خطبة الحجاج حين قدم أميراٌ على العراق
قال: وحدثني التوزي في إسناد ذكره آخره عبد الملك بن عمير الليثي، قال: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالٍ حسنةٍ، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، إذ أتى آتٍ فقال: هذا الحجاج قدم أميراٌ على العراق. فإذا به قد دخل المسجد معتماٌ بعمامة غطى بها أكثر وجهه، متقلداٌ سيفاً، متنكباٌ قوساٌ، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق حتى قال عمير بن ضابيء البرجمي: ألاأحصبه لكم? فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض وقال١:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال٢:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم
ليس برلعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهر وضم
ثم قال:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابي
وقال:
قد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا
стр. 422
والقوس فيها وترٌ عرد ... مثل ذراع البكر أو أشد
لابد مما ليس منه بد
إني والله يا أهل العراق، ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولقد فرزت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه نثر كنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوجدني أمرها عوداً. وأصلبها مكسراً، فرماكم بي.
لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقدالضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. والخوف بما كانوا يصنعون. وإنى والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة. وإني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ:
"بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلامٌ عليكم" فلم يقل أحد منهم شيئاً، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين، فلم تردوا عليه شيئاً هذا أدب ابن نهية أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله: "سلامٌ عليكم"لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام١.
ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبراً، فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابنٌ هو أقوى على الأسفار مني فتقلبه بدلاً مني. فقال الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل٢: أتدري من هذا أيها الأمير? قال: لا قال: هذا عمير بن ضابئ البرمجي الذي يقول أبوه:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
стр. 423
ودخل الشيخ على عثمان مقتولاٌ فوطىء بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال ردوه! فلما رد قال الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلاٌ يوم الدار! إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحاٌ للمسلمين: يا حرسي، اضربن عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل، ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي١:
تجهز فإما أن تزور ابن ضابىءٍ ... عميراٌ وإما أن تزور المهلبا
هما خطتا خسفٍ نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا٢
فأضحى ولو كانت خراسان دونه٣ ... رآها مكان السوق أو هي أقربا
قوله: "أنا ابن جلا"، إنما يريد المنكشف الأمر، ولم يصرف "جلا" لأنه أرادالفعل فحكى، والفعل إذا كان فاعله مضمراٌ أو مظهراٌ لم يكن إلاحكاية، كقولك: تأبط شرأ، وكماقال الشاعر:
كذبتم وبيت الله لاتأخذونها ... بني شاب قرناها تصر وتحلب
وتقول: قرأت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٤ لأنك حكيت، وكذلك الابتداء، تقول: قرأت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقال الشاعر:
والله ما زيد بنام صاحبه٥
وقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
لسحيم بن الرياحي، وإنما قاله الحجاج متمثلاً.
وقوله: "وطلاع الثنايا" الثنايا: جمع ثنيةو الثنية: الطريق في الجبل.
стр. 424
والطريق في الرمل يقال له: الخل، وإنما أراد به أنه جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها، كما قال دريد بن الصمة يعني أخاه عبد الله:
كميش الإزار خارجٌ نصف ساقه ... بعيد من السوءات طلاع أنجد
والنجد: ما ارتفع من الأرض، وقد مضى تفسير هذا.
وقوله: "إني لأرى رؤوساٌ قد أينعت"، يريد أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعاٌ وينعت ينعاٌ، ويقرأ: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ ١ و ﴿َيَنْعِهِ﴾ كلاهما جائز.
قال أبو عبيدة: هذا الشعر يختلف فيه، فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. [قال أبو الحسن: الصحيح أنه ليزيد يصف جارية] وهو:
ولها بالماطرين٢ إذا ... أكل النمل الذي جمعا
خرفة حتى إذا ربعت ... سكنت من جلقٍ بيعا٣
في قباب حول دسكرةٍ ... حولها الزيتون قد ينعا
قال أبو الحسن: أول هذه الأبيات:
طال هذا الهم فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا
وبعد هذا ما أنشد أبو العباس، ويروى" بالماطرون".
قال أبو العباس: وقوله:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم
يعني فرساٌ أو ناقة، والشعر للحطم القيسي.
وقوله:
قد لفها الليل بسواق حطم
стр. 425
فهو الذي لا يبقي من السير شيئاٌ، ويقال: رجل حطمٌ للذي يأتي على الزاد لشدة أكله، ويقال للنار التي لا تبقي: حطمةٌ. وقوله: "على ظهر وضم"، فالوضم: كل ما قطع عليه اللحم. قال الشاعر١:
وفتيان صدقٍ حسان الوجو ... هـ لا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقوله:
قد لفها الليل بعضلبي
أي شديد. وأروع. أي ذكي.
وقوله: "خراج من الدوي"، يقول: خراجٍ من كل غماء شديدة٢:
ويقال للصحراء دوية، وهي التي لا تكاد تنقضي، وهي منسوبة إلى الدو، والدو: صحراء ملساء لاعلم بها ولا أمارة، قال الحطيئة٣:
وأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... وما خلت ساري الليل بالدو يهتدي
والداوية: المتسعة التي تسمع لها دوياٌ بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها. وتقول جهلة الأعراب: إن ذلك عزيف الجن وقوله:
والقوس فيها وترعرد
فهو الشديد ويقال عرند في هذا المعنى.
وقوله:" إني والله ما يقعقع لي بالشنان"، واحدها شن، وهو الجلد اليابس، فإذا قعقع به نفرت الإبل منه، فضرب ذلك مثلاٌ لنفسه، وقال النابغة الذبياني:
كأنك من جمال بني أقيش٤ ... يقعقع بين رجليه بشن
وقوله: "ولقد فررت عن ذكاء"، يعني تمام السن. والذكاء على ضربين:
стр. 426
أحدهما تمام السن، والآخر الحدة حدة القلب، فمما جاء في تمام السن قول قيس بن زهير: "جري المذكيات غلاب"١. وقال زهير:
يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء
وقوله: "فعجم عيدانها"، يقول: مضغها لينظر أيها أصلب، يقال: عجمت العود، إذا مضغته، وكذلك في كل شيء، قال النابغة:
فظل يعجم أعلى الروق منقبضاٌ ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
والمصدر العجم، يقال عجمته عجماٌ: ويقال لنوى كل شيء: عجمٌ مفتوح، ومن أسكن فقد أخطاٌ، كما قال الأعشى:
وجذعانها كلقيط العجم٢
وقوله: "طالما ما أوضعتم في الفتنة"، الإيضاع: ضرب من السير. وقوله:
فأضحى ولو كانت خراسان دونه
يعني دون السفر رآها مكان السوق للخوف والطاعة.
стр. 427
خبر ضابىء البرجمي مع عثمان
وكان من قصة عمير بن ضابىء أن أباه ضابىء بن الحارث البرجمي وجب عليه حبسٌ عند عثمان ﵀ وأدب وذلك أنه كان استعار من قوم كلباٌ فأعاروه إياه ثم طلبوه منه وكان فحاشاٌ فرمى أمهم به، فقال في بعض كلامه:
وأمكم لا تتركوها وكلبكم ... فإن عقوق الوالدات كبير
فاضطغن على عثمان ما فعل به فلما دعي به ليؤدب شد سكيناً في ساقه ليقتل بها عثمان، فعثر عليه، فأحسن أدبه، ففي ذلك يقول:
стр. 428
وقائلةٍ إن مات في السجن ضابىء ... لنعم الفتى نخلو به ونواصله
وقائلة لايبعدن ذلك الفتى ... ولا تبعدن أخلاقه وشمائله
وقائلة لايبعد الله ضابئاً ... إذالكبش لم يوجد له من ينازله
وقائلةٍ لا يبعد الله ضابئاٌ ... إذ الخصم لم يوجد له من يقاوله
فلا تتبعيني إن هلكت ملامةً ... فليس بعارٍ قتل من لاأ قاتله
هممت ولم أفعل، وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
وما الفتك ما آمرت فيه ولا الذي ... تخبر من لاقيت أنك فاعله
стр. 429
حديث أبي شجرة السلمي مع عمر بن الخطاب
قال أبو العباس: وشبيه بقوله ما حدثنا به عن أبي شجرة السلمي وكان من فتاك العرب١ فأتى عمر بن الخطاب ﵀ يستحمله٢، فقال له عمر: ومن أنت? فقال: أنا أبو شجرة السلمي، فقال له عمر: أي عدي نفسه، ألست القاتل حيث ارتددت:
ورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... وإني لأرجو بعدها أن أعمرا٣
وعارضتها شهباء تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا٤
ثم انحنى عليه عمر بالدرة، فسعى إلى ناقته فحل عقالها وأقبلها حرة بني سليم بأحث السير هرباٌ من الدرة، وهو يقول:
قد ضن عنها أبو حفص بنائله ... وكل مختبط يوماٌ له ورق
مازال يضربني حتى خذ يت له ... وحال من دون بعض الرغبة الشفق٥
стр. 430
ثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج إذا ما لزه الغلق١
أقبلتها الخل من شوران مجتهداٌ ... إني لأزري عليها وهي تنطلق٢
ويروى أنه كان يرمي المسلمين يوم الردة فلا يغني شيئاٌ، فجعل يقول:
ها إن رميي عنهم لمعبول ... فلا صريح اليوم إلا المصقول
وقوله:
وكل مختبط يوماٌ له ورق
أصل هذا في الشجرة أن يختبطها الراعي.، وهو أن يضربها حتى يسقط ورقها، فضرب ذلك مثلاً لمن يطلب فضله، وقال زهير:
وليس مانع قربى وذي نسبٍ ... يوماً ولا معدم من خابط ورقا٣
وقوله: "حتى خذيت له". يقول: خضعت له، وأكثر ما تستعمل العامة هذه اللفظة بالزيادة، تقول: استحذيت له. وزعم الأصمعي أنه شك فيها، وأنه أحب أن يستثبت، أهي مهموزة أم غير مهموزة? قال: فقلت لأعرابي: أتقول: استحذيت٤ أم استحذأت? قال: لاأقولهما، قلت: ولم فقال: لأن العرب لاتستخذي. وهذا غير مهموز٥. واشتقاقه من قولهم: أذن خذواء وينمة خذواء، أي مسترخية.
قال أبو الحسن: الينمة: نبت مسترخٍ على وجه الأرض تأكله الإبل فتكثر عنه ألبانها.
стр. 431
قال الأصمعي: وقلت لأعرابي: أتهمز الفارة! قال: تهمزها الهرة.
وقوله: "إني لأزري عليها"، يقول: أستحثها، يقال: زرى عليه: أي عاب عليه، وأزرى به أي قصر به، فيقول: إنها لمجتهدة، وإني لأزري عليها، أي أعيب عليها لطلبي النجاء والسرعة، وقال الأخطل:
فظل يفديها وظلت كأنها ... عقاب دعاها جنح ليلٍ إلى وكر
وقوله: "ها إن رميي عنهم لمعبول"، يقول: مخبول مردود. والصريح: المحض الخالص، يقال ذلك للبن إذا لم يشبه ماء، ويقال عربي صريح ومولى صريح، أي خالص.
стр. 432
خطبة لعمر بن الخطاب حين سمع أن قوماٌ يفضلونه على أبي بكر
قال: وحدثني محمد بن إبراهيم الهاشمي في إسناد ذكره قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵀ أن قوماٌ يفضلونه على أبي بكر الصديق رحمة الله، فوثب مغضباٌ حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنىعليه، وصلى على نبيه ﷺ ثم قال:
أيها الناس، إني سأخبركم عني وعن أبي بكر، إنه لما توفي رسول الله ﷺ اردتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد ﷺ أن قلنا له: يا خليفة رسول الله، أن رسول الله ﷺ كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لاطاقة لك بقتال العرب. فقال أبو بكر الصديق: أو كلكم رأيه على هذا ? فقلنا: نعم فقال: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره وصلى على نبيه صلى عليه وسلم، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمداٌ فإن محمداٌ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لايموت. أيها الناس، أإن كثر أعداؤكم، وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب? والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون. قوله الحق، ووعده الصدق، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ، و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . والله أيها الناس، لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في حق جهاده حتى أبلي بنفسي
стр. 433
عذراً أو أقتل قتيلاً، والله أيها الناس لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم الله وهو خير معينٍ.
ثم نزل فجاهد في الله حق جهاده حتى أذعنت العرب بالحق.
قوله: "كم من فئة" فهي الجماعة، وهي مهموزة، وتخفيف الهمز في هذا الموضع أن تقلب الهمزة ياءً، وإن كانت قبلها ضمة وهي مفتوحة قلبتها واواً نحو جؤنٍ١ تقول جونٌ.
وقوله: "لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه" على خلاف ما تتأوله العامة ولقول العامة وجهٌ قد يجوز، فأما الصحيح فإن المصدق٢ إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنها قيل: أخذ عقالاً، وإذا أخذ الثمن قيل: أخذ نقداً، قال الشاعر:
أتانا أبو الخطاب يضرب طبله٣ ... فرد ولم يأخذ عقالاً ولا نقدا
والذي تقوله العامة تأويله: لو منعوني ما يساوي عقالاً، فضلاً عن غيره وهذا وجه، والأول هو الصحيح، لأنه ليس عليهم عقال يعقل به البعير فيطلبه فيمنعه، ولكن مجازه في قول العامة ما ذكرنا.
ومن كلام العرب: أتانا بجفنةٍ يقعد عليها ثلاثةٌ، أي لو قعد عليها ثلاثة لصلح.
стр. 434
من أبيات للحطيئة حين ارتد بعض العرب
وكان ارتداد من ارتد من العرب أن قالوا: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة، فمن ذلك قول الحطيئة:
ألا كل أرماح قصارٍ أذلةٍ ... فداء لأرماحٍ نصبن على الغمر١
فباست بني عبس وأستاه طيئٍ ... وباست بني دودان حاشا بني نصر
أبوا غير ضربٍ يجثم الهام وقعه ... وطعن كأفواه المزفتة الحمر٢
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا ... فيا لهفتا، ما بال دين أبي بكر!
стр. 435
أيورثها بكراً إذا مات بعده ... فتلك وبيت الله قاصمة الظهر!
فقوموا ولا تعطوا اللئام مقادةً ... وقوموا ولو كان القيام على الجمر
فدى لبني نصرٍ طريفي وتالدي ... عشية ذادوا بالرماح أبا بكر١
قوله: "يجثم الهام وقعه"، إنما هو مثلٌ، يقال: جثم الطائر، كما يقال: برك الجمل، وربض البعير.
وكان قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقرٍ عاملاً على صدقات بني سعدٍ، فقسم ما كان في يده من أموال الصدقات على بني منقرٍ، وقال:
فمن مبلغ عني قريشاً رسالةً ... إذا ما أتتها محكمات الودائع
حبوت بما صدقت في العام منقراً ... وأيأست منها كل أطلس طامع
قوله: "فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد"، فإنما خفض"كلا" على أنه توكيد لأسمائهم المضمرة، والظاهرة لا تكون بدلاً من المضمر الذي يعني به المتكلم نفسه، أو يعني به المخاطب.
لايجوز أن تقول مررت بي زيدٍ، لأن هذه الياء لا يشركه فيها شريك فتحتاج إلى التبيين، وكذلك لا يجوز: ضربتك زيداً، لأن المخاطب منفرد بهذه الكاف، فأما الهاء نحو مررت به عبد الله، فيجوز لأنا نحتاج إلى أن يعرفنا مبيناً: من صاحب الهاء? لأنها ليست للذي يخاطبه فلا ينكر نفسه، وإنما يحدث به عن غائب فيحتاج إلى البيان.
وقوله: "أصحاب محمد" اختصاص: وينتصب بفعل مضمر، وهو "أعني" ليبين من هؤلاء الجماعة، كما ينشد:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
أراد: نحن أصحاب الجمل، ثم عين من هم، لأن هذا قد كان يقع على من دون بني ضبة معه، وعلى من فوقها إلى مضر ونزار ومعد ومن بعدهم، وكذلك: نحن العرب أقرى الناس لضيف، ونحن الصعاليك لا طاقة لنا على المروءة.
стр. 436
ويختار من الشعر١:
إنا بني منقر ذوو حسبٍ ... فينا سراة بني سعد وناديها
وقليل هذا يدل عل جميع هذا الباب، فافهم.
стр. 437
المجلد الثاني
باب في المختار من أشعار المولدين
لعبد الصمد بن المعذل
...
باب في المختار من أشعار المولدين
قال أبو العباس: هذه أشعار اخترناها من أشعار المولدين حكيمة مستحسنة. يحتاج إليها للتمثل، لأنها أشكل بالدهر، ويستعار من ألفاظها في المخاطبات والكتب.
لعبد الصمد بن المعذل
قال ابن المعذل١:
تكلفني إذلال نفسي لعزها ... وهان عليها أن أهان لتكرما
تقول سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت سليه رب يحيى بن أكثما٢
стр. 438
لبشار بن برد
وقال بشار بن برد يذكر عبيد الله بن قزعة، وهو أبو المغيرة أخو الملوي المتكلم، قال: وقال المازني لم أر اعلم من الملوي بالكلام، وكان من أصحاب إبراهيم النظام:
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجداً ... ولم يدر أن المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كل معروف عليك يمين
إذا جثته في حاجة سد بابه ... فلم تلقه إلا وأنت كمين
نظير قوله:
وفي كل معروف عليك يمين
قول جرير:
ولاخير في مال عليه آلية ... ولا في يمين عقدت بالمآثم١
стр. 439
لإسماعيل بن القاسم أبي العتاهية
وقال إسماعيل بن القاسم:
اطلع الله بجهدك ... عامداً أودون جهدك
أعط مولاك كما تط ... لب من طاعة عبدك
стр. 440
لمحمود الوراق
وقال محمود:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعمته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وقال أيضاً:
إني شكرت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي
ورأيت أسدى إلي يداً ... لما أبان بجهله حلمي
رجعت إساءته عليه وإح ... ساني مضاعف الجرم
وغدوت ذا اجر ومحمدة ... وغدا بكسب الظلم والإثم
فكأنما الإحسان كان له ... وأنا المسيء إليه في الحكم
مازال يظلمني وأرحمه ... حتى بكيت له من الظلم
اخذ هذا المعنى من قول رجل من قريش لرجل قال له: إني مررت بقوم من قريش من آل الزبير أو غيرهم يشتمونك شتماً رحمتك منه، قال: فسمعتني أقول إلا خيراً! قال: إياهم فارحم.
وقال الصديق١: ﵀ لرجل قال له: لأشتمنك شتماً يدخل معك في قبرك، قال: معك والله يدخل، لامعي.
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليظلمني فأرحمه.
стр. 441
وقال رجل للشعبي كلاماً اقذع له فيه، فقال الشعبي: إن كنت صادقاٌ فغفر الله لي، وإن كنت كاذباٌ فغفر الله لك.
ويروى انه أتى مسجداً فصادف فيه قوماً يغتابونه فأخذ بعضادتي الباب، ثم قال:
هنيئاً مريئاً غير داء مخاطر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
وذكر ابن عائشة أن رجلا من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت رجلاً ركباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولاثوباً ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه، فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉، فامتلأ قلبي له بغضاً، وحسدت علياً أن يكون له أبن مثله، فصرت إليه، فقلت له: أنت ابن أبي طالب? فقال: أنا ابن ابنه فقلت: فبك وبأبيك أسبهما. فما انقضى كلامي قال لي: أحسبك غريباً. فقلت: أجل، قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجة عاوناك، قال: فانصرفت عنه، ووالله ما على الأرض أحد احب إلي منه.
لمحمود الوراق أيضاً
وقال محمود الوراق:
ياناظراً يرنو بعيني راقدٍ ... ومشاهداً للأمر غير مشاهد
منيت نفسك ضلةً وأبحتها ... طرق الرجاء وهن غير قراصد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفور العابد
ونسيت ان الله أخرج آدماً ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
стр. 442
للحسن بن هانئ الحكمى المعروف بأبى نواس
وقال الحكم للفضل بن الربيع١:
ما من يدٍ في الناس واحدةٍ ... كيدٍ أبو العباس مولاها
نام الكرام على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله
فعفوت عني عفو مقتدر ... حلت له نقم فألفاها
стр. 443
لعبد الله بن محمد بن أبي عيينه
وقال عبد الله بن أبي عيينه لذي اليمينين١:
لما رأيتك قاعداً مستقبلاً ... أيقنت أنك للهموم قرين
فارفض بها وتعر من أثوابها ... إن كان عندك للقضاء يقين
مالا يكون فلا يكون بحيلةٍ ... أبداً وما هو كائن سيكون
يسعى الذكي فلا ينال بسعيه ... حظاً ويحظى عاجز ومهين
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
الله يعلم أن فرقة بيننا ... فيما أرى شيء علي يهون
стр. 444
لصالح بن عبد القدوس
وقال صالح بن عبد القدوس٢:
إن يكن مابه أصبت جليلاً ... فذهاب العراء فيه أجل
كل آتٍ لاشك آتٍ وذو الجه ... ل معنى والغم والحزن فضل
стр. 445
من الأبيات المنفردة
وأنشد منشد من الأبيات المنفردة القائمة بأنفسها:
إذا أنت لم تعطي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال١
ومنها قول ابن وهيب الحميري٢:
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
стр. 446
وقال آخر:
ويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال أشجع السلمي:
رأي سرى وعيون الناس راقدة ... ما أخر الحزم رأي قدم الحذرا
وقال آخر:
فلله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب
وقال آخر:
يرى فلتات الرأي مقبل ... كأن في اليوم عيناً على غد
стр. 447
لعبد الصمد بن المعذل أيضاً
وقال عبد الصمد بن المعذل:
أمن على المجتدي ... وما أتبع المن من
كان لم يزل ما أتى ... وما قد مضى لم يكن
أرى الناس أحدوثة ... فكوني حديثاً حسن
وقال أيضاً:
زعمت عاذلتي أني لما ... حفظ البخل من المال مضيع
كلفتني عذرة الباخل إذا ... طرق الطارق والناس هجوع
ليس لي عذر وعندي بلغة ... إنما العذر لمن لا يستطيع
стр. 448
للحسن بن هانئ أيضا
وقال الحسن بن هانىء الحكمى:
إليك غدت بي حاجة لم أبح بها ... اختف عليها شامتاً فأداري
فأرخ عليها ستر معروفك الذي ... سترت به قدما على عواري
стр. 449
وقال أيضاً:
قد قلت للعباس معتذراً ... من ضعف شكريه ومعترفاً
أنت امرؤ جللتني نعماً ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم تقدمة ... لاقتك بالتصريح منكشفاً
لاتحدثن إلي عارفة ... حسبي أقوم بشكر ما سلفا
стр. 450
لدعبل بن علي الخز اعي
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
أحببت قومي ولم أعدل بحبهم ... قالوا تعصبت جهل قول ذي بهت
دعني أصل رحمي إن كنت قاطعها ... لا بد للرحم الدنيا من الصلة
فاحفظ عشيرتك الأدنين إن لهم ... حقاً يفرق بين الزوج والمرة١
قومي بنوا مذحج والأزد أخوتهم ... وآل كندة والأحياء من علةٍ٢
ثبت الحلوم فإن سلت حفائظهم ... سلوا السيوف فأرادوا كل ذي عنت
لاتعرضن بمزح لامرئٍ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية ... مشؤومة لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيت مات قائله ... ومن يقال له والبيت لم يمت
وقال أيضاً:
نعوني ولما ينعني غير شامت ... وغير عدو قد أصيبت مقاتله
يقولون إن ذاق الردى مات شعره ... وهيهات عمر الشعر طالت طوائله
سأقضي ببيتٍ يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرواية حامله
يموت ردي الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله٣
стр. 451
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم:
يا من يعيب وعيبه متشعب ... كم فيك من عيب وأنت تعيب!
لله درك كيف أنت وغايةٌ ... يدعوك ربك عندها فتجيب
وقال أيضاً:
يا علي بن ثابت بأمن مني ... صاحب جل فقده يوم بنتا
يا علي بن ثابت أي أنت ... أين أنت أنت بين القبور حيث دفنتا
قد لعمري حكيت لفي قصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا
وقال أيضاً:
صاحب كان لي هلك ... والسبيل التي سلك١
يا علي بن ثابت ... غفر الله لي ولك
كل حي مملك ... سوف يفنى ومالك
وقال أيضاُ:
طوتك خطوب دهرك كبعد نشرٍ ... كذاك خطوبه نشراً وطيا
فلو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا أُخي بدمع عيني ... فلم يغني البكاء عليك شيا
كفى حزناً بدفنك ثم إني ... نفضت تراب قبرك عن يديا
وكانت في حياتك لي عضات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يخلي شعر من تقدم من الأخبار والآثار فينظم ذلك الكلام المشهود، ويناوله أقرب متناول، ويسرقه أخفى سرقة.
فقوله: وأنت اليوم أوعظ منك حيا، إنما أخذه من قول الموبذ لقباد الملك حيث مات، فإنه قال في ذلك الوقت: كان الملك أمسى أن انطق منه اليوم. وهو اليوم أوعظ منه أمس.
стр. 452
واحذ قوله:
قد لعمري حكيت لي قصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا
من قول نادب الإسكندر فإنه لما مات بكى من بحضرته فقال نادبه حركنا بسكونه.
لإسماعيل بن القاسم أيضا
وقال إسماعيل بن القاسم١:
ياعجباً للناس لو فكرروا، ... حاسبوا أنفسهم أبصروا
وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر٢
الخير مما ليس يخفى هو الـ ... ـمعروف والشر هو المنكر
والموعد الموت وما بعده الـ ... ـحشر الموعد الأكبر
لافخر إلا فخر أهل التقى ... غداً إذا ضمهم المحشر
ليعلمن الناس ان التقى ... البر كانا خير ما يذخر
عجبت للإنسان في فخره ... وهو غداً في قبره يقبر
ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر!
أصبح لا يملك تقديم ما ... يرجو ولا تأخير ما يحذر
وأصبح الأمر إلى غيره ... في كل ما يقضى وما يقدر
أما قوله:
ياعجباً للناس لو فكروا ... وحاسبوا أنفسهم أبصروا
فمأخوذ من قولهم: الفكرة مرآة تريك حسنك من قبيحك. ومن قول لقمان لابنه: يا بنيّ لعاقل أن يخلي نفسه من أربعة أوقات: فوقت منها يناجي فيه ربّه، وقت يحاسب فيه نفسه، ووقت يكسب فيه لمعاشه، ووقت يخلي فيه بين نفسه وبين ذاتها، ليستعين بذلك على سائر الأوقات.
стр. 453
وقوله:
وعبروا الدنيا إلى غيرها ... فإنما الدنيا لهم معبر
مأخوذ من قول الحسن: اجعل الدنيا كالقنطرة تجوز عليها ولا تعمرها.
وقوله:
الخير مما ليس يخفى هو الـ ... ـمعروف والشر هو المنكر
مأخوذ من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، وصار الناس هكذا". وشبه بين أصابعه، فقلت: مرني يا رسول الله، فقال: "خذ ما عرفت ودع ما أنكرت، وعليك بخويصّة نفسك، وإياك وعوامّها".
قوله ﷺ : "في حثالة الناس" أما الحثالة فهو ما يبقى في الإناء من ردي الطعام، وضربه مثلاً. وقوله: "مرجت عهودهم". يقول: اختلطت وذهبن بهم كل مذهب، يقال: مرج الماء إذا سال ولم يكن له مانع، قال الله : ﴿مرج البحرين يلتقيان﴾ ١.
وقوله:
ليعلمن الناس إن التقى ... والبر كانا خير ما يذخر
مأخوذ من قول أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا حشر الناس في صعيد واحد نادى منادٍ من قبل العرش: ليعلمن أهل لا لموقف، من أهل الكرم اليوم? ليقم المتقون! " ثم تلا رسول الله صلى الله وعليه وسلم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢ وقوله:
ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر
مأخوذ منقول علي بن أبي طالب رشي الله عنه: وما ابن آدم والفخر إنما أوله نطفة، آخره جيفة، لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه.
стр. 454
لابن أبي عيينة
وقال ابن أبي عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أنت ساعة في الدهر فانصرمت١ ... حتى تؤثر في في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسها ... عن غير أنفسها لم تكتم الخيرا
فأخذ هذا المعنى حبيب بن أوس الطائي وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان إنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
فزاد بقوله: ناصح لا يشفق على قول ابن أبي عيينة شيئاً طريفاً، وهكذا يفعل الحاذق بالكلام. ولو قال قائل: إن أقرب ما تأخذ منه أبو العتاهية:
ليعلمن الناس إن التقى ... والبر كانا خير ما يذخر
من قول خليل بن أحمد:
قال أبو الحسن: زعم النسابون أنهم لا يعرفون أنهم منذ وقت النبي صلى الله وعليه وسلم إلى الوقت الذي ولد فيه احمد أبو الخليل أحداً سمي بأحمد غيره.
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح إلى الأعمال٢
لكان قد قال قولاً.
وقال العباس بن الفرح:
أملي من دونه أجلي ... فمتى أفضي إلى إملي
стр. 455
للخليل بن أحمد
وقال الخليل بن أحمد، وكان مظر في النجوم فابعد ثم لم يرضها فقال:
ابلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب
عالم، أن ما يكون وما كا ... ن بحتم من المهيمن واجب
стр. 456
لمحمد بن بشير يعيب المتكلمين
قال محمد بن بشير يعيب المتكلمين، أنشدنيه الرياشي:
يا سائلي عن مقالة الشيع ... وعن صنوف الأهواء والبدع
دع من يقود الكلام ناحيةً ... فما يقود الكلام ذو وزع
كل أناس بد يّهم حسن ... ثم يصيرون بعد للشّنع
أكثر ما فيه أن يقال له ... لم يك في قوله بمنقطع
وأنشد الرياشي لغيره:
قد نقّر الناس حتى أحدثوا بدعاً ... في الدين بالرأي لم تبعث بها الرّسل
حتى استخف بحق الله أكثرهم ... وفي الذي حملوا من حقه شغل
وقال محمد بن بشير:
ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه
يا حسرتا في كل يوم مضى ... يذكرني الموت وأنساه
من طال في الدنيا به عمره ... وعاش فالموت قصاره
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه
صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإيّاه
وقال أيضاُ:
أي صفو إلا إلى تكدير ... ونعيم إلا إلى تغيير
وسرورٍ ولذّةٍ وحبورٍ ... ليس رهناً لنا بيوم عسير
عجباً لي ومن رضاي بدنيا ... أنا فيها على شفا تغرير!
عالم لا أشك أني إلى اللـ ... ـه إذا متّ أو عذاب السعير
ثم ألهو ولست أدري إلى أيـ ... ـهما بعدة يصير مصيري
أي يوم عليّ أفظع من يو ... م به تبرز النّعاة سريري
كلما مرّ بي على أهل نادٍ ... كنت حسناً بهمم كثير المرور
قيل: من ذا على سرير المنايا ... قيل هذا محمد بن بشير
стр. 457
للحكمي أبي نواس أيضاُ
وقال الحكمي أبو نواس:
أخي ما بال قلبك ليس ينفي ... كأنك لاتظن الموت حقاً
ألا يا أبن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما أحد بزادك منك أحظى ... وما أحد بزادك منك أشقى
ولا لك غير تقوى الله زادٌ ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
ومما يستحسن من شعره قوله:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمرة
فمثل هذا لو تقدم لكان في صدور الأمثال، كذالك قوله أيضاً:
فامض لاتمنن عليّ يداً ... منك المعروف من كدرة
وكان يقول: ذكر المعروف من المنعم إفساد له، وكتمانه من النعم عليه كفر له، وفي الشعر أبيات مختارة، فمنها:
وإذا مجّ القنا علقا ... وتراءى الموت في صورة
راح في ثنيي مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره
تتأبّى الطير غدوته ... ثقة بالشبع من جزره
فاسل عن نوء تؤمله ... حسبك العباس من مطره
لا تعطّى عنه مكرمة ... بربا واد ولا خمره
ذللت تلك الفجاج له ... فهو مجتاز على بصره
وقد عابوا عليه قوله:
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
وهو لعمري كلام مستهجن موضوع في غير موضعه، لأن حق رسول الله صلى الله وعليه وسلم أن يضاف إليه، ولا يضاف إلى غيره، ولو اتسع متسع فأجراه في باب الحيلة لخرج على الاحتيال، ولكنه عسر موضوع في غير موضعه، وباب الاحتيال فيه أن، تقول: قد يقول القائل من بني هاشم لغيره من أفناء قريش: منا رسول الله صلى الله وعليه وسلم،
стр. 458
وحق هذا أنه من القبيل الذي أنا منه. فقد أضاف إلى نفسه، وكذلك يقول القرشي لسائر العرب، كما قال حسان بن ثابت:
مازال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لاترام ومفخر
بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخيّر
فقال: منهم كما قال من نفره، من النفر الذين العباس هذا الممدوح منهم.
وأما قول حسّان: منهم جعفر وابن أبن أمه عليّ ومنهم أحمد المتحيز فإن، العرب إذا كان العطف بالواو قدمت وأخرت، قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ١، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ٣، ولو كان بثم أو بالفاء لم يصلح إلا تقديم المقدم، ثم الذي يليه واحداً: أحدا.
وأما قوله في هذا الشعر:
وكريم الخال من يمنٍ ... وكريم العم من مضره
فأضاف مضر إليه، فهو كلام لا يمنع منه ممتنع، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم الحمل للأشتر وهو مالك بن الحارث أخذ النخع ابن مرو بن علة بن جلد وكان على الميمنة: احمل. في أصحابه فكشف من بإزائه، ثم قال لهاشم بن عتبة بن مالك أحد بني زهرة بن كلاب وكان على المسيرة احمل. فحمل في المضرية فكشف من بإزائه. فقال علي ﵁ لأصحابه: كيف رأيتم مضري ويمني! فأضاف القبيلتين إلى نفسه، قال جرير:
إن الذين ابتنوا مجداً ومكرمةً ... تلكم قريشي والأنصار أنصاري
стр. 459
لإسحاق بن خلف البهراتي يمدح علي بن عيسى القمى
ومما يستحسن من أشعار المحدثين قول إسحاق بن خلف البهراتي، ونسبه في بني حنيفة لسباء وقع عليه، يقول لعلي بن عيسى بن مريم بن موسى بن طلحة الأشعري المعروف بالقمي١:
وللكرد منك إذا زرتهم ... بكيدك يوم كيوم الحمل
ومازال عيسى بن موسى له ... مواهب غير النطاف المكل٢
لسل السيوف وشق الصفوف ... لنقض الترات وضرب القلل
ولبس العجاجة والخافقات ... تريك المنا برؤوس الأسل
وقد كشرت عن شبا نابها ... عروس المنية بين الشعل
وجاءت تهادى وأبناؤها ... كأن عليهم شروق الطفل
خروسٌ نطوق إذا استنطقت ... جهول تطيش على من جهل
إذا خطبت أخذت مهرها ... رؤوساً تحادر قبل النقل
ألد إليه من المسمعات ... وحث الكؤوسه في يوم طل
وشرب المدام ومن يشتهيه ... معاط له بمزاح القبل
بعثنا النّواعج تحت الرحال ... تسافه أشدقها في الجدل
إذا ما حدين بمدح الأمير ... سبقن لحاظ المحثّ٣ العجل
قوله: "تريك المنا" يريد المنايا وهذه كلمة تخف على ألسنتهم فيحذفونها، وزعم الأصمعي أنه سمع العرب تقول: درس المنا، يريدون المنازل، وجاء في التخفيف أعجب من هذا، حدثنا بعض أصحابنا عن الأصمعي وذكره سيبويه في كتابه ولم يذكر قائله، ولكن الأصمعي قال: كان أخوان متجاوران لا يكلم كل واحد منهما صاحبه سائر سنته حتى يأتي وقت الرعي. فيقول أحدهما لصاحبه: ألاتا? فيقول الآخر: بلى فا، يريد: ألا تنهض? فيقول الآخر، فأنهض. وحكى سيبويه في هذا الباب:
стр. 460
بالخير خيراتٍ وإن شراً فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا
يريد: وإن شراً فشر، ولا أريد الشر إلا أن تريد١.
وهذا خلاف ما تستعمله الحكماء، فإنه يقال: إن اللسان إذا كثرت حركته، رقت عذبته.
وحدثني أبو عثمان الجاحظ قال: قال لي محمد الجهم: لما كانت أيام الزّط أدمنت الفكر، وأمسكت عن القول، فأصابتني حبسةً في لساني.
وقال رجل من الأعراب يذكر آخر منهم:
كأن فيه لففاً إذا نطق ... من طوال تحبيسٍ وهم وأرق
وقال رجل لخالد بن صفوان: إنك لتكثر، فقال: أكثر لضربين: أحدهما فيما لاتغني فيه القلّة، والآخر لتمرين اللسان، فإن حبسه يورث العقلة.
وكان خالد يقول: لا تكون بليغاً حتى تكلم أمتك السوداء في الليلة الظلماء، في الحاجة المهمة، بما تكلم به في نادي قومك، فإنما اللسان عضوٌ إذا مرنته، مرن، وإذا أهملته خار، كاليد التي تخشنها بالممارسة، والبدن الذي تقويه برفع الحجر وما أشبه، والرّجل إذا عودته المشي مشت.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تزالون أصحاء ما نزعتم ونزوتم. فتزعم في القسي، نزوتم على طهور الخيل.
وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل إن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط الأكل، والمشي، والجماع. فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه، وكان ابن الزبير ﵀ يواصل فيما ذكروا بين خمس عشرة من يوم وليلة، ثم يفطر على سمن وصبر ليفتق أمعاءه. قال أبو العباس: قال الأول: والمشي، إن لم تتعهده أوشكت ان تطلبه فلا تجده، والجماع كالبئر إن نزحت جمّت، وإن تركت تحيّر ماؤها، وحق هذا كله القصد.
وقوله:
كأن عليهم شروق الطفل