أي أمرتك بالخير، ومن ذلك١ قول الفرزدق:
ومنا الذي٢ اختير الرجال سماحةً ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
أي من الرجال. فهذا الكلام الفصيح.
وتقول العرب: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، أي ما أذوق فيهن، وقال الشاعر:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً ... قليلاً سوى الطعن النهال نوافله٣
قال أبو الحسن: قوله: "لم يغرض"، أي لم يشتق، يقال: غرضت إلى لقائك، وحننت إلى لقائك، وعطشت إلى لقائك، وجعت إلى لقائك أي إشتقت، أخبرنا بذلك أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي، وأنشدنا عنه:
من ذا رسولٌ ناصحٌ فمبلغٌ ... عني علية غير قول الكاذب
أني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى الحبيب الغائب
التناصف: الحسن.
وأما قوله: "لقضاني" فإنما يريد: لقضى علي الموت، كما قال الله : ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ٤، فالموت في النية، وهو معلوم بمنزلة ما نطقت به، فلهذا ناسب قوله : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿كَالُوهُمْ﴾ فالشىء المكيل معلوم، فهو بمنزلة ما ذكر في اللفظ، ولا يجوز: مررت زيداً وأنت تريد: مررت بزيد، لأنه لا يعتدى إلا بحرف جر، وذلك أن فعل الفاعل في نفسه، وليس فيه د ليل على المفعول نفسه، وليس هذا بمنزلة ما يتعدى إلى
стр. 37
مفعولين، فيتعدى إلى أحدهما بحرف جر، وإلى الآخر بنفسه، لأن قولك: اخترت الرجال زيداً، قد علم بذكرك" زيداً "أن حرف الجر محذوف من الأول. فأما قول الشاعر وهو جرير وإنشاد أهل الكوفة له، وهو قوله:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذاً حرام
ورواية بعضهم له: "أتمضون الديار" فليس بشىء لما ذكرت لك، والسماع الصحيح والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الشاذة. أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال: قرأت على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
مررتم بالديار ولم تعوجوا
فهذا يدلك على أن الرواية مغيرةٌ
فأما قولهم: أقمت ثلاثاً ما أذوقهن طعاماً ولا شراباً، وقول الراجز:
قد صبحت صبحها السلام١ ... بكبد خالطها سنام
في ساعة يحبها الطعام
يريد في ساعة يحب فيها الطعام، وكذلك الأول، معناه: ما أذوق فيهن، فليس هذا عندي من. باب قوله جل وعلا: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ إلا في الحذف فقط، وذلك أن ضمير الظرف تجعله العرب مفعولاً على السعه، كقولهم: يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، فهذا يشبه في السعة في السعة بقوله: زيد ضربته وما أشبه، فهذا بينٌ.
стр. 38
لأعرابي من بني سعد وقد نزل به أضياف
قال أبو العباس: ومما يستحسن ويستجاد قول أعرابي١ من بني سعد بن زيد مناة تميم، وكان مملكاً٢، فنزل به أضياف، فقام إلى الرحى فطحن لهم،
стр. 39
فمرت به زوجته في نسوة، فقالت لهن: أهذا بعلي فأعلم بذلك فقال، قال أبو الحسن: أخبرنا به عن أبي محلم له يعني السعدي:
تقول وصكت صدرها بيمينها: ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجبي وتبيني ... بلائي إذا التفت علي الفوارس
ألست أرد القرن يركب ردعه ... وفيه سنان ذو غرارين يابس
إذا هاب أقوام تجشمت هول ما ... يهاب حماياه الألد المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي، وإني إن ركبت لفارس
قوله:" المتقاعس" إنما هو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، ويقال: عزة قعساء، وإنما هذا مثل، أي لا تضع ظهرها إلى الأرض. وقوله: "بالرحى" من صلة الذي، والصلة تمام الوصول، فلو قدمها قبله لكان لحناً خطاً فاحشاً، وكان كمن جعل آخر الاسم قبل أوله، ولكنه جعل "المتقاعس" اسماً على وجهه، وجعل قوله: "بالرحى" تبييناً بمنزلة"لك" التي تقع بعد "سقياً"، وبمنزلة" بك" التي تقع بعد قولك: "مرحباً" فإن قدمتها فذلك جيد بالغ، تقول: بك مرحباً وأهلاً، وتقول: لك حمداً، ولزيد سقياً، فأما قول الله : ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١ وكذلك ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ٢ فيكون تفسيره على وجهين: أحدهما أن يكون: إنني ناصح لكما، وأنا شاهد على ذلكم، ثم جعل" من الشاهدين" و" لمن الناصحين" تفسيراً لشاهد وناصح، ويكون على ما فسرناه يراد به التبيين، فلا يدخل في الصلة، أو يكون على مذهب المازني.
قال أبو العباس: وهو الذي أختار، على أن الألف واللام للتعريف لا على معنى الذي، ألا ترى أنك تقول: نعم الفائم زيد، ولا يجوز: نعم الذي قام زيد، وإنما هو بمنزلة قولك: نعم الرجل زيد، وهذا الذي شرحناه متصل في هذا الباب كله مطرد على القياس.
стр. 40
وقوله:
"ألست أرد القرن يركب ردعه"
فإنما اشتقاقه من السهم يقال: ارتدع السهم إذا رجع متأخراً، ويقال: ركب البعير ردعه إذا سقط، فدخل عنقه١ في جوفه، والكلام مشتق بعضه من بعض، ومبين بعضه بعضاً، فيقال من هذا في المثل: ذهب فلان في حاجتي فارتدع عنها، أي رجع، وكذلك: فلان لا يرتدع عن قبيح، والأصل ما ذكرت أولاً.
ومثل هذا قولهم: فلان على الدابة، وعلى الجبل، أي فوق كل واحد منهما ثم تقول: عليه دين تمثيلاً، وكذلك ركبه دين، وإنما يريد أن الدين علاه وقهره، وكذلك فلان على الكوفة إذا كان والياً عليها، وكذلك: علا فلان القوم، إذا علاهم بأمره وقهرهم، أو جعل هذا الموضوع.
وقوله:
"وفيه سنان ذو غرارين يابس"
فالغرار هنا الحد، وللغرار مواضع.
قال أبو العباس: وحدثني الرياشي في إسناد له قال: قال جبر بن حبيب وذكر الراعي: أخطأ الأعور قال: ولم يعلم الحاكي عنه أن الراعي كان أعور إلامن هذا الخبر في قوله:
فصادف سهمه أحجار قف ... كسران العير منه والغرارا ٢
وجبر بن حبيب هو المخطىء، لأن الغرار ههنا هو الحد، وذهب جبر إلى أنه المثال، وقد يكون المثال، وليس ذلك بمانعه من أن يحتمل معاني، يقال: بنوا بيوتهم على غرار واحد، أي على مثال واحد، كما قال عمرو بن أحمر" الباهلي"٣:
وضعن٤ وكلهن على غرار ... هجان اللون قد وسقت جنينا
стр. 41
ويقال: لسوقنا درة وغرار، أي نفاق وكساد، فهذا معنى آخر، وإنما تأويل الغرار في هذا المعنى الأخير أنه شيء، ومن هذا: غار الطائر فرخه، لأنه إنما يعطيه شيئاً بعد شيء، وكذلك غارت الناقة في الحلب، ويقال من هذا: ما نمت إلا غرار، قال الشاعر:
ما أذوق النوم إلا غراراً ... مثل حسو الطير ماء الثماد
فكشف في هذا البيت معنى الغرار وأوضحه.
وقوله:
"يهاب حمياه الألد المداعس"
فأصل الحميا إنما هي صدمة الشيء، يقال: فلان حامي الحميا، ويقال صدمته حمياً الكأس، يراد بذلك سورتها.
وقوله: "الألد" فأصله الشديد الخصومة، يقال: خصم ألد، أي لا ينثني عن خصمه. قال الله : ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ ١ كما قال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ٢، وقال مهلهل:
إن تحت الأحجار حزماً وجوداً ... وخصيماً ألد ذا معلاق
ويروي: "مغلاق" فمن روى ذلك فتأويله أنه يغلق الحجة الخصم، ومن قال،" ذا معلاق"، فإنما يريد أنه إذا علق خصماً لم يتخلص منه، وجعل السعدي الألد الذي لا ينثني عن الحرب تشبيهاً بذلك، والمداعس: المطاعن، يقال: دعسه بالرمح إذا طعنه، قال عمير بن الحباب السلمي:
أنا عميرٌ وأبو المغلس ... وبالقناة مازني مدعس
قال أبو الحسن: تأويل قول السعدي:
"أبلعي هذا بالرحى المتقاعس"
стр. 42
"بالرحى" تبيين ولم يوضحه، فإن تقدير ما كان من هذا الضرب أنه إذا قال: "أبعلي هذا بالرحى المتقاعس"، فإن المتقاعس يدل على أن تقاعساً وقع، فكأنه قال: وقع التقاعس بالرحى، ولم يرد أن يعمل "المتقاعس "في قوله: "بالرحى"، لأنه في صلة، والصلة من الموصول بمنزلة الدال من زيد أو الياء، فكما لا يجوز أن يتقدم حروف الاسم بعضها على بعض، لم يجز أن تتقدم الصلة على الموصول، فأما قول الله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ، وكذلك: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ، فإنه يكون على التبيين الذي قدمنا ذكره وهو قول البصريين أجمعين، إلا أن أبا عمر الجرمي أجاز أن يجعل"لكما"،و "على ذلكم" معلقين بشيئين محذوفين دل عليهما" من الناصحين"، و" من الشاهدين"، لأن" من" مبعضة، فكأنه قال والله أعلم: وقاسمهما إني ناصح لكما من الناصحين، وأنا شاهد على ذلكم من الشاهدين.
وأما اختياره وذكره أنه قول المازني، وجعله الألف واللام للعهد مثلهما في الرجل وما أشبهه، فإن هذا القول غير مرضي عندي، لأنك إذا قلت: نعم القائم زيدٌ فجعلت الألف واللام كالألف واللام الداخلتين على ما يؤخذ من الفعل كالإنسان والفرس وما أشبهه، فإنه إذا كان هكذا دخل في باب الأسماء الجامدة وهي التي لم تؤخذ من أمثلة الفعل، وامتنع من أن يعمل مؤخراً إلا على حيلة ووجهٍ بعيدٍ من التبيين الذي ذكرناه. وإذا كان التأخير لا يعمل بنفسه، فكيف يعمل إذا تقدم عليه الظرف وهذا مستحيل لا وجه له.
وأما إنشاده:
لا أذوق النوم إلا غراراً
فإن هذه أبيات أربعة أنشدناها عن الزيادي، وذكر أنه كان يستحسنها وهي لأعرابي قال:
ما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نابياً عن وسادي
ما أذوق النوم إلا غراراً ... مثل حسو الطير ماء الثماد١
أبتغي إصلاح سعدى بجهدي ... وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيءٍ ... ربما أفسد طول التمادي
стр. 43
وأما إنشاده:
وضعن وكلهن على غرارٍ
فإن البيت لعمرو بن أحمر بن العمرد الباهلي.
стр. 44
لطيخم بن أبي الطمخاء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة
قال أبو العباس: ومن سهل الشعر وحسنه قول طخيم بن أبي الطخماء الأسدي يمدح قوماً من أهل الحيرة من بني امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، ثم من رهط عدي بن زيد العبادي، قال:
كأن لم يكن يومٌ بزورة صالحٌ ... وبالقصر ظل دائمٌ وصديق١
ولم أراد البطحاء يمزج ماءها ... شراب من البروقتين عتيق٢
معي كل فضفاض القميص كأنه ... إذا ما سرت فيه المدام فنيق
بنو السمط والحداء، كل سميدع ... له في العروق الصالحات عروق
وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق
قال أبو العباس: أنشدني هذا الشعر أبو محلم، ثم أنشدنيه رجل نصراني يكنى أبا يحيى، شاعر من هؤلاء القوم الذين مدحوا به، وذكر أنه يذكر طخيماً، وهو يتردد إليهم ويظل عندهم. فال هذا النصراني وهو رجل من بني الحداء قال: أذكره وأنا صغير جداً، والسلطان يطلبه لقوله:
له في العروق الصالحات عروق
يقول: أتقول هذا لقومٍ من النصارى وكان هذا النصراني قد قارب مائة سنة فيما ذكر.
стр. 45
وقوله: "معي كل فضفاض القميص" يريد أن قميصه ذو فضولٍ، وإنما يقصد إلى ما فيه من الخيلاء، كما قال زهير:
يجرون الذيول وقد تمشت ... حمياً الكأس فيهم والغناء
ويقال: إن تأويل قول رسول الله حلى الله عليه وسلم: "فضل الإزار في النار" إنما أراد معنى الخيلاء، وقال الشاعر:
ولا ينسيني الحدثان عرضي ... ولا أرخي من المرح الإزارا
وقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال لأبي تميمة الهجيمي: "إياك والمخيلة" فقال: يا رسول الله، نحن قومً عربٌ، فما المخيلة, فقال ﷺ "سبل الإزار" والحديث يعرض لما يجري في الحديث قبله، وإن لم يكن من بابه، ولكن يذكر به.
قال أبو العباس: روى لنا أن رجلاً من الصالحين كان عند إبراهيم١ بن هشام، فأنشد إبراهيم قول الشاعر:
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية ... وإذا أجر إليكم سادراً رسني
فقام ذلك الرجل فرمى بشق ردائه، وأقبل يسحبه حتى خرج من المجلس، ثم رجع على تلك الحال فجلس، فقال له إبراهيم بن هشام: ما بك فقال: إني كنت سمعت هذا الشعر فاستحسنته، فآليت ألا أسمعه إلا جررت ردائي كما ترى، كما سحب هذا الرجل رسنه.
وأما الفنيق فإنه الفحل من الإبل٢، وإنما أراد خطراته بذنبه من الخيلاء، فشبه الرجل من هؤلاء إذا انتشى بالفحل، وهو إذا خطر ضرب بذنبه يمنة وشأمة، قال ذو الرمة:
وقربن بالزرق الجمائل بعدما ... تقوب عن غربان أوراكها الخطر ٣
стр. 46
قول مخيس بن أرطاة الأعرجي لرجل من بني حنيفة
ومن حسن الشعر ومايقرب مأخذة قول مخيس بن أرطاة الأعرجى والأعرج الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، لرجل من بني حنيفة يقال له يحيى، وكان يصير إلى امرأة في قرية من قرى اليمامة يقال لها: بقعاء: قال أبو الحسن: أنشدته عن الرياشي: " نقعاء"١، وسألت رجلاً من أهل اليمامة فصيحاً من بني حنيفة عن هذا، فقال: مانعرفة٢ إلا" نقعاء"٣:
عرضت نصيحة مني ليحيى ... فقال: غششتني والنصح مر
وما بى أن أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأثواب٤ بر
ولكن قد أتاني أن يحيى ... يقال عليه فى بقعاء شر
فقلت له: تجنب كل شىءٍ ... يعاب عليك، أن الحرحر
فهذا كلام ليس فية فضل عن معناه.
وقوله: "إن الحرحر حر" انما تأويلة أن الحر على الأخلاق التى عهدت فى الأحرار، ومثل ذلك:
أنا أبو النجم وشعري شعري٥
أي شعري كما بلغك، وكما كنت تعهد، وكذلك قولهم: الناس الناس، أي الناس كما كنت تعهدهم. قال أبو الحسن: ومنه قول الله : ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٦ وقوله:
فقلت له تجنب كل شىء ... يعاب عليك
стр. 47
كقول عمرو بن العاص لمعاوية حين وصف عبد الملك [بن مران] ١ فقال: آخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث، آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، وبحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسرالأمرين عليه إذا خولف، تارك للمراء، تارك لمقاربة اللئيم، تارك لما يعتذر منه، كقوله:
... تجنب كل شىءٍ ... يعاب عليك أن الحر حر
стр. 48
قول ابن ميادة لرياح بن عثمان المري
ومما يستحسن إنشاده من الشعر لصحة معناه، وجزالة لفظه، وكثرة تردد ضربه من المعاني بين الناس، قول ابن ميادة لرياح بن عثمان بن حيان المري١، من مرة غطفان، يقوله في فتنة٢ محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن، وكان أشار عليه بأن يعتزل القوم فلم يفعل فقتل، فقال ابن ميادة:
أمرتك يا رياح بأمر حزمٍ ... فقلت: هشيمةٌ من أهل نجد
نهيتك عن رجال من قريش ... على محبوكة الأصلاب جرد
ووجداً ما وجدت على رياحٍ ... وما أغنيت شيئا غير وجدي
وقوله٣:
"فقلت هشيمة من أهل نجد٤"
تأويله ضعفة، وأصل الهشيم النبت إذا ولى وجف وتكسر، فذرته الرياح يميناً وشمالاً قال الله : ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٥ والنجد: أعالي الأرض.
وقوله:
"على محبوكة الأصلاب جرد"
стр. 49
فالمحبوك الذي فيه طرائق، واحدها حباكٌ، والجماعة حبك، وكذلك الطرائق التي عاى جناح الطائر؛ من ذلك قول الله عز وجل١: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ ٢.
قال أبو الحسن: ابن ميادة اسمه الرماح، وأمه ميادة، وأبوه أبرد، وكان عاقاً بأمه، ولها يقول:
اعرنزمي مياد للقوافي٣
وأصل الاعرنزام التجمع والتقبض، يقول: استعدي لها وتهيئي.
وأنشدنا أبو العباس محمد بن يزيد له:
ونواعم قد قلنا يوم ترحلي ... قول المجد وهن كالمزاح
ياليتنا من غير أمر فادح ... طلعت علينا العيس بالرماح
في أبيات له، يعني نفسه.
قال أبو الحسن: وتمام الأبيات:
بينا كذاك رأيتني متعصباً ... بالخز فوق جلالة سرداح٤
فيهن صفراء المعاصم طفلة ... بيضاء مثل غريضة التفاح٥
ريشن حين أردن أن يرمينني ... نبلاً بلا ريشٍ ولا بقداح
ونظرن من خلل الستور بأعين ... مرضى مخالطها السقم صحاح
стр. 50
نبذ من أقوال الحكماء
قال أبو العباس: ثم نذكر من كلام الحكماء وأمثالهم وآدابهم صدراً، ونعود١ إلى المقطعات إن شاء الله.
[يروى عن ابن عمر أنه كان يقول: إنا معشر قريش، كنا نعد الجود والحلم السودد، ونعد العفاف وإصلاح المال المروءة] ٢.
قال الأحنف بن قيس: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزح تذهب المروءة، ومن لزم شيئاً عرف به.
وقيل لعبد الملك بن مروان: ما المروءة? فقال: موالاة الأكفاء، ومداجاة الأعداء.
وتأويل المداجاة المداراة؛ أي لا تظهر لهم ما عندك من العداوة، وأصله من الدجى، وهو ما ألبسك الليل من ظلمته.
وقيل لمعاوية: ما المروءة? فقال: احتمال الجريرة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النبل? فقال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة.
وكان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: يا هذا، إنك قد اخترتني جاراً، واخترت داري داراً، فجناية يدك علي دونك، وإن جنت عليك يدٌ فاحتكم علي حكم الصبي على أهله.
وذلك أن الصبي قد يطلب ما لا يوجد إلا بعيداً، ويطلب ما لا يكون البتة، قال الشاعر٣:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه ... كثيرٌ على ظهر الطريق مجاهله
وروي٤ أن معاوية بن سفيان لما نصب يزيد لولاية العهد أقعده في قبةٍ حمراء، فجعل الناس يسلمون على معاوية، ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجلٌ
стр. 51
فعل ذلك، ثم رجع إلى معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين، اعلم أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها-والأحنف جالسٌ-فقال له معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر! فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فقال: جزاك الله عن الطاعة خيراً! وأمر له بألوفٍ، فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب، فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أن شر من خلق الله هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع باستخراجها إلا بما سمعت، فقال الأحنف: يا هذا أمسك عليك١، فإن ذا الوجهين خليقٌ ألا يكون عند الله وجيهاً.
стр. 52
لرجلٍ يهجو بلال بن البعير المحاربي
وقال رجلٌ يهجو بلال بن البعير المحاربي١:
يقولون أبناء البعير وما له ... سنامٌ ولا في ذروة المجد غارب
أرادتوذاكم من سفاهة رأيها ... لأهجوهالما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني بعشيرتي ... ونفسي عن هذا المقام لراغب
стр. 53
لأبي الطمحان القيني يفخر بقومه
وقال أبو الطمحان القيني١:
وإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه
نجوم سماءٍ كلما غار كوكب ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
وما زال منهم حيث كانوا مسودٌ ... تسير المنايا حيث سارت كتائب
стр. 54
لإياس بن الوليد يمدح قومه
وقال إياس بن الوليد يمدح قومه:
إني وجدك من قومٍ إذا طلبوا ... بعد النسيئة ديناً أحسنوا الطلبا
لا تحسبوا هجم أبياتي علانيةً ... ولا استلاب سلاحي ذاهباً لعبا
تبقى المعاير بعد القوم باقيةً ... ويذهب المال فيما كان قد ذهبا
لرجلٍ يهجو
وقال آخر:
ليسوا لعمرو غير تأشيب نسبةٍ ... ولكن عمراً غيبته المقابر
إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجر المقادر
стр. 55
وقال آخر:
ولم تداو غلة القلب الشنف١
стр. 56
لرجلٍ من بني نهشل بن دارم ينأى بنفسه
وقال رجلٌ من بني نهشل بن دارم:
إذا مولاك كان عليك عوناً ... أتاك القوم بالعجب العجيب
فلا تخنع إليه ولا ترده ... ورام برأسه عرض الجبوب
فما لشآفةٍ من غير ذنبٍ ... إلا ولى صديقك من طبيب
وقوله:
ورام برأسه عرض الجبوب
يريد الأرض-وهو اسم من أسمائها-أنشدني التوزي لرجلٍ من بني مرة يرثي ابنه:
بني على عيني وقلبي مكانه ... ثوى بين أحجارٍ ورهن جبوب
وقوله: فما لشآفةٍ يقول: لبغض، يقال: شئفت الرحل أشأفه شآفةً وشأفاً، وقد يقال في هذا المعنى شنفته، قال الراجز:
لما رأتني أم عمروٍ صدفت ... ومنعتني خيرها وشنفت١
стр. 57
لنبهان بن عكي في النسيب
وقال نبهان بن عكي العبشمي:
يقر بعيني أن أرى من مكانه ... ذرا عقدات الأبرق المتقاود
وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى، وقد مل السرى كل واجد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطاً بسم الأساود
قوله: "ذرا عقدات" فالذروة من كل شيء أعلاه، فذروه السنام أعلاه، وذروة المجد أرفعه وأسناه، ويقال: فلان في ذروة قومه إذا كان في الموضع الرفيع منهم، وأما قول لبيد:
مدمنٌ يجلو بأطراف الذرا ... دنس الأسؤق عن عضب أفل
فإنما يقول: هذا رجل يعرقب الإبل لينحرها ثم يمسح ذرا أسنمتها بسيفه، ليجلو ما عليه من دم الأسؤق.
وقوله: "عضب" أي قاطع، ومن ذلك رجل عضب اللسان، وجعله أفل لكثرة ما يقارع به الحروب، كما قال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وقوله: "عقدات "فهو ما انعقد وصلب من الرمل، والواحدة عقدة، وأعقاد أيضاً وعقدات، قال ذو الرمة لهلال بن أحوز المازني يمدحه:
رفعت مجد تميم يا هلال لها ... رفع الطراف على العلياء بالعمد١
حتى نساء تميم وهي نازحة ... بقلة الحزن فالصمان فالعقد
لو يستطعن إذا ضافتك مجحفة ... وقينك الموت بالآباء والولد
стр. 58
وقوله: "الأبرق" فالأبرق حجارة يخلطها رمل وطين، يقال لتلك: برقة، وأبرق، وبرقاء، يا فتى كما يقال: الأمعز والمعزاء، وهي الأرض الكثيرة الحصباء، ومثل ذلك الأبطح والبطحاء، وهو ما انبطح من الأرض، فمن قال: أبرق فإنما أراد المكان، ومن قال: برقاء فإنما أراد البقعة.
وقوله: "المتقاود" يريد المنقاد المستقيم، ومن ذلك قولهم: قدته أي جررته على استقامة، وكذلك طريق منقاد، وفلان قائد الجيش، قال حاتم بن عبد الله الطائي يضرب هذا مثلاً:
إن الكريم من تلفت حوله ... وإن اللئيم دائم الطرف أقود١
وقوله:
ولو كان مخلوطاً بسم الأساود
يريد جمع أسود سالخ، وجمعه على أساود، لأنه يجري مجرى الأسماء، وما كان من باب "أفعل" اسما فجمعه على أفاعل، نحو أفكل وأفاكل٢، والأكبر والأكابر، وكذلك كل ما سميت به رجلاً، تقول: أحمد وأحامد وأسلم وأسالم، فإن كان نعتاً فجمعه" فعل"٣ نحو أحمر وحمر وأصفر وصفر، ولكن أسود إذا عنيت به الحية، وأدهم إذا عنيت به٤ القيد، وأبطح إذا عنيت٥ المكان المنبطح، والأبرق٦ إذا عنيت المكان، مضارعة للأسماء، لأنها تدل على ذات الشيء، وإذا كانت في الأصل نعتاً محضاً٧، تقول في جمعها: الأباطح والأبارق والأداهم والأساود، فإن أردت نعتاً محضاً يتبع المنعوت، قلت: مررت بثياب سود، وبخيل دهم، وكل ما أشبه هذا فهذا مجراه، قال جرير:
هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحي أو لجدل الأداهم٨
стр. 59
وقال الأشهب بن رميلة: قال أبو الحسن: رميلة اسم أمة١:
أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقت٢ على حرد دماء الأساود
قوله: "على حرد" يقول: على قصد، فأما الله : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ ٣ فإن فيه قولين: أحدهما ما ذكرنا من القصد، قال الشاعر٤:
قد جاء سيل جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلة٥
وقالوا: "على حرد": أي على منع من حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت درها.
[قال أبو الحسن: رواية أبي العباس: "يقر بعيني "يريد يقر عيني، ثم أتى بالباء توكيداً، وقال لنا: هكذا سمعته، ويقال: أقر الله عينه يقرها، وقرت عينه تقر، وقررت بالمكان أقر وقال الأصمعي: قرت عينه من القر وهو البرد، أي جمدت فلم تدمع، وهو بحذاء سخنت عينه وأجود مما روى عندي: "يقر بعيني"، وهو الأصل، والباء في موضعها غير مؤكدة.
وقال أبو العباس: الذي رويت: "وقد مل السرى كل واحد"، وهو المنفرد في السير المتوحد به، وروىغيره: "كل واجد"، أي عاشق وروي أيضاً: "كل واخد"، وهو من الوخد والوخدان، وهو السير الشديد والوخد المصدر، والوخدان الاسم] .
стр. 60
للقتال الكلابي يفخر بنفسه وقومه
وقال القتال الكلابي١، واسمه عبيد بن مضرحي:
أنا ابن أسماء أعمامي لها وأبي ... إذا ترامى بنو الإموان بالعار
لا أرضع الدهر إلا ثدي واضحةٍ ... لواضح الخد يحمي حوزة الجار
من آل سفيان أو ورقاء يمنعها ... تحت العجاجة ضرب غير عوار
يا ليتني والمنى ليست بنافعةٍ ... لمالك أو لحصن أو لسيار
طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار
قوله:
إذا ترامى بنو الإموان بالعار
فالإموان: جمع أمةٍ، وأصل أمةٍ"فعلة" متحركة العين، وليس شيء من الأسماء على حرفين إلا وقد سقط منه حرف يستدل عليه بجمعه، أو بتثنيته، او بفعل إن كان مشتقاً منه، لأن أقل الأصول ثلاثة أحرف، ولا يلحق التصغير ما كان أقل منها، فأمة قد علمنا أن الذاهب منها واو بقولهم: " إموان"، كما علمنا أن الذاهب من أب وأخ الواو بقولهم أبوان وأخوان، وعلمنا أن أمة" فعلةٌ "متحركة بقولهم في الجميع: آم، فوزن هذا أفعل، كما قالوا أكمة وآكم، ولا تكون فعلةٌ على أفعل، ثم قالوا إموان، كما قالوا في المذكر الذي هو منقوص مثله: إخوان، واستوى المذكر والمؤنث، لأن الهاء زائدة كما استويا في" فعل" الساكن العين، تقول: كلب وكلاب، وكعب كعاب، كما تقول في المؤنث: طلحة وطلاح، وجفنةٌ وجفان، وصفحة وصحاف. ونظير ذلك من غير المعتل ورل٢ وورلان، وبرق وبرقان وخرب وخربان، وهو ذكر الحبارى، والبرق الحمل، ومن أنشد:
стр. 61
"أموان "فقد غلط، لأنه يحتج بقولهم، حمل حملان، وفلق وفلقان، وهذا إنما يحمل على ما كان معتلاً مثله، نحو أخٍ وإخوان، وقد روى أبو زيد: أخوان، فإلى هذا ذهبوا، والقياس المطرد لا تعترض عليه الرواية الضعيفة.
وقوله: "لا أرضع الدهر "فهذا على لغته، لأن قيساً تقول: رضع يرضع، وأهل الحجاز يقولون: رضع يرضع، وينشدون بيت عبد الله بن همام" السلولي"١ على وجهين، وهو:
إذا نصبوا للقول قالوا فإحسنوا ... ولكن حسن القول خالفه الفعل
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... إفاويق حتى ما يدر لها ثعل٢
وبعضم يقول" يرضعونها".
وقوله:
لاأرضع الدهر إلا ثدي واضحة
يقول إنما ترضعني أمي، وليست غير كريمة، كما قال الأغشى:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأساً من بخلا
يقول: إنما تشرب بكفك، ولست ببخيل، ومثل هذا قول التميمي لنجدة ابن عامر الحنفي الخارجي٣:
متى تلق الحريش حريش سعد ... وعبادا ًيقود الدارعينا
تبين أن أمك لم تورك ... ولم ترضع أمير المؤمنينا٤
وقوله:" واضحة" أي خالصة في نسبها، وليست بأمة، وهذا توكيد لبيته الأول، وقد أنشد بعضهم: "لواضح الجد" والمعنى قريب.
стр. 62
وقوله:" يحمي حوزة الجار" أي مايحوزه، يقال: فلان مانع لحوزته، أي لما صار في حيزه، ويروى عن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه١ أنه قال: للأزد أربع ليست لحي، بذل لما ملكت أيديهم، ومنع لحوزتهم، وحي عمارة٢ لايحتاجون إلى، غيرهم، وشجعان لايجبنون.
وقوله:
لمالكٍ، أو لحصنٍ، أو لسيار
فهؤلاء بيت فزازة، وبيوتات العرب في الجاهلية ثلاثة، فبيت تميم بنو عبد الله بن دارم، ومركزه، بنو زرارة، وبيت قيس بنو فزارة ومركزه بنو بدرٍ، وبيت بكر بن وائل بنو شيبان ومركزه ذي الجدين.
وقوله: "طوال أنضية الأعناق" فالنضي مركب النصل في النسخ، وضربه مثلاً، وإنما أراد طوال الأعناق، كما قال الأعشى:
الواطئين على صدور نعالهم ... يمشون في الدفئي والأبراد٣
يريد السودد والنعمة ولم يخصص الصدور، وإنما أراد النعال كلها، وقال الشاعر٤:
يشبهون ملوكاً في تجلتهم ... وطول أنضية الأعناق واللمم
إذا بدا المسك يندى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم
[قال أبو الحسن: وغيره يروي: يشبهون قريشاً في تجلتهم] .
وقوله: "بأزفار" فالزفر الحمل، ويضرب مثلاً للرجل، فيقال، إنه لزفر. أي حمال للأثقال، ويقال: أتى حمله فأزدفره، قال أبو قحامة أعشى بأهلة:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامة منه النوافل الزفر
стр. 63
وإنما يريده بعينه، كقولك: لئن لقيت فلاناً ليلقينك منه الأسد. وقوله "النوفل" من قولهم: إنه لذو فضل ونوافل.
стр. 64
لرجل من بني عبس وكان عروة بن الورد قد شتمه
وقال رجل من بني عبسٍ يقوله لعروة بن الورد١:
لا تشتمني يا ابن وردٍ فإنني ... تعود على مالي الحقوق العوائد
ومن يؤثر الحق النؤوب تكن به ... خصاصة جسم، وهو طيان ماجد٢
وإني امرؤٌ عافي إنائي شركةٌ ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد٣
أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
قوله: "النؤوب "يريد الذي ينوبه، وكل واو قراح لغير علةٍ فأنت فيهمزها وتركها بالخيار، تقول في جمع دارٍ: أدؤر وإن شئت لم تهمز، وكذلك النؤوب، والقؤول لانضمام الواو، فأما الواو الثانية فإنها ساكنة قبلها ضمة، وهي مدة فلا يعتد بها، ولو التقت واوان في أول كلمةٍ وليست إحداهما مدة لم يكن بد من همز الأولى، تقول في تصغير واصل وواقدٍ: أويصل وأويقد، لا بد من ذلك، فأما وجوه فأما وجوهٌ فإن شئت همزت فقلت: أجوه وإن شئت لم تهمز، قال الله : ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ ٤ المرسلات والأصل وقتت، ولو كان في غير القرآن لجاز إظهار الواو إن شئت. وقوله عز وجل٥: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾ ٦ الاعراف الواو الثانية مدة فلا يعتد بها، ولو كان في غير القرآن لجاز الهمز لانضمام الواو.
وقولي: "إذا انضممت لغير علة"، فالعلة أن تكون ضمتها إعرباٌ، نحو هذا غزوٌ يا فتى، وذلو كما ترى، مما لا يجوز همزه، لأن الضمة للإعراب فليست بلازمة، أو تنضم لالتقاء الساكنين، فذلك أيضاً غير لازم، فلا يجوز
стр. 65
همزة: نحو اخشوا الرجل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ١ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ ٢ ومن همز من هذا شيئاً فقد أخطأ.
стр. 66
لرجل من بني تميم يهجو تعلة بن مسافر
وقال رجل من بني تميم:
ألبان إبل تعلة بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام
وطعام عمران بن أوفى مثلها ... ما دام يسلك في البطون طعام
إن الذين يسوغ في إعناقهم ... زادٌ يمن عليهم للئام
لعن الإله تعلة بن مسافر ... لعناً يشن عليه من قدام
وهذا كلام فصيح جداً.
وقوله: "يسوغ في أعناقهم" يريد حلوقهم لأن العنق يحيط بالحلق، ويشبه هذا الاتساع في الفصاحة لا في المعنى قول القطامي:
لم تر قوماً هم شر لإخوتهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد
لأن الخياطة تضم خرق القميص، والسرد يضم حلق الدرع، فضربه مثلاً فجعله خياطة، قال أبو الحسن: روى أبو العباس:
وطعام عمران بن أوفى مثلها
رد الهاء والألف على الألبان، وهذا لا نظر فيه، وروى أيضاً مثله لأن الألبان تجري مجرى اللبن، فحمله على المعنى. وقد يجوز أن تجعل الألبان جمعاً فتذكر لتذكير الجمع. وروي أيضاً
ما دام يسلك في الحلوق طعام
стр. 67
وروى الفراء في هذا الشعر:
إن الذين يسوغ في أحلاقهم
وإنما كان ينبغي أن يكون:: " في أحلقهم "كقولك: فلس وأفلس، وما أشبهه ولكنه شبه باب" فعلٍ" بباب" فعل"، كما قالو: زند وأزناد، وفرخ وافراخ، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي١ الله عنه:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر
ففعلوا هذا تشبيها ًبباب" فعل" كما شبهوا فعلاً بفعلٍ في الجمع، فقالوا: جبلٌ وأجبلٌ، وزمن وأزمن، كما قال:
إني لأكني بأجبال عن أجبلها ... وباسم أودية حباً لواديها
فأتي به على الأصل، وتشبيهاً بغيره على ما أخبرتك، قال ذو الرمة:
أمنزلتي مي سلام عليكما ... هل الأزمن الائي مضين رواجع!
والباب" أزمان" كما قال رؤبة:
أزمان لا أدري وإن سألت ... ما فرق بين جمعةٍ وسبت
وروى أبو العباس البيت الأخير مقوى، وجعله نكرة، وهو قوله: "من قدام" كما تقول: جئتك من قبلٍ، ومن بعد، ومنعلٍ، وما أشبه، كما قرأ بعضهم: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ ٢ كما تقول: أولاً وآخراً، ورواه الفراء: "من قدام" وجعله معرفة، وأجراه مجرىالغايات، نحو: "قبل وبعد" كما قال طرفة بن العبد٣:
ثم تفري اللحم من تعدائها ... فهي من تحت مشيحات الحزم
وكما قيل عتي بن مالك العقيلي، أنشده الفراء أيضاً:
إذا أنا أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء
стр. 68
فهذا الضرب مما وقع على غير جهة التعريف، وجهة التعريف أن يكون معرفاً بنفسه، كزيد وعمرو، أو يكون معرفاً بالألف واللام أو بالإضافة، فهذه جهة التعريف، وهذا الضرب إنما هو معرف بالمعنى، فلذلك بني إذ خرج من الباب، ويروى: "لعناً يسن عليه" بالسين، ويسن ويشن واحد، أي يصب إلا أن بعضهم قال السن الصب على وجهه واحدة، وقالوا: يقال: شننت عليه الماء، وسننته، وسننت عليه الدرع لا غير، وقالوا: سننت عليه الغارة لا غير.
стр. 69
للقاطمي يفتخر
قال أبو العباس: وقال القاطمي:
فمن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال باديةٍ ترانا!
ومن ربط الجحاش فإن فينا ... قناً سلبا وأفراساً حسانا١
وكن إذا أغرن على قبيل٢ ... فأعوزهن كوز حيث كانا٣
أغرن من الضباب على حلال ... وضبة إنه من حان حانا
وأحياناً على بكرٍ أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا
وقوله: " الحضارة" يريد الأمصار، وتقول العرب: فلان بادٍ، وفلان حاضرٌ، وفي الحديث: "ولا يبيعن حاضرٌ لبادٍ" وتأويل ذلك أن البادي يقدم وقد عرف أسعار ما معه وما مقدار ربحه، فإذا جاءه الحاضر عرفه سنة البلد فأغلى على الناس. ومثل ذلك النهي عن تلقي الجلب، ومثله: دعوا عباد الله يصب بعضهم من عضٍ. حي حلال، إذا كانوا متجاورين مقيمين، وأنشد الأصمعي:
أقوم يبغون العير تجراً ... أحب إليك أم حي حلال
стр. 70
باب
نبذ من أقوال الحكماء
قيل لمعاوية رحمة الله عليه: ما النبل? فقال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة. ويروى عن رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بشراركم?١ من أكل وحده، ومنع رفده، وضرب عبده، ألا أخبركم بشر بين ذلكم? من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنباً ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ من يبغض الناس ويبغضونه". ويروى عنه ﵇ أنه قال: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يدً على من سواهم، والمرء كثير بأخيه" قوله ﷺ : "تتكافأ دماؤهم"، من قولك: فلان كفء لفلان، أي عديله، وموضوع بحذائه، قال الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ويقال: فلان كفاء فلان، وكفيء فلان، وكفء فلان.
ويروى أن الفرزق بلغه أن رجلا من الحبطات بن عمرو بن تميم خطب امرأة من بني دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال الفرزدق:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمعٍ ... وتنكح في أكفائها الحبطات
فآل مسمع بيت بكر بن وائل في الإسلام، وهم ممن بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، والحبطات هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم فقوله: " أكفاؤهم" إنما هو جمع كفء يافتى، فقال رجل من الحبطات يجيبه:
أما كان عباد كفيئا لدارم ... بلى ولأبيات بها الحجرات
يعني بني هاشم من قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ٢.
وقال علي بن أبي طالب ﵀: من لانت كلمته، وجبت محبته وقال: قيمة كل امرىء ما يحسن.
стр. 71
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يثبتن لك الود في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه وقال: كفى بالمرء غياً أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاٌ ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤدي جليسه فيما لا يعنيه.
وقال عبد الله بن العباس لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها، ومن الكعبة ركنها، ومن السيوف صميمها يعني سهيلا من النجوم، والركن اليماني، وصمصامة عمرو بن معدي كرب.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀ قال يوماٌ: من أجود العرب فقيل له: حاتم، قال: فمن شاعرها قيل: امرؤ القيس بن حجر، قال: فمن فارسها قيل: عمرو بن معديكرب، قال: فأي سيوفها أمضى، قيل: الصمصامة. وقال معاوية بن أبي سفيان رحمة الله للأحنف بن قيس وجارية بن قدامة ورجال من بني سعد معهما كلاماً أحفظهم، فردوا عليه جواباً مقذعاً، وبنت قرظة في بيتٍ يقرب منه، فسمعت ذلك، فلما خرجوا قالت: يا أمير المؤمنين، لقد سمعت من هؤلاء الأجلاف كلاماً تلقوك به فلم تنكر، فكدت أخرج إليهم فأسطو بهم. فقال لها معاوية: إن مضركاهل العرب، وتميماً كاهل مضر، وسعداً كاهل تميمٍ، وهؤلاء كاهل سعدٍ.
وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه، وإن لم تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتفٍ جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني المقذع: الذي فيه إقذاع وهو السيء من القول.
стр. 72
باب
لرجل من بني سعد يرثي رجلاً
قال أبو العباس: قال رجل - أحسبه من بني سعد - يرثي رجلاً:
ومختضر المنافع أريحي ... نبيلٍ في معاوزةٍ طوال
عزيزٍعزةً في غير فحشٍ ... ذليلٍ للذ ليل من الموالي
جعلت وساده إحدى يديه ... وتحت جمائه خشبات ضال
ورثت سلاحه، وورثت ذوداً ... وحزناً دائماً أخرى الليالي
قوله:" أريحي" هو الذي يرتاح للمعروف، أي يخف له، ويقال: أخذت فلاناً أريحية، أي خفة وحركة لفعل المعروف. والمعاوز: الثياب التي يتبذل فيها الرجل، وهي دون الثياب التي يتجمل بها، واحدها معوز، قال الشماخ في نعت القوس:
إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت ... حبيراً ولم تدرج عليها المغاوز١
وقوله:" في معاوزة": فزاد الهاء.،فإنما يفعل ذلك لتحقيق التأنيث، لأن كل جمع مؤنث، كما تقول في جمع صيقلٍ صياقل، وصياقلة، وكذلك جوارب وجواربة، إلاأن أكثر الأعجمي يختص بالهاء، وهو في الغربي جيد، وفي العجمي أكثر استعمالاً نحو الموازجة٢، فإن كان الباب فيه إثبات الهاء وتركها جائز.، نحو المهالبة والأحامرة، وقالوا: السبابحة٣ لأنه قد اجتمع فيه النسب والعجمة.
стр. 73
وقوله: "تحت جمائه" يعني شخصه، والضال: السدر البري وما كان من السدر على الأنهار فليس بضال، ولكن يقال له: عبري. قال ذو الرمة: "عبرياً وضالاً"١.
ورثت سلاحه وورثت ذودا
يصف قرب نسبه منه، والذود: القطعة من الإبل، وأكثر ما يستعمل ذلك في الأناث، ويجوز في السائر، ومنه قولهم: الذود إلى إبل، ثم قال:
وحزناً دائماً أخرى الليالي
كما قال وغبط بميراثٍ ورثه من أحد أهله:
يقول جزءٌ ولم يقل جللاً- ... إني تزوجت ناعماً جذلاً
إن كنت أزنتني بها كذباً ... جزء فلاقت مثلها عجلا
أغبط أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصاً نبلا
قوله: " ولم يقل جللا" أي صغيراً، والجلل يكون للصغير، ويكون للكبير، من ذلك قوله:
كل شيء ما خلا الله جلل
أي صغير، وقال لبيدٌ في الكبير:
وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزءٌ ذو جلل
وقوله: "شصائصاً"، يعني حقيرة دميمة. وزعم التوزي أن النبل من الأضداد، يكون للجليل والحقير، واححتج بهذا البيت الذي ذكرناه، قال: يريد ههنا الحقيرة.
وقوله: "أزنتني"، أي قرفتني ونسبتني إليه، فلان يزن بكذا وكذا، أي يسمى به، ةينسب إليه، قال امرؤ القيس بن حجر:
كذبت، لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
стр. 74
وفي معنى قوله: " ورثت سلاحه" قول الشاعر:
يفرح الوارث بالمال إذا ... ورث المال ويبكي إن غضب
ومثله قول الفزاري:
ياحبذا التراث لولا الذلة
стр. 75
لجميل بن معمر في النسيب
وقال جميل بن معمرٍ:
ما صاءب من نائلٍ قذفت به ... يدٌ، وممر العقدتين وثيق
له من خوافي النسر حم نظائرٌ ... ونصل كنصل الزاعبي فتيق
على نبعةٍ زوراء، أيما خطامها ... فمتنٌ، وأيما عدها فعتيق
بأوشك قتلاً منك يوم رميتني ... نوافذ لم تعلم لهن خروق
كأن لم نحارب يا بثين لو أنها ... تكشف غماها وأنت صديق
قوله: " ما صائب" يريد قاصداً، يقال: صاب يصوب إذا قصد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ١ وقد قالوا: النازل، والقصد أحكم كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
تؤمل٢ أن أؤوب لها بغنم ... ولم تعلم بأن السهم صابا
وقوله: "وممر العقدتين" يعني وتراً، والممر: الشديد الفتل.
وقوله: "من خوافي النسر حم نظائر" يريد ريش السهم، والحم: السود، وذلك أخلصه وأجوده، وجعلها في مقادير، لأنه أقصد للسهم، وإذا كانت الريشات بطن الواحدة منها إلى ظهر الأخرى فهو الذي يختار وهو الذي يقال له اللؤام، وإنما أخذ من قولهم: ملتئم. وإن كان ظهر الواحدة إلى ظهر الأخرى، وبطنها إلى بطن الأخرى فذلك مكروه، يقال له اللغاب.