← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

علي بن جبلة والحسن بن سهل وحدثني الحسن بن رجاء قال: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن بن سهل والمأمون هناك بانياً على خديجة بنت الحسن بن سهل المعروفة ببوران،

стр. 352

فقال الحسن: ونحن إذا ذاك نجري١ على نيف وسبعين ألف ملاحٍ، وكان الحسن بن سهل يسهر مع المأمون، يتصبح فيجلس الحسن للناس إلى وقت انتباهه، فلما ورد علي قلت: قد ترى شغل الأمير، قال: إذن لا أضيع معك. قلت: أجل. فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه، فقال: ألاترى ما نحن فيه? قلت: لست بمشغول عن الأمر له، فقال: يعطى عشرة آلاف درهمٍ إلى أن نتفرغ له، فأعلمت ذلك علي بن جبلة، فقال في كلمة له: أعطيتني يا ولي الحق مبتدئاً ... عطيةً كافأت مدحي ولم ترني ما شمت برقك حتى نلت ريقه ... كأنما كنت بالجدوى تبادرني

стр. 353

باب للمفضل بن الملهب بن أبي صفرة في الشجاعة والنجدة قال أبو العباس: قال المفضل بن المهلب بن أبي صفرة١: هل الجود إلا أن تجود بأنفسٍ ... على كل ماضي الشفرتين قضيب وما خير عيشٍ بعد قتل محمدٍ ... ويعد يزيد والحرون حبيب ومن هو أطراف القنا خشية الردى ... فليس لمجدٍ صالح بكسوب وما هي إلا رقدة تورث العلا ... لرهطك ما حنت روائم نيب وقوله: ومن هر أطراف القنا خشية الردى يقول: من كره، قال عنترة بن شداد: خلفت لهم والخيل تردى بنا معاً ... نفارقهم حتى يهروا العواليا عوالي زرقاً من رماح ردينةٍ ... هرير الكلاب يتقين الأفاعيا والردى: الهلاك، وأكثر ما يستعمل في الموت. يقال: ردي يردى ردًى، قال الله : ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ ٢، وهو "تفعل" من الردى في أحد التفسيرين، وقيل: إذا تردى في النار، أي إذا سقط فيها. وقوله: " الحرون" فإن حبيب بن المهلب كان ربما انهزم عنه أصحابه فلا يريم مكانه، فكان يلقب الحرون٣. وقوله: وما هي إلا رقدة تورث العلا فهذا مأخوذ من قول أخيه يزيد بن المهلب، وذلك أنه قال في يوم العقر وهو اليوم الذي قتل فيه: قاتل الله ابن الأشعث ما كان عليه لو غمض عينيه ساعة للموت، ولم يكن قتل نفسه وذلك أن ابن الأشعث قام في الليل وهو في

стр. 354

سطح، للبول، فزعموا أنه ردى نفسه، وغير أهل هذا القول يقولون: بل سقط منه بسنة النوم. وقوله: "تورث العلا لرهطك" فالمعنى تورث العلا رهطك، وهذه اللام تزاد في المفعول على معنى زيادتها في الإضافة، تقول: هذا ضاربٌ زيداً، وهذا ضاربٌ لزيدٍ، لأنها لا تغير معنى الإضافة إذا قلت: هذا ضارب زيدٍ وضارب له. وفي القرآن: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١. وكذلك ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ٢ ويقول النحويون في قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ٣ إنما هو "ردفكم". والنيب: جمع ناب، وهي المسنة من الإبل، وتقديرها "فعل" ساكنة، وأبدلت من الضمة كسرة لتصح الياء، كما قلت في أبيض: بيضٌ، وإنما هو مثل أحمر وحمرٍ، وكذلك أشيب وشيبٌ، فتقدير ناب ونيب إذا جاء على"فعل" و"فعل" تقدير أسد وأسدٍ، ووثنٍ ووثن، وناب تقديرها "فعلٌ" وإنما انقلبت الباء ألفاً فسكنت، وإنما تنقلب إذا كانت في موضع حركة. والروائم قد مضى تفسيرها.

стр. 355

شيخ من الأعراب وامرأته وأنشدني الزيادي قال: أنشدني أبو زيد، نظر شيخٌ من الأعراب إلى امرأته تتصنع وهي عجوز فقال: عجوز ترجي أن تكون فتيةٌ ... وقد لحب الجنبان واحدودب الضهر تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر قال أبو الحسن: وزادني غير أبي العباس في شعر هذا الأعرابي:

стр. 356

وماغرني إلا خضابٌ بكفها ... وكحل بعينيها وأثوابها الصفر وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ ... فكان محاقاً كله ذلك الشهر قال: فقالت له امرأته١: ألم تر أن الناب تحلب علبةٌ ... ويترك ثلب، لا ضرابٌ ولا ظهر! قال: ثم استغاثت بالنساء. وطلب الرجال فإذا هم خلوفٌ٢، فاجتمع النساء عليه فضربنه. قوله: "قد لحب الجنبان"،يقول: قل لحمهما، يقال: بعير ملحوبٌ وقد لحب مثل عرق. وقوله: تدس إلى العطار سلعة بيتها يريد السويق والدقيق وما أشبه ذلك، وكل عرضٍ فالعرب تقول له: سلعة، أنشدني عمارة بن عقيل شعراٌ يمدح به خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني ويذم تميم ابن خزيمة بن حازم النهشلي: أأترك إن قلت دراهم خالدٍ ... زيارته? إني إذاٌ للئيم وقد يسلع المرء٣ اللئيم اصطناعه ... ويعتل نقد المرء وهو كريم فتى واسطٌ في ابني نزارٍ، مجببٌ ... إلى ابني نزارٍ، في الخطوب عميم٤ فليت ببرديه لنا كان خالدٌ ... وكان لبكرٍ في الثراء تميم فيصبح فينا سابقٌ متمهلٌ ... أغر، وفي بكرٍ أغم بهيم قوله: وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه

стр. 357

وقوله: "أغم بهيم"، فالغم كثرة شعر الوجه والقفا، قال هذبة بن خشرمٍ العذري: فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا والعرب تكره الغمم. والبهيم: الذي لا يخلط لونه غيره من أي لون كان. وقولها: ألم تر أن الناب تحلب علبة تقول فيها منفعة على حال، والعلبة: إناء لهم من جلود يحلبون فيه، من ذلك قوله: لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعدٌ، ولم تغد بالعلب ومن أمثال العرب: "قد تحلب الضجور العلبة"، يضربون ذلك للرجل البخيل الذي لا يزال ينال منه الشيء القليل، والضجور: الناقة السيئة الخلق، إنما تحلب حين تطلع عليها الشمس فتطيب نفسها، والثلب: الذي قد انتهى في السن من الإبل.

стр. 358

من أقوالهم في الفقر والغنى وقال آخر: لم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أرى مثل المال أرفع للرذل ولم أر عزاً لامرئ كعشيرةٍ ... ولم أر ذلاً مثل نأي عن الأصل ولم أر من عدم أضر على امرئٍ ... إذا عاش بين الناس من عدم العقل وقال آخر: لعمري، لقوم المرء خير بقيةٍ ... عليه، وإن عالوا به كل مركب من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب وإن خبرتك النفس أنك قادرٌ ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب إذا كنت في قومٍ عداً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيثٍ وطيب

стр. 359

العدا: الغرباء في هذا الموضع، ويقال للأعداء عداً، والعداة الأعداء لا غير. وقال أعرابي من باهلو: سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدثان فللموت خيرٌ من حياة يرى لها ... على المرء ذي العلياء مس هوان متى يتكلم يلغ حكم مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان كأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان

стр. 360

من أخبار حارثة بن بدر الغداني ونظير هذا الشعر ما حدثنا به في أمر حارثة بن بدرٍ الغداني، فإنا حدثنا عن حارثة بن بدر، وكان رجل بني تميم في وقته. وكان قد غلب على زيادٍ، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزيادٍ: إن هذا قد غلب عليك وهو مستهترٌ١ بالشراب، فقال زياد: كيف لي بأطراح رجلٍ هو يسايرني منذ دخلت العراق، لم يصكك ركابي ركباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ علي الشمس في شتاءٍ قط، ولا الروح في صيف قط، ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لم يحسن غيره. فلما مات زيادٌ جفاه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبي المغيرة٢ فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة كان قد برع بروعاً لا يلحقه معه عيب، وأنا حدثٌ، وإنما أنسب إلى من يغلب علي، وأنت رجل تديم الشراب، فمتى قربتك فظهرت رائحة الشراب منك لم آمن أن يظن بي، فدع النبيذ وكن أول داخل علي وآخر خارج عني، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضري ونفعي، أفأدعه للحال عندك قال: فاختر من عملي ما شئت، قال: توليني رامهرمز٣، فإنها أرض عذاةٌ٤، وسرق٥ فإن بها شراباً وصف لي. فولاه إياهما، فلما خرج شيعه الناس، فقال أنس بن أبي أنيس:

стр. 361

أحار بن بدرٍ قد وليت إمارةً ... فكن جرذاً فيها تخون وتسرق ولا تحقرن يا حار شيئاً وجدته ... فحظك من ملك العراقين سرق وباه تميماً بالغنى إن للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق١ فإن جميع الناس، إما مكذبٌ ... يقمل بما يهوى وإما مصدق يقولون أقوالاً ولا يعلمونها ... ولو قيل: هاتوا حققوا لم يحققوا ورثى حارثة بن بدرٍ زياداً وكان زياد مات بالكوفة، ودفن بالثوية فقال: صلى الله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المور زفت إليه قريشٌ نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبور أبا المغيرة والدنيا مفجعةٌ ... وإن من غرت الدنيا لمغرور وقد كان عندك بالمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للنكراء تنكير وكنت تغشي وتعطي المال من سعةٍ ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجور الناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير ونطير هذا قول مهلهل يرثي أخاه كليباً، وكان كليبٌ إذا جلس لم يرفع بحضرته صوت، ولم يستب بفنائه اثنان: ذهب الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس وتقاولوا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا قول حارثة: "الثوية"، فهي بناحية الكوفة، ومن قال الثوية: فهو تصغير الثوية، وكل ياء أخرى فوقعت معتلةً طرفاً في التصغير فوليتها ياء التصغير فهي محذوفة، وذلك قولك في عطاءٍ: عطي، وكان الأصل عطييٌ، كما تقول في سحاب: سحيب، ولكنها تحذف لاعتلالها، واجتماعياءين معها، وتقول في تصغير أحوى: أحي، في قول من قال في أسود: أسيد، وهو الوجه الجيد، لأن الياء الساكنة إذا كانت بعدها واو متحركة قلبتها ياء، كقولك: أيام، والأصل "أيوام"، وكذلك سيد، والأصل سيودٌ، ومن قال في تصغير أسود: أسيودٌ فهو جائز، وليس كالأول قال في تصغير أحوى أحيو يا فتى، فتثبت الياء، لأنه ليس فيها ما يمنعها نم اجتماع الياءات، ومن قال أسود، فإنما أظهر الواو، لأنها كانت

стр. 362

في التكبير متحركة، ولا تقول في عجوز إلا عجيزةٌ لأنها ساكنة، وإنما يجوز هذا على بعدٍ إذا كانت الواو في موضع العين من الفعل، أو ملحقة بالعين، نحو واو جدول، وإنما استجازوا إظهارها في التصغير للتشبيه بالجمع، لأن ما جاوز الثلاثة فتصغيرهعلى مثال جمعه، ألا تراهم يقولون في الجمع: أساود وجداول. فهذا على التشبيه بهذا. فإن كانت الواو في موضع اللام كانت منقلبة على كل حال، تقول في غزوة: غزيةٌ، وفي عروة: عريةٌ، فهذا شرح صالح في الموضوع، وهو مستقصى في الكتاب المقتضب. وقوله: "يسفي فوقه المور"، فمعناه أن الريح تسفيه، وجعل الفعل للمور وهو التراب، وتقول: سقاك الله الغيث، ثم يجوز أن تجعل الفعل للغيث، فتقول: سقاك الغيث يا فتى، وقال علقمة بن عبدة: سقاك يمانٍ ذو حبي وعارضٌ ... تروح به جنح العشي جنوب وقوله: زفت إليه قريش نعش سيدها يقال: زففت السرير، وزففت العروس. وحدثني أبو عثمان المازني قال: حدثني الزيادي قال: سمعت قوماً من العرب يقولون: أزففت العروس، وهي لغةٌ. وقوله: "نعش سيدها" يريد موضعه من النسب، لأنه نسبه إلى أبي سفيان. وكان رئيس قريش من قبل مبعث النبي ﷺ ، وله يقول رسول الله ﷺ : "كل الصيد في بطن الفرا". وكان عمر بن الخطاب ﵁ يفرش فراشاً في بيته في وقت خلافته فلا يجلس عليه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب، ويقول: هذا عم رسول الله ﷺ ، وهذا شيخ قريش. وكان حرب بن أمية رئيس قريش يوم الفجار، فكان آل حرب إذا ركبوا في قومهم من بني أمية قدموا في المواكب، وأخليت لهم صدور المجالس، إلا رهط عثمان ﵁، فإن التقديم لهم في الإسلام بعثمان. وكان أبو سفيان صاحب العير يوم بدرٍ، وصاحب الجيش يوم

стр. 363

أحد وفي يوم الخندق، وإليه كانت تنظر قريش في يوم فتح مكة، وجعل له رسول الله ﷺ أنه من دخل في داره فهو آمن قي حديث مشهور. وقوله: كأنما نفخت فيها الأعاصير هذا مثل، وإنما يراد خفة الحلوم. والإعصار فيما ذكر أبو عبيدة: ريح تهب بشدة فيما بين السماء والأرض. ومن أمثال العرب: "إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً"، يضرب للرجل يكون جلداً فيصادف من هو أجلد منه، قال لله : ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ ١. وقال رسول الله ﷺ : "كل الصيد في بطن الفرا" يعني الحمار الوحشي، وذلك أن أجل شيئ يصيده الصائد الحمار الوحشي، فإذا ظفر به، فكأنه قد ظفر بجملة الصيد، والعرب تختلف فيه، فبعضهم يهمزه فيقول: هذا فرأ، كما ترى، وهو الأكثر، وبعضهم لا يهمزه، ومن أمثالهم "أنكحنا الفرا، فسنرى" أي زوجنا من لا خير فيه فسنعلم كيف العاقبة، وجمعه في القولين جميعاً "فراءٌ" كما ترى، ونظيره: جملٌ وجمالٌ، وجبلٌ وجبالٌ قال الشاعر٢: بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعنٍ كإيزاع المخاض تبورها الإيزاع: دفع الناقة ببولها، يقال: أوزعت به إيزاعاً، وأزغلت به إزغالً، وذلك حين تلقح، فعند ذلك يقال لها: خلفةٌ، وللجميع المخاض، وقد مر هذا. والبور: أن تعرض على الفحل ليعلم أهي حامل أم حائل ?

стр. 364

لضابئ البرمجي وهو في السجن وقال ضابئ بن الحارث البرمجي١: ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقياراً بها لغريب وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيب ورب أمور لا تضيرك ضيرةً ... وللقلب من مخاشتهن وجييب ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب

стр. 365

وقوله: فإني وقياراً بها لغريب أراد: فإني لغريب بها وقياراٌ، ولو رفع لكان جيداٌ، تقول: إن زيداٌ منطلقٌ وعمراٌ وعمرو، فمن قال: "عمراٌ" فإنما رده على زيد، ومن قال: "عمرو" فله وجهان من الإعراب: أحدهما جيد، والآخر جائز، فأما الجيد فأن تحمل عمراٌ على الموضع، لأنك إذا قلت: إن زيداٌ منطلق فمعناه زيد منطلق فرددته على الموضع، ومثل هذا لست بقائم ولا قاعداً، والباء زائدةٌ، لأن المعنى لست قائماٌ ولا قاعداٌ، ويقرأ على وجهين: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١ ﴿وَرَسُولُهُ﴾ والوجه الآخر لأن يكون معطوفاٌ على المضمر في الخبر، فإن قلت إن زيداٌ منطلق هو وعمرو حسن العطف لأن المضمر المرفوع إنما يحسن العطف عليه إذا أكدته، كما قال الله تعالى: ﴿فاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ٢ و ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٣ إنما قبح العطف عليه بغير تأكيد لأنه لا يخلو من أن يكون مستكنا في الفعل بغير علامة، أو في الاسم الذي يجري مجرى الفعل، نحو إن زيداً ذهب وإن زيداٌ ذاهب فلا علامة له، أو تكون له علامة يتغير لها الفعل عما كان نحو ضربت، سكنت الباء التي هي لام الفعل من أجل الضمير لأن الفعل والفاعل لاينفك أحدهما عن صاحبه فهما كالشيء الواحد، ولكن المنصوب يجوز العطف عليه، ويحسن بلا تأكيد، لأنه لا يغير الفعل إذ كان الفعل قد يقع ولا مفعول فيه، نحو ضربتك وزيداً، فأما قول الله : ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٤ فإنما يحسن بغير توكيد لأن" لا" صارت عوضاً، والشاعرإذا احتاج أجراه بلا توكيد لا حتمال الشعر ما لا يحسن في الكلام. وقال عمر بن أبي ربيعة: قلت إذا أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تعفسن رملا وقال جرير: ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأبٌ له لينالا فهذا كثير. فأما النعت إذا قلت إن زيدا يقوم العاقل فأنت مخير إن شئت

стр. 366

قلت العاقل فجعلته نعتاً لزيد، أو نصبته على المدح وهو بإظمار أعني، وإن شئت رفعت على أن تبدله من المضمر في الفعل، وإن شئت كان على قطع وابتدءٍ، كأنك قلت إن زيداً قام، فقيل من هو فقلت: العاقل، كما قال الله : ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ ١، أي هو النار والآية تقرأ على وجهين على ما فسرنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢ وعلام "الغيوب". وقوله: وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً............................ يقول: إذا لم تعجل له طير سانحةٌ فليس ذلك بمبعدٍ خيراً عنه، ولا إذا أبطأت خاب، فعاجلها لا يأتيه بخير، وآجلها لا يدفعه عنه، إنما له ما قدر له، والعرب تزجر على السانح وتتبرك به، وتكره البارح وتتشاءم به، والسانح: ما أراك مياسره فأمكن الصائد، والبارح: ما أراك ميامنه فلم يمكن الصائد، إلا أن ينحرف له، وقد قال الشاعر: لا يعلم المرء ليلاً ما يصبحه ... إلا كواذب مما يخبر الفال والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون، ودون الغيب أقفال وقوله: ورب أمورٍ لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشلتهم وجيب٣ فإن العرب تقول: ضارة يضيرة ضيرةً، ولا ضرر عليه، وضره يضره، ولا ضرر عليه [ولا ضر عليه] ٤، ويقال أصابه ضر بمعنى، والضر مصدر، والضر اسم، وقد يكون الضر من المرض، والضر عاماً، وهذا معنى حسن، وقد قال أحد المحدثين، وهو إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية: وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث بحذر

стр. 367

وقال الله : ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ١. وقال رجل لمعاوية: والله لقد بايعتك وأنا كاره، فقال معاوية: قد جعل الله في الكره خيراً كثيراً. وقوله: ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب نظيره قول كثير: أقول لها يا عز كل مصيبةٍ ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت وكان عبد الملك بن مروان يقول: لو كان قال هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس. وحكي عن بعض الصالحين أن ابناً له مات فلم ير به جزعٌ، فقيل له في ذلك، فقال: هذا أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره.

стр. 368

باب جرير بن عبد الله البجلي عند معاوية قال أبو العباس: وجه علي بن أبي طالب ﵁ جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية ﵀ يأخذه بالبيعة له، فقال له: إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، ولكني اخترتك لقول رسول الله ﷺ فيك: "خير ذي يمن"، إيت معاوية فخذه بالبيعة، فقال جرير: والله ياأمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئاً، وما أطمع لك في معاوية، فقال علي ﵁: إنما قصدي حجة أقيمها عليه، فلما إتاه جرير دافعه معاوية، فقال له جريرٌ: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بداً، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بداً فقال له معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن إنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي. فناظر عمراً، فطالت المناظرة بينهما، وألح عليه جرير، فقال له معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله تعالى. ثم كتب لعمرو بمصر طعمة، وكتب عليه: "ولا ينقض شرطٌ طاعة"، فقال عمرو: يا غلام اكتب، ولا تنقض طاعة شرطاً، فلما اجتمع له أمره رفع عقيرته١ ينشد ليسمع جريراً: تطاول ليلي واعترتني وساوسي ... لآتٍ أتى بالترهات البسابس٢ أتاني جريرٌ والحوادث جمةٌ ... بتلك التي فيها اجتداع المعاطس أكايده والسيف بيني وبينه ... ولست لأثوب الدني بلابس إن الشأم أعطت طاعةً بمنية ... تواصفها أشياخها في المجالس فإن يفعلو أصدم علياً بجبهةٍ٣ ... تفت عليه كل رطبٍ ويابس وإني لأرجو خير ما نال نائلٌ ... وما أنا من ملك العراق بيائس

стр. 369

بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب: أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف. وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كان شورى بين المسلمين. ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، لأنهما بايعاك ولم أبايعك. وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة لأن أهل البصرة، أطاعوك ولم يعطك أهل الشام، وأما شرفك في الإسلام، وقرابتك من رسول الله ﷺ وموضعك من قريش فلست أدفعه. ثم كتب في كتاب إليه في آخر الكتاب بشعر كعب بن جعيل، وهو: أرى الشأم تكره ملك العراق ... وأهل العراق لهم كارهينا وكلا لصاحبه مبغضاً ... يرى كل ما كان من ذاك دينا إذا ما رمونا رميناهم ... ودناهم مثل ما يقرضونا فقالوا: علي إمامٌ لنا ... فقلنا: رضينا ابن هند رضينا وقالوا: نرى أن تدينوا له ... فقلنا: ألا لا نرى أن ندينا ومن دون ذلك خرط القتاد ... وضربٌ وطعنٌ يقر العيونا وأحسن الروايتين: "يفض الشؤونا". وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب ﵁ أمسكنا عن ذكره. قوله: "ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين" فهو من الإغراء وهو التحضيض عليه، يقال أغريته به، وآسدته الكلب على الصيد أوسه إيساداً، ومن قال: أشليت الكلب في معنى أغريت فقد أخطأ، إنما أشليته دعوته إلي وآسدته أغريته. وقول ابن جعيل: وأهل العراق لهم كارهينا محمول على "أرى" ومن قال: وأهل العراق لهم كارهونا

стр. 370

فالرفع من وجهين: أحدهما قطعٌ وابتداءٌ، ثم عطف جملة على جملة بالواو، ولم يحمله على أرى، ولكن كقولك كان زيدٌ منطلقاً، وعمرو منطلقٌ الساعة، خبرت بخبر بعد خبر، والوجه الآخر أن تكون الواو وما بعدها حالاً، فيكون معناها "إذ"، كما تقول رأيت زيداً قائماً وعمرو منطلق، تريد إذ: عمٌرو منطلق. وهذه الآية تحمل على هذا المعنى، وهو قول الله : ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ١، والمعنى والله أعلم: إذ طائفةٌ في هذه الحال وكذلك قراءة من قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ ٢، أي والبحر هذه حاله، وإن قرأ ﴿وَالْبَحْرُ﴾ فعلى"أن"٠ وقوله: ودناهم مثل ما يقرضونا يقول جزيناهم. وقال المفسرون في قوله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٣. قالوا: يوم الجزاء والحساب، ومن أمثال العرب: "كما تدين تدان"، وأنشد أبو عبيدة٤: واعلم وأيقن أن ملكك زائلٌ ... واعلم بأن كما تدين تدان وللدين مواضع منها كا ذكرنا، ومنها الطاعة ودين الإسلام من ذلك يقال: فلان في دين فلانٍ، أي لم يكونوا في دين ملك، وقال زهيرٌ: لئن حللت بجو في بني أسدٍ ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك فهذا يريد: في طاعة عمرو بن هند، والدين: العادة، يقال: ما زال هذا ديني ودأبي وعادتي وديدني وإجرياي، قال المثقب العبدي:

стр. 371

تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني أكل الدهر حل وارتحالٌ ... أما تبقي علي وما تقيني وقال المكيت بن زيدٍ: على ذاك إجرياي وهي ضريبتي ... وإن أجلبوا طراً علي وأحلبوا١ وقوله: فقلنا: رضينا ابن هند رضينا يعني معاوية بن أبي سفيان، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وقوله: "أن تدينوا له"، أي أن تطيعوه وتدخلوا في دينه: أي في طاعته: وقوله: ومن دون ذلك خرط القتاد فهذا مثل من أمثال العرب، القتاد: شجيرة شاكة غليظة أصول الشوك، فلذلك يضرب خرطه مثلاً في الأمر الشديد، لأنه غاية الجهد. ومن قال: "يفض الشؤونا"، فيفض يفرق، تقول: فضضت عليه المال. والشؤون، وأحدها شأن، وهي مواصل قبائل الرأس، وذلك أن للرأس أربع قبائل، أي قطع مشعوبٌ بعضها إلى بعض، فموضع شعبها يقال له: الشؤون، واحدها شأنٌ، وزعم الأصمعي قال: يقال إن مجاري الدموع منها، فلذلك يقال استهلت شؤونه، وأنشد قول أوس من حجرٍ: لا تحزنيني بالفراق فإنني ... لا تستهل من الفراق شؤوني ومن قال "يقر العيونا"، ففيه قولان: أحدهما للأصمعي، وكان يقول: لا يجوز غيره، يقال: قرت عينه وأقرها الله، وقال: إنما هو بردت من القر، وهو خلاف قولهم: سخنت عينه وأسخنها الله، وغيره يقول: قرت هدأت، وأقرها الله أهدأها الله، وهذا قول حسن جميل، والأول أغرب وأطرف.

стр. 372

جواب علي بن أبي طالب لمعاوية فكتب إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ جواب هذه الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر، أما بعد: فإنه أتاني منك كتاب امرىء ليس له بصرٌ يهديه، ولا قائدٌ يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاتبعه، زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان. ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى. وبعد، فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلي. وأما تمييزك بينك وبين طلحة والزبير وأهل الشام وأهل البصرة، فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواءٌ، لأنها بيعةٌ شاملة، لا يستثنى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النظر. وأما شرفي في الإسلام، وقرابتي من رسول الله ﷺ ، وموضعي من قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته". ثم عاد النجاشي أحد بني الحارث بن كعب فقال له: إن ابن جعيلٍ شاعر أهل الشام، وأنت شاعر أهل العراق، فأجب الرجل، فقال: ياأمير المؤمنين، أسمعني قوله، قال: إذاً أسمعك شعر شاعرٍ، فقال النجاشي يجيبه: دعاً يا معاوي مالن يكونا ... فقد حقق الله ما تحذرون أتاكم عليٌ بأهل العراق ... وأهل الحجاز فما تصنعونا وبعد هذا ما نمسك عنه. قوله: "ليسي له بصر يهديه"،فمعناه يقوده، والهادي: هو الذي يتقدم فيدل، والحادي: الذي يتأخر فيسوق، والعنق يسمى الهادي لتقدمه، قال الأعشى: إذا كان هادي الفتى في البلا ... د صدر القناة أطاع الأميرا يصف أنه قد عمي فإنما تهديه عصاً، ألا تراه يقول: وهاب العثار إذا ما مشى ... وخال السهولة وعثاً وعورا

стр. 373

وقال القطامي: إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي وقال أيضاً: قربن يقصون من بزل مخيسة ... ومن عرابٍ بعيداتٍ من الحادي وقوله: "ولا قائد يرشده" قد أبان به الأول. وقوله: "دعاه الهوى" فالهوى من" هويت" مقصور، وتقديره "فعل"، فانقلبت الياء ألفاً، فلذلك كان مقصوراً، وإنما كان كذلك لأنك تقول: هوي يهوى، كما تقول: فرق يفرق وهو هو، كما تقول: هو فرق، كما ترى، وكان المصدر على"فعل"، بمنزلة الفرق والحذر والبطر. لأن الوزن واحد في الفعل واسم الفاعل، فأما الهواء، من الجو فمدود، يدلك على ذلك جمعة إذا قلت: أهويةٌ، لأن أفعله إنما تكون جمع فعالٍ وفعالٍ وفعولٍ وفعيل، كما تقول قذالٌ وأقذلةٌ وحمار وأحمرةٌ، فهواءٌ كذلك، والمقصور جمعه أهواء فاعلم، لأنه على فعل، وجمع فعل أفعالٌ كما تقول: جمل وأجمال وقتب وأقتاب، قال الله : ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ١. وقوله هذا هواء يا فتى في صفة الرجل إنما هو ذمٌ، يقول: لا قلب له، قال الله : ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ﴾ ٢ أي خالية، وقال زهير: كأن الرحل منها فوق صعلٍ ... من الظلمان جؤجؤه هواء وهذا من هواء الجو، قال الهذلي٣: هواءٌ مثل بعلك مستميتٌ ... على ما في وعائك كالخيال وكل واو مكسورة وقعت أولاً فهمزها جائز ينشد: "على ما في إعائك"، ويقال: وسادةٌ وإسادةٌ وشاحٌ وإشاحٌ. وأما قوله: "فما أنت وعثمان" فالرفع فيه الوجه لأنه عطف اسماً ظاهراً على اسم مضمر منفصل وأجراه مجراه، وليس ههنا فعل، فيحمل على المفعول، فكأنه قال: فما أنت وما عثمان، هذا تقديره في العربية، ومعناه لست منه في شيء، قد

стр. 374

ذكر سيبويه ﵀ النصب وجوزه جوازاً حسناً وجعله مفعولاً معه، وأضمر كان من أجل الاستفهام، فتقديره عنده: ما كنت وفلاناً. وهذا الشعر كما أصف لك ينشد: وأنت امرؤ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٍ وما النجدي والمتغور وكذلك قوله١: تكلفني سويق الكرم جرمٌ ... وما جرمُ وما ذاك السويق فإن كان الأول مضمراً متصلاً كان النصب، لئلا يحمل ظاهر على مضمر، تقول: ما لك وزيداً وذلك أنه أضمر الفعل، فكأنه قال في التقدير: وملابستك زيداً، وفي النحو تقديره: مع زيد. وإنما صلح الإضمار لأن المعنى عليه إذا قلت: ما لك وزيداً فإنما تنهاه عن ملابسته، إذا لم يجز" وزيدٍ" وأضمرت لأن حروف الاستفهام للأفعال، فلو كان الفعل ظاهراً لكان على غير إضمار، نحو قولك: ما زلت وعبد الله حتى فعل، لأنه ليس يريد: ما زلت ومازال عبد الله، ولكنه أراد: وما زلت بعبد الله. فكان المفعول مخفوضاً بالياء، فلما زال ما خفضه وصل الفعل إليه فنصبه، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ ٢، فالواو في معنى مع، وليست بخافضة، فكان ما بعدها على الموضع، فعلى هذا ينشد هذا الشعر٣: فما لك والتلدد حول نجدٍ ... وقد غصت تهامة بالرجال٤ ولو قلت: ما شأنك وزيداً لا ختير النصب، لأن زيداً لا يلتبس بالشأن، لأن المعوطف على الشيء أبداً في مثل حاله، ولو قلت: ما شانك وشأن زيد لرفعت، لأن الشأن يعطف على الشأن، وهذه الآية تفسر على وجهين من الإعراب: أحدهما هذا، وهو الأجود فبها وهو قوله : ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ٥. فالمعنى والله أعلم: مع شركائكم، لأنك تقول: جمعت

стр. 375

قومي، وأجمعت أمري، ويجوز أن يكون لما أدخل الشركاء مع الأمر حمله على مثل مثل لفظه. لأن المعنى يرجع إلى شيء واحد، فيكون كقوله١: ياليت زوجك قد غدا ... مقتلداً سيفاً ورمحا وقال آخر: شراب ألبانٍ وتمرٍ أقط وهذا بين.

стр. 376

خالد بن يزيد بن معاوية عند عبد الملك بن مروان ويروى أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالداً، فقال: يا أخي، لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين فقال: إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل خالد على عبد الملك والوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فقال: إن خيلي مرت به فعبث بها وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل خالد على عبد الملك والوليد عنده، فقال يا أمير المؤمنين، الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها، وأصغره، وعبد الملك مطرق، فرفع رأسه، فقال: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ١، فقال خالد: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ ٢، فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني والله لقد دخل علي فما أقام لسانه لحناً فقال له خالد: أفعلى الوليد تعول فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان، فقال له خالد: وإن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، فقال له الوليد: اسكت يا خالد، فوالله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه وقال: ويحك فمن العير والنفيرغيري? جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير، ولكن لو قلت: غنيمات، وحبيلات، والطائف ورحم الله عثمان لقلنا: صدقت!

стр. 377

أما قوله: "في العير" فهي عير قريش التي أقبل بها أبو سفيان من الشأم فنهد إليها رسول الله ﷺ وندب إليها المسلمين، وقال: "لعل الله ينفلكموها"، فكانت وقعة بدر، وساحل أبو سفيان بالعير، فكانت الغنيمة ببدر، كما قال الله : ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ١. أي غير الحرب، فلما ظفر رسول الله ﷺ بأهل بدر، قال المسلمون: انهد بنا٢ يا رسول الله إلى العير، فقال العباس ﵀: إنما وعدكم الله إحدى الطائفتين. وأما النفير فمن نفر من قريش ليدفع عن العير، فجاؤوا فكانت وقعة بدر، وكان شيخ القوم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وهو جد خالد من قبل جدته هند، أم معاوية بنت عتبة، ومن أمثال العرب: لست في العير يوم يحدون ... بالعير ولا في النفير يوم النفير ثم اتسع هذا المثل حتى صار يقال لمن لا يصلح لخير ولا لشر ولا يحفل به: لا في العير، ولا في النفير. وقوله: "غنيمات، وحبيلات" يعني أن رسول الله ﷺ لما أطرد الحكم بن أبي العاصي بن أمية. وهو جد عبد الملك بن مروان لجأ إلى الطائف، فكان يرعى غنيمات، ويأوي إلى حبيلة وهي الكرمة. وقوله: "رحم الله عثمان": أي لرده إياه. وقولنا" أطرده": أي جعله طريداً، وطرده: نحاه، كما تقول حمدته: أي شكرته، وأحمدته: أي صادفته محموداً. وكان عثمان ﵀ استأذن رسول الله ﷺ في رده متى أفضى الأمر إليه، روى ذلك الفقهاء.

стр. 378

باب لرجل من بني أسد يمدح يحيى بن حيان قال أبو العباس: قال رجل من بني أسدٍ بن خزيمة يمدح يحيى بن حيان أخا النخع بن عمرو بن علة بن جلد مذحج، وهو مالك: ألا جعل الله اليمانين كلهم ... فدى لفتى يحيى بن حيان ولولا عريق في من عصبيةٍ ... لقلت وألفا من معد بن عدنان ولكن نفسي لم تطب بعشيرتي ... وطابت له نفسي بأبناء قحطان وهذا من التعصب المفرط. وحدثني شيخ من الأزد ثقة عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت، وهو يدعو لأبيه، فقيل له: ألاتدعو لأمك فقال: إنها تميمية. وسمع رجل يطوف بالبيت، وهو يدعو لأمه ولا يذكر أباه، فعوتب، فقال: هذه ضعيفة، وأبي رجل يحتال لنفسه. وحدثني المازني عمن حدثه قال: رأيت رجلاً يطوف بالبيت، وأمه على عنقه، وهو يقول: أحمل أمي وهي الحماله ... ترضعني الدرة والعلاله لا يجازى والد فعاله قوله: "الدرة" فهو اسم ما يدر من ثدييها، ابتداء كان ذلك أو غير ذلك والعلالة لا تكون إلا بعد، يقال: عله يعله ويعله علاً، والاسم العلالة، وكل شيء كان على "فعلت" من المدغم. فمضارعه إذا كان متعدياً إلى مفعول يكون على يفعل، نحو رده يرده، وشجه يشجه، وفر يفره، فإذا قلت: فر يفر، فإنما ذلك لأنه غير متعد إلى مفعول، ولكن تقول: فررت الدابة أفره. وجاء "فعل يفعل" من المتعدي في ثلاثة أحرف يقال: عله يعله ويعله، وهره يهره ويهره: إذا كرهه، ويقال: أحبه يحبه، وجاء حبه يحبه، ولا يكون فيه "يفعل" قال الشاعر: لعمرك إنني وطلاب مصر ... لكالمزداد مما حب بعدا

стр. 379

وقال آخر: وأقسم لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى ومشرق وقرأ أبو رجاء العطاردي: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، ففعل في هذا شيئين أحدهما أنه جاء به من "حببت" والآخر أنه أدغم في موضع الجزم وهو مذهب تميم وقيس وأسد وجماعة من العرب يقولون: رد يا فتى، يدغمون، ويحركون الدال الثانية لالتقاء الساكنين فيتبعون الضمة الضمة. ومنهم من يفتح لالتقاء الساكنين فيقول: رد يا فتى، لأن الفتح أخف الحركات، ومنهم من يقول رد يافتى فيكسر: لأن حق التقاء الساكنين الكسر، فإذا كان الفعل مكسوراً ففيه وجهان: تقول: فر يا فتى للإتباع وللأصل في ألتقاء الساكنين، وتفتح. لأن الفتح أخف الحركات، وإذا كان مفتوحاً فالفتح للإتباع، ولأنه أخف الحركات، والكسر على أصل التقاء الساكنين، نحو. عض، يا فتى، وعض يا فتى، فإذا لقيته ألف ولام فالأجود الكسر، من أجل ما بعده، وهي لام المعرفة، نحو: فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا ومنهم من يجري مجرى الأول، فتقع لام المعرفة بعد انقضاء الحركة في الأول فيقول٢: ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام ومن كان من شأنه أن يتبع أو يكسر فعلى ذلك، ومما جاء في القرآن على لغة من يكسر قوله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٣. وأما أهل الحجاز فيجرونه على القياس الأصلي، فيقول: اردد واغضض، ويقولون: افرر من زيد واعضض. لما سكن الثاني ظهر التضعيف لأنه لا يلتقي ساكنان، وكل ذلك من قولهم وقول التميميين قياس مطرد بين، وقد شرحناه في الكتاب المقتضب على حقيقة الشرح.

стр. 380

لرجل في الصبر وقال آخر: إذا ضيقت أمراً ضاق جداً ... وإن هونت ما قد عز هانا فلا تهلك لشيء فات يأساً ... فكم أمر تصعب ثم لانا سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كل الأذى إلا الهوانا فإن المرء يجزع في خلاءٍ ... وإن حضر الجماعة أن يهانا

стр. 381

لعبيد بن أيوب العنبري وقال آخر أحسبه من لصوص بني سعد. قال أبو الحسن: هو عبيد بن أيوب العنبري، وأنشد هذا الشعر ثعلب: فإني وتركي الإنس من بعد حبهم ... وصبري عمن كنت ما إن أزايله لكالصقر جلى بعد ما صاد قنية ... قديراً ومشوياً عبيطاً خرادله أهابوا به فازداد بعداً وصده ... عن القرب منهم ضوء برقٍ ووابله ألم ترني صاحبت صفراء نبعة ... لها ربذي لم تفلل معابله وطال احتضاني السيف حتى كأنما ... يلاط بكشحي جفنه وحمائله أخو فلواتٍ صاحب الجن وانتحى ... عن الإنس حتى قد تقضت وساءله وقوله: وصبري عمن كنت ما إن أزايله إن: زائدة، وهي تزاد مغيرة للإعراب، وتزاد توكيداً، وهذا موضع ذلك، فالموضع الذي تغير فيه الإعراب هو وقوعها بعد"ما" الحجازية، تقول: ما زيدٌ أخاك، وما هذا بشراً، فإذا أدخلت إن هذه بطل النصب بدخولها، فقلت: ما إن زيد منطلق، قال الشاعر١: وما إن طبنا جبنٌ ولكن ... منايانا ودولة آخرينا

стр. 382

فزعم سيبويه أنها منعت "ما" العمل كما منعت "ما" إن الثقيلة أن تنصب تقول: إن زيداً منطلق، فإذا أدخلت"ما" صارت من حروف الابتداء، ووقع بعدها المبتدأ وخبره والأفعال، نحو: إنما زيد أخوك، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١ ولولا "ما" لم يقع الفعل بعد"إن" لأن"إن" بمنزلة الفعل، ولا يلي فعل فعلاً لأنه لا يعمل فيه، فأما كان يقوم زيدٌ، "كاد يزيع قلوب فريق منهم" ففي كان وكاد فاعلان مكنيان. و"ما" تزاد على ضربين، فأحدهما أن يكون دخولها في الكلام كإلغائها، نحو ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ٢ أي فبرحمة، وكذلك: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ٣ وكذلك ﴿مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ ٤ وتدخل لتغيير اللفظ، فتوجب في الشيء ما لولا هي لم يقع، نحو ربما ينطلق زيد، و ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٥، ولولا" ما" لم تقع رب على الأفعال، لأنها من عوامل الأسماء، وكذلك جئت بعد ما قام زيد، كما قال المرار٦: أعلقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس ٧ فلولا" ما" لم يقع بعدها إلا اسم واحد، وكان مخفوضاً بإضافة" بعد" إليه، تقول: جئتك بعد زيد. وقوله: "كالصقر جلى"، تأويل التجلي أن يكون يحس شيئاً فيتشوف إليه، فهذا معنى" جلى"، قال العجاج: تجلى البازي إذا البازي كسر أي نظر، ويقال: تجلى فلانٌ فلانه تجلياً، وأجتلاها اجتلاءً، أي نظر إليها وتأملها، والأصل واحد. وقوله: " قديراً:، هو ما يطبخ في القدر، يقال: قدير ومقدور، كقولك: قتيل ومقتولٌ.

стр. 383

وقوله:" عبيطاً خرادله"، فالعبيط الطري، يقال: لحم عبيط إذا كان طرياً، وكذلك دم عبيطٌ، ويقال اعتبط فلان بكرته إذا نحرها شابةً من غير علةٍ وكذلك اعتبط فلان إذا مات شاباً، قال أمية١: من لم يمت عبطة يمت هرما ... للموت كأس فالمرء ذائقها وحدثني الزيادي إبراهيم بن سفيان بن سليمان بن ابي بكر بن عبد الرحمن ابن زياد. قال تحدث رجل من الأعراب، قال: نزلت برجل من طيئ، فنحر لي ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى، فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله لا أطعم ضيفي إلا لحماً عبيطاً، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث وفي كل ذلك آكل شيئاً، ويأكل الطائي أكل جماعةٍ ثم نؤتى باللبن فأشرب شيئاً، ويشرب عامة الوطب٢، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوماً استقت قطيعاً من إبله فأقبلته الفج٣، فانتبه واختصر علي الطريق حتى وقف لي في مضيق منه، فألقم وتره فوق٤ سهمه، ثم نادى بي: لتطب نفسك عنها قلت أرني آية، فقال. انظر إلى ذلك الضب، فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه٥، فقلت زدني، فقال: انظر إلى أعلى فقاره، فرماه فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك فقلت: شأنك بإبلك فقال: كلا حتى تسوقها إلى حيث كانت. قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب الذي حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة. قال: قلت هو والله ذاك. قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها فخذها، فقلت: إذاٌ والله لاأفعل حتى تسمع مدحك: والله ما رأيت رجلاٌ أكرم ضيافةٌ، ولا أهدى لسبيلٍ، ولا أرمى كفاٌ، ولا أوسع صدراٌ، ولا أرغب٦ جوفاٌ، ولا أكرم عفواٌ منك قال: فاستحيا فصرف وجهه عني، ثم قال: انصرف بالقطيع مباركاٌ لك فيه. وقوله: "خرادله" يعني قطعه، يقال: ضرباٌ خردله، وتأويله قطعه، كما قال:

стр. 384

والضرب يمضي بيننا خرادلا وقوله: "أهابوا به"، يقول: دعوه، يقال: أية به، وأهاب به: أي ناداه، قال القرشي: أهاب بأحزان الفؤاد مهيب ... وماتت نفوس للهوى وقلوب وقوله: "ضوء برق ووابله"، أراد صده عنهم ضوء برقٍ ووابله، فأضاف الوابل من المطر إلى البرق. وإنما الإضافة إلى الشيء على جهة التضمين، ولا يضاف الشيء إلى الشيء إلا وهو غيره أو بعضه، فالذي هو غيره: غلام زيدٍ ودار عمرو، والذي هو بعضه: ثوب خز، وخاتم حديد، وإنما أضاف الوابل إلى البرق، وليس هو له، كما قلت: دار زيد، على جهة المجاورة، وأنهما راجعان إلى السحابة، وقد يضاف ما كان كذا على السعة، كما قال الشاعر: حتى أنخت قلوصي في دياركم ... بخير من يحتذي نعلاً وحافيها فأضاف الحافي إلى النعل، والتقدير: حافٍ منها. ألم ترني صاحبت صفراء نبعة فالنبع خير الشجر للقسي، ويقال: إن النبع والشوحط والشريان شجرة واحدة، ولكنها تختلف أسماؤها وتكرم وتحسن بمنابتها، فما كان في قلة الجبل منها فهو النبع، وما كان في سفحه فهو الشوحط، وما كان في الحضيض فهو الشريان. وقوله: "لها ربذي"، يريد وتراً شديد الحركة عند دفع السهم، يقال رجل ربذ اليد إذا كان يكثر التحريك ليديه والعبث بهما، ويوصف به الفرس لكثرة حركة قوائمه، وكان الأصل ربذاً لأنه" ربذ"، ولكن ما كان من "فعل" فنسب إليه فتح موضع العين منه استثقالاً لاجتماع ياءي النسب وكسرة اللام، لأن ياءي النسب تكسران ما تليانه، فلم يدعوا مع ذلك العين مكسورة، تقول في النسب إلى النمر بن قاسط: نمري، وإلى الحطبات: حبطي، وإلى شقرة وهو الحارث ابن تميم بن مر: شقري، وفي النسب إلى عم عموي يا فتى.

стр. 385

وقوله: "لم تفلل معابله"، يريد لم ينكسر حدها، من الفلول. ويروى أن عروة بن الزبير سأل عبد الملك أن يرد عليه سيف أخيه عبد الله بن الزبير فأخرجه إليه في سيوف منتضاةٍ، فأخذه عروة من بينها، فقال له عبد الملك: بم عرفته فقال: بما قال النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب والمعبلة: واحد المعابل، وهي سهم خفيف، قال عنترة: وآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع١ بإسكان الجيم لاغير. [قال أبو الحسن: بجيلة: قبيلة من بني الهجيم، من اليمن] .

стр. 386

باب لبعض الشعراء يحرض على خالد بن يزيد قال أبوالعباس: تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هن شرف من هن منه، منهن أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية، ورملة بنت الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ففي ذلك يقول بعض الشعراء يحرض عليه عبد الملك: عليك أمير المؤمنين بخالدٍ ... ففي خالدٍ عما تحب صدود إذا ما نظرنا في مناكح خالدٍ ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد؟ فطلق آمنة بنت سعيد، فتزوجها الوليد بن عبد الملك، ففي ذلك يقول خالد: فتاة أبوها ذو العصابة، وابنه ... وعثمان، ما أكفاؤها بكثير فإن تفتلتها والخلافة، تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير قوله: " أبوها ذو العصابة"يعني سعيد بن العاصي بن أمية، وذلك أن قومه يذكرون أنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظاماٌ له، وينشدون: أبو أحيحة من يعتم عمته ... يضرب وإن كان ذا مالٍ وذا عدد ويزعم الزبيريون أن هذا البيت باطل موضوع. وقوله: " فإن تفتلتها": يقول: تأخذها فجاءةٌ، ومن ذلك قول الشاعر: من يأمن الأيام بعد ... صبيرة القرشي ماتا١ سبقت منيته المشيب ... وكان ميتته افتلاتا وفي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت، أي ماتت فجاءة.

стр. 387

لخالد بن يزيد في رملة بنت الزبير ويروى أن آمنه لبثت عند الوليد، فلما هلك عبد الملك سعى بها ساع إلى الوليد. قال أبو العباس: وبلغني أنها سعت بها إحدى ضراتها إلى الوليد بأنها لم تبك على عبد الملك كما بكى نظائرها فقال لها الوليد في ذلك، فقالت: صدق القائل، أكنت قائلة ماذا أقول ياليته كان بقي حتى يقتل أخاً لي آخر كعمرو بن سعيد! وفي رملة بنت الزبير يقول خالد: تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا١ فلا تكثروا فيها الملام فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قلبا٢ أحب بني العوام طراً لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا وزيد فيها: فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري ... يعلق رجال بين أعينهم صلبا فيروى أن عبد الملك ذكر له هذا البيت، فقال له: يا خالد، أتروي هذا البيت فقال: يا أمير المؤمنين، على قائلة لعنة الله!

стр. 388

زواج الحجاج بن يوسف بابنة عبد الله بن جعفر ثم طلاقه لها وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة، ففكر عبد الله بن جعفر في الانفكاك منه، فألقي في روعه خالد بن يزيد، فكتب إليه يعلمه ذلك، وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك، فورد على خالد كتابه ليلاً، فاستأذن من ساعته على عبد الملك، فقيل له: أفي هذا الوقت فقال: إنه أمر لا يؤخر، فأعلم عبد الملك بذلك. فأذن له، فلما دخل عليه، قال له عبد الملك: فيم السرى يا أبا هاشم قال: أمر جليل لم آمن أن أؤخر، فتحدث علي حادثة فلا أكون قضيت حق بيعتك، قال: وما? قال: أتعلم أنه ما كان بين حيين من العداوة

стр. 389

والبغضاء ما كان آل الزبير وآل أبي سفيان? قال لا. قال: فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيت أحب إلي منهم، قال: فإن ذلك ليكون، قال: فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم، وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجاج من سلطانك بحيث علمت قال: فجزاه خيراٌ، وكتب إلى الحجاج بعزمةٍ أن يطلقها فطلقها، فغدا الناس عليه يعزونه عنها، فكان فين أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، فأوقع الحجاج بخالد، فقال: كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه. فقال له عمرو بن عتبة: لاتقل ذا أيها الأمير، فإن لخالد قديماٌ سبق إليه، وحديثاٌ لم يغلب عليه، ولو طلب الأمر لطلبه بحد وجد، ولكنه علم علماٌ، فسلم العلم إلى أهله، فقال الحجاج: يا آل أبي سفيان، أنتم تحبون أن تحلموا ولا يكون الحلم إلا عن غضب، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل، ثم قال الحجاج: والله لأتزوجن من هو أمس به رحماٌ، ثم لا يمكنه فيه شيء، فتزوج أم الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد. أما قوله: "ألقي في روعه"، فإن العرب تقول ألقي في روعي، وفي قلبي وفي جخيفي وفي تاموري كذا كذا، ومعناه كله واحد، إلا أن لهذه الأشياء. مواضع مختصة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وصلم: "إن روح القدس نفث في روعي"، فالروع والجخيف غير مختلفين، والعرب تقول: أذهب الله قلبه، ولا قلب له. ولا تقول: لاروع له، فكأن الروع هو متصل بالقلب، وعنه يكون الفهم خاصة، ويقال: رأيت قلب الطائر. ولا يقال: رأيت روع الطائر، والتامور عند العرب: بقية النفس عند الموت، وبعضهم يفصح عنه فيجعله دم القلب خاصة الذي يبقى للا نسان ما بقي، يقال: ضعه في تامورك وفي قلبك وفي روعك وفي جخيفك. والذماء، ممدود: مثل التامور سواء تقول العرب: ليس في الحيوان أطول ذماء من الضب، وذلك أنه يذبح ثم يطرح في النار بعد أن ظن أنه قد برد فربما سعى من النار.

стр. 390

نبذ من أقوال الحكماء وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: عظني، فقال: اتخذ الله صاحباً وذر الناس جانباً.
следующие страницы →