← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وفود صعصعة بن ناجية على رسول الله ﷺ وروت الرواة: إن صعصة بن ناجية لما أتى رسول الله ﷺ ، قال:

стр. 527

يا رسول الله، إني كنت أعمل عملاً في الجاهلية أفينفعني ذلك اليوم? قال: "وما عملك?" قال: أضللت ناقتين عشرا وين، فركبت جملاً، ومضيت في بغائهما١. فرفع لي بيتٌ حريدٌ، فإذا شيخ جالس بفناء الدار، فسألته عن الناقتين، فقال: ما نارهما? قلت: ميسم بني دارم، فقال: هما عندي وقد أحيا الله بهما قوماً من أهلك، من مضر. فجلست معه ليخرجا إليّ، فإذا عجوز قد خرجت من كسر البيت، فقال لها: ما وضعت? فإن كان سقباً٢ شاركنا في أموالنا وإن كانت حائلاً وأدناها. فقالت العجوز: وضعت أنثى! فقلت أتبيعها? قال: وهل تبيع العرب أولادها?، قلت، إنما اشتري منك حياتها، ولا أشتري رقّها، قال: فبكم? قلت: احتكم، قال: بالناقتين والحمل، قال: قلت: ذاك لك، على أن يبلّغني الجمل وإيّاها. قال: ففعل، فآمنت بك يا رسول الله، وقد صارت لي سنّةٌ في العرب، على أن أشتري كل موءودة فقد أنقذها، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفعك ذلك، لأنك لم تبتغ به وجه الله وإن تعمل في إسلامك عملاً صالحاً ثبت عليه". وكان ابن عباس يقرا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٣. وقال أهل المعرفة في قول الله : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ إنما تسأل تبكيتاً لمن فعل ذلك بها، كما قال الله تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٤. وقوله: "وئدت"، إنما هو أثقلت بالتراب، يقال للرجل: اتّئد أي تثبّت. وتثقّل، كما يقال: توفّر، قال قصيرٌ صاحب جذيمة٥: ما للجمال مشيهاً وئيداً ... أجندلآً يحملن أم حديدا أم صرفاناً بارداً شديداَ٦

стр. 528

وقوله: "أضللت ناقتين عشرا وين"، أضللت، ضلّتا مني، وتحقيقه: صادفتهما ضالتين، كما قال١: أو وجد شيخ أضلّ ناقته ... حين تولىّ الحجيج فاندفعوا والعشراء: الناقة التي قد اأتى عليها منذ حملت عشرة أشهر، وإنما حمل الناقة سنةٌ. وقوله: "ما نارهما"? يريد ما وسمهما? كما قال: قد سقيت آبالهم بالنّار ... والنّار قد تشفي من الأوار أي عرف وسمهم فلم يمنعوا الماء. وقوله: "فإذا بيت حريد" يقول: متنحّ عن الناس، وهذا من قولهم: انحرد الجمل، إذا تنحى من الإناث فلم يبرك معها، ويقال في غير هذا الموضع: حرد حردة، أي قصده، قال الراجز: قد جاء سيلٌ جاء من أمر الله ... يحرد حرد الجنة المغلّة وقالوا في قوله : ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ ٢، أي: على قصدٍ كما ذكرنا. وقالوا: هو أيضاً "على منع"، من قولهم: حاردت الناقة إذا منعت لبنها، وحاردت السّنة إذا منعت مطرها، والبعير الحرد: هو الذي يضرب بيده، وأصله الامتناع من المشي. وأما قوله: .............................. ... وقبرٌ بكاظمة المورد إذا ما أتى قبره خائفٌ ... أناخ على القبر بالأسعد فإنه يعني قبر أبيه غالب بن صعصعة بن ناجية، وكان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه، وكان أبوه جواداً شريفاً. ودخل الفرزدق البصرة في إمرة زياد، فباع إبلاً كثيرة وجعل يصرّ أثمانها، فقال له رجل: إنك لتصرّ أثمانها، ولو كان

стр. 529

غالب بن صعصعة ما صرّها. ففتح الفرزدق تلك الصّرر ونثر المال. وبلغ الخبر زياداً فطلبه، فهرب الفرزدق، وله في هربه حديث طويل، واستجارته بسعيد بن العاص بالمدينة، نذكره بعد هذا إن شاء الله.

стр. 530

جماعة استجاروا بقبر غالب فممّن استجار بقبر غالب فأجاره الفرزدق امرأة من بني جعفر بن كلاب، خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر بن كلاب أن يسمّيها ويسبّها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسماً ولا نسباً، ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب: عجوزٌ تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والّدي عاذت به لا أضيرها ومن ذلك أن الحجاج لما ولّى تميم بن زيد القينيّ السّند، دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت: إني استجرت بقبر أبيك، واتت منه بحصياتٍ، فقال لها: وما شأنك! فقالت: إن تميم ابن زيد خرج بابن لي معه ولا قرّة لعيني ولا كاسب لي غيره، فقال لها: وما أسم ابنك? فقالت: خنيسٌ، فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص: تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي ... بظهر فلا يعيا عليّ جوابها وهب لي خنيساًواحتسب فيه منّه ... لعترة أم ما يسوغ شرابها أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السّافي عليها ترابها وقد علم الأقوام انّك ماجدٌ ... وليثٌ إذا ما الحرب شبّ شهابها فلما ورد الكتاب على تميم، تشكّك في الاسم فقال: أحبيش? أم خنيسٌ? ثم قال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا? فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس فوجّه بهم إليه. ونهم مكاتب لبنى منقر، ظلع بمكاتبته١، فأتى قبر غالب فاستجار به، وأخذ منه حصيات فشدّهنّ في عمامته، ثم أتى الفرزدق فاخبره، وقال: إني قد قلت شعراً، فقال: هاته، فقال:

стр. 531

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الرّدى أو ان اردّ على قسر بقبر امرئ تقري١ المئين عظامه ... ولم يك غلاّ غالباً ميّتٌ يقري فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر فقال له الفرزدق: ما اسمك? قال: لهذم، قال: يالهذم، حكمك مسمّطاً، قال: ناقة كوماء سوداء الحدقة، قال: يا جارية، اطرحي إلينا حبلاً، ثم قال: يا لهذام اخرج بنا إلى المريد، فألقه في عنق ما شئت. فتخير العبد على عينه، ثم رمى الحبل في عنق ناقةٍ وجاء صاحبها، فقال له الفرزدق: اغد عليّ في ثمنها، فجعل لهذا يقودها والفرزدق يسوقها حتى إذا نفذ بها من بيوت إلى الصحراء، صاح به الفرزدق: يا لهذام، قبح الله أخسرنا! [قوله: "تقري المئين عظامه"، يريد أنهم كانوا ينحرون الإبل عند قبور عظامهم، فيطعمون الناس في الحياة وبعد الممات، وهذا معروف في أشعارهم] . وقوله: ولم يك إلا غالباً ميتٌ يقري فإنه نصب غالباً لأنه استثناء مقدم، وإنما انتصب الاستثناء المقدم لما أذكره لك، إن حق الاستثناء إذا كان الفعل مشغولاً به أن يكون جارياً عليه، لا يكون فيه إلا هذا، تقول: ما جاءني إلا عبد الله، وما مررت إلا بعبد الله. فإن كان الفعل مشغولاً بغيره فكان موجباُ، لم يكن في المستثنى إلا النصب، نحو جاءني إخوتك غلا زيداً، كما قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ٢، ونصب هذا على معنى الفعل، وإلا دليلٌ على ذلك. فإذا قلت: جاءني القوم، لم يؤمن أن يقع عند السامع أن زيداً أحدهم، فإذا قال: إلا زيداً، فالمعنى لا أعني فيهم زيداً، وأو أستثني ممن ذكرت زيداً. ولسيبويه فيه تمثيل، والذي ذكرت أبين منه، وهو مترجم عما قال، غير مناقض له. وإن كان الأول منفياً جاز البدل والنصب، والبدل أحسن، لأن الفعل الظاهر أولى بأن يعمل من المختزل الموجود بدليل، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وما مررت

стр. 532

بأحدٍ إلا زيدٍ، والفصل بين المنفي والموجب، أن المبدل من الشيء يفرّغ له الفعل، فأنت في المنفي إذا قلت: ما جاءني إلا زيدٌ، لأنه بدل من أحد، والموجب لا يكون فيه البدل، لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيداً، لم يجز حذف الأول، لا نقول: جاءني إلا زيد، وإن شئت إن تقول في النفي: ما جاءني أحد إلا زيد جاز، ونصبه بالاستثناء الذي شرحت لك في الواجب. والقراءة الجيدة ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ١، وقد قرئ ﴿إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ ، على ما شرحت لك في الواجب، والقراءة الأولى. فإذا قدّمت المستثنى بطل البدل، لأنه ليس قبله شيء يبدل منه، فلم يكن فيه إلا وجه الاستثناء، فتقول: ما جاءني إلا أباك أحدٌ، وما مررت إلا أباك بأحدٍ. وكذلك تنشد هذه الأشعار، قال كعب بن مالك الأنصاري لرسول الله ﷺ : الناس ألبٌ علينا فيك ليس لنا ... إلا السّيوف وأطراف القنا وزر ٢ وقال الكميت بن زيد: فمالي إلا آل أحمد شيعةٌ ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب لا يكون إلا هذا، وليونس قول مرغوب عنه، فلذلك لم نذكره. وقوله: "فقال لي استقدم أمامك"، مخبرٌ عن الميّت بالقول، فإن العرب وأهل الحكمة من العجم تجعل كلّ دليل قولاً، فمن ذلك قول زهير: أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلّم وإنما كلامها عنده ان تبين بما يرى من الآثار فيها، من قدم أهلها وحدثان عهدهم. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: هلاّ وقفت على المعاهد والجنان، فقلت: أيها الجنان، من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك? فإنها إن لم تجبك حوراً٣ أجابتك اعتباراً!

стр. 533

وأهل النظر يقولون في قول الله : ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ١، لم يكن كلامٌ، إنما فعل ما أراد فوجد، قال الراجز: قد خنق الحوض وقال قطني ... سلا رويداً قد ملأت بطني ولم يكن كلامٌ، إنما وجد ذلك فيه. وكذلك قوله: فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر أي: قد جرّب مثل هذا منك في المستجير بقبره.

стр. 534

لهو النعمان بن المنذر وحدثني العباس بن الفرج الرّياشيّ في إسنادٍ قد ذهب عني أكثره، قال: نزل النعمان بن المنذر ومعه عدّي بن زيد في ظلّ شجرةٍ مونقةٍ، ليلهو النّعمان هناك، فقال له عدّي بن زيد: أيها الملك، أبيت اللّعن! أتدري ما تقول هذه الشجرة? قال: وما الذي تقول? قال: تقول٢: [من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موفٍ على قرن زوال وصرف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال] ربّ ركبٍ قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزّلال [والأباريق عليها فدمٌ٣ ... وجياد الخيل تردي في الجلال عمروا الدهر بعيشٍ حسنٍ ... قطعوا دهرهم غير عجال] ثم أضحوا عصف الدّهر بهم ... وكذاك الدّهر حالاً بعد حال قال: فتنغّص النعمان. وهذا في الأمثال كثيرٌ، وفي الأشعار السائرة. وأما قوله "حكمك مسمّطاً" فإعرابه أنه أراد: لك حكمك مسمّطاً، واستعمل هذا فكثر، حتى حذف استخفافاً، لعلم السامع بما يريد القاتل، كقولك: "الهلال والله"، أي: هذا الهلال، وأغنى عن قوله: "هذا"، القصد والإشارة. وكان يقال لرؤبة: كيف أصبحت؟ فيقول: خير عافاك الله. فلم يضمر حرف الحفض، ولكنه حذف لكثرة الاستعمال. والمسمّط: المرسل غير المردود٤. والكوماء: العظيمة السّنام.

стр. 535

باب أبو رافع مولى الرسول ﵇ قال أبو العباس: قال الليثيّ١: اعتق سعيد بن العاصي أبا رافع إلا سهماً واحداً فيه، من أسهم لم يسمّ عددها لنا، فاشترى رسول الله ﷺ ذلك السهم فاعتقه. وكان لأبي رافع بنون أشراف، منهم عبيد الله بن رافع، وحديثه أثبت الحديث عليّ بن أبي طالب، وكان كالكاتب له، وكان عبيد الله بن أبي رافع شريفاً، وكان عبيد الله ينسب إلى ولاء رسول الله ﷺ ، فلما ولي عمرو بن سعيد الأشدق المدينة لم يعمل شيئاً قبل إرساله إلى عبيد الله بن أبي رافع، فقال له: مولى من أنت? فقال: مولى رسول الله ﷺ ، فأبرزه فضربه مائة سوطٍ، ثم قال له: مولى من أنت? فقال: مولى رسول الله ﷺ ، فضربه مائة أخرى. فلما رأى عبد الله غير راجع، وأن عمراً قد ألحّ عليه في ضربه، قام إلى عمروٍ فقال له: اذكر الملح، فأمسك عنه. والملح ههنا اللّبن، يريد الرّضاع، كما قال أبو الطّمحان القينيّ: وإنّي لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا ٢ [كذا وقعت الرواية، والصواب "أغبر" لأن قبله: ولو علمت صرف البيوع لسرّها ... بمكّة أن تبتاع حمضاً بإذخر٣ قاله ش] . وكما قال الآخر٤: لا يبعد الله ربّ العباد ... والملح ما ولدت خالده

стр. 536

ويروى أن عبيد الله بن أبي رافع أتى الحسن بن علي بن أبي طالب فقال: أنا مولاك، فقال في ذلك مولى لتمّام بن عبد المطّلب، يعذله ويعيّره: جحدت بني العباس حقّ أبيهم ... فما كنت في الدّعوى كريم العواقب متى كان أولاد البنات كوارث ... يحوز ويدعى والداً في المناسب! يريد انّ العباس أولى بولاء مولى رسول الله ﷺ ، لأن العمّ مدعوٌّ والداّ في كتاب الله تعالى، وهو يحوز الميراث. وقال رجلٌ من الثّقفيّين: أنشدت مروان بن أبي حفصة هذين البيتيتن، فوقع عندي أنه من هذا أخذ قوله: أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام ألغى سهامهم الكتاب فما لهم ... ان يشرعوا فيه بغير سهام وقال طاهر بن عليّ بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس للطالبيين: لو كان جدّكم هناك وجدّنا ... فتنازعا فيها لوقت خصام كان التّراث لجدّنا من دونه ... فحواه بالقربى وبالإسلام حقّ البنات فريضةٌ معروفةٌ ... والعمّ أولى من بني الأعمام وذكر الزّبيريون عن ابن الماجشون قال: جاءني رجل من ولد أبي رافع، فقال: إنّي قد قاولت رجلاً من موالي بعض العرب، فقلت: أنا خيرٌ منك، فقال: بل أنا خير منك، فما الذي يجب لي عليه? فقلت: ليس في هذا شيء، فقال: أنا مولى رسول الله ﷺ ويزعم أنه خير مني! قال: قلت: قد يتصرّف هذا على غير الحسب، قال: فلما رآني لا أٌقضي له بشيء قال لي: أنت دافع مغرماً١ لأن ولائي ولاء عنده ليس في موضعٍ مرضيّ? قال وصدق: في بني تيمٍ لتيمٍ من هو أشرف ولاء منّي.

стр. 537

أسامة بن زيد يقاول عمرو بن عثمان وحدثت أن أسامة بن زيد قاول عمرو بن الخطاب في أمر ضيعة يدّعيها كلّ واحدٍ منهما، فلجّت يهما الخصومة، فقال عمرو: يا أسامة، أتأنف أن تكون

стр. 538

مولاي! فقال أسامة: والله ما يسرّني بولائي من رسول الله ﷺ نسبك! ثم ارتفعا إلى معاوية، فلجّا بين يديه في الخصومة، فتقدم سعيد بن العاصي إلى جانب عمرو، فجعل يلقّنه الحجة، فتقدم الحسن إلى جانب أسامة يلقّنه، فوثب عتبة بن أبي سفيان، فصار مع عمرو، ووثب الحسين فصار مع أسامة، فقام عبد الرحمن ابن أم الحكم، فجلس مع عمرو، فقام عبد الله بن العباس فجلس مع أسامة، فقام الوليد بن عقبة فجلس مع عمرو، فقام عبد الله بن جعفر فجلس مع أسامة، فقال معاوية: الجليّة عندي حضرت رسول الله ﷺ وقد أقطع هذه الضّيعة أسامة. فانصرف الهاشميون، وقد قضي لهم، فقال الأمويون لمعاوية: هلاّ إذ كانت هذه القضية عندك بدأت بها قبل التحزّب، أو أخّرتها عن هذا المجلس! فتكلم بكلام يدفعه بعض الناس.

стр. 539

الحجاج بن يوسف وسعيد بن جبير وكان الذي اعتدّ بعه الحجاج بن يوسف على سعيد بن جبير لمّا أتي به إليه بعد انقضاء أمر ابن الأشعث، وكان سعيدٌ عبداً لرجل من بني أسد بن خزيمة، فاشتراه سعيد بن العاصي في مائة عبدٍ فاعتقهم جميعاً، فقال له الحجّاج: يا شقي بن كسيرٍ، أما قدمت الكوفة، وليس يؤم بها إلا عربيّ فجعلتك إماماً! قال: بلى، قال: أفما ولّيتك القضاء فضجّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح القضاء إلا لعربي، فاستقضيت أبا بردة بن أبي موسى الشعري وأمرته ألا يقطع أمراً دونك! قال: بلى، قال: أو ما جعلتك في سمّارى وكلهم من رؤوس العرب! قال: بلى، قال: أو ما أعطيتك مائة ألف درهم لتفرّقها في أهل الحاجة، ثم لم أسألك عن شيء منها! قال: بلى، قال: فما أخرجك عليّ ? قال: بيعةٌ كانت لابن الأشعث في عنقي، فغضب الحجّاج، ثم قال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين بعد الملك في عنقك قبل? والله لأقتلنّك، يا حرسيّ، اضرب عنقه. ونظر الحجّاج فإذا جلّ من خرج مع عبد الرحمن، من الفقهاء وغيرهم، من الموالي، فأحبّ ان يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب، ويخلطهم بأهل القرى والأنباط. فقال: إنما الموالي علوج، وإنما أتي بهم من القرى، فقراهم أولى بم، فأمر بتسييرهم من الأمصار وإقرار العرب بها، وأمر ان ينقش على يد كل إنسان منهم اسم قريته. وطالت ولايته. فتوالد القوم هناك، فخبثت لغات أولادهم، وفسدت طبائعهم. فلمّا قام

стр. 540

سليمان بن عبد الملك اخرج من كان في سجن الحجّاج من المظلومين، فيقال إنه أخرج في يوم واحدٍ ثمانين ألفاً، وردّ المنقوشين، فرجعوا في صورة الأنباط، ففي ذلك يقول الراجز: جاريةٌ لم تدر ما سوق الإبل ... أخرجها الحجّاج من كنّ وظل لو كان بدرٌ حاضراً وابن حمل ... ما نقشت كفّاك في جلد جلل وقال شاعرٌ لأهل الكوفة لمّا استقضي عليها نوح بن درّاج١: يا أيّها الناس قد قامت قيامتكم ... إذ صار قاضيكم نوح بن درّاج لو كان حيّا له الحجّاج ما سلمت ... كفّاه ناجيةً من نقش حجّاج ويروى عن حسّان، المعروف بالنبطيّ صاحب منارة حسّان في البطيحة٢ قال: أريت الحجّاج فيما يرى النائم، فقلت: أصلح الله الأمير! ما صنع الله بك? فقال: يا نبطيّ، أهذا عليك! قال: فرأيتنا لانفلت من نقشه في الحياة، ومن شتمه بعد الوفاة! ويروى عن حسان أنه قصّ هذه الرؤيا على محمد ين سيرين، فقال له ابن سيرين: لقد رأيت الحجّاج بالصّحة.

стр. 541

حديث الجحاف والأخطل قال أبو العباس: وحدّثت من ناحية الزّبيريين أن الجحّاف بن حكيم دخل على عبد الملك، والأخطل عنده، فلما بصر به الأخطل قال: ألا أبلغ الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر! فقال الجحّاف: بلى سوف نبكيهم بكل مهنّد ... ونبكي عميراً بالرماح الخواطر

стр. 542

ثم قال: يا ابن النّصرانيّة، ما ظننتك تجترىء عليّ بمثل هذا ولو كنت مأسوراً لك! فحمّ الأخطل خوفاً، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه، فقال: يا أمير المؤمنين، هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجبرني منه في النّوم! ومن هذا أو نحوه أخذ السّلميّ قوله: [قال أبو الحسن: هو أشجع السّلميّ يقوله للرشيد] : وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمدٍ ... رصدان ضوء الصّبح والإٌظلام فإذا تنبّه رعته وإذا هدا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام

стр. 543

هرب العديل من الحجاج وكان العديل بن الفرخ العجليّ هارباً من الحجاج، فجعل لا يحلّ ببلدة إلاّ ريع لأثر يراه من آثار الحجّاج فيهرب، حتى أبعد، ففي ذلك يقول العديل: يخشوننى الحجاج حتى كأنما ... يحرك عظم في الفؤاد مهيض١ ودون يد الحجاج من أن تنالنى ... بساط لأيدى اليعملات عريض٢ فلم ينشب أن أتى به الحجاج، ففى ذلك يقول العديل: فلو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاجٍ عليّ دليل بنى قبّة الإسلام حتّى كأنّما ... أتى الناس من بعد الضّلال رسول أجأ وسلمى: جبلاً طيّىء، و"أجأ" مهموز، وغنما هو "أجا" مقصورٌ، فاعلم، قال زيد الخيل: جلبنا الخيل من أجإ وسلمى ... تخب نزائعا خبب الذّئاب٣ والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمزة قلبها، إن كانت الهمزة مكسورة جعلها ياء، او ساكنةً جعلها على حركة ما قبلها، وإن كانت مفتوحة وقبلها فتحةٌ جعلها ألفاً، وإن كان مفتوحة وقبلها كسرةُ جعلها ياء، وإن كانت مفتوحة وقبلها ضمةُ جعلها واواً، قال الفرزدق: راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع وقال حسّان بن ثابت: سالت هذيلٌ رسول الله فاحشةً ... ضلّت هذيلٌ بما سالت ولم تصب! وقال عبد الرحمن بن حسّان: وكنت أذلّ من وتدٍ بقاعٍ ... يشجج رأسه بالفهر واجي

стр. 544

قول الفرزدق في عزل مسلمة بن عبد الملك هم العراق وأما الفرز دق، فإنه يقول لمّا عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق بعد قتله يزيد بن المهلّب لحاجة الخليفة إلى قربه وولي عمر بن هبيرة. راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة لا هناك المرتع ولقد علمت إذا فزارة أمرت ... أن سوف تطمع في الإمارة أشجع فأرى الأمور تنكرت أعلامها ... حتى أمية عن فزارة تنزع١ عزل ابن عمروٍ وابن بشرٍ قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقّع ففي جواب هذا يقول الأسدي٢ لمّا ولي خالد بن عبد الله القسريّ: بكت المنابر من فزارة شجوها ... فالآن من قسرٍ تضح وتخشع وملوك خندف أسلمونا للعدا ... لله درّ ملكونا ما تصنع! [كانوا كتاركةٍ بينها جانباً ... سفهاً وغيرهم تصون وترضع] ٣ وأما حسان: سالت هذيل رسول الله فاحشة فليس من لغتة "سلت أسال"، مثل: "خفت أخاف"، و"هما يتساولان"، هذا من لغة غيره، وكانت هذيل سألت رسول الله ﷺ ان يحل لها الزّنا.

стр. 545

مفاخرة بين أسدي وهذلي ويروى أن أسديّاً وهذليّاً تفاخرا، فرضيا برجل، فقال: إني ما أقضي بينكما إلا أن تجعلا لي عقداً وثيقاً ألا تضربا ولا تشتما، فإنّي لست في بلاد قومي،

стр. 546

ففعلا. فقال: يأخا بني أسدٍ، كيف تفاخر العرب وأنت تعلم انه ليس حيّ أحبّ إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف، ولا أقل تحت الرايات منكم! وأما أنت يا أخا هذيل، فكيف تكلم الناس وفيكم خلال ثلاثٌ: كان منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خولة ذات النّحيين، وسألتم رسول الله ﷺ أن يحلّ لكم الزّنا! ولكن إذا أردتما بيتي مضر، فعليكما بهذين الحيّين من تميم وقيس، قوماً في غير حفظ الله! وأما بيت عبد الرحمن بن حسّان فإنه يقوله لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي وكان يهاجيه، فقال له في كلمته: وأما قولك الخلفاء منا ... فهم منعوا رويدك من وداج١ ولولاهم لكنت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داجي وكنت أذل من وتدٍ بقاع ... يشجج رأسه بالفهر واجي٢ وكان أحد من هرب من الحجاج سوّار بن المضرّب٣ ففي ذلك يقول: أقاتلي الحجّاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا٤ فإن كان لا يرضيك٥حتى تردّني ... إلى قطريّ ما إخالك راضيا إذا جاوزت درب المجيزين ناقتى ... فباست أبى الحجاج لما ثنانيا٦ أيرجو بنو مروان سمعى وطاعتى ... وقومى تميم والفلاة ورائيا وورائي هنا بمعنى: أمامي، قال الله : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي﴾ ٧. وقال جل ثناؤه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ ٨.

стр. 547

محمد بن عبد الله النميري والحجاج وممن هرب من الحجاج محمد بن عبد الله بن نميرٍ الثّقفيّ، وكان يشبّب بزينب بنت يوسف، أخت الحجاج، وهو القائل فيها: تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت ... به زينب في نسوةٍ عطرات يخبّئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطرا الليل معتجرات في كلمة له، فلما أتي به الحجاج قال: هاك يدي ضاقت بي الأرض رحبها ... وإن كنت قد طوفت كلّ مكان فلو كنت بالعنقاء أو بأسومها١ ... لخلتك إلا ان تصد تراني [من رفع "رحبها" فعلى البدل، ومن نصب فعلى الظرف، قاله ش. و"أسومها" بفتح الهمزة وبالضم، والفتح أحسن، ش] . ثم قال: والله أيها الأمير، إن قلت إلا خيراً، وإنما قلت: يخبّئن أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات فعفا عنه، ثم قال له: أخبرني عن قولك: ولمّا رأت ركب النّمريّ أعرضت ... وكنّ من أن يلقينه حذرات ما كنتم? قال: كنت على حمار هزيل، ومعي صاحبّ لي على أتانٍ مثله.

стр. 548

مالك بن الريب والحجاج وممّن هرب منه مالك بن الرّيب المازنيّ، أحد بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وفي ذلك يقول: إن تنصفونا يال مروان نقترب ... إليكم وإلاّ فأذنوا ببعاد فإنّ لنا عنكم مزاحاً ومزحلا ... بعيسٍ إلى ريح الفلاة صواد١ ففي الأرض عن دار المذلّة مذهب ... وكلّ بلادٍ أوطنت كبلادي

стр. 549

كذا وقعت الرواية بضم الهمزة وكسر الطاء، والأصحّ "أوطنت" بفتح الهمزة وفتح الطاء، قاله ش. فماذا ترى الحجّاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد١ فلولا بنو مروان كان ابن يوسفٍ ... كما كان عبداً من عبيد إياد زمان هو العبد المقرّ بذلّةٍ ... يراوح صبيان القرى ويغادي قال ذلك لأن الحجاج كان هو وأخوه معلّمين بالطائف، وكان لقبه "كليباً"، وفي ذلك يقول القائل: أينسى كليبٌ زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر رغيفٌ له فلكه ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر٢ يقول: خبز المعلّمين يأتي مختلفاُ، لأنه من بيوت صبيان مختلفي الأحوال. وأنشد أبو عثمان عمرو بنى بحر الجاحظ: أما رأيت بني بحر وقد حفلوا ... كأنّهم خبز بقّال وكتّاب هذا طويلٌ وهذا حنبلٌ جحدٌ ... يمشون خلف عمير صاحب الباب٣ وفي لقبه يقول آخر من أهل الطائف: كليبٌ تمكّن في أرضكم ... وقد كان فينا صغير الخطر ولما دخل الحجاج مكة اعتذر إلى أهلها لقلة ما وصلهم به، فقال قائل منهم: إذن والله لا نعذرك وأنت أمير العراقيين وابن عظيم القريتين! وذلك أنّ عروة بن مسعود ولده من قبل امّه. وتأويل قول الله : ﴿َقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٤. مجازه في العربية: على رجل من رجلين من القريتين عظيم. القريتان: مكة والطائف، والرجلان: عروة بن مسعود، والآخر الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن ع مر بن مخزوم. ويروى إن أبا بكر الصديق ﵁ مرّ بقبره ومعه خالد، فقال: أصبح جمرة في النار، فأجابه خالد في ذلك بجواب غير مرضيّ.

стр. 550

مقتل عروة بن مسعود وأما عروة بن مسعود فإن رسول الله ﷺ بعثه إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، فرقي سطحه، فرماه رجلٌ بسهم فقتله، فلما وجّه رسول الله ﷺ العباس ابن عبد المطلب ﵁ إلى أهل مكة أبطأ عليه، فقال: "ردوا عليّ أبي، أما لئن فعلت به قريشٌ ما فعلت ثقيفٌ بعروة بن مسعود لأضرمنّها عليهم ناراً". يقال: رقيت السطح وما كان مثله أرقاه، مثل خشيته أخشاه، كما قال الله ﵎: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ ١، ويقال: رقيت اللّديغ أرقيه، مثل رميته أميه. ويقال: ما رقأت عينه من الدمع، مهموزٌ ترقأ يا فتى، مثل قرأت تقرأ يا فتى.

стр. 551

في موت ابن الحجاج وأخيه وكان الحجاج رأى في منامه ان عينيه قلعتا، فطلّق الهندين: هنداً بنت المهلّب، وهنداً بنت أسماء بن خارجة، فلم يلبث ان جاءه نعيّ أخيه من اليمن في اليوم الذي مات فيه ابنه محمدٌ، فقال: هذا والله تأويل رؤياي، ثم قال: إنّا لله وإن إليه راجعون! محمّدٌ ومحمّدٌ في يوم واحدٍ! حسبي بقاء الله من كلّ ميّت ... وحسبي رجاء الله من كلّ هالك إذا كان ربّ العرش عنّي راضياً ... فإن شفاء النفس فيما هنالك١ وقال: من يقول شعراً يسليني به? فقال الفرزدق: إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهما ... فقدان مثل محمدٍ ومحمد ملكان قد خلت المنابر منهما ... أخذ الحمام عليهما بالمرصد

стр. 552

فقال: لو زدتني! فقال الفرزدق: إنّي لباكٍ على ابني يوسف جزعاً ... ومثل فقدهما للدّين يبكيني ما سدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهما ... إلا الخلائف من بعد النّبيّين فقال له: ما صنعت شيئاً، إنما زدت في حزني، فقال الفرزدق: لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍ ... تكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا من المصطفى والمصطفى من خيارهم ... جناحيه لمّا فارقاه فودّعا أخ كان أغنى أيمن الأرض كلّه ... وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا جناحا عقاب فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا فقال: الآن. أما قوله: "إلا الخلائف من بعد النّبيين"، فخفض هذه النون، وهي نون الجمع، وإنما فعل ذلك لنه جعل الإعراب فيها لا فيما قبلها، وجعل هذا الجمع كسائر الجمع، نحو أفلس، ومساجد. وكلاب، فإن إعراب هذا كإعراب الواحد، وإنما جاز ذلك لأن الجمع يكون على أبنية شتّى، وإنما يلحق منه بمنهاج التثنية ما لاختلاف معانيه، ما كان على حد التثنية لا يكسّر الواحد عن بنائه، وإلاّ فلا، فإنّ الجمع كالواحد، لاختلاف معانيه، كما تختلف معاني الواحد، والتثنية ليست كذلك، لأنه ضربٌ واحدٌ، ولا يكون اثنان اكثر مت اثنين عدداً، كما يكون الجمع أكثر من الجمع، فمما جاء على هذا المذهب قولهم: هذه سنينٌ، فاعلم، وهذه عشرينٌ فاعلم، قال العدوانيّ: إنّي أبيٌّ ذو محافظةٍ ... وابن أبي من أبيّين وأنتم معشرٌ زيدٌ على مائةٍ ... فأجمعوا كيدهم طرّاً فكيدوني وقال سحيم بن وثيل: وماذا يدّري الشعراء منّي ... أخو خمسين مجتمعٌ أشدّي وقد جاوزت حدّ الأربعين ... ونجّذني مداورة الشّؤون وفي كتاب الله : ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ ١.

стр. 553

فإن قال قائل: فإن "غسلينا" واحدٌ، فإنه كلّ ما كان على بناء الجمع من الواحد فإعرابه كإعراب الجمع، ألا ترى انّ "عشرين" ليس لها واحد من لفظها، وإعرابها كإعراب "مسلمين" واحدهم "مسلمٌ"! وكذلك جميع الإعراب. وتقول: "هذه فلسطون" يافتى، و"رأيت فلسطين" يافتى، هذا القول الأجود وكذلك "يبرين" وفي الرفع "يبرون" يافتى، وكلّ ما أشبه هذا فهو بمنزلته، تقول: "قنّسرون"، و"رأيت قنسرين"، والأجود في هذا البيت١: وشاهدنا الجلّ والياسمو ... ن والمسمعات بقضّابها٢ وفي القرآن ما يصدق ذلك قول الله : ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ٣، فمن قال: "هذه قنّسرون ويبرون". فنسب إلى واحد منهما رجلاً أو شيئاً قال: "هذا رجل قنّسريّ ويبريّ"، بحذف النون والواو، لمجيء حرفي النّسب، ولو أثبتهما لكان في الاسم رفعان ونصبان وجرّان، لأن الياء مرفوعةٌ، والواو علامة الرفع. ومن قال: "قنّسرين" كما ترى قال في النّسب: "قنّسرينّي" لأن الإعراب في حرف النّسب، وانكسرت النون كما ينكسر كلّ ما لحقه النّسب. وأما قوله: "ونجّذني مداورة الشّؤون"، فمعناه: فهّمني وعرّفني، كما يقال: حنّكته التّجارب، والناجذ: آخر الأضراس، ذلك قولهم: ضحك حتى بدت نواجذه. والشؤون: جمع "شأن" مهموز، وهو الأمر. وقال المفسرون من أهل الفقه وأهل اللغة في قول الله ﵎: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ هو غسالة أهل النار. وقال النحويّون: هو "فعلينٌ" من الغسالة.

стр. 554

كلمة عمر بن عبد العزيز في الولاة الظالمين ويروى أن عمر بن عبد العزيز خرج يوماً فقال: الوليد بالشّام، والحجّاج بالعراق، وقرّة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيّان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن! امتلأت الأرض والله جوراً! .

стр. 555

كتاب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك كتب الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك بعد وفاة محمد بن يوسف: "أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله انه أصيب لمحمد بم يوسف خمسون ومائة ألف دينار، فإن لكن أصابها من حلّها فرحمه الله، زإن تكن من خيانة فلا رحمة الله"! فكتب إليه الوليد: "أما بعد، فقد قرأ أمير المؤمنين كتابك فيما خلّف محمد بن يوسف، وإنما أصاب ذلك المال من تجارة له أحللناها، فترحّم عليه، ﵀"!

стр. 556

من كلام معاوية لابنه يزيد ويروى أن يزيد بن معاوية قال لمعاوية في يوم بويع له على عهده، فجعل الناس يمدحونه ويقرظونه: "يا أمير المؤمنين، والله ما ندري، أنخدع الناس أم يخدعوننا"! فقال له معاوية: "كل من أردت خديعته فتخادع لك حتّى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته"!.

стр. 557

كتاب الحجاج إلى عبد الملك ويروى أن الحجاج كتب إلى عبد الملك بن مروان: "وبلغني أن أمير المؤمنين عطس عطسة فشمّته قومٌ، فقال: يغفر الله لنا ولكم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيماً"!

стр. 558

تفجع الوليد لموت الحجاج وزعم الأصمعيّ قال: خرج الوليد يوماً على الناس وهو مشعانّ الرّأس، فقال: مات الحجاج بن يوسف، وقرّة بن شريك. وجعل يتفجّع عليهما. قوله: "مشعانّ الرأس" يعني منتفخ الشّعر١ متفرّقه. ومثل هذا يكون في شعر، لأن في هذا التقاء ساكنين، ولا يقع مثل هذا في وزن الشعر، إلا فيما تقدم ذكره في المتقارب، وليس ذا على ذلك الوزن.

стр. 559

رسول عمر بن عبد العزيز إلى إليون ملك الروم وحدثت أنّ عمر بن عبد العزيز ﵁ وجّه عبد الله بن عبد الأعلى ومعه رجلٌ من عنس إلى إليون، فقال العنسيّ: فخلا بي عمر دونه، وقال لي: احفظ كلّ ما يكون منه، فلما صرنا إليه صرنا إلى رجل عربيّ اللسان، وغنما نشأ بمرعش١، فذهب عبد الله ليتكلّم، فقلت: على رسلك، فحمدت الله وصليت على نبيه ﷺ ، ثم قلت: إنّي وجّهت بالذي وجّه بع هذا، إنّ أمير المؤمنين يدعوك إلى الإسلام، فإن تقبله تصب رشدك، وإني لأحسب أنّ الكتاب قد سبق عليك بالشّقاء، إلاّ أن يشاء الله غير ذلك، فإن قبلت وإلاّ فاكتب جواب كتابنا. قال: ثم تكلّم عبد الله، فحمد الله وصلى على نبيه ﷺ ، وذهب في القول وكان مفوّهاً فقال له إليون: يا عبد الله! ما تقول في المسيح? فقال: روح الله وكلمته، فقال: أيكون ولدٌ من غير فحلٍ! فقال عبد الله: في هذا نظرٌ! فقال: أي نظرٍ في هذا?إما نعم وإما لا! فقال عبد الله: آدم خلقه الله من تراب، إنّ هذا اخرج من رحم، قال: في هذا نظر! قال إليون بالروميّة: إنّي أعلم انك لست على ديني ولا على دين الذي أرسلك قال: وأنا أفهم بالرّومية ثم قال: أتعطون يوماً غير يوم الجمعة? فقال: نعم، فقال: وما ذلك اليوم، أمن أعيادكم هو? فقال: لا، قال: فلم تعظمونه? قال: عيدٌ لقوم كانوا صالحين قبل أن يصير إليكم، قال: فقال له إليون بالرومية: قد علمت أنّك لست على ديني ولا على دين الذي أرسلك، فقال له عبد الله: أتدري ما يقول أهل السّفه? قال: وما يقولون? قال: إبليس: أمرت ألا أسجد إلا لله، ثم قيل لي: اسجد لآدم، قال: فقال له بالرومية: الأمر فيك أبين من ذلك، قال: ثن كتب جواب كتبنا، قال: فرجعنا إلى عمر بها، قال: فخبّرناه بما أردنا ثم نهضنا، فردّني إليه من باب الدار فخلا بي، فأخبرته، فقال: لعنه الله! لقد كانت نفسي تأباه، ولم أحسبه يجترئ على مثل هذا، قال: فلما خرجت قال لي عبد الله: ما الذي قال لك? قال: قلت، قال لي: أتطمع فيه? قلت: لا.

стр. 560

الشعبي عند صاحب الروم ولما وجّه عبد الملك الشّعبيّ إلى صاحب الروم فكلّمه، قال له صاحب الروم بعد انقضاء ما بينهما: أمن أهل بيت المملكة أنت?قال: قلت لا، ولكني رجلٌ

стр. 561

من العرب، قال: فكتب معي رقعةً، وقال لي: إذا أديت جواب ما جئت له فأدّ هذه الرقعة إلى صاحبك، قال: فلمّا رجعت إلى عبد الملك فأعطيته جواب كتابه وخبّرته بما دار بيننا نهضت، ثم ذكرت الرقعة، فرجعت فدفعتها إليه، فلمّا ولّيت دعاني، فقال لي: أتدري ما في هذه الرقعة? فلت: لا، قال: فيها: "العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف ولّوا أمورهم غيره". قال: فلمّا ولّيت دعاني، فقال لي: أفتدري ما أراد بهذا، قلت: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن أقتلك، قال: فقلت: إنما كثرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك، قال: فرجع عن كلام إلى ملك الروم، فقال: لله أبوه! ما عدا ما في نفسي!

стр. 562

معاوية وأحد بطارقة الروم وحثت أن معاوية، كان إذا أتاه عن بطريق من بطارقة الروم كيدٌ للإسلام احتال له، فأهدى إليه وكاتبه، حتى يعزي به ملك الروم، فكانت رسله تأتيه فتخيره بأن هناك بطريقاً يؤذي الرّسل، ويطعن عليهم، ويسيء عشرتهم، فقال معاوية: أيّ ما في عمل الإسلام أحب إليه? فقيل له: الخفاف الحمر، ودهن البان. فألطفه بهما، حتى عرفت رسله باعتياده، ثم كتب كتاباً إليه، كأنه جواب كتابه منه، يعلمه فيه أنه وثق بما وعده به من نصره وخذلان ملك الروم. وأمر الرّسول بأن يتعرّض لأن يظهر على الكتاب، فمّا ذهبت رسله في أوقاتها ثم رجعت إليه، قال: ما حدث هناك? قالوا: فلانٌ البطريق رأيناه مقتولاً مصلوباً، فقال: وأنا أبو عبد الرحمن١!

стр. 563

رسول ملك الروم عند معاوية وحدّثت أن ملك الرّوم في ذلك الأوان وجّه إلى معاوية: "إن الملوك قبلك كانت ترسل الملوك منّا، ويجتهد بعضهم في أن يغرب على بعض، أفتأذن في ذلك"? فأذن له، فوجّه إليه برجلين: أحدهما طويلٌ جسيمٌ، والآخر أيدٌ، فقال معاوية لعمرو١: أما الطويل فقد أصبنا كفأه وهو قيس بن سعد بن عبادة وأما

стр. 564

الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال: هاهنا رجلان، كلاهما إليك بغيضٌ: محمد بن الحنفيّة، عبد الله بن الزّبير، فقال معاوية: من هو أقرب إلينا على حالٍ. فما دخل الرجلان وجّه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيسٌ، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله فرمى بها إلى العلج، فلبسها فنالت ثندوته١، فأطرق مغلوباً، فحدثت أن قيساً ليم في ذلك، فقيل له: لم تبذّلت هذا التّبذّل بحضرة معاوية، هلاّ وجّهت إلى غيرها! فقال: أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود وألا يقولوا: غاب قيسٌ وهذه ... سراويل عاديّ نمته ثمود وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلاسيد ومسود بذّ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وحسمٌ به أعلو الرّجال مديد وكان قيسٌ سناطاً٢، فكانت الأنصار تقول لوددنا أنا اشترينا لحيةً بأنصاف أموالنا وسنذكر خبرة بعد القضاء إن شاء الله. ثم وجّه إلى محمد بن الحنفيّة، فدخل، فخبّر بما دعي له، فقال فقولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنات القاعد. فاختار الروميّ الجلوس، فأقامه محمدٌ، وعجز الروميّ عن إقامته، فانصرفا مغلوبين.

стр. 565

معاوية يهدي ملك الروم قارورة مملوءةً ماء وحدثني أحد الهاشميّين: أن ملك الرّوم وجّه إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إليّ فيها من كل شيء، فبعث إلى أبن عباس، قال: لتملأ له ماءً، فما ورد بها على ملك الروم قال: لله أبوه ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك? فقال: لقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١
следующие страницы →