وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يثبتن لك الود في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه وقال: كفى بالمرء غياً أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاٌ ثم يأتي مثله، أو يبدو له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤدي جليسه فيما لا يعنيه.
وقال عبد الله بن العباس لبعض اليمانية: لكم من السماء نجمها، ومن الكعبة ركنها، ومن السيوف صميمها يعني سهيلا من النجوم، والركن اليماني، وصمصامة عمرو بن معدي كرب.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵀ قال يوماٌ: من أجود العرب فقيل له: حاتم، قال: فمن شاعرها قيل: امرؤ القيس بن حجر، قال: فمن فارسها قيل: عمرو بن معديكرب، قال: فأي سيوفها أمضى، قيل: الصمصامة. وقال معاوية بن أبي سفيان رحمة الله للأحنف بن قيس وجارية بن قدامة ورجال من بني سعد معهما كلاماً أحفظهم، فردوا عليه جواباً مقذعاً، وبنت قرظة في بيتٍ يقرب منه، فسمعت ذلك، فلما خرجوا قالت: يا أمير المؤمنين، لقد سمعت من هؤلاء الأجلاف كلاماً تلقوك به فلم تنكر، فكدت أخرج إليهم فأسطو بهم. فقال لها معاوية: إن مضركاهل العرب، وتميماً كاهل مضر، وسعداً كاهل تميمٍ، وهؤلاء كاهل سعدٍ.
وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف معه، وإن لم تكن إلا كلمة يشتفي بها مشتفٍ جعلتها تحت قدمي، ودبر أذني المقذع: الذي فيه إقذاع وهو السيء من القول.
стр. 72
باب
لرجل من بني سعد يرثي رجلاً
قال أبو العباس: قال رجل - أحسبه من بني سعد - يرثي رجلاً:
ومختضر المنافع أريحي ... نبيلٍ في معاوزةٍ طوال
عزيزٍعزةً في غير فحشٍ ... ذليلٍ للذ ليل من الموالي
جعلت وساده إحدى يديه ... وتحت جمائه خشبات ضال
ورثت سلاحه، وورثت ذوداً ... وحزناً دائماً أخرى الليالي
قوله:" أريحي" هو الذي يرتاح للمعروف، أي يخف له، ويقال: أخذت فلاناً أريحية، أي خفة وحركة لفعل المعروف. والمعاوز: الثياب التي يتبذل فيها الرجل، وهي دون الثياب التي يتجمل بها، واحدها معوز، قال الشماخ في نعت القوس:
إذا سقط الأنداء صينت وأشعرت ... حبيراً ولم تدرج عليها المغاوز١
وقوله:" في معاوزة": فزاد الهاء.،فإنما يفعل ذلك لتحقيق التأنيث، لأن كل جمع مؤنث، كما تقول في جمع صيقلٍ صياقل، وصياقلة، وكذلك جوارب وجواربة، إلاأن أكثر الأعجمي يختص بالهاء، وهو في الغربي جيد، وفي العجمي أكثر استعمالاً نحو الموازجة٢، فإن كان الباب فيه إثبات الهاء وتركها جائز.، نحو المهالبة والأحامرة، وقالوا: السبابحة٣ لأنه قد اجتمع فيه النسب والعجمة.
стр. 73
وقوله: "تحت جمائه" يعني شخصه، والضال: السدر البري وما كان من السدر على الأنهار فليس بضال، ولكن يقال له: عبري. قال ذو الرمة: "عبرياً وضالاً"١.
ورثت سلاحه وورثت ذودا
يصف قرب نسبه منه، والذود: القطعة من الإبل، وأكثر ما يستعمل ذلك في الأناث، ويجوز في السائر، ومنه قولهم: الذود إلى إبل، ثم قال:
وحزناً دائماً أخرى الليالي
كما قال وغبط بميراثٍ ورثه من أحد أهله:
يقول جزءٌ ولم يقل جللاً- ... إني تزوجت ناعماً جذلاً
إن كنت أزنتني بها كذباً ... جزء فلاقت مثلها عجلا
أغبط أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصاً نبلا
قوله: " ولم يقل جللا" أي صغيراً، والجلل يكون للصغير، ويكون للكبير، من ذلك قوله:
كل شيء ما خلا الله جلل
أي صغير، وقال لبيدٌ في الكبير:
وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزءٌ ذو جلل
وقوله: "شصائصاً"، يعني حقيرة دميمة. وزعم التوزي أن النبل من الأضداد، يكون للجليل والحقير، واححتج بهذا البيت الذي ذكرناه، قال: يريد ههنا الحقيرة.
وقوله: "أزنتني"، أي قرفتني ونسبتني إليه، فلان يزن بكذا وكذا، أي يسمى به، ةينسب إليه، قال امرؤ القيس بن حجر:
كذبت، لقد أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
стр. 74
وفي معنى قوله: " ورثت سلاحه" قول الشاعر:
يفرح الوارث بالمال إذا ... ورث المال ويبكي إن غضب
ومثله قول الفزاري:
ياحبذا التراث لولا الذلة
стр. 75
لجميل بن معمر في النسيب
وقال جميل بن معمرٍ:
ما صاءب من نائلٍ قذفت به ... يدٌ، وممر العقدتين وثيق
له من خوافي النسر حم نظائرٌ ... ونصل كنصل الزاعبي فتيق
على نبعةٍ زوراء، أيما خطامها ... فمتنٌ، وأيما عدها فعتيق
بأوشك قتلاً منك يوم رميتني ... نوافذ لم تعلم لهن خروق
كأن لم نحارب يا بثين لو أنها ... تكشف غماها وأنت صديق
قوله: " ما صائب" يريد قاصداً، يقال: صاب يصوب إذا قصد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ١ وقد قالوا: النازل، والقصد أحكم كما قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
تؤمل٢ أن أؤوب لها بغنم ... ولم تعلم بأن السهم صابا
وقوله: "وممر العقدتين" يعني وتراً، والممر: الشديد الفتل.
وقوله: "من خوافي النسر حم نظائر" يريد ريش السهم، والحم: السود، وذلك أخلصه وأجوده، وجعلها في مقادير، لأنه أقصد للسهم، وإذا كانت الريشات بطن الواحدة منها إلى ظهر الأخرى فهو الذي يختار وهو الذي يقال له اللؤام، وإنما أخذ من قولهم: ملتئم. وإن كان ظهر الواحدة إلى ظهر الأخرى، وبطنها إلى بطن الأخرى فذلك مكروه، يقال له اللغاب.
стр. 76
وقوله: " كنصل الزاعبي"، شبه نصل السهم بنصل الرمح الزاعبي، وهو منسوب إلى رجل من الخزرج، يقال له زاغبٌ، كان يعمل الأسنة، هذا قول قوم. وأما الأصمعي فكان يقول: الزاغبي: الذي إذا هز فكأن كعوبه يجري بعضها في بعضٍ للينه وتثنيه، يقال مر يزعب بحمله إذا مر مراًسهلاً.
وقوله: "فتيق" يعني حاداً رقيقاً، يقال: فتيق الشفرتين، وتأويله أنه يفتق ما عمد به له. و" فعيل" يقع اسماً للفاعل، ويقع للمفعول، فأما الفاعل فمثل رحيم وعليم وحكيم وشهيد، وأما ما كان للمفعول، فنحو جريح وقتيل وصريع.
وقوله:" زوراء" يريد معوجة، وكلما كانت القوس أشد انعطافاٌ كان سهمها أمضى.
وقوله: " على نبعة"، يعني قوساً وأكرم القسي ما كان من النبغ.
وقوله: "أيما" إنما يريد "أما"، واستثقل التضعيف، فأبدل الياء من إحدى الميمين، وينشد بيت ابن أبي ربيعة:
رأت رجلا، أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى، وأيما بالعشي فيخصر
وهذا يقع، وإنما بابه أن تكون قبل المضاعف كسرة فيما يكون على فعال، فيكرهون التضعيف والكسر، فيبدلون من المضعف الأول الياء للكسرة وذلك قولهم: دينار وقيراطٌ وديوان ما أشبه ذلك، فإن زالت الكسرة وانفصل أحد الحرفين من الآخر رجع التضعيف فقلت: دنانير وقراريط ودواوين، وكذلك إن صغرت قلت قريريط ودنينير.
وقوله:" وأيما عودها فعتيق"، يصف كرم هذه القوس وعتقها، ويحمد منها أن تترك ولحاؤها عليها بعد القطع حتى تشرب ماءه، كما قال الشماخ:
فمظعها حولين ماء لحائها ... وينظر منها أيها هو غامر
مظعها: شربها١.
стр. 77
وقوله: "بأوشك قتلا منك"، يقول: بأسرع، يقال: أمر وشيك أي سريع، ويقال: يوشك فلان أن يفعل كذا، أي يقارب ذلك، ويوشك يفعل، كذا يطرح "أن "كل جيد قال١:
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
من لم يمت عبطة يمت هرماٌ ... للموت كأس فالمرء ذائقها
قال أبو الحسن: هذه أبيات أربعة وهي لرجل من الخوارج قتله الحجاج:
ما رغبة النفس في الحياة وإن ... عاشت قليلاٌ فالموت لاحقها
وأيقنت أنها تعود كما ... كان براها بالأمس خالقها
قوله: "عبطة"، أي شاباٌ، يقال: اعتبط الرجل، إذا مات شاباٌ من غير مرض، وأصل العبيط الطري من كل شيْ وقوله:
نوافذ لم تعلم لهن خروق
معنى طريف، وقد أخذه أبو حية منه فكشفه في أبيات مختارة، وهي٢:
وإن دماٌ لو تعلمين جنيته ... على الحي جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهاذم٣
ولكن لعمر الله ما طل مسلما ... كغر الثنايا واضحات الملاغم
إذا هن ساقطن الحد يث كأنه ... سقاط حصى المرجان من سلك ناظم
стр. 78
رمين فأقصدن القلوب فلم نجد ... دما مائراٌ إلا جوى في الحيازم١
قال أبو الحسن: وأول هذه الأبيات المختارة أنشدناه غيره:
وخبرك الواشون أن لن أحبكم ... بلى وستور الله ذات المحارم٢
أصد وما الصد الذي تعلمينه ... شفاءٌ لنا إلا اجتراع العلاقم
قال أبو العباس: فهذا مأخوذ من ذلك.
وقوله:
ولكن لعمر الله ما طل مسلماً
يقول: ما طل دمه، يقال: دمٌ مطلول، إذا مضى هدراً، كما قال الراجز:
بغير عقلٍ ودمٍ مطلول
وحدثني التوزي قال: قال يحيى بن يعمر لرجل نازعته امرأته عنده: آن طالبتك بثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها!
قوله: "ثمن شكرها" فإنما يعني الرضاع، والشبر: النكاح، والشكر: الفرج. وقوله: "أنشأت تطلها" أي تسعى في بطلان حقها.
وقوله:" تضهلها" أي تعطيها الشيء بعد الشيء: يقال: بئر ضهول إذا كان ماؤها يخرج من جرابها شيئاً بعد شيء، وجرابها جوانبها، وإنما يغزر ماؤها إذا خرج من قرارتها فتعظم جمتها٣.
стр. 79
وقوله: "واضحات الملاغم" يريد العوارض، قال الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع لم تكن ... علاطاً ولا مخبوطة في الملاغم
يقول: علم أرباب الماء لمن هي فسقاها ما سمعوه من ذكر اصحابها لعزهم ومنعتهم، ولم تحتج أن تكون بها سمةٌ.
والعلاط: وسمٌ في العنق، والخباط في الوجه.
стр. 80
باب
نبذ من أقوال الحكماء
قال أبو العباس١ قال بعض الحكماء: من أدب ولده صغيراً سر به كبيراً وكان يقال: من أدب ولده أرغم حاسده.
وقال رجل لعبد الملك بن مروان إني أريد آن أسر إليك شيئاً، فقال عبد الملك لأصحابه: إذا شئتم، فنهضوا، فأراد الرجل الكلام، فقال له غبد الملك قف، لا تمدحني، فآنا أعلم بنفسي منك، ولا تكذبني، فإنه لا رأي لمكذوبٍ ? ولا تغتب عندي احداً. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في الانصراف? قال له: إذا شئت.
وقال بعض الحكماء: ثلاث لا غربة معهن: مجانبة الريب، وحسن الأدب، وكف الأذى.
وقال عمرو بن العاص لدهقان٢ نهر تيرى٣: بم ينبل الرجل عندكم ? فقال: بترك الكذب، فإنه لا يشرف إلا من يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله، فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب، فإنه لا يعز من لا يؤمن ألا يصادف على سوأة، وبالقيام بحاجات الناس، فإنه من رجي الفرج لديه كثت غاشيته.
وقال بزر جمهر: من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان قبل وضيعاً، وبعد صيته وإن كان حاملاً، وساداً وإن كلن غريباً، وكثرت الحاجة إليه وإن كان مقتراً.
وكان يقال: عليكم بالأدب، فإنه صاحبٌ في السفر، ومؤنس في الوحدة، وجمال في المحفل، وسبب إلى طلب الحاجة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات. يقدمها الرجل أمام حاجته، فيستعطف بها الكريم، ويستنزل لها اللئيم.
стр. 81
وكان شعبة بن الحجاج، أو سماك بن حرب-[قال أبو الحسن: هو سماك بلا شك]-١إذا كانت له إلى أمير حاجة استنزله بأبيات يقولها فيه.
وقال بعض الملوك لبض وزرائه وأراد محنته: ما خير ما يرزقه العبد قال: عقل يعيش به.قال: فإن عدمه قال: فأدب يتحلى به قال: فإن عدمه قال: فمال يستره قال: فإن عدمه قال: فصاعقة تحرقه، فتريح منه العباد والبلاد.
وقيل لرجل من ملوك العجم: متى يكون العلم شراٌ من عدمه قال: إذا كثر الأدب، ونقصت القريحه وقال أزدشير: من لم يكن عقله أغلب خلال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خلال الخير عليه.
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وذكر رجلاٌ من أهله: إني لأكره أن يكون لعلمه فضل على عقله، كما أكره أن يكون للسانه على علمه.
وقال محمد بن علي بن الحسين: جميع التعايش والتناصف والتعاشر في ملء مكيال، ثلثاه فطنة، وثلث تغافل فلم يجعل لغير الفطنة نصيباٌ من الخير، ولا حظاٌ في الصلاح، لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شىء قد عرفه وفطن به.
стр. 82
باب
لرجل من بني عبد الله بن غطفان، وكان قد جاور في طيىء
قال أبو العباس١: قال رجل٢ من بني الله بن غطفان وجاور في طيىء وهو خائف:
جزى الله خيراٌ من عشيرة ... ومن صاحب تلقاهم كل مجمع
هم خلطوني بالنفوس ودافعوا ... ورائي بركن ذي مناكب مدفع٣
وقالوا تعلم أن مالك إيصب ... نفدك، وإن تحبس نزرك ونشفع
стр. 83
لرجل من بني سلامان يمدح طيئاٌ
وقال رجل من بني سلامان بن سعد هذيم١ من قضاعة، وجاور في طيىء:
كأن الجار في شمجى بن جرم٢ ... له نعماء أو نسب قريب
يحاط ذماره ويذب عنه ... ويحمي سرحه أنف غضوب٣
ألفت مساكن الجبلين إني ... رأيت الغوث يألفها الغريب٤
стр. 84
لعبيد بن العرندس الكلابي يصف قوما
قال أبو العباس١: وأنشدني عبد الوهاب بن جنبة الغنوي لعبيد بن العرندس الكلابي يصف قوماٌ نزل بهم:
стр. 85
هينون لينون أيسار ذوو يسرٍ ... سواس مكرمة أبناء أيسار١
لاينطقون على العميان إن نطقوا ... ولايمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
[قال أبو الحسن: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثت عن أبي الفضل العباس بن الفرج الرياشي قال: قصد رجل٢ من الشعراء ثلاثة من غني، إخوة وكانوا مقلين، فامتدحهم، فجعلوا له عليهم في كل سنة ذوداٌ فكان يأتي فيأخذ الذود والشعر الذي امتدحهم به قوله:
يا دار بين كليات وأظفار ... والحمتين، سقاك الله من دار
على تقادم ما قد مر من عصر ... مع الذي مر من ريح وأمطار
عنا٣ غنيت بذات الرمث من أجلى٤ ... والعهد منك قديم منذ أعصار
وقد نرى بك والأيام جامعة ... بيضاً عقائل من عينٍ وأبكار٥
فيهن عثمة لا يمللن عشرتها ... ولا علمن لها يوماً بأسرار
إذ يحسب الناس إن قد نلت نائلها ... قدماً وأنت عليها عاتب زار
بل أيها الراكب المفني شبيبته ... يبكي على ذات خلخالٍ وأساور
خبر ثناء بني عمرو فإنهم ... أولو فضولٍ وأنفالٍ وأخطار٦
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمةٍ أبناء أيسار
стр. 86
فيهم ومنهم يعد المجد متلداً ... ولا يعد نثا خزي ولا عار١
لا يظعنون على العمياء إن ظعنوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار
وإن تلينتم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار حربٍ غير أغمار٢
إن يسألون العرف يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يكشف منهم طيب أخبار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
стр. 87
للمكعبر الضبي يمدح بني مازن ويذم بني العنبر
قال أبو العباس: وكان قوم نزلوا ببني العنبر بن عمرو بن تميم، والقوم من بني ضبة، فأغير عليهم، فاستغاثوا جيرانهم فلم يغيثوهم، وجعلوا يدافعونهم حتى خافوا فوتها، فاستغاثوا بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، فركبوا فردوها عليهم، فقال المكعبر١ الضبي في ذلك:
أبلغ طريفاً حيث شطت بها النوى ... فليس لدهرالطالبين فناء
كسالى إذا لا قيتهم غير منطق ... يلهى به المحروب وهو عناء
وإني لأرجوكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساؤوا
فهلا سعيتم سعي أسرة مالك ... وهل كفلائي في الوفاء سواء
كأن دنابيراً على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء
لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الحروب غثاء
стр. 88
قوله: "حيث شطت بها النوى"، معنى شطت: تباعدت، ويقال: أشط فلان في الحكم إذا عدل عنه متباعداً، قال : ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ ١.
وقال الأحوص:
ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي ... ويزعمن أن أودى بحقي باطلي
ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داعٍ دائبٌ غير غافل
والنوى: البعد، ويقال: شطت بهم نيةٌ قذف، أي رحلة بعيدة، قال الشاعر٢:
وصحصحان قذف كالترس
وليس بمأخوذ من "نأيت" في اللفظ، ولكنه مثله قي المعنى وقوله:
فليس لدهر الطالبين فناء
يقول: الطلب في إثر طلبته أبداً. ويروى أن رجلاً من قريش بعث إلى رجل منهم وكان أخذ له غلاماً: يل هذا، إن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، فإما رددته، وإما عرضت اسمك على الله في كل يوم وليلة خمس مرات.
قال أبو الحسن: الرجل الذي أخذ منه الغلام هو جعفر بن محمد بن علي أبن الحسين، والآخذ سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس.
ومن أمثال العرب: "لا ينام إلا من اثَّأَرَ". ويقال لمن أدرك ثأراً نبيلاً: أصاب ثأراً منيماً، وأنشد:
стр. 89
تقول لي ابنة البكري عمرو ... لعلك لست بالثأر المنيم
وقوله:
وإني لأرجوكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء
يقول: وهذا رجاءٌغير صادقٍ ولا موقوفٍ عليه، كما أن هذه الحوامل لا يعلم ما في بطونها وليس بميئوس منه، وإنما يتهكم بهم وهو يعلم أن سعيهم غير كائن، ألا تراه يقول:
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساؤوا
وقوله:
كأن دنانيراً على قسماتهم
زعم أبو عبيدة أن القسمات مجاري الدموع، واحدتهاقسمة، وقال الأصمعي: القسمات أعالي الوجه، ولم يبينه بأكثر من هذا. وقول أبي عبيدة مشروح، ويقال من هذا: رجل قسيمٌ، ورجل مقسمٌ، ووجهٌ قسيمٌ ومقسمٌ، قال الشاعر:
ويوماً توافينا بوجهٍ مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم
قوله" تعطو"، أي تتناول، يقال: عطا يعطو إذا تناول، وأعطيته أنا، أي ناولته، قال امرؤ القيس:
وتعطو برخص غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل١
والسلم: شجر بعينه كثير الشوك، فإذا أرادوا أن يحتطبوه شدوه، ثم قطعوه، فمن ذلك قول الحجاج: والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل٢.
стр. 90
قال: وحدثني التوزي عن أبي زيد قال: سمعت العرب تنشد هذا البيت فتنصب" الظبية" وترفعها وتخفضها.
قال أبو العباس: أما رفعها فعلى الضمير، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ١ وهذا الباب قد شرحناه في الكتاب "المقتضب" في باب "إن وأن" بجميع علله، ومن نصب فعلى غير ضمير، وأعملها مخففة عملها مثقلة، لأنها تعمل لشبهها بالفعل، فإذا خففت عملت عمل الفعل المحذوف، كقولك: ام يك زيدٌ منطلقاً، فالفعل إذا حذف يعمل عمله تاماً، فيصير التقدير: كأن ظبية تعطو إلى وراق السلم هذه المرأة. وحذف الخبر لما تقدم من ذكره. ومن قال: "كأن ظبية "جعل" أن" زاءدة، وأعمل الكاف: أراد: كظبية، وزاد"أن" كما تزيدها في قولك: لما أن جاء زيدٌ كلمته، ووالله أن لو جئتني لأعطيك.
وقوله:
"لهم أذرع بادٍ نواشر لحمها"
فكل شيء كان على" فعال" من المؤنث فجمعه أفعل، وكذلك فعال، تقول: ذراع أذرع، كراع وأكرعٌ، لأنهما مؤنثتان، ومن أنث اللسان قال: ألسن، ومن ذكره قال ألسنة، وشمالٌ وأشملٌ، كما قال الشاعر٢:
"يأتي لها من أيمن وأشمل"
فأما المذكر فعلى أفعلةٍ في أدنى العدد وفعل في الكثير، يقال: حمارٌ وأحمرةٌ وحمر، وفراشٌ وأفرشة وفرش. والنواشر ما يظهر من العروق في ظهر الذراع مما يداني المعصم، وذلك الموضع يقال له أسلة الذراع، قال زهير:
ودارٌ لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشمٍ في نواشر معصم٣
стр. 91
وقوله:
وبعض الرجال في الحروب غثاء
فالغثاء: ما يبس من البقل حتى يصير حطاماً، وينتهي في اليبس فيسود، فيقال له: غثاء وهشيم ودندن وثن، على قدر اختلاف أجناسه، ويقال له: الدرين، قال الله : ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ ١ وقال: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ ٢، وقال الشاعر يصف سحاباً: ٣
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودها ... بكين بها حتى يعيش هشيم
وقال الراجز:
تكفي الفصيل أكلةٌ من ثن
وقد يقال للشيء الذي لا خير فيه: هذا غثاء، أي قد صار كذلك الذي وصفناه، ويضرب هذا مثلاً للكلام الذي لا وجه له.
стр. 92
لرجل تميمي في الرثاء
وقال رجل أحسبه تميمياً١ً:
لو لم يفارقني عطية لم أهن ... ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع
شجاعٌ إذا لاقى، ورامٍ إذا رمى ... وهادٍ إذا ما أظلم الليل مصدع
سأبكيك حتى تنفد العين ماءها ... ويشفى مني الدمع ما أتوجع
أحسن الإنشادين عندي: "لم أهن"، يأخذه من وهن يهن، لأنه إذا قال: " لم أهن" فهو من الهوان، ومن قال: "لم أهن" فإنما هو من الضعف، وهو أشبه
стр. 93
بقوله:
ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع
والآخرغير بعيد، يقول: لم أهن على أعدائي، وإذا قال "لم أهن" فالأصل: " لم أهن"، ولكن الواو إذا كانت في موضع الفاء من الفعل، وكان ذلك الفعل على "يفعل"، قالوا محذوفة، وإنما تحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وتصير حروف المضارعة الباقية تابعة للياء، لئلا يختلف الباب، وهي التاء من قولك: "تفعل" إذا عنيت مخاطباً أو مؤنثاً غائباً، نحو: تعد، وهي تعد، والهمزة إذا عنيت نفسك، نحو: أنا أعد، والنون إذا أخبرت عن نفسك ومعك غيرك، نحو: نحن نعد.
فإن قال قائل: إنما هذا لن الفعل المتعدي تحذف منه الواو، فإن كان غير متعد ثبتت، فقد قال أقبح قول، لأن التعدي أو غير التعدي لا يحدث في أنفس الأفعال شيئاً، ولو كان كما يقول لأثبت الواو في "وهن يهن"، لأنك لا تقول: وهنت زيداً، وكذلك ورم يرم ووكف١ البيت يكف، وونم٢ الذباب ينم، وهذا أكثر من أن يحصى. فإن لم تكن بعد الواو كسرة لم تحذف، نحو وحل يوحل، ووجل يوجل، ووجع الرجل يوجع وقد يجوز ييجع وياجع وييجع لما نذكره إذا جرى إذا جرى ذكر هذه المفتوحة إن شاء الله. فأما الحذف فلا يكون فيها.
فإن قال قائل: فما بال يطأ ويسع حذفت منهما الواو، ومثلهما ثبتت فيه الواو، فإنما ذلك لأنه كان فعل يفعل مثل ولي يلي، وورم يرم، ففتحته الهمزة والعين، والأصل الكسر، فإنما حذفت الواو مما يلزم في الأصل، ألاترى أنك تقول: ولغ السبع يلغ، فهذا فعل يفعل والأصل يفعل، ولكن فتحته العين، لأن حروف الحلق تفتح ماكان على يفعل ويفعل، ولولا ذلك لم تقع فعل يفعل وحروف الحلق ستة: الهمزة، والهاء والعين، والغين، والحاء، والخاء، وهن، يفتحن إذا كن في موضع العين واللام، فأماالعين فنحو سأل يسأل وذهب
стр. 94
يذهب وأما اللام فمثل قرأ يقرأ، وصنع يصنع، وسائر هذا الباب على ماوصفت لك.
وقوله:
وهادٍ إذا ماأظلم الليل مصدع
فتأويل"مصدع" أي ماض في الأمر، قال الله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ١ ويقال: أحزم الناس من إذا وضح له الأمر صدع به.
وقال أعرابي٢ يمدح سوار بن عبد الله القاضي، وسوارٌ أحد بني العنبر بن عمرو بن تميم:
وأوقف عند الأمر ما لم يضح له ... وأمضى إذا ما شك من كان ما ضيا
فاستجمع في هذا المدح ركانة الحزم، وإمضاء العزم، ومثله قول النابغة الجعدي:
أبى لي البلاء وإني امرؤٌ ... إذاما تبينت لم أرتب
ومن أمثال العرب السائرة الجيدة: "رو تحزم "فإذا استوضحت فاعزم"ومن أمثالهم: "قد أحزم لو أعزم"، وإنما يكون هذا بعد التوقف والتبين، فقد قال الشعبي: أصاب متأمل أو كاد، وأخطأ مستعجل أوكاد.
ومثل قوله:
"ويشفى مني الدمع ما أتوجع"
قول الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة٣ ... بكيت فنادتني هنيدة: ما ليا
فقلت لها: إن البكاء لراحةٌ ... به يشتفي من ظن ألا تلاقيا
стр. 95
قال أبو الحسن: ويتلو هذ ين البيتين مما يستحسن:
قعيدكما الله الٌذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا١
حبيب دعا، والرمل بيني وبينه ... فأسمعني، سقياٌ لذلك، داعيا
يقال: قعيدك الله، وقعدك الله، ونشدك الله، أي سألتك بالله، كما قال متمم بن نويرة، وهو من بني يربوع:
قعيدك ألاٌتسمعني ملامة ... ولاتنكئي قرح الفؤاد فييجعا
ويرى:" فقعدك ألآتسمعني"، والبيضتان: موضع معروف.
قال أبو العباس: وقال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني، فذكرت قول ذي الرمة:
لعل انحذار الدمع يعقب راحةً ... من الوجد، أويشفي نجي البلابل
فخلوت فبكيت فسلوت.
стр. 96
لنضلة السلمي في يوم غول
وقال نضلة السلمي١ في يوم غولٍ وكان حقيراًدميماً، وكان ذا نجدةٍ وبأسٍ:
ألم تسل الفوارس يوم غولٍ٢ ... بنضلة، وهو موتور مشيح
стр. 97
رأوه فازدروه وهو حر١ ... وينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاً ... كما عض الشبا الفرس الجموح
فأطلق غل صاحبه وأردى ... قتيلاً منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
قوله: "وهو موتور مشيح" فالمشيح الحامل الجاد، يقال: أشاح يشيح إذا حمل، وأنشدني التوزي قال: أنشدني أبو زيد وهو لأبي العيال الهذلي:
مشيح فوق شيحان ... يشد كأنه كلب
قال: وشيحان اسم فرسه.
قال أبو الحسن ويروى: "شيحان" [بفتح الشين] ٢، وحقه٣ على رواية أبي زيد ألا ينصرف لأنه فعلان، فالألف والنون زائدتان، وهو معرفة، فضارع عطشان وما جرى مجراه، وإنما اضطر فصرفه. وعن٤ أبي زيد أيضاً يرويه:" شيحان"، وهو الجاد، وهو صفة شائعة، وليس كالأول فالأول معرفة مشتق عن النعت٤.
وقال ابن الإطنابة، واسمه عمرو:
وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
ويقال في هذا المعنى: رجل شيح، كما يقال: ناقة نقض، إذا كانت هزيلاً، قال أبو ذؤيب٥:
وشايحت قبل اليوم إنك شيح
стр. 98
وقوله: "بالسيف صلتاً" يقول: منتضى، ورجل صلت الجبين إذا كان نقيه.
وقوله: "كما عض الشبا" يريد حد اللجام، وشبا كل شيء حده.
وقوله: "وأردى" أي أهلك، يقال: ردي يردى إذا هلك، والردى: الهلاك، قال الله : ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ ١، قيل فيه قولان: أحدهما إذا تردى في النار، والآخرإذا مات، وهو" تفعل" من الردى.
وقوله:
ولم يخشوا مصالته عليهم
فهي" مفعلة" من صال يصول، ويقال: صال البعير إذا عض.
وقيل للمغيرة بن شعبة: إن بوابك يإذن لأصحابه قبل أصحابك، فقال: إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمال الصؤول، فكيف بالرجل الكريم!
وقوله:
وتحت الرغوة اللبن الصريح
يقول: إذا رأيت الرغوة وهو ما يرغو كالجلد في أعلى اللبن لم تدر ما تحتها، فربما صادفت اللبن الصريح إذا كشفتها. أي أنهم رأوني فازدروني لدمامتي، فلما كشفوا عني وجدوا غير ما رأوا. والصريح: المحض الخالص، من ذلك قولهم: عربي صريح أي خالص، ومولى صريح.
ومن أمثال العرب: "إنه ليسر حسوا في ارتغاء" ومعنى ذلك أنه يوهمك أنه يأخذ بفيه تلك الجلدة عن اللبن ليصلحه لك، يحسو من تحتها، يضرب هذا المثل لمن يريك أنه يعينك، وإنما يجتر النفع إلى نفسه.
стр. 99
لأعرابي من بني سعد خلاف الدمامة
وقال أعرابي خبرت أنه من بني سعد وقد تمثل بهذا الشعر الخنوت، وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، في خلاف الدمامة:
стр. 100
ولما التقى الصفان واختلف القنا ... نهالا وأسباب المنايا نهالها
تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طوالها
دعوا: يا لسعد وانتمينا اطيىء ... أسود الشرى إقدامها ونزالها١
قوله: "نهالاً" يريد أنها قد وردت الدم مرة ولم تثن، وذلك أن الناهل الذي يشرب أول شربة، فإذا شرب ثانية فهو عال، يقال: سقاه علاً بعد نهل، وعللاً بعد نهل وفي المثل: "سمته سوم عالة" إذا عرضت عليه عرضاً يستحيي من أن يقبل معه، والعالة لا حاجة بها إلى الشرب، وإنما يعرض عليها تعزيزاً. قال: "وأسباب المنايا نهالها"، أي أول ما يقع منها يكون سبباً لما بعده، وأنشدني غير واحد:
وأن أشداء الرجال طيالها
وليس هذا بالجيد، وإنما قلب الواو ياء لوقوعها بين كسرة وألف كقولهم: ثياب، وحياض، وسياط، والواحد ثوب، وحوض، وسوط: وهذا جيد، لكون الواو في الواحد، فأما في مثل طوال، فإنما يجوز على التشبيه بهذا، وليس بجيد لتحرك الواو في الواحد. وأنشدني مسعود بن بشرالمازني:
لهم أوجه بيض حسان وأذرع ... طيال ومن سيما الملوك نجار٢
ومجاز هذا في النحو على ما وصفت لك.
стр. 101
العرب تمدح الطول
و العرب تمدح بالطول ، وتضع من القصر، فلا يذكره منهم إلامحتج عن نفسه، ولا يمدح به غيره، قال عنترة:
بطل كأنٌ ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم١
يقول: لم يشارك في الرحم، وقال جرير:
تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنع ... إلى الغر من أهل البطاح الأكارم٢
فإني لأرضى عبد شمس وماقضت ... وأرضى الطوال البيض من آل هاشم
стр. 102
وقال حسان بن ثابت:
وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعد وذي بيان
كأنك أيها المعطى بيانا ... وجسماً من بني عبد المدان
ويقال إن عليٌ بن عبد الله العباس بن عبد المطلب كان إلى منكب عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب العباس، وكان العباس إلى منكب عبد المطلب.
وحدثني التوزيٌ قال: طاف عليٌ بن عبد الله بالبيت، وهناك عجوز قديمة، وعليٌ قد فرع الناس، كأنه راكب والناس مشاة، فقالت: من هذا الذي فرع الناس فقيل: عليٌ بن عبد الله بن العباس، فقالت: لا إله إلاالله، إن الناس ليرذلون عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه فسطاط١ أبيض.
وحدثني عليٌ بن القاسم بن عليٌ بن سليمان بن عليٌ بن عبد الله بن العباس قال: كان يقال: صار شبه عليٌ بن عبد الله في عظم الأجسام في العليين يعني عليٌ ابن أمير المؤمنين المهدي المنسوب إلى أمه ريطة، علي بن سليمان بن عليٌ.
ويروى أن رسول الله صلى الله عليهم وسلم وهو الأسوة والقدوة كان فوق الربعة٢ ولم يكن بالطويل المشذب٣، وكان إذا مشى مع الطوال طالهم ولم يختلف أهل الحكمة والنظر من العرب والعجم أن الكمال في الاعتدال، ولا يقال غير هذا عن حكيم وأبين ما فيه ما اختاره الله تعالى لنبيه محمد ﷺ .
وقد يقال: الكيس في القصر وقد قيل في خبر قصير٤ وكيده ومكره ما سار به المثل، واستغنى عن الاعادة.
стр. 103
لأعرابي يرد على مغنية عابته بالقصر
وحدثني العباس بن الفرج الرياشي قال: حدثني أبو عثمان المازني قال: كان أعرابيٌ يختلف إلى مغنية لآل سليمان، فأشرفت إليه٥ ذات مرة فأومأت إليه إيماء عائب له بالقصر، فأنشأ يقول:
стр. 104
ياجعفرٌ يا جعفرٌ يا جعفر ... إن أك ربعةً فأنت أقصر
أو أك ذا شيب فأنت أكبر ... غرك سربال عليك أحمر
ومقنع من الحرير أصفر١ ... وتحت ذاك سوأةٌ لو تذكر
قال أبو الحسن: أنشدني أبو العباس محمد بن الحسن الوراق الشعر الذي فيه قوله:
ولما التقى الصفان واختلف القنا
بتمامه، وهو شعر مختار لرجل من طيىء، ويدل على ذلك ماتسمعه في الشعر، وهو قوله:
جمعنا لهم من حيٌ غوثٍ ومالكٍ ... كتائب يردي المقرفين نكالها
لهم عجز بالحزن فالرمل فاللوى ... وقد جاوزت حيي جديس رعالها
وتحت نحور الخيل حرشف رجلة ... تتاح لحبات القلوب نبالها
أبى لهم أن يعرفوا الضيم أنهم ... بنو ناتق كانت كثيراً عيالها
فلما أتينا السفح من بطن حائل ... بحيث تناصى طلحها وسيالها
دعوا لنزاروانتمينا لطيىء ... كأسد الشرى إقدامها ونزالها
فلما التقينا بين السيف فيهم ... لسائلةٍ عنا حفيٌ سؤالها
ولما عصينا بالرماح تضلعت ... صدور القنا منهم وعلت نهالها
ولما تدانوا بالسيوف تقطعت ... وسائل كانت قبل سلماً حبالها
فولوا وأطراف الرماح عليهم ... قوادم مربوعاتها وطوالها
الكتائب: جمع كتيبة، سميت كتيبة لاجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض، يقال: تكتب القوم إذا تضاموا، ومنه أخذ الكتاب لانضمام حروفه، ولذلك قالوا:
стр. 105
بعلة مكتوبة إذا شد حياؤها وضم. ويردي: يهلك، يقال: ردي الرجل إذا هلك، والردى: الهلاك، والإرداء: الإهلاك. والمقرفون: الذين دخلوا في الفساد والعيث، وهو في الأصل الهجنة يقال: فرس مقرفٌ إذا كان هجيناً، ثم يشيع في الفساد.
والعجز؛ مؤخر العسكر ههنا، وهو مستعار. والحزن: ما خشن من الأرض وغلظ. واللوى: مستدق الرملة حيث ينقطع، يقال ألويتم فانزلوا: أي صرتم إلى آخر الرملة، وهواللوى. وجديس: قبيلة معروفة، فلذلك لم يصرفها. والرعال الجماعات المتفرقة، واحدها رعلةٌ.
والحرشف: نبت يكثر في البادية، وإنما شبه النبل به في الكثرة، والرجلة: الرجالة. وتتاح: تقدر، يقال أتاح الله له كذا وكذا، أي قدر له، والنبال جمع نبلٍ.
والناتق: الولود، فإذا أسرفت في ذلك وكثر ولدها جداً قيل منتاقٌ.
والسفح: أصل الجبل من الوادي. وحائل: موضع. وتناصى: تقابل وتقرب حتى يعلق هذا بهذا، وهذا بهذا عند هبوب الريح، يقال: تناصى الرجلان نصاء وتناصياً إذا اقتتلا فأخذ كل واحدٍ منهما بناصية صاحبه، والطلح والسيال: ضربان من الشجر معروفان.
وانتمى ونمى: انتسب. والشرى: موضع كثير السباع، وإنما يريد: كإقدام أسد الشرى وإقدامها، ثم حذف لعلم السامع.
وعصينا: جعلنا الرماح كالعصي. والعلل: الشرب الثاني، والنهل: الأول يريد أنا أعدناها إلى الطعن مرة بعد أخرى.
وقوادم: ذات إقدام، فجاء به على الأصل، كما قال:
يخرجن من أجواز ليلٍ غاض١
أي مغضٍ، فجاء به على الأصل، وهو كثير.
стр. 106
والمربوعات: المعتدلة التي لم تبلغ أن تكون رمحاً، وهو رفعٌ، كأنه قيل له: ما هي? فقال: هي مربوعاتها وطوالها، ولو خفض وجعله بدل البعض من الكل لكان حسناً، وكان يكون مقوى، ولكن هكذا أنشدناه مرفوعاً على التقدير الذي ذكرناه.
стр. 107
باب
صبرة بن شيمان عند معاوية
قال أبو العباس: حدثت أن صبرة بن شيمان الحداني دخل على معاوية، والوفود عنده، فتكلموا فأكثروا، فقام صبرة فقال: يا أمير المؤمنين، إنا حي فعالٍ، ولسنا بحي مقالٍ، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم. فقال: صدقت.
стр. 108
كلمة يزيد بن أبي سفيان حين أرتج عليه
وحدثت أن أبا بكر ﵁، ولى يزيد بن أبي سفيان ربعاً من أرباع الشام، فرقي المنبر فتكلم فأرتج عليه، فاستأنف فأرتج عليه، فقطع الخطبة، فقال: سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً، وبعد عي بياناً، وأنتم إلى أميرٍ فعالٍ أحوج منكم إلى أميرٍ قوالٍ.
فبلغ كلامه عمرو بن العاص، فقال: هن مخرجاتي من الشام استحساناً لكلامه.
стр. 109
جواب عامر بن قيس لعثمان بن عفان
وقال عثمان بن عفان رحمه الله١ لعامر بن عبد قيسٍ العنبري ورآه ظاهر الأعرابية: يا أعرابي، أين ربك ? فقال بالمرصاد!
стр. 110
جواب علي بن أبي طالب حين سئل: أين ربنا ?
وقال قائل لعلي بن أبي طالب رحمة الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض? فقال علي: أين، سؤال عن مكانٍ، وكان الله ولا مكان.