← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال عنترة بن شداد: فما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني ومن أمثال العرب إذا طال عمر الرجل أن يقولوا: "لقد أكل الدهر عليه وشرب"، إنما يريدون أنه أكل هو وشرب دهراً طويلاً، قال الجعدي: أكل الدهر عليهم وشرب١ والعرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، أي أنت قائم في هذا وصائم في ذاك، كما قال الله : ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ٢ والمعنى والله أعلم، بل مكركم في الليل والنهار، وقال جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... ونمت، وما ليل المطي بنائم

стр. 247

للفرزدق يرثي ابني مسمع وقال الفرزدق: تبكي على المنتوف بكر بن وائلٍ ... وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما! ١ غلامان شبا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل وصل لحاهما وابنا مسمع كان قتلهما معاوية بن يزيد بن الملهب مع عدي بن أرطاة٢ لما أتاه خبر قتل أبيه، وكان ابنا مسمع ممن خالف على يزيد بن الملهب. والمنتوف كان

стр. 248

مولى لبني قيس بن ثعلبة بن عكابة. وابنا مسمع من بني قيس بن ثعلبة، وكان المنتوف كالخليفة ليزيد بن الملهب، وفي ذلك يقول جرير: والأزد قد جعلوا المنتوف قائدهم ... فقتلتهم جنود الله وانتتفوا وتمام شعر الفرزدق: ولو قتلا من جذم بكر بن وائل ... لكان على الناعي شديداً بكاهما١ ولو كان حياً مالكٌ وابن مالكٍ ... إذا أوقدا نارين يعلو سناهما٢ السنا: ضوء النار، وهو مقصور، قال الله : ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ ٣ والسناء من الشرف، ممدود، قال حسان بن ثابت: وإنك خير عثمان بن عمرٍو ... وأسناها إذا ذكر السناء والبكاء يمد ويقصر، فمن مد فإنما جعله كسائر الأصوات، ولايكون المصدر في معنى الصوت مضموم الأول إلا ممدوداً، لأنه يكون على "فعالٍ" وقلما يكون المصدر على "فعلٍ"، وقد جاء في حروف: نحو: الهدى والسرى وما أشبهه، وهو يسير، فأما الممدود فنحو: العواء، والدعاء. والرغاء، والثغاء، فكذلك البكاء، ونظيره من الصحيح الصراخ والنباح، ومن قصر فإنما جعل البكاء كالحزن، وقد قال حسان، فقصر ومد: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل!

стр. 249

لجرير يرثي ابنه سوادة وقال جرير: قالوا نصيبك من أجرٍ فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالي١

стр. 250

هذا سوادة يجلو مقلتي لحمٍ ... بازٍ يصرصر فوق المرقب العالي فارقته حين غض الدهر من بصري ... وحين صرت كعظم الرمة البالي قوله: "يجلو مقلتي لحم"، شبه مقلتيه بمقلتي البازي، ويقال: "طائر لحم" من هذا. وقوله: "يصرصر" يعني يصوت، يقال: صرصر البازي والصقر، وما كان من سباع الطير، ويقال: صرصر العصفور: وأحسبه مستعاراً. لأن الأصل فيه أن يستعمل في الجوارح من الطير، قال جرير: بازٍ يصرصر بالسهبى قطاً جونا ١ وقال آخر: كما صرصر العصفور في الرطب الثعد٢ وأنشدني عمارة: "باز يصعصع" وهو أصح قال أبو الحسن: "يصعصع" وهو الصواب، ولكن هكذا وقع في كتابه. ويصرصر لايتعدى. قال أبو العباس: وقوله: "كعظم الرمة "فهي البالية الذاهبة، والرميم: مشتق من الرمة، وإنما هو فعيلٌ وفعلةٌ، وليس بجمع له واحد. ومما كفرت به الفقهاء الحجاج بن يوسف قوله: والناس يطوفون بقبر رسول الله ﷺ ومنبره وإن شئت قلت: "يطيفون"، قال أبو زيد: تقول العرب: طفت وأطفت به، ودرت وأدرت به، ويقال: حدق وأحدق: قال الأخطل: المنعمون بنو حربٍ وقد حدقت ... بي المنية واستبطأت أنصاري إنما يطوفون بأعوادٍ ورمةٍ. ومن أمثال العرب: "لولا أن تضيع الفتيان الذمة، لخبرتها بما تجد الإبل في الرمة".، يقول: لولا أن تدع الأحداث التمسك بالوفاء، والرعاية للحرمة لأعلمتها أن الإبل تتناول العظم البالي، وهو أقل الأشياء فتجد له لذة.

стр. 251

ومثل بيت جرير الأخير قول أبي الشغب يرثي ابنه شغباً: قد كان شغبٌ لو ان الله عمره ... عزاً تزداد به في عزها مضر ليت الجبال تداعت قبل مصرعه ... دكاً فلم يبق من أحجارها حجر فارقت شغباً وقد قوست من كبرٍ ... بئس الحليفان: طول الحزن والكبر قوله: "قوست "يقول: انحنيت كالقوس، قال امرؤ القيس: أراهن لايحببن من قل ماله ... ولا من رأيت الشيب فيه، وقوسا

стр. 252

لسليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي وقال سليمان بن قتة يرثي الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉: مررت على أبيات آل محمدٍ ... فلم أرها كعهدها يوم حلت فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت وكانوا رجاءً ثم صاروا رزيةً ... فقد عظمت تلك الرزايا وجلت١ وإن قتيل الطف من آل هاشمٍ ... أذل رقاب المسلمين فذلت٢ وعند غني قطرةٌ من دمائنا ... سنجزيهم يوماً بها حيث حلت٣ إذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... وتقتلنا قيسٌ إذا النعل زلت وسليمان بن قتة٤ رجل من بني تميم بن مرة بن كعب بن لؤي، وكان منقطعاً إلى بني هاشمٍ

стр. 253

للفرزدق يرثي ابنيه وقال الفرزدق يرثي ابنيه: بفي الشامتين الترب أن كان مسني ... رزية شبلي مخدرٍ في الضراغم١ وما أحدٌ كان المنايا وراءه ... ولو عاش أياماً طوالا بسالم

стр. 254

أرى كل حي ما تزال طليعةً ... عليه المنايا من ثنايا المخارم يذكرني ابني السماكان موهناً ... إذا ارتفعا فوق النجوم العواتم١ وقد رزىء الأقوام قبلي بنيهم ... وإخوانهم، فاقني حياء الكرائم ومات أبي والمنذران كلاهما ... وعمرو بن كلثوم شهاب الأراقم وقد كان مات الأقرعان وحاجب ... وعمرو أبو عمرو، وقيس بن عاصم وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍ ... ومات أبو غسان شيخ اللهازم وقد مات خيراهم فلم يهلكاهم ... عشية بانا رهط كعب وحاتم فما ابناك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى حنين المآتم قال: وأنشدني التوزي عن أبي زيد: "خنين المآتم "بالخاء معجمة٢. قوله: "ما تزال طليعة "يريد طالعةً، والثنايا جمع ثنيةٍ، وهي الطريق في الجبل، من ذلك٣: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني والمخارم: جمع مخرمٍ، وهو منقطع أنف الجبل. وقوله: "فوق النجوم العواتم"، يعني المتأخرة، يقال: فلان يأتينا ولا يعتم: أي لايتأخر، وعتمة اسم للوقت، فلذلك سميت الصلاة بذلك الوقت، وكل صلاة مضافة إلى وقتها، تقول: صلاة الغداة، وصلاة الظهر، وصلاة العصر. وما قولك: الصلاة الأولى، فالأولى نعت لها إذا كانت أول ما صلي، وقيل أول ما أظهر. وقوله: "فاقني حياء الكرائم" يقول: فالزمي، وأصل القنية المال اللازم، يقال: اقتنى فلان مالاً إذا اتخذ أصل مالٍ، وقيل في قول الله : ﴿وَأَنَّهُ

стр. 255

هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ ١. أي جعل لهم أصل مال، وأنشد أبو عبيدة٢: لو كان للدهر عز يطمئن به ... لكن للدهر صخر مال قنيان٣ والكرائم: جمع كريمة، والاسم من "فعيلة" والنعت يجمعان على "فعائل"، فالاسم نحو: صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، والنعت نحو: عقيلة وعقائل، وكريمة وكرائم. وقوله: "ومات أبي "يريد التأسي بالأشراف. وأبوه غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع، وكان أبوه شريفاً، وأجداده إلى حيث إنتهوا، ولكل واحد منهم قصة يطول الكتاب بذكرها. والمنذران: المنذر بن المنذر بن ماء السماء اللخمي، يريد الابن والأب، وعمرو بن كلثوم التغلبي، قاتل عمرو بن هند، وكان أحد أشراف العرب وفتاكهم وشعرائهم. والأراقم: قبيلة من بني تغلب ابنة وائل، من بني جشم بن بكر. وزعم أهل العلم أنهم إنما سموا الأراقم لأن عيونهم شبهت بعيون الحيات، والأراقم: واحدها أرقم، فكانوا معروفين بهذا. قال الفرزدق يرد على جرير في هجائه له وللأخطل: إن الأراقم لن ينال قديمها ... كلب عوى متهتم الأسنان وجعله شهاباً لهم لنوره وبهائه وضيائه، تقول العرب: إنما فلان نجم أهله وكذلك قالت الخنساء: كأنه علم في رأسه نار والأقرعان: الأقرع بن حابس، وابنه الأقرع من بني مجاشع بن دارم، وكان الأقرع في صدر الإسلام سيد خندف٤، وكان محله فيها محل عيينة بن حصن في قيس. وحاجب بن زرارة بن عدس سيد بني تميم في الجاهلية غير مدافع.

стр. 256

وعمرو أبو عمرو، يريد عمرو بن عدس، وكان شريفاً، وكان ابنه عمرو شريفاً، قتل يوم جبلة١، قتلته بنو عامر بن صعصعة، وقتلوا لقيط بن زرارة وكان الذي ولي قتله عمارة الوهاب العبسي، وينسب إلى بني عامر، لأن بني عبس كانوا فيهم مع قيس بن زهير، وعمارة هذا كان يقال له: "دالق"٢، وقتله شرحاف الضبي، ولذلك يقول الفرزدق: وهن بشرحاف تداركن دالقاً ... عمارة عبس بعدما جنح العصر وزعم أبو عبيدة أن فاطمة بنت الخرشب الأنمارية أريت في منامها قائلاً يقول: أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلاثة كعشرة هدرة بالدال غير معجمة، قال أبو الحسن: هم السقاط من الناس فلم تقل شيئاً، فعادلها في الليلة الثانية فلم تقل شيئاً، ثم قصت ذلك على زوجها فقال: إن عاد لك الثالثة فقولي: ثلاثة كعشرة وزوجها زياد بن عبد الله بن ناشب العبسي، فلما عاد لها قالت: ثلاثة كعشرة، فولدتهم كلهم غاية، ولدت ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، وهي إحدى المنجبات من العرب. وأسرو حاجباً. فذلك حيث يقول جرير يعير الفرزدق ويعلمه فخر قيس عليه: تحضض يا ابن القين قيساً ليجعلوا ... لقومك يوما مثل يوم الأراقم كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجبا ... وعمرو بن عمرو إذ دعوا: يال دارم ولم تشهد الجونين والشعب ذا الصفا ... وشدات قيس يوم دير الجماجم الجونان: معاوية وحسان ابنا الجون الكنديان، أسرا في ذلك اليوم، فقتل حسان، وفودي معاوية بسبب يطول ذكره. والشعب: شعب جبلة. وقوله: وشدات قيس يوم دير الجماجم

стр. 257

هذا في الإسلام، يعني وقعة الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي بدير الجماجم. وقوله١: وقد مات بسطام بن قيس بن خالد يعني الشيباني، وهو فارس بكر بن وائل وابن سيدها، وقتل بالحسن٢ وهو جبل قتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان عاصم بن خليفة أسلم في أيام عثمان ﵀، فكان يقف ببابه فيستأذن عليه، فيقول عاصم بن خليفة الضبي: قاتل بسطام بن قيس بالباب قال أبو الحسن: الوجه عندي في "بسطام" ألا ينصرف لأنه أعجمي وكان سبب قتله إياه أن بسطاماً أغار على بني ضبة، وكان معه حاز يحزو له قال أبو الحسن: " حاز" بالزاي أي زاجر فقال له بسطام: إني سمعت قائلاً يقول: الدلو تأتي الغرب المزله٣ فقال الحازي: فهلا قلت: ثم تعود بادناً مبتله٤ قال: ما قلت فاكتسح إبلهم، فتنادوا واتبعوه، ونظرت أم عاصم إليه، وهو يقع حديدة له أي يحدها، والميقعة: المطرقة فقالت له: ما تصنع بهذه وكان عاصم مضعوفاً٥ فقال لها: أقتل بها بسطام بن قيس، فنهرته، وقالت: است أمك أضيق من ذلك فنظر إلى فرس لعمه موثقةٍ إلى شجرة

стр. 258

فاعروراها أي ركبها عرياً ثم أقبل بها كالريح، فنظر بسطام إلى الخيل قد لحقته، فجعل يطعن الإبل في أعجازها، فصاحت به بنو ضبة: يا بسطام، ما هذا السفه دعها، إما لنا وإما لك، وانحط عليه عاصم، فطعنه فرمى به على الألاءة وهي شجرة ليست بعظيمة، وكان بسطام نصرانياً، وكان مقتله بعد مبعث النبي ﷺ فأراد أخوه الرجوع إلى القوم، فصاح به بسطام: أنا حنيف إن رجعت، ففي ذلك يقول ابن غنمة الضبي وكان في بني شيبان: فخر على الألاءه لم يوسد ... كأن جبينه سيف صقيل ولما قتل بسطام لم يبق في بكر بن وائل بيت إلا هجم أي هدم. وقوله: ومات أبو غسان شيخ اللهازم يعني مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وإليه تنسب المسامعة. وكان سيد بكر بن وائل في الإسلام، وهو الذي قال لعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللآت بن ثعلبة وكان حين حدث أمر مسعود بن عمرو المعني من الأزد فلم يعلمه به، فقال له عبيد الله وهو أحد فتاك العرب، وهو قابل مصعب بن الزبير: أيكون مثل هذا الحدث ولا تعلمني به لهممت أن أضرم دارك عليك ناراً فقال له مالك: اسكت أبا مطر، فوالله إن في كنانتي سهم أنا أوثق به مني بك، فقال له عبيد الله: أو أنا في كنانتك فوالله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها، فقال له مالك وأعجبه ما سمع منه: أكثر الله في العشيرة مثلك قال: لقد سألت ربك شططاً! وفي مالك بن مسمع يقال: إذا ما خشينا من أمير ظلامة ... دعونا أبا غسان يوماً فعسكراً قوله: "وقد مات خيراهم"، تثنية كقولك: مات أحمراهم، ولم يخرج مخرج النعت، ألا ترى أنك تقول: هذا أحمر القوم إذا أردت: هذا الأحمر الذي للقوم، فإذا أردت الذي يفضلهم في باب الحمرة قلت: هذا أشدهم حمرة، ولم

стр. 259

تقل: هذا أحمرهم، وكذلك خيراهم، وإنما أردت هذا خيرهم ثم ثنيت، أي هذا الخير الذي هو فيهم. وقوله: "عشية بانا"، مردود على قوله: "خيراهم". وقوله: "رهط كعب وحاتم"، إنما خفضت "رهطاً" لأنه بدل من "هم" التي أضفت إليها "الخيرين" والتقدير: وقد مات خيراً رهط كعب وحاتم، فلم يهلكاهم عشية بانا. فأما كعب، فهو كعب بن مامة الإيادي، وكان وكان أحد أجواد العرب الذي آثر على نفسه، وكان مسافراً ورفيقه رجل من النمر بن قاسط فقل عليهما الماء فتصافناه والتصافن: أن يطرح في الإناء حجرٌ١ ثم يصب فيه من الماء ما يغمره لئلا يتغابنوا: وكذلك كل شيء وقف على كيله أو وزنه، والأصل ما ذكرنا فجعل النمري يشرب نصيبه، فإذا أخذ كعب نصيبه قال: اسق أخاك النمري، فيؤثره حتى جهد كعبٌ، ورفعت له أعلام الماء، فقيل له: رد كعب ولا ورود به، فمات عطشاً، ففي ذلك يقول أبو دؤاد الإيادي: أوفى على الماء كعبٌ ثم قيل له ... رد كعب إنك ورادٌ فما وردا فضرب به المثل، فقال جرير في كلمته التي مدح فيها عمر بن عبد العزيز: يعود الفضل منك على قريشٍ ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا وقد أمنت وحشهم برفقٍ ... ويعيي الناس وحشك أن تصادا وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا وتدعوا الله مجتهداً ليرضى ... وتذكر في رعيتك المعادا وما كعب ابن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا تعود صالح الأخلاق إني ... رأيت المرء يلزم ما استعادا هذا كعب ابن مامة الذي ذكرناه.

стр. 260

وأما ابن سعدى، فهو أوس بن حارثة بن لأم الطائي، وكان سيداً مقدماً، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو ابن هند، وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فدعا أوساً فقال له: أأنت أفضل أم حاتم? فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداةٍ واحدةٍ. ثم دعا حاتماً فقال له: أنت أفضل أم أوسٌ? فقال أبيت اللعن إنما ذكرت بأوسٍ، ولأحد ولده أفضل مني. وكان النعمان بن المنذر دعا بحلة وعنده وفود العرب من كل حي فقال: احضروا في غد، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعاً إلا أوساً، فقيل له: لم تتخلف فقال إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء ألا أكون حاضراً، وإن كنت أنا المراد فسأطلب ويعرف مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوساً، فقال اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمناً مما خفت، فحضر فألبس الحلة، فحسده قوم من أهله، فقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلاً في بيتي أثاثاً ولا مالاً إلا من عنده ثم قال: كيف الهجاء وما تنفك صالحةٌ ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني فقال لهم بشر بن أبي خازم، أحد بني أسد بن خزيمة: أنا أهجو لكم، فأخذ الإبل وفعل، فأغار أوس على الإبل فاكتسحتها، فجعل لا يستجير حياً إلا قال: قد أجرتك إلا من أوس. وكان في هجائه إياه قد ذكر أمه، فأتى به، فدخل أوس على أمه فقال: قد أتينا ببشرٍ الهاجي لك ولي، فما ترين فيه? فقالت له: أو تطيعني فيه? قال نعم، قالت: أرى أن ترد عليه ماله، وتعفو عنه وتحبوه، وافعل مثل ذلك، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه. فخرج إليه فقال: إن أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا فقال: لا جرم والله لا مدحت أحداً حتى أموت غيرك. ففيه يقول: إلى أوس بن حارثة بن لأمٍ ... ليقضي حاجتي فيمن قضاها وما وطئ الثرى مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها

стр. 261

وأما حاتمٌ الذي ذكره الفرزدق، فهو حاتم بن عبد الله الطائي، جواد العرب، وقد كان الفرزدق صافن رجلاً من بني العنبر بن عمرو بن تميم إدواة١ في وقتٍ، فرامه العنبري وسلمه أن يؤثره وكان الفرزدق جوادا فلم تطب نفسه عن نفسه، فقال الفرزدق: فلما تصافنا الإداوة أجهشت ... إلي غضون العنبري الجراضم فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصرائم على ساعةٍ لو أن في القوم حاتماً ... على جوده ضنت به نفس حاتم أما قوله: "أجهشت" فهو التسرع، وما تراه في فحواه من مقاربة الشيء، يقال: أجهش بالبكاء. والغضون: التكسر قي الجلد، والجراضم: الأحمر الممتلئ. وقوله: ليشرب ماء القوم بين الصرائم فهي جمع صريمةٍ، وهي الرملة التي تنقطع من معظم الرمل، وقوله: "صريمة "يريد مصرومة، والصرم: القطع، وأتشد الأصمعي: فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى على صريمته الظلام يعني ثوراً، وصريمته: رملته التي هو فيها. وقال المفسرون في قول الله : ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ ٢ قولين، قال قوم: كالليل المظلم، وقال قوم: كالنهار المضيء، أي بيضاء لا شيء فيها، فهو من الأضداد. ويقال: لك سواد الأرض وبياضها، أي عامرها وغامرها، فهذا ما يحتج به لأصحاب القول الأخير، ويحتج لأصحاب القول الأول في السواد بقول الله ﵎: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ٣، وإنما سمي السواد سواداً لعمارته، وكل خضرةٍ عند العرب سواد، ويروى: على ساعةٍ لوأن في القوم حاتماً ... على جوده ما جاد بالماء حاتم جعل" حاتما" تبيناً للهاء في جوده، وهو الذي يسميه البصريون البدل، أراد: على جود حاتمٍ.

стр. 262

باب نبذ من أقوال الحكماء قال أبو العباس: كان يقال: إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم. وكان يقال: أنعم الناس عيشاً من عاش غيره في عيشه. وقيل في المثل السائر: من كان في وطن فليوطن غيره وطنه، ليرتع في وطن غيره في غربته. قال: وأنتبه معاوية من رقدةٍ له، فأنبه عمرو بن العاص، فقال له عمرو: ما بقي من لذتك١? قال: عينٌ خرارة في أرض خوارة٢، وعينٌ ساهرة لعينٌ نائمة، فما بقي من لذتك يا أبا عبد الله? قال: أن أبيت معرساً بعقيلة من عقائل العرب. ثم نبها وردان٣، فقال له معاوية: ما بقي من لذتك? فقال: الإفضال على الإخوان، فقال له معاوية: اسكت، أنا٤ أحق بها منك، قال٥: قد أمكنك فافعل. ويروى أن عمراً لما سئل قال: أن أستتم بناء مدينتي بمصر، وأن وردان لما سئل قال: أن ألقى كريماً قادراً في عقب إحسانٍ كان مني إليه، وأن معاوية سئل عن الباقي من لذته فقال: محادثة الرجال. ويروى عن عبد الملك أنه قال: وقد سئل عن الباقي من لذته فقال: محادثة الإخوان في الليالي القمر٦ على الكثبان العفر٧. وقال سليمان بن عبد الملك: قد أكلنا الطيب، ولبسنا اللين، وركبنا الفاره٨، وأمتطينا العذراء، فلم يبق من لذتي إلا صديق أطرح بيني وبينه مؤونة التحفظ.

стр. 263

وقال رجل لرجل من قريش: إني والله ما أمل الحديث، قال: أيمل العتيق١. وقال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع. وقال معاوية: الدنيا بحذافيرها الخفض والدعة. وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل له: ولم أيها الأمير? قال: أكره عادة العجز. ويروى عن بعض الصالحين أنه قال: لو أنزل الله كتاباً أنه معذب رجلاً واحداً لخفت أن أكونه، أو أنه راحمٌ رجلاً واحداً لرجوت أن أكونه، أو أنه معذبي٢ لا محالة ما ازددت إلا اجتهاداً لئلا أرجع على نفسي بلائمة.

стр. 264

أدب عمر بن عبد العزيز ويروى أن عمر بن عبد العزيز كان يدخل إليه سالم مولى بني مخزوم وقالوا: بل زياد وكان عمر أراد شراءه وعتقه، فأعتقه مواليه، وكان عمر يسميه: أخي في الله، فكان إذا دخل وعمر في صدر مجلسه تنحى عن الصدر، فيقال له في ذلك فيقول: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلاً فلا تأخذ عليه شرف المجلس. وهم السراج ليلة بأن يخمد، فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه، فأقسم عليه عمر فجلس، ثم قام عمر فأصلحه. فقال له رجاء: أتقوم يا أمير المؤمنين قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز. وروي عن رسول الله ﵌ أنه قال: "لا ترفعوني فوق قدري فتقول في ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً". ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين? قال: فيم أوصي? فوالله إن لي من مال، فقال: هذه مائة ألف فمر فيها بما أحببت، فقال: أو تقبل? قال: نعم، قال. ترد على من أخذت منه ظلماً. فبكى مسلمة ثم قال: يرحمك الله لقد ألنت منا قلوباً قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً.

стр. 265

بر علي بن الحسين بأمه وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵏: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفةٍ، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.

стр. 266

لعمر بن ذر في ابنه وقيل لعمر بن ذر حيث نظر إلى تعزيه عن إبنه كيف كان بره بك? فقال: ما مشيت بنهارٍ قط إلا مشى خلفي، ولا بليلٍ إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحاً وأنا تحته.

стр. 267

لأبي المخش في ولده وقال أبو المخش: كانت لي إبنة تجلس معي على المائدة، فتبرز كفاً كأنها طلعة١، في ذراعٍ كأنها جمارة٢، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابنٌ لي فيبرز كفاً كأنها كرنافة، في ذراعٍ كأنها كربة، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلاسبقت يده إليها. وقال الأصمعي: قيل لأبي المخش: أما كان لك ابنٌ? فقال: المخش، وما كان المخش? كان والله أشدق خرطمانياً إذا تكلم سال لعابه، كأنما ينظر من قلتين٣، وكأن ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل، فقأ الله عيني هاتين إن كنت رأيت بهما أحسن منه قبله ولا بعده. قوله: "بوان أو خالفة" فهما عمودان من عمد البيت، البوان في مقدمه والخالفة في مؤخره. والكرنافة: طرف الكربة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف.

стр. 268

حدثني بهذا الحديث العباس بن الفرج الرياشي عن الأصمعي، وحدثني عمن حدثه قال: مر بنا أعرابي ينشد إبناً له، فقلنا: صفه، فقال: دنينير، قلنا لم نره، فلم نلبث أن جاء بجعل على عنقه، فقلنا: لو سألت عن هذا لأرشدناك، ما زال منذ اليوم بين أيدينا. وأنشد منشد، وأنشدني الرياشي أحد البيتين: نعم ضجيع الفتى إذا برد الليـ ... ـل سحيراً وقرقف الصرد١ زينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد

стр. 269

لأم ثواب الهزانية تصف عقوق ابنها وقالت أم ثواب الهزانية، من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، تعني ابنها: ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا١ حتى إذا آض كالفحال شذبه ... أباره ونفى عن متنه الكربا أنشا يخرق أثوابي ويضربني ... أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا إني لأبصر في ترجيل لمته ... وخط لحيته في وجهه عجبا٢ قالت له عرسه يوماً لتسمعني: ... رفقاً فإن لنا في أمنا أربا ولو رأتني في نارٍ مسعرة ... من الجحيم لزادت فوقها حطبا قوله: "أباره"، فهو الذي يصلحه، يقال: أبرت النخل وأبرته خفيفة، إذا لقحته.

стр. 270

خبر مالك بن العجلان مع أبي جبيلة ويرى أن مالك بن العجلان أو غيره من الأنصار كان يتحف أبا جبيلة الملك حيث نزل بهم بتمرٍ من نخلةٍ لهم شريفةٍ، فغاب يوماً، فقال أبو جبيلة: إن

стр. 271

مالكاً كان يقوت علينا جنى هذه النخلة فجدوها، فجاء مالك وقد جدت فقال: من سعى على عذق١ الملك فجده، فأعلموه أن الملك أمر بذلك، فجاء حتى وقف عليه فقال: جددت جنى نخلتي ظالماً ... وكان الثمار لمن قد أبر فلما دخل النبي ﷺ المدينة أطرفوه بهذا الحديث، فقال ﷺ : "الثمر لمن أبر، إلا أن يشترطه المشتري". والفحال فحال النخل: ولا يقال لشيء من الفحول فحال غيره. وأنشدني المازني: يطفن بفحالٍ كأن ضبابه ... بطون الموالي يوم عيدٍ تغدت٢ وضبابه: طلعه. وآض: عاد ورجع. وقولها: "شذبه" تقول: قطع عنه الكرب والعثاكيل٣ وكل مشذب مقطوع ويقال للرجل الطويل النحيف: مشذب يشبه بالجذع المحذوف عنه الكرب وأصل التشذيب القطع وقال الفرزدق: عضت سيوف تميمٍ حين أغضبها ... رأس ابن عجلى فأضحى رأسه شذباً أراد: عضت سيوف تميم رأس ابن عجلى حين أغضبها. وابن عجلى: عبد الله بن خازم السلمي وأمه عجلى وكانت سوداء وهو أحد غرباء العرب في الإسلام.

стр. 272

للمهلب وقد سئل من أشجع الناس ? وسئل المهلب من أشجع الناس فقال: عباد بن حصين، وعمر بن عبيد الله بن معمر، والمغيرة بن المهلب فقيل. فأين ابن الزبير وابن خازم وعمير بن الحباب فقال: إنما سئلت عن الإنس ولم أسأل عن الجن!.

стр. 273

باب من كلام عائشة روى شعبة عن واقد بن محمد، عن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد قال: قالت عائشة ﵂: من أرضى الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بينه وبين الناس ومن أرضى الناس بإسخاط الله وكله الله إلى الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.

стр. 274

بين الحسن بن زيد والي المدينة وابن هرمة ويروى أن الحسن بن زيد١ لما ولي المدينة قال لابن هرمة٢: إني لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك قد أفادني الله بولادة نبيه الممادح، وجنبني المقابح وإن من حقه علي ألا أغضي على تقصير في حقه وأنا أقسم بالله، لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدين: حدا للخمر، وحدا للسكر وأزيدن، لموضع حرمتك بي. فليكن تركها لله تعن عليه ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة وهو يقول: نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدبني بآداب الكرام وقال لي اصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبري عنها وحبي ... لها حب تمكن من عظامي أرى طيب الحلال علي خبثاً ... وطيب النفس في خبث الحرام

стр. 275

من كلام مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي وقال الحسن لمطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي: يا مطرف، عظ أصحابك فقال مطرف: إني أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول لود الشيطان أنه ظفر بهذه منكم فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر.

стр. 276

وقال مطرف بن عبد الله لابنه: يا عبد الله، العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين وشر السير الحقحقة. قوله: "الحسنة بين السيئتين"، يقول: الحق بين فعل المقصر والغالي. ومن كلامهم: خير الأمور أوسطها. قوله: "وشر السير الحقحقة" وهو أن يستفرغ المسافر جهد ظهره فيقطعه، فيهلك ظهره، ولا يبلغ حاجته. يقال: حقحق السير إذا فعل ذلك. وقال الراجز: وأنبت فعل١ السائر المحقحق وحدثت أن الحسن نفى سابق الحاج وقد أسرع، فجعل يومىء إليه بإصبعه فعل الغازلة وهو يقول: "خرقاء وجدت صوفاً". وهذا مثل من أمثال العرب يضربونه للرجل الأحمق الذي يجد مالاً كثيراً فيعيث فيه وشبيه بهذا المثل قوله: "عبد وخلى٢ في يديه". ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهراً أبقى". قوله: "متين"، المتين الشديد، قال الله : ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٣. وقوله: "فأوغل فيه برفق"، يقول: ادخل فيه، هذا أصل الوغول، ويقال مشتقاً من هذا الرجل الذي يأتي شراب القوم من غير أن يدعى إليه: واغل، ومعناه أنه وغل في القوم وليس منهم، قال امرؤ القيس: حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل فاليوم أسقى غير مستحقب٤ ... إثماً من الله ولا واغل

стр. 277

والمنبت: مثل المحقحق، واشتقاقه من الانقطاع، يقال: انبت فلان من فلان أي انقطع منه، وبت الله ما بينهم، أي قطع، قال محمد بن نمير: تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وقالوا لراعي الذود: موعدك السبت وفي النفس حاجات إليهم كثيرة ... وموعدها في السبت لو قد دنا الوقت١ ويروى: ألا قرب الحي الجمال لينبتوا وحدثت أن ابن السماك كان يقول: إذا فعلت الحسنة فافرح بها واستقللها فإنك إذا استقللتها زدت عليها، وإذا فرحت بها عدت إليها. ويروى عن أويسٍ القرني أنه قال: إن حقوق الله لم تترك عند مسلم درهماًٍ.

стр. 278

يزيد بن هبيرة ينصح المنصور ودخل يزيد بن عمر بن هبيرة على أمير المؤمنين المنصور فقال: يا أمير المؤمنين، توسع توسعاً قرشياً، ولا تضق ضيقاً حجازياً. ويروى أنه دخل عليه يوماً فقال له المنصور: حدثنا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن سلطانكم حديث، وإمارتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوة عدلها، وجنبوهم مرارة جورها. فوالله ياأمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة. ثم نهض معه سبعمائة من قيس، فأتأره المنصور بصره، ثم قال: لا يعز ملك يكون فيه مثل هذا. قوله: "محضت لك النصيحة" يقول: أخلصت لك، وأصل هذا من اللبن، والمحض منه: الخالص الذي لا يشوبه شيء، وأنشد الأصمعي: امتحضا وسقياني ضيحا ... وقد كفيت صاحبي الميحا١

стр. 279

ويقال: حسب محض. وقوله: "أتاره بصره" يقول: أتبعه بصره، وحدد إليه النظر، وأنشد الأصمعي: مازلت أرمقهم والآل يرفعهم ... حتى اسمدر بطرف العين إتآري١

стр. 280

لأسماء بن خارجة في كرم الخلق ويروى عن أسماء بن خارجة أنه قال: لا أشاتم رجلاً، ولا أرد سائلاً، فإنما هو كريم أسد خلته، أو لئيم أشتري عرضي منه.

стр. 281

للأحنف بن قيس ويروى عن الأحنف بن قيس أنه قال: وما شاتمت رجلاً، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقاً كما ينتح الحميت، فو الله ما وصلته. قوله: "مجتدي" يريد الذي يأتيه يطلب فضله، يقال: اجتده يجتديه، واعتفاه يعتفيه، واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، وعراه يعروه: إذا قصده يتعرض لنائله. وأصل ذلك مأخوذ من الجدا مقصور، وهو المطر العام النافع، يقال: أصابتنا مطرة كانت جداً على الأرض، فهذا الاسم، فإذا أردت المصدر، قلت: فلان كثير الجداء، ممدودة، كما تقول: كثير الغناء عنك، ممدودة، هذا المصدر، فإذا أردت الاسم الذي هو خلاف الفقر قلت: الغنى بكسر أوله وقصرت. قال خفاف بن ندبة يمدح أبا بكر الصديق ﵁: ليس لشيء غير تقوى جداء ... وكل شيء عمره للفناء إن أبا بكر هو الغيث إذ ... لم تشمل الأرض سحاب بماء تالله لا يدرك أيامه ... ذو طرةٍ حاف ولا ذو حذاء من يسع كي يدرك أيامه ... يجتهد الشد بأرضٍ فضاء

стр. 282

وهذا من طريف الشعر لأنه ممدود فهو بالمد الذي فيه من عروض السريع الأولى، وبيته في العروض: أزمان سلمى لا يرى مثلها الرا ... ؤون في شام ولا في عراق ثم نرجع إلى تأويل قول الأحنف. قوله: "حتى ينتح جبينه عرقاً"، فهو مثل الرشح. وحدثني أبو عثمان المازني في إسناد له ذكره قال: قال رؤبة بن العجاج: خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك، فلما صرنا في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء الشحم، وخريطة من كمأة، ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي١ تنتحان منه إلى أن رجعت. وقوله: "الحميت"، فالحميت والزق، اسمان له، وإذا زفت أو كان مربوباً الوطب، وإذا لم يكن مربوباً ولا مزفتاً فهو سقاء ونحي، والوطب يكون للبن والسمن، والسقاء يكون للبن والماء. قالت هند بنت عتبة لأبي سفيان بن حرب لما رجع مسلماً من عند النبي ﷺ إلى مكة في ليلة الفتح، فصاح: يامعشر قريش، ألا إني قد أسلمت فأسلموا، فإن محمداً قد أتاكم بما لا قبل لكم به فأخذت هند برأسه، وقالت: بئس طليعة القوم أنت والله ما خدشت خدشاً، يا أهل مكة، عليكم الحميت الدسم فاقتلوه. وأما قول رؤبة: "كرافىء الشحم"، يريد طبقات الشحم. وأصل ذلك في السحاب إذا ركب بعضه بعضاً، يقال له: كرفئ، والجميع كرافىء. قال أبو الحسن الأخفش: واحد الكرافىء كرفئة، وهاء التأنيث إذا جمعت جمع التكسير حذفت لأنها زائدة بمنزلة اسم ضم إلى اسم وأحسب أن أبا العباس لم يسمع الواحد من هذا فقاسه، والعرب تجترىء على حذف هاء التأنيث إذا احتاجت إلى ذلك، وليس هذا موضع حاجة إذا كانت قد استعملت الواحدة بالهاء، ونظير هذا قولهم: ما في السماء كرفئة، وما في السماء قذعملة وقذعميلة، وما في السماء طحربة وطحربة، وما في السماء قر طعبة، وما في السماء كنهورة، وهي القطعة من السحاب العظيمة كالجبل وما أشبه.

стр. 283

باب لحسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض التيمي قال أبو العباس: قال حسان بن ثابت يهجو مسافع١ بن عياض التيمي، من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، رهط أبي بكر الصديق ﵀: لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍ ... أو عبد شمس أو اصحاب اللوا الصيد أو من بني نوفل أو رهط مطلبٍ ... لله درك لم تهمم بتهديدي أو في الذؤابة من قوم ذوي حسبٍ ... لم تصبح اليوم نكساً ثاني الجيد أومن بني زهرة الأخيار قد علموا ... أومن بني جمح البيض المناجيد أو في السرارة من تيم رضيت بهم ... أو من بني خلف الخضر الجلاعيد يا آل تيم ألاينهى سفيهكم ... قبل القذاف بقول كالجلاميد لولا الرسول فإني لست عاصية ... حتى يغيبني في الرمس ملحودي وصاحب الغار إني سوف أحفظك ... وطلحة بن عبد الله ذو الجود لقد رميت بها شنعاء فاضحة ... يظل منها صحيح القوم كالمودي قوله: "لو كنت من هاشم" يريد هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، والنضر أبو قريش، ومن كان من بني كنانة لم يلده النضر فليس بقرشي. وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي. وعبد شمس هو عبد شمس٢، بن عبد مناف بن قصي. وأصحاب اللواء بنو عبد الدار بن قصي. واللواء ممدود إذا أردت به لواء الأمير، ولكنه احتاج إليه فقصره، وقد بينا جواز ذلك، فأما اللوى من الرمل فمقصور، قال امرؤ القيس: بسقط اللوى بين الدخول وحومل كذا يرويه الأصمعي، وهذه أصح الروايات٣.

стр. 284

وقوله: "أو من بني نوفل" فهو نوفل بن عبد مناف بن قصي. والمطلب الذي ذكره هو ابن عبد مناف بن قصي. وقوله: "لم تصبح اليوم نكساً"، فالنكس الدنيء المقصر. ويقول بعضهم: إن أصل ذلك في السهام، وذلك أن السهم إذا ارتدع١ أو نالته أفة نكس في الكنانة ليعرف من غيره قال الحطيئة: قد ناضلوك فأبدوا من كنانتهم مجداً تليداً ونبلا غير أنكاس قوله: "مجداً تليداً"، قالوا: نواصي الفرسان"٢ الذين كان يمن عليهم. وقوله: "ثاني الجيد" قد مر تفسيره في قول الله : ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ وقوله: "أو من بني زهرة"، فهو زهرة بن كلاب بن مرة. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "خلقت من خير حيين: من هاشم وزهرة" وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. وقوله: "الناجيد" مفاعيل، من النجدة، والواحدة منجاد، وإنما يقال ذلك في تكثير الفعل، كما تقول: رجل مطعان بالرمح، ومطعام للطعام. وقوله: أو في السرارة من تيم رضيت بهم يقول: في الصميم منهم والموضع المرضي، وأصل ذلك في التربة، تقول العرب: إذا غرست فاغرس في سرارة الوادي، ويقال: فلان في سر قومه، والسرة مثل ذلك، قال القرشي: هلا سألت عن الذين تبطحوا ... كرم البطاح وخير سرة واد٤

стр. 285

وعن الذين أبو فلم يستكرهوا ... أن ينزلوا الولجات من أجياد١ يخبرك أهل العلم أن بيوتنا ... منها بخير مضارب الأوتاد وقوله: "أو من بني خلف الخضر"، فإنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وليس بالوجه، وإنما يحذف من الحرف لالتقاء الساكنين حروف المد واللين، وهي الألف، والياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، نحو قولك: هذا قفا الرجل، وقاضي الرجل، ويغزو القوم، فلأما التنوين فجاز فيه هذا. لأنه نون في اللفظ، والنون تدغم في الياء والواو، وتزاد كما تزاد حروف المد واللين، ويبدل بعضها من بعض، فتقول: رأيت زيداٌ فتبدل الألف من التنوين، وتقول في النسب إلى صنعاء وبهراء٢ صنعاني وبهراني، فتبدل النون من ألف التأنيت، وهذه جملة وتفسيرها كثير، فلذلك حذف، ومثل هذا من الشعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف وقال آخر٣: حميد الذي أمجٌ داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع٤ وقرأ بعض القراء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وسمعت عمارة بن عقيل يقرأ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥، فقلت: ما تريد ? فقال: "سابقٌ النهار". وقوله: "أواصحاب اللوا"، فإنما٦ خفف الهمزة،
следующие страницы →