← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

للأحنف بن قيس ويروى عن الأحنف بن قيس أنه قال: وما شاتمت رجلاً، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقاً كما ينتح الحميت، فو الله ما وصلته. قوله: "مجتدي" يريد الذي يأتيه يطلب فضله، يقال: اجتده يجتديه، واعتفاه يعتفيه، واعتراه يعتريه، واعتره يعتره، وعراه يعروه: إذا قصده يتعرض لنائله. وأصل ذلك مأخوذ من الجدا مقصور، وهو المطر العام النافع، يقال: أصابتنا مطرة كانت جداً على الأرض، فهذا الاسم، فإذا أردت المصدر، قلت: فلان كثير الجداء، ممدودة، كما تقول: كثير الغناء عنك، ممدودة، هذا المصدر، فإذا أردت الاسم الذي هو خلاف الفقر قلت: الغنى بكسر أوله وقصرت. قال خفاف بن ندبة يمدح أبا بكر الصديق ﵁: ليس لشيء غير تقوى جداء ... وكل شيء عمره للفناء إن أبا بكر هو الغيث إذ ... لم تشمل الأرض سحاب بماء تالله لا يدرك أيامه ... ذو طرةٍ حاف ولا ذو حذاء من يسع كي يدرك أيامه ... يجتهد الشد بأرضٍ فضاء

стр. 282

وهذا من طريف الشعر لأنه ممدود فهو بالمد الذي فيه من عروض السريع الأولى، وبيته في العروض: أزمان سلمى لا يرى مثلها الرا ... ؤون في شام ولا في عراق ثم نرجع إلى تأويل قول الأحنف. قوله: "حتى ينتح جبينه عرقاً"، فهو مثل الرشح. وحدثني أبو عثمان المازني في إسناد له ذكره قال: قال رؤبة بن العجاج: خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك، فلما صرنا في الطريق أهدي لنا جنب من لحم عليه كرافىء الشحم، وخريطة من كمأة، ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي١ تنتحان منه إلى أن رجعت. وقوله: "الحميت"، فالحميت والزق، اسمان له، وإذا زفت أو كان مربوباً الوطب، وإذا لم يكن مربوباً ولا مزفتاً فهو سقاء ونحي، والوطب يكون للبن والسمن، والسقاء يكون للبن والماء. قالت هند بنت عتبة لأبي سفيان بن حرب لما رجع مسلماً من عند النبي ﷺ إلى مكة في ليلة الفتح، فصاح: يامعشر قريش، ألا إني قد أسلمت فأسلموا، فإن محمداً قد أتاكم بما لا قبل لكم به فأخذت هند برأسه، وقالت: بئس طليعة القوم أنت والله ما خدشت خدشاً، يا أهل مكة، عليكم الحميت الدسم فاقتلوه. وأما قول رؤبة: "كرافىء الشحم"، يريد طبقات الشحم. وأصل ذلك في السحاب إذا ركب بعضه بعضاً، يقال له: كرفئ، والجميع كرافىء. قال أبو الحسن الأخفش: واحد الكرافىء كرفئة، وهاء التأنيث إذا جمعت جمع التكسير حذفت لأنها زائدة بمنزلة اسم ضم إلى اسم وأحسب أن أبا العباس لم يسمع الواحد من هذا فقاسه، والعرب تجترىء على حذف هاء التأنيث إذا احتاجت إلى ذلك، وليس هذا موضع حاجة إذا كانت قد استعملت الواحدة بالهاء، ونظير هذا قولهم: ما في السماء كرفئة، وما في السماء قذعملة وقذعميلة، وما في السماء طحربة وطحربة، وما في السماء قر طعبة، وما في السماء كنهورة، وهي القطعة من السحاب العظيمة كالجبل وما أشبه.

стр. 283

باب لحسان بن ثابت يهجو مسافع بن عياض التيمي قال أبو العباس: قال حسان بن ثابت يهجو مسافع١ بن عياض التيمي، من تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، رهط أبي بكر الصديق ﵀: لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍ ... أو عبد شمس أو اصحاب اللوا الصيد أو من بني نوفل أو رهط مطلبٍ ... لله درك لم تهمم بتهديدي أو في الذؤابة من قوم ذوي حسبٍ ... لم تصبح اليوم نكساً ثاني الجيد أومن بني زهرة الأخيار قد علموا ... أومن بني جمح البيض المناجيد أو في السرارة من تيم رضيت بهم ... أو من بني خلف الخضر الجلاعيد يا آل تيم ألاينهى سفيهكم ... قبل القذاف بقول كالجلاميد لولا الرسول فإني لست عاصية ... حتى يغيبني في الرمس ملحودي وصاحب الغار إني سوف أحفظك ... وطلحة بن عبد الله ذو الجود لقد رميت بها شنعاء فاضحة ... يظل منها صحيح القوم كالمودي قوله: "لو كنت من هاشم" يريد هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، والنضر أبو قريش، ومن كان من بني كنانة لم يلده النضر فليس بقرشي. وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي. وعبد شمس هو عبد شمس٢، بن عبد مناف بن قصي. وأصحاب اللواء بنو عبد الدار بن قصي. واللواء ممدود إذا أردت به لواء الأمير، ولكنه احتاج إليه فقصره، وقد بينا جواز ذلك، فأما اللوى من الرمل فمقصور، قال امرؤ القيس: بسقط اللوى بين الدخول وحومل كذا يرويه الأصمعي، وهذه أصح الروايات٣.

стр. 284

وقوله: "أو من بني نوفل" فهو نوفل بن عبد مناف بن قصي. والمطلب الذي ذكره هو ابن عبد مناف بن قصي. وقوله: "لم تصبح اليوم نكساً"، فالنكس الدنيء المقصر. ويقول بعضهم: إن أصل ذلك في السهام، وذلك أن السهم إذا ارتدع١ أو نالته أفة نكس في الكنانة ليعرف من غيره قال الحطيئة: قد ناضلوك فأبدوا من كنانتهم مجداً تليداً ونبلا غير أنكاس قوله: "مجداً تليداً"، قالوا: نواصي الفرسان"٢ الذين كان يمن عليهم. وقوله: "ثاني الجيد" قد مر تفسيره في قول الله : ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ وقوله: "أو من بني زهرة"، فهو زهرة بن كلاب بن مرة. ويروى أن رسول الله ﷺ قال: "خلقت من خير حيين: من هاشم وزهرة" وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. وقوله: "الناجيد" مفاعيل، من النجدة، والواحدة منجاد، وإنما يقال ذلك في تكثير الفعل، كما تقول: رجل مطعان بالرمح، ومطعام للطعام. وقوله: أو في السرارة من تيم رضيت بهم يقول: في الصميم منهم والموضع المرضي، وأصل ذلك في التربة، تقول العرب: إذا غرست فاغرس في سرارة الوادي، ويقال: فلان في سر قومه، والسرة مثل ذلك، قال القرشي: هلا سألت عن الذين تبطحوا ... كرم البطاح وخير سرة واد٤

стр. 285

وعن الذين أبو فلم يستكرهوا ... أن ينزلوا الولجات من أجياد١ يخبرك أهل العلم أن بيوتنا ... منها بخير مضارب الأوتاد وقوله: "أو من بني خلف الخضر"، فإنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وليس بالوجه، وإنما يحذف من الحرف لالتقاء الساكنين حروف المد واللين، وهي الألف، والياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها، نحو قولك: هذا قفا الرجل، وقاضي الرجل، ويغزو القوم، فلأما التنوين فجاز فيه هذا. لأنه نون في اللفظ، والنون تدغم في الياء والواو، وتزاد كما تزاد حروف المد واللين، ويبدل بعضها من بعض، فتقول: رأيت زيداٌ فتبدل الألف من التنوين، وتقول في النسب إلى صنعاء وبهراء٢ صنعاني وبهراني، فتبدل النون من ألف التأنيت، وهذه جملة وتفسيرها كثير، فلذلك حذف، ومثل هذا من الشعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف وقال آخر٣: حميد الذي أمجٌ داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع٤ وقرأ بعض القراء: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وسمعت عمارة بن عقيل يقرأ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥، فقلت: ما تريد ? فقال: "سابقٌ النهار". وقوله: "أواصحاب اللوا"، فإنما٦ خفف الهمزة،

стр. 286

وتخفف إذا كان قبلها ساكنٌ، فتطرح حركتها على الساكن وتحذف، كقولك: من أبوك? وقوله : ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ١. وخلف الذي ذكره من بني جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. وقوله: "الخضر الجلاعيد" يقال: فيه قولان: أحدهما أنه يريد سواد جلودهم٢، كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهبٍ: وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب فهذا هو القول الأول. وقال آخرون: شبههم في جودهم بالبحور. وقوله: "الجلاعيد"، يريد الشداد الصلاب، واحدهم جلعدٌ، وزاد الياء للحاجة، وهذا جمعٌ يجيء كثيراً، وذلك أنه موضع تلزمه الكسرة، فتشبع فتصير ياءً، يقال في خاتم: خواتيم، وفي دانقٍ دوانيق، وفي طابق طوابيق قال الفرزدق في مثل هذا الجمع: تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف٣ وقوله: "قبل القذاف" يريد المقاذفة، وهذه تكون من اثنين فما فوقهما، نحو المقاتلة والمشاتمة، فباب "فاعلت" إنما هو للاثنين فصاعداً، نحو قاتلت وضاربت، وقد تكون الألف زائدة في فاعلت فتبنى للواحد، كما زيدت الهمزة أولاٌ في "أفعلت "فتكون للواحد، نحو عاقبت اللص، وعافاه الله، وطارقت نعلي. وقوله: "وصاحب الغار"، يعني أبا بكر ﵀، لمصاحبته النبي ﷺ في الغار، وهذا مشهور لايحتاج إلى تفسيره. وطلحة بن عبيد الله نسبه إلى الجود لأنه كان من أجود قريش. وحدثني التوزي قال: كان يقال لطلحة بن عبيد الله: طلحة الطلحات، وطلحة الخير، وطلحة الجود. وذكر التوزي عن الأصمعي أنه باع ضيعةٌ له بخمسة عشر ألف

стр. 287

درهم، فقسمها في الأطباق١. وفي بعض الحديث أنه منعه أن يخرج إلى المسجد أن له بين ثوبين٢. وحدثني العتبي في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمان رحمة الله عليهم، فأبطأ عنه الغلام بشيء أراده، فقال طلحة: يا غلام، فقال الغلام: لبيك فقال طلحة: لا لبيك فقال أبو بكر: ما يسرني أني قلتها وأن لي الدنيا وما فيها. وقال عمر: ما يسرني أني قلتها ولي نصف الدنيا. قال عثمان: ما يسرني أني قلتها وأن لي حمر النعم قال: وصمت عليها أبو محمد، فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسة عش ألف درهم، فتصدق بثمنها. وقوله: يظل منها صحيح القوم كالمودي فالمودي في هذا الموضع الهالك، وللمودي موضع آخر يكون فيه القوي الجاد، حدثني بذلك التوزي في كتاب الأضداد، وأنشدني٣: مودون السبيل السابلا٤

стр. 288

لرجل من العرب يرثي وقال رجل من العرب: خليلي عوجا بارك الله فيكما ... على قبر أهبان سقته الرواعد فذاك الفتى كل الفتى كان بينه ... وبين المزجى نفنف متباعد إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن ... عيياٌ ولا عبئاٌ على من يقاعد

стр. 289

قوله: "على قبر أهبان" فهذا اسم علم كزيد وعمرو، واشتقاقه من وهب يهب، وهمز الواو لانضمامها، كقوله : ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ١ فهو" فعلت"، من الوقت. وقد مضى همز الواو إذا انضمت. وهو لاينصرف في المعرفة وينصرف في النكرة، وكل شيء ينصرف فصرفه في الشعر جائز، لأن أصله كان الصرف، فلما احتيج إليه رد إلى أصله، فهذا قول البصريين. وزعم قوم أن كل شيء لاينصرف فصرفه في الشعر جائز، إلا" أفعل" الذي معه" منك"، نحو: أفضل منك، وأكرم منك. وزعم الخليل وعليه أصحابه أن هذا إذا كانت معه" منك" بمنزلة" أحمر" لأنه إنما كمل أن يكون نعتاٌ" منك"، وأحمر لا يحتاج إليها، مع" منك" بمنزلة" أحمر" وحده، قال: والدليل على أن" منك" ليست بمانعته من الصرف أنه زال عن بناء" أفعل" انصرف، نحو قولك: مررت بخير منك، وشر منك، فلو كانت" منك" هي المانعة لمنعت هنا، فهذا قول بين جداٌ. وقوله: " المزجى"، فهو الضعيف: يقال: زجى فلان حاجتي: أي خف عليه تعجيلها، والمزجاة من البضائع: اليسيرة الخفيفة المحمل. والنفنف وجمعها النفانف: كل ما كان بين شيئين عالٍ ومنخفض، قال ذو الرمة: "في نفنف يتطوح. "٢ وقوله: "ولا عبئاٌ على من يقاعد"، فالعبء: الثقل، يقال حمل عبئاٌ ثقيلاٌ، ووكده بقوله:" ثقيلاٌ"، ولو لم يقله لم يحتج إليه.

стр. 290

لرجل يذكر ابنه وقال آخر يذكر ابنه: ألايا سمية شبي الوقودا ... لعل الليالي تؤدي يزيدا

стр. 291

فنفسي فداؤك من غائب ... إذا ما المسارح كانت جليدا كفاني الذي كنت أسعى له ... فصار أباٌ لي وصرت الوليدا قوله: " شبي"، يقال: شببت النار والحرب إذا أوقدتهما، يقال: شب يشب شباٌ، قال الأعشى: تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق وقوله: ذا ما المسارح كانت جليدا فالمسارح الطرق التي يسرحون فيها، واحدها مسرح، والجليد يقع من السماء، وهو ندى فيه جمود، فتبيض له الأرض، وهو دون الثلج، يقال له: الجليد، والضريب، والسقيط، والصقيع. وقالو في قوله: رجلا عقاب يوم دجن تضرب أي يصيبها الضريب. وقوله: " وصرت١ الوليد"،الوليد٢: الصغير، وجمعه ولدان، وهو في القرآن٣. ونظير وليد وولدان ظليم وظلمان، وقضيب وقضبان، وباب" فعال فعلان"، نحو عقبان وذبان وغربان. وقولهم: "أمر لاينادى وليده"، يقال فيه قولان يتقاربان٤، فأحدهما أنه لا يدعى له الصغار، والوجه الآخر لأصحاب المعاني، يقولون: ليس فيه وليد فيدعى، ونظير ذلك قول النابغة الجعدي: سبقت صياح فراريجها ... وضرب٥ نواقيس لم تضرب

стр. 292

أي ليست ثم، ولكن هذا من أوقاتها.وقالت أخت طرفة بن العبد: عددنا له ستاٌ وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيداٌ ضخما فجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال لا وليداٌ ولا قمحا الوليد: ما ذكرنا، والقحم: الرجل المتناهي سناٌ ويقال ذلك في البعير قحم وقحر ومقلحم، ويقال للبعير خاصةٌ: قحارية، في وزن١ قراسية، وأنشد الأصمعي: رأين قحماٌ شاب واقلحما ... طال عليه الدهر فاسلهما المسلهم: الضامر.

стр. 293

لرجل آخر يرثي ابنه وقال آخر لابنه يرثيه: ومن عجب أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما زودتني متمتعا ولو أنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا ابراهيم بن عبد الله يرثي أخاه وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثي أخاه محمداٌ: أبا المنازل يا عبر الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا الله يعلم أني لو خشيتهم ... أو آنس القلب من خوف لهم فزعا لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعاٌ أو نموت معا قوله: "يا عبر الفوارس، يصفه بالقوة منهم وعليهم، كما يقال: ناقة عبر الهواجر وعبر السرى"١. وقوله: أوآنس القلب من خوف لهم فزعا

стр. 294

يقول: أحس، وأصل الإيناس في العين، يقال آنست شخصاٌ، أي أبصرته من بعد وفي كتاب الله : ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ ١.

стр. 295

لمتمم بن نويرة يرثي أخاه وقال متمم بن نويرة١: وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لميتٍ ثوى بين اللوى والدكادك فقلت لهم: إن الأسى يبعث البكا٢ ... ذروني فهذا كله قبر مالك٣ الأسى: الحزن وقد مر تفسيره.

стр. 296

لعلي بن عبد الله بن العباس يفخر قال علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رحمة الله ورضوانه عليه: أبي العباس قرم بني قصي ... وأخوالي الملوك بنو وليعه هم منعوا دماري يوم جاءت ... كتائب مسرف وبنو اللكيعة أراد بي التي لا عز فيها ... فحالت دونه أيدٍ منيعه قوله: "بنو وليعة"، فهم أخواله من كندة، وأمه زرعة بن مشرحٍ الكندية ثم إحدى بني وليعةٍ. وقوله: "كتائب مسرفٍ" يعني مسلم بن عقبة المري صاحب الحرة، وأهل الحجاز يسمونه مسرفاً وكان أراد أهل المدينة جميعاً على أن يبايعوا يزيد بن معاوية على أن كل واحدٍ منهم عبد قن له إلا علي بن الحسين، فقال حصين بن نمير السكوني من كندة: "ولا يبايع ابن أختنا علي بن عبد الله إلا على ما يبايع عليه علي بن الحسين، على أنه ابن عم أمير المؤمنين، وإلا فالحرب بيننا، فأعفي علي بن عبد الله، وقبل منه ما أراد، فقال هذا الشعر لذلك.

стр. 297

وقوله: "بنو اللكيعة"، فهي اللئيمة، ويقال في النداء للئيم: يا لكع، وللأنثى: يا لكاع، لأنه موضع معرفة، كما يقال: يا فسق ويا خبث، فإن لم ترد أن تعدله عن جهته قلت للرجل: يا ألكع، وللأنثى يا لكعاء، وهذا موضع لا تقع فيه النكرة، وقد جاء في الحديث والأصل ما ذكرت لك: "لا تقوم الساعة حتى يلي أمر ١ الناس لكع ابن لكع"، فهذا كناية عن اللئيم ابن اللئيم، وهذا بمنزلة عمر ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة. ولكاع يبنى على الكسر، وسنشرح باب"فعال" للمؤنث على وجوهه الأربعة عند أول ما يجري من ذكره إن شاء الله. وقد اضطر الحطيئة فذكر" لكاع"في غير النداء، فقال يهجو امراته: أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيتٍ قعيدته لكاع قعيدة البيت: ربة البيت، وإنما قيل قعيدة لقعودها وملازمتها، ويقال للفرس قعدة من هذا، وهو الذي يرتبطه صاحبه فلا يفارقه، قال الجعفي: لكن قعيدة بيتنا مجفوةٌ ... بادٍ جناجن صدرها، ولها غنى الجناجن: ما يظهر عن الهزال من أطراف الصدر، واحداها جنجنٌ.

стр. 298

لهشام أخي ذي الرمة وقال هشام أخو ذي الرمة: تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاءً وجفن العين بالماء مترع ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع غيلان: هو ذو الرمة، وكان هشام من عقلاء الرجال. حدثني العباس بن الفرج في إسناده له١ يعزوه إلى رجل أراد سفراً، فقال: قال لي هشام بن عقبة. إن لكل رفقةٍ كلباً يشركهم في فضله الزاد، ويهر دونهم، فإن قدرت ألا تكون كلب الرفقة فافعل، وإياك وتأخير الصلاة عن وقتها، فإنك مصليها لا محالة، فصلها وهي تقبل منك.

стр. 299

لحسان بن ثابت الأنصاري في لهوه وقال حسان بن ثابت الأنصاري: تقول شعثاء١ لو صحوت عن الـ ... ـكأس لأصبحت مثري العدد أهوى حديث الندمان في قلق الصـ ... ـبح وصوت المسامر الغرد لا أخدش الخدش بالجليس ولا ... يخشى نديمي إذا انتشيت يدي يأبى لي السيف واللسان وقو ... م لم يضاموا كلبدة الأسد لبيدة الأسد: ما يتطارق من شعره بين كتفيه، ويقال: أسدٌ ذو لبدةٍ وذو لبيدٍ.

стр. 300

لجرير في مرضه حين عادته قيس وحدثني عمارة قال: مرض جريرٌ مرضةً شديدةً، فعادته قيس، فقال: نفسي الفداء لقوم زينوا حسبي ... وإن مرضت فهم أهلي وعوداي لو خفت ليثاً أبا شبلين ذا لبدٍ ... ما أسلموني لليث الغابة العادي إن تجر طيرٌ بأمرٍ فيه عافيةٌ ... أو بالرحيل فقد أحسنتم زادي

стр. 301

لعبد الرحمن بن ثابت يهاجي عبد الرحمن بن الحكم وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرامٍ، وهو يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس: فأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداجي ولولا هم لكنت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج وكنت أذل من وتد بقاع ... بشجج راسه بالفهر واجي١ فكتب معاوية إلى مروان أن يؤدنهما وكانا تقاذفا، فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فأشد بذكره، وارفعه إلى معاوية، فقال: إذاً والله

стр. 302

لا أفعل، وقد حدني كما تحد الرحل الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد. فأوجعه بهذا القول. ويروى أن عبد الرحمن بن حسان لسعه زنبور فجاء أباه يبكي، فقال له: ما لك فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة. قال: قلت والله الشعر: ويروى أن معلمه عاقب صبياناً١ على ذنب وأراده بالعقوبة، فقال: الله يعلم أني كنت منتبذاً ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا وأعرق قوم كانوا في الشعر آل حسان فإنهم كانوا يعتدون ستة في نسق كلهم شاعر، وهم سعيد بن عبد الحمن بن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام، وبعد هؤلاء في الوقت آل أبي حفصة، فإنهم أهل بيت كلهم شاعر، يتوارثونه كابراً عن كابر. ويروى أن ابنة لابن الرقاع وقف بباب أبيها قوم يسألون عنه، فقالت: ما تريدون فقالوا: جئنا لنهاجيه فقالت وهي صبية. تجمعتم من كل أوب ووجهة ... على واحد لا زلتم قرن واحد فهذه بلغت بطبعها على صغرها مبلغ الأعشى في قلب هذا المعنى، حيث يقول لهوذة بن علي يرى جمع ما دون الثلاثين قصرة ... ويعدو على حمع الثلاثين واحدا

стр. 303

باب نبذ من كلام الحكماء قال أبو العباس: قال عمر بن الخطاب رحمه الله١: علموا أولادكم العوم والرماية، ومروهم فليثبوا على الخلل وثباً، ورووهم ما يجمل من الشعر. وفي حديث آخر: وخير الخلق للمرأة المغزل. ويروى عن الشعبي أنه قال: قال عبد الله بن العباس: قال لي أبي: يا بني، إني أرى أمير المؤمنين قد اختصك دون من ترى من المهاجرين والأنصار، فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجربن عليك كذباً، ولا تغتب عنده مسلماً، ولا تفشين له سراً، قال: فقلت له: يا أبه، كل واحدةٍ منها خير من ألف، فقال كل واحدة منها خير من عشرة آلاف. وحدثني العباس بن الفرج في إسناد ذكره قال: نظرإلى عمرو بن العاص على بغلةٍ قد شمط٢ وجهها هرماً، فقيل له: أتركب هذه وأنت على أكرم ناخرةٍ بمصر فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لامرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق. قوله: "على أكرم ناخرة" يريد الخيل، يقال للواحد ناخر، وقيل: ناخرة يراد جماعة، كما تقول: رجل بغال وحمار، والجماعة البغالة والحمارة، وكذلك تقول: أتتني عصبة نبيلة، وقبيلة شريفة، والواحد نبيل وشريف.

стр. 304

في مشاورة معاوية عمرو بن العاص في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة وشاور معاوية عمراً في أمر عبد الله بن هاشم بن عتبة بن مالك بن أبي وقاص وكان هاشم بن عتبة أحد فرسان١ علي ﵀ فإتي بابنه معاوية، فشاور عمراً فيه، فقال، أرى أن تقتله، فقال له معاوية: إني لم أر في العفو إلا خيراً، فمضى عمرو مغضباً، وكتب إليه:

стр. 305

أمرتك أمراً حازماً فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا معاوية الذي ... أعان علياً١ يوم حز الغلاصم٢ فقتلنا حتى جرى من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم وهذا ابنه، والمرء يشبه عيصه٣ ... ويوشك أن تلفى٤ به جد نادم فبعث معاوية بأبياته إلى عبد الله بن هاشم، فكتب إليه عبد الله بن هاشم: معاوية إن المرء عمراً أبت له ... ضغينه خب غشها غير نائم يرى لك قتلي يا ابن هند وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا كان منه بيعة للمسالم فإن تعف عني تعف عن ذي قرابةٍ ... وإن تر قتلي تستحل محارمي فصفح عنه.

стр. 306

من كلام عمرو بن العاص لعائشة وقال عمرو لعائشة رحمة الله عليهما١: لوددت أنك كنت قتلت يوم الجمل فقالت: ولم لا أبا لك فقال: كنت تموتين بأجلك، وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبر التشنيع على علي.

стр. 307

ما قاله عمرو بن العاص حين احتضر وحدثني العباس بن الفرج الرياشي في إسنادٍ ذكره، آخره "ابن عباس" قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فدخل عليه عبد الله بن عمرو فقال له: يا عبد الله، خذ ذلك الصندوق، فقال: لا حاجة لي فيه١، قال إنه مملوء مالاً، قال: لا حاجة لي به، فقال عمرو: ليته مملوء بعراً قال: فقلت:

стр. 308

يا أبا عبد الله، إنك كنت تقول: أشتهي أن أرى عاقلاً يموت حتى أسأله كيف يجد فكيف تجدك قال: أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض وأنا بينهما، وأراني كأنما أتنفس من خرت إبرةٍ، ثم قال: اللهم خذ مني حتى ترضى. ثم رفع يديه فقالت: اللهم أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا فلا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ولكن لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم فاظ. وقد روينا هذا الخبر من غير ناحية الرياشي بأتم١ من هذا، ولكن٢ اقتصرنا على هذا لثقة إسناده. قوله: "من خرت إبرة"، يعني من ثقب إبرةٍ، يقال للدليل: خريت. وزعم الأصمعي أنه أريد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة. وقوله: "فاظ" أي مات، يقال: فاظ، وفاد، وفطس، وفاز، وفوز، كل ذلك في معنى الموت، ولا يقال: بالضاد إلا للإناء، قال رؤبة٣: لا يدفنون منهم من فاظا وقال ابن جريج: "أما رأيت الميت حين فوظه". ومن قال ذلك للنفس قال: فاضت نفسه، يشببها بالأناء. وحدثني أبو عثمان المازني أحسبه عن أبي زيد قال: كل العرب يقولون: فاضت نفسه إلا بني ضبة فإنهم يقولون: فاظت نفسه، وإنما الكلام الصحيح فاظ بالظاء إذا مات. وفي الحديث أن امرأة سلام بن أبي الحقيق قالت: فاظ، وإله يهود.

стр. 309

نبذ من أقوال الحكماء وحدثني مسعود بن بشر قال: قال زياد: الإمرة تذهب الحفيظة، وقد كانت من قوم إلي هنات جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني، فلو بلغني أن أحدكم قد أخذه

стр. 310

السل من بغضي ما هتكت له ستراً ولا كشفت له قناعاً حتى يبدي لي عن صفحته، فإذا فعل لم أناظره. وسمع زياد رجلاً يسب الزمان فقال: لو كان يدري ما الزمان لضربت عنقه، إن الزمان هو السلطان. وفي عهد أزدشير: وقد١ قال الأولون منا: عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان. وقال المهلب بن أبي صفرة لبنيه: إذا وليتم فلينوا للمحسن، واشتدوا على المريب، فإن الناس للسلطان أهيب منهم للقرآن. وقال عثمان بن عفان ﵁: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. قوله: "يزع" أي يكف، يقال: وزع يزع إذا كف، وكان أصله "يزع" مثل يعد فذهبت الواو لوقوعها بين ياء وكره واتبعت حروف المضارع الياء لئلا يختلف الباب، وهي الهمزة، والنون، والتاء، والياء نحو أعد ونعد، وتعد، ويعد، ولكن انفتحت في "يزع" من أجل العين لأن حروف الحلق إذا كن في موضع عين الفعل أو لامه فتحن في الفعل الذي ماضيه "فعل"، وإن وقعت الواو مما هي فيه فاء في "يفعل" المفتوحة العين في الأصل صح الفعل، نحو: وحل يوحل، ووجل يوجل، ويجوز في هذه المفتوحة ياحل وياجل وييحل وييجل، وكل هذا كراهية للواو بعد الياء، تقول: وزعته: كففته، وأوزعته: حملته على ركوب الشيء وهيأته له، وهو من الله توفيق، ويقال: أوزعك الله شكره، أي وفقك له. وقال الحسن مرة: ما حاجة هؤلاء السلاطين إلى الشرط فلما ولي القضاء كثر عليه الناس، فقال: لا بد للسلاطين٢ من وزعة.

стр. 311

خطبة الحجاج في أهل العراق وخطب الحجاج بن يوسف ذات يوم، يوم جمعة، فلما توسط كلامه سمع تكبيراً عالياً من ناحية السوق، فقطع خطبة التي كان فيها، ثم قال: يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق، ويا أهل النفاق، وسيئي الأخلاق، يا بني اللكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، إني لأسمع تكبيراً ما يراد الله به، إنما يراد به الشيطان، وإن مثلي ومثلكم قول ابن براقة الهمداني: وكنت إذا قوم رموني رميتهم ... فهل أتا في ذا يال همدان ظالم متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم [ثم نزل فصلى بهم] ١. قوله: "يا أهل الشقاق"، فالمشقة المعاداة، وأصله أن يركب ما يشق عليه، ويركب منه مثل ذلك. والنفاق أن يسر خلاف ما يبدي، هذا أصله، وإنما أخذ من النافقاء، وهو أحد أبواب: جحر اليربوع، وذلك أنه أخفاها فإنما يظهر من غيره، ولجحره أربعة أبواب: النافقاء والراهطاء والداماء والسابياء، وكلها ممدودة، ويقال للسابياء: القاصعاء، وإنما قيل له السابياء لأنه لا ينفذه فيبقي بينه وبين إنفاذه هنة من الأرض رقيقة، وأخذ من سابياء الولد، وهي الجلدة الرقيقة التي يخرج فيها الولد من بطن أمه. قال الأخطل يضرب ذلك مثلاً ليربوع بن حنظلة لأنه سمي باليربوع: تسد القاصعاء عليك حتى ... تنفق أو تموت بها هزالاً٢ والعرب تزعم أنه ليس من ضب إلا وفي جحره عقرب، فهو لا يأكل ولد العقرب، وهي لا تضربهفهي مسألمة له، وهو مسالم لها، وأنشد٣:

стр. 312

وأخدع من ضب إذا خاف حارشاً١ ... أعد له عند الذنابة عقربا وقوله: "بنو اللكيعة" يريد اللئيمة، وقد مر تفسير هذا في موضعه، قال ابن قيس الرقيات يذكر قتل بن الزبير٢: إن الرزية يوم مسـ ... ـكين والمصيبة والفجيعة بأبن الحواري الذي ... لم يعده أهل الوقيعه٣ غدرت به مضر العرا ... ق، وأمكنت منه ربيعه فأصبحت وترك يا ربيـ ... ـع وكنت سامعة مطيعة يا لهف لو كانت له ... بالطف يوم الطف شيعه أولم يخونوا عهده ... أهل العراق بنو اللكيعه لو جدتموه حين يغـ ... ـضب لا يعرج بالمضيعه٤ وقوله: "عبيد العصا "يريد أنهم لا ينقادون إلا بالإذلال٥، كما قال ابن مفرغ الحميري: العبد يقرع بالعصا ... والحر تكيفه الملامه وقال جرير يهجو التيم: ألا إنما تيم لعمرو ومالك ... عبيد العصا لم يرج عتقاً قطينها

стр. 313

من كلام بن الأشعث حين ظهور الحجاج عليه وخطب الناس عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالمربد عند ظهور أمر الحجاج عليه فقال: أيها الناس، إنه لم يبق من عدوكم إلا كما يبقى من ذنب الوزغة تضرب به يميناً وشمالاً فلا تلبث أن تموت. فسمعه رجل من بني قشير بن كعب بن عامر بن صعصعة فقال: قبح الله هذا: يأمر أصحابه بقلة الاحتراس من عدوهم ويعدهم الغرور.

стр. 314

كلام عرار بن شأس لعبد الملك حينما حمل إليه رأس ابن الأشعث وروت الرواة أن الحجاج لما أخذ رأس ابن الأشعث وجه به إلى عبد الملك بن مروان مع عرار بن عمرو بن شأس الأسدي وكان أسود دميماً فلما ورد به عليه جعل عبد الملك لا يسأل عن شيئ من أمر الوقعة١ إلا أنبأه به عرار، في أصح لفظ، وأشبع قول، وأجزاء اختصار، فشفاه من الخبر، وملأ أذنه صواباً وعبد الملك لا يعرفه، وقد اقتحمته عينه حيث رآه فقال متمثلاً: أرادت عراراً بالهوان ومن يرد ... لعمري عراراً بالهوان فقد ظلم٢ وإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم فقال له عرار: أتعرفني با أمير المؤمنين قال: لا، قال: فأنا والله عرار فزاده في سروره، وأضعف له الجائزة.

стр. 315

كتاب صاحب اليمن إلى عبد الملك في وقت محاربته ابن الأشعث وكتب صاحب اليمن إلى عبد الملك وقت محاربته ابن الأشعث: إني قد وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريها بمال عظيم لم ير مثلها قط، فلما دخل بها عليه رأى وجهاً جميلاً وخلقاً نبيلاً فألقى إليها قضيباً كان في يده فنكست لتأخذه فرأى منها جسماً بهره، فلما هم بها أعلمه الآذن أن رسول الحجاج بالباب، فأذن له، ونحى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن، فيه سطور أربعة: سائل مجاور جرم: هل جنيت لها ... حرباً تزيل بين الجيرة الخلط١

стр. 316

وهل سموت بجرار له لجب ... جم الصواهل بين الجم والفرط وهل تركت نساء الحي ضاحيه ... في ساحة الدار يستوقدن بالغبط وتحتها١: قتل الملوك وسار تحت لائه ... شجر العرى وعراعر الأقوام قال: فكتب إليه عبد الملك كتاباً، وجعل في طيه جواباً لابن الأشعث: ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري٢ أظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركب وعر وإني إياهم كمن نبه القطا ... ولو لم باتت الطير لا تسري أناة وحملماً وانتظر بهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر وينشد: "بالفاني". ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك، فتقول: فما بالك ياأمير المؤمنين وما يمنعك فقال: [يمنعني] ٣ ما قال الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأظهار فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن، ابن الأشعث، فلم يقربها حتى قتل عبد الرحمن. قوله:" فرأى منها جسماً بهره"، يقال: بهر الليل إذا سد الأفق بظلمته، وبهر القمر إذا ملأ الأرض ببهائه، ومن ثم قيل: القمر٤ الباهر، أنشدني المازني لرجل من بني الحارث بن كعب: والقمر الباهر السماء لقد ... زرنا هلالاً بجحفل لجب

стр. 317

تسمع زجر الكماة بينهم: ... قدم، وأخر، وأرحبي، وهبي١ من كل هداءةٍ كعالية الر ... مح أمونٍ وشيظم سلب٢ وقال طفيل الغنوي يصف كيف تزجر الخيل، فجمعه في بيت واحد: وقيل اقدمي واقدم وأخ وأخري ... وها، وهلاً واضرح٣ وقادعها هبي قال أبو الحسن: وأج. ومن زجر الخيل أيضاً: "هقب وهقط"، وأنشدني المازني: لما سمعت زجرهم هقط ... علمت أن فارساً منحط٤ وقوله: "بين الجم والفرط" هما موضعان بأعيانهما. وقوله: "في ساحة الدار يستوقدن بالغبط" يقال فيه قولان متقاربان: أحدهما أنهن قد يئسن من الرحيل فجعلن مراكبهن حطباً، هذا قول الأصمعي. وقال غيره: بل قد منعهن الخوف من الاحتطاب، والغبيط من مراكب النساء: وكذلك الحدج قال امرؤ القيس: تقول وقد مال الغبيط بنا معاً: ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فأعلمك أن الغبيط لها، والمحامل إنما أول من اتخذها الحجاج، ففي ذلك يقول الراجز: أول عبدٍ عمل المحاملا ... أخزاه ربي عاجلاً وآجلاً وقوله: "شجر العرا" فالعرا: نبت إن ضم العين، والعراء ممدوداً وجه الأرض، قال الله : ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ٥. وقال الهذلي٦:

стр. 318

رفعت رجلاً لا أخاف عثارها ... ونبذت بالبلد العراء ثيابي وهذا التفسير والإنشاد عن أبي عبيدة. وقوله: "دون النساء ولو باتت بأطهار" معناه أنه يجتنبها، في طهرها، وهو الوقت الذي يستقيم له غشيانها فيه، وأهل الحجاز يرون" الأقراء" الطهر، وأهل العراق يرونه الحيض، وأهل المدينة يجعلون عدد النساء الأطهار، ويحتجون بقول الأعشى: وفي كل أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا مؤرثه مالاً، وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا وقوله: "ولو باتت بأطهار"، ف" لو" أصلها في الكلام أن تدل على وقوع الشيء لوقوع غيره، تقول: لو جئتني لأعطيك، ولو كان زيد هناك لضربته، ثم يتسع فتصير في معنى" إن" الواقعة للجزاء تقول: أنت لا تكرمني ولو أكرمتك، تريد"وإن" قال الله : ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ١، فأما قوله : ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ ٢ فإن تأويله عند أهل اللغة: لا يقبل أن يتبرأ به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به، فـ"لو" في معنى "إن" وإنما منع "لو" أن تكون من حروف المجازاة فتجزم كما تجزم "إن" أن حروف المجازاة إنما تقع لما لم يقع، ويصير الماضي معها في معنى المستقبل تقول: إن جئتني أعطيتك، وإن قعدت عني زرتك، فهذا لم يقع.،وإن كان لفظ الماضي لما أحدثته فيه "إن "وكذلك متى أتيتني أتيتك، و"لو" تقع في معنى الماضي، تقول: لو جئتني أمس لصادفتني، ولو ركبت إلي أمس لألفيتني، فلذلك خرجت من حروف الجزاء، فإذا أدخلت معها "لا" صار معناها أن الفعل يمتنع لوجود غيره، فهذا خلاف ذلك المعنى، ولا تقع إلا على الأسماء، ويقع الخبر محذوفاً لأنه لا يقع فيها الأسم إلا وخبره مدلول عليه، فاستغني عن

стр. 319

ذكره، لذلك تقول: لولا عبد الله لضربتك، والمعنى في هذا المكان: من قرابتك، أوصداقتك، أو نحو ذلك، فهذا معناها في هذا الوضع، ولها موضع آخر تكون فيه على غير هذا المعنى، وهي "لولا"التي تقع في معنى"هلا" للتحضيض، ومن ذلك قوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ ١، أي هلا، وقال الله : ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ﴾ ٢. فهذه لا يليها إلا الفعل.، لأنها للأمر والتحضيض، مظهراً أو مضمراً.،كما قال٣: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمي المقنعا أي هلا تعدون الكمي المقنعا،"ولولا "الأولى لا يليها إلا الاسم على ما ذكرت لك.،ولا بد في جوابها من اللام أو معنى اللام، تقول: لولا زيدٌ فعلت، والمعنى لفعلت، وزعم سيبويه أن"زيداً "من حديث "لولا" واللام والفعل حديثٌ معلقٌ بحديث "لولا"، وتأويله أنه للشرط الذي وجب من أجلها وامتنع لحال الاسم بعدها، و"لو "لا يليها إلا الفعل مضمراً أو مظهراً.، لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك.، فهذا ظهور الفعل، وإضماره، قوله عز وجل٤: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ٥. والمعنى والله أعلم: لو تملكون أنتم.، فهذا الذي رفع "أنتم" ولما أضمر ظهر بعده ما يفسره، ومثل ذلك: "لو ذات سوارٍ لطمتني" أراد لو لطمتني ذات سوارٍ، ومثله٦: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسماً

стр. 320

وكذلك قول جرير: لو غيركم علق الزبير بحبله ... أدى الجوار إلى بني العوام فنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده، لأنها للفعل، وهو في التمثيل: لو علق الزبير غيركم، وكذلك كل شيء للفعل نحو: الاستفهام، والأمر، والنهي، وحروف الفعل نحو: "إذ وسوف"١ وهذا مشروح في الكتاب "المقتضب" على حقيقة الشرح. وأما قوله: "وعراعر الأقوام "فمعناها رؤوس الأقوام، الواحد عرعرة، وعرعرة كل شيءٍ أعلاه، من ذلك كتاب يزيد بن المهلب إلى الحجاج بن يوسف: "وإن العدو نزلوا٢ بعرعرة الجبل، ونزلنا بالحضيض"، فقال الحجاج: ليس هذا من كلام يزيد، فمن هناك? قيل: يحيى بن يعمر، فكتب إلى يزيد أن يشخصه إليه.
следующие страницы →