صدار الخنساء
ويروى أن عائشة ﵂ نظرت إلى الخنساء وعليها صدر من شعر، فقالت: يا خنساء، أتلبسين الصدار وقد نهى رسول الله ﷺ عنه! فقالت:
стр. 1192
رجلاً متلافاً فأخفق١، فأراد أن يسافر، فقلت له: أقم وأنا آتي أخي صخراً فأسأله. فأتيته فشاطرني ماله، فأتلفه زوجي، فعدت له فعاد لي بمثل ذلك، فأتلفه زوجي، فعدت له. فلما كان في الثالثة أو الرابعة، قالت له امرأة: إن هذا المال متلف، فامنحها شرارها، فقال صخر:
والله لاأمنحها شرارها ... ولو هلكت خرقت خمارها
واتخذت من شعر صدارها
فلما هلك اتخذت هذا الصدار؛ وكان صخر أخا الخنساء لأبيها فقط.
ويروى عن بعض نساء بني سليم أنها نظرت إليها في صدر وهي تصنع طيباً لابنتها لتنقلها إلى زوجها، فقاولتها في شيء كرهته الخنساء، فقالت لها: اسكتني، فوالله لقد كنت أبسط منك عرفاً٢، وأطيب منك ورساً، وأحسن منك عرساً، وأرق منك نعلاً، وأكرم منك بعلاً.
وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعراً قط إلا تبين الضعف فيه، فقيل له: أو كذلك الخنساء! فقال: تلك كان لها أربع حصى.
стр. 1193
لبعض القرشيين يرثي أخاه
وقال القرشي وتتابعه له بنون:
أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدا ... فديتم وأعطينا بكم ساكني الظهر
فيا ليت من فيها عليها وليت من ... عليها ثوى فيها مقيماً إلى الحشر
فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر
قد شمت الأعداء بي وتغيرت ... عيون أراها بعد موت أبي عمرو
تجري علي الدهر لما فقدته ... ولو كان حياً لاجترأت على الدهر
وقاسمني دهري بني مشاطراً ... فلما توفى شطره مال في شطري١
стр. 1194
لآخر يرثي أبناءه أيضاً
وحدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: قدم رجل من البادية، فلما صار بجبل سنام مات له بنون، فدفنهم هناك، وقال:
دفنت الدافعين الضيم عني ... برابية مجاورة سناما
أقول إذا ذكرت العهد منهم ... بنفسي تلك أصداء وهاما
فلم أر مثلهم ماتوا جميعاً ... ولم أر مثل هذا العام عاما
[قال أبو الحسن الأخفش: وفيها عن غير أبي العباس:
فليت حمامهم إذ فارقوني ... تلقانا فكان لنا حماما]
стр. 1195
للحارث بن عبد الله الباهلي يرثي أبناءه
قال أبو العباس: ويورى أن رجلاً كان له بنون سبعة - يروي ذلك أبو الحسن المدائني - قال أبو العباس: فاختلف علي فيهم، فقال قوم: كانوا تحت حائط، وقال قوم آخرون: بل حلب لهم في علبة فمج فيها أفعى فبعث بها إليهم فشربوها فماتوا جميعاً.
والرجل يقال له الحارث بن عبد الله الباهلي، وهلكت لجار له شاة فجعل يعلن بالبكاء علهيا، فقال قائل:
يا أيها الباكي على شاته ... يبكي جهاراً غير إسرار
إن الرزيئات وأمثالها ... ما بقي الحارث في الدار
دعا بني معن وإخوانهم ... فكلهم يعدو بمحفار
قال أبو العباس: والمصائب، ما عظم منها وما صغر، تقع على ضربين؛ فالحزم التسلي عما لا يغني فيه، والاحتيال لدفع ما يدفع بالحيلة.
стр. 1196
ومن أحسن القول في هذا المعنى في الإسلام، قول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈، حين مات ابنه فلم ير منه جزع، فسئل عن ذلك، فقال: أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره. وفي هذا زيادة تنتظر، وفضل تسليم لقضاء الله .
والعرب تقول: الحذر أشد من الوقيعة. وقال رجل من الحكماء: إنما الجزع والإشفاق قبل وقوع الأمر، فإذا وقع فالرضا والتسليم.
ومن هذا قول عمر بن عبد العزيز ﵀: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.
يقال: لهيت عن الأمر ألهى؛ إذا أضربت عنه، ولهوت ألهو، من اللعب.
стр. 1197
الأوس بن حجر يرثي فضالة بن شريك
ومن أقدم ما قيل في هذا المعنى قول أوس بن حجر الأسيدي، من بني أسيد بن عمرو بن تميم، يرثي فضالة بن كلدة، أحد بني أسد بن خزيمة:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحـ ... ـة والنجدة والحزم والقوى جمعا
أودى فما تنفع الإشاحة من ... شيء لمن قد يحاول [البدعا] ١
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
المخلف المتلف المرزأ لم ... يمتع بضعف ولم يمت طبعا
والحافظ الناس في تحوط إذا ... لم يرسلوا خلف عاتئذ ربعا
وعزت الشمأل الرياح وقد ... أمس كميع الفتاة ملتفعا
وشبه الهيدب العبام من ... الأقوام سقباً ملبساً فرعا
وكانت الكاعب الممنعة ... الحسناء في زاد أهلها سبعا
ليبكك الشرب والمدامة والفتيان ... طراً وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جدعا
стр. 1198
وفيها زيادة. لكنا اخترنا.
قوله: الألمعي: الحديد اللسان والقلب، وقد أبانه بقوله: الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا.
وقوله المخلف المتلف أراد أنه يتلف ماله كرماً ويخلفه نجدة، كما قال:
ناقته ترقل في النقال١ ... متلف مال ومفيد مال
وقال آخر:
فاتلف ذاك متلاف كسوب
والمرزأ: الذي تناله الرزيئات في ماله لما يعطي ويسأل. والإمتاع: الإقامة، فيقول: لم يقم وهو ضعيف.
والطبع: أسوأ الطمع، وأصله أن القلب يعتاد الخلة الدنيئة فتركبه كالحائل بينه وبين الفهم لقبح ما يظهر منه، وهذا مثل وأصله في السيف وما أشبه، يقال: طبع السيف، إذا ركبه صدأ يستر حديده و ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ٢ من ذا.
وتحوط وقحوط: اسمان للسنة الجدبة، كما يقال: حجرة وكحل.
وقوله:
لم يرسلوا خلف عائذ ربعا
فالعائذ الحديثة النتاج، والربع: الذي ينتج في الربيع، ومن شأنهم في سنة الجدب أن ينحروا الفصال، لئلا ترضع فتضر بالأمهات.
وقوله: وعزت الشمأل الرياح يقول: غلبتها، وتلك علامة الجدب
стр. 1199
وذهاب الأمطار، ومن ذلك قولهم: من عز بز أي من غلب استلب، وفي القرآن: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ١، أي غلبني في المخاطبة.
وقوله: وقد أمسى كميع الفتاة فالكميع الضجيع، وهو الكمع، قال الشاعر٢:
ومشحوذ الغرار يبيت كمعي
يعني السيف، أي يبيت مضاجعي.
ملتفعاً، يقال: تلفع في مطرفه وفي كسائه، إذا تلفف وتزمل فيه، فيقول: من شدة الصر يلتفع به دون ضجيعه.
والكاعب: التي كعب ثديها، يقول: تصير كالسبع في زاد أهلها بعد أن كانت تعاف طيب الطعام.
وقوله: وذات هدم، يعني امرأة ضعيفة، والهدم: الكساء الخلق الرث. وقوله: عار نواشرها، النواشر: عروق الساعد. والتولب: الصغير. والجدع: السيئ الغذاء، وهو الجحن والقتين.
стр. 1200
لأعرابي
وقال أعرابي١.
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... على قبر أهبان سقته الرواعد
فذاك الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد٢
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن ... عييا ولا عبئا على من يقاعد
стр. 1201
لليلى الأخيلية في رثاء توبة
وقالت ليلى الأخيلية:
دعا قابضاً والمرهفات ينشنه ... فقبحت مدعواً ولبيك داعيا!
فليت عبيد الله كان مكانه ... صريعأً ولم أسمع لتوبة ناعيا
وكان سبب هذا الشعر أن توبة بن حمير العقيلي ثم الخفاجي، غزا فغنم، ثم انصترف فعرس١ في طريقه فأمن فقال٢، فندت فرسه، فأحاط به عدوه، ومعه عبيد الله أخوه وقابض مولاه، فدعاهما، فذبب عبيد الله شئياً وانهزما وقتل توبة، ففي ذلك تقول ليلى الأخيلية:
أعيني ألا فابكي على ابن حمير ... بدمع كفيض الجدول المتفجر
لتبك عليه من خفاجة نسوة ... بماء شؤون العبرة المتحدر
سمعن بهيجا أزحفت فذكرنه ... وقد يبعث الأحزان طول التذكر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد ولم يطلع مع المتغور
ولم يرد الماء السادام إذا بدا ... سنا الصبح في أعقاب أخضر مدبر
ولم يقدع الخصم الألد ويملإ ... الجفان سديفاً يوم نكباء صرصر
ألا رب مكروب أجبت وخائف ... أجرت ومعروف لديك ومنكر
فيا توب للمولى ويا توب للندى ... ويا توب للمستنبح المتنور
قولها:
لتبك عليه من خفاجة نسوة
تعني، خفاجة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. والهيجاء تمد وتقصر، وقد مر هذا. وقولها:
بنجد ولم يطلع مع المتغور
стр. 1202
فالنجد كل ما أشرف من الأرض، والغور كل ما انخفض، ويقال: ماء سدام ومياه سدم، وهي القديمة المندفقة، قال الشاعر:
وعلمي بأسدام المياه فلم تزل ... قلائص تحدى في طريق طلائح
وسنا الصبح: ضوؤه، وهو مقصور، فإذا أردت الحسب مددت. والأخضر: الذي ذكرت: الليل، والعرب تسمي الأسود أخضر، وقولها: ولم يقدع الخصم الألد، فالألد الشديد الخصام. والسديف: شقق السنام.
والنكباء: الريح بين الريحين الشديدة الهبوب.
والصرصر: الشديدة الصوت. والمستنبح: الذي يسري فلا يعرف مقصداً فينبح لتجيبه الكلاب فيقصدها.
والمتنور: الذي يلتمس ما يلوح له من النار فيقصده. قال الأخطل يعير جريراً.
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار
فيقال إن جريراً توجع من هذا البيت، وقال: جمع بهذه الكلمة ضروباً من الهجاء والشتم؛ منها البخل الفاحش، ومنها عقوق الأم في ابتذالها دون غيرها، ومنها تقذير الفناء، ومنها السوءة التي ذكرها من الوالدة.
وقال آخر:
وإني لأطوي البطن من دون ملئه ... لمختبط في آخر الليل نابح
وإن امتلاء البطن في حسب الفتى ... قليل الغناء وهو الجسم صالح١
وقالت ليلى الأخيلية:
نظرت وركن من بوانة دوننا ... وأركان حسمى أي نظرة ناظر! ٢
стр. 1203
إلى الخيل أجلى شأوها عن عقيرة ... لعاقرها فيها عقيرة عاقر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يبن أبراداً رقاقاً لفتية ... كرام ويرحل قبل فيء الهواجر
فتى لا تخطاه الرفاق ولا يرى ... لقدر عيالاً دون جار مجاور
وكنت إذا مولاك خاف ظلامة ... دعاك ولم يقنع سواك بناصر
قولها: أي نظرة ناظر؛ يصلح فيه الرفع، والنصب على قوله: نظرت أي وتأويله مررت برجل كامل، فأيما في موضع كامل، وتقول: مررت بزيد أيما مخرج استفهام، وتقديره: أي نظرة ناظر فعلى القطع والابتداء، والمخرج مخرج استفهام، وتقديره: أي نظرة هي! كما تقول: سبحان الله، أي رجل زيد! وهذا البيت ينشد على وجهين:
فأومأت إيماء خفيا لحبتر ... وللله عينا حبتر أيما فتى
وأيما إن شئت على ما فسرنا.
وقولها:
إلى الخيل أجلى شأوها عن عقيره
شأوها: طلقها١
وقولها:
لعاقرها فيها عقيرة عاقر
أي قد أصابوا عقيرة نفيسة؛ كقول القائل: نعم غنيمة المغتنم، وكقولهم: عقيرة وكما تكون. وهذا نظير قوله:
ولما أصابوا نفس عمرو بن عامر ... أصابوا به وتراً ينيم ذوي الوتر
стр. 1204
يقال: ثأر منيم، إذا أصابه المثئر هدأ واستقر، لأنه أصاب كفؤاً، وهذا خلاف قول الآخر:
قوم إذا جر جاني قومهم أمنوا ... للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وخلاف قول الحارث بن عباد:
لا بجير أغنى قتيلاً ولا رهـ ... ـط كليب تزاجروا عن ضلال
ولكن كما قال دريد بن الصمة:
قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا
وكما قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان التيمي، من بني تيم اللآت بن ثعلبة، حيث قتل مصعب بن الزبير بأخيه النابي بن زياد:
لسار على رغم العدو وغادي ... أن عبيد الله ما دام سالماً
ونحن قتلنا ابن الزبير ورأسه ... حززنا برأس النابي بن زياد
كسر الياء على الأصل، كما قال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
ومن أخذه من نبأت على القوم، أي طلعت عليهم، فلا علة فيه ولا ضرورة.
[قال الأخفش: المعروف فيه الهمز، والمبرد لم يهمزه، فإنما أخذه من نبا ينبو، فصار مثل رام وقاض وما أشبههما] .
وقال أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسري، لما قتلوا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بخالد بن عبد الله:
فإن تقتلوا منا كريما فإننا ... قتلنا أمير المؤمنين بخالد
стр. 1205
وإن تشغلونا عن ندانا فإننا ... شغلنا وليداً عن بناء الولائد
تركنا أمير المؤمنين بخالد ... مكباً على خيشومه غير ساجد
وقال الخزاعي١ بعد:
قتلنا بالفتى القسري منهم ... وليدهم أمير المؤمنينا
ومرواناً قتلنا عن يزيد ... كذاك قضاؤنا في المعتدينا
وبابن السمط منا قد قتلنا ... محمداً بن هارون الأمينا
فمن يك قتله سوقاً فإنا ... جعلنا مقتل الخلفاء دينا
وقولها: ويرحل قبل فيء الهواجر تريد أنه متيقظ ظعان والمولى في قولها: إذا مولاك خاف ظلامة يحتمل ضروباً، فالمولى ابن العم، وقوله : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ ٢؛ يريد بني العم؛ قال الفضل بن العباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
ويكون المولى المعتق؛ ويكون المولى من قوله جل ثناؤه: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ٣ ويكون المولى الذي هو أحق وأولى منه قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ ٤، أي أولى بكم. والمولى: المالك. وقولها: ولم يبن أبراداً تريد الخيام.
قال أبو العباس: وكانت الخنساء وليلى بائنتين في أشعارهما، متقدمتين لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك، والجملة ما قال الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٥.
وقال النبي ﷺ : "إن المرأة خلقت من ضلع عوجاء، وإنك إن ترد إقامتها، تكسرها، فدارها تعش بها".
стр. 1206
فممن ندر١ من النساء في باب من الأبواب: أم أيوب الأنصارية٢، أم الدرداء٣، ورابعة القيسية٤ ومعاذة العدوية٥، فإن هؤلاء النسوة تقدمن في الفضل والصلاح، على تقدم بعضهن بعضاً.
حدثني الجاحظ عن إبراهيم بن السندي، قال: وكانت تصير إلي هاشمية جارية حمدونة في حاجات صاحبتها، فأجمع نفسي لها، وأطرد الخواطر عن فكري، وأحضر ذهني جهدي، خوفاً من أن تورد علي ما لا أفهمه، لبعد غورها، واقتدارها على أن تجري على لسانها ما في قلبها.
وكذلك ما يؤثر عن خالصة وعتبة جاريتي ربطة بنت أبي العباس. فأما النساء الأشراف فإن القول فيهن كثير متسع.
стр. 1207
من مراثي الخنساء
فمما ندر من شعر الخنساء قولها ترثي صخراً:
يا صخر وراد ماء قد تناذره١ ... أهل المياه وما في ورده عار
مشى السبنتى إلى هيجاء معضلة ... له سلاحان: أنياب وأظفار٢
وما عجول على بو تحن له ... لها حنينان: إغلان وإسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوماً بأوجع مني يوم فارقني ... صخر، وللعيش إخلاء وإمرار
وإن صخراً لوالينا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
стр. 1208
قولها:
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عار
تعني الموت، أي لإقدامه على الحرب.
والسبنتي والسبندي واحد، وهو الجريء الصدر، وأصله في النمر.
والعجول: التي فارقها ولدها.
والبو، قد مضى تفسيره، وكذلك فإنما هي إقبال وإدبار، وقد شرحنا كيف مذهبه في النحو.
وقولها: إلى هيجاء معضلة تعني الحرب.
وقولها: بأنه علم في رأسه نار فالعلم الجبل، قال الله جل وعز: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ١﴾ ، وقال جرير٢:
إذا قطعن علماً بدا علم
ومن حسن شعرها قولها:
أعيني جوداً ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا
يكلفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
стр. 1209
ترى الحمد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا
قولها: طويل النجاد، النجاد: حمائل السيف، تريد بطول نجاده طول قامته، وهذا مما يمدح به الشريف، قال جرير:
فإني لأرضى عبد شمس وما قضت ... وأرضى الطوال البيض من آل هاشم
وقال مروان لأمير المؤمنين المهدي١:
قصرت حمائله عليه فقلصت ... ولقد تألق قينها فأطالها
وقال رجل من طيئ:
جدير أني يقل السيف حتى ... ينوس إذا تمطى فقي النجاد٢
وقال الكمي [أبو نواس] ٣:
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسماط قيام
وقال عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم٤
وقولها: رفيع العماد إنما تريد ذاك، يقال: رجل معمد، أي طويل، ومنه قوله : ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ٥، أي الطوال.
وقولها: ما عالهم أي ما نابهم ونزل بهم، تقول العرب: ما عالك فهو عائلي، أي ما نابك فهو نائبي، ومن ذا قول كثير:
يا عين بكي للذي عالني ... منك بدمع مسبل هامل
стр. 1210
ومن جيد قولها:
أبعد ابن عهمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها
لعمر أبيه لنعم الفتى ... إذا النفس أعجبها ما لها
فإن تك مرة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها
فخر الشوامخ من فقده ... وزلزلت الأرض زلزالها
هممت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها!
لأحمل نفسي على آلة ... فإما عليها وإما لها
قولها: حلت به الأرض أثقالها حلت من الحلي١، تقول: زينت به الأرض الموتى. وقال المفسرون في قول الله : ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ ٢، قالوا الموتى.
وقولها: لنعم الفتى إذا النفس أعجبها ما لها؛ تقول: يجود بما هو له في الوقت الذي يؤثره أهله على الحمد.
والشوامخ: الجبال، والشامخ: العالي، ويقال للمتكبر: شمخ بأنفه.
وقولها: على آلة أي على حالة وعلى خطة، هي الفصيل، فإما ظفرت وإما هلكت.
وقولها: فأولى لنفسي أولى لها، يقول الرجل إذا حاول شيئاً فأفلته من بعد ما كاد يصيبه: أولى له! وإذا أفلت من عظيمة قال: أولى لي! ويروى عن ابن الحنفية أنه كان يقول إذا مات ميت في جواره أو في داره: أولى لي! كدت والله أكون السواد المخترم، وقد مضى هذا مفسراً.
وأنشد لرجل يقتنص، فإذا أفلته الصيد، قال: أولى لك! فكثر ذلك منه فقال:
стр. 1211
فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم١ ... ولكن أولى يترك القوم جوعا
وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية بن عمرو - وكان معاوية أخاها لأبيها وأمها، وكان صخر أخاها لأبيها، وكان أحبهما إليها بعيداً٢، وكان صخر يستحق ذلك منها بأمور: منها أنه كان موصوفاً بالحلم، ومشهوراً بالجود، ومعروفاً بالتقدم في الشجاعة، ومحظوظاً في العشيرة -:
أريقي من دموعك واستفيقي ... وصبراً إن أطقت، ولن تطيقي
وقولي إن خير بني سليم ... وفارسها بصحراء العقيق
ألا هل ترجعن لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشقيق٣
وإذ نن الفوارس كل يوم ... إذا حضروا وفتيان الحقوق
وإذ فينا معاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق٤
فبكيه فقد أودى حميداً ... أمين الرأي محمود الصديق
فلا واله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق
قولها:
أريقي من دموعك واستفيقي
معناه أن الدمعة تذهب الوعة
ويروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال عند موت ابنه أيوب، لعمر بن
стр. 1212
عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك الصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، وقال: "العين تدمع، والقلب يوجع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا يا إبراهيم لمحزونون" فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أرباً، ثم أقبل عليهما فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، ولكنه تمثل عند قبره لما دفنه وحثا على قبره التراب، وقال: يا غلام، دابتي، ثم التفت١ إلى قبره، فقال:
وقفت على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق
رجعنا إلى تفسير قولها: وقولها:
وصبراً إن أطقت ولن تطيقي
كقول القائل: إن قدرت على هذا فافعل، ثم أبانت عن نفسها فقالت: ولن تطيقي.
وقولها:
فلا والله لا تسلاك نفسي
تريد: لا تسلو عنك, كقوله عزوجل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٢, أي كالوا لهم أو وزنوا لهم.
وقولها:
لفاحشة أتيت ولا عقوق
معناه: لا أجد فيك ما تسلو نفسي عنك له، ثم اعتذرت من إقصارها بفضل الصبر، فقالت:
стр. 1213
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق
تأويل النعلين أن المرأة كانت إذا أصيبت بحميم جعلت في يديها نعلين تصفق١ بهما وجهها وصدرها.
قال عبد مناف بن ربع الهذلي:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً ... من بطن حلية لا رطبا ولا نقدا
إذا تأوب نوح قامتا معه ... ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
قوله:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما
يعني أختيه، يقول: ماذا يرد عليهما العويل والسهر!
وقوله:
كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً
أراد لترديد النائحة صوتاً كأنه زمير، وإنما يعني بالقصب المزامير، كما قال الراعي:
زجل الحداء كأن في حيزومه ... قصبا ومقنعة الحنين عجولا
[قال الأخفش: الزجل: اختلاط الصوت الذي لصوته تطريب. والحيزوم: الصدر, وقصبا يعني زمارا٢, شبه صوت الحادي بالمزمار, ومقنعة، أراد: وصوت مقنعة، يعني ناقة، ثم حذف الصوت وأقام مقنعة مقامه.
стр. 1214
وقال عنترة:
بركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
قال الأصمعي: نرمناي١
وقوله: لا رطبا ولا نقدا يقول: ليس برطب لا يبين فيه الصوت ولا بمؤتكل، يقال: نقدت السن، إذا مسها ائتكال، وكذلك القرن، قال الشاعر٢:
يألم قرناً أرومه نقد
وقوله: بسبت يعني النعل المنجردة.
ويلعج: يؤثر، واحتاج إلى تحريك الجلد فأتبع آخره أوله، وكذلك يجوز في الضرورة في كل [شيء] ٣ ساكن. وأما قول الفرزدق:
خلعن حليهن فهن عطل ... وبعن به المقابلة التؤاما٤
يعني اشترين النعال، فليس [هذا] ٥ من هذا الباب، وإنما سبين فاشترين نعالاً للخدمة.
وكذلك قوله:
أجذن حريرات وأبدين مجلداً ... ودارت عليهن المنقشة الصفر٦
يعني القداح، يقول: سبين فاقتسمن بالقداح.
стр. 1215
وإنما قالت الخنساء هذا الشعر في معاوية أخيها قبل أن يصاب صخر أخوها، فلما أصيب صخر نسيت به من كان قبله.
وكان معاوية فارساً شجاعاً، فأغار في جمع من بني سليم على غطفان، وكان صميم خليهم فنذر به١ القوم فاحتربوا، فلم يزل يطعن فيهم ويضرب، فلما رأوا ذلك تهيأ له ابنا حرملة: دريد، وهاشم، فاستطرد له أحدهما، فحمل عليه معاوية فطعنه، وخرج عليه الآخر وهو لا يشعر فقتله، فتنادى القوم: قتل معاوية! فقال خفاف بن ندبة: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به! فحمل على مالك بن حمار، وهو سيد بني شمخ بن فزارة، فطعنه فقتله، وقال:
فإن تك خليلي قد أصيب صميمها ... فعمداً على عيني تيممت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي ... لأبني مجداً أو لأثأر هالكا٢
أقول له والرمح يأطر متنه٣ ... تأمل خفافاً إنني أنا ذلكا
فلما دخلت الأشهر الحرم ورد عليهم صخر، فقال: أيكم قاتل أخي? فقال أحد ابني حرملة للآخر: خبره. فقال: استطردت له فطعنني هذه الطعنة، وحمل عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فهو ثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه السمى? قالوا: ها هي تلك فخذها، فانصرف بها، فقيل لصخر: ألا تهجوهم? قال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، ولو لم أمسك عن سبهم إلا صيانة للساني عن الخنا لفعلت، ثم خاف أن يظن به عي فقال:
وعاذلة هبت بليل تلومني ... ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي إذ أهجوهم ثم ماليا!
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحية ... فحياك رب الناس عني معاويا٤
стр. 1216
وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت، ولم أبخل عليه بماليا
قال أبو عبيدة: فلما أصاب دريداً زاد فيها:
وذي رحم قطعت أرحام بينهم ... كما تركوني واحداً لا أخا ليا١
[قال أبو الحسن الأخفش: وزادني الأحول بعد قوله: معاويا:
لنعم الفتى أدنى ابن صرمة بزه ... إذا راح فحل الشول أجدب عاريا] ٢
قال أبو العباس: فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم ليغير عليهم، فنظرت غطفان إلى خليه بموضعها، فقال بعضهم لبعض: هذا صخر بن الشريد على فرسه السمى، فقيل: كلا! السمى غراء٣، وهذه بهيمة٣، وكان قد حمم غرتهم، فأصاب فيهم، وقتل دريد بن حرملة. وأما هاشم، فإن قيس بن الأسوار الجشمي - من بني جشم بن بكر بن هوازن بن خصفة بن منصور، والخنساء من بني سليم بن منصور - لقيهم منصرفين؛ كل واحد منهم من وجهه، فرآه، وقد انفرد لحاجته، فقال: لا أطلب بمعاوية بعد اليوم، فأرسل عليه سهماً ففلق قحقحه٤ فقتله، فقالت الخنساء:
فدى للفارس الجشمي نفسي ... وأفديه بمن لي من حميم
فداك الحي حي بني سليم ... بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشم أقررت عيني ... وكانت لا تنام ولا تنيم٥
стр. 1217
فأما صخر فسندرك مقتله مع انقضاء ما نذكر من مراثي الخنساء إياه، قالت الخنساء:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... لقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أق من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا!
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وقالت أيضاً:
تعرفني الدهر نهساً وحزا ... وأوجعني الدهر قرعاً وغمزا١
وأفنى رجالي فبادوا معاً ... فأصبح قلبي بهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وكانوا سراة بني مالك ... فخر العشيرة مجداً وعزا٢
وهم في القديم سراة الأديم ... والكائنون من الخوف حرزا٣
وهم منعوا جارهم والنسـ ... ـاء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
عداة لقوهم بملومة ... رداح تغادر للأرض ركزا٤
وخيل تكدس بالدارعين ... تحت العجاجة يجمزن جمزا٥
ببيض الصفاح وسمر الرماح ... فبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا٦
стр. 1218
جزرنا نواصي فرسانهم ... وكانوا يظنون ألا تجزا
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بألا يصاب فقد ظن عجزا
نعف ونعرف حق القرى ... ونتخذ الحمد ذخراً وكنزا
ونلبس طوراً ثياب الوغى ... وطوراً بياضاً وعصباً وخزا١
وكان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشريد، أنه جمع جمعاً وأغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به فالتقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فارفض أصحاب صخر عنه. وطعن طعنة٢ في جنبه استقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها، فنتأ من الجرح كمثل اليد فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلاً يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم? فقالت: لا ميت فينعى، ولا صحيح فيرجى! فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرق أمه عليه، فقال:
أرى أم صخر ما تجف دموعها ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنارة ... عليك، ومن يغتر بالحدثان!
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أنبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقي وهوان
ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فبكاها فقال:
أيا جارتا إن الخطوب قريب ... من الناس، كل المخطئين تصيب
أيا جارتا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب
كأني وقد أدنوا إلي شفارهم ... من الأدم مصقول السراة نكيب
стр. 1219
مرثية ابن مناذر لعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي
قال أبو العباس: ومن حلو المراثي وحسن التأبين شعر ابن مناذر، فإنه كان رجلاً عالماً مقدماً وشاعراً مفلقاً، وخطيباً مصقعاً، وفي دهر قريب، فله في شعره شدة كلام العرب بروايته وأدبه، وحلاوة كلام المحدثين بعصره ومشاهدته ولا يزال، وقد رمى في شعره بالمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المتسق النبيل، وقصيدته لها امتداد وطول، وإنما نملي ما اخترنا من نحو ما وصفنا.
قال يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي - وكان به صباً، واعتبط عبد المجيد لعشرين سنة من غير ما علة، وكان من أجمل الفتيان وآدبهم وأظرفهم، فذلك حيث يقول ابن مُناذر:
حين تمت آدابه وتردى ... برداء من الشباب جديد
وسقاه ماء الشبيبة فاهتز ... اهتزاز الغصن الندي الأملود
وسمت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد
وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد
فلئن صار لا يجيب لقد كان ... سميعاً هشا إذا هو نودي
يا فتى كان للمقامات زيناً ... لا أراه في المحفل المشهود
لهف نفسي أما أراك، وما عن ... دك لي إن دعوت من مردود!
كان عبد المجيد سم الأعادي ... ملء عين الصديق رغم الحسود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كان ... رجاء لريب دهر كنود١
خنتك الود لم أمت كمداً بعدك ... إتي عليك حق جليد٢
لو فدى الحي ميتاً لفدت نفسك ... نفسي بطارفي وتليدي
ولئن كنت لم أمت من جوى الحز ... ن عليه لأبلغن مجهودي
стр. 1220
لأقيمن مأتماً كنجوم اللي ... ل زهراً يلطمن حر الخدود
موجعات يبكين للكبد الحرى ... عليه وللفؤاد السعيد
ولعين مطروفة أبداً قا ... ل لها الدهر: لا تقري وجودي
كلما عزك البكاء فأنفذ ... ت لعبد المجيد سجلا فعودي
لفتى يحسن البكاء عليه ... وفتى كان لامتداح القصيد
وأول هذا الشعر:
كل حي لاقي الحمام فمودي ... ما لحي مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا ترعي ... على والد ولا مولود
يقدح الدهر في شماريخ رضوى ... ويحط الصخور من هبود١
ولقد تترك الحوادث والأيام ... وهياً في الصخرة الصيخود٢
وفي هذا الشعر مما استحسنته:
أين رب الحصن الحصين بسوراء ... ورب القصر المنيف المشيد٣
شاد أركانه وبوبه بابي ... حديد وحفه بجنود
كان يجبى إليه ما بين صنعا ... ء فمصر إلى قرى بيرود٤
وترى خلفه زرافات خيل ... جافلات تعدو بمثل الأسود
فرمى شخصه فأقصده الدهر ... ر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصن ... دونه خندق وبابا حديد
стр. 1221
وملوك من قبله عمروا الأر ... ض أعينوا بالنصر والتأييد
فلو أن الأيام أخلدن حياً ... لعلاء أخلدن عبد المجيد
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود!
ويح أيد حثت عليه وأيد ... دفنته، ما غيبت في الصعيد!
إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركناً ما كان بالمهدود
[وأرانا كالزرع يحصده الده ... ر فمن بين قائم وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبو ... ن سراعاً لمنهل مورود] ١
هد ركني عبد المجيد وقد كن ... ت بركن أنوء منه شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي ... عثرت بي بعد انتعاش جدودي٢
وبعبد المجيد شلت يدي اليم ... نى وشلت به يمين الجود
وفي هذا الشعر:
فبرغمي كنت المقدم قبلي ... وبكرهي دليت في الملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء ... بك تحيا أرضي ويخضر عودي
стр. 1222
مرثية أعشى باهلة للمنتشر بن وهب
قال أبو العباس: وكانت العرب تقدم مراثي وتفضلها، وترى قائلها بها فوق كل مؤبن، وكأنهم يرون ما بعدها من المراثي منها أخذت، وفي كنفها تصلح. فمنها قصيدة أعشى باهلة، ويكنى أبا قحافة، التي يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي، وكان أحد رجليي العرب١. [قال الأخفش: هو منسوب إلى الرجل] ، وهم السعاة السابقون في سعيهم.
وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثي، فقال: افتد٢ نفسك. فأبى، فقال: لأقطعنك أنملة أنملة، وعضواً عضواً ما لم تفتد نفسك؛ فجعل يفعل
стр. 1223
ذلك به حتى قتله، ثم حج من بعد ذلك المنتشر ذا الخلصة - وهو بيت كانت خثعم تحجه، زعم أبو عبيدة أنه بالعبلات، وأنه مسجد جامعها، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين؛ فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة. ففعلوا ذلك به، فلقي راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائبة خبر? قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر، وكانت بنو الحارث تسمي المنتشر مجدعا، فلما صار في أيديهم قالوا: لنقطعنك كما فعلت بصلاءة، فقال أعشى باهلة يرثي المنتشر:
إني أتتني لسان لا أسر بها ... من عل لا عجب منها ولا سخر
فبت مرتفقاً للنجم أرقبه ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر!
فجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر
يأتي على الناس لا يلوي على أحد ... حتى التقينا وكانت دوننا مضر
ينعى امرأ لا تغب الحي جفنته ... إذا الكواكب أخطا نوءها المطر
من ليس في خيره شر يكدره ... على الصديق ولا في صفوة كدر
طاوي المصير على العزاء منصلت ... بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
لا تنكر البازل الكوماء ضربته ... بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر
وتفزع الشؤل منه حين تبصره ... حتى تقطع في أعناقها الجرر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه ... وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها ... من الشواء ويكفي شربة الغمر
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ... ولا يعض على شرسوفه الصفر
مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عنه القميص، لسير الليل محتقر
عشنا بذلك دهراً ثم فارقنا ... كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
[فإن جزعنا فقد هدت مصيبتنا ... وإن صبرنا فإنا معشر صبر
إني أشد حزيمي ثم يدركني ... منك البلاء ومن آلائك الذكر]
стр. 1224
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كل أوب وإن لم يأت ينتظر
إما يصبك عدو في مباوأة ... يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصر
لو لم تخنه نفيل وهي خائنة ... ألم بالقوم ورد منه أو صدر
وراد حزب شهاب يستضاء به ... كما يضيء سواد الطخية القمر
إما سلكت سبيلاً كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
من ليس فيه إذا قاولته رهق ... وليس فيه إذا عاسرته عسر
قوله: إني أتتني لسان يقال: هو اللسان وهي اللسان. فمن ذكر فجمعه ألسنة، ونظيره حمار وأحمرة، وفراش وأفرشة، وإزار وآزرة؛ ومن أنث قال: لسان وألسن، كما تقول: ذراع وأذرع، وكراع وأكرع؛ لا تبالي أمضموم الأول كان أو مفتوحاً أو مكسوراً إذا كان مؤنثاً، ألا ترى أنك تقول: شمال وأشمل١ قال أبو النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل
وقال آخر، أنشدنيه المازني:
فظلت تكوس على أكرع ... ثلاث وكان لها أربع٢
وأراد باللسان ها هنا الرسالة:
وقوله: من عل يقول: من فوق. فإذا كان معرفة مفرداً بني على الضم. كقبل وبعد. وإذا جعلته نكرة نونته وصرفته، كما قال جرير:
إني انصببت من السماء عليكم ... حتى اختطفتك يا فرزدق من عل
والقوافي مجرورة. وإن شئت رددت ما ذهب منه. وهي ألف منقلبة منن واو، لأن بناءه فعل من علا يا فتى، قال الراجز:
стр. 1225
وهي تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا١
وقوله: فبت مرتفقاً وهو المتكئ على مرفقه، وإنما أراد السهر، كما قال أبو ذؤيب:
إني أرقت فبت الليل مرتفقاً ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح٢
وقوله: جاشت النفس يقول: خبثت، يكون ذلك من تذكرها للتهوع٣ ومن جزعها منه.
ويورى عن معاوية أنه قال: اجعلوا الشعر أكثر همكم وأكثر آدابكم؛ فإن فيه مآثر أسلافكم ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار، فما يردني إلا قول ابن الإطنابة الأنصاري:
أبت لي عفتي وأبي بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح٤
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي٥
стр. 1226
يقال: جشأت مهموز، وجاشت غير مهموز وتثليث موضع بعينه١
وقوله: لا يلوي على أحد يقال: استقام فلان فما لوى على أحد، ويقال: ألوى بالشيء إذا ذهب به.
وقوله:
إذا الكواكب أخطا نوءها المطر
فالنوء عندهم طلوع نجم وسقوط آخر، وليس كل الكواكب لها نوء، وإنما كانوا يتقولون هذا في أشياء بعينها؛ ويورى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا" يعني أمر الأنواء، لم يختلف في ذلك المفسرون، وعنه ﵇ في غب سماء: "أتدرون ما قال ربكم ﵎? قال: اصبح عبادي مؤمناً بي وكافراً بالكواكب، وكافراً بي ومؤمناً بالكواكب وأما المؤمن بي الكافر بالكواكب فهو الذي يقول: مطرنا بنوء الرحمة، والمؤمن بالكواكب الكافر بي الذي يقول: مطرنا بنوء كذا".
والنوء، مهموز، وهو من قولك: ناء بجمله، أي استقل به في ثقل، فالنوء مهموز، وهو في الحقيقة الطالع من الكواكب لا الغائر، وكان الأصمعي لا يفسر من الشعر ما فيه ذكر الأنواء، بل كان لا يسمع ما كان فيه هجاء أو كان فيه ذكر النجوم، ولا يفسر ما وافق تفسيره بعض ما في القرآن إلا ساهياً. فيما يذكر أصحابه عنه. ويروى أنه سئل عن غير شيء من ذلك فأباه وزجر السائل.
وقوله: طاوي المصير يقال لواحد المصران مصير. وتقديره: قضيب وقضبان، وكثيب وكثبان.
والعزاء: الأمر الشديد، يقال: فلان صابر على العزاء. وكذلك اللأواء، وكذلك الجلى مقصور. فأما العزاء واللأواء فممدودان.
وقوله: منصلت، يقال: سيف منصلت، وصلت: إذا جرد من غمده.
стр. 1227
وقوله: ليلة لا ماء ولا شجر يريد: القفر، ووقت الصعوبة.
وقوله: لا تنكر البازل الكوماء ضربته بالمشرفي.
يقول: قد عود الإبل أن ينحرها، ومن شأنهم أن يعرقبوها قبل النحر. والمشرفي: السيف. وهو منسوب إلى المشارف١
وقوله: اجلوذ، امتد، وأنشدني الزيادي لرجل من أهل الحجاز، أحسبه ابن أبي ربيعة:
ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت منه الأذى
ويا حبذا برد أنيابه ... إذا أظلم الليل واجلوذا
وقوله:
حتى تقطع في أعناقها الجرر٢
يقول: حتى اعتادت أن ينحرها، فهي تفزع منه حتى تقطع حرتها، ومثل هذا قول الخنوت:٣
سأبكي خليلي عنتراً بعد هجعة ... وسيفي مرداساً قتيل قنان٤
قتيلان لا تبكي اللقاح عليهما ... إذا شبعت من قرمل وأفان
يقول: كانا ينحران الإبل، فهي لا تجزع لفقدهما، وقرمل وأفان: ضربان من النبت. وشبيه بهذا قوله حيث يقول:
فلو كان سيفي باليمين تباشرت ... ضباب الملا من جمعهم بقتيل
стр. 1228
يقول: هؤلاء قوم كانوا يحترشون الضباب، فكلما قتل منهم واحد سرت بذلك الضباب واستبشرت.
وقوله:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه
يقول: لا يتحبس له، ومن ذا سمي الآري١؛ لأنه محبس الدابة.
وقوله:
ولا تراه أمام القوم يقتفر
يقول: لا يسبقهم إلى شيء من الزاد.
وقوله:
ولا يعض على شرسوفه الصفر
الشراسيف: أطراف الضلوع، ولاصفر: ها هنا: حية البطن، وله مواضع. وقوله: مهفهف يعني ضامراً، وأهضم الكشحين توكيد له.
وقوله:
إما يصبك عدو في مباوأة
يقول: في وتر، يقال: باء فلان بكذا، كما قال مهلهل: بؤ بشسع كليب. أي هو ثأر بالشسع.
والطُّخيةُ، والطَّخيةُ، والطِّخية، ثلاث لغات: شدة الظلمة، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثي، ففي ذلك يقول:
أصبت في حرم منا أخا ثقة ... هند بن أسماء لا يهنئ لك الظفر
يقال: هنأ له، كما تقول هنياً له، قال الأخطل:
стр. 1229
إلى إمام تغادينا فواضله ... أظفره الله فليهنئ له الظفر
وقوله:
وليس فيه إذا غامرته عسر
مدح شريف، مثل قولهم: "إذا عز أخوك فهن"؛ وإنما هذا فيمن لا يخاف استذلاله، بأن يخرج صاحبه عند مساهلته إلى باب الذل، فأما من كان كذلك فمعاسرته أحمد. ومدافعته أمدح، كما قال جرير:
بشر أبو مروان إن عاسرته ... عسر، وعند يساره ميسور
стр. 1230
مراثي متمم بن النويرة في أخيه مالك
قال أبو العباس: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، وسنذكر منها أبياتاً نختارها، من ذلك قوله:
أقول وقد طتار السنا في ربابه ... وغيث يسح الماء حتى تريعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وأثر سيل الواديين بديمة ... ترشح وسمياً من النبت خروعا
تحيته مني وإن كان نائياً ... وأضحى تراباً فوقه الأرض ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجع مني يوم فارقت مالكاً ... ونادى به الناعي الرفيع فأسمعا
وفيها:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا