← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

خطبة لأبي طالب وخطب أبو طالب بن عبد المطلب لرسول الله ﷺ في تزوجه خديجة بنت خويلد رحمة الله عليها، فقال؛ الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكام على الناس؛ ثم إن محمد بن عبد الله، ابن أخي، من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً، وكرماً وعقلاً، ومجداً ونبلاً، وإن كان في المال قل١، فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي. وهذه الخطبة من أقصد خطب الجاهلية.

стр. 1157

وفود النابغة الجعدي على ابن الزبير ومن جميل محاورات العرب ما روي لنا عن يحيى بن محمد بن عروة، عن أبيه عن جده، قال: أقحت السنة علينا، النابغة الجعدي، فلم يشعر به ابن الزبير حين صلى الفجر حتى مثل بين يديه يقول: حكيت لنا الصديق حين وليتنا ... وعثمان والفارق فارتاح معدم وسويت بين الناس في العدل فاستووا ... فعاد صباحاً حالك الليل مظلم أتاك أبو ليلى يشق به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم لترفع منه جانباً ذعذعت به ... صروف الليالي والزمان المصمم فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فأيسر وسائلك عندنا الشعر، أما صفوة أموالنا فلبني أسد، وأما عفوتها فلآل الصديق، ولك في بيت المال حقان: حق لصحبتك رسول الله ﷺ ، وحق بحقك في المسلمين. ثم أمر له بسبع قلائص وراحلة رحيل. ثم أمر بأن توقر له حباً وتمراً. فجعل أبو ليلى يأخذ التمر فيستجمع به الحب فيأكله، فقال له ابن الزبير: لشد ما بلغ منك الجهد يا أبا ليلى! فقال النابغة: أما على ذاك لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما استرجمت قريش

стр. 1158

فرحمت وسئلت فأعطت، وحدثت فصدقت، ووعدت فأنجزت، فأنا والنبي ون على الحوض فراط لقادمين". قوله: أقحمت السنة يكون على وجهين: يقال: اقتحم إذا دخل قاصداً، وأكثر ما يقال من غير أن يدخل، ويكون من القحمة، وهي السنة الشديدة، وهو أشبه الوجهين، والآخر حسن. والسنة: الجدب، يقال: أصابتهم سنة إذا أصابهم١ جذب، ومن ذا قوله : ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ ٢، أي بالجدب. وقوله: صفوة، فهي في معنى الصفو، وأكثر ما يستعمل الكسر، والباب في المصادر للحال الدائمة الكسر٣ كقولك: حسن الجلسة والركبة والمشية٣ والنيمة، كأنها خلقة. والعفوة إنما هو ما عفا، أي ما فضل، ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ ٤، قالوا: الفضل، وكذلك قوله جل اسمه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٥ وقوله: عثمثم، يريد الموثق الخلق الشديد. وذعذعت، أي أذهبت ماله وفرقت حاله. وقوله: راحلة رحيل، أي قوية على الرحلة معودة لها. ويقال: فحل فحيل، أي مستحكم في الفحلة، وفي الحديث أن ابن عمر قال لرجل: اشتر لي كبشاً لأضحي به، أملح، واجعله أقرن فحيلاً. وقوله: "فأنا والنبي ون على الحوض فراط لقادمين"، الفارط: الذي يتقدم القوم فيصلح لهم الدلاء والأرشية وما أشبه ذلك من أمرهم حتى يردوا، ومن ذلك قول المسلمين في الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً. وجاء في

стр. 1159

الحديث عن النبي ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض". وكان يقال: يكفيك من قريش أنها أقرب الناس من رسول الله ﷺ نسباً، ومن بيت الله بيتاً. ويقال: إن دار أسد ابن عبد العزى كان يقال لها: رضع الكعبة، وذلك أنها تفيء عليها الكعبة صباحاً، وتفيء على الكعبة عشياً، وإن كان الرجل من ولد أسد ليطوف بالبيت فينقطع شسع نعله فيرمي بنعله في منزله فتصلح له، فإذا عاد في الطواف رمي بها إليه، وفي ذلك يقول القائل: لهاشم وزهير فضل مكرمة ... بحيث حلت نجوم الكبش والأسد١ مجاور البيت ذي الأركان بيتهما ... ما دونهم في جوار البيت من أحد وقال آخر: سمين قريش مانع منك لحمه ... وغث قريش حيث كان سمين وقال آخر: وإذا ما أصبته من قريش ... هاشمياً أصبت قصد الطريق وقال حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي يدعوه إلى حلفه ونزول مكة: أبا مطر هلم إلى صلاح ... فتكنفك الندامى من قريش وتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش وتسكن بلدة عزت قديماً ... وتأمن أن يزورك رب جيش صلاح: اسم من أسماء مكة وكانت بلداً لقاحاً، واللقاح: الذي ليس في سلطان ملك، وكانت لا تغزى تعظيماً لها، حتى كان أمر الفجار، وإنما سمي الفجار لفجورهم إذ قاتلوا في الحرم. وكانت قريش تعز الحليف وتكرم المولى وتكاد تلحقه بالصميم، وكانت العرب تفعل ذلك، ولقريش فيه تقدم.

стр. 1160

تحريض سديف على بني أمية ودخل سديف مولى أبي العباس السفاح٠ على أبي العباس أمير المؤمنين، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أدناه وأعطاه يده فقبلها، فلما رأى ذلك سديف أٌبل على أبي العباس، وقال: لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن تحت الضلوع داءً ودوياً فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوق ظهرها أموياً فأقبل عليه سليمان فقال: قتلتني أيها الشيخ قتلك الله! وقام أبو العباس فدخل، فإذا المنديل قد ألقي في عنق سليمان ثم جر فقتل.

стр. 1161

تحريض شبل بن عبد الله على بني أمية ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي، وقد أجلس ثمانين رجلاً من بني أمية على سمط الطعام، فمثل بين يديه، فقال: أصبح الملك ثابت الآساس ... بالبهاليل من بني العباس طلبوا وتر هاشم فشفوها ... بعد ميل من الزمان وياس لا تقلين عبد شمس عثاراً ... واقطعن كل رقلة وأواسي ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي أنزلوها بحيث أنزلها الله ... بدار الهوان والإتعاس واذكروا مصرع الحسين وزيداً ... وقتيلاً بجانب المهراس والقتيل الذي بحران أضحى ... ثاوياً بين غربة وتناسي نعم شبل الهراش مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس! فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسطت عليهم البسط، وجلس عليها، ودعا بالطعام، وإنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً وقال لشبل: لولا أنك

стр. 1162

خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. قوله: الآساس واحدها أس، وتقديرها فعل وأفعال وقد يقال للواحد: أساس، وجمعه أسس. والبهلول: الضحاك. وقوله: بعد ميل من الزمان ويأس يقال: فيك ميل علينا، وفي الحائط ميل، وكذلك كل منتصب. وقوله: واقطعن كل رقلة، الرقلة: النخلة الطويلة، ويقال إذا وصف الرجل بالطول: كأنه رقلة. والأواسي، ياؤه مشددة في الأصل وتخفيفها يجوز، ولو لم يجز في الكلام لجاز في الشعر؛ لأن القافية تقتطعه، وكل مثقل فتخفيفه في القوافي جائز، كقوله: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر١ وواحدها أسية وهي أصل البناء بمنزلة الأساس. وقوله: وغاظ سوائي تقول: ما عندي رجل سوى زيد، فتقصر إذا كسرت أوله، فإذا فتحت أوله على هذا المعنى مددت، قال الأعشى: تجانف عن جو اليمامة، ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا٢ والسواء ممدود في كل موضع وإن اختلفت معانيه، فهذا واحد منه، والسواء: الوسط، ومنه قوله : ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ ٣, وقال

стр. 1163

يا ويح أنصار النبي ورهطه ... بعد المغيب في سواء الملحد والسواء: العدل والاستواء، ومنه قوله : ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ١، ومن ذلك: عمرو وزيد سواء، والسواء: التمام، يقال: هذا درهم سواء، وأصله من الأول، وقوله : ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ ٢، معناه تماماً. ومن قرأ: سَواءٍ فإنما وضعه في موضع مستويات. والنمارق، واحدتها نمرقة، وهي الوسائد، قال الفرزدق: وإنا لتجري الكأس بين شروبنا ... وبين أبي قابوس فوق النمارق وقال نصيب: إذا ما بساط اللهو مد وقربت ... للذاته أنماطه ونمارقه وقوله: مصرع الحسين وزيد يعني زيد بن علي بن الحسين، كان قد خرج على هشام بن عبد الملك، وقتله يوسف بن عمر الثقفي وصلبه بالكناسة٣ عرياناً، هو وجماعة من أصحابه. ويروى الزبيريون أنه كان بين يوسف بن عمر وبين رجل إحنة، فكان يطلب عليه علة، فلما ظفر بزيد بن علي وأصحابه أحسوا بالصلب، فأصلحوا من أبدانهم واستحدوا٤، فصلبوا عراة، وأخذ يوسف عدوه ذلك، فنحله أنه كان من أصحاب زيد فقتله وصلبه، ولم يكن استحد٥، لأنه كان عند نفسه آمناً، وكان بالكوفة رجل معتوه عقده٦ التشيع، فكان يجيء فيقف على زيد وأصحابه فيقول: صلى الله عليك يا ابن رسول الله، فقد جاهدت في الله حق جهاده، وأنكرت الجور ودافعت الظالمين؛ ثم يقبل عليهم رجلاً رجلا فيقول: وأنت يا فلان

стр. 1164

فجزاك الله خيراً، فقد جاهدت في الله حق جهاده، وأنكرت الجور ونصرت ابن رسول الله ﷺ حتى يقف على عدو يوسف فيقول: فأما أنت يا فلان، فوفور عانتك يدل على أنك بريء مما قرفت١ به!. [قال أبو العباس: وقال حبيب بن جدرة - ويقال: ابن جدرة، وهي السلعة٢ - الهلالي. قال الأخفش: الصحيح عندنا ابن خدرة بالخاء وكسرها، وقال المبرد: لم أسمعه إلا جَدَرَةَ ويقال: جُدرةَ] ٣. وهو من الخوارج، يعني زيد بن علي: يابا حسين لو شراة عصابة ... صحبوك كان لوردهم إصدار٤ يابا حسين والجديد إلى بلى ... أولاد درزة أسلموك وطاروا تقول العرب للسفلة والسقاط: أولاد درزة، وتقول لمن تسبه: ابن فرتنى، وأولاد فرتنى. وتقول للصوص: بنو غبراء، وفي هذا الباب. ويروى أن شاعراً لبني أمية قال معارضاً للشيع في تسميتهم زيداً المهدي [والشاعر هو الأعور الكلبي] ٣: صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة ... ولم نر مهدياً على الجذع يصلب ونظر بعد زمين إلى رأس زيد ملقى في دار يوسف وديك ينقره، فقال قائل من الشيعة: اطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... طالما ما كان لا تطاه الدجاج وقوله: وقتيلاً بجانب المهراس

стр. 1165

يعني حمزة بن عبد المطلب، والمهراس ماء بأحد، ويروى في الحديث أن رسول الله صلى الله علية وسلم عطش يوم أحد، فجاءه علي في درقة بماء من المهراس فعافه فغسل به الدم عن وجهه. وقال ابن الزبعري في يوم أحد: ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل فاسأل المهراس من ساكنه ... بعد أبدان وهام كالحجل وإنما نسب شبل قتل حمزة إلى بني أمية؛ لأن أبا سفيان بن حرب كان قائد الناس يوم أحد. والقتيل الذي بحران هو إبراهيم بن محمد بن علي، وهو الذي يقال له الإمام. وكان يقال: ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء، وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر؛ فيوم كربلاء يوم الحسين بن علي بن أبي طالب وأصحابه، ويوم النقر يوم قتل يزيد بن المهلب وأصحابه. وإنما ذكرنا هذا لتقدم في إكرام مواليها.

стр. 1166

من أخبار الموالي ولى رسول الله ﷺ جيش موتة زيداً مولاه، وقال: إن قتل فأميركم جعفر. وأمر رسول الله أسامة بن زيد، فبلغه أن قوماً طعنوا في إمارته، وكان أمره على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار، فقال ﵇: "إن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه قبله، ولقد كان لها أهلاً، وإن أسامة لها لأهل"، وقالت عائشة: لو كان زيد حياً ما استخلف رسول الله غيره. وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضلت أسامة علي وأنا وهو سيان? فقال: كان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك، وكان أحب إلى رسول الله منك. وأوصى رسول الله ﷺ بعض أزواجه لتميط عن أسامة أذى من مخاط أو لعاب، فكأنها تكرهته، فتولى منه ذلك رسول

стр. 1167

الله ﷺ بيده. وقال له يوماً، ولم يكن أسامة من أجمل الناس: "لو كنت جارية لنحلناك وحليناك حتى يرغب الرجال فيك". وفي بعض الحديث أنه قال: "أسامة من أحب الناس إلي". وكان ﷺ أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، فكان سلمان مولى رسول الله ﷺ ، فقال علي بن أبي طالب ﵇: سلمان منا أهل البيت. ويروى أن أمير المؤمنين المهدي نظر إليه ويد عمارة بن حمزة في يده، فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين? فقال: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولى الرجل ذكر ذلك المهدي كالممازح لعمارة، فقال له عمارة: انتظرت والله أن تقول: ومولاي فأنفض والله يدك. فتبسم أمير المؤمنين المهدي. ولم يكن الإكرام للموالي في جفاة العرب؛ زعم الليثي أنه كانت بين جعفر ابن سليمان وبين مسمع بن كردين منازعة، وبين يدي مسمع مولى له، له بهاء ورواء ولسن، فوجه جعفر إلى مسمع مولى له لينازعه، ومجلس مسمع حافل، فقال: إن أنصفني والله جعفر أنصفته، وإن حضر حضرت معه، وإن عند عن الحق عندت عنه، وإن وجه إلي مولى مثل هذا - وأومأ إلى مولاه١ مولى مثل هذا، عاضاً لما يكره١ - فعجب أهل المجلس من وضعه مولاه الذي تبهى بمثله العرب. وقد قيل: الرجل من أبيه، والمولى من مواليه. وفي بعض الحديث٢ أن المعتق من فضل طينة المعتق. ويروى أن سلمان أخذ من بين يدي رسول الله ﷺ تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه، فانتزعها منه رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أبا عبد الله، إنما يحل لك من هذا ما يحل لنا".

стр. 1168

ويروى أن رجلاً من موالي بني مازن، يقال له عبد الله بن سليمان، وكان من جلة الرجال، نازع عمرو بن هداب المازني، وهو في ذلك الوقت سيد بني تميم قاطبة١، فظهر عليه المولى حتى أذن له في هدم داره، فأدخل الفعلة دار عمرو، فلما قلع من سطحه سافاً٢ كف عنه، ثم قال يا عمرو! أريتك القدرة وسأريك العفو. وقد كان في قريش من فيه جفوة ونبوة. كان نافع بن جبير، أحد بني نوفل بن عبد مناف، إذا مر عليه بالجنازة سأل عنها، فإن قيل: قرشي قال: وا قوماه! وإن قيل: عربي قال: وا مادتاه! وإن قيل: مولى أو عجمي قال: اللهم هم عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت! ويروى أن ناسكاً من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه: اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة، فأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. وزعم الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول لآخر: أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة? قال: أرى ذلك والله بالأعمال الصالحة، قال: توطأ واله رقابنا قبل ذلك. وهذا باب لم نكن ابتدأنا ذكره، ولكن الحديث يجر بعضه بعضاً، ويحمل بعضه على لفظ بعض.

стр. 1169

ثم نعود إلى ما ابتدأناه إن شاء الله، وهو ما نختاره من مختصرات الخطب وجميل المواعظ، والزهد في الدنيا المتصل بذلك، وبالله التوفيق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو العابس: قد ذكرنا في صدر كتابنا هذا، أنا نذكر فيه خطباً ومواعظ: فمما نذكره في١ ذلك أمر التعازي والمراثي؛ فإنه باب جامع، وقد قيل إنه لم يقل في شيء قط كما قيل في هذا الباب؛ لأن الناس لا ينفكون من المصائب، ومن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يعدم نفيساً كان هو المعدوم دون النفيس، وحق الإنسان الصبر على النوائب، واستشعار ما صدرناه، إذ كانت الدنيا دار فراق ودار بوار، لا استواء. وعلى فراق المألوف حرقة لا تدفع، ولوعة لا ترد، وإنما يفاضل الناس بصحة الفكر، وحسن العزاء، والرغبة في الآخرة، وجميل الذكر.

стр. 1170

من مراثي الآباء والإخوة والأبناء فقد قال أبو خراش الهذلي، وهو أحد حكماء العرب، يذكر أخاه عروة بن مرة: تقول أراه بعد عروة لاهياً ... وذلك رزء لو علمت جليل فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري يا أميم جميل وقال عمرو بن معدي كرب: كم من أخ لي حازم ... بوأته بيدي لحدا أعرضت عن تذكاره ... وخلقت يوم خلقت جلدا وكان يقال: من حدث نفسه بالبقاء، ولم يوطنها على المصائب فعاجز الرأي.

стр. 1171

وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: أكان يغيب عنك? قال: كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه. وقال إبراهيم بن المهدي يذكر ابنه: وإني وإن قدمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت عنك قريب١ وإن صباحاً نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة خبيب وكفى باليأس معزياً، وبانقطاع الطمع زاجراً! كما قال الشاعر: أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلة ... ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر تصبرت مغلوباً وإني لموجع ... كما صبر العطشان في البلد القفر وقال بعض المحدثين وليس بناقصه حظه من الصواب أنه محدث، يقوله لرجل رثاه [قال أبو الحسن: وهو أبو تمام] : عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وقد كنت أبكيه دماً وهو غائب على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب وحدثت أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه عبد الملك خطب الناس فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على عباده، فسوى فيه بين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم ودنيهم، فقال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٢ فليعلم ذوو النهي منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم. واعلموا أن لله

стр. 1172

مسألة فاحصة، قال : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وله يقول القائل: تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذي الصغير ويولد هل ابنك إلا من سلالة آدم ... لكل على حوض المنية مورد وقال رجل من قريش يرثي ابنه [قال أبو الحسن: هو العتبي] : بأبي وأمي من عبأت حنوطه ... بيدي وودعني بماء شبابه٢ كيف السلو وكيف صبري بعده ... وإذا دعيت فإنما أكنى به! وقال ابن لعمر بن عبد العزيز يرثي عاصم بن عمر: فإن يك حزن أو تجزع غصة ... أماراً نجيعاً من دم الجوف منقعا تجرعته في عاصم واحتسيته ... لأعظم منه ما احتس وتجرعا وقال أبو سعيد إسحاق بن خلف يرثي ابنة أخته، وكان تبناها، وكان حدباً عليها كلفاً بها: أمست أميمة معموراً بها الرجم ... لقى صعيد عليها الترب مرتكم٣ يا شقة النفس إن النفس والهة ... حرى عليك ودمع العين منسجم٤ قد كنت أخشى عليها أن تقدمني ... إلى الحمام فيبدي وجهها العدم

стр. 1173

فالآن نمت فلا هم يؤرقني ... يهدا الغيور إذا ما أودت الحرم١ للموت عند أياد لست أنكرها ... أحيا سروراً وبي مما أتى ألم وهذا المرثية ليست مما تقع مع الجزع القراح والحزن المفرط، ولكنه باب للمراثي يجمع إفراط الجزع، وحسن الاقتصاد، والميل إلى التشكي، والركون إلى التعزي، وقول من كان له واعظ من نفسه، أو مذكر من ربه، ومن غلبت عليه الجساوة٢، وكان طبعه إلى القساوة، فقد اختلط كل بكل. وقال رجل من المحدثين يرثي أباه٣: تحل رزيات وتعرو مصائب٤ ... ولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر لقد عركتنا للزمان ملمة ... أذمت بمحمود الجلادة والصبر٥ فهذا يحسن من قائله أن الرزء كان جليلاً بإجماع، فللقائل أن يتفسح في القول فيه. وهذا يقوله عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان عبد الرحيم من جلة أهله لسناً ونعمة وسناً وولاية، ومات معزولاً عن اليمن في حبس الخليفة. وأم جعفر بن سليمان أم حسن بنت جعفر بن حسن بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم. فلذلك يقول عبد العزيز في هذه القصيدة:

стр. 1174

بموتك يا عبد الرحيم بن جعفر ... تفاحش صدع الدين عن ألأم الكسر فيا ابن النبي المصطفى وابن بنته ... ويا ابن علي والفواطم والحبر١ ويا ابن اختيار الله من آل آدم ... أباً فأباً طهراً يؤدي إلى طهر ويا ابن سليمان الذي كان ملجأ ... لمن ضاقت الدنيا به من بني فهر ومن ملأ الدنيا سماحاً ونائلاً ... وروى حجيجاً بالملمعة القفر٢ لعز بما قد نالنا من رزيئة ... بموتك محبوساً على صاحب القبر فإن تضح في حبس الخليفة ثاوياً ... أبياً لما يعطي الذليل على القشر لكم من عدو للخليفة قد هوى ... بكفك أو أعطى المقادة عن صغر فوا حزناً! لو في الوغى كان موته ... بكينا عليه بالردينية السمر وكنا وقيناه القنا بنحورنا ... وفات كذا في غير هيج ولا نفر وحدثت أن عمر بن الخطاب لما ولى كعب بن سور الأزدي قضاء البصرة، أقام عاملاً له عليها إلى أن استشهد، على أنه كان قد عزله ثم رده، فلما قام عثمان بن عفان أقره، فلما كان يوم الجمل خرج مع إخوة له - قالوا ثلاثة، وقالوا أربعة - وفي عنقه مصحف، فقتلوا جميعاً، فجاءت أمهم حتى وقفت عليهم، فقالت: يا عين جودي بدمع سرب ... على فتية من خيار العرب وما لهم غير حين النفو ... س أي أميري قريش غلب! هذه الرواية سرب وقالوا معناه: جار في طريقه، من قولهم: انسرب في حاجته. وبيت ذي الرمة يختار فيه الفتح: كأنه من كلى مفرية سرب

стр. 1175

لأنه اسم، والأول المكسور نعت، ويقبح وضع النعت موضع١ المنعوت غير المخصوص. [قال أبو الحسن: حق النعت أن يأتي بعد المنعوت، ولا يقع في موقعه حتى يدل عليه فيكون خاصاً له دون غيره، تقول: جاءني إنسان طويل، فإن قلت: جاءني طويل لم يجز؛ لأن طويلاً أعم من قولك: إنسان، فلا بدل عليه. فإن قلت: جاءني إنسان متكلم، ثم قلت بعد: جاءني متكلم جاز؛ لأنك تدل به على الإنسان، فهذا شرح قوله: المخصوص] . وقولها: غير حين النفوس نصب على الاستثناء الخارج من أول الكلام، وقد ذكرناه مشروحاً. والمراثي كثيرة كما وصفنا، وإنما نكتب منها المختار والنادر والمتمثل به السائر. فمن مليح ما قيل قول رجل يرثي أباه: [قال أبو الحسن: يقال إنه٢ لأبي العتاهية] قلب يا قلب أوجعك ... ما تعدى فضعضعك يا أبي ضمك الثرى ... وطوى الموت أجمعك ليتني يوم مت صرت ... إلى حفرة معك٣ رحم الله مصرعك ... برد الله مضجعك

стр. 1176

وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنه، وكان مات بالبصرة: نأى آخر الأيام عنك حبيب ... فللعين سح دائم وغروب١ دعته نوى لا يرتجي أوبة لها ... فقلبك مسلوب وأنت كئيب يؤوب إلى أوطانه كل غائب ... وأحمد في الغياب ليس يؤوب تبدل داراً غير داري وجيرة ... سواي، وأحداث الزمان تنوب أقام بها مستوطناً غير أنه ... على طول أيام المقام غريب كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحى ... سقاه الندى فاهتز وهو رطيب٢ كأن لم يكن كالدر يلمع نوره ... بأصدافه لما تشنه ثقوب كأن لم يكن زين الفناء ومعقل الن ... ساء إذا يوم يكون عصيب وريحان صدري كان حين أشمه ... ومؤنس قصري كان حين أغيب وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت ... بحمد إلهي وهي منه سليب قليلاً من الأيام لم يرو ناظري ... بها منه حتى أغلقته شعوب٣ كظل سحاب لم يقم غير ساعة ... إلى أن أطاحته فطاح جنوب أو الشمس لما من غمام تحسرت ... مساء وقد ولت وحان غروب سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا ... بعيني ماء يا بني يجيب وما غار نجم أو تغنت حمامة ... أو اخضر في فرع الأراك قضيب حياتي ما دامت حياتي فإن أمت ... ثويت وفي قلبي عليك ندوب وأضمر إن أنفدت دمعي لوعة ... عليك لها تحت الضلوع وجيب دعوت أطباء العراق فلم يصب ... دواءك منهم في البلاد طبيب

стр. 1177

ولم يملك الآسون دفعأً لمهجة ... عليها لأشراك المنون رقيب قصمت جناحي بعد ما هد منكبي ... أخوك، فرأسي قد علاه مشيب فأصبحت في الهلاك إلا حشاشة ... تذاب بنار الحزن فهي تذوب توليتما في حقبة فتركتما ... صدى يتولى تارة ويثوب فلا ميت إلا دون رزئك رزؤه ... ولو فتتت حزناً عليه قلوب وإني وإن قدمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت منك قريب وإن صباحاً نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة حبيب وقال أبو عبد الرحمن العتبي، وتتابع له بنون: كل لساني عن وصف ما أجد ... وذقت ثكلا ما ذاقه أحد وأوطنت حرقة حشاي فقد ... ذاب عليها الفؤاد والكبد ما عالج الحزن والحرارة في ... الأحشاء من لم يمت له ولد فجعت باثنين ليس بينهما ... إلا ليال ليست لها عدد فكل حزن يبلى على قدم الد ... هر وحزني يجده الأبد وذكر بعض الرواة أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب وكان عاملاً لعلي بن أبي طالب على اليمن، فشخص إلى علي، واستخلف على اليمن عمرو بن أركة الثقفي، فوجه معاوية إلى اليمن ونواحيها بسر بن أرطاة، أحد بني عامر ابن لؤي، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه عبد الله أخوه جزعاً شديداً، فقال أبوه: لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمهرين من ثبج البحر

стр. 1178

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارساً ... بصنعاء كالليث الهزبر أبي أجر وقلت لعبد الله إذ حن باكياً ... تعز، وماء العين منهمر يجري تبين فإن كان البكار رد هالكا ... على أهله فاشدد بكابك على عمرو ولاتبك ميتاً بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر قوله: من ثبج البحر فثبج كل شيء وسطه، ويروى في الحديث١: كنت إذا ُفاتحت الزهري فتحت منه ثبج البحر. وقوله: تمريهن هو مثل، يقال: "مريت الناقة" إذا مسحت ضرعها لتدر، فإنما هو استخراج اللبن، ويقال: "مريت برجلي الأرض"، إذا مسحتها، والأصل ذلك، فإنما أراد: ولو كنت تستخرج الدموع من ثبج البحر. وكان بسر بن أرطاة ي تلك الحروب أرشد على ابنين لعبيد الله بن العباس ابن عبد المطلب، هما، طفلان أمهما من بني الحارث بن كعب، فوارتهما الحارثية، فيقال إنه أخذهما من تحت ذيلها فقتلهما، ففي ذلك تقول الحارثية: ألا من بين الأخوين ... أمهما هي الثكلى تسائل من رأى ابنيها ... وتستبغي فما تبغى وفي ذلك تقول أيضاً: يا من أحسن بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف٢ يا من أحس بنيي اللذين هما ... سمعي وطرفي فطرفي اليوم مختطف

стр. 1179

يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف١ نبئت بسراً، وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا أنحى على ودجي طفلي مرهفة ... مشحوذة، وعظيم الإفك يقترف من دل والهة حرى مفجعة ... على صبيين غابا إذ مضى السلف ويرى أن معاوية لما أتاه موت عتبة تمثل: إذا سار من خلف امرئ وأمامه ... وأوحش من أصحابه فهو سائر فلما أتاه موت زياد تمثل: وأفردت سهماً في الكنانة واحداً ... سيرمي به أو يكسر السهم كاسر وماتت امرأة للفرزدق بِجُمع ومعنى جمع ولدها في بطنها وإن شئت قلت: جِمعٌ يا فتى، فقال الفرزدق: وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أن المنايا أنسأته لياليا! وهذا من البغي في الحكم والتقدم. وقال رجل من المحدثين في ابنين لعبد الله بن طاهر أصيبا في يوم واحد وهما طفلان شبيهاً بهذا، ولكنه اعتذر فحسن قوله وصح معناه باعتذاره، وهو الطائي: لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً

стр. 1180

الفرزدق يرثي حدراء الشيبانية وقال الفرزدق يرثي حدراء الشيبانية: يقول ابن صفوان بكيت ولم تكن ... على امرأة عيني إخال لتدمعا يقولون زر حدراء، والترب دونها ... وكيف بشيء عهده قد تقطعا ولست وإن عزت علي بزائر ... تراباً على مرموسة قد تضعضعا١ وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنعا وما مات عند ابن المراغة مثلها ... ولا تبعته ظاعناً يوم ودعا

стр. 1181

لجرير يرثي امرأته وقال جرير يرثي امرأته: لولا الحياء لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار نعم الخيل وكنت علق مضنة ... ولدي منك سكينة ووقار لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار صلى الملائكة الذين تخيروا ... والصالحون عليك والأبرار أفأم حزرة يا فرزدق عبتم ... غضب المليك عليكم الجبار٢

стр. 1182

لرجل من خزاعة يرثي عمر بن عبد العزيز وقال رجل من خزاعة - وينحله كثير - يرثي عمر بن عبد العزيز بن مروان: [١قال أبو الحسن: الشعر لقطرب النحوي؛ وهو الذي صح عنه١] :

стр. 1183

أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور جلت رزيئته فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور يثني عليك لسان من لم توله ... خيراً لأنك بالثناء جدير ومثله قول عمارة يمدح خالد بن يزيد بن مزيد: أرى الناس طراً حامدين لخالد ... وما كلهم أفضت إليه صنائعه ولن يترك الأقوام أن يمدحوا الفتى ... إذا كرمت أخلاقه وطبائعه فتى أمعنت ضراؤه في عدوه ... وخصت وعمت في الصديق منافعه ومن قوله: والناس مأتمهم عليه واحد أخذ الطائي في مرثيته: لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به حياً يحب به الدهر لئن عظمت فيه مصيبة طيئ ... لما عريت منها تميم ولا بكر وقال القرشي: قد كنت أبكي على كان١ من سلفي ... وأهل ودي جميع غير أشتات فاليوم إذ فرقت بيني وبينهم ... نوى بكيت على أهل المروءات وما بقاء امرئ كانت مدامعه ... مقسومة بين أحياء وأموات!

стр. 1184

ما تمثل به علي بن أبي طالب عند قبر فاطمة ويروى أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه تمثل عند قبر فاطمة رحمها الله: [الكل اجتماع من خليلين فرقة ... وإن الذي دون الفراق قليل] ١ وإن افتقادي واحداً بعد واحد ... دليل على ألا يدوم خليل

стр. 1185

لعقيل بن علفة يرثي ابنه وقال عقيل بن علفة المري، من غطفان: لعمري لقد جاءت قوافل خبرت ... بأمر من الدنيا علي ثقيل وقالوا ألا تبكي لمصرع هالك ... أصاب سبيل الله خير سبيل! كأن المنايا تبتغي في خيارنا ... لها ترة أو تهتدي بدليل لتأت المنايا حيث شاءت فإنها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل فتى كان مولاه يحل بنجوة ... فحل الموالي بعده بمسيل

стр. 1186

ما تمثلت به عائشة على قبر أخيها وتمثلت عائشة رحمها الله عند قبر عبد الرحمن بن أبي بكر بقول متمم بن نويرة: وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ومات صديق لسلميان بن عبد الملك، يقال له شراحيل، فتمثل عند قبره: وهون وجدي عن شراحيل أنني ... إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه

стр. 1187

لأعرابي وقال أعرابي: ألا لهف الأزامل واليتامى ... ولهف الباكيات على قصي! لعمرك ما خشيت على قصي ... متالف بين حجر والسلي١ ولكني خشيت على قصي ... جريرة رمحه في كل حي فتى الفتيان محلول ممر ... وأمار بإرشاد وغي٢ فهذا من أجفى أشعار العرب، ينبئ صاحبه أن تقديره في المرثي أن تكن منيته قتلاً، ويتأسف من موته حتف أنفه، ويقول في مدحه: وأمار بإرشاد وغي

стр. 1188

خبر عامر بن الطفيل وأربد أخي لبيد وشبيه بهذا قول لبيد في أخيه أربد، لما أصابته الصاعقة وأصابت عامراً الغدة١ بدعوة رسول الله ﷺ ، وكان عامر قد قدم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٢ ومعه أربد، فقال لأربد: أنا أشغله لك واضربه أنت بالسيف من ورائه، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام على أن يجعل له أعنة الخيل، فقال عامر: ومن يمنعها مني اليوم! ولكن إن شئت ذلك المدر ولي الوبر، أو لي المدر ولك الوبر. فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، فقال: فاجعل لي هذا الأمر بعدك، فأعلمه النبي أن ذلك ليس بكائن، قال: فأبشر بخيل أولها عندك وآخرها عندي، فقال رسول الله ﷺ : "يأبى الله ذلك وابنا قيلة" يعني الأوس والخزرج. ويروى أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، علام يسحب هذا الأعرابي لسانه عليك! دعني أقتله. ويروى أن عامراً قال للنبي ﵇: لأغزونك على ألف أشقر وألف شقراء، فلما قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اكفنيهما". وتروي قيس أنه قال:

стр. 1189

"اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه". وقال عامر لأربد: قد شغلته عنك مراراً فألا ضربته! قال: أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في إحداهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك! فلم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد في ديار بني سلول بن صعصة، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية! وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لأمه، فقال يرثيه: أحشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد ما إن تعري المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد فجعني الرعد والصواعق بالق ... ارس يوم الكريهة النجد١ يا عين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام العدو في كبد٢ وقال أيضاً: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتحدثون مخانة وملاذة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب يا أربد الخير الكريم جدوده ... غادرتني أمشي بقرن أعضب إن الرزيئة لا رزيئة مثلها ... فقدان كل أخ كضوء الكوكب قوله: في خلف يقال: هو خلف فلان لمن يخلفه من رهطه، وهؤلاء خلف فلان؛ إذا قاموا مقامه من غير أهله، وقلما يستعمل خلف إلا في الشر، وأصله ما ذكرنا. والمخانة: مصدر من الخيانة. والملوذ: الذي لا يصدق في مودته، يقال: رجل ملوذ وملذان، وملاذة مصدره. والأعضب: المقطوع. وفي الحديث: "لا يضحى بعضباء". ويروى أن رجلاً قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما من الله به من بقائك، لكنا كما قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجر فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس؛ هلا قلت كما قال نهار بن توسعة: قلدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السراة البحور ثم نرجع إلى ذكر المراثي:

стр. 1190

لأعرابي وقال أعرابي: لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعي حيي أن سيدكم هوى أجل صادقاً والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى١ فتى قبل لم تعنس السن وجهه ... سوى وضح في الرأس كالبرق في الدجى٢ أشارت له الحرب العوان فجاءها ... يقعقع بالأقراب أول من أتى٣ ولم يجنها لكن جناها وليه ... فآس وآداه فكان كمن جنى٤

стр. 1191

صدار الخنساء ويروى أن عائشة ﵂ نظرت إلى الخنساء وعليها صدر من شعر، فقالت: يا خنساء، أتلبسين الصدار وقد نهى رسول الله ﷺ عنه! فقالت:

стр. 1192

رجلاً متلافاً فأخفق١، فأراد أن يسافر، فقلت له: أقم وأنا آتي أخي صخراً فأسأله. فأتيته فشاطرني ماله، فأتلفه زوجي، فعدت له فعاد لي بمثل ذلك، فأتلفه زوجي، فعدت له. فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قالت له امرأة: إن هذا المال متلف، فامنحها شرارها، فقال صخر: والله لاأمنحها شرارها ... ولو هلكت خرقت خمارها واتخذت من شعر صدارها فلما هلك اتخذت هذا الصدار؛ وكان صخر أخا الخنساء لأبيها فقط. ويروى عن بعض نساء بني سليم أنها نظرت إليها في صدر وهي تصنع طيباً لابنتها لتنقلها إلى زوجها، فقاولتها في شيء كرهته الخنساء، فقالت لها: اسكتني، فوالله لقد كنت أبسط منك عرفاً٢، وأطيب منك ورساً، وأحسن منك عرساً، وأرق منك نعلاً، وأكرم منك بعلاً. وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعراً قط إلا تبين الضعف فيه، فقيل له: أو كذلك الخنساء! فقال: تلك كان لها أربع حصى.

стр. 1193

لبعض القرشيين يرثي أخاه وقال القرشي وتتابعه له بنون: أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدا ... فديتم وأعطينا بكم ساكني الظهر فيا ليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيماً إلى الحشر فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر قد شمت الأعداء بي وتغيرت ... عيون أراها بعد موت أبي عمرو تجري علي الدهر لما فقدته ... ولو كان حياً لاجترأت على الدهر وقاسمني دهري بني مشاطراً ... فلما توفى شطره مال في شطري١

стр. 1194

لآخر يرثي أبناءه أيضاً وحدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: قدم رجل من البادية، فلما صار بجبل سنام مات له بنون، فدفنهم هناك، وقال: دفنت الدافعين الضيم عني ... برابية مجاورة سناما أقول إذا ذكرت العهد منهم ... بنفسي تلك أصداء وهاما فلم أر مثلهم ماتوا جميعاً ... ولم أر مثل هذا العام عاما [قال أبو الحسن الأخفش: وفيها عن غير أبي العباس: فليت حمامهم إذ فارقوني ... تلقانا فكان لنا حماما]

стр. 1195

للحارث بن عبد الله الباهلي يرثي أبناءه قال أبو العباس: ويورى أن رجلاً كان له بنون سبعة - يروي ذلك أبو الحسن المدائني - قال أبو العباس: فاختلف علي فيهم، فقال قوم: كانوا تحت حائط، وقال قوم آخرون: بل حلب لهم في علبة فمج فيها أفعى فبعث بها إليهم فشربوها فماتوا جميعاً. والرجل يقال له الحارث بن عبد الله الباهلي، وهلكت لجار له شاة فجعل يعلن بالبكاء علهيا، فقال قائل: يا أيها الباكي على شاته ... يبكي جهاراً غير إسرار إن الرزيئات وأمثالها ... ما بقي الحارث في الدار دعا بني معن وإخوانهم ... فكلهم يعدو بمحفار قال أبو العباس: والمصائب، ما عظم منها وما صغر، تقع على ضربين؛ فالحزم التسلي عما لا يغني فيه، والاحتيال لدفع ما يدفع بالحيلة.
следующие страницы →