إلينا خدمة كبيرة عندما يتولى عرض ذلك الأدب علينا، فنحن نتوق لأن نقرأ "المعري" في "رسالة الغفران" وفي "سقط الزند" وفي "اللزوميات"، وغير ذلك من إنتاجه الأدبي، ولكننا لا نجد الوقت لذلك؛ لأن هناك عشرات بل مئات من الأدباء غير المعري نتوق لقراءاتهم. وعندئذ يقوم النقد بمهمته التي لا تنكر، وهي أن يعرض لي المعري في كل مؤلفاته، فأعرف عنه ما لم يكن يتسع قوتي لاستنباطه من أدبه حين أطلع عليه جميعه، وكذلك الأمر مع غيره من الكتاب والأدباء، أستطيع أن أعرف عنهم -عن طريق الدراسات النقدية- شيئًا أفضل من أن أظل جاهلا بهم. أليس من الحق أننا نستفيد من خبرات غيرنا، ومن آرائهم، ومن نظراتهم إلى الأشياء، ومن أحكامهم النقدية؟ أليس حقا كذلك أننا نكون في كثير من الحالات في حاجة إلى خبرات غيرنا، وآرائهم، ونظراتهم؟ وهذا ما يجعل عمل الناقد ضرورة، برغم ما يمكن أن يكون له من سوء الأثر في تحيزنا، أو في اكتفائنا من المعرفة بما كان ينبغي أن نعرف أكثر منه، ولكن يخفف من ذلك أن الناقد الحق شخص مسلح بالمعرفة الواسعة، والقدرة الخاصة على النظر والفهم؛ ومن ثم فإنه يلفتنا في الطريق إلى ما نمر عليه دون أي انتباه، ويمدنا دائمًا بوجهة النظر الجديدة، ولسنا ملزمين دائمًا برأي الناقد، فنحن كثيرًا ما نختلف معه كما نتفق معه، وهذا يدل مرة أخرى على أننا نكسب دائمًا من عمل الناقد، على أي صورة كان موقفنا من نقده ورأيه. وسوف نعود بعد قليل إلى ذلك.
стр. 37
طبيعة النقد:
ولكن هل لنا الآن أن نعرف طبيعة عمل الناقد؟ لقد عرفنا في الفصل السابق كيف يرتبط الأدب بالحياة. ولا يجد أحد حرجًا في أن يقول: إن الأدب "يخلق" لنا حياة، فطبيعة العمل الأدبي إذن هي الإبداع، أي: إبداع شيء "لم يكن" من أشياء "كائنة" من قبل، فإلى أي حد تتفق أو تختلف طبيعة النقد مع ذلك؟
يقول هدسون: إن الناقد الذي يقوم بتفسير شخصية كاتب عظيم كما تظهر في نتاجه، وبتفسير هذا النتاج في جوانبه المختلفة بوصفه تعبيرًا عن الرجل نفسه, هذا الناقد يتناول الحياة بحق، تمامًا كما صنع الشاعر أو الكاتب المسرحي الذي كانت كتابته مادة لدراسته. فالكتاب العظيم شيء حي كالعمل العظيم، والعمليات الأدبية لها من الحيوية ما لتلك العمليات التي يتضمنها أي نشاط آخر من جوانب النشاط المختلفة في الحياة. إن النقد الحق يأخذ مادته وإلهامه من الحياة كذلك, وهو كذلك إبداعي، ولكن بطريقته الخاصة١.
стр. 38
هذه وجهة نظر تجعل بين طبيعة النقد وطبيعة الأدب شبهًا -إن لم يكن تطابقًا- كبيرًا.
ولا يمكن بطبيعة الحال أن ننفي أن هناك "نقدًا إبداعيًّا Creative criticism" كهذا، ولكن هل يكون الإبداع هو طبيعة النقد؟ ففيمَ إذن يختلف عن الأدب؟! أعتقد أن هذا الاختلاف يمكن أن يتضح لنا إذا نحن حاولنا أن نستعين بمعرفة "الغاية" و"الوسيلة" عند كل من الأديب والناقد، وهنا يحضرني مثال طريف قرأته، هو أننا لا نرصد للص لصا آخر وإنما نرصد له الشرطي, فكذلك الأمر فيما يختص بالأدب، فنحن عادة لا نرصد للأديب أديبًا آخر وإنما نرصد له ناقدًا. صحيح أن اللص قد يكون أعرف بأساليب اللص، وصحيح أن الأديب قد يعرف الأديب ولكننا نضمن أداء المهمة بصورة أكثر إرضاء عندما نعهد بها إلى الشرطي أو إلى الناقد.
ولسنا -بطبيعة الحال- نقصد بهذا المثل تشبيه الأديب باللص والناقد بالشرطي، وإنما أردنا أن نضع يدنا على الفارق الواضح بين نوعين من العمل, ومهمتين متباينتين، هما مهمة الأديب ومهمة الناقد، فالأديب والناقد شخصان مختلفان، يقومان بمهمتين مختلفتين من حيث الغاية والوسيلة.
فإذا كنا نقول: إن عمل الأديب إبداعي creative, فإن طبيعة عمل الناقد recreative. أما مهمة النقد فهي تفسير العمل الأدبي للقارئ لمساعدته على فهمه وتذوقه، وذلك عن طريق فحص طبيعته وعرض ما فيه من قيم١.
وهنا يمكن الوقوف للتساؤل عن عملية التفسير هذه ما معناها وكيف تتم، وكذلك عن معنى القيم، ويمكننا الآن أن نختصر الإجابة عن الشطر الأول من التساؤل فنقول: إن التفسير الذي يقوم به الناقد للعمل الأدبي عملية تحليلية تقوم على الدراسة الفنية لطبيعة العمل الأدبي، من حيث مادته والعناصر المكونة له وطريقة بنائه. وهذه العملية التحليلية تمضي من تصور العمل الأدبي في مجمله إلى دراسة الموقف المفرد أو الصورة المفردة، حسب ما هو مستخدم في هذا العمل, وهذه العملية من شأنها أن تطلع القارئ على كل شيء ولا تخفي عنه شيئًا.
فالقارئ إذا ترك وحده ليرتاد العمل الأدبي لم يستطع -في أغلب الأحيان- أن يكشف كل جوانبه. قد يرى في الشخصية التي في القصة مثلًا جانبًا بذاته ويغيب عنه
стр. 39
جوانب أخرى لا ينبغي إغفالها, وهنا يقال: إن عملية التفسير التي يقوم بها الناقد تكشف للقارئ عن كل ما يمكن أن نسميه إمكانات العمل الأدبي. والذين يضيقون بلفظة الإمكانات يستطيعون أن يستخدموا مكانها لفظة المؤثرات؛ وعندئذ تكون عملية التفسير التي يقوم بها الناقد هي محاولة للكشف عن كل المؤثرات التي يمكن أن يؤثر بها العمل الأدبي. يتضح ذلك إذا نحن لاحظنا ما هو شائع من أن القارئ وحده قد يقرأ العمل الأدبي فلا يتأثر به، أو يتأثر به تأثرًا محدودًا، فإذا قام الناقد بتفسيره له ازداد تأثره به -إيجابًا أو سلبًا فهذا لا يهم هنا- عما قبل، وهذا معناه أن مهمة عملية التفسير التي يقوم بها الناقد هي أن تخلق صلة بين العمل الأدبي والقارئ، وأن تقربه من نفسه. وهذه المهمة لها اعتبارها عندما ننتقل إلى الشطر الثاني من التساؤل وهو الخاص بمعنى القيم.
ولكن قبل أن نفحص موضوع القيم نحب أن نشير إلى أن عملية التفسير السابقة -برغم ما رأينا لها من فائدة الكشف عن كل العناصر المكونة للعمل الأدبي والمؤثرة في القارئ- لها صعوبات جمة من جهة، ولها خطورتها -أحيانًا- على القارئ من جهة أخرى.
أما الصعوبات فأمر يتعلق بالناقد ذاته، فهو الذي يصادف هذه الصعوبات، وهو لأجل أن يقوم بمهمته هذه محتاج دائمًا إلى منهج يرسم له خطوط المهمة حتى لا يضل أو يفلت من يده شيء، فتحليل العمل الأدبي دون منهج واضح في نفس الناقد لهذا التحليل أمر محفوف بالمخاطر.
فإذا تركنا الصعوبات جانبًا اصطدمنا بالخطورة العامة لهذه العملية التفسيرية، وأقل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أننا نسمح للناقد -حين نترك له هذه المهمة- أن يتدخل تدخلا غريبًا في حياتنا، فهو يربطنا بطريقته في الفهم، ويفرض علينا وضعًا معينًا للعمل الأدبي، يضيق علينا فيه الخناق حتى لا نفلت من يده، فندور في نطاق فهمه الذي ضربه حولنا، ونحن بذلك نفقد كل حريتنا في الفهم والتذوق، ولا نستردها إلا حينما نحاول التمرد على هذا الفهم المفروض.
هذه حقيقة, ولكن ينبغي ألا نغالي فيها، فليس كل ناقد قادرًا على أن يقوم بمهمة التفسير هذه على وجهها الأكمل، للصعوبات التي سبقت الإشارة إليها ولغيرها. وهو حين يستطيع ذلك يكون له الحق في أن يقوم بمهمته، ويكون من واجبنا أن نستفيد منه، فهو لا يستعبدنا بفهمه، ولكنه يساعدنا على الفهم. وموقفه في ذلك موقف الأديب ذاته، فأنت تفهم الحياة من خلال تجاربه الخاصة، وهنا أنت تفهم العمل الأدبي من خلال فهم الناقد له, وأنت تستفيد منه إلى أن تصل إلى المرحلة التي تحس فيها
стр. 40
بالحاجة إلى التمرد على فهمه. وفي هذه الحالة الأخيرة ما يزال الناقد يساعدك على اتخاذ موقف خاص بك. ولكننا -برغم ذلك- نحب أن نفهم العمل الأدبي مستقلين، أن نحسن فهمه أو نسيء هذا الفهم، ولكن حريتنا في فهمه مع احتمال الخطأ في هذا الفهم لا يعدلها أن نقيد بفهم الناقد ذاته مهما كان هذا الفهم صائبًا، فأفضل لمتذوق الأدب أن يصيب في فهمه مرة ويخطئ مرة؛ لأنه في صوابه وخطئه ستنكشف له المعالم ويتحدد الطريق.
مهما يكن من أمر موقفنا, فإن مهمة الناقد تتضمن عملية تفسير العمل الأدبي، كما تتضمن عرض ما فيه من قيم.
ولكي يكشف الناقد عن قيم للعمل الأدبي لا بد أن تكون له معرفة سابقة بهذا النوع من القيم. وهو يبدأ في تكوين فكرته عن هذه القيم منذ أن يواجه ذلك السؤال الأول الذي لا بد لكل ناقد أن يبدأ فيسأله نفسه: ما مهمة الأدب؟ والناقد البصير في تحديده هذه المهمة سيجد أن الأدب لا يمكن فصله عن الحياة، وهو حين يصدر حكمه على العمل الأدبي دون أن يدخل في حسابه هذه العلاقة الوطيدة فلن يكون لحكمه أثره؛ لأن هذا الحكم أيضًا لا بد أن يستمد قيمته -كما يستمد الأدب قيمته- من صلته بالحياة. "فالناقد هو الحلقة التي تربط بين العمل الأدبي والحياة، وواجبه أن يحدد هذه العلاقة، وطبيعة القيمة الأدبية تعتمد على طبيعة العلاقة بين الفن والحياة في مجموعها، ومحاولة إصدار حكم على الأدب قبل الوصول إلى تصور نهائي بشأن هذه العلاقة لا يمكن أن يكون لها نتيجة مفيدة؛ لأن ذلك معناه تحديد القيمة بقاعدة غير محددة١.
стр. 41
قواعد النقد:
معنى هذا أن هناك قواعد محددة، أو على الأقل مفهومات محددة، يلزم الناقد أن يأخذ نفسه بها, وهذا صحيح، ولكن الناقد يطبق هذه القواعد أو يستخدم هذه المفهومات بطريقته الخاصة. وقد امتلأ ميدان النقد الأدبي بالمصطلحات الفنية التي ينبغي أن يكون الناقد عارفًا بمعانيها المحددة قبل أن يستخدمها، فهي أدوات فكرية يتعامل الناس بها وينبغي أن تكون واضحة المدلول في أذهان من يستعملونها ومن يتلقونها على السواء. وكثيرًا ما ينشأ سوء الفهم والتفاهم نتيجة لاختلاف المدلولات التي يستخدم من أجلها اللفظ الواحد عند أفراد مختلفين. ونسوق مثالا على ذلك عبارة "الفن من أجل الفن"، فقد شاع بين الكثيرين أن هذه العبارة تقف بمدلولها في موقف معارض للعبارة الأخرى "الفن من أجل الحياة", وعندئذ راحوا يبنون أفكارًا ويصدرون أحكامًا على الأدب الذي يتعرضون لنقده أو الحديث عنه. والواقع أنه لا تعارض هناك؛ لأنه إذا كان
стр. 42
الفن لا يمكن تصوره، ولا يمكن أن يقوم منفصلا عن الحياة، فإن عبارة "من أجل الفن" تتضمن -ولا تعارض- عبارة "من أجل الحياة". فكون الشيء قائمًا من أجل ذاته لا يتعارض مطلقًا مع الفوائد التي تجنى من علاقته بالأشياء الأخرى، كالمثل الذي يسوقه "ديشز١ Daiches" من أن الممرضة التي تقول: إنها تحب التمريض "من أجل التمريض" لا يتنافى معه أن يكون للتمريض الذي تقوم به أثره في حياة الآخرين الذين ترعاهم حتى يصحوا.
لا بد إذن أن يفرغ الناقد بادئ ذي بدء من الخبرة الدقيقة بمدلولات الاصطلاحات التي دارت في ميدان النقد حتى لا يضل في استخدامها حين يعتمد عليها -وهو بحكم عمله مضطر إلى الاعتماد على الكثير منها- في مهمته النقدية. بل أكثر من ذلك أن الناقد الحق يلزمه بناء فلسفي واضح حتى يستطيع أن يقوم بمهمة الحكم على العمل الأدبي. إن له منهجه الذي يتبعه -كما سبق أن بيّنّا- في دراسة العمل الأدبي، ولكن مرحلة الحكم على قيمة هذا العمل سترتبط في ذهنه بنظريته في الحياة، فبحسب هذه النظرية يكون حكمه على قيمة ذلك العمل الأدبي. وطبيعي أن يتبادر إلى أذهاننا الآن أن الحكم بالقيمة ينصبّ في العمل الأدبي على ما فيه من فكرة، أو لنقل على ما فيه من موقف من الحياة. وهذا صحيح ولكن ليس كل الصحة؛ لأن الحكم على العمل الأدبي لا يستقل بجانب منه ويترك غيره من الجوانب, والحكم الذي لا يدخل في اعتباره العمل الأدبي كله، بكل عناصره وكل جوانبه، حكم ناقص. فحين نحكم بجودة الفكرة في قصة مثلا، وننسى الإطار الفني القصصي الخاص الذي عرضت فيه هذه الفكرة، يكون حكمنا ناقصًا؛ لأننا قبل كل شيء لسنا بصدد الحكم على فكر مجرد. وكذلك حين يقف الناقد ليصدر حكمه على جزئية من القصيدة أو حتى عند ظاهرة عامة فيها، تتجلى في استخدام الشاعر ألفاظًا بذاتها، أو عند لجوئه إلى صورة خاصة من التركيب اللغوي، أو ما أشبه ذلك من المسائل الجزئية التي تدرس تحت اسم البلاغة, حينذاك لا يكون لحكمه هذا قيمة؛ لأنه لم يربط بين كل هذه الأشياء والدور الحيوي الذي قامت به في إبراز موقف الأديب هنا من الحياة ونظرته إليها.
стр. 43
مراحل العملية النقدية:
فلسفة الناقد الخاصة التي يتخذ منها معيارًا لقيمة العمل الأدبي لا بد أن تكون فلسفة عقلية فنية في وقت معًا, إذا صح هذا التعبير, أعني أن يدخل الناقد في اعتباره -حين يصدر حكمه- كيف تحققت فكرة القصة -مثلا- تحققًا فنيًّا، فهو عندئذ لا يحكم على صورة العمل الأدبي مستقلة، أو على مضمونه منفصلًا عن صورته "فهذا الانفصال أصبح مقطوعًا بأنه غير قائم"، بل يحكم على العمل الأدبي في مجمله، ومن حيث هو كلٌّ متماسك. يتبع هذا أن الفكرة العظيمة ليس حتمًا أن تظهر في عمل أدبي عظيم؛ لأن عظمة العمل الأدبي لا تستمد من فكرته المجردة، ولكنها كامنة في مجموعه, وليس معنى هذا -من جهة أخرى- أن الإطار الفني هو الذي يجعل للعمل الأدبي قيمة، فكثير من القصص التي لم يخطئ كاتبوها في اتباع الأصول الفنية techniques لكتابة القصة يمكن أن يحكم عليها بأنها قليلة القيمة أو لا قيمة لها على الإطلاق, ولم يرفع من قيمتها مجرد اتباع تلك الأصول. فإذا كنا استبعدنا أن تكون قيمة العمل الأدبي في فكرته، أو أن تكون في اتباعه الأصول الفنية، فأين إذن تكمن القيمة؟ الجواب عن ذلك ليس جديدًا؛ لأننا سنقول: إن القيمة في العمل الأدبي كله.
وهنا تكون أول مرحلة يجتازها الناقد من مراحل عملية النقد هي أن يجيب عن هذا السؤال: هل هذا الذي قرأته أدب أم ليس أدبًا؟ لأنه عند هذه المرحلة يستطيع أن يعفي نفسه من كل المراحل الأخرى حين يقرر أن الشيء الذي قرأه -أو استمع إليه- ليس أدبًا على الإطلاق. فإذا استقر رأيه أن هذا الذي قرأه أدب وليس تاريخًا أو فلسفة أو رياضة، كان عليه أن يحدد أي نوع من الأنواع الأدبية قرأ، رواية أم ملحمة، قصيدة أم قصة قصيرة، مسرحية أم قصة، وهو في تحديد ذلك يأخذ في الحسبان تلك الأصول الفنية المعروفة لكل نوع، التي على أساسها يمكن التفريق بين نوع وآخر. فإذا انتهى إلى أن يقول عن شيء قرأه: إنه أدب وإنه قصيدة غنائية مثلا، كان عليه بعد ذلك أن يقرر ما إذا كان لهذا الأدب أو لهذه القصيدة الغنائية قيمة أو لا قيمة لها. فكونها أدبًا لا يكفي إذن، ولا يعني أن لها قيمة بالضرورة. ألسنا نتساءل دائمًا: ما قيمة هذا العمل الأدبي؟ وقد نجيب بأنه ليس له قيمة أو ليس له قيمة كبيرة. فالقيمة إذن ليست في كون الشيء أدبًا، وإلا عددنا كل ما قيل من أدب قيمًا، وهذا ما لا يمكن أن يوافقنا عليه أحد.
إن لكل عمل فني أصولا موضوعية ينبغي الانتباه إليها، فحقيقة العمل الأدبي من حيث الدوافع إليه ومن حيث مكوناته، حقيقة تخضع للبحث العلمي، ويستطيع علماء النفس أن يساعدوا بدراساتهم التحليلية في الكشف عنها وتحديد سماتها ومعالمها، أما القارئ العادي للأدب فلا يقف ليبحث في شيء من هذا, بل يقف ليواجه العمل الأدبي في صورته الكاملة، فيتمثله كيانًا قائمًا بذاته، تنبثق منه عوامل دفع وجذب كثيرة، تمامًا ككل شخصية. وهو يتمثل ذلك عندما يجد نفسه يقترب من هذا العمل الفني حتى يكاد يحتضنه، أو يبتعد عنه حتى يكاد لا يرى منه شيئًا. ثم هو بعد ذلك يترجم هذا القرب
стр. 44
وهذا البعد إلى لغة الرضاء وعدم الرضاء. أما الناقد فلا يرضى لنفسه أن يقوم بما يمكن أن يقوم به العالم النفسي من تحليلات، ويجعل من هذه التحليلات غايته, وهو كذلك لا يصنع ما يصنعه القارئ حين يصدر حكمه بناء على ما في العمل الأدبي من عوامل جذبته إليه أو نفرته منه، ولكن الناقد بذلك لا يعادي العالم النفسي ولا القارئ العادي، كل ما في الأمر أنه لا يرضى أن يقف عند الغاية التي ينتهي إليها هذا العالم، وهي في مجملها الكشف عن نفسية الشاعر نفسه، وبخاصة حين تعمل، أو حين تبدع، وهو كذلك لا يحب أن يتخذ من ذاته المعيار الذي يحدد الحكم الأخير على العمل الفني، فالناقد تعنيه معرفة خبايا الشاعر. صحيح أن نفس الشاعر هي نقطة البدء، وصحيح أننا لا نرى الأشياء إلا إذا كانت لنا عيون تبصر، ولكن الذي يعني الناقد في المحل الأول هو تلك الأشياء المرئية لا العيون الرائية، هو تلك الأجواء النفسية لا النفس المستبصرة. وكذلك يهتم الناقد أول الأمر بأن يصدر على العمل الأدبي حكمه، ولكنه يتحرك في طريقه إلى هذا الحكم لا من خلال رغباته الخاصة، وغايته الواضحة "فكثيرًا ما تكون طاقة العمل الفني أكبر من ذات الناقد"، بل من خلال بعض الأصول الموضوعية العامة التي تعمل ذاته بكل رغباتها وغاياتها من خلالها.
وما دمت قد وصلت إلى هذا التحديد لضرورة توافر بعض الأصول العامة التي يتحرك الناقد خلالها, فينبغي إذن أن أبادر بتحديد هذه الأصول.
ونستطيع أن نستنبط من المقدمات السابقة أن الناقد حين يواجه أي عمل شعري مثلا, فإنه يفترض منذ البداية أن هناك شاعرًا، وهو بطبيعة الحال لا يعني بالشاعر هنا ذلك الشخص القادر على تنغيم الكلمات، وتدوير المعاني في صورة لفظية موسيقية -كما يقول صديقنا الشاعر صلاح عبد الصبور في إحدى قصائده- بل يقصد بالشاعر هنا "الإنسان" أولا وقبل كل شيء. وواضح أنه ليس من السهل تحديد معنى "الإنسان" "في بعض الحالات يختلف معنى الإنسان بين الأفراد كما يختلف مستوى الإنسانية من شخص إلى آخر"، ولكننا جميعًا نعرف -معرفة ما- ما الإنسان. وفي هذا الأصل يكفي أن يتمثل لنا الإنسان بأي أشكاله وفي أي مستوياته، وعندئذ يكون الأصل الذي لا نختلف عليه هو تمثل ذلك الإنسان في العمل الشعري، ثم نختلف في تقدير هذا الإنسان من حيث النوعية والمستوى. واختلافنا هذا لا يلغي مطلقًا أن عنصرًا أساسيًّا في العمل الفني قد تحقق، ألا وهو الإنسان، فالإنسان هو الشاعر وهو الرسام وهو الموسيقي وهو كل مبدع لأي لون من ألوان الفن.
ولكننا قلنا: إننا لا نريد الإنسان لذاته، ولا نريد أن نتعرف خبايا نفسه؛ لأنها تهمنا بصفة خاصة، ولكننا نريده لكي "يصنع" شيئًا ويصنعه هو بالذات، نريد نفسه وهي
стр. 45
تتحرك بين الأشياء فتكتشف فيها الجوانب الجديدة والعلاقات الجديدة، بل تستكشف حركتها المنظمة المتآلفة، الخافية عن كثير من العيون، وحين تحدث الحركة تقع "الواقعة" لا محالة، فنفس الإنسان في حركتها الدائبة بين الأشياء تقف لتصنع الإطار حول كشفها الذي كشفته، فتبرزه لنا من بين تلك الصور السديمية المختلطة من الحياة. ومرة أخرى قد تختلف حول قيمة هذا الكشف، ولكن هذا الاختلاف لا ينفي الأصل نفسه، وهو أن أي عمل فني لا بد فيه من "الواقعة" التي يبرز لنا من خلالها كشف ذلك الإنسان. ونستطيع هنا -والآن- أن ندرك ما نعنيه عندما نتحدث في بعض الأحيان عما نسميه "التجربة الإنسانية"، فالتجربة الإنسانية -ببساطة- تفاعل بين إنسان وواقعة.
ولكن هل يكفي توافر هذين العنصرين أو الأصلين -الإنسان والواقعة- حتى نقنع بأن ما بأيدينا عمل فني؟ من الواضح أن الإنسان -كل إنسان- يمر في اليوم بوقائع عدة تستوقفه فيضع حولها الإطار الذي يحددها، وينظر فيها نظرته الخاصة، ثم يمضي. وعلى هذا النحو تكون تجربة إنسانية قد تحققت، وبهذا المعنى يكون كل إنسان فنانًا. وهو معنى صحيح إلى حد كبير، ولكن يبدو أن إنتاج العمل الفني لا يكفي فيه أن يتفاعل الإنسان مع الأشياء، وأن ينقل إلينا هذه التجربة، فالتجربة الإنسانية العامة تختلف عن التجربة الإنسانية الماثلة في العمل الفني اختلافًا يسيرًا ولكنه خطير. فلا بد في التجربة الفنية من تحديد "الأبعاد"، فلا يكتفي الفنان بكشف العلاقات السطحية الماثلة، بل يضيف إلى ذلك الغوص في الأعماق، والامتداد مع الجذور المتشعبة المتضاربة، والثقافة هي العامل الأول الذي يرتكز عليه الإنسان في تحديد أبعاد كشفه وارتياده. وتحديد الأبعاد هو في الحقيقة تحديد للدلالة التي استكشفها الفنان خلال العلاقات المختلفة بين الأشياء.
وقد يوجد الإنسان وتوجد الواقعة وتحدد الأبعاد، ومع ذلك لا يتمثل العمل الفني؛ لأن العمل الفني في ذاته وفي الحقيقة "تعبير" عن كائن جديد هو أكثر الأشياء تحققًا في العمل الفني وإن كنا نؤخر الالتفات إليه. فالقصيدة التي أقرؤها -مثلا- ليست إلا تعبيرًا عن إنسان في موقف ذي أبعاد. وفي التعبير يختار الفنان الصورة التي يعبر بها، فيعبر بالقصيدة أو بالقصة أو بالرسم أو بالموسيقى، ولكنه برغم اختلاف وسائل التعبير يحرص في كل حالة على أن يجمع لك العناصر السابقة "الإنسان والواقعة والأبعاد" متشابكة في إطار واحد معبر. وهو لذلك يتناول هذا الإطار بالتعديل من حيث الشكل ومن حيث التركيب، حتى يكون هو التعبير الأوحد عن كل تلك العناصر، الذي لا ينفصل عنها. وهذا ما نعنيه عادة من عبارة "صدق التعبير".
стр. 46
وعلى هذا تكون الأصول العاملة للعمل الفني هي: الإنسان، والواقعة "الموقف الإنساني"، والأبعاد "الدلالة"، والتعبير، وهي الأصول التي يجب أن نطمئن لتوافرها حتى نقول: إن العمل الذي أمامنا عمل فني. وبعد ذلك نختلف في تقدير قيمة هذا العمل الفني فنضيف إلى هذه العناصر أوصافًا، فنقول مثلا: "الواقعة" الحية، "الإنسان" الناضج، "الأبعاد" المحددة، "التعبير" الصادق، وما أشبه ذلك من الصفات، وعندئذ نرفع من قدر هذا العمل الفني. وقد نضيف أوصافًا من نوع آخر فنقول مثلا: "الواقعة" المبتذلة، و"الإنسان" المتخلف، و"الأبعاد" المهوشة، و"التعبير" المفتعل ... إلخ. وعندئذ نحط من قدر هذا العمل, ولا سبيل بعد إلى تحديد الصفات؛ لأنها هي التي تحمل أحكامنا المختلفة، ولكن من السهل كما رأينا -بل من الضروري- أن نحدد الموصوفات.
وقد قلنا: إن الصلة بين الأدب والحياة أمر لازم، ولكن مجرد توافر هذه الصلة لا يكفي حتى يكون هذا الأدب قيمًا. إن العمل الأدبي يكشف لنا عن جانب من جوانب الحياة المتعددة، وهو بذلك يزيد من خبرتنا بها. وفي الوقت الذي يوسع فيه مجال هذه الخبرة إذا هو يعمقها أيضًا. والعمل الأدبي قد يكون وثيق الصلة بالحياة ولكنه يقف منها عند السطح، أو يقف منها عند ما هو مألوف في تجربة الإنسان العادي. وقد يوحي هذا مرة ثانية بأننا نطلب في العمل الأدبي -حتى يكون قيمًا- فكرة أو خبرة جديدة, وعندئذ ترتبط القيمة مرة أخرى بالفكرة أو الخبرة وحدها، وتكون هي العنصر المحدد للقيمة الأدبية. ولكننا نعود لنؤكد أن هذا ليس صحيحًا، فلو كان هدفنا من قراءة العمل الأدبي هو تحصيل قدر جديد من الأفكار الغريبة علينا لكان في قراءة كتب الفلسفة غنى لنا عن كل أدب. فنحن ننشد الجدة والابتكار في العمل الأدبي، في الفكرة والإطار معًا، فالابتكار أساس لقيمة العمل الأدبي. والحق أن كل فكرة تخرج في الإطار الخاص بها، وهي تفرض هذا الإطار على الكاتب منذ بداية تكونها في نفسه؛ فهي لا تكون مستقلة عن الإطار؛ لأنه يتكون معها خطوة خطوة. ومعنى هذا أن الفكرة المبتكرة سترتبط لا محالة بإطار مبتكر. "هذا إذا كانت من الوضوح في ذهن الكاتب بشكل كافٍ" فإذا قلنا: إن القيمة تتحدد في الابتكار كان معنى هذا أننا نقصد الابتكار المتمثل في العمل الأدبي كله. وقد دلت الخبرة على أن أولئك الذين يقلدون في الإطار الفني لا يمكن أن يقدموا أدبًا له قيمة على الإطلاق؛ لأن إطار كل عمل إبداعي أصيل مرتبط بهكل الارتباط كما رأينا. ولا يمكن -تبعًا لذلك- أن نقول: إن الإطار قديم لكن الفكرة جديدة، فيكون الأدب -في هذه الحالة- قيمًا؛ وذلك لأن العمل الأدبي لا يمكن أن يتكون هكذا، فالعمل الأدبي إذن هو العمل الذي يزيد -بأن يوسع ويعمق- من خبرتنا بالحياة. وهذه الخبرة قبل كل شيء خبرة فنية ارتسمت أولًا في وجدان الأديب ثم انتقلت إلى وجداننا.
стр. 47
الأساس النقدي للأدب القديم والحديث:
وهنا يأتي هذا السؤال: أي الأدبين على هذا الأساس أكثر قيمة، الأدب القديم أم الأدب الحديث؟ إن النشاط المعاصر هو النشاط الوحيد المهم حقا بالنسبة لنا, وأدب الزمن القديم لا قيمة له عندنا إلا لأنه ينير الحياة التي نحياها. فالأدب يكتب أولًا لهؤلاء الأحياء القادرين وحدهم على أن يستخرجوا منه الحد الأقصى من كمية المعنى, والنشاط الأدبي جانب حيوي من جوانب الحياة، فلا يستطيع إنسان أن يحيا حياة ممتلئة دون أن يهتم بكل نوع من أنواع النشاط المعاصر. وكما أن العلم المعاصر يهم العالم أكثر من علم العصور السابقة، وكما أن السياسة المعاصرة تهم السياسي أكثر من سياسة١ Walpole أو أفكار "بت Pitt" الأكبر٢، فكذلك الأدب المعاصر، ينبغي أن يكون من الأهمية عند رجل الأدب في المكان الأول٣.
ومعنى هذا أن الأدب الحديث أكثر قيمة؛ لأنه أكثر صلة -بالنسبة لنا- بالحياة التي نحياها، فقد نشأ فيها، وتبع منها. وقد كان نقاد العرب الأوائل يتورطون في أن يجعلوا للقديم كل القيمة, وكانوا يرفضون كل قيمة لأي عمل أدبي محدث, وقد دعتهم إلى ذلك دواعٍ لا محل لها الآن. ولكن ينبغي ألا نقف نحن الآن عند الرأي المقابل، ونتطرف مثلهم، فننفي القيمة عن كل عمل أدبي قديم، لا لشيء إلا أنه قديم، ونخلع القيمة على كل عمل أدبي حديث أو معاصر، ففي الأدب القديم نماذج رائعة لم تفقدها الأيام قيمتها، وكذلك يفتقد كثير من الأدب المعاصر القيمة الحقيقية، ولكن كثيرين منا يحكمون على الأعمال الأدبية المعاصرة بأنها عديمة القيمة للسبب الذي من أجله كان ينبغي أن تعد كبيرة القيمة، وأعني بذلك عنصر الابتكار الذي تحدثنا عنه. فالابتكار -كما قلنا- يقع في العمل الأدبي، في فكرته وصورته على السواء. ومن هنا تطورت الصور الأدبية؛ لأن الأفكار ذاتها تطورت, وفي هذه المرحلة التي يتم فيها الانتقال من طور أدبي إلى طور آخر، لا يجد الكثيرون في أنفسهم الشجاعة الكافية لتقبل الصور الأدبية الجديدة ومحاولة فهمها وتذوقها، بل يقفون منها موقف التنكر، ويسلبونها كل قيمة, ثم يلوذون -بالضرورة- بالأدب القديم. وصحيح أن الأدب المعاصر لا يخلو من
стр. 48
صعوبات في محاولة فهمه وتذوقه فضلا عن الحكم عليه، ولكن يجب ألا تصدنا هذه الصعوبات عن تلك المحاولة. وقد نضطر إلى أن نعدل من موقفنا حتى نستطيع التجاوب مع هذا الأدب, ولا بأس بذلك، فعندئذ ستتفتح أمامنا الآفاق، وما كان صعبًا سيغدو -مع حسن النية وجدية المحاولة- سهلًا ميسورًا. وعلى الجملة ينبغي أن نكون معتدلين في محافظتنا وفي نزعتنا إلى التجديد، وأن نكون -تبعًا لذلك- معتدلين في حكمنا على قيمة الأدب القديم, والأدب الحديث.
فحين نربط بين قيمة العمل الأدبي والابتكار يجب ألا يغيب عن بالنا أن كل جديد لا يعني أنه مبتكر, وأنا أستخدم كلمة الجديد هنا بمعنى أنه أنتج حديثًا أو أنه إنتاج معاصر.
وكثيرًا ما يصطنع النقد مقياسًا آخر غير الابتكار يقيس به قيمة العمل الأدبي, هو مقياس العمل الخالد. فالأدب الذي يحتفظ بكيانه، ويثبت وجوده في كل الظروف، هو الأدب القيم، أما الأعمال الفنية الموقوتة بزمن معين فإن قيمتها تزول بزوال زمنها، وتموت بموت مقتضياتها؛ ومن ثم تكون الأسباب التي أكسبتها شعبية وقتية هي نفسها التي تعمل ضد استمرار حياتها. وهكذا كان تاريخ كثير من الكتب التي ازدهرت في موسم من المواسم، فالجيل الجديد لم يعرف عنها شيئًا، ولكنَّ هناك كتبًا لها قوة التغلب على كل تغير في المقتضيات والأذواق وحتى الحضارة ذاتها, لماذا؟ لأنها تستطيع أن تتكيف مرة بعد مرة مع ظروف حياتنا العقلية والأخلاقية الدائمة التطور, إن لها رسالة ومعنى يخصنا. وربما كانت هذه الكتب -وفي أحوال كثيرة كانت بلا شك- وقتية بأضيق معاني الكلمة، لكنها لم تعش بسبب وقتيتها بل برغم وقتيتها؛ لأن ما تحمل معها مما لا يتصل ببيئتها وعصرها اللذين ظهرت فيهما هو عقبة في سبيل بقائها وليس مساعدًا على ذلك، ولو أنه كان معينًا على نجاحها الأول. إنها تبقى لأنها -مهما يكن مقدار قربها من المسائل التي لا يمكن أن تكون في طبيعة الأشياء إلا محلية ووقتية- تحتوي على عناصر يظل لها -وقد انقضى أجل تلك الأمور منذ زمن بعيد- القدرة على الإمتاع والتأثير والإلهام١.
ولكن هذا المقياس الذي يصطنعه أحيانًا مقياس غير دقيق، سواء حين ينصب على الأعمال الأدبية القديمة أو الحديثة، فلسنا نستطيع -من جهة- أن نقول: إن الأعمال الأدبية التي عاشت منذ وقت مبكر حتى عصرنا هي أكثر ما أنشئ عبر التاريخ
стр. 49
من أدب ذي قيمة، فهناك أعمال قيمة لم تصل إلينا لسبب آخر غير وقتيتها. ولسنا نستطيع -من جهة أخرى- أن نحكم على العمل الأدبي المحدث بأنه يختص بنا وحدنا وبعصرنا وظروفنا ومقتضيات حياتنا الحاضرة، وأنه لا يتضمن عناصر تضمن بقاءه، فإن ما يبدو لنا الآن شديد الحيوية لن يخفق في أن يبدو لعقولنا له صفات العالمية والبقاء١.
معنى هذا أن المقياس لن يمكن استخدامه إلا بالنسبة لما اندثر من إنتاج أدبي, وهذه مفارقة غريبة! ولكن إذا حدث أن وقفنا أمام عملين أدبيين، أحدهما قديم والآخر حديث؛ لفحص قيمتهما، فإننا ننحاز لإعطاء القيمة لذلك الأدب الحديث الذي نبت من صميم الحياة التي نحياها نحن، وأفاد من كل المؤثرات التي تتصل بالظروف المحيطة بنا، وتناول الحقائق والمشكلات التي تتصل بنا اتصالا مباشرا، بوصفنا كائنات تعيش في بيئتها وعصرها. هذا الأدب لا بد أن تكون له أهمية بالنسبة لنا, وهي تختلف اختلافًا واضحًا عن الأهمية التي للأدب العظيم في الماضي، وهي -لأسباب كثيرة- أكثر منها عمقًا وقوة.
وهناك غير الابتكار والقدرة على البقاء مقاييس أخرى يحدد بها ما للأدب من قيمة.
وهذه المقاييس تستمد مباشرة من فلسفة الناقد الخاصة في الحياة والأدب، التي قلنا: إنه من اللازم وضوحها في نفسه قبل إقدامه على أي نقد أو إصدار حكم نقدي على عمل أدبي.
ومن كل ذلك يتضح لنا أن مهمة النقد -كما هي مفهومة في العصر الحاضر- مهمة ذات شطرين: الأول تفسيري علمي، يحاول فيه الناقد أن يتمثل في نفسه العمل الأدبي، وأن يربط -أو يتلمس ما يربط- بينه وبين الحياة من جهة، وأن يكشف هذه العلاقات للقارئ فيخلق بينه وبين العمل الأدبي -من جهة أخرى- صلة قوية. والشطر الثاني حكم ذاتي يحدد فيه الناقد ما في العمل الأدبي من قيم بالنسبة لغيره من الأعمال الأدبية الأخرى، قبل أن يقول عبارته التقليدية: هذا جيد، أو هذا رديء.
وهذه المهمة ذات شطرين قلّ أن يقوم بها ناقد قديم على الإطلاق؛ لأن النقد القديم له طابع عام غالب عليه، هو أنه نقد حكمي، في حين أن النقد الحديث قد تأثر تأثرًا كبيرًا بالدراسات النفسية التي تشرح طبيعة الخيال والتعبير وعملية الإبداع والشعور
стр. 50
والتفكير وما إلى ذلك. ومن هنا كان النقد الحديث إما نقدًا نفسيًّا يقوم به أناس هم قبل كل شيء دارسون لعلم النفس, ويحاولون استخدام نظرياته وتطبيقها في دراسة لون من ألوان النشاط النفسي وهو الإنتاج الفني، وإما نقدًا حكميًّا يقوم به أناس اعتادوا -بحكم طول مزاولتهم لقراءة الأدب- الحكم على ما يقرءون بالجودة أو الرداءة. وقد انفصل شطرا مهمة النقد، وأصبح هناك نوعان منه: النقد التفسيري للأدب، والنقد الحكمي, وفيما يلي عرض لهذين المنهجين.
أ- النقد التفسيري للأدب:
ينظر إلى هذا النقد -في الواقع- لا على أنه فرع من الأدب، بل فرع من العلم، وهو من ثم ينشد الدقة والعدالة العلمية. "وهذا التناول المقصود -كما يقول "مولتون Moulton"- تناول مستقل عن المدح أو الذم، فلا شأن له بالقيمة، نسبية كانت أو مطلقة، ومن ثم فالناقد العلمي كالباحث في أي ميدان من ميادين البحث العلمي، وهو ينظر إليه بكل اطمئنان على أنه زميل له. هذا الناقد يصور ظواهر الأدب كما هي في الواقع، يفحصها ويحاول تنظيم القوانين والمبادئ التي بحسبها تتشكل هذه الظواهر، ويكون لها تأثيراتها"١.
وتفسير الأدب على أساس نفسي قائم على نظرية "فرويد" في تحليل النفس، فكل ناقد ينشد القيام بمهمة التفسير يلزمه معرفة هذه النظرية، وقد كان "الرومانتيكيون" في نقدهم -قبل ظهور "فرويد"- ينزعون نزعة تفسيرية قريبة من هذه، فعدوا الشرح هو العمل الأساسي للناقد٢.
ولكي نستطيع الإفادة من فرويد في تفسير الأدب يجدر بنا هنا أن نقف وقفة قصيرة عند تحليله النفسي، فنتبين العناصر التي تتألف منها، وتحدد ميدان عمل كل من هذه العناصر.
تتكون النفس الإنسانية -بحسب فرويد- من الأنا والذات العليا والـ هي. والأنا٣ هو الجانب الظاهر من الشخصية؛ وهو يتأثر بالعوامل اللاشعورية من ناحية، وبعالم الواقع من ناحية أخرى؛ ففي عالم الواقع نجد المجتمع بتقاليده وقوانينه وعلاقاته
стр. 51
وأفراده، ونجد فيه كذلك الأزمنة والأمكنة والأشياء، ومختلف المؤثرات التي ندركها بحواسنا ونتأثر بها تأثرًا يمكننا من استعادتها، ومن التأثر بها في خبرتنا التالية. ويتقدم نمو الأنا مع تقدم نمو الشخص في بيئته المعينة, وكأنما تتميز الأنا عن الطاقة الحيوية الغريزية بعد اتصال هذه بالواقع. وتتصف الأنا بأنها شعورية, ويقصد بهذا أن مكوناتها يمكن الشعور بها أو بآثارها. يضاف إلى ذلك أنها عادة منطقية معقولة، فهي تميل إلى ترتيب النتائج على مقدماتها ترتيبًا منطقيًّا. وهي خلقية كذلك، إذ إنها تميل عادة إلى أن تكون تصرفاتها في حدود المبادئ الأخلاقية التي يقرها عالم الواقع١.
وتتصف الأنا فوق هذا بأنها حلقة الاتصال بين الطاقة الغريزية والعالم الخارجي؛ فالأنا هي التي تتصل بعالم الواقع لتحقيق النزعات الغريزية بالصورة التي تراها خلقية معقولة, وفوق كل هذه الصفات فإن الأنا هي التي تتصل اتصالا مباشرا بعالم الواقع. ويلاحظ أن الأنا تغفل في ساعات النوم.
والخلاصة: أن الأنا شعورية منطقية خلقية، تتصل مباشرة بعالم الواقع، ثم إنها تغفل في ساعات النوم٢.
وقد قال الفيلسوف الألماني هارتمان Hartmann في "فلسفة الشعور":
"إن التفكير الشعوري يقتصر على النقد والإنكار والمقابلة والتصحيح والتصنيف والقياس والموازنة والربط واستنتاج العام من الخاص وترتيب الحالات الخاصة تبعًا للقاعدة العامة، غير أنه لا يمكن أن يبرع في الإنتاج أو يفتن فيه، إذ يعتمد في ذلك على اللاشعور كل الاعتماد"٣.
ونتقدم مع فرويد في تحليله للنفس فنجد العنصر الثاني: الذات العليا٤. والذات العليا تتكون منذ الطفولة، فالطفل يزن الأمور والأشياء ويقدرها بحسب تقدير والده أو من يعيش معه وبتوجيه منه. وقد يكون الطفل معجبًا بوالده محبًّا له؛ لأنه يجمع بين مظهري القوة والعطف، فيتقمص الطفل شخصية والده تقمصًا يترتب عليه توجيهه لسلوك نفسه وتوجيهه لسلوك غيره. وبعبارة أدق فإن في نفسه جانبًا يمثل عنصر
стр. 52
السلطة الممتصة، وهو الذي يقوم بعملية الزجر والتوبيخ. وهذا العنصر مركب لاشعوري١، وهو لا يفترق عن الضمير المسيحي المألوف، أو إله سقراط المتغلغل في كل شيء٢ "God-within".
وتتلخص الصفات الأساسية للأنا العليا في أنها الناقد الخلقي الأعلى الذي يشعر الأنا بالخطيئة٣.
ويتضح من هذا أن الأنا العليا مكلفة بالأنا ورقيبة عليها، وهي بذلك لا دخل لها في عملية الإبداع الفني؛ لأن الأنا -كما رأينا- ليس ميدانها العمل الفني.
وأخيرًا، يأتي العنصر الثالث وهو: الـ هي٤. فتكوين كل من الأنا والأنا العليا لا يقضي على المنابع الأساسية للدوافع الغريزية، وإنما تظل هذه حية مندفعة للتعبير عن نفسها, ولا يمنعها من التعبير عن نفسها إلا الأنا العليا، وإلى حد ما الأنا. ويرى فرويد أن هذا الجانب يلعب دورًا مهمًّا في حياة الإنسان، ويسميه الـ هي، ومن خصائصها أنها لاشعورية، وأنها لا تتجه وفق المبادئ الخلقية، وإنما تسير على قاعدة تحقيق اللذة والابتعاد عن الألم، ثم إنها لا تتقيد بقيود منطقية، ومن مركباتها النزعات الفطرية الوراثية والمكبوتة، ويقال -بحسب رأي فرويد: إن أهم هذه المركبات هي النزعة الجنسية٥.
وهنا نستطيع أن نخلص إلى النتيجة التي نريدها، فإذا كان الفن -بحسب رأي هارتمان السابق- هو عمل اللاشعور، وكان اللاشعور هو خاصية الـ هي، وكانت الـ هي لا تتجه وفق المبادئ الخلقية ولا تتقيد بقيود منطقية، وكان من مركباتها النزعات الفطرية الوراثية التي أهمها النزعة الجنسية؛ كان الفن كذلك صدًى في أصله الأصيل لتلك النزعة الجنسية "بمفهومها الواسع عند فرويد"، وعلينا الآن أن نتبين الخطوط أو الحلقات الموصلة بين الطرفين.
وقد عزز فرويد نظريته بفهمه الخاص للكبت, وقد نشأ هذا الفهم من دراسته للظاهرة التي تبدو لغوًا من وجهة النظر المعقولة في مثل الرغبة اللاشعورية عند الابنة في
стр. 53
أن تحتل مكان أمها في حب أبيها١، أو الرغبة اللاشعورية عند الابن في أن يحب أمه ويحتل مكان أبيه في ذلك٢. وقد منعت هذه الرغبات منذ بداية التاريخ المدون بواسطة أقوى المحرمات الدينية والاجتماعية، وكانت نتيجة ذلك أنه صار ينظر إليها باعتبارها "غير طبيعية". وقد وجد فرويد أن مثل هذه الرغبات تتمثل بوضوح في الأحلام، في الوقت الذي لم يتضح له فيه هذا من سلوك مرضاه الواعي اليقظ عندما حلل هذا السلوك بألفاظ الكبت. ومن هنا فهم أن الدوافع الطبيعية عندما توصف بأنها خطأ، فإنها من الممكن أن تكبت، ولكنها لا تنمحي بل تبقى في اللاشعور حتى وإن لم يعد العقل الواعي يعرفها٣. فوظيفة الكبت إذن "هي منع النزعات النفسية من السير في طريقها الطبيعي. وهذا المنع لا يقضي على النزعات النفسية، فهي تظل قوة متحفزة للظهور، ولكنها تبقى مع كل هذا مختفية فيما يسمى اللاشعور"٤. وهي تحاول في كل وقت أن تطفو على السطح، وأن تظهر بصورة إيجابية، ولكن الذات العليا "والأنا في بعض الأحيان" ما دامت منتبهة واعية فإنه لا مجال لطفوها وتحققها. فهي إذن لا تظهر في اليقظة وإنما تلتمس الفرصة التي تغفل فيها الأنا والذات العليا، وهي فترة النوم، فتتحقق بصورة ما في الأحلام، سواء أكانت أحلام النوم أم أحلام اليقظة. "وفي اللاشعور تتخذ ثيابًا رمزية ينظر إليها العقل الواعي على أنها كلام فارغ, وهو في الحقيقة لا يعرف أهميتها"٥.
فالرغبات المكبوتة إذن تجد مجالا للظهور في الأحلام، وهي تظهر على شكل رموز. "ولقد ألقى فحص المحلل النفسي للأحلام وأحلام اليقظة فيضًا من الضوء على العقل عند الفنان. فإن العمل الإبداعي عند فنان ما -كما هو الشأن في حلم اليقظة- هو إلى حد بعيد عملية لاشعورية"٦. على أن القول بأن العمل الإبداعي عملية لاشعورية ليس جديدًا علينا الآن، وإنما المهم هو ذلك الربط بين العمل الإبداعي والأحلام. وإذا كنا نحاول الآن أن نجد الحلقة التي تربط العمل الفني بالنوازع الجنسية فإن الأحلام هي تلك الحلقة المنشودة، فهناك نوازع جنسية مكبوتة لسبب أو لآخر, وهي مكبوتة في اللاشعور، فليست تستطيع الظهور إلا في حالات الغفلة التي تصيب الشعور، فتظهر عندئذ، ويفرغ اللاشعور شحنته في شكل رموز لا يقبلها العقل الواعي
стр. 54
بصدر رحب، بل ربما عدها لغوًا. وليس ما يتحقق في الأحلام -في الواقع- شيئًا آخر يغاير في طبيعته ما يتحقق في العمل الإبداعي الفني. ويؤكد "جوته" نفسه "أنه كتب أحسن قصصه في أثناء فترة نوم حالمة غريبة يقارنها هو بحالة السائر في أثناء نومه Somnabulist". وإذا نحن بحثنا عن مثل من الكتاب الأحياء فإن بروفيسور "هوسمان" على استعداد لأن يخبرنا عن الطريقة التي كتبت بها أشعاره الخاصة، حيث يقول: إنني أعتقد أن إنتاج الشعر عملية فيها من الانتباه أقل مما فيها من الغفلة اللاإرادية١.
وإذا كان الحلم -في الأعم- يشبه حلم اليقظة في كونه سلسلة من أفكار وصور ليس بينها كبير علاقة٢, فالعملية الإبداعية كثيرًا ما تتخذ فيها الرموز نفس الصفات. وكما يقول "ودورث": إن الحالم لا يعمل، وإنما هو يلعب لملء الفراغ، وصوره تأتي -على نطاق واسع- عن طريق التداعي الحر، مع وجود الرغبات الشخصية الموجهة٣. وكذلك العمل الفني، فيه من صفة اللعب هذه قدر كبير.
فالعمل الفني تدفع إليه أسباب هي الأسباب التي تدفع إلى الحلم، ويحقق من الرغبات المكبوتة في الشعور ما يحققه الحلم، وهو يتخذ من الرموز والصور ما ينفس عن هذه الرغبات، ويخلق بين هذه الرموز والصور علاقات بعيدة وغريبة في الوقت نفسه, على الأقل بالنسبة للعقل الواعي.
وقديمًا تحدث أرسطو٤ عن فكرة التطهير٥ "الكاثرسيز"٦, ومؤداها أن المسرحيات تعين المتفرجين على أن يتخففوا من مشاعرهم الزائدة، وأن يحققوا رغباتهم المكبوتة. وهذا التخفف وذلك التحقيق هو الذي يحدث في نفس المتفرج المتعة، ويشعره السعادة لا شيء آخر. والذين يعانون الإنتاج الفني يقرون بسهولة أنهم طالما أحسوا بالمتعة أو اللذة أو السعادة بعد أن أتموا إخراج العمل الذي يبدعونه.
стр. 55
فكأن المتعة تحدث نتيجة لعملية التخفف التي تتحقق في النشاط اللاشعوري الذي يبذله الفنان, ولو أن النشاط المبذول كان من العقل الواعي لما حدثت اللذة؛ لأن للوعي صفة الصرامة والجد، وأيضًا فإنه لا يستطيع -إزاء الرقابة المبثوثة حوله- أن يكون وسيلة للتنفيس عن الرغبات المكبوتة.
ومن هذا يتبين لنا أن العمل الفني يتم عند الفنان في حالة شعورية، وأنه يكون أكثر قربًا من أعماق نفسه وطوايا صدره إذا هو تم في حالة لاشعورية. وهو في هذه الحالة يؤدي غرضه بالنسبة للفنان في أنه يخفف عنه القدر الزائد عن احتماله، وأيضًا فإنه ينفس عن النزعات الفطرية والرغبات المكبوتة في اللاشعور، لا في صورة أو صور سافرة، بل في رموز تحمل نفس الدلالة، يؤلف بينها في صورة حرة تلقائية.
ولعلنا الآن نستطيع أن نقول مع "بيرت": إنه ليس لنا بعد حاجة إلى التردد في قبول النتيجة المهمة التي انتهى إليها التحليل النفسي، وهو أن أحسن الشعر وأحسن القصص وأبدع الصور، كلها -إلى حد بعيد- إنتاج النشاط اللاشعوري للعقل١. ومن أجل ذلك كان اعتقادنا بأنه من الممكن -إن لم يكن الآن من الواجب- تفسير الأدب على أساس نفسي، وفهمه في هذا الضوء الجديد٢. "ومن الطبيعي أن استخدام نظرية فرويد في الأدب قد حُوول في الغالب بغرض تحليل المؤلف. ومع أن التحليل النفسي قد أضاف بالتأكيد كثيرًا، وما زال في إمكانه أن يضيف أكثر في فهم الفنانين بصفتهم شخصيات، فإن أعظم عمل للنظرية الفرويدية يقدم به دارسو الأدب إنتاجًا طيبًا هو في تفسير الأدب ذاته"٣.
على كل حال نستطيع الآن أن نتكلم عن الأدب باعتباره رمزًا للرغبات المكبوتة في اللاشعور. "ومن الممكن الانتهاء إلى أن العمل الفني إشارة أو رمز يقوم مقام شعور الفنان. وهو بهذا يمكن أن يعد إشارة رمزية بالنسبة للفنان نفسه، الذي يصير -بعد أن يتم العمل الفني- فردًا متذوقًَا مستمتعًا أكثر منه مبدعًا. ولأن الموضوع عندما يتم، ينفصل عن الفنان، فإنه ليست هناك عقبة واحدة تمنع من القول بأنه إذا كان رمزًا بالنسبة للفنان فإنه -من باب أولى- يكون رمزًا بالنسبة لغير الفنان من المتذوقين. والقول بأن العمل الفني رمز لمشاعر الفنان معناه قبول الشعور بوصفه إطارًا يرجع إليه لا عند البحث
стр. 56
عن المقدرة على الإبداع الفني فحسب، بل أيضًا عند البحث عن التجربة الفنية سواء بسواء"١.
وإذا رجعنا إلى فرويد وجدنا أن لامنطقية اللاشعور تنشئ علاقات جديدة بين الرموز, وهذه العلاقات الجديدة هي التي يجب أن يلتفت إليها عند محاولة تفسير الأدب. فالرمز في ذاته بما هو صورة أو جزء من صورة ليس هو المعنى, وإنما هو الصورة المجسمة للمعنى الكامن في النفس. وأيضًا فإن العلاقات الجديدة بين هذه الرموز ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي صورة للتلوين النفسي.
وليس لما يجري في اللاشعور أية علاقة بفكرة الزمن، إذ إنه لا يوجد في تلك المرتبة من مراتب العقل أي توقيت أو زمان. وهكذا يساعد انعدام الزمن في اللاشعور على التكثيف Condensation الذي يمكن عن طريقه أن يلمح اللاشعور الحوادث المتباعدة بعضها عن بعض في الزمن كأنها متجمعة بعضها إلى بعض، إذا كان بينها أي نوع من الترابط أو العلاقة٢.
وأخيرًا، فإذا كان العمل الفني طريقة للتعبير ونقل التجربة الشعورية إلى الآخرين٣ فكيف إذن يتحقق للفنان ذلك إذا كان يستخدم رموزًا لاشعورية لها تلك الصفات السابقة للتعبير عن تجربته الخاصة؟ "الفهم العام يدعو إلى الظن بأن اختلاف البيئة والثقافة والمزاج والتراث الفطري قد يؤدي غالبًا إلى اختلاف في المعاني التي يدلي بها الرمز الواحد عند مختلف الأشخاص"٤. ولكن بعض العناصر الرمزية يخرج من نطاق المحلية ليكون له صفة العمومية والإطلاق عند أكثر من فرد، بل أكثر من أمة، وكل ذلك يترك المجال دائمًا أمام الآخرين لفهم الأثر الفني وتذوقه من خلال هذه الرموز. وفيما يلي بعض المحاولات لتطبيق المنهج التفسيري في نقد بعض الشعراء.
نحن نعرف أن النقاد القدامى قد عابوا على ذي الرمة مطلع قصيدته:
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كُلى مفرية سرب
عابوا عليه هذه الصورة القبيحة أولًا، وعابوا عليه أن يواجه الخليفة بها ثانيًا، وهم في ذلك يعطوننا خير مثال لفكرة التقويم الجمالي والخلقي. وحق أن الكُلى المفرية
стр. 57
منظر غير جميل لا تهفو النفوس إليه أو تتهافت لرؤيته، وحق أن الخلق يأبى على شاعر أن يواجه خليفة المسلمين بهذه الصورة التي تنال من نفسه، ولكن الحكم على فن ذي الرمة من هذين الوجهين، والانتهاء إلى ما قيل من فساد ذوقه وقبح صوره، ظلم كبير للشاعر. وأحسن من كل هذا أن ننسى أن هناك خليفة يمدح، ولنتحامل على أنفسنا فلا ننفر من صور الكلى المفرية، ولنبحث في ذلك القرار البعيد من نفسية ذي الرمة عن دلالة ذلك الرمز، أعني الكلى المفرية التي ينسكب منها الماء.
وذو الرمة هو الشاعر الذي عاش في الصحراء وعاش للصحراء، وقد جاب فلواتها ليلًا ونهارًا بمفرده، وسمع فيها عزيف الجن، وعانى فيها ما يعانيه الوحيد في جوف الصحراء. ولعل مما حدث له ذات مرة أن كان في جوف الصحراء وقد اشتدّ به العطش، وعندما هرع إلى قرابه يستسقيه وجد أن خوارزه قد فسدت، وأن الماء قد تسرب منها فلم يبق له ما يسد به رمقه. وقد وصف ذو الرمة نفسه فساد القراب في البيت التالي حيث قال:
وفراء غرفية أثأى خوارزها ... مشلشل ضيعته بينها الكتَبُ
وفي تلك الحال من العطش، واللهفة إلى من يزيل عنه هذا العطش، يتذكر ذو الرمة ركبًا قافلا في الصحراء يمده بالماء, فيقول في البيت التالي:
استحدث الركب عن أشياعهم خبرًا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب؟
وهنا يمكن أن يسأل سائل متسرع: أليست هناك نقلة أو قفزة سريعة بين كلامه عن القراب الذي تلف وبين الركب الذي ينقل إليه الأخبار؟ والواقع أننا نستطيع أن نقفز مع الشاعر نفس القفزة إذا نحن فهمنا السبب الذي جعل الشاعر يلجأ إلى تلك الصورة، صورة القراب الذي سال منه الماء، على أساس ما بينّا.
فإذا كان ذو الرمة يستفتح الخليفة بهذه الصورة, فليس ذلك إلا لأن ذا الرمة قد أتى الخليفة وفي نفسه أنه سيقضي له حاجته، وسيغدق عليه من عطاياه. إنه يشكو إليه ضياع زاده في صحراء تلك الحياة وتسربه منه, وهو في وحدته لا يكاد يتماسك أو يجد سندًا له معينًا. فهي إذن شكوى مرة تلك التي أراد إليها الشاعر، وليست -كما زعموا- تهجمًا على الخليفة، وليست فساد ذوق كذلك.
وهناك محاولات أخرى نكتفي هنا بأن نشير إليها، هي محاولة الأستاذ عباس محمود العقاد لدراسة شخصية "أبي نواس" وفهم شعره على أساس من التحليل
стр. 58
النفسي, ومحاولة الدكتور محمد كامل حسين لدراسة شخصية "المتنبي" وفهم شعره على أساس نفسي كذلك، ثم محاولة الدكتور محمد النويهي على نفس الأساس لدراسة شخصية "بشار". وكل من يطلع على كتاب "أبو نواس" ومقال "المتنبي" من كتاب "متنوعات" وكتاب "شخصية بشار" يستطيع أن يفهم شخصيات هؤلاء الشعراء فهمًا جديدًا تحت الأضواء التي سلطت عليهم، والتي كان مصدرها نظريات التحليل النفسي، فتحت هذه الأضواء حلل الباحثون شخصيات هؤلاء الشعراء، وهم بتحليلهم إياها استطاعوا أن يفسروا شعرهم، وأن يجعلوا القارئ أكثر فهمًا له.
هذا هو المنهج التفسيري العلمي في نقد الأدب.
ولكن مهما تكن قيمة النتائج التي ينتهي إليها المنهج العلمي, فإنها نتائج -بعد كل شيء- لا يستطيع دارس الأدب أن يكتفي بها على الدوام. وإذا كان من الممكن الترحيب بهذا المنهج بوصفه أداة للنقد غاية في الأهمية، فإنه لا يمكن قبوله بوصفه بديلا نهائيا من كل المناهج الأخرى١.
ولعل القارئ يلاحظ أن المنهج يقف عند مرحلة التفسير التي تمكننا من فهم الأشياء فهمًا أصدق، ولكنه لا يحدثنا عن قيمة هذه الأشياء أو قيمة هذا الذي فهمناه، والسؤال عن قيمة الشيء -بخاصة إذا نظرنا إلى عمل الناقد- سؤال جوهري ينتظر دائمًا الجواب، وهذا لا يبرز إلا في النقد الحكمي.
ب- النقد الحكمي:
وهو -كما قلنا- الطابع الغالب على النقد القديم. ولا غرابة في ذلك؛ لأن الناقد كان يشعر بأنه قاضٍ وحكم, ومهمة القاضي تنتهي دائمًا بإصدار الحكم. وأبسط صورة للحكم هي أن يعبر الناقد عن رضاه عن العمل الأدبي أو نفوره منه، فيقول مثلا: إنه جيد أو إنه رديء، وقد يقول: إنه حسن أو إنه قبيح. كل الناس -بطبيعة الحال- يعدون نقادًا على هذا الأساس، فليس هناك من لا يصدر كل يوم حكمًا من هذه الأحكام، ولكن على أشياء أخرى غير الأعمال الأدبية، تصادفنا في حياتنا اليومية العادية. ولكن الوقوف عند هذه المرحلة من الحكم لا يفيد النقد في شيء، والناقد الذي يكتفي بأن يصدر حكمًا على العمل الأدبي لا يفترق عن أي شخص آخر يحكم على طعام بأنه جيد أو رديء؛ ولذلك كان لا بد من "حيثيات" لهذا الحكم، تمامًا كما يصنع
стр. 59
القاضي في المحكمة، فلا بد أن يقول لنا الناقد لماذا حكم بالجودة لهذا والرداءة لذلك. وأكثر من هذا أنه في كثير من الحالات يكون في حاجة لأن يحدد لنا في حكمه "الفرق في الدرجة" بين شيئين, كلاهما جيد. وهنا تكون مهمة الناقد حقا، فوضع المبررات التي جعلته يصدر حكمًا بذاته أمر من الصعوبة بمكان.
والقاضي حين يكتب "حيثيات" الحكم في إحدى القضايا إنما يستلهم القوانين الموضوعة له، أو على الأقل روح هذه القوانين. فهل هناك مجموعة مماثلة من القوانين الأدبية التي يلجأ إليها الناقد يستلهمها حيثيات حكمه؟ ومن وضع هذه القوانين؟ ومن أين اشتقت؟
الواقع أن هناك قوانين يستند إليها الناقد في حكمه وفي تعليله لهذا الحكم, وقد سن هذه القوانين كبار النقاد, وهم قد اشتقوها من أعظم الأعمال الأدبية التي أنتجتها العبقريات المبدعة, والنقاد يعملون بمقتضاها، ويتحركون في حدودها، ويوجهون إليها الشعراء. وقد نشعر بشيء من النفور عندما نسمع عبارة القوانين النقدية؛ لأننا نحب في الناقد ألا يكون مجرد منفذ للقوانين التي تفرض من الخارج، كما لا نود أن نحس بطابع الجمود يدخل ميدان الفن الطليق. ولكن من قال: إن قوانين النقد جامدة، وإن عمل الناقد هو أن يطبقها حرفيا؟ الواقع أنه لا مجال هناك مطلقًا للنفور أو الخوف إذا عرفنا أن في طبيعة هذه القوانين من المرونة ما يترك الفرصة واسعة أمام الناقد كيما يتحرك هو شخصيا ويثبت وجوده. إن القاضي نفسه في ساحة القضاء ليصطنع الكثير من المرونة وتكييف القانون الذي سنته الدولة بحسب الحالة التي يعرض لها للفصل فيها، وبحسب ظروفها الخاصة، فما بالنا بالناقد. ثم إننا لا نكاد نجد للنقد قوانين ثابتة، فهناك تغير مستمر فيها, ولكن هذه المسألة لا تخيفنا، فإن عمل الناقد لا ينتهي، وعليه في هذه الحالة أن يبدأ مرة أخرى. ومع ذلك فإن هذه القوانين تتصف بثبات لا تكاد تستمتع به القوانين البشرية, إنها أشبه ما تكون بقوانين الطبيعة. فالذي يحدث هو أننا لا نغير من قوانين الطبيعة، ولكننا نعدل فيها بحسب اتساع التجربة وعمقها. وإذا نحن قارنا مثلا بين علمي الفلك والطبيعة على يد طاليس١ وأنكسمندر٢, وبينهما على يد نيوتن٣ وأينشتاين٤ لوجدنا الفرق واضحًا بين العالم كما فهم قديمًا والعالم كما فهم حديثًا.
стр. 60
أما فهمنا للأدب فيبدو -نسبيًّا- أنه لم يحدث به تغيير كبير, وما زالت قضية المتعة Delectare موضوع المناقشات عبر العصور المختلفة.
فالناقد في حاجة إذن لمعرفة تلك القوانين؛ لينظر في ضوئها إلى العمل الأدبي فيحكم عليه بحسبها، وعندئذ لا يعييه أن يجد التعليل, ولكن ينبغي أن نلتفت إلى أن هذه القوانين وحدها لا تكفي المعرفة بها حتى يستطيع الإنسان أن يعلل لحكمه، بل لا بد له من تجارب كثيرة يختبر فيها مقدرته على الحكم العادل. وهو بعد كل ذلك عرضة لأن يترك جوانب أخرى قيمة في العمل الأدبي الذي حكم عليه. فمن السهل أن نعرف قوانين "القصة القصيرة" مثلا وأن نقيس ما نقرأ من قصص كثيرة على ما عرفناه فنحكم بنجاح الكاتب أو إخفاقه في كتابة هذا النوع الأدبي, ولكن حكمنا بنجاحه أو إخفاقه, وفقًا للقواعد العامة، لا يمكن أن يعد حكمًا نهائيًّا على القصة من حيث قيمتها.
وننتهي من هذا إلى أن القواعد التي وضعت للنقد تساعد الناقد -عادة- على أن يتصور ما يقرأ، وأن يحدد مدى اندراجه تحت نوع أدبي بذاته، وتحقق الأصول الفنية لهذا النوع الأدبي.
والواقع أن هناك حكمين يصدرهما الناقد: الحكم الأول ينصب على مدى تحقق الأصول الفنية للنوع الأدبي الذي نقرؤه، والحكم عليه بأنه عمل أدبي. وهذا الحكم يستند -عادة- إلى فلسفة الناقد الخاصة في القيم.
وكما ذكرت الآن، تحددت للأدب منذ القدم قيمتان لا نكاد نجد أحدًا يخرج عليهما هما: المتعة والمنفعة. وقد نجد ألفاظًا أخرى كثرة تستخدم بديلا من هذين اللفظين، ولكن ليس من الصعب ردهما جميعًا إلى هاتين المقولتين. وكل ناقد يريد أن يكون قد فرغ من تحديد موقفه إزاء هذين النوعين من القيم, وكل من يتبع تاريخ النقد يلاحظ أنه تنقل بينهما. فالنقد الإغريقي كان ينشد من الأدب المنفعة، في حين أن النقد العربي كان ينشد المتعة. والذين يريدون أن يظهروا شيئًا من الحكمة يجمعون للأدب المهمتين، ويحكمون عليه بمدى تحققهما. وهكذا تحددت أمام الناقد قيمتان للأدب: قيمة جمالية وأخرى أخلاقية, فهو أحيانًا يحكم بقيمة العمل الأدبي بمقدار ما تحقق فيه من عناصر الجمال، وبما أحدثه في نفسه من متعة التأمل, وأحيانًا أخرى يحكم بقيمة العمل الأدبي بمقدار ما حقق من هدف أخلاقي. والهدف الأخلاقي هذا شيء يختص بسلوك الفرد والمجموعة بأوسع معاني كلمة السلوك، فيدخل فيها المعنى الديني، والمعنى الخلقي، والمعنى التثقيفي، والمعنى الاجتماعي. وعندئذ نجد ناقدًا يحكم بقيمة العمل
стр. 61
الأدبي؛ لأنه يخدم نزعة دينية خاصة، أو لأنه يدعو إلى مبدأ أخلاقي بذاته، أو لأنه صالح لنقل المعرفة إلى قارئه وتثقيفه، أو لأنه يخدم سياسة خاصة أو مبدأ اجتماعيًّا معينًا.
ومن هنا ظهرت الاختلافات الواضحة بين الأحكام النقدية، وصار هذا يرضى عن العمل الأدبي للسبب الذي من أجله لم يرض عنه الآخر, ويأتي ثالث فيرفض حكم هذا وذاك، ويتناول العمل الأدبي على أساس آخر فيحكم عليه حكمًا مخالفًا. وهكذا تختلف الأحكام النقدية بحسب فهم الناقد لمهمة الأدب, واختلافها لا يبغضها إلينا؛ لأننا نستطيع أن ننظر إلى العمل الواحد على أسس كثيرة من الفهم، وهذا وحده لا ضرر منه. وليس غريبًا أن يختلف الناس، بل الغريب ألا يختلفوا. إنهم يختلفون في التقديرات المنطقية والأخلاقية والاقتصادية، ويختلفون على السواء، أو ربما كان اختلافهم أشد في التقديرات الفنية, ولكن يعاب هذا الاختلاف فقط عندما يكون أثرًا من آثار التحيز. والواقع أنه لا يعيب النقد الحكمي مثل التحيز و"النزعة التقريرية" dogmatism فنحن كثيرًا ما نتحيز لفكرة بذاتها فننظر إلى الأشياء من خلالها ولا نرضى أن نعدل منها أو نغير فيها, وكثيرًا ما يرجع التحيز إلى تأثرنا بشخصيات بذاتها لا نلبث أن نجد أحكامنا ترديدًا لأحكامها, وهذا معيب بطبيعة الحال. وأكثر منه عيبًا تحيزنا لأنفسنا، فنحن كثيرًا ما تنقصنا الشجاعة لكي نعدل عن وجهة نظرنا حتى عندما نعرف أنها ليست صحيحة كل الصحة. على أن التحيز غالبًا ما يكون طابع الكبار منا، في الوقت الذي يكون فيه الميل إلى التقرير طابع الشباب١، فالكبار يكون ذوقهم قد تكوّن واستقرّ، ويكون من الصعب عليهم -تبعًا لذلك- أن يقبلوا أي ظاهرة جديدة، بل قد يغضبهم ذلك. والشبان يراجعون الأحكام القديمة، ويحاولون من جديد أن يقوِّموا الأعمال الأدبية، فيتورطون في أحكام لا سند لها ولا تعليل.
وهكذا يتورط النقد الحكمي في عيوب لا تقل خطرًا عن عيوب النقد التفسيري. وإذا كان النقد التفسيري لا يحدثنا عن قيمة العمل الأدبي فإن تقرير هذه القيمة في النقد الحكمي -كما رأينا- محفوف بكثير من الخطورة. وكثيرًا ما ينسى الناقد -حين يصدر حكمًا- أننا ننتظر منه تحديدًا لقيمة العمل الأدبي، فإذا به -تحت وقع فكرته الخاصة بغاية الأدب- ينسى أنه محتاج لأن يضع يدنا على "فرق القيمة" في هذا العمل الأدبي
стр. 62
حتى عندما يكون موافقًا لفكرته الخاصة، ففي نطاق الفهم الواحد لغاية الأدب يمكن إصدار أكثر من حكم نقدي على أعمال أدبية تمثل هذا الفهم. فإذا كان الناقد يحكم بقيمة الأعمال الأدبية مثلا لأنها تخدم هدفًا أخلاقيًّا معينًا، فينبغي عليه أن يحدد لنا الفرق بين قيمة كل عمل وآخر، فموافقة العمل الأدبي لهدف بذاته لا تعطيه قيمة مطلقة.
ويمكننا الآن بالرجوع إلى "مولتون"١ الإشارة إلى ثلاثة جوانب من التعارض بين مناهج النقد الحكمي القديمة، ومناهج النقد العلمي الحديثة:
أولًا: يهتم النقد الحكمي اهتمامًا بعيدًا بمسألة درجات القيمة بين الأعمال الأدبية, وهذه المسألة تقع خارج نطاق العلم، فلم يسمع بعالم من علماء طبقات الأرض "الجيولوجيا" يثني على حجر رملي أحمر من حيث هو نموذج لتكون الصخور، أو يلقي عبارات التهكم والسخرية على العصر الثلجي. فالناقد العلمي -كالعالم- لا يعرف شيئًا عن الاختلاف في الدرجة، ولا يعرف سوى الاختلافات في النوع. فهو ينظر إلى المذاهب الأدبية المتعارضة لا من حيث سموها أو انحطاطها، ولكن من حيث مجرد تميزها, وهذا التميز لا يسمح بأي مكان للتفضيل؛ لأنه ليس هناك أساس عام للمقارنة. ومن ثم يمكن ملاحظة الفروق بين كاتب وكاتب وتصنيفها، ولكن دون محاولة لتقدير قيمها الخاصة.
ثانيًا: يقوم النقد الحكمي على فكرة أن القوانين التي يقال لها قوانين الأدب تشبه قوانين الأخلاق أو قوانين الدولة, أي: إنها تفرضها قوة خارجية, وإنها تتحكم في الفنان كما تتحكم قوانين الأخلاق وقوانين الدولة في الإنسان "وقد بينا موقف الناقد من هذه القوانين". هذه القوانين لا وجود لها عند الناقد العلمي، فقوانين الأدب عنده كقوانين الطبيعة عند العالم الطبيعي، ليست أحوالا تفرض من الخارج، ولكنها "حقائق في صور قضايا". قوانين الطبيعة هي مجرد تقرير عام للنظام الذي يلاحظ في الواقع بين الظواهر, وقوانين الأدب ينبغي أن تشتقّ بطريقة متشابهة كل المشابهة، فهي تعبر عما هو كائن لا عما يجب أن يكون. وهكذا "لم تكن قوانين مسرح شكسبير قوانين تفرضها قوة خارجية على شكسبير" يكون مسئولا عن طاعتها، ولكنها قوانين التأليف المسرحي المشتقة من تحليل نفس مؤلفاته. ومن ثم فليس عمل الناقد أن يفحص مدى موافقة تأليف شكسبير -أو حاجته لأن يوافق- أفكارًا مجردة على المسرح، أو قواعد وضعت
стр. 63
مستقلة، ولكن عمله هو مجرد الكشف -بطريق الدراسة المباشرة لمسرحياته- عن المبادئ التي كتبت على أساسها المسرحيات، ثم تلخيص نتائج هذه الدراسة في عبارة عامة.
ثالثًا: النقد الحكمي يقوم على فرض أن هناك "مستويات ثابتة" ينشأ الأدب ويقاس بحسبها, وقد اختلفت هذه المستويات اختلافًا كبيرًا عند النقاد المختلفين وفي العصور المختلفة. وهذه الحقيقة تمدنا بسبب لكون النقد في عمومه كان مذمومًا في أغلب الأحيان. ومع ذلك فقد قيل بوجود بعض هذه المستويات, ولا يعرف النقد العلمي مستويات ثابتة، بل ينكر في الحقيقة إمكان قيامها. فالأدب -ككل الظواهر التي تتناولها العلوم- ثمرة التطور، فتاريخه تاريخ تطور دائم؛ ومن ثم فإن البحث عن قاعدة نقدية دائمة مآله الفشل التام؛ لأن النهائية في هذه الحالة تتخذ قاعدة محققة، في حين أن طبيعة الأشياء ذاتها لن توجد فيها هذه النهائية.
стр. 64
الباب الثاني: الفنون الأدبية
تمهيد: الأنواع الأدبية
...
تمهيد: الأنواع الأدبية
لا نريد أن نتكلم هنا عن الصور الأولى التي خرج فيها التعبير الأدبي, ولكننا إذا نظرنا الآن وجدنا أن كلمة "أدب" يندرج تحتها كثير من صور التعبير، كالقصيدة والقصة والمسرحية والمقالة وما أشبه. وهذه الصور المختلفة من التعبير الأدبي تكوّن ما يسمى بالأنواع الأدبية، فالنوع الأدبي صورة خاصة من صور التعبير، لها بواعثها وأصولها وخصائصها ومجالها. وقد رأينا في الفصل الأول ما بين الأدب والحياة من علاقة, فإذا نحن أردنا أن نعرف السبب في تنوع التعبير الأدبي في هذه الأنواع المختلفة، كان علينا أن ندرس البواعث الحيوية التي اقتضت ذلك.
ويعتقد "هدسون"١ أنه من الممكن تصنيف الحوافز الكبرى الكامنة خلف الأدب في مجموعات تصنيفًا فيه من الدقة ما يلزم الأغراض العلمية تحت أربعة أغراض:
١- رغبتنا في التعبير الذاتي.
٢- اهتمامنا بالناس وأعمالهم.
٣- اهتمامنا بعالم الواقع الذي نعيش فيه، وبعالم الخيال الذي ننقله إلى الوجود.
٤- حبنا للصورة من حيث هي صورة.
فنحن مضطرون اضطرارًا قويًّا لأن ننقل إلى الآخرين أفكارنا ومشاعرنا، ومن هنا وجد الأدب الذي يعبر تعبيرًا مباشرًا عن أفكار الكاتب ومشاعره.
ثم إننا نهتم اهتمامًا بالغًا بالرجال والنساء؛ بحياتهم ودوافعهم وعواطفهم وعلاقاتهم، ومن هنا وجد الأدب الذي يعنى بمسرح الأعمال والحياة الإنسانية.
ونحن مغرمون بأن نخبر الآخرين بالأشياء التي رأيناها أو تخيلناها، ومن هنا وجد الأدب الوصفي.
ونحن نشعر -حيثما تمثل المثير الفني- برضاء خاص في مجرد تشكيل التجربة في صورة جميلة، ومن هنا كان كيان الأدب ذاته من حيث هو فن.
стр. 65
والإنسان -كما يقال لنا دائمًا- كيان اجتماعي، وكونه كذلك يجعله غير قادر -بحكم واقع تكوين طبيعته- على أن يحتفظ بتجاربه وملاحظاته وأفكاره وعواطفه وخيالاته لنفسه, ولكنه -على العكس- واقع تحت رغبة ملحة في نقلها إلى من حوله، فالصور الأدبية المختلفة ينظر إليها على أنها ليست سوى قنوات كثيرة شقها الإنسان لنفسه للتخفف من مهمته الاجتماعية خلال وسائل تحقق في ذاتها رغبته البعيدة في المزج بين التعبير, والإبداع الفني.
وحين نتقدم بهذه الفكرة في تصنيف الحوافز الأدبية قليلًا يمكننا أن نلمس المجالات المختلفة التي ارتبطت بتلك الصور المختلفة من التعبير، فترتب عليها ظهور تلك الأنواع الأدبية. ويخاطر "هدسون" بتصنيفها في خمس مجموعات:
١- التجارب الشخصية للفرد من حيث هو فرد، وهي الأشياء التي تكون جماع حياته الخاصة، الخارجية والداخلية.
٢- تجارب الإنسان من حيث هو إنسان، وهي تلك المشكلات العامة الكبيرة، مشكلات الحياة، والموت، والخطيئة، والقدر، والله، وعلاقة الإنسان بالإنسان، وأمل الجنس الآن وبعد الآن، وما أشبه. وهي تجارب تقع خارج حدود الشخصية في مجملها، وتتصل بالجنس من حيث هو كل.
٣- علاقات الفرد بزملائه، أو بالمجتمع العالمي كله، بكل قواه ومشكلاته.
٤- عالم الطبيعة الخارجي, وعلاقتنا بهذا.
٥- محاولات الإنسان الخاصة للإبداع, والتعبير في نطاق الصور المختلفة للأدب والفن.
وهكذا بالنظر إلى الأدب في ضوء هذا التحليل، والاهتمام بطابع الموضوعات وحدها، يمكننا أن نميز بين خمسة أنواع من الإنتاج:
١- أدب التجربة الشخصية الصرف.
٢- أدب الحياة العامة للإنسان من حيث هو إنسان.
٣- أدب المجتمع في جميع مظاهره.
٤- أدب يصور الطبيعة.
٥- أدب يصور الأدب, والفن.
هناك إذن الأدب الذاتي, ويشمل الأنواع المختلفة من الشعر وشعر التأمل والمراثي والمقالة والدراسة التي تكتب عن هذه الأشياء من وجهة نظر شخصية، ثم أدب النقد
стр. 66
الأدبي والفني. ثم هناك الأدب الذي نجد الكاتب فيه -بدلا من أن يتعمق نفسه- يمضي خارج ذاته إلى عالم الحياة والنشاط الإنساني الخارجي. وهذا يتضمن التاريخ وفن السيرة وشعر "البالاد" والشعر الملحمي والرواية الخيالية، شعرًا ونثرًا، والقصة والمسرحية. ثم هناك أخيرًا الأدب الوصفي، وهو ذاته ليس قسمًا كبيرًا أو مهمًّا؛ لأن الوصف في الأدب يرتبط عادة بحاجات التعبير الذاتي أو القصصي، كما يخضع في أغلب الأمر لها.
وينبغي في كل هذا التحليل أن يلاحظ أن هذا التقسيم لا يمكن أن يحدث هكذا بحيث ينفصل الغرض الواحد ويستقلّ استقلالًا تامًّا عن الأغراض الأخرى، فالواقع أن أدب التجربة الشخصية يتداخل في كثير من الحالات في أدب الحياة العامة للإنسان. وكذلك الأمر فيما يختص بالمجالات الأخرى، ولكننا نلجأ إلى هذا التقسيم فقط لغرض عملي تعليمي.
ومنذ عهد "لسنج"١ الناقد الألماني المشهور في القرن الثامن عشر ظهرت فكرة التمييز بين الأنواع الفنية على أساس من النظر إلى الأداة التي تستخدم لإنجاز هذا الفن أو ذاك. وقد افترق الأدب عن غيره من الفنون الأخرى من حيث إنه يستخدم اللغة أداة التعبير, فاللغة في الحقيقة هي أداة التعبير في كل الأنواع الأدبية، ولكنها تختلف كذلك في طريقة استخدام هذه الأداة، فالشعر كالقصص، يستخدم الألفاظ أداة له، ولكن الألفاظ في الشعر تستخدم على نحو مختلف. فجوانب اللغة التي لا يهتم بها كاتب القصة إلا قليلا، لها أهميتها الأساسية عند الشاعر، فالشاعر يستخدم المعنى العقلي للألفاظ، ولكنه كذلك يستخدم علاقاتها وإيحاءاتها وأصواتها وإيقاعها والصور الموسيقية وغيرها مما تكونه الألفاظ حين يرتبط بعضها ببعض. ومع ذلك فمن الواضح أن هذا لا يكفي للتمييز بين الشعر والأشكال الأدبية الأخرى؛ لأن القصة كذلك تستخدم جوانب للغة لا يستخدمها كاتب النثر العلمي الصرف، كالصوت والإيقاع "وألوان" الألفاظ، وإن كان يستخدمها بدرجة أقل من الشاعر. فهل يكون الفرق بين الأدب الشعري والأدب النثري مجرد فرق في الدرجة؟ هل المسألة مجرد كون الإيقاع أكثر انتظامًا، وأن الاعتماد على الإيحاءات والعلاقات وموسيقى الألفاظ أعظم فيه مما هي عليه في النثر؟ وإذا كان الأمر كذلك, فأين يمكن أن نضع الخط الفاصل بين هذين النوعين من التعبير الأدبي؟
من الأفكار التي شاعت في وقت من الأوقات خطأ أن هناك موضوعات تسمى موضوعات شعرية, وأخرى تسمى موضوعات نثرية، فيقال عندئذ: إن هذا الموضوع من
стр. 67
موضوعات الشعر فلا بد أن يكون تناوله تناولًا شعريًّا، وإذا حاول الكاتب -تبعًا لذلك- أن يتناوله تناولًا نثريًّا فإنه يكون عرضة للإخفاق. وكذلك يقال: إن هذا الموضوع هو من موضوعات النثر، فلا بد أن يكون تناوله تناولا نثريا، وإذا حاول الشاعر -تبعًا لذلك- أن يتناوله تناولا شعريا فإنه يكون عرضة للإخفاق، وهذه الفكرة -كما قلت- خاطئة، فليس هناك موضوع مخصص للشعر لا يصلح الشعر إلا فيه، فإن كل موضوع صالح لأن يكون موضوعًا شعريًّا. وقد كانت هذه الفكرة الخاطئة أساسًا للتفريق بين الشعر والنثر على أساس من الموضوع، فيقال: إن الشعر يختلف عن النثر من حيث الموضوعات, وليت هذا كان صحيحًا، فهو يبدو مريحًا من عناء البحث، ولكنه -مع الأسف- لا يمكن أن يكون كذلك؛ لأنه قائم على أساس فكرة خاطئة.
فإذا قلنا: إن كل موضوع صالح للتناول الشعري, كان علينا أن نعيد النظر في الفرق الذي يمكن أن نميز به الشعر عن النثر. وهو حتى الآن لا يمكن أن يكون فرقا في استخدام الإمكانات الفنية للغة أو عدم استخدامها، وكذلك ليس فرقًا في الموضوعات؛ لأننا لا نأخذ بأن هناك موضوعات خاصة بالشعر. فإذا لم يكن الفرق في اللغة المستعملة، ولا في الموضوعات التي يكتب فيها الشعر والنثر، فهل يتوقع بعد ذلك أن يكون هناك فرق بينهما؟
ليس هناك ما يدعو لليأس، ونستطيع أن نبدأ الآن فنسأل أنفسنا: لماذا يكتب الشاعر، حين يكتب، شعرًا ولا يكتب نثرًا؟ بعبارة أخرى أكان يستطيع أن يكتب نثرًا ولكنه عدل عن ذلك واصطنع هذا النوع من التعبير الشعري؟ الواقع أن الشاعر لا يختار بين الشعر والنثر حين يبدأ عمله الفني، ولكنه يجد نفسه مدفوعًا إلى هذا النوع من التعبير. وما الذي يدفعه؟ ونجيب عن ذلك فنقول: إن حالته الوجدانية هي التي تجعله في وضع يكون فيه التعبير الشعري -فضلا عن أنه أفضل أنواع التعبير عن هذه الحالة- هو التعبير الوحيد الكافي، فالشعر، قبل كل شيء، يعتمد على ما عند الشاعر من "بصيرة" شعرية، وعندئذ لا تكون مادة شعرية في ذاتها، مستقلة عن هذه البصيرة، ولكنها تكون كذلك لأنها دخلت في مجال الحالة الشعرية. والعمل الشعري -تبعًا لنظرية عدم الفصل بين الصورة والمحتوى- لا يتحقق فيه الموضوع مستقلًّا عن الصورة، فموضوع القصيدة، أي قصيدة، هو القصيدة ذاتها. ومعنى هذا أن الموضوع المجرد لا يمكن وصفه بشيء، ولكنه يمكن أن يوصف بأنه شعري حين يتحقق في عمل شعري, فمن خلال بصيرة الشاعر تتمثل المعاني الشعرية. وهذه المعاني لا يمكن أن تظهر إلا في صور والصورة دائمًا مظهر للمعنى. ومن هنا تأتي الصورة الشعرية، أو التعبير الأدبي الشعري، مختلفًا في طريقة استخدامه للغة وإمكاناتها نوعًا من الاختلاف عن التعبير
стр. 68
النثري. فالتعبير الأدبي الشعري يختلف عن التعبير النثري باعتبار المصدر الأول, وهو الحالة العقلية، وما يسمى بالحساسية الشعرية.
وهكذا نستطيع أيضًا أن نفرق بين الأنواع الأدبية في ضوء تخيلنا لطريقة كل نوع في استخدامه لأداة الأدب: اللغة.
وهذا التقسيم إلى شعر ونثر يندرج تحته تقسيم فرعي لكل قسم، فليس الشعر كله نوعًا واحدًا، وكذلك ليس النثر، بل هناك أنواع شعرية وأنواع نثرية. وسندرس هذه الأنواع في الفصول الآتية، بادئين بالأنواع الشعرية, ولكن هذه الأقسام الفرعية لا يمكن الاعتماد كثيرًا في التفريق بينها على طريقة كل منها في استخدام اللغة؛ لأن الطريقة تكاد تكون متشابهة، ولكن التفريق سيكون بجانب ذلك على أساس آخر من النظر إلى الأصول الفنية لكل نوع، وهذا ما سيظهر في حينه.
стр. 69
الفصل الأول: الشعر
قدم فن الشعر
...
الفصل الأول: الشعر
"إن الشعر لغة خلال لغة" بول فاليري١
قِدَمُ فن الشعر:
فن الشعر من أشهر الفنون الأدبية وأكثرها انتشارًا، وربما كان ذلك لقدم عهد البشرية به؛ فالشعر هو الصورة التعبيرية الأدبية الأولى التي ظهرت في حياة الإنسان منذ العصور الأولى، وهذه الأقدمية التي للشعر ترجع إلى أنه كان في تلك العصور ضرورة حيوية بيولوجية.
إنه الطريقة الوحيدة التي اهتدى إليها الإنسان -بحكم تكوينه البيولوجي والنفسي- للتعبير، والتنفيس عن انفعالاته، ومنذ ذلك الوقت تحددت لذلك الفن خصائص استطعنا أن نتبينها في وضوح عندما أراد أن يعبر عن أفكاره. ومن هنا ارتبطت "الانفعالات" بالشعر، "والأفكار" بالنثر. ولكن الخطأ في الفهم يأتي عادة من النظر إلى "الانفعالات" و"الأفكار" على أنها أشياء متعارضة أو متناقضة. وهذا من شأنه أن يجرّ إلى أخطاء كثيرة في فهم الشعر والنثر على السواء, وليس هناك تعارض، بل هو مجرد اختلاف.
стр. 70
محاولة تعريفه:
وبرغم قدم هذا الفن وانتشاره فإنه ليس من السهل وضع تعريف له, وقد حاول الكثيرون أن يتعرضوا لذلك، وأن يدرسوا طبيعة الشعر، منذ عهد أرسطو حتى الوقت الحاضر، وقد ظهر -نتيجة لذلك- حشد عظيم من التعريفات التي لا تكاد تتفق على شيء حتى تختلف في أشياء. وربما كان ذلك راجعًا إلى اختلاف الأشخاص والعصور التي حُووِلت فيها تلك المحاولات، لا إلى طبيعة الشعر ذاته، فالشعر -كما تقول "مس شتاين"١- هو الشعر.. هو الشعر.. هو الشعر، أي: إن الشعر في ذاته أو طبيعته لم يتغير، ولكن الذي يتغير هو فهم الأفراد والجماعات له في البيئات والعصور المختلفة. فإذا قلنا: إن كل إنسان يعرف ما الشعر لم نكن مغالين؛ لأنه ليس من السهل حتمًا أن يفهم الناس الشعر فهمًا واحدًا. إن للشعر -كالأدب بعامة- طبيعة مرنة تتشكل بحسب رغبة كل إنسان وفهمه.
стр. 71
ونحن حين نتحدث هنا عن الشعر لا نهدف بطبيعة الحال إلى أن نضع تعريفًا له يغني عن غيره من التعريفات، فهذا أمر عسير، فضلًا عن أن تحقيقه لا يجدي كثيرًا. ولكننا سنحاول أن نفهم طبيعة هذا الشعر ونتصور مكانه, ودوره بين الفنون الأخرى.
يقص علينا "بول فاليري" هذه القصة فيقول: إن المصور العظيم "ديجا"١ كان مغرمًا بأن يكرر لي شيئًا صادقًا كل الصدق، وبسيطًا كل البساطة، كان "مالارميه"٢ قد قاله له ذات مرة، فقد كان من عادة "ديجا" أن ينظم في المناسبات أشعارًا ترك منها نماذج قليلة ممتعة، ولكن كثيرًا ما كان يجد صعوبة كبيرة في كتابة هذا الفن الذي كان بالنسبة له يأتي في المرتبة الثانية بعد فن التصوير.. وذات يوم قال لمالارميه: ما أشق وأصعب مهمتك! إنني لا أستطيع أن أعبر عما أريد التعبير عنه، مع أن عقلي يصطخب بالأفكار, فأجابه "مالارميه": إن الشعر -يا عزيزي ديجا- لا يصنع من الأفكار، ولكنه يصنع من الألفاظ٣.
هذه القصة الطريفة تدلنا بوضوح على أن الشاعر لا يكفيه أن يحصل قدرًا من الأفكار حتى يستطيع أن يقول الشعر. قد تكون شاعرًا بينك وبين نفسك، ولكن الناس لن يعترفوا لك بذلك إلا عندما تقدم الدليل الملموس على ذلك. وليس لك من وسيلة في هذه الحالة إلا "الألفاظ"؛ فنحن لا نحكم على الشاعر إلا بعد أن نقرأ هذه الألفاظ التي كتبها، وفهم طبيعة الشعر يبدأ من هذه المرحلة، مرحلة استخدام الشاعر للألفاظ.
стр. 72
طبيعة الشعر:
إن الألفاظ ملك لجميع الناس، وهي تستخدم في كل فن من الفنون الأدبية، ولكن كل فن -كما سبق أن قلنا- يستخدمها بطريقته الخاصة، فاللغة في الشعر الناجح تبدو "تركيبية"، في حين أنها في النثر "تحليلية"؛ ذلك أن "التركيب" عملية يقتضيها العمل الشعري، في حين أن التحليل تقتضيه الكتابة النثرية. ولماذا يقتضي الشعر التركيب, والنثر التحليل؟ إذا نحن رجعنا إلى الفكرة الأولية التي بدأنا بها هذا الفصل عرفنا السبب, فقد قلنا: إن الشعر انفعال والنثر تفكير، وطبيعة الانفعال أنه -بحسب تجربتي على الأقل- ينتقل جملة، ولا يثبت للتحليل إلا في يدي الدارس، أما التفكير المنطقي المنظم فالتحليل ضروري له. وهنا نستطيع بسهولة أن نستخدم تعبيرين آخرين عن نفس الفكرة, هما: أن التجربة الشعرية -من حيث هي وحدة- لا تتكون في النفس
стр. 73
على نحو ما يتكون التفكير المنطقي المنظم، ولا هي تتبع الطريق الذي يسلكه ذلك التفكير حتى يخرج في صورة لفظية. وقد رحنا نقول: إن هذا معنى شعري وذاك منطقي على أساس من اعتبار للتجربة الشعرية عند الشاعر، والفكرة المنطقية عند غير الشاعر، وهو اختلاف جوهري, كما يقول "جاك ماريتان"١.
ولكن ينبغي هنا أن ندرك أن اللغة في مجملها ذات طبيعة تحليلية "أغلب اللغات لها هذه الطبيعة، وبعضها -كاللغة العربية- تركيبي"، ولكن تجربة الشاعر وحده. وهنا تأتي المفارقة في عمل الشاعر؛ لأنه يريد إنتاج تركيب معين من خلال اللغة ذات الطبيعة التحليلية، "وإحداث أثر تركيبي من خلال أداة تحليل يمثل نجاحًا للشاعر، والنثر الذي هو طريقة تعبيرية أكثر ميلا إلى التحليل، لا يتمثل فيه مثل هذه المفارقة بنفس الدرجة"٢.
ولكي يستخدم الشاعر هذه الأداة التي يستخدمها غيره، والتي تتمشى مع أغراضهم أكثر مما تسعفه، فإنه يجد نفسه مضطرا في كثير من الحالات لأن يغير من قيمة هذه العملة، وهذا التغيير يحدث أحيانًا على ألسنة الناس أنفسهم، وأحيانًا أخرى نتيجة للضرورات المفاجئة في التعبير الفني, وقد يحدث هذا التغيير من القلم المتردد في يد المؤلف. وكل هذه التغييرات التي يحدثها الشعر في اللغة يجعل منها شيئًا آخر, إنها تصبح لغة شعرية لا أنها في ذاتها لها هذه الخاصية، ولكن لأنها خضعت للتجربة الشعرية في نفس الشاعر، ومقتضيات التعبير عن هذه التجربة.
فإذا نحن اعتبرنا هذا الأساس، تبين لنا الخطأ في محاولة فهم طبيعة الشعر من خلال نظرية في الغاية من الشعر بعامة، تجعل مهمته تربية الشبان وتثقيفهم. والذين يأخذون بذلك يخلطون -كما يقول فاليري- بين الآراء العامة والمتعة المباشرة التي يثيرها العمل الفني. إنهم يفهمون العمل الفني على مرحلتين، فلا يفهمون القصيدة أو يتذوقونها من حيث هي شعر تذوقًا مباشرًا، ولكنهم يترجمونها -إذا صح التعبير- إلى النثر أولا، ثم يفهمونها ويتذوقونها ويحكمون عليها أخيرًا من خلال هذا النثر. فهم يعاملون القصيدة كما لو كانت منقسمة إلى عبارة نثرية مكتفية بذاتها وقائمة وحدها من جهة، وإلى قطعة موسيقية خاصة من جهة أخرى، ثم يمضون فيقسمون العبارة بدورها فتنحل في أيديهم إلى متن صغير "قد يقل في بعض الأحيان إلى أن يصل إلى كلمة
стр. 74
واحدة أو عنوان العمل ذاته" وإلى كمية من التوابع، كالمحسنات والصور "التفصيلات الجميلة". أما فيما يختص بموسيقى الشعر, فإنهم يقفون منها بعيدًا، فبعضهم يعتقد أنه شيء لا يمكن إغفاله والتهاون فيه، وهي عند بعضهم موضوع لدراسات تجريدية علمية أحيانًا، وغير مثمرة في العموم.
فنقل القصيدة من صورتها "الشعرية" إلى صورة "نثرية" يعد قتلا للشعر فيها. القاعدة العامة التي تقول: إن كل ما يمكن أن يقال في النثر من الأفضل دائمًا قوله١ نثرًا -وهذا ما يؤكد الفارق الجوهري بين الشعر والنثر- هذه القاعدة تؤكد أن تحويل "العملة الشعرية" إلى "عملة نثرية" غير مستطاع إلا على حساب الشعر ذاته. وكلما كانت القصيدة "شعرية" قل إمكان التفكير فيها "نثريا" دون أن تتلف. فتلخيص القصيدة وصياغتها نثرًا يعد جهلا تاما بجوهر الفن, وليست الأفكار التي تظهر أو يوحي بها نص القصيدة هي الشيء الوحيد والرئيسي في الكلام، ولكنها وسائل تشترك بالتساوي مع الأصوات والإيقاع والانسجام والزخارف في أن تثير نوعًا من التوتر أو الهياج، وأن تخلق فينا عالمًا -أو حالة من الوجود- غاية في التآلف.
وتقسيم القصيدة إلى فكرة وصورة موسيقية ينظر إليهما على حدة، هو خطأ ظاهر، فموسيقى القصيدة ليست عملا مستقلا عن الشعور الذي تحتويه، أو هي لا تتم في زمن مستقل لا تتمثل فيه "الحالة" بكل حذافيرها، وإنما هي جزء أساسي لمن يريد تذوق الشعر من حيث هو شعر. ومن ثم يرى "فاليري" أنه إذا كان المعنى والصوت "أو إذا كان المحتوى والصورة" يمكن انفصالهما بسهولة، فإن القصيدة تنحل وتفسد؛ ذلك أن أي تجزيء لعناصر العمل الفني المتكاملة، واعتبار بعضها مستقلا عن بعضها الآخر، هو في الحقيقة إفساد لهذا العمل ولقيمته التعبيرية والشعورية على السواء.
فإذا انتفى تقسيم العمل الشعري وتفتيته، كان البحث عن فكرة في القصيدة، والحكم عليها بحسب قيمة هذه الفكرة "من وجهة نظر خاصة دائمًا" أمرًا منافيًا لطبيعة الشعر. إن الشعر قد يتضمن الأفكار، ولكن دور هذه الأفكار في الشعر يختلف عنه في النثر، فالفكرة في الكتاب الذي نقرؤه تتحدد في أذهاننا في أشكال متقاربة إن لم يكن في شكل موحد، ولكن الفكرة في القصيدة غير ذلك، فليس هناك معنى حقيقي للنص الذي نقرؤه، ولا سلطان للشاعر ذاته حتى نعود إليه فنعرف منه ذلك المعنى الحقيقي؛ لأنه هو نفسه قد لا يستطيع التحديد. "إنه أراد" أولا، وأخذت عليه هذه الإرادة وجوده
стр. 75
كله، ولكنه حين لم يستطع التحرك في الخارج وتنفيذ رغباته، راح يتحرك في داخل نفسه. وتتمثل تلك الإرادة في هذه الحركة الداخلية التي امتدت إلى الخارج في صورة لفظية هي ما سميناه القصيدة. ومن ثم قد "يريد" الشاعر شيئًا ويقول شيئًا آخر, وتكون القصيدة عندئذ كالجهاز الذي يستطيع أن يستخدمه كل فرد بأسلوبه وبحسب طرقه؛ وبذلك يفهم كل منا الفكرة في القصيدة على نحو خاص مختلف إلى حد بعيد١.
إن القصيدة في أبسط تصور لها لا تعدو أن تكون مجموعة من الألفاظ مرتبطة ومنسقة على نحو معين، ولكنها حين تتكون على هذا النحو تكون قد اكتسبت شخصية خاصة لها حيويتها ولها فعاليتها. وهذا الارتباط الخاص للألفاظ هو الذي ينشئ العلاقات الجديدة التي تتمثل لنا في صور التعبير المختلفة، التي تظهر دائمًا في الكتابة الشعرية، وأعني بصفة خاصة تكوين "الصورة"، فالألفاظ في ارتباطها تكون في القصيدة مجموعة من الصور التي تنقل إلينا الشعور أو الفكرة.