الزوايا الأخرى التي يمكن النظر منها إلى ذلك البيت، فهي بكل تأكيد تزيد القارئ فهمًا، فالمعرفة بالخلفية التاريخية أو الاجتماعية لبيت تزيد دلالته الفعلية وضوحًا لدى القارئ, ومع ذلك فإن هذا البيت "يظل بشكله الفني شعرًا رفيعًا".
وعند هذا المدى يكون الكاتب قد بسط موضوعه بسطًا كافيًا، وعرض أفكاره المتعلقة به عرضًا شافيًا، فلم يعد يبقى سوى كلمة ختام يذكر فيها الكاتب خلاصة كل هذه الأفكار، والنتيجة الأخيرة التي يراد من القارئ أن يعيها في ذاكرته، إما ليأخذ منها أو يعارضها، وهي أن الحياة قد علمته أن "مدينة الفكر كثيرة الأبواب"، بمعنى "أن الموضوع الواحد يمكن للفكر أن يتناوله من عدة جهات، دون أن تجيء الأحكام عن الجوانب المختلفة مناقضًا بعضها لبعض، بل هي قد تكون متكاملة يقوي بعضها بعضا" وعند ذلك يتضح لنا أن هذه النتيجة هي التي صيغ منها عنوان المقال، الذي هو أول شيء يلقاه القارئ. وعلى هذا النحو تلتئم نهاية المقال ببدايته، وتقفل الدائرة، وتصبح كل الأفكار الجزئية التي اشتمل عليها المقال بمثابة الخلايا المتفاعلة في الكيان العضوي الحي.
وهكذا يكشف لنا هذا المقال عن كثير من أسرار النجاح في هذا الفن من الكتابة. فمن الواضح أن الكاتب قد اختار فكرة أساسية محورية دارت حولها أفكاره الأخرى المستمدة من مجالات مختلفة وكانت في خدمتها. وهو كذلك قد قلب الفكرة فنظر إليها من وجوه مختلفة، واعتمد في هذا على قراءته الفلسفية مرة، والأدبية مرة، كما اعتمد على خبراته الشخصية وتجاربه في الحياة. وهو في كثير من المواضع كان يلجأ إلى
стр. 174
ضرب المثل؛ لما لذلك من أثر قوي في تقرير الفكرة المطلوبة في الأذهان. وربما بدا في بعض الأحيان مستطردًا، على نحو ما صنع في إيراد أجزاء من الرسالة التي بعث بها إليه أحد القراء، ولكننا ما نلبث أن ندرك أن هذا الاستطراد لم يخرج بنا عن صلب الموضوع، وأنه كان نوعًا من الاستشهاد بالوقائع، شأنه شأن ضرب الأمثال. وأخيرًا, فإن المادة الغزيرة المتنوعة التي بنى منها الكاتب موضوعه كانت مترابطة الأجزاء, ومتسلسلة تسلسلًا منطقيًّا مقنعًا.
стр. 175
٣- الخاطرة:
والخاطرة من الأنواع النثرية الحديثة التي نشأت في حجر الصحافة, ولكنها تختلف عن المقال من عدة وجوه:
فالخاطرة ليست فكرة ناضجة وليدة زمن بعيد، ولكنها فكرة عارضة طارئة.
وليست فكرة تعرض من كل الوجوه, بل هي مجرد لمحة.
وليست كالمقالة مجالًا للأخذ والرد، ولا هي تحتاج إلى الأسانيد والحجج القوية لإثبات صدقها، بل هي أقرب إلى الطابع الغنائي. وما زلت أذكر للأستاذ الدكتور أحمد أمين "وكان من كتاب الخاطرة, وقد جمع خواطره في عدة مجلدات" تلك الخاطرة التي كتبها عن قطعة الورق التي مزقها وهو جالس إلى البحر فحمل الريح أجزاءها وذهب بكل جزء إلى جهة ما, كما تصنع الحياة بالناس ومصائرهم. فهنا لا نجد فكرة تحتمل الاتفاق أو الاختلاف، ولكنها لمحة ذهنية بمناسبة ذلك الحادث العرضي "تمزيق الورقة" محملة بمشاعر الكاتب.
ثم لا ننسى الاختلاف في الطول، فالخاطرة أقصر من المقال، وهي لا تجاوز كثيرًا نصف عمود من الصحيفة، وعمودًا من المجلة. وإذا ذكرنا الصحيفة والمجلة فإنما نذكرهما لنعود لتقرير أن الخاطرة في وقتنا قد أصبحت عنصرًا صحفيًّا نطالعه في كل جريدة وكل مجلة، والصحف تعطي هذا العنصر عنوانًا ثابتًا؛ لأن الخاطرة تكون عادة -وهي تختلف في ذلك أيضًا عن المقال- بلا عنوان. من هذه العناوين: "فكرة"، "نحو النور"، "شموع تحترق"، "ما قل ودل".. إلخ.
وهذا النوع الأدبي يحتاج في الكاتب إلى الذكاء، وقوة الملاحظة، ويقظة الوجدان، وهو يتمشى مع الطابع الصحفي العام في الاهتمام بالأشياء الصغيرة السريعة وتفضيلها على الكتابات المطولة. وأهميتها تأتي من أنها تستطيع لفت القارئ إلى الأشياء الصغيرة في الحياة، التي لها دلالة كبيرة.
стр. 176
ولنقف الآن وقفة أطول عند خاطرة من خواطر الأستاذ أحمد أمين الممتعة, ومن الطريف أنه نشرها بعنوان: "من غير عنوان"١.
يبدأ الكاتب خاطرته بالحديث عن أكلة أكلها فساء هضمها في معدته، فانقبضت نفسه نتيجة لذلك، وتغير مزاجه، وفارقه المرح، وسئم كل شيء حوله، وبرم بمخالطة الناس كما برم بالعزلة عنهم، وكره السكوت كما كره الكلام. وعلى الجملة فقد اسودّ كل شيء في عينيه، فصار يرى العالم متجهمًا، "ثقيل الروح، فاسد المنطق"، يستوي فيه السعيد والشقي، والفقير والغني، والذكي والغبي، فقد سوى بينهم القبر. أما نظام هذا العالم فقد لاح له أنه فوضى، وأما الحياة فكلها فساد، وأما العيش فهذيان وتعلل بالأباطيل، وأما الدنيا فتلعب بالناس لعب الكرة. "وكل شيء في العالم مفترس؛ أسد يفترس ذئبًا، وذئب يفترس حَمَلًا، وإنسان يفترس كل شيء حتى نفسه". ثم زاد تلبّك معدته فزادت نقمته على الحياة. وفي خلال ذلك كانت أقوال قديمة للشعراء تتقاطر في ذهنه، مؤكدة كل المعاني السلبية البشعة التي رآها في العالم وفي الحياة وفي الناس.
ثم تناول -كما يقول- دواءً هاضمًا فتغير مزاجه وتغيرت نظرته من النقيض إلى النقيض، فأخذ يهش للحياة، وينظر إلى العالم بوجه منطلق، فإذا العالم يتألق في عينيه جمالًا، ورقة، وعذوبة، وإذا كل شيء حوله يتهلل بالبشر، وإذا الدنيا "قيثارة يوقع عليها شجى الألحان ... ". وكما تقاطرت الأشعار القديمة على ذهنه في الحالة الأولى، تقاطرت أشعار قديمة أخرى في ذهنه، مؤكدة في هذه المرة كل الجوانب الإيجابية المحببة في الحياة.
وهنا يقف الكاتب ليتأمل ما حدث في الحالين فيهوله الأمر، ويقول: "رحماك اللهم! إن كان درهم من دواء هاضم يغير وجه العالم، ويحيل السواد بياضًا، والشقاء سعادة، والقبح جمالًا، والظلام نورًا، والحزن سرورًا، فأين الحق؟ ".
ومن الواضح أن الكاتب هنا لم يناقش موضوعًا بعينه، ولم يصدر في كتابته عن فكرة محددة ومختمرة في ذهنه، ولم يرد أن يقرر في نفس القارئ وجهة نظر خاصة، فالأمر كله لم يخرج عن ملاحظة حالته المعنوية عندما ساء هضمه وتلبكت معدته، وحالته عندما زال هذا السوء وهذا التلبك. والغريب أن يتم هذا التحول من النقيض إلى النقيض نتيجة لتناوله جرعة دواء هاضم، ولكن الأغرب منه أن نجد الشعراء يتحدثون بلسانه في الحالين، فإذا هم -بما قالوا- يدعمون ذلك التناقش. ومن هنا ينهي الكاتب
стр. 177
كلامه بهذا السؤال الكبير: أين الحق؟ وهو يلقي هذا السؤال على القارئ في اللحظة التي يقرر فيها أن يصمت وكأنه يدعو القارئ إلى التأمل في قضية الحياة وموقف الإنسان منها، وكيف أن هذا الموقف قد يتأثر إلى أبعد حد بالحالة التي تكون عليها معدة الإنسان، أليس هذا الأمر مدعاة للسخرية؟!
وعلى هذا النحو تصبح الخاطرة المكتوبة -على الرغم من صغر حجمها- عملًا مثيرًا للذهن وممتعًا في الوقت نفسه، فيه من الشعر خاصية التركيز، وعمق النظرة، وحدة الشعور بالأشياء.
هذه هي ترجمة الحياة والمقال والخاطرة، رأينا ضرورة عرض أصولها بعد أن عرضنا نظريات الأدب والنقد والشعر والقصة والمسرحية.
وبذلك نكون قد وقفنا على أبرز فنون الأدب بأنواعها المختلفة، ونرجو -بعد- أن نكون قد حققنا الغاية التي من أجلها ألف هذا الكتاب.
стр. 178
المراجع
...
стр. 179
الفهرس
٤ إهداء
٥ مقدمة الطبعة الثامنة
٦ افتتاح
الباب الأول: نظرية الأدب والنقد الأدبي
الفصل الأول: نظرية الأدب
٩ ١- تعريف الأدب
٩ معنى كلمة "أدب"
١٠ فن الكلمة
١١ المزاولة النفسية للعمل الأدبي
١٢ المتعة والمنفعة في العمل الأدبي
١٣ الحياة مادة الأدب
١٤ عناصر العمل الأدبي
١٥ صفات الأدب المرضي
١٦ مشكلة الموضوعات الأدبية
١٧ شخصية العلم الأدبي
٢٠ إمكانيات اللغة
٢١ ٢- مشكلة الأسلوب
٢٤ ٣- العلاقة بين الأدب والمجتمع
стр. 180
٢٧ ٤- مناهج دراسة الأدب
٢٩ المذاهب الأدبية:
٢٩ الكلاسيكية، الرومانتيكية، الواقعية، الرمزية، السيريالية، الدادية، الوجودية، اللامعقول
الفصل الثاني: نظرية النقد
٣٩ معنى النقد
٣٩ أهمية النقد
٤٠ طبيعة النقد
٤٣ قواعد النقد
٤٤ مراحل العملية النقدية
٤٩ الأساس النقدي للأدب القديم والحديث
٥٢ النقد التفسيري للأدب
٦٠ النقد الحكمي
الباب الثاني: الفنون الأدبية
٦٩ تمهيد: الأنواع الأدبية
الفصل الأول: الشعر
٧٥ قدم فن الشعر
٧٥ محاولة تعريفه
٧٦ طبيعة الشعر
٧٩ الانفعال والفكرة