خبر هانئ بن عروة المرادي مع معاوية
قال أبو العباس: ونمي إلي أن معاوية ولى كثير بن شهاب المذحجي خراسان فاختان مالاً كثيراً ثم هرب فاستتر عند هانىء بن عروة المرادي، فبلغ ذلك معاوية فنذر دم هانىء فخرج هانىء فكان في جوار معاوية ثم حضر مجلسه ومعاوية لا يعرفه، فلما نهض الناس ثبت مكانه، فسأله معاوية عن أمره فقال: أنا هانىء بن عروة فقال: إن هذا اليوم ليس بيومٍ يقول فيه أبوك أرجل جمتي الشعر له هانىء: أنا اليوم أعز مني ذلك اليوم، قال له: بم ذاك? قال: بالإسلام يا أمير المؤمنين، قال له: أين كثير بن شهاب? قال: عندي في عسكرك ياأمير المؤمنين، فقال له معاوية: انظر إلى ما اختانه فخذ منه بعضاً، وسوغه بعضاً.
стр. 142
نبذ من أقوال الشعراء في الخمر وشاربيها
وقال أعرابي:
ولقد شربت الراح حتى خلتني ... لما خرجت أجر فضل المئزر
أبا قابوس أو عمر وبن هند ماثلاً ... يجبى له ما دون دارة قيصر
стр. 143
وقال آخر:
شربنا من الداذي حتى كأننا ... ملوك لهم بر العراقين والبحر
فلما انجلت شمس النهار رأيتنا ... تولى الغنى عنا وعاودنا الفقر
وقال آخر، وهو عبد الرحمن بن الحكم:
وكأسٍ ترى بين الإناء وبينها ... قظى العين قد نازعت أم أبان
ترى شاربيها حين يعترانها ... يميلان أحياناً ويعتدلان
فما ظن ذا الواشي بأروع ماجدٍ ... وبداء خودٍ حين يلتقيان
وقال آخر:
دعتني أخاها أم عمروٍ ولم أكن ... أخاها، ولم أرضع لها بلبان
دعتني أخاها بعدما كان بيننا ... من الأمر ما لا يفعل الأخوان
وقال آخر: "أنشده أبو على لأم ضيغم البلوية":
فبتنا فويق الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان
وبات يقيناً ساقط الطل والندى ... من الليل بردى يمنةٍ عطران
نعدي بذكر الله في ذات بيننى ... إذا كان قلبانا بنا يردان
قال أبو الحسن: وزادني فيه غير أبي العباس:
ونصدر عن رأي العفاف وربما ... نقعنا غليل النفس بالرشفان
وقال أبو العباس:" نعدي "أي نصرف الشر بذكر الله: يقال: فعد عما ترى، أي فانصرف عنه إلى غيره، ويقال: لا يعدونك هذا الحديث: أي لا يتجاوزونك إلى غيرك.
قال أبو العباس: وقال رجل من قريش:
من تقرع الكأس اللئيمة سنه ... فلا بد يوماً لأن يسىء ويجهلا
ولم أر مطلوباً أخس غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا
وأجدر أن تلقى كريماً يذمها ... ويشربها حتى يخر مجدلا
فوالله ما أدري: أخبل أصابهم ... أم العيش فيها لم يلاقوه أشكلا
стр. 144
وقال الآخر:
إذا صدمتني الكأس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني أذاتي ولا بخلي
ولست بفاحشٍ عليه وإن أسا ... وما شكل من آذى نداماه من شكلي
وقال آخر:
كل هنيئاٌوما شربت مريئاٌ ... ثم قم صاغراٌفغير كريم
لاأحب النيديم يومض بالعين ... إذا ماانتشى لعرس النديم
الإيماض: تفتح البرق ولمحه.يقال: أومضت المرأة إذا ابتسمت، وإنما ذلك تشبيه للمع ثناياها بتبسم البرق، فأراد أنه فتح عينه ثم غمضها بغمز.
وقال حسان بن ثابت:
كأن سبيئةٌ من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوماٌ ... فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكاٌ ... وأسداٌ ما ينهنهها اللقاء
المغث: المماغثة باليد. واللحاء: الملاحاة باللسان، يقول: يعتذر المسىءبأن يقول: كنت سكران، فيعذر. وقوله: "كأن سبيئةٌ"، يقال سبأتها: إذا اشتريتها سباءٌ، يعني الخمر، والسابيء: الخمار.
وقوله: "من بيت رأس"، يعني موضعاٌ: كما يقال حارث الجولان.
стр. 145
باب
نبذ من أقوال الحكماء
قال أبو العباس: قال الأحنف بن قيس: ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة? الخلق السجيح١، والكف عن القبيح.ألاأخبركم بأدوإ الداء? الخلق الدنيء، واللسان البذيء.
وقال الأحنف: ثلاث في ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع، يعني السلطان ولا حللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس.
تكسر الحاء وتضمها إذا أردت الاسم، وتفتحها إذا أردت المصدر، إنشدني عمارة بن عقيل لجرير:
قتل الزبير، وأنت عاقد حبوةٍ ... قبحاٌ لحبوتك التي لم تحلل
ويقال في جمع حبوة: حبى وحبى، مقصوران.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ماأحسن الحسنات في آثار السيئات وأقبح السيئات في آثار الحسنات، وأقبح من ذا وأحسن من ذاك السيئات في آثارالسيئات، والحسنات في آثار الحسنات. والعرب تلف الخبرين المختلفين، ثم ترمي بتفسير هما جملة، ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره. وقال الله : ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢.
وقال رجل لسلم بن نوفل: ما أرخص السؤدد فيكم فقال سلم: أما نحن فلا نسود إلا من بذل لنا ماله، وأوطأنا عرضه، وامتهن في حاجتنا نفسه. فقال الرجل: إن السؤدد فيكم لغال.
ولسلم يقول القائل:
يسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المعروف سلم بن نوفل
стр. 146
وقال معاوية ﵀ لعرابة بن أوس بن قيظي الأنصاري: بم سدت قومك? فقال: لست بسيدهم، ولكني رجل منهم، فعزم عليه فقال: أعطيت في نائبهم وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنه فأنا أفضل منه، ومن تجاوزه فهو أفضل مني.
стр. 147
مدح الشماخ لعرابة بن أوس
قال أبو العباس: وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر، فجمعه الطريق والشماخ بن ضرار المري، فتحادثا، فقال عرابة: ماالذي أقدمك المدينة قال: قدمت لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برا وتمراً، وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة، فاشرقي بدم الوتين
ومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرهان ولا الثمين١
قوله:" تلقاها عرابة باليمين"، قال أصحاب المعاني: معناه بالقوة، وقالوا مثل ذلك في قول الله : ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ٢ وقد أحسن كل الاحسان في قوله:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
يقول: لست أحتاج إلى أن أرحل إلىغيره.
وقد عاب بعض الرواة قوله: "فاشرقي بدم الوتين"، وقال كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ للأنصارية٣ المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال رسول الله ﷺ : "لبئس ما جزيتها" وقال: "لانذرفي معصية، ولا نذر للانسان في غير ملكه".
стр. 148
ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصاري لما أمره رسول الله ﷺ بعد زيد وجعفرٍ على جيش مؤتة١:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
الحساء: جمع حسي، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنع الرمل السمائم أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء، يقال: حسي وأحساء وحساء، ممدودة.
وقوله: " ولا أرجع إلى أهلي ورائي" مجزوم لأنه دعاء، فقوله:" لا" يعني الجازمة، ومعناه: اللهم لا أرجع، كما تقول: زيد لا تغفر له٢، فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي، كما تقول: زيد ليقم، وزيد لا يبرح وقد اتبع ذو الرمة الشماخ في قوله:
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
الوصل: المفصل بما عليه من اللحم، يقال: قطع الله أوصاله، ويقال: وصل، وكسروجدل، في معنى واحد.
стр. 149
باب
لرجل من رجاز بني تميم في وقعة الجفرة
قال أبو العباس: أنشدني الوزي لرجل من رجاز بني تميم في وقعة الجفرة١:
نحن ضربنا الأزد بالعراق ... والحي من ربيعة المراق
وابن سهيل قائد النفاق ... بلا معوناتٍ ولا أرزاق
إلا بقايا كرم الأعراق ... لشدة الخشية والإشفاق
ومن المخازي والحديث الباقي
الأعراق: جمع عرق، يقال: فلان كريم العرق ولئيم العرق، أي الأصل.
стр. 150
أقوال في قلة النوم
وقال آخر يصف ابنه:
أعرف منه١ قلة النعاس ... وخفةٌ في رأسه من راسي
كيف ترين عنده مراسي
يخاطب أم ابنه. فقوله: "أعرف منه قلة النعاس"، أي الذكاء والحركة. وكان عبد الملك بن مروان يقول لمؤدب ولده: علمهم العوم، وهذبهم بقلة النوم.
وكذا قال أبو كبيرٍ٢ الهذلي:
فأتت به حوش الجنلن مبطناً ... سهداً إذل ما نام ليل الهوجل٣
стр. 151
وقال آخر:
فجاءت به حوش الفؤاد مسهداً ... وأفضل أولاد الرجال المسهد
وقال رسول الله ﷺ : "عيني تنامان ولا ينام قلبي".
стр. 152
لعروة بن الورد
وقال عروة بن الورد العبسي، وهو عروة الصعاليك١:
لحا٢ الله صعلوكاً إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزر٣
ينام ثقيلاً ثم يصبح قاعداً ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر٤
يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيضحي طليحاً كالبعير المحسر٥
ولكن صعلوكاً صفيحة وجهه ... كضوء سراج القابس المتنور٦
مطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر٧
وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميداً، وإن يستغن يوماً فأجدر٨
قال أبو الحسن: كذا أنشده،" فذلك" لأنه لم يرو أول الشعر، والصواب كسر الكاف، لأنه يخاطب امرأة، ألا تراه قال:
أقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... ونامي، وإن لم تشتهي ذاك فاسهري٩
стр. 153
قوله:
يحث الحصى عن جنبه المتعفر
يريد المتترب، والعفر والعفر: اسمان للتراب، من ذلك قولهم: عفرالله خده، ويقال للظبية: عفراء إذا كانت يضرب بياضها إلى حمرة، وكذلك الكثيب الأعفر.
وقوله: "كالبعير المحسر" هو المعيي،: يقال: جمل حسير، وناقة حسير، قال الله : ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ١.
وقوله:
وإن بعدوا لايأمنون اقترابه
على التقديم والتأخير، أراد: لايأمنون اقترابه وإن بعدوا، وهذا حسن في الإعراب إذا كان الفعل الأول في المجازاة ماضياٌ، كما قال زهير:
وإن٢ أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالي ولا حرم
فإن كان الفل الأول مجزوماٌ لم يجز رفع الثاني إلا ضرورة، فسيبويه٣ يذهب إلى أنه على التقديم والتأخير، وهو عندي على إرادة الفاء، لعلة تلزمه في مذهبه، نذكرها في باب المجازاة إذا جرى في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، فمن ذلك قوله:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
أراد سيبويه: إنك تصرع إن يصرع أخوك. وهو عندي على قوله: إن يصرع أخوك فأنت تصرع يا فتى، ونستقصي هذا في بابه إن شاء الله تعالى.
وقوله:
كيف ترين عنده مراسي
стр. 154
يقول للمرأة: عززتنى١ على شبهه. ويقال: أنجب الأولاد ولد الفارك. وذلك لأنها تبغض زوجها. فيسبقها بمائه. فيخرج الشبه إليه. فيخرج الولد مذكراً. وكان بعض الحكماء يقول: إذا أردت أن تطلب ولد المرأة فأغضبها، ثم قع عليها. فإنك تسبقها بالماء، وكذلك ولد الفزعة، كما قال، كما قال أبو كبير الهذلي:
من حملن به وهن عواقدٌ ... حبك النطاق فشب غير مهبل٢
حملت به في ليلة مزؤودةٍ ... كرهاً، وعقد نطاقها لم يحلل
مزؤودة: ذات زؤدٍ، وهو الفزع، فمن نصب "مزؤودة "أراد المرأة. ومن خفض فإنه أراد الليلة، وجعل الليلة ذات فزع، لأنه يفزع فيها، قال الله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٣ والمعنى: بل مكركم في الليل والنهار: وقال جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت، وما ليل المطي بنائم
وقال آخر:
فنام ليلي وتجلى همي٤
وهذا الرجز ضد ما قال الآخر في ولده، فإنه أقر بأن امراته غلبته على شبهه، وذلك قوله:
نمت وعرق الخال لا ينام
يقول: عزتني أمه على الشبه، فذهبت به إلى أخواله. وقال آخر:
لقد بعثت صاحباً من العجم ... بين ذوي الأحلام والبيض اللملم ٥
كان أبوه غائباً حتى فطم
стр. 155
يقول: لم يسق غيلاً، وقال رسول اله ﷺ : "هممت أن أنهى أمتي عن الغيلة حتى علمت أن فارس والروم تفعل ذلك بأولادها، فلا تضير أولادها". والغيلة: أن ترضع المرأة وهي حامل، أو ترضع وهي تغشى. ويزعم أهل الطب من العرب والعجم أن ذلك اللبن داءٌ. وقالت أم تأبط شراً: والله ما حملته تضعاً - ووضعاً أيضأً - ولا وضعته تيناً، ولا سقيته غيلاً، ولا أبته مئقاً. وقال الأصمعي: ولا أبته على مأقةٍ.
قولها: "ما حملته تضعاً"، يقال إذا حملت المرأة عند مقتبل الحيض: حملته وضعاً وتضعاً، وإذا خرجت رجلاً المولود من قبل رأسه قيل: وضعته يتناً قال الشاعر:
فجاءت به يتناً يجر مشيمة١ ... تسابق رجلاه هناك الأناملا
ويقال للرجل إذا قلب الشيء عن جهته: جاء به يتناً قال عيسى بن عمر: سألت ذا الرمة عن مسألة، فقال لي: أتعرف اليتن? قلت: نعم، قال: فمسألتك هذه يتن. قال: وكنت قد قلت الكلام.
والغيل ما فسرناه.
وأما قولها: ولا أبته مئقاً، تقول: لن أبته مغيظاً: وذلك أن الخرقاء تبيت ولدها جائعاً مغموماً، لحاجته إلى الرضاع، ثم تحركه في مهده حتى يغلبه الدوار فينومه: والكيسة تشبعه وتغنيه في مهده، فيسري ذلك الفرح في بدنه من الشبع كما سرى ذلك الغم والجوع في بدن الآخر.
ومن أمثال العرب: "أنا تئق، وصاحبي مئق، فكيف نتفق? التئق: المملوء غيظاً وغضباً، والمئق: القليل الا حتمال، فلا يقع الاتفاق.
стр. 156
باب
من كلام ابن عباس
قال أبو العباس: قال ابن العباس ﵄: لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه:
стр. 157
من كلام عبد الله بن جعفر
وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
فقال: هذا رجل يريد أن يبخل الناس، أمطر المعروف مطراً، فإن صادف موضعاً فهو الذي قصدت له، وإلا كنت أحق به.
[قال أبو الحسن الأخفش: حدثنا المبرد في غير الكامل قال: قال الحسن والحسين رضوان الله عليهما لعبد الل بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال، قال: بأبي أنتما وأمي إن الله عودني أن يفضل علي، وعودته أن أفضل على عباده، فأخاف ان أقطع العادة فتقطع عني] .
стр. 158
ليزيد بن المهلب وقد مر بأعرابية عند خروجه من سجنه .
ومر يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزاً فقلبها، وقال لإبنه معاوية: ما معك من النفقة ? فقال: ثمانمائة دينار، قال: فادفعها إليها، قال أبنه: إنك تريد الرجال، ولا يكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهي بعد لا تعرفك فقال له: إن كانت ترضى باليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي ادفعها إليها.
стр. 159
حديث للأصمعي عن ضرار بن القعقاع
وزعم الأصمعي أن حرباٌ كانت بالبادية، ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها، ثم مشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في الجامع، قال: فبعثت وأنا غلام إلى ضرار بن القعقاع من بني دارم، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت، فإذا به في شملة يخلط بزراٌ له حلوب، فخبرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل الصحفة وصاح: ياجارية غدينا، قال: فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فقذرته١ أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله حاجة، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح: يا جارية، اسقيني الماء، فأتته بماء، فشربه، ومسح فضله على وجهه، ثم قال: الحمد لله، ماء الفرات، بتمر البصرة، بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعم! ثم قال: يا جارية، علي بردائي، فأتته برداء عدني، فأرتدى به على تلك الشملة.
قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحاً لزيه، فلما دخل المسجد صلى ركعتين، ثم مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة٢ إلا حلت إعظاماً له، ثم جلس، فتحمل جميع ما كان بين الأحياء في ماله وانصرف.
стр. 160
بين زياد بن عمرو العتكي والأحنف بن قيس التميمي
وحدثني ابو عثمان بكر بن محمد١ المازني عن أبي عبيدة قال: لما أتى زياد ابن عمرو المربد٢، في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي٣، جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة وكان زياد بن عمرو العتكي في القلب، فبلغ ذلك الأحنف، فقال: هذا غلام حدثٌ، شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه! فندب أصحابه، فجاءه حارثة بن بدرٍ الغداني، وقد اجتمعت بنو تميم، فلما طلع قال: قوموا إلى سيدكم، ثم أجلسه فناظره، فجعلوا سعداً والرباب في القلب، ورئيسهم عبس بن طلقٍ الطعان، المعروف بأخي كهمس، وهو أحد بني صريم بن
стр. 161
يربوع، فجعل في القلب بحذاء الأزد، وجعل حارثة بن بدرٍ في حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعلت عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فذاك يقول حارثة بن بدرٍ للأحنف:
سيكفيك عبس ابن كهمس ... مقارعة الأزد بالمربد١
وتكفيك عمرو على رسلها٢ ... لكيز بن أفصى وما عددوا
وتكفيك٣ بكراً إذا أقبلت ... بضرب يشيب له الأمرد
فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار، ويدنا على العدو، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطئتم حريمنا، وحرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصابنا في الخير مسلكاً، فتيمموا بنا طريقة قاصدة٤.
فوجه إليه زياد بن عمرو: تخير خلة من ثلاثٍ إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخل لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم وإلا فدوا٥ قتلانا، واهدروا دماءكم، وليود مسعودٌ دية المعشرة.
قال ابو العباس، وتاويل قوله: دية المشعرة" يريد أمر الملوك في الجاهلية، وكان الرجل إذا قتلوهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات.
فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم. فهز القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالاً ليس فيها خيارٌ أما النزول على حكمكم فميف يكون والكلم يقطر دماً? وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ٦، ولكن الثالثة إنما هي حملٌ على المال، فنحن نبطل
стр. 162
دماءنا، وندي قتلاكم، وإنما١ مسعودٌ رجل من المسلمين، وقد أذهب الله أمر الجاهلية.
فاجتمع القوم على أن يقفوا أمر مسعود، ويغمد السيف، ويؤدي سائر القتلى من الأزد وربيعة. فضمن ذلك الأحنف، ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال:٢
ومنا الذي أعطى يديه رهينةً ... لغاري معد يوم ضرب الجماجم٣
عشية سال المربدان كلاهما ... عجاجة موتٍ بالسيف الصوارم
هنالك لو تبغي كليباً وجدتها ... أذل من القردان تحت المناسم٤
قال أبو الحسن وكان أبو العباس ربما رواه: لغار٥ معد
ويقال: إنما تميماً في الوقت مع باديتها وحلفائها من الأساورة٦ والزط٧، والسبابجة٨ وغيرهم كانوا زهاء سبعين ألفاً، ففي ذلك يقول جرير:
سائل ذوي يمن ورهط محرقٍ ... والأزد إذ ندبوا لنا مسعودا٩
فأتاهم سبعون ألف مدجج ... متسربلين يلامعا١٠ وحديدا
قال الأحنف بن قيس: فكثرت علي الديات، فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين١١، فسألت عن المقصودهناك، فأرشدت إلى قبةٍ، فإذا شيخٌ
стр. 163
جالسٌ بفنائها، مؤترز بشملةٍ، محتب بحبل، فسلمت عليه، وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ? فقلت: توفي صلوات الله عليه! قال: فما فعل عمر بن الخطاب الذي كان يحفظ العرب ويحوطها? قلت له: مات رحمه الله تعالى! قال فأي خيرٍ في حاضرتكم بعدها! قال فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وريعة. قال: فقال لي: أقم، فإذا راعٍ قد أراح ألف بعير، فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها، فقال: خذها، فقلت: لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف عنه، ووالله من هو إلى الساعة!
قوله: "المناسم" واحدها منسم، وهو ظفر البعير في مقدم الخف، وهو من البغيرة كالسنبك من الفرس وقوله:
عشية سال المربدان كلاهما
يريد المربد وما يليه مما جرى مجراه، ةالعرب تفعل هذا في الشيئين إذا جريا في باب واحد، قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
يريد الشمس والقمر: لأنهما قد اجتمعا في قولك، "النيران"، وغلب الاسم المذكر، وإنما يؤثر في مثل هذا الخفة، وقالوا: "العمران" لأبي بكر وعمر، فإن قال قائل: إنما هو عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلم يصب، لأن أهل الجمل نادوا بعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه: أعطنا سنة العمرين. فإن قال قائل: فلم لم يقولوا: أبوي بكر، وأبو بكر أفضلهما فلأن عمر اسم مفرد، وإنما طلبوا الخفة. وأنشدني التوزي عن أبي عبيدة لجرير:
وما لتغلب إن عدوا مساعيهم ... نجم يضيء ولا شمس ولا قمر
ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والعمران أبو بكر ولا عمر
هكذا أنشدنيه١:
وقال آخر٢:
قدني من نصر الخبيبين قدي
стр. 164
يريد عبد الله ومصعبا ابني الزبير وإنما أبو خبيب عبد الله، وقرأ بعض القراء: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْيَاسِينَ﴾ ١ فجمعهم على لفظ إلياس ومن ذا قول العرب: المسامعة، والمهالبة، والمناذرة، فجمعهم على اسم الأب.
والمشعرة: اسم لقتلى الملوك خاصة، كانوا يكبرون أن يقولوا: قتل فلان، فيقولون أشعر فلان، من إشعار البدن٢.
ويروى أن رجلاً قال: حضرت الموقف مع عمر بن الخطاب ﵁، فصاح به صائح: يا خليفة رسول الله ﷺ . ثم قال: يا أمير المؤمنين. فقال رجل من خلفي: دعاه باسم رجل ميت٣، مات والله أمير المؤمنين. فالتفت فإذا رجل من بني لهب، وهم وهم من بني نصر بن الأزد، وهم أزجر٤ قوم، قال كثير:
سألت أخاً لهب ليزجر زجرةً ... وقد صار زجر العالمين إلى لهب
قال: فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاةٌ قد صكت صلعة عمر فأدمته، فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف أبداً. فالتقت فإذا بذلك اللهبي بعينه، فقتل عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحول.
стр. 165
باب
لذي الرمة في الزجر
قال أبو العباس: أنشدني رجل من أصحابنا من بني سعدٍ، قال: أنشدني أعرابي في قصيدة ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر
بيتين لم تأت بهما الرواة، وهما:
رأيت غراباً ساقطاً فوق قضبةٍ١ ... من القضب لم ينبت لها ورقٌ نضر
فقلت: غارباً لاغترلبٍ، وقضبةٌ ... لقضب النوى، هذي العيفة والزجر
стр. 166
لجحدر العكلي
وقال آخر قال أبو الحسن: هو جحدرٌ العكلي، وكان لصاً:
وقدماً هاجني فازددت شوقاً ... بكاء حمامتين تجاوبان
وقدما عن أبي الحسن
تجاوبتا بلحن أعجمي ... على عودين من غربٍ وبان١
فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغترابٌ غير دان
стр. 167
مما قيل في المال
وأنشدني أبو محلمٍ من ولد طلبة بن قيس بن عاصم:
وكنت إذا خاصمت خصماً كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الخصومة غلبت ... علي، وقالوا: قم فإنك ظالم
وقرأت عن أبي الفضل العباس بن الفرج الرياشي، عن أبي زيد الأنصاري:
ولقد بغيت المال من مبغاته ... والمال وجهٌ للفتى معروض
طلب الغنى عن صاحبي ليحبني ... إن الفقير إلى الغني بغيض
стр. 168
وقال آخر أنشدني التوزي عن أبي زيد:
وصاحب نبهته لينهضا ... إذا الكرى في عينيه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا ... يمسح بالكفين وجهاً أبيضا
قوله:" وما تأرضأ": أي لم يلزم الأرض.
стр. 169
لشبيب بن البرصاء يفخر بكرمة
وأنشدني التوزي عن أبي زيد الأنصاري قال أبو الحسن: هو شبيب بن البرصاء:
لقد علمت أم الصبيين أنني ... إلى الضيف قوام السنات خروج
إذا المرغث العوجاء بات يعزها ... على ضرعها ذو تومتين لهوج
وإني لأغلي اللحم نياً وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج
قوله:" قوام السنات، يريد سريع الانتباه، والسنة: شدة النعاس، وليس بالنوم بعينه، قال الله : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ ١: وقال ابن الرقاع العاملي:
لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم٢
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينيه سنةٌ، وليس بنائم٣
ومعنى" رنقت" تهيأت، يقال: رنق النسر: إذا مد جناحيه ليطير، قال ذو الرمة٤:
على حد قوسينا كما رنق النسر
стр. 170
وقوله: "المرغث": يعني التي ترضع وترغث١ ولدها، ويقال لها رغوثٌ، قال طرفة:
ليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تخور
وقوله: "يعزها"، أي يغلبها، وقال الله : ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ٢ يقول: غلبني في المخاطبة، وأصله من قوله: كان أعز مني فيها. ومن أمثال العرب: "من عز بز": وتأويله: من غلب استلب. وقال زهيرٌ: "وعزته يداه وكاهله"٣ يقول: كان ذلك أعز ما فيه، ويقال: لهج الفصيل فهو لهوج إذا لزم الضرع، ويقال: رجل ملهجٌ، إذا لهجت فصاله، فيتخذ خلالاً، فيشده على الضرع، أو على أنف الفصيل، فإذا جاء ليرضع أوجعها بالخلال فضرحته٤ عنها برجلها، قال الشماخ يصف الحمار:
رعى بارض الوسمي حتى كأنما ... يرى بسفا البهمى أخله ملهج
البارض: أول ما يبدو من النبت، والبهمى يشبه السنبل، يقول: فهو لما اعتاد هذا المرعى اللدان استخشن البهمى. وسفاها: شوكها. فيقول: كأنه مخلول عن البهمى، أي يراها كالأخلة.
وقوله: "ذو تومتين" فالتومة في الأصل الحبة٥، ولكنها في هذا الموضع التي تعلق في الأذن. وكالبيت الأخير قوله:
وإني لأغلي لحمها وهي حيةٌ ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح
بذا فاند بيني وامدحيني فإنني ... فتى تعتريه هزةٌ حين يمدح
стр. 171
باب
لعمر بن عبد العزيز حينما سئل: أي الجهاد أفضل ?
قيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أي الجهاد أفضل? فقال: جهادك هواك.
стр. 172
لرجل من الحكماء في مجاهدة النفس
وقال رجل من الحكماء: أعص النساء وهواك واصنع ما شئت.
стр. 173
لمحمد بن علي بن الحسين في الزهد
وقال محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ﵃: ما لك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص أو شربة ليس معها شرق فتأمل أمرك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، والخيال المخترم. أهل الدنيا أهل سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها.
قوله: "تزدلف بك إلى حمامك"، يقول: تقربك: ولذلك سميت المزدلفة وقوله : ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ ١ إنما هي ساعات يقرب بعضها من بعض، قال العجاج:
ناج طواه لأين مما وجفا ... طي الليالي: زلفاٌ فزلفا
سماوة الهلال حتى احقوقفا
ناج: سريع، والأين: الإعياء.والوجيف: ضرب من السير. ونصب "طي الليالي" لأنه مصدر من قوله: "طواه الأين"، وليس بهذا الفعل، ولكن تقدير طواه الأين طياٌ مثل طي الليالي، كما تقول: زيد يشرب شرب الإبل، إنما التقديريشرب شرباٌ مثل الإبل، "فمثل" نعت، ولكن إذا حذفت المضاف استغنى بأن الظاهر يبينه، وقام أضيف إليه مقامه في الإعراب، من ذلك قول الله تبارك تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٢ نصب لأنه كان: "واسأل أهل القرية". وتقول:
стр. 174
بنو فلان يطؤهم الطريق، تريد أهل الطريق فحذفت"أهل" فرفعت" الطريق" لأنه في موضع، فعلى هذا فقس إن شاء الله.
وقوله "سماوة الهلال"إنما هو أعلاه، ونصب" سماوة": " بطي"، يريد طواه الأين كما طوت الليالي سماوة الهلال. والشاهد على إنه يريد أعلاه قول طفيل:
سماوته أسمال برد محبرٍ ... وسائره من أتحمي مشرعب١
ويروى: " معصب"، وإنما سماوته من قولك: سماء،. فاعلم فإذا وقع الإعراب على الهاء أظهرت ما تبنيه على التأنيث على أصله، فإن كان من الياء أظهرت الياء، وإن كان من الواو أظهرت فيه الواو، تقول شقاوة لأنها الشقوة وتقول هذه إمرأة سقاية: إذا أردت البناء على غير تذكير، فإن بنيته على التذكير قلبت الياء والواو همزتين: لأن الإعراب عليهما يقع، فقلت: سقاء وغزاء يا فتى، فإن أنثت قلت: سقاءة وغزاءة، والأجود فيما كان له تذكير الهمز، وفيما لم يكن له تذكير الأظهار، وإنما السماء من الواو، لأن الأصل سما يسمو إذا ارتفع، وسماء كل شيء سقفه.
وقوله: "حتى احقوقفا" يريد اعوج، وإنما هو افعوعل من الحقف. والحقف: النقا من الرمل يعوج ويدق،.قال الله : ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ ٢أي بموضع هو هكذا.
стр. 175
لعلي بن أبي طالب في وصف الدنيا
وقال رجل لعلي بن أبي طالب رحمة الله عليه١ وهو في خطبته٢: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا، فقال: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
стр. 176
مقدم الربيع بن زياد الحارثي على عمر بن الخطاب
قال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملاً لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب رحمه الله١ يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا جميعاً. قال: فلما قدمنا أتيت يرفأ٢ فقلت: يا يرفأ، مسترشد وابن سبيل، أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله فإومأ إلي بالخشونة، فاتخذت خفين مطارقين، ولبست جبة صوف، ولثت عمامتي على رأسي.
ودخلنا٣ على عمر ﵀ فصفنا بين يديه فصعد فينا وصوب، فلم تأخذ عينه أحداً غيري، فدعاني فقال: من أنت قلت: الربيع بن زياد الحارثي، فقال: وما تتولى من أعمالنا قلت: البحرين قال: كم ترتزق قلت: ألفا، قال: كثير، فما تصنع به قلت: أتقوت منه شيئا، وأعود به على أقارب لي. فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين، قال: فلا بأس، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من الصف، فصعد فينا وصوب، فلم تقع عينه إلا علي، فدعاني، فقال: كم سناك، قلت: خمس وأربعون سنة، قال: الآن حين استحكمت ثم دعا بالطعام وأصحابي حديث عهدهم بلين العيش، وقد تجوعت له فأتي بخبز وأكسار بعير، فجعل أصحابي يعافون ذلك، وجعلت آكل فأجيد، فجعلت٤ أنظر إليه المؤمنين، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك فلو عمدت إلى ألين من هذا فزجرني، ثم قالك كيف قلت؟ فقلت: أقول: ياأمير المؤمنين أن تنظر إلى قوتك من الطحين، فيخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم، ويطبخ لك اللحم كذلك، فتؤتى بالخبز لينا، واللحم غريضاً. فسكن من غربه وقال: أههنا غرت قلت: نعم، فقال: يا ربيع إنا لو نشاء ملأنا هذه الرحاب من صلائق، وسبائك،
стр. 177
وصناب، ولكني رأيت الله نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ ١، ثم أمر أبا موسى بإقراري، وأن يسدبدل بأصحابي.
قوله: "فلثتها على رأسي" يقول: أدرت بعضها على بغض على غير استواء يقال: رجل ألوث إذا كان شديداً، وذلك من اللوث، ورجل ألوث إذا كان أهوج، وهو مأخوذ من اللوثة. وحدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سئل الأصمعي عن المجنون، المسمى قيس بن معاذ، فثبته وقال: لم يكن مجنوناً، ولكن كانت به٢ لوثة كلوثة أبي حية الشاعر. وقيل للأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي: بم كنتم تعرفون السؤدد في الصبي منكم قال: إذا كان ملوث الإزرة٣، طويل الغرلة٤، سائل الغرة٥: كأن به لوثة، فلسنا نشك في سؤدده.
وقله: "تؤتى باللحم غريضا" يقول: طريا، يقال: لحم غريض، وشواء غريض، يراد به الطراء، قال الغساني٦:
إذا ما فاتني لحم غريض ... ضربت ذراع بكري فاشتويت
وقوله: "صلائق" فمعناه ما عمل بالنار طبخاً وشيا، يقال: صلقت الجنب إذا شويته، وصلقت اللحم إذا طبخته على وجهه.
وقوله: "سبئك "يريد ما يسنك من الدقيق فيؤخذ خالصه يريد الحوارى٧، وكانت العرب تسمي الرقاق السبائك، وأصله ما ذكرنا.
والصناب: صباغ بتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنلبي إذا كان في ذلك اللون وكان جرير اشترى جارية من رجل يقال له زيد من أهل
стр. 178
اليمامة، ففركت١ جريراً، وجعلت تحن إلى زيد، فقال جرير:
تكلفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقق والصناب
وقالت: لا تضم كضم زيد ... وما ضمي وليس معي شبابي
فقال الفرزدق يجيبه:
فإن تفركك علجة آل زيد ... ويعوزك المرقق والصناب٢
فقدماً كان عيش أبيك مراً ... يعيش بما تعيش به الكلاب
وأما قوله: "أكسر بعير" فإن الكسر٣ والجدل والوصل: العظم ينفصل بما عليه من اللحم.
وأما قوله: "نعى على قوم" فمعناه أنه عابهم بها ووبخهم: قال أبو عبيدة: اجتمع العكاظيون٤ على أن فرسان العرب ثلاثة، ففارس تميم عتيبة بن الحارث بن شهاب أحد بني ثعلبة بن يربوع بن حنظلة، صياد الفوارس وسم الفرسان. وفارس قيس عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وفارس ربيعة بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد، أحد بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، قال: ثم اختلفوا فيهم حتى نعوا عليهم سقطاتهم.
وأما قوله: "أههنا غرت"، يقول: ذهبت، يقال غار الرجل إذا أتى الغور وناحيته مما انخفض من الأ رض، وأنجد إذا أتى نجداً وناحيه مما ارتفع في الأرض، ولا يقال "أغار "إنما يقال: غار وأنجد، وبيت الأعشى ينشد على هذا:
نبي يرى ما لا ترون وذكره ... لعمري غار في البلاد وأنجدا
стр. 179
وقوله: " فسكن من غربه"، يقول: من حده، وكذلك يقال في كل شيء في السيف والسهم والرجل وغير ذلك.
وقوله: "خفين مطارقين" تأويله: مطبقين يقال: طارقت نعلي إذا أطبقتها. ومن قال: " طرقت" أو" أطرقت" فقد أخطأ، ويقال لكل ما ضوعف: فقد طورق، قال ذو الرمة١:
طرق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليله في ريشة يترقرق٢
قوله: " ريعة" موضع ارتفاع: قال الله : ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ ٣، وهو جمع ريعة، وقال الشماخ:
تعن له بمذنب كل واد ... إذا ما الغيث أخضل كل ريع٤
стр. 180
خطبة لعمر بن عبد العزيز
قال أبو العباس: وحدثني العباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي قال: قال عدي بن الفضيل: خرجت إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إستحفره بئراً بالعذبة، فقال لي: وأين العذبة؟ قلت: على ليلتين من البصرة، فتأسف ألا يكون بمثل هذا الموضع ماء فأحفرني، واشترط علي أن أول شارب ابن السبيل، قال فحضرته في جمعة، وهو يخطب، فسمعه وهو يقول:
يا أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري لئن كنتم صادقين لقد قصرتم، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم. أيها الناس إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
قال: فأقمت عنده شهراً ما بي إلا استماع كلامه.
قوله: "حضيض١" يعني المستقر من الأرض إذا انحدر عن الجبل، ولا يقال حضيض إلا بحضرة جبل، يقال: حضيض الجبل، ويطرح الجبل فيستغنى عنه لأن هذا لا يكون إلا له، ومن ذلك قول امرىء القيس:
نظرت إليه قائماً بالحضيض٢