← Адаб

Адаб · id 8501

الأدب وفنونه - دراسة ونقد

عز الدين إسماعيل

Полный текст (182 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ونحن حين نتحدث هنا عن الشعر لا نهدف بطبيعة الحال إلى أن نضع تعريفًا له يغني عن غيره من التعريفات، فهذا أمر عسير، فضلًا عن أن تحقيقه لا يجدي كثيرًا. ولكننا سنحاول أن نفهم طبيعة هذا الشعر ونتصور مكانه, ودوره بين الفنون الأخرى. يقص علينا "بول فاليري" هذه القصة فيقول: إن المصور العظيم "ديجا"١ كان مغرمًا بأن يكرر لي شيئًا صادقًا كل الصدق، وبسيطًا كل البساطة، كان "مالارميه"٢ قد قاله له ذات مرة، فقد كان من عادة "ديجا" أن ينظم في المناسبات أشعارًا ترك منها نماذج قليلة ممتعة، ولكن كثيرًا ما كان يجد صعوبة كبيرة في كتابة هذا الفن الذي كان بالنسبة له يأتي في المرتبة الثانية بعد فن التصوير.. وذات يوم قال لمالارميه: ما أشق وأصعب مهمتك! إنني لا أستطيع أن أعبر عما أريد التعبير عنه، مع أن عقلي يصطخب بالأفكار, فأجابه "مالارميه": إن الشعر -يا عزيزي ديجا- لا يصنع من الأفكار، ولكنه يصنع من الألفاظ٣. هذه القصة الطريفة تدلنا بوضوح على أن الشاعر لا يكفيه أن يحصل قدرًا من الأفكار حتى يستطيع أن يقول الشعر. قد تكون شاعرًا بينك وبين نفسك، ولكن الناس لن يعترفوا لك بذلك إلا عندما تقدم الدليل الملموس على ذلك. وليس لك من وسيلة في هذه الحالة إلا "الألفاظ"؛ فنحن لا نحكم على الشاعر إلا بعد أن نقرأ هذه الألفاظ التي كتبها، وفهم طبيعة الشعر يبدأ من هذه المرحلة، مرحلة استخدام الشاعر للألفاظ.

стр. 72

طبيعة الشعر: إن الألفاظ ملك لجميع الناس، وهي تستخدم في كل فن من الفنون الأدبية، ولكن كل فن -كما سبق أن قلنا- يستخدمها بطريقته الخاصة، فاللغة في الشعر الناجح تبدو "تركيبية"، في حين أنها في النثر "تحليلية"؛ ذلك أن "التركيب" عملية يقتضيها العمل الشعري، في حين أن التحليل تقتضيه الكتابة النثرية. ولماذا يقتضي الشعر التركيب, والنثر التحليل؟ إذا نحن رجعنا إلى الفكرة الأولية التي بدأنا بها هذا الفصل عرفنا السبب, فقد قلنا: إن الشعر انفعال والنثر تفكير، وطبيعة الانفعال أنه -بحسب تجربتي على الأقل- ينتقل جملة، ولا يثبت للتحليل إلا في يدي الدارس، أما التفكير المنطقي المنظم فالتحليل ضروري له. وهنا نستطيع بسهولة أن نستخدم تعبيرين آخرين عن نفس الفكرة, هما: أن التجربة الشعرية -من حيث هي وحدة- لا تتكون في النفس

стр. 73

على نحو ما يتكون التفكير المنطقي المنظم، ولا هي تتبع الطريق الذي يسلكه ذلك التفكير حتى يخرج في صورة لفظية. وقد رحنا نقول: إن هذا معنى شعري وذاك منطقي على أساس من اعتبار للتجربة الشعرية عند الشاعر، والفكرة المنطقية عند غير الشاعر، وهو اختلاف جوهري, كما يقول "جاك ماريتان"١. ولكن ينبغي هنا أن ندرك أن اللغة في مجملها ذات طبيعة تحليلية "أغلب اللغات لها هذه الطبيعة، وبعضها -كاللغة العربية- تركيبي"، ولكن تجربة الشاعر وحده. وهنا تأتي المفارقة في عمل الشاعر؛ لأنه يريد إنتاج تركيب معين من خلال اللغة ذات الطبيعة التحليلية، "وإحداث أثر تركيبي من خلال أداة تحليل يمثل نجاحًا للشاعر، والنثر الذي هو طريقة تعبيرية أكثر ميلا إلى التحليل، لا يتمثل فيه مثل هذه المفارقة بنفس الدرجة"٢. ولكي يستخدم الشاعر هذه الأداة التي يستخدمها غيره، والتي تتمشى مع أغراضهم أكثر مما تسعفه، فإنه يجد نفسه مضطرا في كثير من الحالات لأن يغير من قيمة هذه العملة، وهذا التغيير يحدث أحيانًا على ألسنة الناس أنفسهم، وأحيانًا أخرى نتيجة للضرورات المفاجئة في التعبير الفني, وقد يحدث هذا التغيير من القلم المتردد في يد المؤلف. وكل هذه التغييرات التي يحدثها الشعر في اللغة يجعل منها شيئًا آخر, إنها تصبح لغة شعرية لا أنها في ذاتها لها هذه الخاصية، ولكن لأنها خضعت للتجربة الشعرية في نفس الشاعر، ومقتضيات التعبير عن هذه التجربة. فإذا نحن اعتبرنا هذا الأساس، تبين لنا الخطأ في محاولة فهم طبيعة الشعر من خلال نظرية في الغاية من الشعر بعامة، تجعل مهمته تربية الشبان وتثقيفهم. والذين يأخذون بذلك يخلطون -كما يقول فاليري- بين الآراء العامة والمتعة المباشرة التي يثيرها العمل الفني. إنهم يفهمون العمل الفني على مرحلتين، فلا يفهمون القصيدة أو يتذوقونها من حيث هي شعر تذوقًا مباشرًا، ولكنهم يترجمونها -إذا صح التعبير- إلى النثر أولا، ثم يفهمونها ويتذوقونها ويحكمون عليها أخيرًا من خلال هذا النثر. فهم يعاملون القصيدة كما لو كانت منقسمة إلى عبارة نثرية مكتفية بذاتها وقائمة وحدها من جهة، وإلى قطعة موسيقية خاصة من جهة أخرى، ثم يمضون فيقسمون العبارة بدورها فتنحل في أيديهم إلى متن صغير "قد يقل في بعض الأحيان إلى أن يصل إلى كلمة

стр. 74

واحدة أو عنوان العمل ذاته" وإلى كمية من التوابع، كالمحسنات والصور "التفصيلات الجميلة". أما فيما يختص بموسيقى الشعر, فإنهم يقفون منها بعيدًا، فبعضهم يعتقد أنه شيء لا يمكن إغفاله والتهاون فيه، وهي عند بعضهم موضوع لدراسات تجريدية علمية أحيانًا، وغير مثمرة في العموم. فنقل القصيدة من صورتها "الشعرية" إلى صورة "نثرية" يعد قتلا للشعر فيها. القاعدة العامة التي تقول: إن كل ما يمكن أن يقال في النثر من الأفضل دائمًا قوله١ نثرًا -وهذا ما يؤكد الفارق الجوهري بين الشعر والنثر- هذه القاعدة تؤكد أن تحويل "العملة الشعرية" إلى "عملة نثرية" غير مستطاع إلا على حساب الشعر ذاته. وكلما كانت القصيدة "شعرية" قل إمكان التفكير فيها "نثريا" دون أن تتلف. فتلخيص القصيدة وصياغتها نثرًا يعد جهلا تاما بجوهر الفن, وليست الأفكار التي تظهر أو يوحي بها نص القصيدة هي الشيء الوحيد والرئيسي في الكلام، ولكنها وسائل تشترك بالتساوي مع الأصوات والإيقاع والانسجام والزخارف في أن تثير نوعًا من التوتر أو الهياج، وأن تخلق فينا عالمًا -أو حالة من الوجود- غاية في التآلف. وتقسيم القصيدة إلى فكرة وصورة موسيقية ينظر إليهما على حدة، هو خطأ ظاهر، فموسيقى القصيدة ليست عملا مستقلا عن الشعور الذي تحتويه، أو هي لا تتم في زمن مستقل لا تتمثل فيه "الحالة" بكل حذافيرها، وإنما هي جزء أساسي لمن يريد تذوق الشعر من حيث هو شعر. ومن ثم يرى "فاليري" أنه إذا كان المعنى والصوت "أو إذا كان المحتوى والصورة" يمكن انفصالهما بسهولة، فإن القصيدة تنحل وتفسد؛ ذلك أن أي تجزيء لعناصر العمل الفني المتكاملة، واعتبار بعضها مستقلا عن بعضها الآخر، هو في الحقيقة إفساد لهذا العمل ولقيمته التعبيرية والشعورية على السواء. فإذا انتفى تقسيم العمل الشعري وتفتيته، كان البحث عن فكرة في القصيدة، والحكم عليها بحسب قيمة هذه الفكرة "من وجهة نظر خاصة دائمًا" أمرًا منافيًا لطبيعة الشعر. إن الشعر قد يتضمن الأفكار، ولكن دور هذه الأفكار في الشعر يختلف عنه في النثر، فالفكرة في الكتاب الذي نقرؤه تتحدد في أذهاننا في أشكال متقاربة إن لم يكن في شكل موحد، ولكن الفكرة في القصيدة غير ذلك، فليس هناك معنى حقيقي للنص الذي نقرؤه، ولا سلطان للشاعر ذاته حتى نعود إليه فنعرف منه ذلك المعنى الحقيقي؛ لأنه هو نفسه قد لا يستطيع التحديد. "إنه أراد" أولا، وأخذت عليه هذه الإرادة وجوده

стр. 75

كله، ولكنه حين لم يستطع التحرك في الخارج وتنفيذ رغباته، راح يتحرك في داخل نفسه. وتتمثل تلك الإرادة في هذه الحركة الداخلية التي امتدت إلى الخارج في صورة لفظية هي ما سميناه القصيدة. ومن ثم قد "يريد" الشاعر شيئًا ويقول شيئًا آخر, وتكون القصيدة عندئذ كالجهاز الذي يستطيع أن يستخدمه كل فرد بأسلوبه وبحسب طرقه؛ وبذلك يفهم كل منا الفكرة في القصيدة على نحو خاص مختلف إلى حد بعيد١. إن القصيدة في أبسط تصور لها لا تعدو أن تكون مجموعة من الألفاظ مرتبطة ومنسقة على نحو معين، ولكنها حين تتكون على هذا النحو تكون قد اكتسبت شخصية خاصة لها حيويتها ولها فعاليتها. وهذا الارتباط الخاص للألفاظ هو الذي ينشئ العلاقات الجديدة التي تتمثل لنا في صور التعبير المختلفة، التي تظهر دائمًا في الكتابة الشعرية، وأعني بصفة خاصة تكوين "الصورة"، فالألفاظ في ارتباطها تكون في القصيدة مجموعة من الصور التي تنقل إلينا الشعور أو الفكرة.

стр. 76

الانفعال والفكرة: وهنا يلزمنا العودة مرة أخرى للتفريق الذي بدأنا به هذا الفصل بين "الانفعال" و"الفكرة" من حيث اتصال الانفعال بالشعر والفكرة بالنثر، فالواقع أن الصورة الشعرية قد تنقل إلينا انفعال الشاعر "تجربته الشعورية"، ولكنها كذلك قد تنقل إلينا الفكرة التي "انفعل" بها الشاعر، وليست الصورة التي يكوِّنها خيال الشاعر إلا وسيلة من وسائله في استخدام اللغة على نحو يضمن به انتقال مشاعره "انفعالاته وأفكاره" إلينا على نحو مؤثر. ولما كانت الصورة دائمًا تعتمد على الألفاظ الحسية "معروف أن ألفاظ اللغة إما حسية كلفظ "كتاب" وإما معنوية أو تجريدية كلفظ "إنسانية""، سواء ما يدل منها على الأشياء أو الأوصاف "كما تقول: حلو، بارد، أخضر ... إلخ"، فإنها لذلك كانت أقرب شيء إلى إدراكنا. والصورة كما تكون مجموعة من الألفاظ تكون لفظًا واحدًا, والشاعر -في بحثه وتركيبه للصورة- يستخدم اللفظ المفرد كما يستخدم المجموعة من الألفاظ، وبذلك يمكننا أن نقول: إن القصيدة مجموعة من الصور. وينبغي أن نقف هناك قليلا لندرس بشيء من التحليل "الصورة الشعرية"؛ لأنها في الحقيقة هي أداة الشاعر؛ ولأن لها فلسفة قديمة وأخرى حديثة، ينبغي أن نتبين ما بينهما من فروق؛ لأنه على أساس هذه الفروق يكون النظر إلى الشعر القديم والشعر الحديث، والحكم عليهما.

стр. 77

الصورة القديمة وخصائصها: وأول ما يجدر الالتفات إليه -فيما يختص بالشعر القديم- هو أن الشاعر -وكذلك الناقد- كان ينزع نزعة حسية في فهم الجمال وفي تصويره. هذه النزعة الحسية كانت حرية أن تفرض نفسها على "الصورة الشعرية"، فإذا نحن قرأنا بيت ابن المعتزّ المشهور: وأنظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر تمثلت لنا تلك الخاصة الحسية في الصورة، فقد أراد الشاعر أن يصور الهلال فالتمس له من عالم الحس صورة الزورق الذي يسبح في الماء وقد حمِّل بالعنبر. وإذا نحن مضينا في تحليل هذه الصورة وجدنا أن شكل الزورق يشبه تمامًا شكل الهلال، وأن حجمه يساوي حجم الهلال "من بعيد"، وأن لونه "ولا غرابة في أن يكون لون الزورق فضيًّا" يشبه لون الهلال, والهلال في السماء كالزورق في الماء. وبذلك يتساوى الهلال والزورق من حيث الحجم والشكل واللون والواقع، وهي الأمور الحسية التي تعيّن وجوه التشابه. وقديمًا أعجب النقاد والشعراء بهذا البيت، بل أصبح من الأبيات التي يستشهد بها على الصورة الناجحة. وقد كان نجاح ابن المعتز يرجع إلى أنه استطاع أن يجد في تصويره للهلال الشيء الموازي له في عالم الحس، فراح يضعه في جانبه فإذا هما يتطابقان تطابقًا تامًّا، كما يتطابق المثلثان المتساويا الأضلاع والزوايا. وهذا ينتهي بنا إلى استخلاص صفة أخرى غير الحسية، امتازت بها الصورة القديمة، وهي صفة "الحرفية", وأعني بالحرفية أن يصرف الشاعر كل همه في أن يأتي للشيء بالصورة الحسية الموازية له، المتطابقة معه جزئيا وكليا. فعناصر التشابه التي رأيناها في المثل السابق تتطابق التطابق الحرفي الذي لا يترك خاصة حسية في الشيء المراد تصويره إلا جاء له في الصورة بما يساويه ويوازيه. وحتى الآن نكون قد استخلصنا صفتين أساسيتين من صفات الصورة القديمة هما "الحسية" و"الحرفية", والصفة الثالثة من صفاتها أنها "شكلية". وماذا نريد إذن بالشكلية؟ لا شك أن الشاعر لا يصور لمجرد التصوير, وبعبارة أخرى: لا يسخر الشاعر قواه الإبداعية لكي يحكي لنا الشيء كما هو، فالمحاكاة وحدها قد تروقنا كما حدث في بيت ابن المعتز السابق، ولكننا نطلب في الشعر شيئًا آخر هو الشعور، وهو ما افتقدته الصور القديمة. فإذا وقفت لحظة لتسأل ابن المعتز: أي ربط نفسي بين الزورق والهلال في نفسك حتى حرك الهلال فيها صورة الزورق؟ ثم أي "شحنة" شعورية يثيرها الهلال في النفس قد نقلها ذلك الزورق؟ لم تجد أي رابط نفسي، كما لم تجد أي شعور. إن

стр. 78

الهلال يثير في النفس معاني ومشاعر لا حصر لها، يثير فيها مشاعر الطفولة التي تحبو، ويثير فيها معاني الأمل في مستقبل بسام وضيء، ويثير فيها الشعور بتجدد الحياة، وقد يثير فيها الإحساس بالضيعة, وما أشبه، فإذا انتقلت إلى الصورة التي كان من المفروض أنها ستقرب من نفوسنا واحدًا من هذه المشاعر وتحدده لم تجد بين هذه الصورة وأي شعور من تلك المشاعر علاقة، بخاصة حين نتذكر "العنبر" الذي لم يأت به الشاعر في الصورة إلا لأنه أقرب شيء يساوي ويوازي حسيا منطقة السوداء "المضيء" الذي يقرب من اللون البني، والذي يقع في منحنى الهلال. كل هذا يخلص بنا إلى أن الصورة لم تكن لتتجاوز الشكل الخارجي للأشياء، دون تعمق لها من جهة، ودون استغلالها في نقل مشاعر محددة في نفس الشاعر من جهة أخرى. ولعلني لا أغالي إذا قلت: إن الشاعر كثيرًا ما كان يندفع وراء الصور الحسية التي تبدو له غاية في الجمال، ويتغافل عما يمكن أن يكون بين الشعور الذي تثيره، والشعور أو المعنى الذي كان ينبغي عليها أن تنقله إلى القارئ، من علاقة. وأذكر هنا ذلك البيت القديم الذي أراد الشاعر فيه أن يصور فتاة باكية حزينة نادمة فقال: فأمطرت لؤلؤًا من نرجس، وسقت ... وردًا، وعضت على العناب بالبرد فجعل اللؤلؤ موازيًا للدموع، والنرجس مقابلًا للعين، والورد للخدود، أما العناب فلأطراف الأصابع، وأما البرد فللأسنان. وأعتقد أن كل ذواقة يحس ما يمكن أن تثيره هذه الصورة في النفس من ألوان المشاعر، لا يمكن -بحال من الأحوال- أن يحس بإحساس تلك الفتاة المسكينة الحزينة الباكية النادمة، فالمطر واللؤلؤ والنرجس والورد والعناب والبرد -وهي جميعًا العناصر التي تكونت منها الصورة- لا يمكن أن تكون أداة لنقل مشاعر الحزن والندم، بل لعلها تثير في النفس مشاعر البهجة والارتياح، أي المشاعر المضادة. فالصورة الشعرية القديمة إذن صورة حسية حرفية شكلية، وقد استتبع ذلك صفة أخرى جوهرية هي "الجمود"، فلم يكن في الصورة أي خاصة عضوية أو حركية، بل كانت عناصر جامدة. وكذلك كانت الصورة القديمة "جميلة" دائمًا، ولكنه الجمال الذي يتمثل للحس. وإعجاب الناس بها راجع إلى ذلك الجمال الذي يروع الحواس؛ لأن فهمهم للجمال -كما ذكرت- كان يقف عند هذا المدى.

стр. 79

الصور في الشعر الحديث, ودورها: أما الصورة في الشعر الحديث فلها صفات غير ذلك، أو لنقل: إن لها فلسفة جمالية مختلفة، فأبرز ما فيها "الحيوية"، وذلك راجع إلى أنها تتكون تكوّنًا عضويًّا، وليست مجرد حشد مرصوص من العناصر الجامدة. ثم إن الصورة حديثًا تتخذ أداة تعبيرية ولا يلتفت إليها في ذاتها، فالقارئ لا يقف عند مجرد معناها، بل إن هذا المعنى يثير فيه معنى آخر هو ما سمي "معنى المعنى". بعبارة أخرى: أصبح الشاعر يعبر بالصور الكاملة عن المعنى كما كان يعبر باللفظة, وكما كانت اللفظة أداة تعبيرية فقد أصبحت الصورة ذاتها هي الأداة, وكذلك ارتبطت الصورة دائمًا بموقف من الحياة، ودلت على خبرة الشاعر ونظراته الدقيقة إلى دقائق الأمور. بذلك أصبحت الصورة تنقل مشهدًا حيًّا، كما تلخص خبرة وتجربة إنسانية, وهي إن ظلت حسية "لأن الصورة دائمًا لا مفر من أن تستخدم العناصر الحسية"، ما زالت تختلف في معنى الحسية عن الصورة القديمة، فهي لا تختار العناصر الحسية لأنها تبدو في ذاتها جميلة، فجمال العناصر أو قبحها لا يعني شيئًا بالنسبة للشعر الحديث، إذ المهم أن تكون الصورة في مجملها معبرة, ناقلة للمشاعر الصادقة نقلًا مثيرًا. وأكتفي هنا بأن أقدم نموذجًا للصورة الشعرية الحديثة من قصيدة للشاعرة العراقية "نازك الملائكة" بعنوان "النهر العاشق", وهي قصيدة قيلت وقت فيضان نهر دجلة وإغراقه بغداد. تقول: أين نعدو وهو قد لف يديه حول أكتاف المدينة إنه يعمل في بطء وحزم وسكينة ساكبًا من شفتيه قبلا طينية غطت مراعينا الحزينة فأنت في هذه الصورة تشاهده موقفًا، ولكنه موقف متحرك -إذا أمكن التعبير- وكذلك تحس بالموقف النفسي الذي اتخذته الشاعرة من هذا الفيضان، فقد تمثلت في النهر محبًّا عاشقًا يطوق المدينة بيديه، وينهال عليها لثمًا، ساكبًا طينته فوق المراعي الحزينة. إن فداحة الخطب قد تحولت في نفس الشاعرة الإنسانة إلى موقف تعاطف مع ذلك النهر الوامق القاسي في الوقت نفسه. إن فيضان دجلة قد تجسم للشاعرة في صورة نفسية حية هي صورة العاشق الذي يطوق عنق محبوبته في "قسوة" و"عنف"، ولكن أثر هذه القسوة وذلك العنف لا يعد شيئًا بجانب القبل التي ينهال بها العاشق على محبوبته، فهي تتحمل قسوته في سبيل قبلته، بل إنها لتحب قسوته من أجل حبها قبلته، وكذلك كان فيضان دجلة عنيفًا قاسيًا، ولكن المراعي الحزينة التي طال انتظارها

стр. 80

له قد فرحت به، وغفرت له قسوته إزاء قبله الطينية التي سكبها في كل مكان منها. وبذلك تنجح الصورة في أن تنقل إلينا شعور الشاعرة، كما تصور لنا موقفها النفسي، ثم هي لا تنقصها الحركة والحياة؛ لأنها مشتقة من الحياة. وقد حققت الصورة هنا في خمسة أسطر, وقد تتحقق في أكثر أو أقل، ولكنها ترتبط دائمًا بما قبلها وما بعدها من صور برباط حيوي، حتى تكون القصيدة مجموعة من الصور الجزئية المترابطة، التي تكون في مجموعها مشهدًا عامًّا متحركًا. وسندرس فيما بعد نموذجًا من الشعر الجديد, ونكتفي هنا في مجال الحديث عن الصورة الشعرية كما تتمثل في الشعر الحديث بأن نقرر أنها "رؤية" ولكنها ليست رؤية حالمة. إنها رؤية واعية تلتقط وتسجل وتختار وتركب وتكون مشهدًا كاملًا, وهذه الظاهرة أكثر ما تكون وضوحًا عند اثنين من الشعراء السودانيين هما تاج السر الحسن، وجيلي عبد الرحمن، وكدت أضم إليهما محيي الدين فارس لولا أن صوره في أغلبها "غائمة" من نوع صور الشاعر المصري محمود حسن إسماعيل. يقول جيلي في قصيدة بعنوان "مولد": كنا ندور ... كالنحل نخطر، كالزهور على الحصير.. والراية السوداء تصبغ لحية الشيخ الوقور و"الله حي" في الصدور الله نور، فوق نور كنا ندور مدد لأصحاب النذور مدد على طول الدهور كنا ندور وعمامة خضراء، ترقص والطبول ولد الرسول وأشرقت شمس القبول وتفح أصوات الكهول ........ وزغردت بعض النساء ورف في القلب السرور

стр. 81

الشعر الذاتي والشعر الموضوعي وأنواعهما: وحتى الآن نكون قد تحدثنا عن مادة العمل الشعري وأدواته، ولكننا لا نستطيع بذلك أن نقول: إننا تحدثنا عن كل خصائص العمل الشعري, والواقع أننا نريد أن نقتصر في الحديث النظري على ما هو جوهري ومشترك في الأعمال الشعرية. فالشعر، كما هو معروف، اسم جنس يندرج تحته أنواع شعرية كثيرة يختلف بعضها عن بعض. وهذا الاختلاف من شأنه أن يجعل لكل نوع صفات خاصة ينبغي أن تتوافر فيه ولا تكون شرطًا في غيره؛ ولذلك نرى أنه مما يكمل نظرية الشعر هنا أن نتعرف -في استعراض سريع- الأنواع الشعرية المختلفة، وما لكل نوع من خصائص مميزة. وطبيعي أن نتساءل هنا عن السبب في أن يتنوع الشعر أنواعًا في حين أنه هو في ذاته ليس إلا طريقة من طرق التعبير التي صاحبت حياة الإنسان. والواقع أن الإنسان في بحث دائم عن طريقة جديدة للتعبير كلما تجددت الحياة وتطورت، وظهرت ألوان حضارية جديدة. ولم يكف الإنسان -ولن يكف- عن البحث عن الطريقة الجديدة دائمًا للتعبير. على أن السعي وراء هذه الطريقة مرتبط بنظرية تنظمه، فالشعر ينظر إليه -بدءًا- على أنه ينقسم قسمين كبيرين تبعًا لموقف الشاعر. فإذا تناول الشاعر المادة الخام لموضوعه تناولا موضوعيا -أي من حيث هي قائمة خارج شخصيته الخاصة ومستقلة عنها- فإن الشعر قد يكون قصصيا أو وصفيا، فإذا تناولها ذاتيا، أي: من حيث هي -بصفة أولية- تجربة شخصية، فإن الشعر يكون غنائيا. والشعر المسرحي يجمع بين هذين المنحيين، فهو موضوعي بالنسبة للشاعر، ولكنه يعرض المادة عرضًا ذاتيًّا من خلال شخصيات خيالية. ولن نتكلم هنا عن الشعر الموضوعي؛ لأننا سنتحدث عن ذلك في الفصل الخاص بفن المسرحية, فهو -فيما نرى- أنسب مكان لهذا. أما الشعر القصصي فهو أثر من آثار العصور المتقدمة، وقد قل كثيرًا -إن لم نقل: إنه تلاشى- في العصور الحديثة. وربما كان السبب في قلته هذه أن القصص وجد أسلوب النثر أكثر طواعية وملاءمة، وبذلك اضمحل القصص الشعري أمام القصص النثري في العصر الحديث. وقد انقسم العشر القديم قسمين هما: الشعر الملحمي epic poetry. وشعر القصة الشعبية ballad. وأما الشعر الغنائي lyric -وهو يمثل الشعر الذاتي- فهو مرتبط في الأصل بالغناء والموسيقى والعاطفة. ولكن هذا النوع تطور مع التطور الطبيعي للحضارة، ودخل

стр. 82

فيه عنصر التفكير والعقل. وهنا ظهرت أنواع مختلفة للشعر الغنائي، فهناك الأغنية Song، وهي تمثل القسم الغنائي الصرف، ثم هناك أنواع أخرى تعرف بأسمائها في الآداب الأوروبية مثل الـ ode ويمثلها في شعرنا العربي الحديث ما يسمى بالأنشودة، والمرثية elegy، والسونيت Sonnet. ويدل النوع الأول على القصيدة الغنائية ذات الطابع العاطفي القوي، وفيها يظهر تأثر الشاعر, وهي محدودة الطول، بخاصة عندما توجه إلى شخصية معنوية، أو عندما تعبر عن المشاعر الشعبية في مناسبة خاصة مهمة. أما النوع الثاني فيدل على ما يعرف في الشعر العربي بقصيدة الرثاء تقريبًا، وهي القصيدة التي تطفح حزنًا وأسًى. والسونيت قصيدة مركزة، يقصد بها إلى التعبير عن فكرة مفردة أو لحظة شعورية, ولها تكوين خاص، فهي تقع دائمًا في أربعة عشر بيتًا، وهي -من حيث الشكل- تنقسم إلى نوعين: الشكل الإيطالي ويسمى الشكل "البتراركي"، وفيه ينقسم الشعر إلى مجموعتين تنقسم معهما الفكرة في العادة، والشكل الإنجليزي الذي تنقسم فيه القصيدة إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة تتكون من أربعة أبيات، ثم يأتي مقطع ختامي تنمو فيه الفكرة المتصلة بالقصيدة نموًا أكبر، ويسمى هذا الشكل بالشكل "الاسبنسري"١. أما الملحمة فشعر قصصي طويل، وهي بدورها تنقسم إلى نوعين ظهر أحدهما بعد الآخر. أما النوع الأول فهو "الملحمة التاريخية"، "كملحمة الإلياذة" "لهوميروس"، وفيها نجد عنصر الأسطورة، كما نجد التاريخ الواقعي. أما القصة في هذه الملحمة فهي قصة "أخيل"٢، وأما الأشخاص الخياليون فيها فينتمون إلى عنصر الأسطورة، وأما التاريخ فقد أثبت البحث عن بعض الحقائق المذكورة في الإلياذة٣, ولكن قيمة الإلياذة ليست في أنها تضمنت بعض الحقائق التاريخية، فإنها إلى جانب ذلك قد صورت عادات الإغريق ونظم الحرب والحكم والزواج والعبادات لديهم، وغير ذلك. وكل هذا يعد مادة الملحمة التاريخية، ولكن خلودها بطبيعة الحال يرجع إلى ما فيها من فن. ومن خصائص الملحمة القديمة أنها ألفت لتنشد؛ ولذلك كان المؤلف يبذل جهده لإثارة خيال السامع وتنشيطه. وأما النوع الثاني للملحمة فهو ما يسمى "الملحمة الأدبية"، وتتميز بأنها لا ترتبط بالتاريخ، ومؤلفها لا يستفيد من كتابات سابقيه كما في الإلياذة مثلا، ولكنه يكتبها تحت سيطرة فكرة خاصة به؛ ولذلك كان عنصر الفكرة أساسيا في الملحمة الأدبية. وإذا كانت

стр. 83

الملحمة القديمة ألفت لتنشد فإن الملحمة الأدبية إنما ألفت لتقرأ، فالتأثير فيها صادر عن الفكرة وعن طريقة عرضها، ومن ثم كان مؤلفها حريصًا على تماسك الموضوعات التي يطرقها بحيث تقوى الفكرة. ومثال الملحمة الأدبية ملحمة "الفردوس المفقود" لملتن١. وإذا كانت البطولة في الإلياذة لشخصية خارقة هي شخصية أخيل، فإن البطولة في الفردوس المفقود قد تمثلت في جانب آخر، ربما كان أقوى، هو جانب الفكرة. إنها تمثل بطولة الصراع في ميدان الحياة بين الخير والشر؛ ولذلك كانت شخصية "آدم" فيها أعنف من شخصيات الملاحم السابقة٢. ومما يؤسف له أننا لا نستطيع هنا أن نتحدث عن الملحمة في الشعر العربي؛ لأن المحقق -حتى الآن- أن هذا النوع الأدبي لم يوجد ولم توجد فكرته عند شاعر عربي معروف، وإن كان من الواجب أن نلتفت هنا إلى أن السير الشعبية قد تضمنت قدرًا كبيرًا من الشعر، يؤدي -إلى حد بعيد- دور الملحمة "الهوميروسية". وقد ورد على سبيل المثال في قصة عاد الأوسط التي رواها عبيد بن شرية الجرهمي ٦٩٤ بيتًا من الشعر، في حين يروي وهب بن منبه في كتابه "التيجان" كثيرًا من الشعر على لسان أناس عاصروا تُبّعًا، وكان لهم دور في قصته. وهذا الشعر كله إنما يروي فيه تُبع سيرة حياته كاملة، غزواته وفتوحاته، معاركه وانتصاراته، ممزوجة كلها بتأملاته وآرائه. كما نلمح في هذا الشعر ما يلقي الأضواء على معارف العرب في عصرهم بالنجوم والشعوب والصناعات، نلمح أيضًا عاداتهم وتقاليدهم في السلم والحرب٣، وكل هذه الظواهر تمثل الصور التي تمثلت في الملحمة، وكل ما هناك من فارق هو أن مؤلف "الإلياذة" معروف لنا -برغم ما قد يثار أحيانًا حول شخصيته من شكوك- في حين أننا نجهل حتى الآن مؤلف تلك الأشعار العربية، وهو فارق -بعد- ليس جوهريًّا. وأما "البالاد" فقصة أقصر من قصة الملحمة، وهي تحفظ وتنشد "وربما كان الأغلب عليها في الأيام الأولى أن تغنى" في جلسة واحدة. وهي تتناول مغامرة أو

стр. 84

واقعة واحدة لقصة شعبية. وكذلك يوحي أصل كلمة ballad بالرقص، ومنها رقص "الباليه ballet" المعروف. ومعنى هذا أن البالاد كانت قصة تنشد أو تغنى في أثناء الرقص وعلى إيقاعه, ولكنها في نماذجها الحديثة قد استقلّت عن الرقص وعن الغناء على السواء، وهي أقرب إلى أن تقوم بمهمة القصة القصيرة حين تتوجه إلى موضوع شعبي. وإذا كنا لا نجد للملحمة نماذج مباشرة في الأدب العربي فإن الأمر يختلف بالنسبة لشعر البالاد, وبعض الدارسين يجد في الشعر العربي محاولات قريبة الشبه من هذا النوع الشعري١، تتمثل له في شعر "الصعاليك" في العصر الجاهلي، وشعر هذيل، وفي شعر عمر بن أبي ربيعة، وغيرهم. على أننا نجد محاولات معاصرة في الأدب العربي لكتابة القصة القصيرة الشعرية، كمحاولات الشاعر خالد الجرنوسي، إلا أن هذا اللون غير رائج؛ لأن القصة القصيرة النثرية تملأ الميدان. وهكذا نجد أننا في غير حاجة لأن نشغل أنفسنا كثيرًا بالشعر القصصي؛ لأنه لا يعيش بيننا الآن. أما الشعر الغنائي, فإن لدينا منه تراثًا هائلًا إن لم يكن كل تراثنا الشعري غنائيًّا، وقد ذكرنا أقسام هذا الشعر الغنائي في الأدب الأوروبي. والحق أننا لا نستطيع أن نتكلم عن هذه الأقسام في الشعر العربي القديم، وهي وإن اتفقت جميعًا في أنها تمثل الشعر الذاتي العاطفي، تختلف فيما بينها من حيث الإطار والبناء الفني، كما أنها تتفاوت في مدى صلتها بالعاطفة وبالفكرة، أما القصيدة الغنائية في الأدب العربي فقد كان لها في كل حالة إطار واحد. ومحاولة الخروج إلى أطر جديدة، كانت في الغالب تتمثل في الشعر الشعبي، كالزجل والقوما وكان وكان وغيرها، أما القصيدة التي تحددت أغراضها منذ وقت مبكر في المدح والرثاء والهجاء والفخر والغزل وما أشبه، فقد استمرت بشكلها التقليدي، حتى عند الشعراء المحدثين الذين كانوا يتبعون تلك التقاليد. ولكن يحق لنا أن نسجل هنا أن نوعًا جديدًا من القصيدة قد أخذ مكانه في العصر الحديث عند الشعراء الأوروبيين، وبدأ يحتلّ مكانًا واضحًا عند شعرائنا الذين يحملون لواء التجديد. وهذا النوع يسمى "القصيدة الطويلة"، وهو -في رأيي- يعد تطورًا للملحمة الأدبية من جهة، ويرتبط بالقصيدة الغنائية من جهة أخرى، فالقصيدة الطويلة هي حلقة التطور التي ينتهي عندها الشعر القصصي, والشعر الغنائي.

стр. 85

وهنا لا بد أن يتساءل القارئ: بماذا تفترق القصيدة الطويلة عن القصيدة الغنائية؟ وقد حاول "هربرت ريد"١ أن يجيب عن هذا، فوجد أن مجرد الطول لا يجعل من القصيدة عملا شعريا ضخما, فالفرق بين القصيدة الطويلة والقصيدة الغنائية فرق في الجوهر. فنحن نسمي القصيدة في العادة قصيدة غنائية، وكان ذلك يعني في الأصل قصيدة من القصر بحيث يمكن تلحينها وغناؤها في فترة معينة، ويمكن تعريف القصيدة الغنائية من وجهة نظر الشاعر بأنها قصيدة تجسم موقفًا عاطفيًّا مفردًا أو بسيطًا. إنها قصيدة تعبر مباشرة عن حالة أو إلهام غير منقطع. أما القصيدة الطويلة فهي قصيدة تربط بمهارة بين كثير من تلك الحالات العاطفية، وإن كان من الواجب هنا أن تصحب المهارة فكرة عامة واحدة، هي في ذاتها تكوّن وحدة عاطفية. ثم يقول "ريد": وأريد أن أؤكد بصفة خاصة كلمتي العاطفة والفكرة في سياقهما الخاص، فمن الممكن أن نجد أنهما هما الكلمتان اللتان بتسلطهما على طبيعة الشعر، توصلان إلى التفريق الجوهري الذي نرغب في تقريره بين القصيدة الطويلة والقصيدة الغنائية. وينبه "ريد" إلى أن بعض الأنواع الأدبية يكون الطول فيها ملزمًا بحكم موضوعها، كقصص كانتربري٢، فهي طويلة بحكم أن الشاعر كان عليه أن يسرد مجموعة من القصص في الشعر، وليس هذا هو العمل الشعري الضخم أو الطويل. وينتهي "ريد" إلى أنه عندما تسيطر الصورة على المعنى "أي: عندما يحدد المعنى تحديدًا كافيًا لينظر إليه بوصفه وحدة مفردة، أي: حين يؤخذ منذ البداية حتى النهاية في توتر ذهني واحد" عندئذ يمكن أن تعرف القصيدة بحق بأنها "قصيرة". ومن جهة أخرى, فإنه عندما يكون المعنى معقدًا بحيث يتحتم على العقل أن يستوعب أجزاء منفصلة، وينظم هذه الأجزاء أخيرًا في وحدة لها مدلول عام، عندئذ تعرف القصيدة بحق بأنها "طويلة"٣. وهذا "البناء" الداخلي للقصيدة الطويلة يدخل التعقيد عنصرا أساسيا فيه، في حين أن البساطة وتحدد العاطفة هما من طبيعة القصيدة الغنائية. وقليل من النقاد من التفت إلى العلاقة بين الطول في الأعمال الفنية وبين التعقيد والعظمة. ويمكن الانتهاء في ذلك -مع "ريد"- إلى قاعدة عامة، هي أن السطر الواحد من الشعر, أو المقطع الواحد، تتهيأ له فرصة أوسع لأن يكون عظيمًا إذا هو جاء في عمل شعري طويل. ومعنى هذا أن التعقيد يصعب تحققه في الحيز المحدود "مفهوم هنا

стр. 86

أننا لا نتحدث عن التعقيد بما هو ظاهرة بنائية نفسية في القصائد أو الأعمال الشعرية الطويلة". وليس الطول في ذاته هو الذي يشعر بالتعقيد أو يبعث عليه، ولكن كل قسم بمفرده يستمتع بمزيد من الإيحاء والمعنى بسبب علاقته بالكل. فمثلا آخر كلمة نطق بها "هاملت" إزاء مشكلة الحياة والموت هي: "إن البقية صمت! ", وهي عبارة لا تعطي حلًّا واحدًا للمسألة، وإنما هي توحي بأن البقية راحة, ولكنها من الممكن أن تعني أن "هاملت" لن يستطيع الكلام بعد، ويمكن أن تعني كذلك أنه مهما طال اهتمام الكائنات الفانية, فإن الصمت يتلو جميع أسئلتها عن الحياة المستقبلة. ومن كل هذا يتضح لنا ما قررناه من أن "القصيدة الطويلة" نوع أدبي يعد من جهة تطورًا للقصيدة الملحمية الأدبية، كما أنه في الوقت نفسه يمكن أن يعد تطورًا للقصيدة الغنائية بعد أن تركت بدايتها الغنائية العاطفية الصرف، وتطورت بتطور الحضارة، ودخل فيها العنصر الفكري. ففي "القصيدة الطويلة" تتجمع صفات "الملحمة الأدبية" مع فرق ملحوظ في الطول؛ لأن الملحمة أطول في العادة بكثير. وفيها كذلك تتجمع صفات القصيدة الغنائية الفكرية "الأنشودة ode" بصفة خاصة. ويحدثنا "جايتان بيكو Gaetan Picon" وهو من أبرز النقاد الفرنسيين في العصر الحديث، عن أن الشعر المعاصر قد أصبح نشاطًا روحيًّا مصاحبًا للواقع، فهو ليس سوى إبداع فني للواقع. ويستوي أن يكون الواقع هنا خبرة نفسية، أو موضوعًا وصفيًّا، أو قصة تاريخية، أو سوى ذلك. والقصيدة الطويلة حشد كبير من هذه الأشياء "الجاهزة" التي تعيش في واقع الشاعر النفسي، والتي تتجمع وتتضام، ويؤلف بينها ذلك الخلق الفني الجديد ليخرج منها عملا شعريا ضخما. فأنت تجد فيها الخرافة والحقيقة والقصة والواقعة والزمن والخبرة الإنسانية والمعرفة، أو لنقل: تجد فيها آفاقًا فسيحة متعددة من الحياة. وهذا كله ينتقل من صورته الأصلية أو من ماضيه، ليحتل صورة جديدة، وليستقر في حاضر جديد، وكأنه قد خلق خلقًا آخر. و"الشعر" في القصيدة الطويلة هو ذلك الخلق الآخر، ولا تتجمع هذه الآفاق المتعددة بصورة اعتباطية، وإلا أصبحت أمشاجًا لا لون لها ولا طعم، ولأصبحت القصيدة شيئًا آخر، لا هي بالطويلة ولا بالغنائية، ولكنها تتجمع في خلقها الجديد ليربط بين أجزائها رباط حيوي هو ما سماه "ريد" من قبل "الفكرة". وإذا كنا قد أطلنا الكلام عن "القصيدة الطويلة" فلأنها أهم نوع شعري في الأدب المعاصر. وقد بدأ شعراؤنا -كما قلت- ينصرفون إليها, وكان انصرافهم إليها أمرًا من

стр. 87

الصعوبة بمكان؛ لأنهم كانوا محتاجين إلى أن يغيروا فلسفتهم الفنية تغييرًا جوهريًّا حتى ينتقلوا من جماليات الشعر العربي الغنائي القديم إلى جماليات "التجربة" و"الفكر الفعال"، وما يصحب ذلك من تغييرات جوهرية في "الإطار" و"التكوين". وقد صحب هذه التغيرات تغيرات أخرى في الشكل، تناولت الوزن والقافية، وهما العنصران التقليديان في كل الشعر القديم. وسندرس فيما يلي بعض النماذج الدالة من الشعر الذي ينهج النهج القديم، وبعضًا آخر يمثل محاولات التجديد. والهدف من هذه الدراسة النقدية هو أن نكمل الحديث في نظرية الشعر من خلال الدراسة العملية لهذه النماذج. قصائد لشوقي وحافظ والعقاد "دراسة تطبيقية": كلنا نعرف -أو ينبغي أن نعرف- أن شعر "شوقي" في العصر الحديث هو خير مثال للقصيدة التقليدية, وهو رأس مدرسة شعرية لم يعد لها ما تمتعت به من قوة النفوذ وقوة الأنصار. وعلى المثل الفنية التقليدية التي كانت هذه المدرسة تأخذ نفسها بها ثار "العقاد" و"المازني" وحملا حملتهما النقدية منذ وقت مبكر على شوقي وأنصار مذهبه, وقد وضعا المقاييس الجديدة التي يقيسان بها الشعر القديم، وكان معهما من حيث النزعة عبد الرحمن شكري, والطريف أنهم جميعًا يكتبون الشعر. وسنتخذ هنا موضوعًا لدراستنا ثلاث قصائد قيلت في موضوع واحد هي: قصائد شوقي وحافظ والعقاد, أما الموضوع المشترك "شكسبير"، فقد كتب عنه الثلاثة بمناسبة الاحتفال بذكراه, وسنرى الآن كيف تناول كل منهم الموضوع. والواقع أننا نستطيع أن نتحدث عن قصيدتي شوقي وحافظ معًا؛ لأنهما تتفقان إلى حد كبير في المنهج الفني, والملاحظات التي سنسجلها هنا تنطبق كذلك على كل شعرهما دون أدنى مخاطرة. وهما يشتركان هنا على الأقل، في: ١- الصياغة. ٢- البناء الشعري. ٣- طريقة تناول المعاني. ٤- الارتباط بالمأثور اللغوي القديم, وبصور التعبير التقليدية. ٥- التصوير. فشوقي وحافظ، ككل الشعراء الذين يتبعون المدرسة القديمة، يشتركون في هذه الظاهرة، ولذلك نجدهم يحتفلون احتفالًا كبيرًا بالصنعة الشكلية، ويصرفون أكبر

стр. 88

جهدهم إلى تكوين الأبيات الرنانة التي تتمتع بوقع موسيقي كبير، والتي تغلب عليها النزعة الخطابية. وهذه الناحية في شعرهم هي التي غالبًا ما تروع القارئ أو السامع بصفة خاصة، وهي تلهيه عما وراء هذه الزخارف والتلوينات الصوتية من قيم شعرية، صحيح أن عنصر الموسيقى عنصر لازم ومهم في العمل الشعري، ولكن ينبغي أن نفرق دائمًا بين موسيقى سطحية مصنوعة، وموسيقى تنبع من النفس لتنتقل إلى صميم النفس. وربما كانت موسيقى حافظ أكثر هدوءًا منها عند شوقي، ولكنها -بعد هذا- لا تجاوز الأذن. أما ظاهرة البناء الشعري فهي قائمة في طريقة نظم القصيدة، وفي الاعتبارات الأساسية الخاصة بمفهوم العمل الشعري. فلم يكن شعراء المدرسة القديمة ينظرون إلى العمل الشعري بوصفه عملا متكاملا، وبنية عضوية حية، تتفاعل عناصرها جميعًا كما تتفاعل الأعضاء المختلفة في الجسم الحي، ولكنهم كانوا ينظرون إلى القصيدة على أنها عدد من الأبيات قد يقل وقد يكثر. ومن هنا تحددت طريقتهم في نظم القصيدة، فهم لا ينظمون القصيدة وإنما ينظمون أبياتًا. ينظمون البيت أو البيتين على فترات نفسية متباعدة، ثم إذا هم يضمون هذه الأشتات بعضها إلى بعض ليؤلفوا منها عددًا من الأبيات يسمونه القصيدة. وهذا معناه أن القصيدة تفقد نسقها الفني، فإذا بها انطباعات شتى نتيجة لوقوع الشاعر في حالات نفسية متباعدة ومختلفة. وليست نتيجة ذلك فقدان النسق الفني في القصيدة فحسب، بحيث يفتقد فيها الخيط النفسي الذي ينتظمها من أولها إلى آخرها، بل إن ذلك يورط الشاعر في كثير من الأحيان في أن يكرر نفسه، وأن يعود إلى عرض معانٍ سبق أن تناولها في أجزاء أخرى. وهذا واضح عند شوقي، فقد كان يبدأ المعنى ويستوفيه أو يكاد، ثم إذا به بعد عشرة أبيات أو يزيد يعود إليه مرة أخرى، فإذا بمحصل القصيدة قليل، برغم كثرة أبياتها. وكذلك كان حافظ، فقد فقدت القصيدة عنده نسقها الفني، كما ظهر فيها التكرار واضحًا، وهذا من شأنه أن يشكك القارئ في أن الشاعر يقدم إليه أجزاء من خبراته وانفعالاته، ومن انطباعاته الخاصة، ويوحي إليه أن الشاعر إنما يتكلف الحديث في الموضوع تكلفًا، وأنه في كثير من الأحيان لا يجد ما يقوله, فيقول كلامًا كل ما فيه من شعر أنه موزون مقفى. وأما الظاهرة الثالثة، وهي طريقة تناول المعاني وعرضها، فإن الطريقة التقليدية تقوم على أساس أن يعرض الشاعر المعنى، سواء أكان من عنده أم كان معنى متداولًا, أن يعرضه في صورة لفظية خاصة، وإن كان ما يميزه عن غيره هو هذه الصورة. والحق أن هذا الاعتبار يدعو إلى الشك في فهم هؤلاء الشعراء لمهمتهم، فليست مهمتهم أن يعيدوا بناء المعاني التي ألفها الناس أو سبق أن تناولها الشعراء، وإن كان ذلك في صورة

стр. 89

لفظية جديدة، ولكن مهمتهم الأساسية هي أن يضيفوا إلينا محصولًا جديدًا من الخبرات النفسية، ومشاعر أعمق من مشاعرنا العادية؛ ولذلك نجد "شوقيًّا وحافظًا" يشتركان في قصيدتيهما في كثير من المعاني، وكل ما يمكن أن يكون بينهما من فرق هو أن هذا يعرض المعنى في صورة لفظية, وذاك يعرضه في صورة أخرى. وصحيح أن مجرد اختلاف الصورة اللفظية يؤدي إلى اختلاف في المعنى، وهذا مسلم به بوجه عام، ولكن يلاحظ أن "شوقيا" و"حافظا" قد حلقا في آفاق واحدة، أو غاصا في أعماق قريبة متشابهة. وكل ما في الأمر أن "شوقيا" كان أكثر تهويلا في عرضه لهذه المعاني المشتركة, ولكنهما يشتركان كذلك في تناولهما للمعنى على حدة، مستقلًّا في كثير من الحالات عما قبله وما بعده. وبعبارة أخرى نقول: ليست المعاني عندهما تأتي نتيجة لامتدادات تطورات للموقف النفسي "موقف الشاعر" الذي دفع الشاعر عند اللحظة الأولى لكتابة الشعر، ولكنها دفعات بعيدة مستقلة، فإذا بها في القصيدة أبيات أو مجموعات من الأبيات متباعدة، تكاد تكون مستقلة، فهما إذن يتناولان المعاني الجزئية على حدة، ثم هما يضمان هذه المعاني آخر الأمر في صورة نهائية. وأكتفي -منعًا للإطالة- بتقديم هذه الأبيات من قصيدة شوقي: دستورهم١ عجب الدنيا وشاعرهم ... يد على خلقه لله بيضاء ما أنجبت مثل شكسبير حاضرة ... ولا نمت من كريم الطير غناء نالت به وحده إنجلترا شرفًا ... ما لم تنل بالنجوم الكثر جوزاء لم تكشف النفس لولاه ولا بليت ... لها سرائر لا تحصى وأهواء شعر من النسق الأعلى يؤيده ... من جانب الله إلهام وإيحاء فبقليل من الحس الأدبي نستطيع أن ندرك أن كل بيت من هذه الأبيات قد نظم أولا مستقلا عن الأبيات الأخرى، ثم جمع الشاعر بينها في هذا الترتيب الذي كان من الممكن أن يكون على نحو آخر، والذي لا ترتبط فيه الأبيات برباط حيوي، وبخاصة إذا نظرنا إلى العلاقة المفتعلة بين البيت الأخير وما قبله. أما الظاهرة الرابعة وهي ارتباطهما بالمأثور اللغوي القديم وبالصور التقليدية القديمة, فلعله يتضح لنا في كل بيت وكل صورة, وربما كانت هذه الظاهرة أوضح في قصيدة شوقي منها في قصيدة حافظ. وبنظرة سريعة في القصيدتين تتضح لنا هذه

стр. 90

الظاهرة. وهي هنا أننا حين نقرأ قصيدتيهما نحس أننا نقرأ شعرًا بيننا وبين لغته شيء من التباعد، فليست لغة شعر شوقي وحافظ هي اللغة التي تستمدّ من واقع حياتنا عناصر التعبير، ولكنها تستمد هذه العناصر من مصدر آخر يبعد بها عن ذلك الواقع. وظاهرة التصوير تكشف لنا بوضوح عن هذه القضية. وقد سبق أن تحدثنا عن خصائص الصورة في الشعر القديم, وهذه الخصائص هي ذاتها خصائص الصورة في شعر شوقي والمدرسة التقليدية. وفي قصيدة "شكسبير" نقرأ له: بمن أماتك قل لي: كيف جمجمة ... غبراء في ظلمات الأرض جوفاء "كانت سماء بيان غير مقلعة ... شؤبوبها عسل صاف وصهباء" فهو هنا يصف جمجمة شكسبير وإنتاجها الغزير، فإذا به يصور هذا الإنتاج بأنه عسل وخمر. ولست أدري هل يثير إنتاج شكسبير في النفس ما يثيره العسل؟! إن العسل يثير الشعور بالحلاوة، وقد يثير في النفس "ميوعة"، وإنتاج شكسبير يثير في النفس المرارة أو "المزازة" أو هما معًا أو شيئًا مثلهما. والخمر وسيلة من وسائل الانطلاق من الحياة والفرار من الواقع، وإنتاج شكسبير يغوص بنا في أعمق أعماق النفس البشرية، ويعمق في نفوسنا الإحساس بالحياة وفهم حقائقها، فالصورة إذن في وادٍ والمشاعر التي كان ينبغي تصويرها في وادٍ آخر. وليس ذلك إلا لأن الصورة لم تتجاوز الشكل المحسوس، ولم يستغلّ الشاعر إيحاءاتها استغلالًا صالحًا، ولم يلتفت إلى إشعاعاتها النفسية؛ ولذلك كانت صورة كاذبة؛ لأنها تصور شعورًا كاذبًا. فالشاعر لم ينفعل بشخصية "شكسبير" ويتأثر بها قبل أن يصورها لنا، بل راح يستخدم مقدرته على نظم الكلام في أن يصوغ قصيدة في مناسبة ما كان يجدر به ألا يشارك فيها وهي ذكرى "شكسبير". ومن هنا حمل نفسه على شيء لم ينفعل به، وكأنه يكتب موضوعًا إنشائيًّا كالذي يكتبه التلاميذ في المدارس مكرهين "تقسيمة القصيدة إلى مقدمة وموضوع وخاتمة أثر من آثار ذلك". وإذا بحثنا عن السبب في فساد هذه الصورة وجدناه في تأثر شوقي بقيم خاصة تقليدية لبعض الألفاظ التي استخدمها القدامى وصوروا من خلالها مشاعرهم الخاصة ومثلهم العليا. كان من أبرز ما يشخص السراة أن يقدم الرجل لضيوفه العسل والخمر, وهو حينما يقصد إلى التمدح والتفاخر لا يفوته أن يذكر ذلك. ومن هنا أصبح للفظتي العسل والخمر هذه الدلالة على عظمة الشخص الذي يقدمها بسخاء إلى الآخرين،

стр. 91

ولا شك أن العناصر التي استخدمها شوقي "السماء، الشؤبوب، العسل، الصهباء" لها صلتها الوثيقة بحياة البيئة العربية القديمة، ومن ثم كان لها إيحاءاتها وإشعاعاتها النفسية الخاصة لدى العربي القديم. أما حينما يعتمد عليها شوقي، في مصر، وفي القرن العشرين؛ لكي ينقل إلينا من خلالها إحساسه إزاء إنتاج شكسبير، فإنه يكون من الغريب أن تنقل هذه العناصر بقيمها القديمة في موضوع جديد, ومن هنا كان التباعد الشنيع بين ما توحيه الصورة عند شوقي وبين الموضوع الذي يتحدث فيه. هذه الظواهر الفنية المختلفة تجمل لنا فن الشاعرين. وهناك ملاحظة عامة يشترك فيها الشاعران كذلك، وهي جهلهما بالموضوع الذي تعرضا له، فالصورة التي يصور بها شوقي شكسبير صورة غريبة عن شكسبير من جهة، ثم هي لها طابع عام يصلح أن يكون لغير شكسبير من جهة أخرى. فهو حين يقول عن شعر شكسبير أنه: شعر من النسق الأعلى يؤيده ... من جانب الله إلهام وإيحاء من كل بيت كآي الله تسكنه ... حقيقة من خيال الشعر غراء وكل معنى كعيسى في محاسنه ... جاءت به من بنات الشعر عذراء فليس هذا إلا وصفًا عامًّا يصلح أن يقال لغير شكسبير كذلك من كبار الشعراء. ومعنى هذا أن الشاعر لا يشخص لنا الظاهرة التي يتحدث عنها، بل يتناولها تناولا عاما. وليس حافظ أقل من صاحبه في هذا التناول العام، فهو يقول عن مسرحية "هاملت" للشاعر: وأقعدني عن وصف "هامليت" حسنها ... وفي مثلها تعيا البراعة والفهم وأعتقد أن هذا الوصف لمسرحية هاملت لا يعني شيئًا آخر سوى أن "حافظًا" لم يجد ما يقوله عنها، فخلع عليها صفة الحسن، وليس أعم منها بين الصفات، ثم إن الإنسان لا يدري للحسن أدنى علاقة بالمسرحية. وكل هذا يصل بنا إلى حقيقة عامة هي أنهما لم يتناولا شكسبير من حيث هو ظاهرة إنسانية فريدة كان لها وقع خاص في نفسيهما, فانفعلا إزاءها بشتى الانفعالات، ثم أرادا أن يصورا لنا كل ذلك، وإنما قد تناولا شكسبير على أنه موضوع ينبغي أن

стр. 92

يكتبا فيه. وحافظ هنا يشترك مع شوقي في ظاهرة عامة هي أنه كان دائمًا يقف خارج الموضوع ويطل عليه من بعيد. فإذا ما قرأنا قصيدة العقاد -وقد أخرنا الحديث عنها لأننا نريد أن ننظر إليها على أنها تمثل المذهب المقابل في الشعر، وهو الذي يقوم على الفهم الحديث- وجدنا أن القصيدة لم تكن -فيما نرى- "بنية حية"، بل كانت مجموعة من المعاني تدور حول موضوع واحد، ولكنها -برغم ارتباطها بموضوع واحد- لم تكن أجزاؤها ترتبط فيما بينها ارتباطًا عضويًّا. ومنهج العقاد في قياس البنية الحية للعمل الفني هو أن يغير من وضع أبيات القصيدة وترتيبها أو يحذف منها، أو يزيد فيها أبياتًا على نسقها، وقد طبعت قصيدته طبعتين مختلفتين، فهناك أبيات أثبتت في إحدى الطبعتين وليست مثبتة في الأخرى. ثم هناك اختلاف في ترتيب بعض الأبيات بين الطبعتين، ثم إن الشاعر قد غير بعض الألفاظ في أكثر من بيت، وهذا معناه أن صياغة القصيدة لم تخلق منها البنية المستوية. هذا من مجرد شكل القصيدة، ولا تتمثل البنية الحية في الشكل وحده؛ لأن الشكل مرتبط دائمًا بالمضمون؛ ولذلك ينبغي أن ننظر في صميم "البنية النفسية" للقصيدة. وبعد قراءات كثيرة للقصيدة نستطيع أن نطمئن إلى أن النسق النفسي لم يتوافر للقصيدة، فما تزال وحداتها النفسية مفرقة, لا تسلم كل واحدة منها إلى الأخرى. فهناك كثير من الانقطاع وكثير من البدايات يصادفنا, وقد نجد الشطر الواحد قائمًا بذاته، ويمكن أن يفصل عن البيت ليجري على الألسن مجرى المثل، كما هو مألوف في نسق الشعر القديم. من ذلك: خدعت بالخلد تستدني أقاصيه ... "ما الخلد من أرب النوامة النهم" ومع ذلك أنستطيع أن نقول: إن العقاد يشبه في هذه الناحية صاحبيه؟ الحقيقة أن العقاد كان أكثر منهما تعمقًا للشاعر وتصويرًا لجوانب إنسانية بارزة في شخصيته. وكان العقاد نفسه عميقًا في إحساسه بهذه الشخصية، كما كان عميقًا في معانيه التجريدية التي التمس لها الصور الحسية الحية ليزيدها وضوحًا, وتأثيرًا في النفس. ومن ذلك قوله: قضيت دهرك تلهيهم وتضحكهم ... يا للعجائب من أضحوكة القِسَم لا يوثق الهر رئبالًا ليضحكه ... فاعجب من الناس لا تعجب من البهم

стр. 93

فهو هنا يفترق عن صاحبيه في أنه لا يتناول معاني تقليدية، ولا يلجأ إلى صورة حسية مألوفة، ولكنه يشتق معانيه من شعوره، كما يلمس صورة جديدة من حيث عناصرها ومن حيث تركيبها. وهذا يدل على أن الشاعر يبذل جهدًا نفسيًّا في كتابته هذا الشعر، ولا يتناوله تناولا كيفما يتفق له، وحسبما يملي عليه الشعور العابر. إذن فقد افترق العقاد عن صاحبيه في معانيه وفي طريقة عرضه لهذه المعاني. أما صوره فقد رأينا أنها صور جديدة، تحمل طابعًا إنسانيًّا من حيث إنها تجسم لنا حقائق إنسانية تجسيمًا واضحًا، يثير في نفوسنا تلك المعاني الإنسانية. وهذه الصور يستغلها الشاعر دائمًا في أن يدفع بالمعنى المجرد إلى نفس القارئ من خلال تلك الصور الحسية الموحية. وقد سبق أن رأينا تنافرًا بين ما توحيه الصورة عند شوقي وما يريد أن ينقله إلينا من معنى، ولكن ذلك يختفي في قصيدة العقاد، فإيحاءات الصور هي نفس المعاني التي يريد الشاعر أن يوصلها إلى نفوسنا، فليس بين الصورة بإيحاءاتها وتلك المعاني أي لون من التنافر. وهذا معناه أنه في حين نجد أن "شوقيا" -وإلى حد ما "حافظا"- يلجأ إلى التصوير بما هو صنعة وزخرف للشكل، نجد العقاد يلجأ إلى التصوير ليعطي من خلاله معنى حسيا حيا. وبعبارة أخرى يصدق العقاد في تصويره حيث يكذب شوقي وأحيانًا حافظ, وصدق التعبير خط عريض من خطوط المذهب الجديد في الشعر. على أن كثيرًا من رواسب المدرسة القديمة ما زال يتمثل في قصيدة العقاد, وأعتقد أن هذا الأمر طبيعي. فالقصيدة كتبت في وقت مبكر "١٩١٦"، في وقت كان الشعر فيه ما يزال تقليدًا للقديم، ثم إن التطور لا يحدث طفرة واحدة، فنحن لم نتخلص من مخلفات المدرسة القديمة إلا منذ سنوات. والرواسب القديمة التي تتمثل في قصيدة العقاد تتضح في نسقها, فهي ما تزال متأثرة بالتصميم الخطابي أو طابع الخطابة في القصيدة القديمة. وأنت حين تطالعها تجد نفسك مضطرا لأن ترفع صوتك وإن كنت تقرؤها لنفسك. وليس ذلك في أبيات الحكمة التي يطلقها الشاعر من حين إلى آخر فحسب، ولكنه في طريقة النظم بكاملها، تلك الطريقة التي تجعل للألفاظ ولوقعها قيمة كبيرة تلهي القارئ -عند أول قراءتها- عما يمكن أن تحتوي عليه من معنى. وكثير من الأبيات تسمعه فيروقك سماعه لأول وهلة، فإذا بحثت عما فيه وجدت -بعد الجهد- معنى عاديا. والسبب في ذلك طريقة النظم التي حتمت في بعض الحالات صورًا من التقديم والتأخير، فكثر بذلك استخدام الضمائر العائدة. وفي هذه القصيدة يرتبط العقاد -إلى جانب ارتباطه

стр. 94

بالطابع الخطابي وبطريقة النظم- يرتبط كذلك بمعجم الشعر القديم، فما تزال كثير من ألفاظه أثرًا من آثار الشعر القديم, وهي ألفاظ فقدت كثيرًا من حيويتها بالنسبة لنا, وسأسوق هنا بعض الأبيات التي توضح تلك الرواسب. فمن الناحية الخطابية نبدأ بمطلع القصيدة: أبا القوافي ورب الطرس والقلم ... ماذا أفادك صدق العلم في الأمم ثم حين ترتبط الخطابة بالحكمة، وحين تتوالى أبيات الحكمة: ما أكثر البر باسم لا غناء به ... وأندر البر بالأرواح والنسم لا يقدر الناس يومًا أجر سادتهم ... وإنما يقدرون الأجر للخدم أجر العظيم زماع في جوانحه ... يجزيه بالأمن أحيانًا وبالألم ثم حين تدعو طريقة النظم إلى تعقيد التركيب اللفظي نتيجة لكثرة الضمائر العائدة: أغناه باللهو عما أنت ضامنه ... من ليس يغنيك عنه بالنهي العمم أما الارتباط بمعجم الشعر القديم فيتضح في استخدام ألفاظ مثل: الأطم واللمم والأين وذرى إرم. وليس الارتباط بالألفاظ وحدها بل بصور التعبير التقليدية. أو يكبروك فماذا قول مسرجة ... للشمس هذا ضياء الكوكب العلم أو في قوله: تقاربت عندك الأقدار والتهمت ... حياتك الخلق طرا كل ملتهم مما يذكر بمعاني المدح في القصيدة القديمة. ولكن ذلك كله لا يجعل قصيدة العقاد قصيدة تقليدية من كل الوجوه؛ لأن القصيدة -بعد- قد تضمنت أجزاء من تجاربه، ومحاولة جادة وصادقة لتصوير هذه التجارب.

стр. 95

قصيدة لصلاح عبد الصبور "دراسة تطبيقية": وكان لا بد -مع تطور الوعي الفني- أن يحاول الشعراء فيما بعد أن يتخلصوا من رواسب القصيدة الغنائية القديمة بألفاظها وصورها وشكلها وكل مبادئها الفنية، وأن يؤصلوا مبادئ جديدة يحققونها في أشعارهم. وقد مر بنا نموذجان لهذا الشعر الجديد، أحدهما للشاعرة العراقية "نازك الملائكة" والثاني للشاعر السوداني "جيلي عبد الرحمن". ويعرف العالم العربي الآن عددًا لا يحصى من الشعراء الجدد الذين يمثلون الاتجاه الجديد في الشعر العربي، وقد تكاثر إنتاج هؤلاء في الأعوام الماضية، ولست في مجال إحصاء للشعراء الذين يتأثرون بالمنهج الجديد في القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت وغيرها، فإن عددهم الآن يفوق الحصر، ولكننا لو وقفنا أمام قصيدة كقصيدة "الملك لك"١ لتبينت لنا خصائص القصيدة الجديدة. والحق أنها الخصائص التي تتجمع فيما سبق أن سميناه "القصيدة الطويلة"، وهي خصائص فكرية وفنية. فهناك الفكرة أو الشعور العام الذي يسير على كل وحدات القصيدة ليجعل منها جميعًا كلا متماسكًا، وبناء فكريًّا متكاملًا، ثم هناك الشكل الشعري الذي جاء نتيجة حتمية لذلك البناء النفسي. وظهرت فلسفة جديدة لاستخدام الكلمة وتكوين الصورة، كما ظهر في القصيدة الطابع القصصي السردي: أواحدتي ربما تعجبين، وقد تسألين: لماذا إذن يا صديقي ينور عينيك فيض سرور وحب؟ حكاية هذا -على طولها- لا تثير السآم. سأحكي الحكاية من بدئها ... لحد الختام. صباي البعيد أحن إليه.. ويمضي الشاعر يرسم صور الطفولة وأحلامها وأوهامها, والطفولة مرحلة في حياة الإنسان لا تنفصل عن الأم. وهنا يرسم الشاعر صورة حية للأم المصرية بأوهامها ومعتقداتها، وللطفولة، من خلال مشاهد متنوعة:

стр. 96

إلى أمي البرة الطاهرة. تخوفني نقمة الآخرة. ونار العذاب وما قد أعدوه للكافرين وللسارقين وللاعبين وتهتف إن عثرت رجليه وإن طنّنت نحلة حوليه "باسم النبي" وفي الليل كنت أنام على حجر أمي وأحلم في غفوتي بالبشر وعسف القدر وبالموت حين يدك الحياة وبالسندباد وبالعاصفة وبالغول في قصره المارد فأصرخ رعبًا ... وتهتف أمي: "باسم النبي"...... ولست الآن بسبيل الدراسة التحليلية لهذا الشعر أو هذه القصيدة، وقد عرضت جزءًا منها فقط -لأنها طويلة- يكفي لكي نتبين كيف استغنى الشاعر عن معجم الشعر القديم، وصار يستخدم اللفظ الذي ينقل المعنى مباشرة إلى المتلقي، وكيف يستخدم الألفاظ ذات المضمون الرمزي العام "السندباد، الغول، باسم النبي" ليزيد من حيوية الصورة أو المشهد. فإذا تركنا الألفاظ والصور ظهر لنا أن الشكل التقليدي للشعر لا يتمثل في هذه القصيدة. فليس هناك بيت بالمعنى المعروف لبيت الشعر، بل هناك سطور بعضها طويل وبعضها قصير وبعضها بين بين. ليس هناك الشطران المتساويان اللذان ينتهيان دائمًا بقافية رتيبة تتكرر في كل أبيات القصيدة، فلم يبق من كل ذلك إلا وحدة

стр. 97

الوزن، أي: التفعيلة "فعولن, في هذه القصيدة مثلا"، وقد يكون السطر الواحد تفعيلة أو أكثر بحسب دفقة الشعور, وبحسب تكون المعنى تكونًا طبيعيًّا. وهناك في الواقع قافية ولكنها ليست رتيبة ولا مملة, وبذلك تتنوع الموسيقى في القصيدة، وتتلون بحسب المشاعر المتشابكة المعقدة، تمامًا كما تتنوع أنغام اللحن السيمفوني. وبذلك أصبحت القصيدة بنية موسيقية تختلف عن كل قصيدة أخرى، بجانب أنها في الوقت نفسه بنية نفسية وفكرية. ويصطدم الشاعر في إنجازها بكل مشكلات التعبير القديمة، ولكنه يتغلب أخيرًا على كل صعوبة. وهذا التغيير الذي تناول جوهر القصيدة كما تناول شكلها مرجعه -في رأيي- إلى أن فهمنا لمهمة الشعر قد تغير عن الفهم القديم تغيرًا كبيرًا.

стр. 98

الفصل الثاني: الفن القصصي تعريف الفن القصصي: تواجهنا في بداية كل فصل مشكلة التعريف، ولكننا لم نشأ أن نبدأ بهذه المغامرة؛ لأننا نؤمن بأن التعريف نهاية عملية التفكير لا بدايتها. ومن ثم فإننا لن نغامر بتعريف الفن القصصي، ولكننا سنكتفي بأن نتحدث عنه، عن طبيعته، وعن عناصره ووسائله، وعن أنواعه وأغراضه. وأحسب أن معرفة ذلك تغنينا عن وضع تعريف قد يكون آخر الأمر قاصرًا.

стр. 99

مادة العمل القصصي: ونحن حين نفحص الفن القصصي نجد أنه يتضمن أحداثًا جزئية كثيرة، وخبرات متنوعة، هي في الحقيقة المادة التي تكون منها هذا العمل. والحق أن الكاتب القصصي يستغل في عمله هذه المادة التي توفر عليها، فهو في حياته قد اصطدم بكثير من المشكلات التي نجح -أو أخفق- في حلها، وهو في ذلك قد اتصل بعدد لا حصر له من الناس، وتفاعل مع كثير منهم، وهو في كل لحظة يعاصر مجموعة من الحوادث أو الأفعال التي لا يمكن أن توجد الحياة بدونها، في البيت وفي الطريق وفي العمل وفي النادي. ولا شك أن كل هذه الأشياء تصادف كل إنسان غيره، فليس هو وحده الذي يعيش بين الناس، ولكن لم يحدث أن أصبح جميع الناس كتاب قصة. حقا إن كل إنسان يستطيع أن يحكي لك حكاية أو يقص عليك حادثة شاهدها أو وقعت له، أعني أن الاستعداد القصصي خاصة إنسانية يشترك فيها جميع الناس، ولكن كاتب القصة يختلف عن كل إنسان في أنه ينظر إلى الأشياء الواقعة نظرة خاصة. فهو لا يقف منها عند السطح، ولكنه يتعمقها ويفرز عليها من أفكاره وخياله، ويجعل لها تكوينًا آخر وفلسفة أخرى، ثم هو يختزن كل ذلك في نفسه ليستغله في يوم من الأيام، وهو حين يعود إلى نفسه لكي يستمد من ذلك المخزون فإنه لا يستمد منه اعتباطًا، ولكنه يستمد منه ما له أهمية خاصة؛ لذلك كانت مادة العمل القصصي الناجح دائمًا مادة لها هذه الصفة، أعني صفة الأهمية. ولا تأتي أهمية هذه المادة من أهمية الحادث مثلا، أو أهمية التاريخ؛ لأن الحادثة في ذاتها مهما كانت أهميتها الخاصة لا تكفي لإخراج عمل قصصي ناجح، وإلا كان من السهل على كل إنسان أن يختار الحوادث الكبرى ليتخذ منها مادة قصصية. الحق أنه ليس كل القصص التي تتناول الحوادث الكبرى ذات قيمة أدبية، ولكن القيمة تأتي من أن الكاتب قد تعمق هذه الحادثة، ونظر إليها من جوانبها المتعددة. وبعبارة مجملة نقول: قد أكسبها قيمة إنسانية خاصة؛ ولذلك قد تكون الحادثة

стр. 100

في أصلها بسيطة وصغيرة، ولكن القصاص يرى فيها -من وجهة نظر خاصة- أهمية تجعلها تفوق في نظره أهمية كثير من الحوادث الأخرى. وإذا قلنا: إن الكاتب يختار الحادثة المهمة -صغيرة كانت أم كبيرة- فإننا نقدر قيمة معنى الاختيار في تكوين العمل الأدبي. فالحوادث التي تصادفنا في القصة -أي قصة- لم تكن بالضرورة سلسلة من الحوادث التي وقعت على هذا النسق في الحياة. فلم يكن لها هذا الترتيب الزمني ولا الوضع المكاني اللذان أخذتهما في سياق القصة، ولكنها في الحقيقة أشتات من الحوادث التي مر بها الكاتب في حياته، أو عرفها بطريق من الطرق، واتخذ منها في حينها موقفًا معينًا، وفلسفها فلسفة خاصة، واختزنها في نفسه. وهذه الأشتات تجتمع فيها حادثة من هنا وحادثة من هناك، وشيء وقع في حياة الكاتب وشيء مضى عليه عهد طويل. حتى إذا جاءت عملية الإبداع الفني للقصة كانت هذه الأشتات على استعداد دائم لأن تمده بما يلزم. وحتى عندما تكون هناك حادثة أساسية كبيرة, ولتكن حادثة تاريخية مثلا، يرتبط الكاتب بمجملها بالضرورة، فإن الكاتب لا يني يستخدم هذه المادة الخاصة التي كونها لنفسه ويختار منها. إن العالم مليء بالحوادث، ولكن عمل الكاتب القصصي هو أن يختار منها المجموعة التي يستطيع بها أن يكون شيئًا له كيان ومعنى، تمامًا كما يصنع النحات الذي يستطيع أن يستخرج من الحجر المهوش -أي نوع من الحجر- تمثالا له كيان ومعنى، أو أن يختار من بين كل حصى الصحراء مجموعة بذاتها يؤلف بينها ليخرج من ذلك كله الشيء الذي له دلالة خاصة.

стр. 101

عملية الاختيار: فإلى جانب أهمية المادة التي يستغلها الكاتب هناك عملية اختيار تأخذ اللازم, وتستبعد ما لا نفع له. وهناك من يميل إلى أن يحدد أهمية الشيء بأن يكون الكاتب نفسه قد عاناه أو خبره؛ لأنه عندئذ لا يملك إلا أن يكون أمينًا في نقله واستخدامه. ففي نطاق خبرة الكاتب الخاصة يكون لما يعرضه في عمله القصصي أهمية. فإذا هو حاول الخروج عن ميدان تجاربه الخاصة، وخبراته التي حصلها بنفسه، وقع لا محالة في عيب لا يغتفر في العمل الأدبي، وهو ألا يكون أمينًا وصادقًا. وبناء على ذلك فإنك إذا كنت تكتب قصة وتحركت بإحدى شخصياتها إلى بيئة لم تعرفها ولم تخبرها عن قرب، أو إلى مكان لم تزره ولم تعرف أهله، فإنك لن تستطيع أن توفر لقصتك صفة الأمانة تلك. ويتبع ذلك أن تفقد قصتك أهميتها؛ لأنك تقدم فيها شيئًا لم يمر بوجدانك، فضلا عن أنه -في أغلب الأحوال- يكون بعيدًا عن الحقيقة. فمثلا إذا حاول كاتب من طبقة معينة أن يمتد إلى تصوير أجزاء من بيئة طبقة أخرى لم يعش فيها, ولم يعرفها عن قرب فإنه لن

стр. 102

يكون صادقًا في انفعاله بها ولا أمينًا في تصويره لها. وإذا تحدث إليك في قصته عن المغامرة التي مر بها أحد أشخاص قصته في عرض البحر وهو لم يسبق له أن ركب البحر, ولا عرف أهواله, فإنه لن يستطيع أن يقدم إليك شيئًا له أهمية. والمسألة لا تقف عند مجرد الخبرة بالأشياء، بل كذلك الخبرة بالأشخاص وطباعها وحقائقها. فالمرأة التي تحاول أن تكتب قصة تصور فيها أمورًا خاصة بالرجال وهي لا تعرف ما يكون بين الرجال في جلساتهم وحياتهم الخاصة؛ لأنها -عمليا- لا تستطيع أن تعرف ذلك، لا يمكن أن تكون لقصتها أهمية؛ لأنها لم تقم على خبرة شخصية عملية صادقة بطبيعة الرجال. والواقع أن هذا الرأي يتضمن كثيرًا من الحقيقة، ولكنه ليس صحيحًا كل الصحة؛ وذلك أننا نستفيد من تجارب الآخرين أكثر مما نستفيد من تجاربنا، ونحن في قراءتنا نحصل قدرًا من الخبرات هو أضعاف أضعاف ما نحصل بأنفسنا لأنفسنا من خبرات، فحياة الإنسان محدودة بالزمان الذي يستطيع أن يعيشه، ومحددة بالمكان الذي يستطيع أن يعيش ويتحرك فيه. ويتبع ذلك أن تكون خبرة الإنسان الذاتية محدودة بهذين الحدين، ولكن خبرته التي يحصلها من خلال تجارب الآخرين لا تكاد تحدها حدود؛ لأنه يستطيع أن يعرف الكثير عن حياة سكان جزيرة جاوة مثلا، كما يستطيع أن يعرف الكثير عن حياة النحل أو النمل، وكذلك يستطيع أن يدرس شخصية "أوديب" و"أبي نواس" و"هملت" وغيرهم من النماذج البشرية ذات الأهمية. وبعبارة مجملة يستطيع أن يعرف كل شيء دخل في نطاق التاريخ والأسطورة، سواء عن طريق القراءة أو الرواية. وكما تلفت الكاتب القصصي أشياء بعينها في الحياة التي يعيشها ويتخذ منها موقفًا بذاته، ويفلسفها فلسفة خاصة فكذلك تلفته أشياء بذاتها من ذلك الذي يقرأ عنه أو يروى له، فيسقط منها موقفًا بذاته ويفلسفها فلسفة خاصة ويتخذ منها مادة لعمله القصصي, ويحدث هذا بصورة واضحة في القصة التاريخية. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم كيف يشتق الفن القصصي -ككل الفنون الأدبية- مادته من الحياة.

стр. 103

عناصر العمل القصصي: ولكن العمل القصصي لا يستوي حتى تتوافر له عناصر بذاتها. فهناك حوادث وأفعال تقع لأناس أو تحدث منهم, وبذلك يوجد العنصر الثاني وهو عنصر الشخصية. ووقوع الحادثة لا بد أن يكون في مكان وزمان, وهذا هو العنصر الثالث. ثم هناك الأسلوب الذي تسرد به الحادثة، والحديث الذي يقع بين الشخصيات. والعنصر الأخير هو الفكرة أو وجهة النظر، فكل قصة تعرض بالضرورة وجهة نظر في الحياة وبعض مشكلاتها. وكل العناصر السابقة ليست سوى أدوات تكشف لنا بها القصة عن طريقة المؤلف في النظر إلى الحياة, وفهمه لها, وموقفه العام منها.

стр. 104

وفيما يأتي دراسة سريعة لعناصر العمل القصصي: ١- الحادثة: الحادثة في العمل القصصي هي مجموعة من الوقائع الجزئية مرتبطة ومنظمة على نحو خاص هو ما يمكن أن نسميه "الإطار" plot؛ ففي كل القصص يجب أن تحدث أشياء في نظام معين. وكما أنه يجب أن تحدث أشياء فإن النظام هو الذي يميز إطارًا عن آخر. فالحوادث تتبع خطا في قصة، وخطا آخر في قصة أخرى١. والذين يتعرضون لنقد القصة عندنا يتحدثون عما يسمونه "الحبكة" بدلا من الإطار، ومفهومها أن تكون حوادث القصة وشخصياتها مرتبطة ارتباطًا منطقيًّا يجعل من مجموعها وحدة ذات دلالة محددة. فسرد أي مجموعة من الحوادث مرتبطة بما يلزم من الشخصيات، لا يكفي حتى تعد ما يسرد قصة فنية؛ فالسرد خاصية أيضًا للكتابة التاريخية. فالحبكة الفنية إذن في المفهومات الشائعة لها شيء يضاف إلى السرد ليجعل من الأشياء المسرودة بناء متماسك الأجزاء، يؤدي هدفًا واحدًا. الحادثة الفنية هي تلك السلسلة من الوقائع المسرودة سردًا فنيًّا، التي يضمها إطار خاص. وإذا كنا هنا نتحدث عن عنصر الحادثة فينبغي أن نذكر نوعًا من القصص يعنى عناية خاصة بالحادثة وسردها، وتقل عنايته بالعناصر القصصية الأخرى، ويسمى هذا النوع "قصة الحادثة"٢ أو "القصة السردية". وفي القصة السردية تكون الحركة "action" هي الشيء الرئيسي، أما الشخصيات فإنها ترسم كيفما اتفق، فالحركة عنصر أساسي في العمل القصصي, وهي نوعان: حركة عضوية وحركة ذهنية. والحركة العضوية تتحقق في الحوادث التي تقع، وفي سلوك الشخصيات، وهي بذلك تعد تجسيمًا للحركة الذهنية التي تتمثل في تطور الفكرة العامة نحو الهدف الذي تهدف إليه القصة. ٢- السرد: حين نقرأ القصة تتمثل الحادثة فيها ولكن من خلال تلك الألفاظ المنقوشة على الورق، أي: من خلال اللغة. والسرد هو نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة

стр. 105

لغوية، فحين نقرأ مثلًا: "وجرى نحو الباب وهو يلهث، ودفعه في عنف، ولكن قواه كانت قد خارت، فسقط خلف الباب من الإعياء" نلاحظ هذه الأفعال: جرى، يلهث، دفع، خار، سقط، فهذه الأفعال هي التي تكون في أذهاننا جزئيات الواقعة، ولكن السرد الفني لا يكتفي عادة بالأفعال كما يحدث في كتابة التاريخ، بل نلاحظ دائمًا أن السرد الفني يستخدم العنصر النفسي الذي يصور به هذه الأفعال "وهو يلهث، في عنف، من الإعياء, في المثال السابق". وهذا من شأنه أن يكسب السرد حيوية، ويجعله لذلك فنيًّا. وبينما يرتبط المؤلف المسرحي بطريقة واحدة لكي يحكي قصته -وهي السرد الذي يتمثل من خلال الحوار الذي يجري بين الشخصيات- فإن لكاتب القصة أن يختار واحدة من ثلاث طرائق: الطريقة المباشرة أو الملحمية epic، وطريقة السرد الذاتي autobiography وطريقة الوثائق. والطريقة الأولى مألوفة أكثر من غيرها، وفيها يكون الكاتب مؤرخًا يسرد من الخارج, وهو في الطريقة الثانية يكتب على لسان المتكلم، وبذلك يجعل من نفسه وأحد شخوص القصة شخصية واحدة, وهو بذلك يقدم ترجمة ذاتية خيالية. وفي الطريقة الثالثة تتحقق القصة عن طريق الخطابات أو اليوميات أو الحكايات والوثائق المختلفة، ومن الواضح أن لكل من هذه الطرائق الثلاث مزاياها لخاصة؛ لأنه في حين تفسح الطريقة المباشرة دائمًا أبعد المدى، وتعطي أكثر قدر من حرية الحركة، فإنه يمكن الحصول على متعة أعظم وأقرب إلى النفس عن طريق استخدام طريقة المتكلم أو طريقة الوثائق١. ٣- البناء: لقد عرفنا أن الكاتب يختار وقائع بذاتها، يؤلف بينها، ويكون منها البناء الكامل للحادثة. وهناك صور عدة لبناء الحادثة القصصية بناء فنيًّا, ويمكن أن يقال: إن كل قصة لها صورة بنائية خاصة بها، ومع ذلك فقد أمكن ضبط مجموعة من الصور البنائية العامة. وهناك -صور بصفة عامة- صورتان لبناء الحبكة القصصية هما: الصورة الانتقائية والصورة العضوية organic. وفي الصورة الأولى لا تكون بين الوقائع علاقة كبيرة ضرورية أو منتظمة, وعندئذ تعتمد وحدة السرد على شخصية البطل الذي يربط -بوصفه النواة الشخصية المركزية- بين العناصر المتفرقة. وقصص المغامرات بعامة تمثل

стр. 106

هذا النوع. مثال ذلك قصة "روبنسون كروزو"١، فالأشياء فيها تتحدث، والشخصيات تلتقي وتفترق، ولكنها ليس لها عمود فقري بنائي واضح، أو وحدة عضوية, وليس من الضروري لكاتب في هذه الحالة أن يعرف كل تفصيلات القصة قبل أن يبدأ كتابتها، بل يكفي أن يكوّن في ذهنه معرفة عامة بالطريق الذي ستتبعه القصة. أما في الصورة البنائية العضوية فإن القصة مهما امتلأت بالحوادث الجزئية المنفصلة الممتعة فإنها تتبع "تصميمًا" عامًّا معقولًا. وفي خلال هذا التصميم تقوم كل حادثة تفصيلية بدور حيوي واضح, فهناك شيء أكثر من مجرد الفكرة العامة عن مسار القصة. فالخطة كلها لا بد أن تعد بصورة مفصلة، وأن تنظم الشخصيات والحوادث بحيث تشغل أماكنها المناسبة، وأن تؤدي كل الخطوط إلى النهاية. وينبغي أن يكون واضحًا أن الصورة البنائية تختلف من نوع قصصي إلى آخر؛ فالصورة البنائية التي تتمثل في الرواية لا يمكن أن تصلح لبناء قصة قصيرة, والصورة البنائية الأولى التي سبق ذكرها هي أنسب صورة للرواية، في حين أنها لا تصلح للقصة القصيرة. والصورة الثانية تصلح للقصة دون القصة القصيرة؛ لأن القصة القصيرة بحكم طبيعتها تتطلب صورًا بنائية خاصة. وأبسط صورة لبناء القصة -وهي الصورة المألوفة بصفة عامة- هي تلك التي تتمثل بين طرفي الصراع، وهما الهدف والنتيجة. فإذا كان "أ" يهدف إلى الزواج من "ب" برغم منافسة "ج" وممانعة "د" فإنه إما أن ينجح أو يخفق, ونجاحه هو النتيجة. وهو في سبيله إليها سيصادف حوادث مفاجئة كثيرة تقربه من النجاح حينًا ومن الإخفاق حينًا، وهذه الحوادث المفاجئة يمكن أن تقع فوق الخط المستقيم وأسفله، ذلك الخط الذي يمتد بين طرفين هما الهدف والنتيجة، والذي يخترقه خط الحركة في القصة عدة مرات في اجتيازه من مفاجأة نجاح إلى مفاجأة إخفاق، حتى يتصل أخيرًا بالخط المستقيم عند نهايته أو أسفله، تبعًا للهدف الأخير أو فقدان الهدف الرئيسي من حركة القصة٢. والشكل الآتي يوضح هذه الصورة:

стр. 107

وينقسم هذا الخط عادة إلى عدة مراحل، فيبدأ بالمقدمة التي قد تشغل فصلا أو أكثر من أول القصة، وفيها نعرف الأشياء اللازمة لفهم ما سيأتي. ثم تبدأ "الواقعة الأولى" وتبدأ معها عملية البناء. ثم تأتي بعد ذلك "الحوادث المفاجئة" وهي تفقد قيمتها الفنية إذا لم تأت منطقية في موضعها. وينمو "الصراع" مع نمو "الحركة" في القصة حتى نصل إلى أقوى الحوادث إثارة وهي عادة تتمثل في أشد المواقف تعقيدًا في عملية البناء، أي: فيما يسمى بذروة التعقيد. ثم تبدأ الأشياء في مرحلة "التنوير denouement"، وهذه المرحلة تفتح طرقًا مختلفة إلى نهاية القصة. وهي في القصص ذات "النهاية السعيدة" تزيل العراقيل التي تعوق الوصول إلى الهدف الرئيسي، وعندئذ تظل في حاجة لرؤية كيف يتم ذلك في الواقع. أما في قصص "المآسي" فإن مرحلة التنوير تشمل مواجهة عقبة على الأقل هي غاية في الصعوبة للوصول إلى الهدف الرئيسي. وهنا يجب أن نعرف ما سيحدث للناس الذين صادفهم سوء الحظ. وفي تطور القصة من مرحلة التنوير إلى نهايتها الحقيقية "وهي المرحلة التي تعرف فنيا بالكارثة catastrophe" يتمثل "القرار الحاسم resolution" وهي مرحلة تحتاج إلى مهارة؛ لأنه في هذا الموضوع -أكثر من أي موضوع آخر- غالبًا ما يفقد القارئ تشوقه بسهولة. هذه هي الصورة البسيطة لبناء هذه القصة، وهناك بطبيعة الحال صور أخرى معقدة لا تحصى. ٤- الشخصية: إن الأشخاص يشغلون جزءًا كبيرًا من حياتنا إذا نحن قدرنا ألوان التفاعل التي تتم بيننا وبينهم، والتي تثير كثيرًا من المشاعر، وألوانًا من العطف، وتولد الفكرة أثر الفكرة. والقصة معرض لأشخاص جدد، يقابلهم القارئ ليعرفهم، ويتفهم دورهم، أو يحدد موقفهم "وطبيعي أنه من الصعب أن نجد بين أنفسنا وشخصية من الشخصيات التي لم نعرفها ولم نفهمها نوعًا من التعاطف. ومن هنا كانت أهمية التشخيص characterization في القصة، فقبل أن يستطيع الكاتب أن يجعل قارئه يتعاطف وجدانيا مع الشخصية، يجب أن تكون هذه الشخصية حية، فالقارئ يريد أن يراها وهي تتحرك، وأن يسمعها وهي تتكلم، يريد أن يتمكن من أن يراها رأي العين"١. وكما رأينا أن هناك نوعًا من القصة يعرف بقصة الحادثة, فإن هناك أيضًا "قصة الشخصية" في الأولى تتمثل الوقائع events وفي الأخرى المواقف attitudes. في الأولى يكون الاهتمام بالحادثة أولا ثم تختار الشخصيات المناسبة، وفي الأخرى يكون العكس.

стр. 108

على أن الشخصيات ذاتها في القصة نوعان: نوع يمكن أن نسميه "الشخصية الجاهزة flat character" أو المسطحة، وهي الشخصية المكتملة التي تظهر في القصة -حين تظهر- دون أن يحدث في تكوينها أي تغير، وإنما يحدث التغير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب, أما تصرفاتها فلها دائمًا طابع واحد. والنوع الثاني يمكن أن نسميه "الشخصية النامية round character"، وهي الشخصية التي يتم تكوينها بتمام القصة، فتتطور من موقف إلى آخر، ويظهر لها في كل موقف تصرف جديد يكشف لنا عن جانب جديد منها, والذوق الحديث يفضل النوع الثاني من الشخصية١. ومن القصص التي تهتم بالشخصية نوع يسمى "البيكارسك Picaresque"، وقد ازدهر في القرن السادس عشر، وفيه يتناول الكاتب شخصية أساسية خلال سلسلة متتابعة من المشاهد، كما يقدم مجموعة كبيرة من الشخصيات. ومن خلالها يقدم الكاتب نوعًا من المعلومات، كما يرسم صورة للمجتمع. والفرق بين هذا النوع من القصة وبين الرواية هو أن البيكارسك واقعية، في حين أن الرواية تحكي عادة مغامرات خيالية. وأوضح مثال لهذا النوع في أدبنا هو قصة "الأرض" للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، فليس فيها حادثة ولكن مجموعة من الوقائع التي ارتبطت بالشخصيات ذاتها. والشخصيات نفسها شخصيات جاهزة نتعرف عليها منذ أن نقابلها، ولا يكاد موقفها في الغالب يتغير، وهي في خلال القصة تمر بنا في مشاهد مختلفة تؤكد ذاتها، وقد تكرر نفسها، ولكنها مشاهد واقعية حية، ومن خلالها رسم الكاتب صورة للمجتمع الريفي. على أن انقسام القصة إلى قصة حادثة وقصة شخصية لا يتمثل بهذه الحدة، وكل ما في الأمر أن كاتبًا يولي الشخصية اهتمامًا أكبر، وآخر يهتم بالحادثة، ولكن القصة ذاتها لا يمكن أن تخلو خلوا تاما سواء من الشخصية أو الحادثة. وهناك من يعادل في الأهمية بين الشخصية والحادثة، فيعطي هذه من العناية ما يعطيه تلك, وبذلك يظهر نوع جديد من القصة "يسمى Old morality" هي القصة التي تجمع بين طابعي القصة السردية, والقصة التشخيصية٢. ٥- الزمان والمكان: كل حادثة تقع لا بد أن تقع في مكان معين وزمان بذاته, وهي لذلك ترتبط بظروف وعادات ومبادئ خاصة بالزمان ولمكان اللذين وقعت فيهما. والارتباط بكل

стр. 109

ذلك ضروري لحيوية القصة؛ لأنه يمثل البطانة النفسية للقصة. ويسمى هذا العنصر "setting"، ويقوم بالدور الذي تقوم به المناظر على المسرح بوصفها شيئًا مرئيًّا يساعد على فهم الحالة النفسية للقصة أو الشخصية، فهو هنا يقوم بنفس الدور الذي تقوم به الموسيقى المصاحبة للمسرحية أو القصة السينمائية. وأخيرًا يصبح التصوير مهمًّا أحيانًا، حتى إنه يكاد يقوم بدور الممثل في القصة، أي: تكون له قوة درامية١. وهناك نوع من القصة يسمى "قصة الحقبة"، وهي قصة لا تحاول أن تطلعنا على الحقيقة الإنسانية التي تصدق في كل عصر، بل تكتفي بمجتمع في مرحلة انتقال، وبالشخصيات التي لا تكون حقيقية إلا بمقدار تمثيلها لذلك المجتمع٢. وقصة "أنا الشعب" التي سندرسها في نهاية هذا الفصل تمثل هذا النوع. ٦- الفكرة: يتساءل القارئ المتوسط عن "الإطار" في القصة، وهو يعني بذلك عادة "ماذا حدث؟ "، ولكن عندما نحلل القصة لا يكون لهذا السؤال من الأهمية ما يكون لسؤالنا: لماذا حدث؟ صحيح أن نهاية كل قصة تعطي نوعًا من النتيجة، فهناك شيء "يحدث" حقا, ولكن أسباب هذه النتيجة أكثر أهمية من الحوادث الواقعة ذاتها، فخلف الحوادث يقع المعنى. وهذا المعنى يقبله القارئ أو يرفضه، معتمدًا على ما إذا كان المؤلف قد كان قادرًا على إقناعه بأن النتيجة تتفق سواء مع خبرته بالحياة أو مع الحياة كما يصورها المؤلف٣. فالقصة إذن إنما تحدث لتقول شيئًا, لتقرر فكرة، فالفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة. "والموضوع الذي تبنى عليه القصة لا يكون دائمًا إيجابيا في أثره، فمع أنه يجب أن يقرر -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- حقيقة عن الحياة أو السلوك الإنساني فإنه غير مطالب بأن يحل مشكلة. وقد بين كاتب القصة القصيرة الروسي العظيم "تشيكوف"٤ ذات مرة لصديق شاب أن هناك فرقًا بين حل المشكلة ووضعها وضعًا صحيحًا، فيكفي الفنان -كما قال- أن يصور مشكلته تصويرًا صحيحًا"٥.

стр. 110

وحين نبحث عن مصدر إعجابنا بقصة قرأناها سنجد أن فكرتها كان لها أثر في هذا الإعجاب. ولكن هل نحن نقرأ العمل الفني لفكرته فحسب!! إن القصة صورة للحياة، ونحن نعرف الحياة معرفة جيدة وننتظر من القصة دائمًا أن تكون صادقة، حية، مقنعة، كالحياة الواقعة. ولكن القصة تمتاز بأن لها صورة فنية خاصة، فالكاتب يقدم إلينا قصة -وقصة بالذات- حين يقدم إلينا فكرة. وهنا تحدث مفارقات غريبة، فقد تكون القصة ناجحة من حيث الإطار الفني, ولكنها تنطوي على فكرة لا تروقنا. وهناك أيضًا قصص ممتلئة بالحياة، ومع ذلك تفقد الشكل الفني. وأوضح مثال لذلك قصة تولستوي١ الشهيرة "الحرب والسلام"، فنحن نعجب بها برغم افتقارها إلى الوضوح الشكلي. يقول عنها "لبوك": "إن عمل القصاص أن يخلق الحياة، والحياة هنا قد خلقت بلا جدال، والذي ينقص هو الرضا الناتج عن الصورة السوية المتماسكة. وكان من الخير وجودها، هذا كل ما في الأمر، ولكننا قد حصلنا على قصة رائعة بدونها"٢. ومعنى هذا أن مصدر إعجابنا لا يمكن دائمًا أن يحدد بقاعدة؛ لأننا في كل قصة ينكشف لنا شيء جديد, ولكن المؤكد أن القصة -ككل عمل فني- لا يتحدد لها شكل حتى تتحقق فيها فكرة الكاتب, فتحقق الفكرة يفترض بالضرورة وجود شكل. لتكن فكرة الكاتب في موضوع كموضوع الخيانة الزوجية مثلا أن الزوج هو المسئول عن خيانة زوجته إياه. فهو لكي يحقق هذه الفكرة يبني قصته على النحو الذي يحققها, فإذا نحن أعجبنا بفكرة القصة فإننا نكون في الوقت نفسه قد أعجبنا بالصورة التي أديت فيها هذه الفكرة, وأي خلل في هذه الصورة سيكون له أثره في الفكرة. وبعبارة أخرى فإن فكرة أي قصة تتحقق بتحقق القصة ذاتها. وكما أن هناك أنواعًا من القصة تعنى عناية خاصة بالحادثة أو بالشخصية، فهناك القصة التي تهتم اهتمامًا أكبر بالفكرة، ويقل الاهتمام فيها بالتشخيص وبالسرد. ومعنى هذا أن الشخصيات تتصرف وفقًا لفكرة الكاتب لا تبعًا لتكوينها الخاص, وبذلك قد تكون تصرفاتها منطقية، ولكنها برغم ذلك لا تكون مؤثرة؛ لأنها فقدت حريتها أمام التوجيه الخاص الذي يوجهها به المؤلف، ففي قصة الفكرة يغلب الجانب المنطقي جانب الضرورة، ويقل جانب الحرية، ولا تتساوى أهمية المنطقية والتلقائية، أو لنقل: الضرورة والحرية، إلا في نوع خاص من القصة يسمى "القصة الدرامية"، ففيها تتصرف
следующие страницы →