يقال: جشأت مهموز، وجاشت غير مهموز وتثليث موضع بعينه١
وقوله: لا يلوي على أحد يقال: استقام فلان فما لوى على أحد، ويقال: ألوى بالشيء إذا ذهب به.
وقوله:
إذا الكواكب أخطا نوءها المطر
فالنوء عندهم طلوع نجم وسقوط آخر، وليس كل الكواكب لها نوء، وإنما كانوا يتقولون هذا في أشياء بعينها؛ ويورى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا" يعني أمر الأنواء، لم يختلف في ذلك المفسرون، وعنه ﵇ في غب سماء: "أتدرون ما قال ربكم ﵎? قال: اصبح عبادي مؤمناً بي وكافراً بالكواكب، وكافراً بي ومؤمناً بالكواكب وأما المؤمن بي الكافر بالكواكب فهو الذي يقول: مطرنا بنوء الرحمة، والمؤمن بالكواكب الكافر بي الذي يقول: مطرنا بنوء كذا".
والنوء، مهموز، وهو من قولك: ناء بجمله، أي استقل به في ثقل، فالنوء مهموز، وهو في الحقيقة الطالع من الكواكب لا الغائر، وكان الأصمعي لا يفسر من الشعر ما فيه ذكر الأنواء، بل كان لا يسمع ما كان فيه هجاء أو كان فيه ذكر النجوم، ولا يفسر ما وافق تفسيره بعض ما في القرآن إلا ساهياً. فيما يذكر أصحابه عنه. ويروى أنه سئل عن غير شيء من ذلك فأباه وزجر السائل.
وقوله: طاوي المصير يقال لواحد المصران مصير. وتقديره: قضيب وقضبان، وكثيب وكثبان.
والعزاء: الأمر الشديد، يقال: فلان صابر على العزاء. وكذلك اللأواء، وكذلك الجلى مقصور. فأما العزاء واللأواء فممدودان.
وقوله: منصلت، يقال: سيف منصلت، وصلت: إذا جرد من غمده.
стр. 1227
وقوله: ليلة لا ماء ولا شجر يريد: القفر، ووقت الصعوبة.
وقوله: لا تنكر البازل الكوماء ضربته بالمشرفي.
يقول: قد عود الإبل أن ينحرها، ومن شأنهم أن يعرقبوها قبل النحر. والمشرفي: السيف. وهو منسوب إلى المشارف١
وقوله: اجلوذ، امتد، وأنشدني الزيادي لرجل من أهل الحجاز، أحسبه ابن أبي ربيعة:
ألا حبذا حبذا حبذا ... حبيب تحملت منه الأذى
ويا حبذا برد أنيابه ... إذا أظلم الليل واجلوذا
وقوله:
حتى تقطع في أعناقها الجرر٢
يقول: حتى اعتادت أن ينحرها، فهي تفزع منه حتى تقطع حرتها، ومثل هذا قول الخنوت:٣
سأبكي خليلي عنتراً بعد هجعة ... وسيفي مرداساً قتيل قنان٤
قتيلان لا تبكي اللقاح عليهما ... إذا شبعت من قرمل وأفان
يقول: كانا ينحران الإبل، فهي لا تجزع لفقدهما، وقرمل وأفان: ضربان من النبت. وشبيه بهذا قوله حيث يقول:
فلو كان سيفي باليمين تباشرت ... ضباب الملا من جمعهم بقتيل
стр. 1228
يقول: هؤلاء قوم كانوا يحترشون الضباب، فكلما قتل منهم واحد سرت بذلك الضباب واستبشرت.
وقوله:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه
يقول: لا يتحبس له، ومن ذا سمي الآري١؛ لأنه محبس الدابة.
وقوله:
ولا تراه أمام القوم يقتفر
يقول: لا يسبقهم إلى شيء من الزاد.
وقوله:
ولا يعض على شرسوفه الصفر
الشراسيف: أطراف الضلوع، ولاصفر: ها هنا: حية البطن، وله مواضع. وقوله: مهفهف يعني ضامراً، وأهضم الكشحين توكيد له.
وقوله:
إما يصبك عدو في مباوأة
يقول: في وتر، يقال: باء فلان بكذا، كما قال مهلهل: بؤ بشسع كليب. أي هو ثأر بالشسع.
والطُّخيةُ، والطَّخيةُ، والطِّخية، ثلاث لغات: شدة الظلمة، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثي، ففي ذلك يقول:
أصبت في حرم منا أخا ثقة ... هند بن أسماء لا يهنئ لك الظفر
يقال: هنأ له، كما تقول هنياً له، قال الأخطل:
стр. 1229
إلى إمام تغادينا فواضله ... أظفره الله فليهنئ له الظفر
وقوله:
وليس فيه إذا غامرته عسر
مدح شريف، مثل قولهم: "إذا عز أخوك فهن"؛ وإنما هذا فيمن لا يخاف استذلاله، بأن يخرج صاحبه عند مساهلته إلى باب الذل، فأما من كان كذلك فمعاسرته أحمد. ومدافعته أمدح، كما قال جرير:
بشر أبو مروان إن عاسرته ... عسر، وعند يساره ميسور
стр. 1230
مراثي متمم بن النويرة في أخيه مالك
قال أبو العباس: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، وسنذكر منها أبياتاً نختارها، من ذلك قوله:
أقول وقد طتار السنا في ربابه ... وغيث يسح الماء حتى تريعا
سقى الله أرضاً حلها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وأثر سيل الواديين بديمة ... ترشح وسمياً من النبت خروعا
تحيته مني وإن كان نائياً ... وأضحى تراباً فوقه الأرض ومصرعا
يذكرن ذا البث الحزين ببثه ... إذا حنت الأولى سجعن لها معا
بأوجع مني يوم فارقت مالكاً ... ونادى به الناعي الرفيع فأسمعا
وفيها:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
стр. 1231
فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محموداً أخي يوم ودعا
قتول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك حديثاً ناعم البال أفرعا
فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا
وفقد بني أم تفانوا فلم أكن ... خلافهم أن أستكين وأضرعا
ولست إذا ما الدهر أحدث نكبة ... ورزاء بزوار القرائب أخضعا
ولا فرح إن كنت يوماً بغبطة ... ولا جزع إن ناب دهر فأوجعا
ولكنني أمضي على ذاك مقدماً ... إذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا
فعمرك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا
وقصرك إني قد شهدت فلم أجد ... بكفي عنه للمنية مدفعا
فلو أن ما ألقى أصاب متالعاً ... أو الركن من سلمى إذاً لتضعضا
وفي هذه القصيدة:
لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
ولا برم تهدي النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
لبيباً أعان اللب منه سماحة ... خصيباً إذا ما زائد الجدب أوضعا
تراه كنصل السيف يهتز للندى ... إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
إذا ابتدر القوم القداح وأوقدت ... لهم نار أيسار كفي من تضجعا
بمثنى الأيادي ثم لم تلف مالكاً ... على الفرث يحمي اللحم أن يتمزعا
قوله: وقد طار السنا في ربابه، السنا: الضوء، وهو مقصور، قال جل وعز: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ ١ والسناء، من الحسب ممدود. والرباب: سحاب دون السحاب كالمتعلق بما فوق. قال المازني:
стр. 1232
كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل١
وقوله: يسح معناه يصب، فإذا قلت: يسحو، أو يسحى، فمعناه يقشر، ومن ذا سميت سحاءة القرطاس وسحابته، ومنه قيل للحديدة التي يقشر بها وجه الأرض مسحاة، قال عنترة:
سحاً وساحية فكل قرارة ... يجري عليها الماء لم يتصرم٢
وقوله: تريع أي كثر حتى جاء وذهب، يقال: راع يريع إذا رجع، ومنه سمي ريع الطعام؛ لأنه يرجع بفضل. قال مزرد:
خلطت بصاعي عجوة صاع حنطة ... إلى صاع سمن فوقه يتريع
والذهاب: الأمطار اللينة. والمدجنات من السحاب: السود، وهو مأخوذ من الدجن والدجنة. ومعناه إلباس الغيم وظلمته، قال طرفة:
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف الممدد٣
ويقال: أمرع الوادي، إذا أخصب، من ذلك قول مولاة بن الأجيد عن أوفى بن دلهم. قال أبو العباس: حدثني به ابن المهدي أحمد بن محمد النجوي، يحدث به عن الأصمعي عن أبيه، عن مولاة بن الأجيد عن أوفى، قال: في النساء أربع، فمنهن الصدع٤، تفرق ولا تجمع، ومنهن من لها شيئها أجمع، ومنهن عيث وقع في بلد فأمرع، ومنهن التبع٥، ترى ولا تسمع. قال: فذكرت ذلك لرجل فقال: ومنهن القرثع، قلت: وما هي? قال: التي تكحل عيناً وتدع الأخرى، وتلبس ثوبها مقلوباً.
стр. 1233
[قال الأخفش: حدثني بذلك أبو العيناء عن الأصمعي، وذكر نحو ذلك]
وقوله:
وأثر سيل الواديين بديمة
زعم الأمعي وغيره من أهل العمل أن الديمة المطر الدائم أياماً برفق.
وقوله: ترشح وسمياً أي تهيئه لذلك، يقال: فلان يرشح للخلافة، والوسمي: أول مطر يسم الأرض، والولي: كل مطرة بعد مطرة، فالثانية ولي للأخرى؛ لأنها تليها.
والخروع: كل عود ضعيف.
وقوله:
فما وجد أظآر ثلاث روائم
أظآر: جمع ظئر، وهي النوق تعطف على الحوار فتألفه. وروائم، واحدتها رؤوم، ومعنى ترأمه: تشمه.
والحوار: ولد الناقة، ويقال له حيث يسقط من أمه سليل، قبل أن تقع عليه الأسماء، فإن كان ذكراً فهو سقب، وإن كانت أنثى فهي حائل، وهو في ذلك كله حوار سنة.
وقوله: ندماني جذيمة يعني جذيمة الأبرش الأزدي، وكان ملكاً، وهو الذي قتلته الزباء، وهو أول من أوقد بالشمع ونصب المجانيق للحرب، وله قصص تطول، وقد شرحنا ذلك في كتاب الاختيار. ونديماه يقال لهما مالك وعقيل، ففي ذلك يقول أبو خراش الهذلي:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل
والمثل يضرب بهما لطول ما نادماه، كما يضرب باجتماع الفرقدين، قال عمرو بن معدي كرب:
стр. 1234
وكل أخ مفتارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال هذا من قبل أن يسلم. وقال إسماعيل بن القاسم:
ولم أر ما يدوم له اجتماع ... سيفترق اجتماع الفرقدين
وقوله:
أراك حديثاً ناعم البال أفرعا
الأفرع: التام شعر الرأس وقيل لعمر بن الخطاب ﵁: الفرعان خير أم الصلعان? فقال: بل الفرعان، وكان أبو بكر أفرع، وكان عمر أصلع، فوقع في نفسه أنه يسأل عنه وعن أبي بكر. والأسفع: الأسود، يقال: سفعته النار، أي غيرت وجهه إلى السواد.
وقوله: فعمرك يقسم عليها، ويقال: عمرك الله أي أذكرك الله؛ قال:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم!
وقوله: غير مبطان العشيات، يقول: كان لا يأكل في آخر نهاره انتظاراً للضيف. ويروى أن عمر بن الخطاب سأله فقال: أكذبت في شيء مما قلته في أخيك? فقال: نعم، في قولي: غير مبطان، وكان ذا بطن، ويقال في غير هذا الحديث: إن من سيما الرئيس السيد أن يكون عظيم البطن ضخم الرأس، فيه طرش.
وقال رجل لفتى: والله ما أنت بعظيم الرأس فتكون سيداً، ولا بأرسح١ فتكون فارساً.
وقال رجل لرجل: والله ما فتقت فتق٢ السادة، ولا مطلت٣ مطل الفرسان. والأروع: ذو الروعة والهيئة.
стр. 1235
والبرم: الذي لا ينزل مع الناس ولا يأخذ في الميسر؛ ولا ينزع إلا نكداً، قال النابغة:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأسمط البرما١
وقوله: إذا القشع وهو الجلد اليابس، ويقال لكناسة الحمام القشع، قال أبو هريرة: وكذبت حتى رميت بالقشع.
وحدثني العباس بن الفرج الرياشي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، في إسناد ذكره، قال: صلى متمم مع أبي بكر الصديق الفجر في عقب قتل أخيه؛ وكان أخوه خرج مع خالد مرجعه من اليمامة، يظهر الإسلام، فظن به خالد غير ذلك، فأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله، وكتان مالك من أرداف الملوك، ومن متقدمي فرسان بني يربوع، قال: فلما صلى أبو بكر قام متمم بحذائه، واتكأ على سية٢ قوسه، ثم قال:
نعم القتيل إذا الريح تناوحت ... خلف البيوت، قتلت يا بن الأزور
ولنعم حشو الدرع كنت وخاسراً ... ولنعم مأوى الطارق المتنور
أدعوته بالله ثم غررته ... لو هو دعاك بذمة لم يغدر
وأومأ إلى أبي بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غررته، ثم أتم شعره، فقال:
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر
ثم بكى وانحط على سية قوسه - وكان أعور دميماً - فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: لوددت أني رثيت أخي زيداً بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك! فقال يا أبا حفص! والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك. وكان
стр. 1236
زيد بن الخطاب قتل شهيداً يوم اليمامة، وكان عمر بثول: إني لأهش للصبا؛ لأنها تأتينا من ناحية زيد. ويروى عن عمر أنه قال: لو كنت أقول الشعر كما تقول؛ لرثيت أخي كما رثيت أخاك. ويروى أن متمماً رثى زيداً فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيداً كما رثيت أخاك مالكاً! فقال: لأنه والله يحركني لمالك ما لا يحركني لزيد.
ومن طريف شعره:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع والموت يذهب بالفتى١
لئن مالك خلى علي مكانه ... لفي إسوة إن كنت باغية الأسا٢
كهول ومرد من بني عم مالك ... وأيفاع صدق قد تمليتهم رضا
سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعوا ... كدأب ثمود إذ رغا سقيهم ضحى٣
إذا القوم قالوا: من فتى لملمة ... فما كلهم يدعى، ولكنه الفتى
ومثل هذا الشعر قول النهشلي:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس? خالهم إياه يعنونا
وأول هذا المعنى لطرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وقال متمم أيضاً في كلمة له يرثي بها مالكاً:
جميل المحيا ضاحك عند ضيفه ... أغر جميع الرأي مشترك الرجل
стр. 1237
وقوراً إذا القوم الكرام تقاولوا ... فحلت حباهم واستطيروا من الجهل١
وكنت إلى نفسي أشد حلاوة ... من الماء بالماذي من عسل النحل٢
وكل فتى في الناس بعد ابن أمه ... كساقطة إحدى يديه من الخبل
وبعض الرجال نخلة لا جنى لها ... ولا ظل إلا أن تعد من النخل
وقال له عمر بن الخطاب: إنك لجزل؛ فأين كان أخوك منك? فقال: كان والله في الليلة المظلمة ذات الأزير والصراد٣، يركب الجمل الثفال، ويجنب٤ الفرس الجرور، وفي يده الرمح الثقيل، وعليه الشملة الفلوت، وهو بين المزادتين حتى يصبح، فيصبح أهله متبسماً.
الجمل الثفال: البطيء الذي لا يكاد ينبعث.
والفرس الجرور: الذي لا يكاد ينقاد مع من يجنبه، إنما يجر الحبل، والشملة الفلوت: التي لا تكاد تثبت على لابسها.
وذكر لنا أن مالكاً كان من أرداف الملوك، وفي تصداق ذلك يقول جرير يفخر ببني يربوع:
منهم عتيبة والمحل وقعنب ... والحنتفان ومنهم الردفان٥
فأحد الردفين مالك بن نويرة اليربوعي، والردف الآخر من بني رياح بن يربوع. وللردافة موضعان: أحدهما أن يردفه الملك على دابته في صيد أو تريف أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس، والوجه الآخر أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده.
стр. 1238
باب من أخبار من جزعوا عند الموت
مدخل
...
باب من أخبار من جزعوا عند الموت
قال أبو العباس: لما احتضر إبراهيم النخعي ﵀، جزع جزعاً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم من هذا! إنما أتوقع رسولاً يرد على من ربي، إما بالجنة وإما بالنار.
ولما احتضر بان سيرين، جعل يقول: نفسي واله أعز الأنفس علي.
ولما احتضر حجر بن عدي ليقتل، سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، وظهر منه جزع شديد،، فقال له قائل: أتجزع! فقال: وكيف لا أجزع! سيف مشهور، وكفن منشور، وقبر محفور، ولست أدري أيؤديني إلى جنة، أم إلى نار.
[قال أبو الحسن: ما يقوم بقتل حجر بن عدي شيء! وإني لأعجب من قوله هذا: ولست أدري أيدنيني إلى جنة أو إلى نار، وهو شهيد الشهداء، ﵀!] .
وقد ذكرنا موت عمرو بن العاص وكلامه عند الموت.
стр. 1239
ممن ظهرت عليهم القسوة عند الموت
ومن ظهرت منه عند الموت قسوة حلحلة الفزاري، وسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن الفزاري، فإن عبد الملك لما أحضرهما ليقيد منهما قال لحلحة: صبراً حلحل! فقال إي والله:
أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك١
ثم قال لابن الأسود الكلبي: أجد الضربة، فإني والله ضربت أباك ضربة
стр. 1240
أسلحته، فعددت النجوم في سلحته. ثم قال عبد الملك لسعيد بن أبان: صبراً سعيد! فقال: إي والله!.
أصبر من عود بجنبيه الجلب ... قد أثر البطان فيه والحقب١
ومنهم وكيع بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، فإنه لما يئس منه خرج الطبيب من عنده، فقال له محمد ابنه: ما تقول? فقال: لا يصلي الظهر، وكان محمد ناسكاً، فدخل إلى أبيه، فقال له أبوه وكيع: ما قال لك المعلوج? قال: وعد أنك تبرأ، قال: أسألك بحقي عليك! قال: ذكر أنك لا تصلي الظهر، قال: ويلي على ابن الخبيثة! والله لو كانت في شدقي للكتها إلى العصر.
ويروى أن إبراهيم النخعي قال في الحديث الذي ذكرناه: والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة. وفي وكيع بن أبي سود يقول الفرزدق:
لقد رزئت بأساً وحزماً وسودداً ... تميم بن مر يوم مات وكيع
وما كان وقافاً وكيع إذا دنت ... سحائب موت وبلهن نجيع
إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئاً وأعناق الكماة خضوع
فصبراً تميم إنما الموت منهل ... يصير إليه صابر وجزوع
وقال أيضاً:
لتبك وكيعاً خيل ليل مغيرة ... تساقي المنايا بالردينية السمر٢
стр. 1241
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعاً والجياد بهم تجري١
ومن الجفاة عند الموت هدبة نب خشرم العذري، وكان قتل زيادة بن زيد العذري، فلما حمل إلى معاوية، تقدم معه عبد الرحمن أخو زيادة بن زيد، فادعى عليه، فقال له معاوية: ما تقول? قال: أتحب أن يكون الجواب شعراً أم نثراً? قال: بل شعراً فإنه أمتع، فقال هدبة:
فلما رأيت أنما هي ضربة ... من السيف أو إغضاء عين على وتر
عمدت لأمر لا تعير والدي ... خزايته ولا يسب به قبري٢
رمينا فرامينا فصاد سهمنا ... منية نفس في كتاب وفي قدر
وأنت أمير المؤمنين فما لنا ... وراءك من معدى ولا عنك من قصر٣
فإن تك في أموالنا لا نضق بها ... ذراعاً، وإن صبر فنصبر للصبر٤
فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! قال: هو ذاك، فقال عبد الرحمن: أقدني، فكره ذاك معاوية وضن بهدبة عن القتل - وكان ابن زيادة صغيراً - فقال له معاوية: أوما عليك أن تشفي صدرك وتحرم غيرك! ثم وجه به إلى المدينة فقال: يحبس إلى أن يبلغ ابن زيادة، فبلغ.
وكان والي المدينة سعيد بن العاصي، فمما وقف عليه من قسوته قوله:
ولما دخلت السجن يا أم مالك ... ذكرتك والأطراف في حلق سمر
стр. 1242
وعند سعيد غير أن لم أبح به ... ذكرتك إن الأمر يذكر بالأمر
فسئل عن هذا القول، فقال: لما رأيت ثغر سعيد - وكان سعيد حسن الثغر جداً - وذكرت به ثغرها.
ويقال إنه عرض على ابن زيادة عشر ديات فأبى إلا القود، وكان ممن عرض الديات عليه ممن ذكر لنا، الحسين بن علي وعبيد الله بن جعفر، ﵉، وسعيد بن العاصي، ومروان بن الحكم، وسائر القوم من قريش والأنصار، فلما خرج به ليقاد بالحرة جعل ينشد الأشعار، فقالت له حبى المدينية: ما رأيت أقسى قلباً منك! أتنشد الأشعار وأنت يمضى بك لتقتل، وهذه خلفك كأنه ظبي عطشان تولول! تعني امرأته، فوقف ووقف الناس معه، فأقبل على حبى فقال:
ما وجدت وجدي بها أم واحد ... ولا وجد حبي بابن أم كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما انتعتت من قوة وشباب١
فأغلقت حبى الباب في وجهه وسبته.
وعرض له عبد الرحمن بن حسان، فقال: أنشدني، فقال له: أعلى هذه الحال! قال: نعم، فأنشده:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا أتبغى الشر والشر تاركي ... ولكن متى أحمل على الشر أركب
وحربني مولاي حتى غشيته ... متى ما يحربك ابن عمك تحرب٢
فلما قدم نظر إلى امرأته، فدخلته غيرة، وقد كان جدع في حربهم، فقال:
فإن يك أنفي بان منه جماله ... فما حسبي في الصالحين بأجدعا
стр. 1243
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
فقالت: قفوا عنه ساعة، ثم مضت ورجعت وقد اصطلمت أنفها! فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة! فقال: الآن طاب الموت، ثم أقبل على أبويه فقال:
أبلياني اليوم صبراً منكما ... إن حزناً منكما اليوم لشر
ما أظن الموت إلا هيناً ... إن بعد الموت دار المستقر
ثم قال:
أذا العرش إني عائذ بك مؤمن ... مقر بزلاتي إليك فقير
وإني وإن قالوا أمير مسلط ... وحجاب أبواب لهن صرير
لأعلم أن الأمر أمرك إن تدن ... فرب وإن تغفر فأنت غفور
ثم قال لابن زيادة: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيراً، وأرملت أمك شابة.
وبزعم بعض أصحاب الأخبار أنه قال: ما أجزع من الموت، وآية ذلك أني أضرب برجيل اليسرى بعد القتل ثلاثاً؛ وهو باطل موضوع، ولكن سأل فك قيوده، ففكت، فذلك حيث يقول:
فإن تقتلوني في الحديد فإنني ... قتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد
стр. 1244
من أخبار من وقفوا على القبور
قال أبو العباس: ووقف حبار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل، ولم يكن حضره، فقال: أنعم صباحاً أبا علي! فوالله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من النجم، وأجرى من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن تجعلوا قبر أبي علي ميلاً في ميل!
стр. 1245
وذكر الحرمازي أن الأحنف بن قيس لما مات، وكان موته بالكوفة، مشى المصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سيد العرب، فلما دفن قامت امرأة على قبره - أحسبها من بني منقر - فقالت: لله درك من مجن في جنن١، ومدرج في كفن! فنسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الخير دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، وفوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل عطوفاً، ولقد كنت في الحي مسوداً، وإلى الخليفة موفداً، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. قال: فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة أبلغ ولا أصدق معنى منها.
ووقف رجل على قبر النجاشي فترحم وقال: لولا أن القول لا يحيط بما فيك، والوصف يقصر دونك لأطنبت، بل لأسهبت. ثم عقر ناقته على قبره، وقال:
عقرت على قبر النجاشي ناقتي ... بأبيض عضب أخلصته صياقله
على قبر من لو أنني مت قبله ... لهانت عليه عند قبري رواحله
وروى ابن دأب أن حسان بن ثابت الأنصاري اجتاز بقبر ربيعة بن مكدم فأنشد:
لا يبعدن ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب
نفرت قلوصي من حجارة حرة ... نصبت على طلق اليدين وهوب
لا تنفري يا ناق منه فإنه ... شريب خمر مسعر لحروب٢
لولا السفار وطول قفر مهمه ... لتركتها تحبو على العرقوب٣
стр. 1246
نعم الفتى أدى نبيشة رحله ... يوم الكديد نبيشة بن حبيب
وربيعة بن مكدم - رجل من بني كنانة، وكان قتله أهبان بن غادية الخزاعي، وقيس تقول: قتله نبيشة بن حبيب السلمي، وكان أهبان أخا نبيشة لأمه، وكان أتاه زائراً. وأغار ربيعة بن مكدم على بني سليم، فخرج أهبان مع أخيه، فحمل عليه فقتله، وحمل أخو ربيعة على أهبان فقتله، فلأنه في بني سليم، قال حسان:
نفرت قلوصي من حجارة حرة
لأن الحرة هناك لبني سليم، وفي تصداق ما تدعيه خزاعة يقول أهبان:
ولقد طعنت ربيعة بن مكدم ... يوم الكديد فخر غير موسد
في عارض شرق بنات فؤاده ... منه بأحمر كالنقيع المجسد
ولقد وهبت سلاحه وجواده ... لأخي نبيشة قبل لوم الحسد
وقال أخو ربيعة يجيبه:
فات ابن غادية المنية بعد ما ... رفعت أسفل ذيله بالمطرد١
قل لابن غادية المتاح لقتلنا ... ما كان يقتلنا الوحيد المفرد
يريد أن أهبان مفرد من قومه في أخواله.
وقال أيضاً:
فإن تذهب سليم بوتر قومي ... فأسلم من منازلنا قريب
стр. 1247
لليلى الأخيلية ترثي توبة
وقالت ليلى الأخيلية:
آليت أبكي بعد توبة هالكاً ... وأحفل من دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير
стр. 1248
فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاء المنايا دارعاً مثل حاسر
ويورى:
فلا يبعدنك الله يا توب هالكاً ... أخا الحرب إن دارت عليه الدوائر
فكل جديد أو شباب إلى بلى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر
وذكر المدائني أن رجلاً عزى رجلاً أفرط عليه الجزع على ابنه فقال: يا هذا، سررت به وهو حزن وفتنة، وجزعت عليه وهو صلاة ورحمة، فسري عنه. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "تعزوا عن مصائبكم بي". وقال رجل لابن عمر: أعظم الله أجرك، فقال: نسأل الله العافية! معناه: أنه لما قال له: "أعظم الله أجرك"، إنما دعا بأن يكثر ما يؤجر عليه، ودل على أنه من باب المصائب تعزيته إياه.
стр. 1249
وهذا باب طريف من أشعار المحدثين
لمطيع بن إياس في يحيى بن زياد
قال مطيع بن إياس الليثي يرثي يحيى بن زياد الحارثي وكان صديقه، وكانا مرميين جميعاً بالخروج عن الملة:
يا أهل بكوا لقلبي القرح ... ولدموع الهوامل السفح١
راحوا بيحيى إلى مغيبه ... في القبر بين التراب والصفح٢
راحوا بيحيى ولو تطاوعني الأقـ ... دار لم يبتكر ولم يرح
يل خير من يحسن البكاء له الـ ... يوم ومن كان أمس للمدح٣
وفي يحيى يقول مطيع لنبوة كانت بينهما:
كنت ويحيى كيدي واحد ... نرمي جميعاً ونرامي معا
إن سره الدهر فقد سرني ... أو حادث ناب فقد أفظعا
أو نام نامت أعين أربع ... منا، وإن هب فلن أهجعا
حتى إذا ما الشيب في عارضي ... لاح وفي مفرقه أسرعا
سعى وشاة طبن بيننا ... فكاد حبل الوصل أن يقطعا٤
فلم ألم يحيى على حادث ... ولم أقل خان ولا ضيعا
стр. 1250
لأبي عبد الرحمن العتبي يرثي على بن سهل
وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي على بن سهل بن الصباح وكان له صديقاً:
يا خير إخوانه وأعطفهم ... عليهم راضياً وغضبانا
أمسيت حزناً وصار قربك لي ... بعداً وصار اللقاء هجرانا
إنا إلى الله راجعون لقد ... أصبح حزني عليك ألوانا
حزن اشتياق وحزن مرزئة ... إذا انقضى عاد كالذي كانا
قوله: يا خير إخوانه محال وباطل، وذلك أنه لا يضاف أفعل إلى شيء إلا وهو جزء منه. وقال أيضاً:
دعوتك يا أخي فلم تجبني ... فردت دعوتي حزناً عليا
بموتك ماتت اللذات مني ... وكانت حية إذ كنت حيا
فيا أسفي عليك وطول شوقي ... إليك لو أن ذاك يرد شيا
стр. 1251
وقوف رجل على قبر عدوه
وحدثني رجل من أصحابنا، قال: شهدت رجلاً في طريق مكة معتكفاً على قبر، وهو يردد شيئاً ودموعه تكف من لحيته، فدنوت إليه لأسمع ما يقول، فجعلت العبرة تحول بينه وبين الإبانة، فقلت له: يا هذا! فرفع رأسه إلي، وكأنما هب من رقدة، فقال: ما تشاء? فقلت: أعلى ابنك تبكي? قال: لا، قلت: فعلى أبيك? قال: لا، ولا على نسيب ولا صديق، ولكن على من هو أخص منهما، قلت: أو يكون أحد أخص من ذكرت? قال: نعم، من أخبرك عنه، إن هذا المدفون كان عدواً لي من كل باب، يسعى علي في نفسي وفي مالي وفي ولدي فخرج إلى الصيد أيأس ما كنت من عطبه، وأكمل ما كان من صحته، فرمى ظبياً فأقصده١، فذهب ليأخذه، فإذا هو قد أنفذه حتى نجم٢ سهمه من
стр. 1252
صفحة الظبي١، فعثر فتلقى بفؤاده ظبة٢ السهم، فلحقه أولياؤه فانتزعوا السهم وهو والظبي ميتان، فنمى إلي خبره، فأسرعت إلى قبره معتبطاً بفقده، فإني لضاحك السن؛ إذ وقعت عيني على صخرة، فرأيت عليها كتاباً، فهلم فاقرأه، وأومأ إلى الصخرة، فإذا عليها:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا
قلت: أشهد أنك تبكي على من بكاؤك عليه أحق من النسيب.
стр. 1253
مراثي يعقوب بن الربيع في جارية له
ومما استطرفنا من شعر المحدثين قول يعقوب بن الربيع في جارية طالبها سبع سنين، بيذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتى ملكها، فأقامت عنده ستة أشهر ثم ماتت، فقال فيها أشعاراً كثيرة، اخترنا منها بعضها، من ذلك قوله:
لله آنسة فجعت بها ... ما كان أبعدها من الدنس!
أتت البشارة والنعي معاً ... يا قرب مأتمها من العرس!
يا ملك نال الدهر فرصته ... فرمى فؤاداً غير محترس
كم من دموع لا تجف ومن ... نفس عليك طويلة النفس
أبكيك ما ناحت مطوقة ... تحت الظلام تنوح في الغلس
يا ملك في وفيك معتبر ... ومواعظ يوحشن ذا الأنس
ما بعد فرقة بيننا أبداً ... في لذة درك لملتمس
وأخذ ما في صدر هذا الكلام من قول القائل:
رب مغروس يعاش به ... فقدته كف مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
стр. 1254
وقريب من هذا قول امرأة شريفة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها١:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
يا فارساً بالعراء مطرحاً ... خانته قواده مع الحرس
من لليتامى إذا هم سغبوا ... وكل عان وكل محتبس!
أم من لبر أم من لفائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس!
ومما استطرفه من شعر يعقوب قوله:
ليت شعري بأي ذنب لملك ... كان هجري لقبرها واجتنابي!
ألذنب حقدته كان منها ... أم لعلمي بشغلها عن عتابي!
أم لامني لسخطها رضاها ... حين واريت وجهها في التراب!
ما وفى في العباد حي لميت ... بعد يأس منه له في الإياب
وفي هذا الشعر:
إنما حسرتي إذا ما تذكر ... ت عنائي بها وطول طلابي
لم أزل في الطلاب سبع سنين ... أتأتى لذاك من كل باب٢
فاجتمعنا على اتفاق وقدر ... وغنينا عن فرقة باصطحاب
أشهراً ستة صحبتك فيها ... كن كالحلم أو كلمع السراب
وأتاني النعي منك مع البش ... رى فيا قرب أوبة من ذهاب!
стр. 1255
ومن مليح شعره قوله يرثيها:
حتى إذا فتر اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس
وتسللت منها محاسن وجهها ... وعلا الأنين تحثه بتنفس
رجع اليقين مطامعي يأساً كما ... رجع اليقين مطامع المتلمس١
ومن مليح شعره أيضاً قوله:
فجعت بملك وقد أينعت ... وتمت فأعظم بها من مصيبه!
فأصبحت مغترباً بعدها ... وأمست بحلوان ملك غريبة٢
أراني غريباً وإن أصبحت ... منازل أهلي مني قريبه
فأقبلت أبكي وتبكي ومعي ... بكاء كئيب بحزن كئيبه
وقلت لها مرحباً مرحباً ... بوجه الحبيبة أخت الحبيبة
سأصفيك ودي حفاظاً لها ... فذاك الوفاء بظهر المغيبة
أراك كملك وإن كمل تكن ... لملك من الناس عندي ضريبه
стр. 1256
مرثية يزيد المهلبي في المتوكل
ومما اخترنا من مرثية يزيد المهلبي للمتوكل على الله قوله:
لا حزن إلا أراه دون ما أجد ... وهل كمن فقدت عيناي مفتقد!
لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى عن عطاء الزبية الأسد١
لا يدفع الناس ضيماً بعد ليلتهم ... إذ لا تمد إلى الجاني عليك يد
لو أن سيفي وعقلي حاضران له ... أبليته الجهد إذ لم يبله أحد
стр. 1257
جاءت منيته العين هاجعة ... هلا أتته المنايا والقنا قصد١!
هلا أتته أعاديه مجاهرة ... والحرب تسعر والأبطال تجتلد
فخر فوق سرير الملك منجدلاً ... لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد
قد كان أنصاره يحمون حوزته ... وللردى دون أرصاد الفتى رصد٢
وأصبح الناس فوضى يعجبون له ... ليثاً صريعاً تنزى حوله النقد٣
علتك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصمد
جاؤوا عظيماً لدنيا يسعدون بها ... فقد شقوا بالذي جاؤوا وما سعدوا
ضجت نساؤك بعد العز حين رأت ... خداً كريماً عليه قارت جسد
أضحى شهيد بني العباس موعظة ... لكل ذي عزة في رأسه صيد٤
حليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يضع مثله روح ولا جسد
كم في أديمك من فوهاء هادرة ... من الجوائف يغلي فوقها الزبد٥
إذا بكيت فإن الدمع منهمل ... وإن رثيت فإن القول مطرد
قد كنت أسرف في مالي وتخلف لي ... فعلمتني الليالي كيف أقتصد
لما اعتقدتم أناساً لا حلوم لهم ... ضعتم وضيعتم من كان يعتقد
ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم السادة المذكورة الحشد
قوم هم الجذم والأنساب تجمعهم ... والمجد والدين والأرحام والبلد٦
стр. 1258
إذا قريش أرادوا شد ملكهم ... بغير قحطان لم يبرح به أود
قد وتر الناس طراً ثم قد صمتوا ... حتى كأن الذي نيلوا به رشد
من الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
[قال أبو الحسن، قوله: قارت، يقال: قرت الدم يقرت قروتاً. ودم قارت. قد يبس بين الجلد واللحم، ومسك قارت، وهو أخفه وأجوده، قال:
يعل بقرات من المسك قاتن
وقرات، فعال، وقاتن، مسك قاتن قد قتن قتوناً، أي يابس لا ندوة فيه]
стр. 1259
باب ذكر الأذواء من اليمن في الإسلام
مدخل
...
باب ذكر الأذواء من اليمن في الإسلام
[فأما في الجاهلية، فيكثرون نحو ذي يزن، وذي كلاع وذي نواس وذي رعين وذي أصبح وذي المناور وذي القرنين: فأما في الإسلام، فمنهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، سماه رسول الله ﷺ وهو أنصاري, ومنهم قتادة بن النعمان الأنصاري ذو العين. كانت عينه أصيبت فردها رسول الله ﷺ ، فكانت أحسن عينيه. وكانت تعتل عينه الصحيحة فلا تعتل المردودة معها, ومنهم أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري ذو السيفين؛ كان يتقلد سيفين في الحرب, ومنهم حباب بن المنذر بن الجموح ذو الرأي، وهو صاحب المشورة يوم بدر، أخذ برأيه رسول الله ﷺ ، وكان له آراء في الجاهلية مشهورة, ومنهم سعد بن صفيح ذو السيال، ومنهم ذو المشهرة، وهو أبو دجانة سماك بن خرشة، وكانت له مشهرة إذا لبسها وخرج يختال بين الصفين لم يبق ولم يذر وكل هؤلاء من الأنصار] .
ومن اليمن من غيرهم عبد الله بن الطفيل الأزدي ثم الدوسي ذو النور، أعطاه رسول الله ﷺ نوراً في جبينه ليدعو به قومه، فقال: يا رسول الله، هذه مثلة١، فجعله رسول الله ﷺ في سوطه، فلما ورد على قومه بالسراة٢ جعلوا يقولون: إن الجبل ليلتهب، وكان أبو هريرة ممن اهتدى بتلك العلامة.
ومنهم، ثم من خزاعة، ذو اليدين، سماه رسول الله ﷺ ذا اليدين، وكان قبل يدعى ذا الشمالين: وكان رسول الله ﷺ صلى بهم الظهر فسلم في الركعة
стр. 1260
الثانية، فقال ذو اليدين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت? فقال: "ما كان ذاك"، فقال: بلى يا رسول الله، فالتفت إلى أصحابه فقال: "ما يقول ذو اليدين?" فقالوا: صدق يا رسول الله، فنهض فأتم، ثم قال: "إني لأنسى أو أنسى لأستن" ١.
стр. 1261
وهذه تسمية من كان بينه وبين الملائكة
سبب من اليمانية
منهم سعد بن معاذ الأنصاري، وهبط لموته سبعون ألف ملك لم يهبطوا إلى الأرض قبلها. وقبض رسول الله ﷺ من رجليه في المشي لئلا يطأ على جناح ملك، واهتز لموته عرش الله جل وعز. وفي ذلك، يقول حسان:
وما اهتز عرش اله من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
وكبر عليه رسول الله ﷺ تسعاً؛ كما كبر على حمزة بن عبد المطلب، وشم من تراب قبره رائحة المسك.
ومنهم حسان بن ثابت الأنصاري. قال له رسول الله ﷺ : "اهجهم وروح القدس معك". وقال في حديث آخر: "إن الله مؤيد حساناً بروح القدس ما نافح عن نبيه". وقالت عائشة: كان يوضع لحسان منبر في مؤخر المسجد فينافح عن رسول الله ﷺ .
ومنهم حنظلة بن أبي عامر الأنصاري. غسلته الملائكة، وذاك أنه خرج يوم أحد فأصيب، فقال رسول الله ﷺ : "صاحبكم هذا قد غسلته الملائكة". فسئل عن ذلك، فقالت امرأته: كان معي على ما يكون الرجل مع امرأته. فأعجلته حطمة بلغته في المسلمين فخرج فأصيب، ففي ذلك يقول الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح حمي الدبر١، وكان خال أبيه:
غسلت خالي الملائكة الأبـ ... رار ميتاً أكرم به من صريع!
وأنا ابن الذي حمت ظهره الدبـ ... ـر قتيل اللحيان يوم الرجيع!
ومنه حارثة بن النعمان، رأى جبريل ﷺ مرتين، وأقرأه جبريل السلام.
стр. 1262
ومنهم، ثم من خزاعة عمران بن حصين، كانت تصافحه الملائكة وتعوده، ثم افتقدها. فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إن رجالاً كانوا يأتونني لم أر أحسن مهم وجوهاً، ولا أطيب أرواحاً، ثم قد انقطعوا عني، فقال رسول الله ﷺ : أصابك جرح فكنت تكتمه? فقال: أجل، قال: ثم أظهرته? قال: قد كان ذلك. قال: أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت.
ومنهم جرير بن عبد الله البجلي. قال رسول الله ﷺ : "يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن، عليه مسحة ملك".
ومنهم دحية بن خليفة الكلبي، كان جبريل ﷺ يهبط في صورته، فمن ذلك يوم بني قريظة. لما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق وهبط عليه جبيل ﵇ فقال: "يا محمد أقد وضعتم سلاحكم! ما وضعت الملائكة أسلحتها بعد، إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة، وهأنذا سائر إليهم فمزلزل بهم". فأمر رسول الله ﷺ الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فجعل يمر بالناس فيقول: "أمر بكم أحد?" فيقولون: مر بنا دحية بن خليفة على بغلة عليها قطيفة خز نحو بني قريظة، فيقول: "ذلك جبرائيل"، ثم مر دحية بعد ذلك، وكان لا يزال ﵇ في غير هذا اليوم ينزل في صورته، كما ظهر إبليس في صورة الشيخ النجدي.
стр. 1263
وهذا باب قد تقدم ذكرنا إياه ووعدنا استقصاءه
الفرق بين تعريف الحيوان وتنكيره وبين تذكيره وتأنيثه .
قال أبو العباس: اعلم أن كل شيء من الحيوان؛ كان مما يخبر الناس عنه كما يخبرون عن أنفسهم ومما يقتنونه ويتخذونه، فبهم حاجة إلى الفصل بين معرفته ونكرته ومذكره ومؤنثه، تقول: جاءني رجل إذا لم تدر من هو بعينه، أو دريت فلم ترد أن تبين. ثم تعرفه لصاحبك إذا أردت ذلك إما بألف ولام، وإما باسم معروف، أو إضافة أو غير ذلك.
وكذلك يفصل الناس بين الخيل بأسماء أو نعوت يعرفون بها بعضها من بعض، وكذلك الشاء والكلاب والإبل، ولولا تمييز بعضها من بعض لم يستقم الإخبار عنها والاختصاص بما أريد منها؛ فإذا كان الشيء لي مما يتخذونه لم يحتاجوا إلى التمييز بين بعضه وبعض، يقول الرجل: رأيت الأسد؛ فليس يعني أسداً بعينه، ولكن يريد الواحد من الجنس الذي قد عرفت، وكذلك الذئب والعقرب والحية وما أشبه ذلك، ألا ترى أن ابن عرس وسام أبرص وأم حبين وأبا الحارث وأبا الحصين معارف لا على أن تميز بعضها من بعض ولكن تعريف الجنس. وقولك: ابن مخاض وابن لبون، وابن ماء، نكرات، لأن هذا مما يتخذه الناس، وابن ماء إنما هو مضاف إلى الماء الذي يعرف.
فإذا أردت التعريف من هذا لهذه النكرات أدخلت فيما أضيفت إليه الألف واللام، أو لقبتها ألقاباً تعرف بها، كزيد وعمرو.
واعلم أن كل جمع مؤنث؛ لأنك تريد معنى جماعة. ولا تذكر من ذلك إلا ما كان فعله يجري بالواو والنون في الجمع، وذلك كل ما يعقل، تقول: مسلم ومسلمون؛ كما تقول: قوم يسلمون، وتقول للجمال: هي تسير وهن يسرن,
стр. 1264
كما تقول للمؤنث، لأن أفعالها على ذلك، وكذلك الموات، قال الله في الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ ١، والواحد مذكر. وقال المفسرون في قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً﴾ ٢، قالوا: الموات، فكل ما خرج عما يعقل فجمعه بالتانيث وفعله عليه، لا يكون إلا ذلك، إلا ما كان من باب المنقوص. نحو سنين وعزين وليس هذا موضعه. وجملته أنه لا يكون إلا مؤنثاً، فلهذا كان يقع على بعض هذا الضرب الاسم المؤنث، فيجمع الذكر والأنثى، فمن ذلك قولهم: عقرب، فهن اسم مؤنث، إلا أنك إن عرفت الذكر قلت: هذا عقرب، وكذلك الحية، تقول للأنثى: هذه حية، وللذكر هذا حية، قال جرير:
إن الحفافيث منكم يا بني لجإ ... يطرقن حيث يصول الحية الذكر
[قال الأخفش: الحفافيث: ضرب من الحيات يكون صغير الجرم ينتفخ ويعظم وينفخ نفخاً شديداً، لا غائلة له] ٣.
وتقول: هذا بطة للذكر، وهذه بطة للأنثى، وهذا دجاجة، وهذه دجاجة.
قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
يريد زقاء الديوك، فالاسم الذي يجمعهما دجاجة للذكر والأنثى. ثم يخص الذكر بأن يقال: ديك. وكذلك تقول: هذا بقرة "٤وهذه بقرة٤" لهما جميعاً. وهذا حباري، ثم يخص الذكر فتقول: ثور. وتقول للذكر من الحباري: خرب، فعلى هذا يجري هذا الباب، وكل ما لم نذكره فهذا سبيله.
قال أبو العباس: وقد كنا أرجأنا أشياء ذكرنا أنا سنذكرها في آخر هذا الكتاب، منها خطب ومواعظ ورسائل، ونحن ذاكرون ما تهيأ من ذلك إن شاء الله.
стр. 1265
خطبة لأعرابي بالبادية
قال الأصمعي فيما بلغني: خطبنا أعرابي بالبادية؛ فحمد الله واستغفره ووحده وصلى على نبيه. فبلغ في إيجاز، ثم قال: أيها الناس، إن الدنيا دار بلاغ، وإن١ الآخرة دار قرار، فخذوا من مفركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، في الدنيا كنتم، ولغيرها خلقتم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والمصلى عليه رسول الله والمدعو له٢ الخليفة، والأمير جعفر بن سليمان.