← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

باب لبعض الشعراء يحرض على خالد بن يزيد قال أبوالعباس: تزوج خالد بن يزيد بن معاوية نساء هن شرف من هن منه، منهن أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وآمنة بنت سعيد بن العاصي بن أمية، ورملة بنت الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ففي ذلك يقول بعض الشعراء يحرض عليه عبد الملك: عليك أمير المؤمنين بخالدٍ ... ففي خالدٍ عما تحب صدود إذا ما نظرنا في مناكح خالدٍ ... عرفنا الذي ينوي وأين يريد؟ فطلق آمنة بنت سعيد، فتزوجها الوليد بن عبد الملك، ففي ذلك يقول خالد: فتاة أبوها ذو العصابة، وابنه ... وعثمان، ما أكفاؤها بكثير فإن تفتلتها والخلافة، تنقلب ... بأكرم علقي منبر وسرير قوله: " أبوها ذو العصابة"يعني سعيد بن العاصي بن أمية، وذلك أن قومه يذكرون أنه كان إذا اعتم لم يعتم قرشي إعظاماٌ له، وينشدون: أبو أحيحة من يعتم عمته ... يضرب وإن كان ذا مالٍ وذا عدد ويزعم الزبيريون أن هذا البيت باطل موضوع. وقوله: " فإن تفتلتها": يقول: تأخذها فجاءةٌ، ومن ذلك قول الشاعر: من يأمن الأيام بعد ... صبيرة القرشي ماتا١ سبقت منيته المشيب ... وكان ميتته افتلاتا وفي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت، أي ماتت فجاءة.

стр. 387

لخالد بن يزيد في رملة بنت الزبير ويروى أن آمنه لبثت عند الوليد، فلما هلك عبد الملك سعى بها ساع إلى الوليد. قال أبو العباس: وبلغني أنها سعت بها إحدى ضراتها إلى الوليد بأنها لم تبك على عبد الملك كما بكى نظائرها فقال لها الوليد في ذلك، فقالت: صدق القائل، أكنت قائلة ماذا أقول ياليته كان بقي حتى يقتل أخاً لي آخر كعمرو بن سعيد! وفي رملة بنت الزبير يقول خالد: تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالاً يجول ولا قلبا١ فلا تكثروا فيها الملام فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قلبا٢ أحب بني العوام طراً لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا وزيد فيها: فإن تسلمي أسلم وإن تتنصري ... يعلق رجال بين أعينهم صلبا فيروى أن عبد الملك ذكر له هذا البيت، فقال له: يا خالد، أتروي هذا البيت فقال: يا أمير المؤمنين، على قائلة لعنة الله!

стр. 388

زواج الحجاج بن يوسف بابنة عبد الله بن جعفر ثم طلاقه لها وذكر العتبي أن الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي لما أكره عبد الله بن جعفر على أن زوجه ابنته استأجله في نقلها سنة، ففكر عبد الله بن جعفر في الانفكاك منه، فألقي في روعه خالد بن يزيد، فكتب إليه يعلمه ذلك، وكان الحجاج تزوجها بإذن عبد الملك، فورد على خالد كتابه ليلاً، فاستأذن من ساعته على عبد الملك، فقيل له: أفي هذا الوقت فقال: إنه أمر لا يؤخر، فأعلم عبد الملك بذلك. فأذن له، فلما دخل عليه، قال له عبد الملك: فيم السرى يا أبا هاشم قال: أمر جليل لم آمن أن أؤخر، فتحدث علي حادثة فلا أكون قضيت حق بيعتك، قال: وما? قال: أتعلم أنه ما كان بين حيين من العداوة

стр. 389

والبغضاء ما كان آل الزبير وآل أبي سفيان? قال لا. قال: فإن تزويجي إلى آل الزبير حلل ما كان لهم في قلبي، فما أهل بيت أحب إلي منهم، قال: فإن ذلك ليكون، قال: فكيف أذنت للحجاج أن يتزوج في بني هاشم، وأنت تعلم ما يقولون ويقال فيهم، والحجاج من سلطانك بحيث علمت قال: فجزاه خيراٌ، وكتب إلى الحجاج بعزمةٍ أن يطلقها فطلقها، فغدا الناس عليه يعزونه عنها، فكان فين أتاه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، فأوقع الحجاج بخالد، فقال: كان الأمر لآبائه فعجز عنه حتى انتزع منه. فقال له عمرو بن عتبة: لاتقل ذا أيها الأمير، فإن لخالد قديماٌ سبق إليه، وحديثاٌ لم يغلب عليه، ولو طلب الأمر لطلبه بحد وجد، ولكنه علم علماٌ، فسلم العلم إلى أهله، فقال الحجاج: يا آل أبي سفيان، أنتم تحبون أن تحلموا ولا يكون الحلم إلا عن غضب، فنحن نغضبكم في العاجل ابتغاء مرضاتكم في الآجل، ثم قال الحجاج: والله لأتزوجن من هو أمس به رحماٌ، ثم لا يمكنه فيه شيء، فتزوج أم الجلاس بنت عبد الله بن خالد بن أسيد. أما قوله: "ألقي في روعه"، فإن العرب تقول ألقي في روعي، وفي قلبي وفي جخيفي وفي تاموري كذا كذا، ومعناه كله واحد، إلا أن لهذه الأشياء. مواضع مختصة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وصلم: "إن روح القدس نفث في روعي"، فالروع والجخيف غير مختلفين، والعرب تقول: أذهب الله قلبه، ولا قلب له. ولا تقول: لاروع له، فكأن الروع هو متصل بالقلب، وعنه يكون الفهم خاصة، ويقال: رأيت قلب الطائر. ولا يقال: رأيت روع الطائر، والتامور عند العرب: بقية النفس عند الموت، وبعضهم يفصح عنه فيجعله دم القلب خاصة الذي يبقى للا نسان ما بقي، يقال: ضعه في تامورك وفي قلبك وفي روعك وفي جخيفك. والذماء، ممدود: مثل التامور سواء تقول العرب: ليس في الحيوان أطول ذماء من الضب، وذلك أنه يذبح ثم يطرح في النار بعد أن ظن أنه قد برد فربما سعى من النار.

стр. 390

نبذ من أقوال الحكماء وقال رجل لإبراهيم بن أدهم: عظني، فقال: اتخذ الله صاحباً وذر الناس جانباً.

стр. 391

قال سعيد بن المسيب: كنت بين القبر والمنبر مفكراً، فسمعت قائلاً ولم أره: اللهم إني أسألك عملاً باراً. ورزقاً داراً. وعيشاً قاراً.١ قال سعيد: فلزمتهن فلم أر إلا خيراً. وقال الأصمعي: كان من دعاء أبي المجيب: اللهم اجعل خير عملي ما قارب أجلي. قال: وكان يقول في دعائه: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع.

стр. 392

أعرابي في حلقة يونس قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: حدثني أبو زيد قال: وقف علينا أعرابي في حلقة يونس النحوي فقال: الحمد لله كما هو أهله، وأعوذ بالله أن أذكر به وأنساه، خرجنا من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه سلم، ثلاثين رجلاً ممن أخرجته الحاجة، وحمل على المكروه، لا يمرضون مريضهم، ولا يدفنون ميتهم، ولا ينتقلون من منزلٍ إلى منزل وإن كرهوه. والله يا قوم لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق، ولقد مشيت حتى انتعلت، وحتى خرج من قدمي بخص ولحم كثير. أفلا رجل يرحم ابن سبيل، وفل طريق، ونضو سفر فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن ثواب الله ، ولا عمل بعد الموت، وهو الذي يقول جل ثناؤه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ ٢ ملي وفي ماجد واجد جوادٌ، لا يستقرض من عوزٍ، ولكنه يبلو الأخيار. قال: فبلغني أنه لم يبرح حتى أخذ ستين ديناراً. قوله: "بخص"، يريد اللحم الذي يركب القدم، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: هو لحم يخلطه بياض من فساد يحل فيه، ويقال: بخصت عينه، بالصاد، ولا يجوز إلا ذلك، ويقال. بخسته حقه، بالسين: إذا ظلمته ونقصته، كما قال الله : ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ٣، وفي المثل: "تحسبها حمقاء وهي باخسٌ" ويدل على أنه اللحم الذي قد خالطه الفساد قول الراجز:

стр. 393

[قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: الراجز هو أبو شراعة] يا قدمي لا أرى لي مخلصاً ... مما أراه أو تعودا بخصا١ وقوله "فل" فالفل في أكثر كلامهم: المنهزم الذاهب. وفي خبر كعب بن معدان الأشعري٢"إنا آثرنا الحد على الفل". يعني مجاهدتهم عبد ربه الصغير، لأنه كان مقبلاً على حربهم وتركهم قطرياً لأنه كان منهزماً.

стр. 394

خبر الحجاج بن علاط السلمي مع قريش وفي حديث الحجاج بن علاط السلمي. وكان قد أسلم ولم تعلم قريش بإسلامه، فاستأذن رسول الله ﷺ يوم خيبر في أن يصيرإلى مكة فيأخذ ما كان له من مال، وكانت له هناك أموال متفرقة، وهو غريب بينهم إنما هو أحد بني سليم بن منصور، ثم أحد بني بهزٍ فأذن له رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أحتاج أن أقول، قال: "فقل". قال أبو العباس: وهذا كلام حسن ومعنى حسن، يقول: أقول على جهةالاحتيال غير الحق، فأذن له رسول الله ﷺ لأنه من باب الحيلة، وليس هو من باب الفساد، وأكثر ما يقال في هذا المعنى تقول، كما قال المولى : ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ ٢ فصار إلى مكة فقالت قريش: هذا لعمر الله عنده الخبر. قال: فقولوا: بلغنا أن القاطع٤ قد يخرج إلى أهل خيبر، فقال الحجاج: نعم، فقتلوا أصحابه قتلاً لم يسمع بمثله، وأخذوه أسيراً، وقالوا: نرى أن نكارم به قريشاً، فندفعه إليهم، فلا تنال لنا هذه اليد في رقابهم. وإنما بادرت لجمع مالي لعلي أصيب به من فل محمدٍ وأصحابه قبل أن تسبقني إليه

стр. 395

التجار ويتصل بهم الحديث. قال: فاجتهدوا في أن جمعوا إلي مالي أسرع جمعٍ، وسروا أكثر سروراً، وقالوا بلا رغم١، وأتاني العباس وهو كالمرأة الواله٢ فقال: ويحك يا حجاج ما تقول قال: فقلت: أكاتمٌ أنت علي خبري? فقال: إي والله قال: فقلت: فالبث علي شيئاً حتى يخف موضعي. قال فسرت إليه، فقلت. الخبر والله على خلاف ما قلت لهم، خلفت رسول الله ﷺ وقد فتح خيبر، وخلفته والله معرساً بابنة ملكهم، وما جئتك إلا مسلماً، فاطو الخبر ثلاثاً حتى أعجز القوم، ثم أشعه، فإنه والله الحق، فقال: العباس: ويحك، أحق ما تقول? قلت إي والله قال: فلما كان بعد ثلاثة تخلق العباس، وأخذ عصاه وخرج يطوف بالبيت قال: فقالت: قريش: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحر المصيبة فقال: كلا، ومن حلفتم به لقد فتحها رسول الله ﷺ ، وأعرس بابنة ملكهم فقالوا: من اتاك بهذا الحديث? فقال: الذي أتاكم بخلافه، ولقد جاءنا مسلماً، ثم أتت الأخبار من النواحي بذلك، فقالوا: أفلتنا الخبيث، أولى له٣. وأصل الفل مأخوذ من فللت الحديدة٤ إذا كسرت حدها. والنضو: البالي المجهود، ويقال ناقة نضوٌ: إذا جهدها السير، وجمعه أنضاءٌ، وفلان نضوً من المرض. وقوله: "لا يستقرض من عوزٍ"، فالعوز: تعذر المطلوب، يقال: أعوز فلان فهو معوز إذا لم يجد، والمعاوز في غير هذا الموضع: الثياب التي تبتذل ليصان بها غيرها. وقوله: "ولكن ليبلوا الأخيار"، يقال: الله يبلوهم ويبتليهم ويختبرهم في معنى، وتأويله: يمتحنهم، وهو العالم بما يكون كعلمه بما كان، قال ال جلله ثناؤه ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٥ قال: وحدثني أبو عثمان المازني قال: رأيت أبا فرعون العدوي، ومعه

стр. 396

ابنتاه، وهو في سكة العطارين بالبصرة يقول: بنيتي صابرا أباكما ... إنكما بعين من يراكما الله ربي سيدي مولاكما ... ولو يشاء عنهم أغناكما وكان أبو فرعون، وهو من بني عدي بن الرباب بن عبد مناة بن أد، وقال اليزيدي: هو مولاهم وكان فصيحاً، وقدم قوم من الأعراب البصرة من أهله، فقيل له: تعرض لمعروفهم، فقال: ولست بسائل الأعراب شيئاً ... حمدت الله إذ لم يأكلوني

стр. 397

حديث رجل من الصيارفة افتقر وروى الأسدي أنه افتقر أنه رجل من الصيارفة بإلحاح الناس في أخذ أموالهم التي كانت لهم لديه، وتعذر أمواله التي كانت له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل١ من قريش كان موسراٌ من أولاد أجوادهم ليسد من خلته، فصاروا إليه، فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وسادةٌ فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلة صاحبهم، مع قديم نعمته وقريب جواره، فخطر بالقضيب. ثم قال متمثلاٌ٢: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توامقه٣ بخلت وبعض البخل حزم وقوة ... فلم يفتلذك المال إلاحقائقه ثم أقبل على القوم، فقال: إنا والله ما نجمد عن الحق، ولا نتدفق في الباطل، وإن لنا لحقوقاٌ تشغل فضول، وما كل من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا رحمكم الله قال: فابتدر القوم الأبواب. قوله: "فلم يفتلذك المال"، يقول: لم يقتطع منك، يقال فلذ له من العطاء: أي قطع له، وقال رسول الله ﷺ يوم بدرٍ حين قال الغلامان: في القوم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام بن هشام، وأمية بن خلف وفلان وفلان، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها". وقال أبو قحافة أعشى باهلة يعني المنتشر بن وهب الباهلي: تكفيه فلذة كبدٍ إن ألم بها ... من الشواء ويكفي شربة الغمر

стр. 398

رجل من أزد شنوءة بين يدي عتبة بن أبي سفيان قال عبد الملك بن عمير، استعمل عتبة بن أبي سفيان رجلاٌ من آله على الطائف، فظلم من أزد شنوءة، فأتى الأزدي عتبة، فمثل بين يديه، فقال: أمرت من كان مظلوماٌ ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم ثم ذكر ظلامته، فقال له عتبة: إني أراك أعرابياً جافياً، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلة فقال: أرأيت إن أنبأتك ذلك، أتجعل لي عليك مسألة? قال نعم، فقال الأعرابي: إن الصلاة أربع وأربع ... ثم ثلاث بعدهن أربع ثم صلاة الفجر لا تضيع فقال: فاسأل: فقال: كم فقار ظهرك فقال: لا أدري، فقال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك قال: ردوا عليه غنيمته. قوله: "فقار"، إنما هو جمع فقارة، ويقال فقرة، فمن قال في الواحدة فقرة قال في الجميع: فقر، كسرة وكسر، ومن قال للواحدة: فقارة، قال للجميع: فقارٌ، كقولك دجاجة ودجاج، وحمامة وحمامٌ.

стр. 399

أعرابي عند معاوية وشهد أعرابي عند معاوية بشيء كرهه، فقال له معاوية: كذبت فقال الأعرابي: الكاذب والله متزمل في ثيابك. فقال معاوية وتبسم: هذا جزاء من عجل.

стр. 400

حديث السواقط قال أبو العباس: قرأت على عبد الله بن محمد المعروف بالتوزي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي، قال: كانت السواقط ترد اليمامة في الأشهر الحرم لطلب التمر، فإن وافقت ذلك، وإلا أقامت بالبلد إلى أوانه، ثم تخرج منه فيشهر حرام، فكان الرجل منهم إذا قدم يأتي رجلً من بني حنيفة، وهم أهل اليمامة، أعني بني حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط ابن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربعة بن نزار فيكتب له على سهم أو غيره: "فلان جار فلان" والسواقط: من ورد اليمامة من غير أهلها، وقد كان النعمان بن المنذر أراد أن يجليهم منها، فأجارهم مرارة بن سلمي الحنفي. ثم أحد بني ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فسوغه الملك ذلك، فقال أوس بن حجرٍ يحض النعمان عليه: زعم ابن سلمي مرارة أنه ... مولى السواقط دون آل المنذر منع اليمامة حزنها وسهولها ... من كل ذي تاجٍ كريم المفخر وذكر أبو عبيدة أن رجلاً من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب قدم اليمامة، ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلمى أنه له جار وكان أخو هذا الكلابي جميلاً فقال له قرين، أخو عمير: لا تردن أبياتنا بأخيك هذا، فرآه بعد بين أبياتهم، فقتله. قال أبو عبيدة: وأما المولى١ فذكر أن قريناً أخا عميرٍ كان يتحدث إلى امرأة أخي الكلابي، فعثر عليه زوجها فخافه قرين عليها فقله، وكان عمير غائباً، فأتى الكلابي قبر سلمي أبي عمير وقرين فاستجار به وقال: [قال أبو الحسن الأخفش، قال أبو العباس: قرينٌ، ووجدته بخط دماذ، صاحب أبي عبيدة قرين] . وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمع وأتيت سلمياً فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائدٌ بالأمنع٢ أقرين إنك لو رأيت فوارسي ... بعمامتين٣ إلى جوانب ضلفع٤ حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع فلجأ قرينٌ إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابي دياتٍ مضاعفةً، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل

стр. 401

ذلك فأبى الكلابي أن يقبل، فلما قدم عمير قالت له أمه وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابي جميع ماله، فأبى الكلابي أن يقبل، وقد لجأ قرينٌ إلى خاله السمين بن عبد الله فلم يمنع عميراً منه، فأخذه عميرٌ فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة، وقال للكلابي: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابي، ففي ذلك يقول عمير: قتلنا أخانا للوفاء بجارنا ... وكان أبونا قد تجير مقابره وقالت أم عمير: تعد معاذراً لا عذر فيها ... ومن يقتل أخاه فقد ألاما وقوله: "ولم تكن للغدر خائنة"، ولم يقل خائناً. فإنما وضع هذا في موضع المصدر والتقدير: ولم تكن ذا خيانة. وقوله"للغدر": أي من أجل الغدر، وقال المفسرون والنحويون في قول الله : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ١ أي لشديدٌ: من أجل حب الخير، والخير ههنا: المال، من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ ٢. وقوله" لشديدٌ": أي لبخيل، والتقدير والله أعلم: إنه لبخيل من أجل حبه للمال، تقول العرب: فلان شديد ومتشدد أي بخيل، قال طرفة: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد٣ وقلما يجيء المصدر على فاعل، فمما جاء على وزن "فاعل": قولهم عوفي عافيةً، وفلج فالجاً، وقم قائماً: أي قم قياماً، وكما قال:

стр. 402

ولا خارجاً من في زور كلام أي ولايخرج خروجاً، وقد مضى تفسير هذا. والمغل الذي عنده غلول، وهو ما يختان ويحتجن، ويستعمل مستعاراً في غير المال، يقال: غل يغل كقول الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١. ويقال: أغل فهو مغل إذا صودف يغل، أو نسب إليه، ومن قرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ٢. فتأويله أن يأخذ ويستأثر، ومن قرأ: ﴿يَغُلَّ﴾ فتأويله على ضربين يكون أن يقال ذلك فيه، ويكون وهو الذي يختار أن يخون، فإن قال قائل كيف يكون التقدير، وقد قال: ما كان لنبي أن يغل فيغل لغيره، وأنت لا تقول ما كان لزيد أن يقوم عمرو? فالجواب أنه في التقدير على معنى: ما ينبغي لنبي أن يخون، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٣. ولو قلت: ما كان لزيد أن يقوم عمرو إليه لكان جيداً، على تقديرك: ما كان زيدٌ ليقوم عمرو إليه، كما قلنا في الآية. والإصبع، أفصح ما يقال وقد يقال: أصبع وإصبع وأصبع موضعها ههنا موضع اليد. يقال: لفلان عليك يدٌ، ولفلان عليك إصبعٌ، وكل جيدٌ، وإنما يعني ههنا النعمة. وأما قوله: قتلنا أخانا للوفاء بجارنا فيكون على ضربين: أحدهما أن يكون فخم نفسه وعظمها، فذكرها باللفظ الذي يذكر الجميع به، والعرب تفعل هذا ويعد كبراً، ولا ينبغي على حكم الإسلام أن يكو هذا مستعملاً إلا عن الله ، لأنه ذو الكبرياء، كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٤ و ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ٥، وكل صفات الله أعلى الصفات وأجلها، فما استعمل في المخلوقين على تلك الألفاظ

стр. 403

وإن خالفت في الحكم فحسن جميل، كقولك: في فلان عالم، وفلان قادرٌ، وفلان رحيم، وفلان ودودٌ، إلا ما وصفنا قبل من ذكر التكبر، فإنك إذا قلت: فلان جبار أو متكبر كان عليه عيباً ونقصاً، وذلك لمخالفة هاتين الصفتين الحق. وبعدهما من الصواب، لأنهما للمبدئ المعيد الخالق البارئ، ولا يليق ذلك بمن تكسره الجوعة، وتطغيه الشبعة، وتنقصه اللحظة، وهو في كل أموره مدبرٌ. وأما القول الآخر في البيت وهو" قتلنا أخانا" فمعناه أنه له ولمن شايعه من عشيرته. وأما قولها: ومن يقتل أخاه فقد ألاما تقول: أتى ما يلازم عليه، يقال: ألام الرجل إذا تعرض لأن يلام.

стр. 404

باب مما أنشد أبو محلم السعدي قال أبو العباس: انشدني السعدي أبو محلمٍ: إنا سألنا قومنا فخيارهم ... من كان أفضلهم أبوه الأول أعطى الذي أعطى أبوه قبله ... وتبخلت أبناء من يتبخل وأنشدني أيضاً: لطلحة بن حبيب حين تسأله ... أندى وأكرم من فند بن هطال وبيت طلحة في عز ومكرمةٍ ... وبيت فندٍ إلى ربقٍ وأحمال١ ألا فتى من بني ذبيان يحملني٢ ... وليس يحملني إلا ابن حمال فقلت طلحة أولى من عمدت له ... وجئت أمشي إليه مشي مختال مستيقناً أن حبلي سوف يعلقه ... في رأس ذيالةٍ أو رأس ذيال قوله:" إلى ربق وأحمال"، إنما أراد جمع حملٍ على القياس، كما تقول في جميع باب فعل: جملٌ وأجمالٌ، وصنمٌ وأصنامٌ. وقوله: ألا فتى من بني ذبيان يحملني يعني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر، وأنشد بعضهم: وليس حاملني إلا ابن حمال وهذا لايجوز في الكلام، لأنه إذا نون الاسم لم يتصل به المضمر، لأن المضمر لا يقوم بنفسه، فإنما يقع معاقباً للتنوين، تقول: هذا ضارب زيداً غداً، وهذا ضاربك غداً، ولا يقع التنوين ههنا، لأنه لو وقع لا نفصل المضمر، وعلى هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ ٣. وقد روى سيبويه يتين محمولين

стр. 405

على الضرورة، وكلاهما مصنوع، وليس أحد من النحويين المفتشين يجيز مثل هذا في الضرورة، لما ذكرت من انفصال الكناية، والبيتان اللذان رواهما سيبويه: هم القائلون الخير والأمرونه ... إذا مال خشوا يوماً من الأمر معظما وأنشد: ولم يرتفق والناس محتضرونه ... جميعاً وأيدي المعتفين رواهقه١ وإنما جاز أن تبين الحركة إذا وقفت في نون الاثنين والجميع لأنه لا يلتبس بالمضمر، تقول: هما رجلانه، وهم ضاربوه، إذا وقفت، لأنه لا يلتبس بالمضمر إذ كان لا يقع هذا الموقع، ولا يجوز، تقول ضربته، وأنت تريد ضربت، والهاء لبيان الحركة، لأن المفعول يقع في هذا الموضع، فيكون لبساً، فأما قولهم: ارمه واغزه فتلحق الهاء لبيان الحركة، فإنما جاز ذلك لما حذفت من أصل الفعل، ولا يكون في غير المحذوف. وقوله: "في رأس ذيالة"، يعني فرساً أنثى أو حصاناً، والذيال: الطويل الذنب، وإنما يحمد منه طول شعر الذنب، وقصر العسيب٢، واما الطويل العسيب فمذموم، ويقال ذلك للثور ايضاً أعني ذيالاً، قال امرؤ القيس: فجال الصوار واتقين بفرهب ... طويل القرا والروق أخنس ذيال٣ ويقال أيضاً للرجل: ذيالٌ إذا كان يجر ذيله اختيالاً، ويقال له: فضفاضٌ في ذلك المعنى.

стр. 406

من كلام عمر بن عبد العزيز لمؤدبه ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لمؤدبه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدبني? فقال أحسن طاعةٍ. قال: فأطعني الآن كما أطيعك إذ ذاك خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حت تبدو عقباك. وقال رسول الله ﷺ : "فضل الازار في النار".

стр. 407

لرجل يخاطب آخر اسمه دد وقال آخر١: ما لدد ما لددٍ ما له ... يبكي وقد أنعمت ما باله ما لي أراه مطرقاً سامياً ... ذا سنةٍ يوعد أخواله وذاك منه خلق عادةٌ ... أن يفعل الأمر الذي قاله إن ابن بيضاء وترك الندى ... كالعبد إذ قيد أجماله آليت لا أدفن قتلاكم ... فدخنوا المرء وسرباله والدرع لا أبغي بها نثرةً ... كل امرئٍ مستودعٌ ماله والرمح لا أملأ كفي به ... واللبد لا أتبع تزوال قوله: "ما لدد"، يعني رجلاٌ، ودد في الأصل. هو اللهو، قال رسول الله ﷺ : "لست من وددٍ ولاددٌ مني"، وقد يكون في غير هذا الموضع مأخوذاٌ من العادة، وهذه اللام الخافضة تكون مكسورة مع الظهر ومفتوحة مع المضمر، والفتح أصلها، ولكن كسرت مع الظاهر خوف اللبس بلام الخبر، تقول إن هذا لزيد، فيعلم أنه شيء في ملك زيد: فإن قلت: إن هذا لزيدٌ في الوقف، علم قبل الإدراج إنه زيد، ولو فتحت المكسورة لم يعلم الملك من المعنى الآخر في الوقف، وأما المضمر فبين فيه، لأن علامة المخفوض غير علامة المرفوع، تقول: إن هذا لك، وإن هذا أنت. وقوله: ......... وقد أنعمت ما باله فـ"ما" زائدة، والبال ههنا: الحال، وللبال موضع آخر، وحقيقته الفكر، تقول: ما خطر هذا على بالي. وقوله:" مطرقاً سامياً" فالسامي الرافع رأسه، يقال سما يسمو إذا ارتفع، والمطرق: الساكت المفكر المنكس رأسه، فإنما أراد سامياً بنفسه. وقوله: "ذا سنةٍ "يقول: كأنه لطول إطراقه في نعسةٍ. وقوله:

стр. 408

كالعبد إذ قيد أجماله يريد أنه غير مكترث لاكتساب المجد والفضل، وذلك أن العبد الراعي إذا قيد أجماله لف رأسه ونام حجرةٌ، وهذا شبيه بقوله: واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وقوله: فدخنوا المرء وسرباله يروي أنه طعن فارساً فأحدث، فقال: نظفوه فإني لا أدفن القتيل منكم إلا طاهراً، وقوله: والدرع لا أبغي بها نثرة فالنثرة: الدرع السابغة، يقول: درعي هذه تكفيني، وقوله: كل امرىءٍ مستودعٌ ماله أي مسترهن بأجله، وهو كقول الأعشى: كنت المقدم غير لابس جنةٍ ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها وعلمت أن النفس تلقى حتفها ... ما كان خالقها الفضيل قضى لها وقوله: الرمح لا أملأ كفي به يتأول على وجهين: أحدهما أن الرمح لا يملأ كفي وحده، أنا أقاتل بالسيف وبالرمح وبالقوس وغير ذلك. والقول الآخر أني لا أملأ كفي به إنما أختلس به كما قال الشاعر: ومدجج سبقت يداي له ... تحت الغبار بطعنه خلس وقوله: واللبد لا أتبع تزواله يقول: إن انحل الحزام فمال اللبد لم أمل معه، أي أنا فارس ثبتٌ.

стр. 409

للفرزدق وقد نزل به ذئب فأضافه وقال الفرزدق، ونزل به ذئبٌ فأضافه: وأطلس عسالٍ وما كان صاحباً ... رفعت لناري موهناً فأتاني فلما دنا قلت أدن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركان فبت أقد الزاد بيني وبينه ... على ضوء نارٍ مرة ودخان وقلت له لمت تكشر ضاحكاً ... وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لاتخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان وأنت امرؤٌ يا ذئب والغدر كنتما ... أخيين كانا أرضعا بلبان ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى ... رماك بسهمٍ أو شباة سنان قوله:" وأطلس عسال"، فالأطلس الأغبر. وحدثني مسعود بن بشرٍ قال: أنشدني طاهر بن علي الهاشمي قال: سمعت عبد الله بن طاهر بن الحسين ينشد في صفة الذئب: بهم بني محاربٍ مزداره١ ... أطلس يخفى شخصه غباره في شدقه شفرته وناره قوله: " يخفي شخصه غباره"، يقول: هو في لون الغبار، فليس يتبين فيه. وقوله:" عسال"، فإنما نسبه إلى مشيته، يقال: مر الذئب يعسل، وهو مشيٌ خفيف كالهرولة، قال الشاعر٢ يصف رمحاً: لدنٌ بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب وقال لبيدٌ: عسلان الذئب أمسى قارباً ... برد الليل عليه فنسل قال أبو عبيدة: نسل في معنى عسل، وقال الله : ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ٣. وخفض بهذه الواو لأنها في معنى "رُبَّ"، وإنما

стр. 410

جاز أن يخفض بها لوقوعها في معنى"رب" لأنها حرف خفض، وهي أعني الواو تكون بدلاً من الباء في القسم لأن مخرجها في مخرج الباء من الشفة، فإذا قلت: والله لأفعلن، فمعناه: أقسم بالله لأفعلن، فإن حذفتها قلت: الله لأفعلن، لأن الفعل يقع على الاسم فينصبه، والمعنى معنى"الباء" كما قال : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ ١. وصل الفعل فعمل، والمعنى معنى"من" لأنها للتبعيض، فقد صارت"الواو" تعمل بلفظها عمل "الباء"، وتكون في معناها، وتعمل عمل "رب" لاجتماعها في المعنى للاشتراك في المخرج. وقوله: "رفعت لناري"، من القلوب، إنما أراد رفعت له ناري والكلام إذا لم يدخله لبسٌ جاز القلب للاختصلر، قال الله : ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ ٢. والعصبة تنوء بالمفاتيح، أي تستقل بها في ثقلٍ، ومن كلام العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزاتها، والمعنى لتنوء بعجيزاتها، وأنشد أبو عبيدة للأخطل: أما كليب بن يربوع فليس لها ... عند التفاخر إيرادٌ ولا صدر مخلفون ويقضي الناس أمرهم ... وهم بغيبٍ وفي عمياء ما شعروا مثل القنافذ هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوءاتهم هجر فجعل الفعل للبلدتين على السعة. ويروى أن يونس بن حبيبٍ قال لأبي الحسن الكسائي: كيف تنشد بيت الفرزدق? فأنشده: غداة أحلت لابن أصرم طعنةٌ ... حصين عبيطات السدائف والخمر٣ فقال الكسائي لما قال: "غداة أحلت لابن أصرم طعنة ... حصين عبيطات السدائف.." تم الكلام. فحمل الخمر على المعنى، أراد: وحلت له الخمر، فقال له

стр. 411

يونس: ما أحسن ما قلت ولكن الفرزدق أنشدنيه على القلب، فنصب الطعنة ورفع العبيطات والخمر على ما وصفناه من القلب. والذي ذهب إليه الكسائي أحسن في محض العربية، وإن كان إنشاد الفرزدق جيداً. وقوله: "لما دنا قلت ادن دونك" أمر بعد أمرٍ، وحسن ذلك لأن قوله: "أدن" للتقريب، وفي قوله: "دونك"،أمره بالأكل، كما قال جرير لعياش بن الزبرقان: أعياش قد ذاق القيون مواسمي١ ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل وقوله: على ضوء نارٍ مرة ودخان يكون على وجهين: أحدهما على ضوء نار، وعلى دخانٍ أي على هاتين الحالتين ارتفعت النار أو خبت. وجائز أن يعطف الدخان على النار، وإن لم يكن للدخان ضياءٌ، ولكن للاشتراك كما قال الشاعر: ياليت زوجك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحا لأن معناها الحمل، وكما قال: شراب ألبانٍ وتمرٍ وأقط فأدخل التمر في المشروب لاشتراك المأكول والمشروب في الحلوق وهذه الآية تحمل على هذا: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ ٢. والشواظ: اللهب لا دخان له والنحاس: الدخان، وهو معطوف على النار، وهي مخفوضة بالشواظ لما ذكرت لك، قال النابغة الجعدي: تضيء كمثل سراج الذبا ... ل لم يجعل الله فيه نحاسا وقوله: نكن مثل من يا د ئب يصطحبان٣

стр. 412

فـ"من" تقع للواحد والاثنين والجميع والمؤنث على لفظ واحد، فإن شئت حملت خبرها على لفظها فقلت: من في الدار يحبك، عنيت جميعاً أو اثنين أو واحداً أو مؤنثاً، وإن شئت حملته على المعنى فقلت: يحبانك، وتحبك إذا عنيت امرأة ويحبونك إذا عنيت جميعاً كل ذلك جائز جيد، وقال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ١. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ ٢. وقال فحمل على المعنى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ٣. وقرأ أبو عمرو: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً﴾ ٤ فحمل الأول على اللفظ والثاني على المعنى. وفي القرآن: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ . فهذا كله على اللفظ، ثم قال: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على المعنى. وقوله: "أو شباة سنان" فالشبا والشباة واحد وهو الحد.

стр. 413

في وصف الجود والحث على المبادرة به ومما يستحسن في وصف الجود والحث على المبادرة به، وتعريف حد العاقبة فيه، قول النمر بن تولب العكلي، أحد بني عكل بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس١ بن مضر: أعاذل إن يصبح صداي بقفرةٍ ... بعيداً نآني صاحبي وقريبي تري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن الذي أنفقت كان نصيبي وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب غدت وغدا رب سواه يقودها ... وبدل أحجارا وجال قليب

стр. 414

قوله: "إن يصبح صداي بقفزة" فالصدى: على ستة أوجه: أحدها ما ذكرنا وهو ما يبقى من الميت في قبره، والصدى: الذكر من البوم، قال ابن مفرغ١: وشريت برداً ليتني ... من بعد بردٍ كنت هامة٢ هتافة تدعو صدى ... بين المشقر واليمامة ويقال: فلان هامة اليوم أوغدٍ، أي يموت في يومه أو في غده. ويقال ذلك للشيح إذا أسن، والمريض إذا طالت علته، والمحتقر٣ لمدة الآجال. وفي الحد يث أن حسلاً٤ أباحذيفة بن حسل بن اليمان قال لشيخ آخر تخلف معه في غزوةأحدٍ: انهض بنا ننصر رسول الله ﷺ ، فإنما نحن هامة اليوم أو غدٍ وكانا قد أسنا. والصدى: حشوة الرأس. يقال لذلك: الهامة والصدى وتأويل ذلك عند العرب في الجاهلية أن الرجل كان عندهم إذا قتل فلم يدرك به الثأر أنه يخرج من رأسه طائر كالبومة وهي الهامة والذكر: الصدى فيصيح على قبره. اسقوني اسقوني فإن قتل قاتله كف ذلك الطائر. قال ذو الإصبع٥ العدواني أحد بني عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر: ياعمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني والصدى: ما يرجع عليك من الصوت إذا كنت بمتسع من الأرض، أو بقرب جبل، كما قال: إني على كل إيساري ومعسرتي ... أدعو حنيفاً كما تدعى ابنة الجبل يعني الصدى، وتأويله أنه يجيبني في سرعة إجابة الصدى. وقال آخر: كأني إذ دعوت بني سليم ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا

стр. 415

والصدأ، مهموز: صدأ الحديد وما أشبه، قال النابغة الذبياني: سهكين من صدإ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار١ وقال الأعشى: فأما إذا ركبوا فالوجو ... هـ في الروع من صدإ البيض حم٢ والصدى: مصدر الصدي، وهو العطشان، يقال: صدي يصدى صدى وهو صدٍ، قال طرفة: ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي٣ وقال القطامي: فهن ينبذن من قولٍ يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي تأويل قوله: "نآني" يكون على ضربين، يكون أبعدني، وأحسن [من] ٤ ذلك أن يقول: "أنآني". وقد رويت هذه اللغة الأخرى، وليست بالحسنة، وإنما جاءت في حروف: يقال غاض الماء وغضته، ونزحت البئر ونزحته، وهبط الشيء وهبطنه، وبنو تميم يقولون: أهبطته، وأحرف سوى هذه يسيرة. والوجه في "فعل أفعلته"، نحو دخل وأدخلته، مات وأماته الله، فهذا الباب المطرد. ويكون "نآني" في موضع" نأى عني"، كما قال : ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٥ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم. وقوله: "ودؤوب"، يقول: وإلحاح عليه، تقول: دأبت على الشيء، قال الشاعر٦: دأبت إلى أن ينبت الظل بعدما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح وقوله : ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ٧ يقول: كعادتهم وسنتهم، ومثله الدين والديدن، وقد مر هذا.

стр. 416

وقوله: وبدل أحجاراٌ وجالٌ قليب فالجال الناحية، يقال لكل ناحية من البئر والقبر وما أشبه ذلك: جال وجول، وقال مهلهل: كأن رماحهم أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور١ ويقال: رجل ليس له جول، أي ليس له عقل، وهذا الشعر نظير قول حاتم الطائي: أماوي إن يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض، لا ماء لدي ولا خمر ترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر

стр. 417

للحارث بن حلزة اليشكري في الجود وقال الحارث بن حلزة اليشكري في هذا المعنى: قلت لعمرو حين أرسلته ... وقد خبا من دوننا عالج لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج واصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج قوله: لاتكسع الشول بأغبارها فإن العرب كانت تنضح على ضروعها الماء البارد ليكون أسمن لأولادها التي في بطونها. والغبر: بقية اللبن في الضرع، فيقول: لاتبق ذلك اللبن لسمن الأولاد، فإنك لاتدري من ينتجها، فلعلك تموت، فتكون للوارث أو يغار عليها. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول ابن آدم مالي مالي، وما من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت".

стр. 418

ويرى عن بعضهم أنه قال: إني أحب البقاء، وكالبقاء عندي حسن الثناء. وأنشد أبو عثمان عمرو بن الجاحظ: فإذا بلغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث متالف وخلود وأنشد: فأثنوا علينا لاأبا لأبيكم ... بأفعالنا، إن الثناء هو الخلد وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ما كان قيس بن معد يكرب أعطى الأعشى? فقال: أعطاه مالاٌ، وظهراٌ، ورقيقاً، وأشياء أنسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا ينسى. وقال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم بن سنان المري: ما وهب أبوك لزهير? فقالت: أعطاه مالاٌ وأثاثاٌ أفناه الدهر. فقال عمر: لكن ما أعطاكموه لا يفنيه الدهر. وقال المفسرون في قول الله عن ابراهيم صلوات الله عليه: ﴿َاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ ١ أي ثناء حسناٌ، وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ٢ أي يقال له هذا في الآخرين. والعرب تحذف هذا الفعل من "قال" ويقول "استغناءٌ عنه، قال الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٣، أي فيقال لهم. ومثله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ أي يقولون، وكذلك: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٥

стр. 419

................................................................................

стр. 420

باب من خطبة لعلي بن أبي طالب قال أبو العباس: قال علي بن أبي طالب ﵁ في خطبة له: أيها الناس، اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم. وبادروا الموت الذي إن هربتم منه أدرككم، وإن أقمتم أخذكم.

стр. 421

خطبة الحجاج حين قدم أميراٌ على العراق قال: وحدثني التوزي في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي، قال: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالٍ حسنةٍ، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، إذ أتى آتٍ فقال: هذا الحجاج قدم أميراٌ على العراق. فإذا به قد دخل المسجد معتماٌ بعمامة غطى بها أكثر وجهه، متقلداٌ سيفاً، متنكباٌ قوساٌ، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق حتى قال عمير بن ضابيء البرجمي: ألاأحصبه لكم? فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض وقال١: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني ثم قال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال٢: هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم ليس برلعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم ثم قال: قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي مهاجر ليس بأعرابي وقال: قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا

стр. 422

والقوس فيها وترٌ عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد لابد مما ليس منه بد إني والله يا أهل العراق، ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عوداً. وأصلبها مكسراً، فرماكم بي. لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقدالضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. والخوف بما كانوا يصنعون. وإنى والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة. وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلامٌ عليكم" فلم يقل أحد منهم شيئاً، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين، فلم تردوا عليه شيئاً هذا أدب ابن نهية أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: "سلامٌ عليكم"لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام١. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبراً، فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابنٌ هو أقوى على الأسفار مني فتقلبه بدلاً مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل٢: أتدري من هذا أيها الأمير? قال: لا قال: هذا عمير بن ضابئ البرمجي الذي يقول أبوه: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله

стр. 423

ودخل الشيخ على عثمان مقتولاٌ فوطىء بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال ردوه! فلما رد قال الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلاٌ يوم الدار! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحاٌ للمسلمين: يا حرسي، اضربن عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل، ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي١: تجهز فإما أن تزور ابن ضابىءٍ ... عميراٌ وإما أن تزور المهلبا هما خطتا خسفٍ نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا٢ فأضحى ولو كانت خراسان دونه٣ ... رآها مكان السوق أو هي أقربا قوله: "أنا ابن جلا"، إنما يريد المنكشف الأمر، ولم يصرف "جلا" لأنه أرادالفعل فحكى، والفعل إذا كان فاعله مضمراٌ أو مظهراٌ لم يكن إلاحكاية، كقولك: تأبط شرأ، وكماقال الشاعر: كذبتم وبيت الله لاتأخذونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب وتقول: قرأت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٤ لأنك حكيت، وكذلك الابتداء، تقول: قرأت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . وقال الشاعر: والله ما زيد بنام صاحبه٥ وقوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا لسحيم بن الرياحي، وإنما قاله الحجاج متمثلاً. وقوله: "وطلاع الثنايا" الثنايا: جمع ثنيةو الثنية: الطريق في الجبل.

стр. 424

والطريق في الرمل يقال له: الخل، وإنما أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، كما قال دريد بن الصمة يعني أخاه عبد الله: كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بعيد من السوءات طلاع أنجد والنجد: ما ارتفع من الأرض، وقد مضى تفسير هذا. وقوله: "إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت"، يريد أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعاٌ وينعت ينعاٌ، ويقرأ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ١ و ﴿َيَنْعِهِ﴾ كلاهما جائز. قال أبو عبيدة: هذا الشعر يختلف فيه، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. [قال أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية] وهو: ولها بالماطرين٢ إذا ... أكل النمل الذي جمعا خرفة حتى إذا ربعت ... سكنت من جلقٍ بيعا٣ في قباب حول دسكرةٍ ... حولها الزيتون قد ينعا قال أبو الحسن: أول هذه الأبيات: طال هذا الهم فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا وبعد هذا ما أنشد أبو العباس، ويروى" بالماطرون". قال أبو العباس: وقوله: هذا أوان الشد فاشتدي زيم يعني فرساٌ أو ناقة، والشعر للحطم القيسي. وقوله: قد لفها الليل بسواق حطم

стр. 425

فهو الذي لا يبقي من السير شيئاٌ، ويقال: رجل حطمٌ للذي يأتي على الزاد لشدة أكله، ويقال للنار التي لا تبقي: حطمةٌ. وقوله: "على ظهر وضم"، فالوضم: كل ما قطع عليه اللحم. قال الشاعر١: وفتيان صدقٍ حسان الوجو ... هـ لا يجدون لشيء ألم من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم وقوله: قد لفها الليل بعضلبي أي شديد. وأروع. أي ذكي. وقوله: "خراج من الدوي"، يقول: خراجٍ من كل غماء شديدة٢: ويقال للصحراء دوية، وهي التي لا تكاد تنقضي، وهي منسوبة إلى الدو، والدو: صحراء ملساء لاعلم بها ولا أمارة، قال الحطيئة٣: وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي والداوية: المتسعة التي تسمع لها دوياٌ بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها. وتقول جهلة الأعراب: إن ذلك عزيف الجن وقوله: والقوس فيها وترعرد فهو الشديد ويقال عرند في هذا المعنى. وقوله:" إني والله ما يقعقع لي بالشنان"، واحدها شن، وهو الجلد اليابس، فإذا قعقع به نفرت الإبل منه، فضرب ذلك مثلاٌ لنفسه، وقال النابغة الذبياني: كأنك من جمال بني أقيش٤ ... يقعقع بين رجليه بشن وقوله: "ولقد فررت عن ذكاء"، يعني تمام السن. والذكاء على ضربين:
следующие страницы →