لأبي خراش وكان قد قتل أخاه جميل بن معمر
وكان جميل بن معمر الجمحيّ قتل أخا لبي خراش الهذلي يوم فتح مكة وأتاه من ورائه وهو موثق، فضربه، ففي ذلك يقول أبو خراش:
فأقسم لو لاقيته غير موثقٍ ... لآ بك بالعرج الضّباع النّواهل
لكان جميل أسوأ النّاس صرعةً ... ولكنّ أقران الظهور مقاتل
فليس كعهد الدّار يا أم مالكٍ ... ولكن أحاطت بالزقاق السّلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل
стр. 492
قوله: "أسوء الناس صرعة"، أي الهيئة التي يصرع عليها كما تقول: جلست جلسة وركبت ركبة، وهو حسن الجلسة والرّكبة، أي الهيئة التي يجلس عليها ويركب عليها، وكذلك القعدة والنّيمة. وقوله لآبك، أي لعادك، وأصل هذا من الإياب والرّجوع، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ١،وقال عبيد بن الأبرص٢:
وكلّ ذي غيبةٍ يؤوب
وقوله: بالعرج، فهو ناحية من مكة، به ولد عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان، فسمّي العرجيّ، ويقال: بل كان له مال بذلك الموضع، فكان يقيم فيه.
وقال ش: هذا وهم من أبي العباس ﵀، وأما صوابه فعبد الله بن عمر بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان ﵁.
والنّواهل فيه قولان: أحدهما العطاش وليس بشيء والآخر الذي قد شرب شربةً فلم يرو، فاحتاج إلى ان يعلّ، كما قال امرؤ القيس:
إذا هنّ أقساطٌ كرجل الدّبى ... أو كقطا كاظمة النّاهل٣
وقوله: "احاطت بالرقاب السلاسل"، يقول: جاء الإسلام فمنع من الطلب بالأوتار إلا على وجهها. وكان يقال: إن اول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال بن أبي بردة وكان أمير البصرة وقاضيها، وفي ذلك يقول رؤبه٤:
وأنت يا ابن القاضيين قاض
وكان بلال يقول: عن الرجلين ليقدّمان إليّ فأجد أحدهما على قلبي أخفّ فاقضي له.
стр. 493
بلال بن أبي بردة وعمر بن عبد العزيز
ويروى أن بلالاً وفد على عمر بن عبد العزيز بخناصرة، فسدك" ش: معناه لصق" بساريةٍ من المسجد، فجعل يصلّي إليها ويديم الصلاة، فقال عمر بن عبد العزيز للعلاء بن المغيرة بن البندار: ان يكن سرّ هذا كعلانيته فهو رجل أهل العراق غير مدافع، فقال العلاء: أنا آتيك بخبره، فاتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء، فقال: اشفع صلاتك فإن لي إليك حاجةً، ففعل، فقال العلاء: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لي? قال: لك عمالتي١ سنة، وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم، قال: فاكتب لي بذلك، قال: فارقدّ٢ بلال إلى منزله، فأتى بداوة وصحيفة فكتب له بذلك.
فأتى العلاء عمر بالكتاب، فلما رآه، كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وكان والي الكوفة أما بعد: فإن بلالاً غرّنا بالله، فكدنا نغترّ، فكسبناه فوجدناه خبثاً كلّه، والسلام.
ويروى أنه كتب إلي عبد الحميد: إذا ورد عليك كتابي هذا فلا تستعن على عملك بأحد من آل أبي موسى.
стр. 494
شعر ذي الرمة في بلال
قال أبو العباس: وكان بلال داهيةً لقناً أدبياً، ويقال: إن ذا الرّمة لمّا أنشده:
سمعت، النّاس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالاً
تناخي عند خير فتى يمانٍ ... إذا النّكباء ناوحت الشّمالاً
فلما سمع قوله:
فقلت لصيدح انتجعي بلالا
قال: يا غلام، مر لها بقتّ ونوىّ، أراد أن ذا الرّمّة لايحسن المدح.
стр. 495
قوله: "سمعت الناس ينتجعون" حكاية، والمعنى إذا حقّق إنما هو سمعت هذه اللفظة، أي قائلاً يقول: "الناس ينتجعون غيثاً"، ومثل هذا قوله:
وجدنا في كتاب بني تميمٍ ... أحقّ الخيل بالرّكض المعار
فمعناه: وجدناه هذه اللفظة مكتوبة، فقوله: "أحق الخيل" ابتداء، "والمعار" خبره، وكذلك "الناس" ابتداء، و"ينتجعون" خبره. ومثل هذا في الكلام: قرأت "الحمد لله رب العالمين"، إنما حكيت ما قرأت، وكذلك قرأت على خاتمه "الله أكبر" يا فتى، فهذا لا يجوز سواه.
وقوله: "إذا النكباء ناحت الشّمالا" فإن الرياح أربع، ونكباواتها أربع، وهي الريح التي تأتي من بين ريحين فتكون بين الّمال والصّبا، أو الشّمال والدّبور، أو الجنوب والدّبور، أو الجنوب والصّبا، فإذا كانت النّكباء تناوح الشمال فهي آية الشتاء. ومعنى "تناوح" تقابل، يقال: تناوح الشجر إذا قابل بعضه بعضاً، وزعم الأصمعي أن النائحة بهذا سمّيت، لأنها تقابل صاحبتها.
وقال يحيى بن نوفل الحميريّ - ويقال إنه لم يمدح أحداً قط:
فلو كنت ممتدحاً للنّوال ... فتى لامتدحت عليه بلالاً
ولكنّني لست ممّن يريد ... بمدح الرّجال الكرام السّؤالا
سيكفي الكريم إخاء الكريم ... ويقنع بالود منه نوالا
ومن احسن ما امتدح به ذو الرّمة بلالا، قوله:
تقول عجوزٌ مدرجي متروّحاً ... على بيتها من عند أهلي وغاديا
اذو زوجةٍ بالمصر أم ذو خصومةٍ ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا عن أهلي لجيرةٌ ... لأكثبة الدّهنا جميعاً وماليا١
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أرجع فيها يا ابنة الخير قاضي
ولكنّني أقبلت من جانبي قساٌ ... أزور فتى نجداً كريماً يمانيا
من آل أبي موسى عليه مهابةٌ ... تفادي أسود الغاب منه تفاديا
مرمّين من ليثٍ عليه مهابة ... تفادي أسود الغاب منه تفاديا
стр. 496
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى ... عليهم ولكن هيبةٌ هي ماهيا
وقوله: "مدرجي" يقول: مروري، فأما قولهم في المثل: خير من دبّ ومن درج، فمعناه: منحيي ومن مات، يريدون: من دب على وجه الأرض ومن درج منها فذهب.
وقوله:
أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فإنه في هذا المعنى: ثوى الرجل فهو ثاوٍ، يا فتى، إذا أقام، وهي أكثر، ويقال: أثوى فهو فهو مثوٍ يا فتى، وهي أقل من تلك، قال الأعشى:
أثوى وقصر ليلةً ليزوّدا ... فمضى وأخلف من قتيله موعداً
وقوله: "قسا" فهو موضع من بلاد بني تميم. وقوله: "لأكثبة الدهنا"، فأكثبةٌ جمع كثب، وهو أقل العدد، والكثير كثبانٌ والدّهنا من بلادي بني تميم، ولم أسمع إلا القصر من أهل العلم والعرب، وسمعت بعد من يروي مدّها ولا أعلافه, قال ذو الرمة:
حنّت إلى نعم الدّهنا فقلت لها ... أمي هلالاً على التوفيق والرّشد
يعني هلال بن أحوز المازني، وقال جرير:
بازٍ يصعصع بالدّهنا قطاً جونا
وقوله:
كأنهم الكروان أبصرن بازيا.
فالكروان جماعة كروانٍ، وهو طائر معروف، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزيادة، فالتقدير: كراً وكروانٌ، كما تقول: أخٌ وإخوانٌ وورلٌ وورلانٌ، وبرق وبرقانٌ، والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية، واستعمل الكروان جمعاً على حذف الزيادة، واستعمل في الواحد كذلك، تقول العرب في مثلٍ من أمثالها:
أطرق كرا أطرق كرا ... إنّ النّعام في القرى
стр. 497
يريدون الكروان.
وقوله:
من آل أبي موسى ترى القوم حوله
فقال: ترى، ولم يقل ترين، وكانت المخاطبة أولاً لامرأة، ألا تراه يقول:
ومما كنت مذ أبصرتني في خصومةٍ ... أراجع فيهالا يا ابنة الخير قاضياً
ثم حوّل المخاطبة إلى رجل، والعرب تفعل ذلك، قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ١، فكأن التقدير والله اعلم كان للناس، ثم حولت المخاطبة إلى النبي ﷺ . وقال عنترة بن شدّاد:
شطّت مزار العاشقين فأصبحت ... عسراً عليّ طلابك ابنة مخرم
وقال جرير:
ما للمنازل لا تجيب حزننا ... أصممن قدم المدى قبلينا
وترى العواذل يبتدرن ملامتي ... وإذا اردن هواك عصينا
قال أولاً لرجل، ثم قال: سوى هوالك. وقال آخر:
فدى لك والدي وسراة قومي ... ومالي إنه منه أتاني
على تحويل المخاطبة.
وقوله: "مرمّين"، يريد سكوتاً مطرقين، بقال: أرم إذا أطرق ساكتاً.
وقوله: "تفادى أسود الغاب" معناه تفتدي منه بعضها ببعض. الخبر أن سليمان بن عبد الملك أمر بدفع عيال الحجاج ولحمته إلى يزيد بن المهلب فتفادى منهم، تأويله: فدى نفسه من ذلك المقام بغيره. وقوله:
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنى ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
إذا رفعت "هيبة" فالمعنى: ولكن أمره هيبةٌ، كما قال الله : ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ ٢، أي ذلك بلاغ، ومثله قوله :
стр. 498
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ١، يكون رفعة على ضربين، أحدهما أمرنا طاعة وقول معروف، والوجه الآخر طاعةٌ وقولٌ معروف أمثل. ومن نصب هيبة أراد المصدر، أي ولكن يهاب هيبةً.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى:
يغضي حياءً ويغضي من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
وقال الفرزدق، يعني يزيد بن المهلب:
وإذا الرّجال رأوا بزيد رأيتهم ... خضع الرّقاب نواكس الأبصار
وفي هذا البيت شيء من يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان من فاعل نعتاً على فواعل، لئلا يلتبس بالمؤنث، لا يقولون: ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل، لأنهم يقولون في جمع ضاربة: ضوارب، وقاتلة: قواتل، ولم يأت ذلك إلا في حرفين: إحداهما في جمع فارس: فوارس، لأن هذا مما لا يستعمل في النساء فأمنوا الالتباس، ويقولون في المثل: هو هالك في الهوالك، فاجروه على اصله فقال: "نواكس الأبصار"، ولا يكون مثل هذا أبداً إلا في ضرورة.
стр. 499
باب
لجرير وقد نزل بقوم من بني العنبر فلم يقروه
قال جرير ونزل بقوم من بني العنبر بن تميم فلم يقروه حتى اشترى منهم القرى فانصرف وهو يقول:
يا مالك بن طريفٍ إنّ بيعتكم ... رفد القرى مفسدّ للديّن والحسب
قالوا نبيعكه بيعاً فقلت لهم ... بيعوا الموالي واستحيوا من العرب
لولا كرام طريفٍ ما غفرت لكم ... بيعي قراي ولا أنسأتكم غضبي
هل أنتم غير أو شابٍ زعانفهٍ ... ريش الذّنابى وليس الرأس كالذّنب
وقوله: "يا مالك بن طريف" فمن نصب، فإنما هو على انه جعل "ابناً" تابعاً لما قبل، كالشيء الواحد، وهو اكثر في الكلام إذا كان اسماً علماً منسوباً إلى اسم علم، ابن مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد، ومثل ذلك:
يا حكم بن المنذر بن الجارود،١
ومن وقف على الاسم الأول، ثم جعل الثاني نعتاً لم يكن في الأول٢ إلا الرفع، لنه مفرد نعت بمضاف، فصار كقولك: يا زيد ذا الجمة.
وقوله: "ولا أنساكم غضبي"، يقول: لم أؤخره عنكم، يقال: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك، والنّسيء من هذا، ومعناه تأخير شهر عن شهر، وكانت النّسأة من بني مدلج بن كنانة، فأنزل الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ٣ لأنهم كانوا يؤخرون الشهور، فيحرمون غير الحرام، ويحلّون غير الحلال، لما يقدّرونه من حروبهم وتصرّفهم، فاستوت الشهور لمّا جاء الإسلام، وأبان ذلك رسول الله ﷺ في قوله: "إن الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السّموات والأرض".
وقوله:
هل انتم غير أو شابٍ زعانفةٍ
стр. 500
فالأشابة جماعة تدخل في قوم وليست منهم، وإنما هو مأخوذ من المر الأشب، أي المختلط، ويزعم بعض الرواة ان اصله فارسي أعرب، يقال بالفارسية: وقع القوم في آشوب [أي] ١ في اختلاط، ثم تصرّفت فقيل: تأشّب النبت، فصنع منه فعل٢.
وأما الزّعانف فأصلها أجنحة السّمك، قال أوس بن حجر:
ومازال يفري الشدّ حتّى كأنما ... قوائمه في جانبيه زعانف٣
وتزعم الرّواة أن ما أنفت منه جلّة الموالي هذا البيت، يعني قول جرير:
بيعوا الموالي واستحيوا من العرب
لأنه حطّهم ووضعهم، ورأى أن الإساءة إليهم غير محسوبة عيباً. ومثل ذلك قول المنتجع لرجل من الأشراف: ما علّمت والدك? قال: الفرائض، قال: ذلك قول المنتجع لرجل من الأشراف: ما علّمت والدك? قال: الفرائض، قال: ذلك علم الموالي لا أبالك! علمهم الرجز، فإنه يهرّث أشداقهم٤. ومن ذلك قول الشّعبيّ ومر بقوم من الموالي يتذكرون النحو فقال، لئن أصلحتموه إنكم لأوّل أفسده! ومن ذلك قول عنترة:
فما وجدنا بالفروق أشابةً ... ولا كشفا ولا دعينا موالياً٥
ومن ذلك قول الآخر:
يسمّوننا الأعراب العرب اسمنا ... وأسماؤهم فينا رقاب المزاود
يريد أسماؤهم عندنا الحمراء، وقول العرب: ما يخفى ذلك على الأسود والحمر. يريد العربيّ والعجميّ. وقال المختار لإبراهيم بن الأشتر يوم خازر٦ وهو اليوم الذي قتل فيه عبيد الله بن زياد: إن عامّة جندك هؤلاء الحمراء، وإن الحرب إن ضرّستهم هربوا، فاحمل العرب على متون الخيل، وأرجل الحمراء أمامهم.
стр. 501
ومن ذلك قول الأشعث بن قيس لعلي بن أبي طالب رحمة الله، وأتاه يتخطى رقاب الناس، وعليّ على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، غلبتنا هذه الحمراء على قربك، قال: فركض عليّ المنبرٌ برجله، فقال صعصعة بن صوجان العبديّ: مالنا ولهذا? يعني الشعث، ليقولنّ أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر، فقال عليٌّ من يعذرني من هذه الضّياطرة، يتمرّغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجّر قومٌ للذّكر، فيأمرني إن أطردهم، ما كنت لأطردهم فأكون من الجاهلين، والذي فلق الحبة، وبرأ النّسمة، ليضربنّكم على الدّين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً.
قوله: "الضياطرة" واحدهم ضيطرٌ وضيطارٌ، وهو الأحمر العضل الفاحش، قال خداش بن زهير:
وتركب خيلٌ لا هوادة بينها ... وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر
وإنما قال جريرٌ لبني العنبر:
هل أنتم غير أو شابٍ زعانفةٍ
لأن النّسّابين يزعمون ان العنبر بن عمرو بن تميم، إنما هو ابن عمرو بن بهراء، وأمّهم أم خارجية البجليّة التي يقال لها في المثل: "أسرع من نكاح أمّ خارجة"، فكانت قد ولدت في العرب في نيّفٍ وعشرين حياً من آباءٍ متفرقين، وكان يقول لها الرجل: خطبٌ? فتقول: نكحٌ! كذلك قال يونس بن حبيب، فنظر بنوها إلى عمرو بن تميم قد ورد بلادهم، فأحسّوا بأنه أراد أمتهم، فبادروا إليه ليمنعوه تزوّجها، وسبقهم لأنه كان راكباً، فقال لها: إنّ فيك لبقيّة? فقالت: إن شئت. . .، فجاؤوا وقد بنى عليها، ثم نقلها بعد إلى بلده، فتزعم الرواة أنها جاءت بالعنبر معها صغيراً، وأولدها عمرو بن تميم أسيّداً والجهيم والقليب، فخرجوا ذات يوم يستقون فقلّ عليهم الماء، فأنزلوا مائحاً من تميم، فجعل المائح يملأ الدلو إذا كانت للهجيم وأسيّد والقليب، فإذا وردت دلو العنبر تركها تضطرب، فقال العنبر:
قد رابني من دلوي اضطرابها ... والنّأي عن بهراء واغترابها
إلا تجيء ملأى يجيء قرابها١
فهذا قول النّسّابين.
стр. 502
وبروى أن رسول الله صلى اله عليه وسلم قال يوماً لعائشة رحمها الله، وقد كانت نذرت أن تعيق قوماً من ولد إسماعيل، فسبي قوم من بني العنبر، فقال لها رسول الله ﷺ : "إن سرّك ان تعتقي الصميم من ولد إسماعيل فأعتقي من هؤلاء". فقال النّسّابون: فبهراء من قضاعة، وقد قيل قضاعة من بني معدّ، فقد رجعوا إلى إسماعيل.
ومن زعم أن قضاعة من بني مالك بن حمير وهو الحق قال: فالنسب الصحيح في قحطان الرّجوع إلى إسماعيل وهو الحق وقول المبّرزين من العلماء: غنما العرب المتقدمة من أولاد عابر، ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهموالعماليق، فاما قحطان عند أهل العلم، فهو ابن الهميسع بن تيمن بن نبت بن قيذار بن إسماعيل ﷺ ، فقد رجعوا إلى إسماعيل، وقد قال رسول الله ﷺ لقوم من خزاعة وقيل من الأنصار: "ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً".
стр. 503
ليحيى بن نوفل يهجو العريان بن الهيثم
قال يحيى بن نوفل: "يهجو العريان بن الهيثم بن الأسود النّخعيّ، وكان العريان تزوج زباد" من ولد هانئ بن فبيصة الشيباني، وكانت عند الوليد بن عبد الملك فطلقها، فتزوجها العريان، وكان ابن نوفل له هجّاءً، فقال:
أعريان ما يدري امرؤ سيل عنكم ... أمن مذحجٍ تدعون أم من إياد!
فإن قلتم من مذحج إنّ مذحجاً ... لبيض الوجوه غير جدّ جعاد
وانتم صغار الهام حدلٌ كأنما ... وجوهكم مطليّةٌ بمداد
فإن قلتم الحيّ اليمانون أصلنا ... وناصرنا في كل يوم جلاد
فأطول بأيرٍ من معدّ ونزوةٍ ... نزت بإيادٍ خلف دار مراد
لعمر بني شيبان إذ ينكحونه ... زباد لقد ما قصّروا بزياد
أبعد الوليد أنكحوا عبد مذحجٍ ... كمنزيةٍ عيراً خلاف جواد
وأنكحها لا في كفاء ولا غنى ... زياد أضلّ الله سعي زياد
قوله:
أمن مذحج تدعون أم من إياد
стр. 504
فبنو مذحج بنو مالك بن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ ين يشجب بن يعرب بن قحطان. وإياد بن نزار بن معد بن عدنان، ويقال: إن النّخع وثقيفاً أخوان من إياد. فأما ثقيف فهو قسيّ بن منبّه بن بكر بن هوا زان بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن النصر، فهذا قول قوم. فأما آخرون فيزعمون ان ثقيفاً من بقايا ثمود، ونسبهم غامض على شرفهم في أخلاقهم، وكثرة مناكحهم قريشاٌ. وقد قال الحجاج على المنبر: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، والله يقول: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ ١. وقال الحجاج يوماً لبي العسوس الطائي: أيّ أقدم? أنزول ثقيف الطائف أم نزول طيّىء الجبلين? فقال أبو العسوس: إن كانت ثقيف من بكر بن هوزان فنزول طيّىء الجبلين قبلها، وغن كانت ثقيف من ثمود فهي اقدم، فقال الحجاج: يا أبا العسوس، اتّقني فإني سريع الخطفة للأحمق المهتوّك٢! فقال أبو العسوس٣:
يؤدّبني الحجاج تأديب أهله ... فلو كنت من أولاد يوسف ما عدا
وإني لأخشى ضربةً ثقفيّة ... يقدّ بها ممّن عصاه المقلّدا
على أنني ممّا أحاذر آمنٌ ... إذا قيل يوماً قد عتا المرء واعتدى
стр. 505
المغيرة بن شعبة وهند بنت النعمان بن المنذر
وقد كان المغيرة بن شعبة، وهو والي الكوفة، سار إلى دير هند بنت النعمان بن المنذر، وهي فيه عمياء مترهّبةٌ، فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب، فقالت: قولوا له: أمن ولد جبلة بن الأيهم أنت? قال: لا، قالت: أمن ولد المنذر بن ماء السماء?قال: لا، قالت فمن أنت? قال: المغيرة بن شعبة الثقفي، قالت: فما حاجتك? قال: جئتك خاطباً، قالت: لو كنت جئتني لجمال أو مال لأطلبتك، ولكنك أردت أتتشرّف بي في محافل العرب، فتقول: نكحت ابنة النعمان بن المنذر، وإلاّ فأيّ خير في اجتماع أعور وعمياء! فبعثت إليها: كيف
стр. 506
كان أمركم? فقالت: سأختصر لك الجواب. . . أمسينا مساءً، وليس في الأرض عربيّ إلا هو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض عربيّ إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه، قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف? قالت: اختصم إليه رجلان منهم، أحدهما ينميها إلى إياد، والآخر إلى بكر بن هوزان فقضى بها للإياديّ، وقال:
إنّ ثقيفاً لم تكن هوازناً ... ولتناسب عامراً ومازنا
يريد عامر بن صعصعة ومازن بن منصور، فقال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوزان، فليقل أبوك ما شاء!
стр. 507
في رثاء الأشتر
وقالت أخت الأشتر، وهو مالك بن الحارث النّخعيّ تبكّيه، وهذا الشعر رواه أبو اليقضان، وكان متعصباً:
أبعد الأشتر النّخعيّ نرجو ... مكاثرةً ونقطع بطن واد!
ونصب مذحجاً بإخاء صدق ... وإن ننسب فنحن ذرا إياد
ثقيف عمنا وأبو أبينا ... وإخوتنا نزار أولوا السّداد
قوله: "وانتم صغار الهام حدلٌ"، فلأحدل المائل العنق، يقال: قوس حدلاء إذا اعوجّت سيتها، قال الراجز:
لها١ متاعٌ ولهاةٌ فارض ... حدلاء كالزقّ نحاه الماخض
وأما قوله: "زباد" يا فتى، فله باب نذكره على وجهه باستقصاء بعد فراغنا من تفسير هذا الشعر.
وقوله: "لقد ما قصّروا". فما زائدة، مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ ٢، ولو قال: لقدماً قصّروا لم يكن جيداً، ودخل الوليد في الذم.
стр. 508
وقوله: "كمنزيةٍ عيراً خلاف جواد" يقول: بعد جواد، قال الله : ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ١.
وقوله: "لافي كفاء" يقال: هو كفؤك وكفؤك وكفيئك وكفاؤك، وإذا كان عديلك في شرف أو ما أشبه، كما قال الفرزدق:
وتنكح في أكفانها الحبطات
أول هذا البيت:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع
وآل مسمع: بيت بكر بن وائل، والحبطات هم بنو الحارث بن عمرو بن تميم، وإنما قال هذا الفرزدق حين بلغة أن رجلا من الحبطات خطب امرأة من بني دارم بن مالك، فأجابه رجل من الحبطات:
أما كان عبّادٌ كفيئا لدارم ... بلى ولأبياتٍ بها الحجرات
عبّاد، يعني بني هاشم، وقد تقدم هذا البيت للفرزدق في مواضع، وقال الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢، وقال عمر بن الخطاب ﵁: "لأمنعنّ النساء إلا من الأكفاء، وتحدّث أصحابنا عن الأصمعي عن إسحاق بن عيسى. قال: قلت لأمير المؤمنين الرّشيد أو المهديّ: يا أمير المؤمنين، من أكفاؤنا? قال: أعداؤنا، يعني بنى أميّة، وزيادٌ الذي ذكركان أخاها".
هذا التفسير ما كان من المؤنث على "فعال" مكسور الآخر.
وهو على أربعة أضرب، والأصل واحد.
قال أبو العباس: اعلم أنه لا يبنى شيء من هذا الباب على الكسر إلا وهو مؤنث معرفة معدولٌ عن جهته، وهو في المؤنث بمنزلة فعل، نحو عمر وقثم في المذكر، وفعل معدول في حال المعرفة عن فاعلٍ وكان فاعلٌ ينصرف، فلما عدل عنه فعل لم ينصرف، وفعال معدول عن فاعلة لا ينصرف في المعرفة فعدل إلى البناء، لأنه ليس بعد ما لا ينصرف إلا المبنيّ، وبني وبني على الكسر لأن في فاعلة
стр. 509
علامة التأنيث، وكان أصل هذا أن يكون إذا أردت به الأمر ساكناً كالمجزوم من الفعل الذي هو في معناه، فكسرته لالتقاء الساكنين، مع ما ذكرنا من علامة التأنيث والكسر مما يؤنث به فلم يخل من العلامة، تقول للمرأة: أنت فعلت، فالكسر علامة التأنيث، وكذلك إنك ذاهبة، ضربتك يا امرأة، فمما لا يكون إلا معرفة مكسوراً ما كان اسماً للفعل نحو نزال يا فتى، ومعناه انزل وكذلك تراك زيداً أي اتركه، فهما معدو لان عن المتاركة والمنازلة، وهما مؤنثان معرفتان، يدلك على التأنيث القياس الذي ذكرنا، قال الشاعر تصديقاً لذلك:
ولنعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ في الذّعر
فقال: دعيت لما ذكرته لك من التأنيث، وقال الآخر، وهو زيد الخيل:
وقد علمت سلامة أن سيفي ... كريهٌ كلما دعيت نزال
وقال الشاعر:
تراكها من إبل تراكها ... أما ترى الموت لدى أوراكها
أي اتركها. وقال آخر١:
حذار من أرحامنا حذار
وقال آخر٢:
نظار كي أركبه نظار
فهذا باب من الأربعة.
ومنها إن يكون صفة غالبة تحلّ محل الاسم، نحو قولهم للضّبع: جعار يا فتى، وللمنية حلاق يا فتى، لأنها حالقة، والدليل على التأنيث بعد ما ذكرنا قوله:
لحقت حلاق بهم على أكسائهم ... ضرب الرّقاب ولا يهمّ المغنم٣
وتقول في النداء يا فساق ويا خباث ويا لكاع، تريد يا فاسقة ويا خبيثة ويا لكعاء، لأنه في النداء في موضع معرفةٍ كما تقول للرجل: يا فسق ويا خبث ويا لكع٤، فهذا بابٌ ثانٍ.
стр. 510
ومن ذلك ما عدل عن المصدر نحو قوله١ يذمّ الخمر:
جماد لها جماد ولا تقولي ... طوال الدهر ماذكرت حماد
وقال النابغة الذبيانيّ:
إنّا اقتسمنا خطّتيننا بيننا ... فحملت برّدة واحتملت فجار٢
يريد: قولي لها جموداً، ولا تقولي لها حمداً، هذا المعنى، ولكنه عدل مؤنثاً. وهذا باب ثالث.
والباب الرابع ان تسمى امرأةً، أو شيئاً مؤنثاً باسم تصوغه على هذا المثال، نحو رقاش وحذام وقطام وما أشبه ذلك، فهذا مؤنث معدول عن راقشة وحاذمة وفاطمة، إذا سمّيت به، وأهل الحجاز يجرونه على قياس ماذكرت، لأنه معدول في الأصل وسمّيي به، فنقل إلى مؤنث كالباب الذي كان قبله، فلم يغيروه، فعلى ذلك قالوا:
اسق رقاش إنها سقّايه
وقال آخر:
إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإنّ القول ما قالت حذام
وينشدون:
وأقفر من سلمى شراء فيذبل
كذا وقع، والصحيح "فقد أقفرت سلمى شراء"، لأن قبله:
تأبّد من أطلال جمرة مأسل
والشعر للنّمر بن تولبٍ.
وأما بنو تميم فإذا أزالوه عن النعت فسمّوا به صرفوه في النكرة، ولم يصرفوه في المعرفة، وسيبويه يختار هذا القول، ولا يرادّ القول الاخر، فيقول: هذه رقاش قد جاءت، وهذه غلاب قد جاءت، وهذه غلاب أخرى، ولا اختلاف ببين العرب في صرفه إذا كان نكرة، وفي إعرابه في المعرفة، وصرفه في النكرة إذا كان اسماً لمذكر، نحو رجل تسميه نزال أو رقاش أو حلاق، فهو في النكرة إذا كان اسماً لمذكر، نحو رجل تسميه نزال أو رقاش أو حلاق، فهو بمنزلة رجل سميته بعناق أو أتانٍ، لن التأنيث قد ذهب عنه، فاحتج سيبويه في تصحيح هذا القول بأنك لو سمّيت شيئاً بالفعل الذي هو مأخوذ منه لعربنه، نحو أنزل وأضرب، لو سميت بهما رجلاً لجرى مجرى إصبع وأحمد إثمدٍ، ونحو ذلك فهذا يحيط بجميع هذا الباب.
стр. 511
لامرأة من بني عامر بن صعصعة زوجت في طيىء
قال أبو العباس، وقالت امرأة أحسبها من بني عامر بن صعصعة زوجت في طيىء.
لا تحمدنّ الدّهر أخت أخالها لها ... ولا ترثينّ الدّهر بنتٌ لوالد
هم جعلوها حيث ليست بحرّةٍ ... وهم طرحوها في الأقاصي الأباعد
ويروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: إنما النكاح رقٌّ لينظر امرؤٌ من يرقٌّ كريمته. وعلى هذا جاءت اللغة، فقالوا كنا في إملاك١ فلانٍ، وفي ملك فلان، وفي ملك فلان، وفي ملكة فلان. وفي ملكان فلان، ويقول الرجل: ملكت المرأة وأملكنيها وليّها، ومن ذلك أنّ يمين الطلاق إذا وقع فيها حنثٌ غنما يكون محلّها محلّ الإقرار بترك ما كان يملكه كالعتاق.
وقال رسول الله: "أوصيكم بالنساء فإنهنّ عندكم عوانٍ" أي أسيراتٌ، ويقال، عني فلانٌ في بني فلان إذا أقام فيهم اسيراً، ويقال: فلان يفكّ العناة، وأصل التغنية التذ ليل، وأصل الإسار الوثاق، ويقال للقتب مأسور إذا شدّ بالقدّ، هذا أصل هذا، فأما المثل في قولهم: إنما فلان غلٌّ قملٌ، فإنهم كانوا يتخذون الغلال من القدّ، فكانت تقمل.
стр. 512
لرجل يذكر امرأة زوجت من غير كفء
وقال رجل يذكر امرأةً زوّجت من غير كفء:
لقد فرح الواشون أن نال ثعلبٌ ... شبيهة ظبيٍ مقلتاها وجيدها
أضرّ بها فقد الوليّ فأصبحت ... بكف لئيم الوالدين يقودها
стр. 513
الرجل يعير إبراهيم بن النعمان بن بشير ورد إبراهيم عليه
ولما زوّج إبراهيم بن النعمان بن بشيرٍ الأنصاريّ يحيى بن أبي حفصة مولى عثمان بن عفّان ابنته على عشرين ألف درهم قال قائل يعيّره:
لعمري لقد جلّلت نفسك خزيةً ... وخالفت فعل الأكثر ين الأكارم
ولو كان جدّاك الّلذان تتابعا ... ببدرٍ لما راما ضيع الألائم
فقال إبراهيم بن النعمان يردّ عليه:
ما تركت عشرون ألفاً لقائل ... مقالاً فلا تحفل ملامة لائم
وإن أك قد زوّجت مولى فقد مضت ... به سنّةٌ قبلي وحبّ الدّراهم
стр. 514
للقلاخ بن حزن يخاطب يحيى بن أبي حفصة ورد يحيي عليه
وتزوّج يحيى بن أبي حفصة وهو مروان الشاعر، ويزعم النسّابون أن أباه كان يهودياً أسلم على يدي عثمان بن عفان ﵁، وكان يحيى من أجود الناس، وكان ذا يسار، فتزوج خولة بنت مقاتل بن طلبة١ بن قيس بن عاصم سيد الوبر بن سنان بن خالد بن منقر، ومهرها خرقاً، ففي ذلك يقول القلاخ بن حزنٍ:
لم أر أثواباً أجرّ لخزيةٍ ... وألأم مكسواً وألأم كاسيا
من الخرق الّلاتي صببن عليكم ... بحجرٍ فكنّ المبقيات البواليا
فقال يحيى بن أبي حفصة يجيبه:
تجاوزت حزناً رغبةً عن بناته ... وأدركت قيساً ثانياً من عنانيا
يقال ذلك للسّابق إذا تقدّم تقدّماً بيّناً فبلغ الغاية، فمن شأنه أن يثني عنانه فينظر إلى الخيل، وقال الشاعر:
فمن يفخر بمثل أبي وجدّي ... يجيء قبل السّوابق وهو ثاني
يريد ثاني عنانه، وقال القلاح في هذه القصة:
نبّئت خولة قالت حين أنكحها ... لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما ... في فيك ممّا رجوت الترب والحجر
стр. 515
لله درّ جيادٍ أنت سائسها ... برذنتها وبها التحجيل والغرر١
وقال جرير يعيّرهم:
رأيت مقاتل الطلبات حلّى ... فروج بناته كمر الموالي
لقد أنكحتم عبداً لعبدٍ٢ ... من الصّهب المشوّهة السبال
فلا تفخر بقيسٍ إنّ قيساً ... خرئتم فوق أعظميه البوالي
وقال آخر في مثل هذه القصة:
ألا يا عباد الله قلبي متيّمٌ ... بأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا
يدبّ على أحشائها كلّ ليلةٍ ... دبيب القرنبى بات يقرو٣ نقاً سهلا
القرنبى: دويبةٌ على هيئة الخنفس متقّطعة الظّهر، وربما كان في ظهر نقطة حمراء، وفي قوائمها طول الخنفس، وهي ضعيفة المشي.
стр. 516
للفرزدق في عطية أبي جرير
قال الفرزدق يعني عطيّة أبا جرير:
قرنبى يحكّ قفا مقرفٍ ... لئيمٍ مآثره فعدد١
وفي هذا الشعر يقول:
ألم تر أنّا بني دارم ... زرارة منّا أبو معبد
ومنّا الّذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توأد
ألسنا بأصحاب يوم النّسار٢ ... وأصحاب ألوية المربد
стр. 517
السنا الّذين تميمٌ بهم ... تسامي وتفخر في المشهد١
وناجية الخير والأقرعان ... وقبرٌ بكاظمة المورد٢
إذا ما أتى قبره عائدٌ ... أناخ على القبر بالأسعد٣
أيطلب مجد بني دارم ... عطيّة كالجعل الأسود٤
ومجد بني دارمٍ دونه ... مكان السّماكين والفرقد٥
قوله:
ألم تر أنّا بني دارم
منصوب على الاختصاص، وقد مضى تفسيره.
وزرارة الذي ذكر، هو زرارة بن عدس بن زيد بت عبد الله بن دارم، وكان زرارة يكنى أبا معبدٍ، وكان له بنون: معبدٌ، ولقيطٌ، وحاجبٌ وعلقمة، والمأموم.
ويزعم قوم أن المأمون هو علقمة، ومنهم شيبان بن زرارة وابنه يزيد بن شيبان النسّابة، وكان حاجبٌ أذكر القوم٦.
ورووا أن عبد الملك ذكر يوماً يني دارم فقال أحد جلسائه: يا أمير المؤمنين! هؤلاء قوم محظوظون! فقال عبد الملك: أتقولون ذلك وقد مضى منهم لقيط بن زرارة ولم يخلّف عقباً، ومضى القعقاع بن معبد بن زرارة ولم يخلّف عقباً، ومضى محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة ولم يخلّف عقباً! والله لا تنسى العرب هؤلاء الثلاثة أبداً.
стр. 518
وكان لقيط بن زرارة قتل يوم جبلة، وأسر حاجب فنودي، فزعم أبو عبيدة أنه لم يكن عكاظيٌّ أغلى فداء من حاجب، وكان أسره زهدمٌ١ العبسيّ، فلحقه ذو الرقيبة القشريّ، وبنو عبس يومئذ نازلةٌ في بني عامر بن صعصعة، فأخذه ذو الرقيبة بعزّة، وأنه في محل قومه فقال حاجب: لمّا تنازعني الرجلان خفت أن أقتل بينهما، فقلت: حكماني في نفسي، ففعلا فحكمت بسلاحي وركابي لزهدم، وبنفسي لذي الرقيبة، وكان حاجب يكنى أبا عكرشة، وكان أحلم قومه، وفي ذي الرقيبة يقول الشاعر٢:
ولقد رأيت القائلين وفعلهم ... فلدي الرقيبة مالكٍ فضل
كفّاه متلفةٌ ومخلفةٌ ... وعطاؤه متدفّقٌ جزل
ففدي حاجبٌ، وقتل في ذلك اليوم لقيطٌ، واسر عمرو بن عمرو بن عدس فلذلك يقول جرير يعير الفرزدق، لن الفرزدق من بني مجاشع بن دارم، وقد مضى ذكر هذا في الكتاب، ولجرير في قيسٍ خؤولة.
стр. 519
للفرزدق يهجو جريراً وجواب جرير عليه
فلما هجا الفرزدق قيساً في أمر قتيبة بن مسلم الباهلي، قال:
أتاني وأهلي بالمدينة وقعةٌ ... لآل تميم أقعدت كلّ قائم
كأن رؤوس النّاس إذا سمعوا بها ... مشدّخةٌ هاماتها بالأمائم١
وما بين من لم يعط سمعاً وطاعةً ... وبين تميم غير حرّ الحلاقم
أتغضب عن أذنا قتيبة حزّنا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازم
وما منهما غلا نقلنا دماغه ... إلى الشّام فوق الشّاحجات الرّواسم
تذبذب في المخلاة تحت بطونها ... محذّفة الأذناب جلح المقادم٢
وما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في الرؤوس الأعاظم
تخوّفنا أيام قيسٍ ولم تدع ... لعيلان أنفا مستقيم الخياشم
لقد شهدت قيسٌ فما كان نصرها ... قتيبة إلاّ عضّها بالأباهم٣
стр. 520
وقال جرير يجيبه:
أباهل ما أحببت قتل ابن مسلم ... ولا أن تروعوا قومكم بالمظالم
ثم قال يخوّف الفرزدق:
تحضّض يا ابن القين قيسا ليجعلوا ... لقومك يوماُ مثل يوم الأراقم١
كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجباً ... وعمرو بن عمروٍ إذ دعوا يا ل دارم
ولم تشهد الجونين والشّعث ذا الصّفا ... وشدات قيس يوم دير الجماجم
فيوم الصّفا كنتم عبيداً لعامر ... وبالحنو أصبحتم عبيد اللهازم
إذا عدّت الأيام أخزين دراماً ... وتخزيك يا أبن القين أيام دارم
أما قول الفرزدق:
كأن رءوس النّاس إذ سمعوا بها ... مشدّخةٌ هاماتها بالأمائم
فإن الشّجاع مختلفة الحكام، فإذا كانت الشّجّة شقيقا يدمى فهي الدامية، وإذا أخذت من اللحم شيئاً فهي الباضعة، وإذا أمضت في اللحم فهي المتلاحمة، فإذا هشمت العظم فهي الهاشمة، وإذا كان بينها وبين العظم جليدةٌ رقيقة فهي السمحاق، من أجل تلك الجليدة يقال ما على ترب الشاة من الشّحم إلا سماحيق، أي طرائق، فإذا خرجت منها عظام صغار فهي المنقّلة وإنذما أخذ ذلك من النّقل وهي الحجارة الصغار فإذا أوضحت عن العظم فهي الموضحة، فإذا خرقت العظم وبلغت أمّ الدّماغ وهي جليدةٌ قد ألبست الدماغ فهي الآمّة، وبعض العرب يسميها أمّ المأمومة، واشتقاق ذلك إفضاؤها إلى أم الدماغ ولا غاية بعدها، قال الشاعر:
يحج مأمومة في قعرها لجفٌ ... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد٢
وقال ابن غلفاء الهجيميّ يردّ بن عمرو بن الصعق في هجائه بني تميم:
فإنك من هجاء بني تميم ... كمزداد الغرام إلى الغرام
стр. 521
هم تركوك أسلح من حبارى١ ... رأت صقراً وأشرد من نعام
وهم ضربوك امّ الرّأس حتى ... بدت أمّ الشّئون من العظام٢
إذا يأسونها جشأت إليهم٣ ... شرنبثة القوائم أم هام٤
وابن خازم هو عبد الله بن خازم السّلميّ، وهو أحد غربان العرب في الإسلام، وكان من أشجع الناس، وقلته بنو تميم بخرسان، وكان الذي ولي قتله منهم وكيع بن الدّورقيّة القريعيّ. وقوله: فوق الشاحجات، يعني البغال. والرّسيم: ضرب من السير، وإنما عنى ههنا بغال البريد، لقوله:
محذّفة الأذناب جلح المقادم
كما قال امرؤ القيس:
على كل مقصوص الذّنابى معاودٍ ... بريد السّرى باللّيل من خيل بربرا٥
وكانت برد ملوك العرب في الجاهلية الخيل.
أما قول جرير: "الجونين"، فقد مضى ذكرهما، ويوم "دير الجماجم"، يريد الحجّاج في وقعته بدير الجماجم بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، وقوله:
وبالحنو أصبحتم عبيد اللهازم
فاللهازم بنو قيس بن ثغلبة، وبنو ذهل بن ثعلبة، وبنو تيم اللآت بن ثعلبة، وبنو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وبنو مازن بن صعب بن علي، ثم تلهزمت حنيفة لجيم فصارت معهم، وأما علقمة بن زرارة فإنه قتله بنو ضبيعة بن قيس بن ثعلبة فقتل به حاجب أخوه أشيم بن شراحيل القيسيّ، فقال ضبيعة بن قيس بن ثعلبة فقتل به حاجبٌ أخوه أشيم بن شراحيل القيسيّ، فقال حاجبٌ في ذلك:
فإن تقتلوا منا كريما فإنّنا ... أبأنا به مأوى الصّعاليك أشيما
قتلنا به خير الضبيعات كلها ... ضبيعة قيس لا ضبيعة أضجما
стр. 522
وكان يقال لأشيم: مأوى الصعاليك، وضبيعة أضجم الذي ذكر هو ضبيعة ابن ربيعة بن نزار رهط المتلمّس. هذا لقبهم.
وأما معبد بن زرارة فإن قيساً أسرته يوم رحرحان، فساروا به إلى الحجاز فأتى لقيطٌ في بعض الأشهر الحرم ليفديه، فطلبوا منه ألف بعير فقال لقيط: إنّ أبانا أمرنا ألا نزيد على المائتين، فتطمع فينا ذؤبان العرب، فقال معبد: يا أخي، افدني بمالي فإني ميتٌ. فأبى لقيطٌ، وأبى معبد أن يأكل أو يشرب، فكانوا يشحون فاه، ويصبّون فيه الطعام والشراب لئلا يهلك فيذهب فداؤه، فلم يزل كذلك حتى مات، فقال جرير يعيّر الفرزدق وقومه بذلك:
تركتم بوادي رحرحان نساءكم ... ويم الصّفا لاقيتم الشعب أوعرا
سمعتم بني مجدٍ دعوا يا ل عامر ... فكنتم نعاماً عند ذاك منقّرا
وأسلمت القلحاء في الغل معبداً ... ولاقى لقيط حتفه فتقطّرا
قوله:
سمعتم بني مجدٍ دعوا يا ل عامرٍ
يعني مجد بنت النضر بن كنانة ولدت ربيعة بن عامر بن صعصعة، وولده بنو كلاب وبنو كعب بن عامر بن ربيعة. والقلحاء لقب، والقلح ان تركب الأسنان صفرةٌ تضرب إلى السواد، ويقال لها الحبرة لشدة تأثيرها، أنشدني المازني:
لست بسعديّ على فيه حبرةٌ ... ولست بعبدي حقيبته التّمر
وزعم أبو الحسن الأخفش١، أن العرب تقول في هذا المعنى: "في أسنانه حبرة"، وليس ذلك بمعروف، ولم يأت اسم على "فعل" إلا إبل وإطل.٢
стр. 523
وقوله:
ولاقى لقيط حتفه فتقطّرا
يقال: قطّره لجنبيه وقتّره، لغتان، لأن التاء من مخرج الطاء، فإن رمى به على قفاه قيل: سلقه وسلقاه وبطحه لوجهه. فإن رمى به على رأسه قيل نكته.
رجع التفسير إلى شعر الفرزدق الأول:
أما قوله:
ومنا الذي منع الوائدات
فإنه يعني جدّه صعصعة بن ناجية بن عقالٍ، وكانت العرب في الجاهلية تئد البنات، ولم يكن هذا في جميعها إنما كان في تميم بن مرّة ثم استفاض في جيرانهم، فهذا قول واحد. وقال قوم آخرون: بل كان في تيم وقيس وأسدٍ وهذيل وبكر بن وائل، لقول رسول الله ﷺ : "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف". وقال بعض الرواة: "اشدد وطدتك"، والمعنى قريب يرجع إلى الثّقل، فأجدبوا سبع سنين حتى أكلوا الوبر بالدم، فكانوا يسمونه العلهز، ولهذا أبان الله تحريم الدم، ودلّ على ما من أجله قتلوا البنات فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ١، وقال: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ٢، فهذا خبيرٌ بيّن ان ذلك للحاجة، وقد روى بعضهم أنهم غنما فعلوا ذلك أنفةً.
стр. 524
إغارة النعمان بن المنذر على تميم
وذكر أبو عبيده بن المثنّى إن تميماً منعت النعمان الإتاوة، وهي الديان، فوجه إليهم أخاه الريّان بن المنذر، وكانت للنعمان خمس كتائب، إحداها الوضائع وهم قوم من الفرس كان كسرى يضعهم عنده عدّة ومدداً، فيقيمون سنة عند الملك من ملوك لخم، فإذا كان في رأس الحول ردّهم إلى أهليهم وبعث بمثلهم، وكتيبة يقال لها الشّبهاء وهي بيت الملك، وكانوا بيض الوجوه، يسمّون الأشاهب. وكتيبة ثالثة يقال لها الصنائع وهم صنائع الملك أكثرهم من بكر بن
стр. 525
وائل. وكتيبة رابعةٌ يقال لها الرهائن وهم قوم كان يأخذهم من كل قبيلة فيكونون رهناً عنده ثم يوضع مكانهم مثلهم. والخامسة دوسر وهي كتيبة ثقيلة تجمع فرساناً وشجعاناً من كل قبيلة، فأعزاهم أخاه١، وجلّ من معه بكربن وائل، فاستاق النّعم وسبى الذّراريّ، وفي ذلك يقول أبو المشمرج اليشكريّ:
لمّا رأوا راية النعمان مقبلةً ... قالوا ألا ليت أدنى دارنا عدن
يا ليت أمّ تميم لم تكن عرفت ... مرّا وكانت كمن أودى به الزمن
إن تقتلونا فأعيارٌ مجدّعةٌ ... أو تنعموا فقديماً منكم المنن٢
منهم زهير وعتّابٌ ومحتضرٌ ... ابنا لقيط وأودى في الوغى قطن
يقول النعمان في جواب هذا:
لله بكرٌ غداة الرّوع لو بهم ... أرمى ذرا حضنٍ زالت بهم حضن٣
إذ لا أرى أحداً في النّاس أشبههم ... إلاّ فوارس خامت عنهم اليمن٤
وهذا خبر طويل، فوفدت إليه بنو تميم فلما رآها أحب البقيا، فقال:
ما كان ضرّ تميماً لو تغمّدها ... من فضلنا ما عليه قيس عيلان
فأناب القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كل امرأة اختارت أباها ردّت إليه، وإن اختارت صاحبها تركت عليه. فكلّهن اختارت أباها، إلا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو بن المشمرج، فنذر قيس ألاّ تولد له ابنةٌ إلا قتلها. فهذا شيء يعتلّ به من وأد، ويقول: فعلناه أنفةً، وقد أكذب ذلك بما أنزل الله تعالى في القرآن. وقال ابن عباس ﵀ في تأويل هذه الآية: وكانوا لا يورثون، ولا يتخذون إلا من طاعن بالرّمح ومنع الحريم يريد الذّكران.
стр. 526
وفود صعصعة بن ناجية على رسول الله ﷺ
وروت الرواة: إن صعصة بن ناجية لما أتى رسول الله ﷺ ، قال:
стр. 527
يا رسول الله، إني كنت أعمل عملاً في الجاهلية أفينفعني ذلك اليوم? قال: "وما عملك?" قال: أضللت ناقتين عشرا وين، فركبت جملاً، ومضيت في بغائهما١. فرفع لي بيتٌ حريدٌ، فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين، فقال: ما نارهما? قلت: ميسم بني دارم، فقال: هما عندي وقد أحيا الله بهما قوماً من أهلك، من مضر. فجلست معه ليخرجا إليّ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت? فإن كان سقباً٢ شاركنا في أموالنا وإن كانت حائلاً وأدناها. فقالت العجوز: وضعت أنثى! فقلت أتبيعها? قال: وهل تبيع العرب أولادها?، قلت، إنما اشتري منك حياتها، ولا أشتري رقّها، قال: فبكم? قلت: احتكم، قال: بالناقتين والحمل، قال: قلت: ذاك لك، على أن يبلّغني الجمل وإيّاها. قال: ففعل، فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنّةٌ في العرب، على أن أشتري كل موءودة فقد أنقذها، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً ثبت عليه".
وكان ابن عباس يقرا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٣. وقال أهل المعرفة في قول الله : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ إنما تسأل تبكيتاً لمن فعل ذلك بها، كما قال الله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤.
وقوله: "وئدت"، إنما هو أثقلت بالتراب، يقال للرجل: اتّئد أي تثبّت. وتثقّل، كما يقال: توفّر، قال قصيرٌ صاحب جذيمة٥:
ما للجمال مشيهاً وئيداً ... أجندلآً يحملن أم حديدا
أم صرفاناً بارداً شديداَ٦
стр. 528
وقوله: "أضللت ناقتين عشرا وين"، أضللت، ضلّتا مني، وتحقيقه: صادفتهما ضالتين، كما قال١:
أو وجد شيخ أضلّ ناقته ... حين تولىّ الحجيج فاندفعوا
والعشراء: الناقة التي قد اأتى عليها منذ حملت عشرة أشهر، وإنما حمل الناقة سنةٌ.
وقوله: "ما نارهما"? يريد ما وسمهما? كما قال:
قد سقيت آبالهم بالنّار ... والنّار قد تشفي من الأوار
أي عرف وسمهم فلم يمنعوا الماء.
وقوله: "فإذا بيت حريد" يقول: متنحّ عن الناس، وهذا من قولهم: انحرد الجمل، إذا تنحى من الإناث فلم يبرك معها، ويقال في غير هذا الموضع: حرد حردة، أي قصده، قال الراجز:
قد جاء سيلٌ جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلّة
وقالوا في قوله : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ ٢، أي: على قصدٍ كما ذكرنا.
وقالوا: هو أيضاً "على منع"، من قولهم: حاردت الناقة إذا منعت لبنها، وحاردت السّنة إذا منعت مطرها، والبعير الحرد: هو الذي يضرب بيده، وأصله الامتناع من المشي. وأما قوله:
.............................. ... وقبرٌ بكاظمة المورد
إذا ما أتى قبره خائفٌ ... أناخ على القبر بالأسعد
فإنه يعني قبر أبيه غالب بن صعصعة بن ناجية، وكان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه، وكان أبوه جواداً شريفاً. ودخل الفرزدق البصرة في إمرة زياد، فباع إبلاً كثيرة وجعل يصرّ أثمانها، فقال له رجل: إنك لتصرّ أثمانها، ولو كان
стр. 529
غالب بن صعصعة ما صرّها. ففتح الفرزدق تلك الصّرر ونثر المال. وبلغ الخبر زياداً فطلبه، فهرب الفرزدق، وله في هربه حديث طويل، واستجارته بسعيد بن العاص بالمدينة، نذكره بعد هذا إن شاء الله.
стр. 530
جماعة استجاروا بقبر غالب
فممّن استجار بقبر غالب فأجاره الفرزدق امرأة من بني جعفر بن كلاب، خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر بن كلاب أن يسمّيها ويسبّها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسماً ولا نسباً، ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب:
عجوزٌ تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والّدي عاذت به لا أضيرها
ومن ذلك أن الحجاج لما ولّى تميم بن زيد القينيّ السّند، دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت: إني استجرت بقبر أبيك، واتت منه بحصياتٍ، فقال لها: وما شأنك! فقالت: إن تميم ابن زيد خرج بابن لي معه ولا قرّة لعيني ولا كاسب لي غيره، فقال لها: وما أسم ابنك? فقالت: خنيسٌ، فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص:
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهر فلا يعيا عليّ جوابها
وهب لي خنيساًواحتسب فيه منّه ... لعترة أم ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السّافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام انّك ماجدٌ ... وليثٌ إذا ما الحرب شبّ شهابها
فلما ورد الكتاب على تميم، تشكّك في الاسم فقال: أحبيش? أم خنيسٌ? ثم قال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا? فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس فوجّه بهم إليه.
ونهم مكاتب لبنى منقر، ظلع بمكاتبته١، فأتى قبر غالب فاستجار به، وأخذ منه حصيات فشدّهنّ في عمامته، ثم أتى الفرزدق فاخبره، وقال: إني قد قلت شعراً، فقال: هاته، فقال: