من العرب، قال: فكتب معي رقعةً، وقال لي: إذا أديت جواب ما جئت له فأدّ هذه الرقعة إلى صاحبك، قال: فلمّا رجعت إلى عبد الملك فأعطيته جواب كتابه وخبّرته بما دار بيننا نهضت، ثم ذكرت الرقعة، فرجعت فدفعتها إليه، فلمّا ولّيت دعاني، فقال لي: أتدري ما في هذه الرقعة? فلت: لا، قال: فيها: "العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف ولّوا أمورهم غيره". قال: فلمّا ولّيت دعاني، فقال لي: أفتدري ما أراد بهذا، قلت: لا، قال: حسدني عليك، فأراد أن أقتلك، قال: فقلت: إنما كثرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يترك، قال: فرجع عن كلام إلى ملك الروم، فقال: لله أبوه! ما عدا ما في نفسي!
стр. 562
معاوية وأحد بطارقة الروم
وحثت أن معاوية، كان إذا أتاه عن بطريق من بطارقة الروم كيدٌ للإسلام احتال له، فأهدى إليه وكاتبه، حتى يعزي به ملك الروم، فكانت رسله تأتيه فتخيره بأن هناك بطريقاً يؤذي الرّسل، ويطعن عليهم، ويسيء عشرتهم، فقال معاوية: أيّ ما في عمل الإسلام أحب إليه? فقيل له: الخفاف الحمر، ودهن البان. فألطفه بهما، حتى عرفت رسله باعتياده، ثم كتب كتاباً إليه، كأنه جواب كتابه منه، يعلمه فيه أنه وثق بما وعده به من نصره وخذلان ملك الروم. وأمر الرّسول بأن يتعرّض لأن يظهر على الكتاب، فمّا ذهبت رسله في أوقاتها ثم رجعت إليه، قال: ما حدث هناك? قالوا: فلانٌ البطريق رأيناه مقتولاً مصلوباً، فقال: وأنا أبو عبد الرحمن١!
стр. 563
رسول ملك الروم عند معاوية
وحدّثت أن ملك الرّوم في ذلك الأوان وجّه إلى معاوية: "إن الملوك قبلك كانت ترسل الملوك منّا، ويجتهد بعضهم في أن يغرب على بعض، أفتأذن في ذلك"? فأذن له، فوجّه إليه برجلين: أحدهما طويلٌ جسيمٌ، والآخر أيدٌ، فقال معاوية لعمرو١: أما الطويل فقد أصبنا كفأه وهو قيس بن سعد بن عبادة وأما
стр. 564
الآخر الأيد فقد احتجنا إلى رأيك فيه، فقال: هاهنا رجلان، كلاهما إليك بغيضٌ: محمد بن الحنفيّة، عبد الله بن الزّبير، فقال معاوية: من هو أقرب إلينا على حالٍ. فما دخل الرجلان وجّه إلى قيس بن سعد بن عبادة يعلمه، فدخل قيسٌ، فلما مثل بين يدي معاوية نزع سراويله فرمى بها إلى العلج، فلبسها فنالت ثندوته١، فأطرق مغلوباً، فحدثت أن قيساً ليم في ذلك، فقيل له: لم تبذّلت هذا التّبذّل بحضرة معاوية، هلاّ وجّهت إلى غيرها! فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وألا يقولوا: غاب قيسٌ وهذه ... سراويل عاديّ نمته ثمود
وإني من القوم اليمانين سيد ... وما الناس إلاسيد ومسود
بذّ جميع الخلق أصلي ومنصبي ... وحسمٌ به أعلو الرّجال مديد
وكان قيسٌ سناطاً٢، فكانت الأنصار تقول لوددنا أنا اشترينا لحيةً بأنصاف أموالنا وسنذكر خبرة بعد القضاء إن شاء الله.
ثم وجّه إلى محمد بن الحنفيّة، فدخل، فخبّر بما دعي له، فقال فقولوا له إن شاء فليجلس وليعطني يده حتى أقيمه أو يقعدني، وإن شاء فليكن القائم وأنات القاعد. فاختار الروميّ الجلوس، فأقامه محمدٌ، وعجز الروميّ عن إقامته، فانصرفا مغلوبين.
стр. 565
معاوية يهدي ملك الروم قارورة مملوءةً ماء
وحدثني أحد الهاشميّين: أن ملك الرّوم وجّه إلى معاوية بقارورة، فقال: ابعث إليّ فيها من كل شيء، فبعث إلى أبن عباس، قال: لتملأ له ماءً، فما ورد بها على ملك الروم قال: لله أبوه ما أدهاه! فقيل لابن عباس: كيف اخترت ذلك? فقال: لقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١
стр. 566
طعم الماء
وقيل لرجل من بني هاشم وهو جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين، وكان يقدّم في معرفته: ما طعم الماء? فقال: طعم الحياة.
стр. 567
عبد الله بن الزبير وعلاج لحيته
وأما عبد الله بن الزبير فيذكر أهله أنه قال: عالجت لحيتي لتتّصل لي إلى أن بلغت ستّين سنةً، فلما أكملتها يئست منها.
стр. 568
من أخبار قيس بن سعد
وكان قيس بن سعدٍ شجاعاً جواداً سيّداً، وجاءته عجوز قد كانت تألفه، فقال لها. كيف حالك? فقالت: ما في بيتي جرذٌ، فقال: ما أحسن ما سألت! أما والله لأكثرنّ جرذان بيتك.
وكان سعد بن عبادة حيث توجّه إلى حوران قسم ماله بين ولده، وكان له حملٌ لم يشعر به، فما ولد له، قال له عمر بن الخطّاب يعني قيساً لأنقضنّ ما فعل سعدٌ، فجاءه قيسٌ، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيبي لهذا المولود، ولا تنقض ما فعل سعدٌ.
قال أبو العباس: حدّثت بهذا الحديث من حيث أثق به: أنّ أبا بكر وعمر ﵄ مشيا إلى قيس بن سعد يسألانه في أمر هذا المولود، فقال: نصيبي له، لا أغيّر ما فعل سعد.
وكان معاوية كتب إلى قيس بن سعد وهو والي مصر لعلي بن أبي طالب ﵁ "أما بعد، فإنّك يهوديّ ابن يهوديّ، إن غلب أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن غلب أبغضهما إليك قتلك، ومثّل بك، وقد كان أبوك فوق سهمه، ورمى غرضه، فأكثر الحزّ، واخطأ المفصل، حتى خذله قومه، وأدركه يومه، فمات غريباً بحوران، والسلام".
فكتب إليه قيسٌ: "أما بعد، فإنك وثن ابن وثنٍ، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك، دخلت في الدين كرهاً، وخرجت منه طوعاً، وقد كان أبي فوق
стр. 569
سهمه، ورمى غرضه، فسعيت عليه أنت وأبوك ونظراؤك، فلم تشقّوا غباره، ولم تدركوا شأوه، ونحن أنصار الدّين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي خرجت إليه، والسلام".
وكان قيسٌ موصوفاُ مع جماعةٍ قد بذّوا الناس طولاً وجمالاً، منهم: العباس ابن عبد المطلب ﵀ وولده، وجرير بن عبد الله البجليّ، والأشعث بن قيس الكنديّ، وعديّ بن حاتم الطائيّ، وابن جذل الطعّان الكنانّي، وأبو زبيدٍ الطائيّ، وزيد الخيل بن مهلهل الطائيّ، وكان أحد هؤلاء يقبّل المرأة على الهودج، وكان يقال للرجل منهم مقبّل الظعن، وكان طلحة بن عبيد الله موصوفاً بالتمام.
стр. 570
باب
لسليك بن السّلكة
قال أبو العباس: قال السليك ابن السّكة وهي أمه، وكانت سوداء حبشيّةً وكان من غربان العرب، وهو السّليك بن عميرٍ السّعديّ:
ألا عتبت عليّ فصار متني ... وأعجبها ذوو اللّمم الطّوال
فإنّي يا ابنة القوام أربي ... على فعل الوضيّ من الرّجال
فلا تصلي بصعلوك نؤوم ... إذا أمسى يعدّ من العيال
ولكن كلّ صعلوكٍ ضروب ... بنصل السّيف هامات الرّجال١
أشاب الرأس أنّي كلّ يوم ... أرى لي خالةً وسط الرّحال
يشقّ عليّ أن يلقين ضيماً ... ويعجز عن تخلّصهن مالي
قوله:
وأعجبها ذوو اللّمم الطّوال
يعني: الجمم، وإن شئت قلت: الجمام، يقال "جمّةٌ وجممٌ"، كقولك "ظلمةٌ وظلمٌ"، ويقال "جمامٌ" كقولك: "جفرةٌ وجفارٌ"٢ و"برمةٌ وبرامٌ".
قال الشاعر:
إما تري لمّتي أودي الزمان بها ... وشيّب الدهر أصداغي وأفوادي
وقوله:
على فعل الوضيّ من الرجال
يريد: الجميل، وهو "فعيلٌ" من "وضؤ يوضؤ" يافتى، تقديره "كرم يكرم، وهو كريم"، ومصدره "الوضاءة" وكذلك "قبح يقبح قباحةً"، و"سمج يسمج سماجةً"، ويقال: "ما كنت وضيئا"، و"لقد وضؤت بعدنا".
وقوله: "فلا تصلي بصعلوكٍ"، يقول: لاتتّصلي به، كما قال ابن أحمر:
ولا تصلي بمطروقٍ إذا ما ... سرى في القوم أصبح مستكيناً
стр. 571
وإذا شرب المرضّة قال أوكي ... على ما في سقائك قد روينا١
فالصعلوك: الذي لا مال له، قال الشاعر٢:
كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكاً إذا ما تموّلا
وقوله: "نئوم" يصفه بالبلادة والكسل، وكانت العرب تمدح بخفّة الرؤوس عن النوم، وتذمّ النّومة، كما قال عبد الملك لمؤدب ولده: علمهم العوم، وخذهم بقلّة النوم. وإنما توجّع لخالاته لأنهن كنّ إماء.
стр. 572
النجباء من أولاد السراري
ويروى عن رجل من قريش -لم يسمّ لنا- قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب، فقال لي يوماً: من أخوالك? فقلت: أمي فتاةٌ، فكأنّي نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر الخطاب ﵁، فلما خرج من عنده قلت: ياعمّ! من هذا? فقال: يا سبحان الله! أتجهل مثل هذا من قومك! هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، قال: ثم أتاه لقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنده، فجلس عنده ثم نهض، فقلت: ياعمّ من هذا? فقال: أتجهل من أهلك مثله! ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، فأمهلت شيئاً حتى جاءه عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت: ياعمّ، من هذا? قال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله! هذا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قلت: فمن أمه? قال: فتاةٌ، قال، قلت يا عم! رأيتني نقصت في عينك لمّا علمت أني لأم ولد، أفما لي في هؤلاء إسوةٌ! قال: فجللت في عينه جداً.
وكانت أمّ عليّ بن الحسين "سلافة" من ولد يزدجرد، معروفة النّسب، وكانت من خيرات النّساء.
ويروى أنه قيل لعليّ بن الحسين ﵀: إنك من أبر الناس، ولست تأكل مع أمك في صفحة? فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها فأكون قد عققتها.
стр. 573
وكان يقال له: ابن الخيرتين١ لقول رسول الله ﷺ : "لله من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريشٌ، ومن العجم فارس".
وكانت سلافة عمّة أمّ يزيد النّاقص أو أختها.
وقال رجلٌ من ولد الحكم بن أبي العاصي، يقال له عبيد الله بن الحر وكان شاعرا متقدّماً، وكان لأمّ ولدٍ، وهو من ولد مروان بن الحكم:
فإن تك أمّي من نساءٍ أفاءها ... جياد القنا والمرهفات الصّفائح
فتباً لفضل الحرً إن لم أنل به ... كرائم أولاد النّساء الصّرائح
وإنما أخذ هذا من قول عنترة:
وأنا امرؤ منم خير منصباُ ... شطري٢ وأحمي سائري بالمنصل
وأنشد لبلال بن جرير وبلغه ان موسى بن جرير كان إذا ذكره نسبة إلى أمه، لأنه ابن أمّولد، فيقول: ابن أم حكيمٍ فقال بلال:
يا ربّ خالٍ لي أغرّ أبلجا ... من آل كسرى يغتدي متوّجاً
ليس خالٍ لك يدعى عشنجاً
والعشنج: المتقبّض الوجه السيئ المنظر.
وكان سبب أم بلال عند جرير أن جريراً في أول دخوله العراق دخل على الحكم بن أيوب بن أبي عقيل الثقفي، وهو عمّ الحجاج، وعامله على البصرة، وفي ذلك يقول جرير:
أقبلن من ثهلان أو وادي خيم ... على قلاصٍ مثل خيطان السلم٣
إذا قطعن علماً بدا علم ... حتى أنخناها إلى باب الحكم
خليفة الحجاج غير المتّهم ... في ضئضىء المجد وبحبوح الكرم
فكتب الحكم بعد أن فاطنه٤ إلى الحجاج، وذلك في أول سببه: إنه قدم
стр. 574
عليّ أعرابيٌّ ياقعةٌ١ لم أر مثله. فكتب إليه الحجاج أن يحمله معه، فما دخل عليه قال له: بلغني انك ذو بديهة، فقل في هذه الجارية -لجارية قائمةٍ على رأسه- فقال جريرٌ: مالي أن أقول فيها حتّى أتأملها، ومالي أن أتامل جارية الأمير! فقال: بلى، فتأمّلها واسألها. فقال لها: ما اسمك يا جارية? فأمسكت، فقال لها الحجاج: خبّرية يا لخناء، فقالت: أمامة، فقال جريرٌ:
ودّع أمامة حان منك رحيل ... إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل الكثيب تمايلت أعطافه ... فالرّيح تجبر متنه وتهيل
هذي القلوب صوادياً تيّمتها ... وأرى الشّفاء وما إليه سبيل
فقال له الحجاج: قد جعل الله لك السبيل إليها، خذها هي لك. فضرب بيده إلى يدها، فتمّنعت عليه، فقال:
إن كان طلبّكم الدّلال فإنه ... حسنٌ دلالك يا أمام جميل
[ش: ينصب "الطّبّ" ورفع "الدّلال"، وبالعكس، برفع "الطب" ونصب الدلال. والطّبّ هنا: المذهب، والّدلال: الدّالّة] .
فاستضحك الحجاج، وأمر بتجهيزها معه إلى اليمامة.
وخبرت أنها كانت من أهل الرّيّ، وكان إخوتها أحراراً، فاتّبعوه، فأعطوه بها حتى بلغوا عشرين ألفاً، فلم يفعل، ففي ذلك يقول:
إذا عرضوا عشرين ألفاً تعرضت ... لامً حكيم حاجةٌ هي ماهيا
ردت أهل الرّي عندي مودّة ... وحبّبت أضعافاً إليّ المواليا
فأولدها حكيماً وبلالاً وحزرة، بني جرير، هؤلاء من أذكر من ولدها.
ويقال: إنّ الحمّانيّ٢ قاول بلالاُ ذات يوم فيما كان بينهما من الشرّ، فقال: يا ابن أم حكيم، فقال له بلالٌ: ما تذكر من ابنة دهقان، وأخيذة رماح، وعطيّة ملكٍ? ليست كأمّك التي بالمرّوت٣، تغدو على أثر ضأنها، كأنما عقباها حافرا
стр. 575
حمار، فقال له الحمّانيّ: أنا أعلم بأمّك، إنما عتب عليها الحجّاج في أمر، الله أعلم به، فحلف أن يدفعها إلى ألأم العرب، فلما رأى أباك لم يشكك فيه.
وقال: أنشدت لرجل من رجّاز بني سعدٍ:
أنا ابن سعدٍ وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شئت من خالٍ وعم
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ليس قومٌ أكيس من أولاد السّراريّ، لأنهم يجمعون عزّ العرب ودهاء العجم.
стр. 576
كتاب محمد بن عبد الله بن حسن إلى المنصور وردّه عليه
وكتب أمير المؤمنين المنصور إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃ لمّا كتب إليه محمدٌ:
"وعلم أني لست من أولاد الطّلقاء، ولا أولاد اللّعناء، ولا أعرقت فيّ الإماء، ولا حضنتني أمّهات الأولاد. ولقد علمت أن هاشما ولد عليا مرتين، وان عبد المطلب ولد الحسن مرتين، وأن رسول الله ﷺ ولدني مرتين، من قبل جدّي الحسن والحسين". يعني أن أمّ عليّ فاطمة بنت أسد بن هاشم، وأمّ الحسن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم، وأن أمّه فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.
فكتب إليه المنصور:
"أما ما ذكرت من ولادة هاشم عليّاً مرتين، وولادة عبد المطّلب الحسن مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله ﷺ ، لم يلده هاشم إلا مرة واحدةً، ولا عبد المطلب إلاّ مرةً واحدةً، وله السبق إلى كلّ خير. ولقد علمت أنه بعث رسول الله ﷺ وعمومته أربعةٌ، فآمن به اثنان، أحدهما أبي، وكفر به اثنان أحدهما أبوك، وأمّا ما ذكرت أنه لم تعرق فيك الإماء، فقد فخرت على بني هاشم طرا، أولهم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ثم عليّ بن الحسين، الذي لم يولد فيكم بعد وفاة رسول الله ﷺ مولودٌ مثله".
وهذه رسالة للمنصور طريفةٌ مستحسنةٌ جداً، سنمليها في موضها من هذا الكتاب، إن شاء الله.
стр. 577
وأنشدني الرّياشيّ:
إنّ أولاد السّراري ... كثروا يا ربّ فينا
ربّ أدخلني بلاداً ... لا أرى فيها هجينا
والهجين عند العرب: الذي أبوه شريفٌ وأمّه وضيعة?، والأصل في ذلك أن تكون أمّةً، وإنما قيل: "هجين" من أجل البياض، وكأنهم قصدوا قصد الرّوم والصّقالبة ومن أشبههم، والدليل على أن الهجين الأبيض أن العرب تقول: ما يخفى ذلك على الأسود والحمر، أي العربي والعجميّ، ويسمّون الموالي وسائر العجم الحمراء، وقد ذكرنا ذلك، ولذلك قال زيد الخيل:
أيقن أننا صهب السّبال١
أي كهؤلاء من العجم. وقال أبن الرّقيات:
إن تريني تغيّر اللّون منّي ... وعلا الشّيب مفرقي وقذالي
فظلال السيّوف شيّبن رأسي ... وطعاني في الحرب صهب السّبال
فقيل: هجين من هاهنا.
وإذا كانت الأمّ كريمةً والأب خسيساً قيل له: المذرّع، قال الفرزدق:
إذا باهليٌّ تحته حنظليّةٌ ... له ولدٌ منها فذاك المذرّع
وقال الآخر:
إنّ المذّرع لا تغني خئولته ... كالغل عن شوط المحاضير٢
وإنما سمّي مذرّعا، للرّقمتين٣ في ذراع البغل، وإنما صارتا فيه من ناحية الحمار، قال هدبة:
ورثت رقاش اللّؤم عن آبائها ... كتوارث الحميرات رقم الأذرع
وقال عبد الله بن العباس في كلام يجيب به ابن الزبير: والله إنه لمصلوب قريش، ومتى كان عوّام بن عوامٍ يطمع في صفيّة بنت عبد المطلبّ! من أبوك يا بغل? فقال: خالي الفرس!
стр. 578
باب
لأعرابي فيمن أطال لحيته
قال أبو العباس: قال أعرابيّ:
كلّ امرئ ذي لجيةٍ عثوليّةٍ ... يقوم عليها ظنّ أن له فضلا
وما الفضل في طول السّبال وعرضها ... إذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا
ويروى: "لحاملها".
عثوليّة، يقول: كثيرةٌ، والمستعمل رجلٌ "عثوالٌّ" إذا كان كثير الشّعر، وأصل ذلك في الرأس واللّحية، وبناه الأعرابيّ بناء "جدول" كأنه "عثول" ثم نسب إليه.
والسّبلة: مقدّم اللّحية، يقال لما أسيل من الشاربين: سبلتان، وتقول العرب: اخذ فلانٌ شفرة فلتم بها سبلة بعيره، أي نحره، واللّتم: الشّقّ، فهذا ما أسبل من جرانه.
стр. 579
لبعض المحدثين في ذم ذوي العي
وقال بعض المحدثين:
وما حسن الرّجال لهم بحسنٍ ... إذا ما أخطأ الحسن البيان
كفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجهٌ وليس له لسان
وقال آخر:
إنّي على ما تزدري من دمامتي ... إذا قيس ذراعي بالرجال طويل
стр. 580
لرجل يصف لحيته
ونظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحيةٍعظيمة، وقد تلفّفت على صدره، فإذا هو خاضبٌ، فقال: إنك مكن لحيتك في مئونة! فقال: أجل، ولذلك أقول:
لها درهمٌ للدّهن في كلّ جمعةٍ ... وآخر للحنّاء يبتدران
ولولا نوالٌ من يزيد بن مزيد ... لصوّت في حافاتها الجلمان١
стр. 581
لإسحاق بن خلفٍ يصف رجلاً بالقصر وطول اللّحية
وقال إسحاق بن خلف يصف رجلاً بالقصر وطول اللّحية:
ماسرّني أنّني في طول داود ... وأنّني علمٌ في البأس والجود
ماشيت داود فاستضحكت من عجب ... كأنني والدٌ يمشي بمولود
ما طول داود إلاّ طول لحيته ... يظل داود فيها غير موجود
تكنّة خصلةٌ منها إذا نفخت ... ريح الشّتاء وجفّ الماء في العود
كالأنبجاني مصقولاً عوارضها١ ... سوداء في لين الغادة الرّود٢
أجرى وأغنى من الخزّ الصّفيق ومن ... بيض القطائف٣ يوم القرّ والسّود٤
إن هبّت الرّيح أدّته إلى عدنٍ ... إن كان مالفّ منها غير معقود
وفي الحديث: "من سعادة المرء خفّة عارضيه" وليس هذا بناقض لما جاء في إعفاء اللّحي وإحفاء الشّوارب، فقد روى أنهم قالوا: لا بأس بأخذ العارضين والتّبطين٥، وأما الإعفاء فهو التّكثير، وهو من الأضداد، قال الله : ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ ٦، أي حتى كثروا، ويقال: عفا وبر الناقة إذا كثر، قال الشاعر:
ولكنّا نعضّ السّيف منها ... بأسؤق عافيات اللّحم كوم
والكوم: العظام الأسنمة، واحتها كوماء، ويقال: عفا الرّيع، إذا درس، ومن ذلك:
على آثار من ذهب العفاء
أي الدّروس.
وقال مسلمة بن عبد الملك: إني لأعجب من ثلاثة: من رجل قصّر شعره ثم عاد فأطاله، أو شمّر ثوبه ثم عاد فأسبله، أو تمنع بالسّراريّ ثم عاد إلى المهيرات.
стр. 582
واحدة المهيرات مهيرة، وهي الحرّة الممهورة، و"مفعول" يخرج إلى "فعيل" كمقتولٍ وقتيل، ومجروح وجريح، قال الأعشى:
ومنكوحةٍ غير ممهورةٍ ... وأخرى يقال لها فادها١
فهذا المعروف في كلام العرب، مهرت المرأة فهي ممهورةٌ، ويقال وليس بالكثيرأمهرتها فهي ممهرةٌ، أنشدني المازنيّ:
أخذن اغتصاباً خطبةً عجرفيّة ... وأمهرن أرماحاً من الخط ذبّلا٢
стр. 583
من ألفاظ الكنايات
وأهل الحجاز يرزن النكاح العقد دون الفعل، ولا ينكرونه في الفعل ويحتجّون بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١، فهذا الأشيع في كلام العرب، قال الأعشى:
وأمتنعت نفسي من الغانيا ... ت إمّا نكاحاً وإما أزن٢
ومن كل بيضاء رعبوبةٍ ... لها بشرٌ ناصعٌ كاللّبن٣
ويكون النّكاح الجماع، وهو في الأصل كناية، قال الراجز:
إذا زنيت فأجد نكاحاً ... وأعمل الغدوّ والرّواحا
والكناية تقع عن هذا الباب كثيراً، والأصل ما ذكرنا لك، وفال رسول الله ﷺ : "أنا من نكاح لا من سفاح". ومن خطب المسلمين: "إن الله أحلّ النّكاح وحرم السّفاح".
والكناية تقع على جماع، قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ٤، فهذه كناية عن الجماع، قال أكثر الفقهاء في قوله تبارك
стр. 584
وتعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١، قالوا: كناية عن الجماع، وليس الأمر عندنا كذلك، وما أصف مذهب اهل المدينة، قد فرغ من النكاح تصريحاً، وإنما الملامسة ان يلمسها الرجل بيد أو بإدناء جسدٍ من جسدٍ، فذلك ينقض الوضوء في قول أهل المدينة، لأنه قال ﵎ بعد ذكر الجنب: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ .
وقوله : ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ٢، كنايةٌ بإجماع عن قضاء الحاجة، لأن كلّ من يأكل الطعام في الدنيا أنجى، يقال: نجا وأنجى، إذا قام لحاجة الإنسان. وكذلك: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ٣. كناية عن الفروج، ومثله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ٤، فإنما الغائط كالوادي، وقال عمرو بن معدي كرب:
وكم من غائط من دون سلمى ... قليل الإنس ليس به كتيع٥
ويقال: وهم الرجل يوهم، إذا شكّ، وهو الجود، ويجوز: ييهم، وييهم، وياهم، لعلل، وكذلك ما كان مثله، نحو: وجل يوجل ووحل يوحل، ووجع يوجع، ويجوز في وهم أن تقول: "يهم" فإن المعتلّ من هذا يجيء على مثال حسب يحسب، مثل: ولي الأمير يلي، وورم الجرح يرم، فهذا جميع ما في هذا الباب.
стр. 585
لرجل من تميم
وقال رجلٌ أحسبه من بني تميم:
لاتسألنّ الخيل ي اسعد مالها ... وكن أخريات الخيل علّك تجرح
لعلّك تحمي عن صحاب بطعنةٍ ... لها عائد ينفي الحصا حين ينفخ
وأكرم كريماً إن أتاك لحاجةٍ ... لعاقبةٍ إنّ العضاه تروّح١
بذا فامدحيني واندبيني فإنّني ... فتى تعتريه هزّةٌ حين يمدح٢
стр. 586
قوله:
لاتسألنّ الخيل يا سعد مالها
يقول: لاتتخلّف عن القتال وتسأل عن أخبار القوم، ولكن كن فيهم. كما قال مهلهل:
ليس مثلي يخبّر القوم عن آ ... بائهم قتّلوا وينسى القتالا
لم أرم حومة الكتيبة حتّى ... حذي الورد من دماء نعالا
يقول: كنت في حومة القتال، صليت الحرب أكثر ممّا صليها غيري.
стр. 587
طلاق ابنة عبد الله بن السائب ثم زواجها من المصعب
ويروى عن رجل من بني أسد بن عبد العزّى، يقال له: فلان، [ش: هو عبد الله] بن السائب أنه زوّج ابنته عمرو بن عثمان بن عفان، فلمّا نصّت عليه طلّقها على المنصّة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزّبير، فقال: إنّ عمرو ابن عثمان طلق ابنتي على المنصّة، وقد ظنّ النّاس أنّ ذلك لعاهةٍ، وأنت عمّها، فقم فأدخل إليها، فقال عبد الله: أو خيراً من ذلك! جيئوني بالصعب، فخطب عبد الله فزوّجها من المصعب، وأقسم عليه ليدخلنّ بها في ليلته، فلا تعرف امرأة نصّت على رجلين في ليلتين ولاء غيرها فأولدها المصعب عيسى وعكّاشة، فلما كان اليوم مسكن١، وهرب أكثر الناس عن المصعب، دخل إلى سكينة ابنة الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وكانت له شديدة المحبّة، وكانت تخفي ذلك، فلبس غلالةً وتوشّح عليها، وانتضى السّيف، فلمّا رأت ذلك علمت أنه عزم ألا يرجع، فصاحت من ورائه: واحرباه! فالتقت إليها، فقال: أو هذا لي في قلبك! فقالت: إي والله وأكثر من هذا! فقال: أما لو علمت لكان لي ولك وشأن. ثم خرج، فقال لابنه عيسى: يا بنيّ، انج إلى نجاتك، فإنّ القوم لا حاجة بهم إلى غيري، وستفلت بحيلةٍ أو بقيا، فقال: يا أبتاه! لا أحدّث والله عنك أبداً، فقال: أما والله لئن قلت ذلك لما زلت أتعرّف الكرم في أسرارك، وأنت تقلب في مهدك.
стр. 588
[ش: الأسرار: جمع سرّ وهي الطّرائق في الجبهة] .
فقتل بين يدي أبيه، ففي ذلك يقول شاعر أهل الشّأم من اليمانية:
نحن قتلنا مصعباً وعيسى ... وابن الزّبير البطل الرّئيسا
عمداً أذقنا مضر التّبئيسا
وقال رجل يعاتب رجلاً:
فلو كان شهم النّفس أو ذا حفيظةٍ ... رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
стр. 589
لبلال بن جرير يمدح عبد الله بن الزبير
وقال بلال بن جرير يمدح عبد الله بن الزبير١:
مدّ الزّبير عليك إذ يبني العلا ... كنفيه حتّى نالتا العيّوقا٢
ولو أنّ عبد الله فاخر من ترى ... فات البريّة عزّةً وسموقا
قرمٌ إذا ما كان يوم نفورةٍ ... جمع الزّبير عليك والصّدّيقا
لو شئت ما فاتوك إذ جاريتهم ... ولكنت بالسّبق المبرّ حقيقا
لكن أتيت مصلياً براً بهم ... ولقد ترى ونرى لديك طريقاً
عاد الحديث إلى تفسير الأبيات المتقدمة٣:
قوله:
لعلك تحمي عن صحابِ بطعنةٍ
يقال: حميت الناحية أحميها حمياً وحمايةً، كما قال الفرزدق:
إذا النّفوس جشأن طأمن جأشها ... ثقةً لها بحماية الأدبار٤
ومعنى ذلك: منعت ودفعت، ويقال: أحميت الأرض أي جعلتها حمى
стр. 590
لا تقرب، وأحميت الحديد أحميه إحماءً، وحميت أنفي محميةً يا فتى، إذا أنت أبيت الضّيم. وصحابٌ: جمع صاحب، وقد يقال: هو جمع صحب، كما تقول: تاجرٌ وتجرٌ، وراكبٌ وركبٌ، ونحو ذلك، ثم تجمع صحباً على أصحاب، كقولك: كلبٌ وفرخٌ وفراخٌ، فهذا مذهب حسنٌ، ومن قال: هو جمع صاحب، فنظيره قائم وقيامٌ، وتاجرٌ وتجارٌ.
وقوله: "لها عاندٌ ينفي الحصا"، يعني الدّم، يقال: عند العرق، إذا خرج الدّم منه بحدّة. ينفي الحصا، يعني الدّم بشدة جريه، كما قال:
مسحسحةٍ تنفي الحصا عن طريقها ... [يقطع أحشاء الرّعيب انتثارها] ١
يعني: طعنة.
وقال آخر في صفة طعنة:
ومستنّةٍ كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود
والخروف هاهنا إنما هو الفلوّ الصّغير.
وقوله:
وأكرم كريماً إن أتاك لحاجة ... لعاقبةٍ إنّ العضاه تروّح
يقول: الشجر يصيبه النّدى في آخر الصّيف فينشأ له ورق، فيقول: لعلّك تحتاج إلى هذا الكريم وقد قدر.
ومثله:
ولاتهين الكريم علّك ان ... تركع يوماً والدّهر قد رفعه
أراد "ولا تهينن" بالنون الخفيفة، فحذفها لالتقاء الساكنين، وهذا الحكم فيها.
ومثله في المعنى قول عبّاد بن عبّاد بن حبيب بن المهلب:
إذا خلةٌ نابت صديقك فاغتنم ... مرمّتها فالدهر بالناس قلّب
وبادر بمعروفٍ إذا كنت قادراً ... زوال اقتدار أو غنى عنك يعقب
[زوال، مفعولٌ ل "بادر". قاله ش] ومثل هذا كثير.
стр. 591
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ﵃ إنّي لأسارع إلى حاجة عدّوي خوفاً من أن أردّه فيستغني عنّي.
وقال رجلٌ من العرب: ما رددت رجلاً عن حاجة فولّى عنّي إلا رأيت الغنى في قفاه. وقال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: ما رأيت أحداً أسعفته في حاجة إلا أضاء مابينى وبينه، ولا رأيت رجلا رددته عن حاجة إلاّ أظلم ما بيني وبينه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: " من يئس من شيْ استغنى عنه. وقال عبد الله بن همّام السّلوليّ:
فأحلف وأتلف إنما المال عارةٌ ... فكله مع الدّهر الذي هو آكله
فأهون مفقود وأيسر هالك ... على الحيّ من لا يبلغ الحيّ نائله
عارةٌ، أي معارٌ، ووزنه "فعلةٌ".
وقال أحد المحدثين١، وليس من هذا الباب ولكنّا ذكرناه في الإعارة:
أعارك ماله لتقوم فيه ... بطاعته وتعرف فضل حقّه
فلم تشكره نعمته ولكن ... قريت على معاصيه برزقه
تجاهره بها عوداٌ وبدءاٌ ... وتستخفي بها من شرّ خلقه
وقال جريرٌ:
وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... علي من الحق الذي لا يرى ليا
هذا بيتٌ يحمله قومٌ على خلاف معناه، وإنما تأويله: إني لأستحيي أخي ان يكون له عليّ فضل ولا يكون لي عليه فضل زمني إليه مكافأةٌ، فأستحيي أن أرى له عليّ حقاً لما فعل إليّ، ولا أفعل إليه ما يكون لي به عليه حقٌّ. وهذا من مذاهب الكرام، وممّا تأخذ له أنفسها.
стр. 592
أبيات عائد الكلب الزبيري لعبد الله بن حسنٍ
فأمّا قول عائد الكلب الزبيري لعبد الله بن حسن بن حسنٍ١:
له حقٌ وليس عليه حقٌ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقاً ... عليه لغيره وهو الرّسول
فإنه ذكره بقلّة الإنصاف، فقال: يرى له حقاً على النّاس، ولا يرى لهم عليه حقاً من أجل نسبة الإنصاف، فقال: يرى له حقاً على النّاس، ولا يرى لهم عليه حقاً من أجل نسبة برسول الله ﷺ ، وبيّن ذلك يقوله:
وقد كان رسول يرى حقوقاً ... عليه لغيره وهو الرسول
فالذي يفتخر به عبد الله يرى للناس عليه حقاً، فالمفتخر به أجدر.
وقد قيل لعليّ بن الحسين وكان بين الفضل ﵁: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة? فقال: أكره أن آخذ برسول الله ﷺ وما لا أعطي مثله.
وإنما يعتري هذا الباب من الظلم وقلّة الإنصاف والبعد من الرّقّة عليهم الجهلة من أهل هذا النسب، والله جلّ ذكره يقول لنبيّه ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٣، فإذا كان هو ﷺ يخاف من المعصية فكيف يأمنها غيره به!
стр. 593
لجرير يمدح هشام بن عبد الملك
وأما قول جريرٍ لهشام بن عبد الملك فهو المدح الصحيح على خلاف هذا المعنى، قال:
وأنت إذا نظرت إلى هشام ... عرفت نجار منتخب كريم
وليّ الحقّ حين يؤم حجّا ... صفوفاً بين زمزم والحطيم
стр. 594
يرى للمسلمين عليه حقاً ... كفعل الوالد الرّؤف الرّحيم
إذا بعض السّنين تعرّقتنا١ ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
وفي هذا الشعر:
أمير المؤمنين على صراطٍ ... إذا أعوجّ الموارد مستقيم
أمير المؤمنين جمعت ديناً ... وحلماً فاضلا لذوي الحلوم
لك المتخيّران أبا وخالاً ... فأكرم بالخؤولة والعموم
فيا ابن المطعمين إذا شتونا ... ويا ابن الذّائدين عن الحريم
سما بك خالدٌ وبنو هشامٍ ... إلى العلياء في الحسب الجسيم٢
وتنزل من أمية حيث تلقى ... شؤون الرأس مجتمع الصميم
تواصلت من تكرّمها قريشٌ ... برد الخيل دامية الكلوم
فما الأم التي ولدت قريشاً ... بمقرفة النّجار ولا عقيم
وما فحلٌ بأنجب من أبيكم ... ولا خالٌ بأكرم من تميم
سما أولاد برّة بنت مرّ ... إلى العلياء في الحسب العظيم
لك الغرّ السّوابق من قريش ... فقد عرف الأغرّ من البهيم
قوله: "حين يؤم حجّاً" فيكون الحجّ جمع حاجّ، كما يقال: تاجرٌ وتجرٌ، وراكبٌ وركبٌ، قال العجّاج:
بواسطٍ أكرم دارٍ دارا ... والله سمّى نصرك الأنصارا
فأخرجه على "ناصر ونصر"، قال: ويجوز أن يكون حجّ أصحاب حجّ، كما قال الله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ٣، يريد أهلها.
وقوله:
كفعل الوالد الرّوف الرّحيم
يقال: "رؤف" على "فعلٍ" مثل يقظ وحذر، رؤوف على وزن "ضروب". وقال الأنصاري٤:
стр. 595
نطيع نبيّنا ونطيع رباً ... هو الرّحمن كان بنا رؤوفا
وقد قرىء: ﴿واللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١، و ﴿رَؤُوفٌ﴾ أكثر، وإنما هو من الرّأفة، وهي أشدّ الرّحمة، ويقال: "رآفةٌ" وقرىء: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ٢، على وزن الصّرامة والسّفاهة.
وقوله:
إذا بعض السّنين تعرّ قتنا
يفسر على وجهين: أحداهما: ان يكون ذهب إلى بعض السنين سنون، كما قال الأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم
لأن صدر القناة قناةٌ، ومن كلام العرب: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع إصبع، فهذا قول.
والأجود أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه، فأقتحم المضاف إليه توكيداً، لأنه غير خارج من المعنى، وفي كتاب الله : ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ ٣ إنما المعنى: فظلّوا لها خاضعين، والخضوع بيّن في الأعناق، فأخبر عنهم، فأقحم العناق توكيداٌ. وكان أبو زيد الأنصاريّ يقول: أعناقهم جماعاتهم، تقول: أتاني عنقٌ من النّاس، والأول قول عامّة النحويين. وقال جرير:
لما أتَى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ ... سورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ
وقال أيضاَ:
رأت مرَّ السنينَ أخذن مِنِّي ... كما أخذ السرارُ من الهلالِ
وقال ذو الرمة:
مشينَ كما اهتزت رِماح تسفهت ... أعاليها مرُّ الرياح النواسم٤
стр. 596
ومثل هذا كثير، وعلى مثل هذا القول الثاني تقول: "يا تيم تيم عدي" لأنك أردت: "يا تيم عدي"، وأقحمت الأول توكيدً١، وكذلك: لا أبا لك، لأن الألف لا تثبت في الأب في النصب إلا في الإضافة، أولا بدلاً من التنوين، فإنما أراد لا أباك ثم اقحم اللام توكيداً للإضافة، وأنشد المازني:
وقد مات شماخ ومات مزرد ... وأي كريم لا أباك يخلدُ!
وقال آخر:
أبا لموت الذي لا بد أني ... ملاقٍ لا أباك تخوفيني!
وقوله: "على صراط" فالصراط: المنهاج الواضح، وكذلك قالت العلماء في قول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ .
وقوله: "سما بكَ خالدٌ" يريد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مُرة بن كعب، لأن أم هشام بنتُ هشام بن إسماعيل ابن هشام بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان هشام بن المغيرة أجل قرشي حالماً وجوداً، وكانت قريش تؤرخ بموته، كما كانت تؤرخ بعام الفيل، وبملكِ فلانٍ، قال الشاعر:
زمان تناعى الناس موت هشام
ومن أجل يقول القائل:
فأصبح بطن مكة مقشعراً ... كأنَّ الأرض ليس بها هشامُ
يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يحب من أجله ألا ينالها جدب، وقال الآخر:
ذريني أصطبح يا سلم إني ... رأيت الموت نقب عن هشام
وقوله: "نقب" أي طوف حتى أصاب هشاماً، قال الله : ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ أي طوفوا، ومثله قول امرئ القيس"
وقد نقبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
стр. 597
عمر أول من أرخ في الإسلام
فأما التاريخ الذي يؤرخ به اليوم فأول من فعله في الإسلام عمر بن الخطاب ﵀. حيث دون الدواوين، فقيل له: لو أرخت يا أمير المؤمنين لكنت تعرف الأمور في أوقاتها? فقال: وما التأريخ? فأعلم ما كانت العجم تفعله، فقال: أرخوا؛ فقالوا: مذ أي سنة? فاجتمعوا على سنة الهجرة، لأنه الوقت الذي حكم فيه رسول الله ﷺ على غير تقيةٍ ثم قالوا: في أي شهرٍ? فقالوا: نستقبل بالناس أمورهم في شهر المحرم إذا انقضى حجهم، وكانت هجرة رسول الله ﷺ في شهر بيع الآخر١ فقدم التأريخ على الهجرة هذه الأشهر.
وجاء في تصحيح هذا الوقت - أعني المحرم - ما روي لنا عن ابن عباسٍ ﵀، فنه قال في قول الله : ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ٢ فأقسم بفجر السنة، وهو المحرم.
وقوله:
فما الأم التي ولدت قريشاً
يعني برة بنت مرٍّ، كانت أمَّ النضر بن كنانة، وهو أبو قريش، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي، وتميم بن مرٍّ خاله.
وكان يقال: من عرف حق أخيه دام له إخاؤه، ومن تكبر على الناس ورجا أن يكون له صديق فقد غر نفسه.
وقيل: ليس للجوج تدبير، ولا لسييء الخلق عيش، ولا لمتكبر صديق.
وقيل: من بسط بالخير لسانه انبسطت في القلوب محبته، والمنة تفسدُ الصنيعة.
стр. 598
في مدح أبي البختري
ويروى أن شاعراً أتى أبا البختري١ وهب بن وهبٍ، وكان من أجود الناس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السرور في جوانحه، وأعطى
стр. 599
وزاد، فأتاه هذا الشاعر فأنشده:
لكل أخي فضل نصيب من العلا ... ورأس العلا طرا عقيد الندى وهبُ
وما ضر وهباً قول من غمط العلا ... كما لا يضر البدر ينبحه الكلب١
فثنى له الوسادة، وهش إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلما أن أراد الرجل الرحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختري، ولا عقد له ولا حل معه. فأنكر ذلك من جميل ما فعل به، وأنه قد تجاوز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال له الغلام: إنا إنما نعين النازل على الإقامة، ولا نعين الراحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام جليلاً من القرشيين، فقال: والله لفعل هؤلاء العبيد على هذا القصد أحسن من رفد سيدهم.
стр. 600
باب
سؤال عبد الملك لحسان: أي المناديل أفضل ?
قال عبد الملك بن مروان لجلسائه - وكان يجتنب غير الأدباء -: أي المناديل أفضل? فقال قائل منهم: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض١. وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع. فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئاً، أفضل المناديل ما قال أخو تميم - يعني عبدة بن الطبيب٢.
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية ... وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما يؤنيه طابخه ... ما غير الغلي منه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مسومة ... أعرافهن لأيدينا مناديل
قوله: "غرقىء البيض" يعني القشرة الرقيقة التي تركب البيضة دون قشرها الأعلى، وقشرها الأعلى يقال له: القيض.
وقوله: "المراجيل" إنما حده "المراجل"؛ ولكن لما كانت الكسرة لازمة أشبعها للضرورة؛ كما قال:
نفي الدرام تنقاد الصياريف٣
وقد مر تفسير هذا.
وقوله:
ورد وأشقر ما يؤنيه طباخه
يقول: ما تغير من اللحم قبل نضجه.
وقوله: "ما يؤنيه طباخه" يقول: ما يؤخره، لأنه لو آناه لأنضجه، لأن معنى "آناه" بلغ به إناه، أي إدراكه، قال الله : ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ ٤، وتقول: أنى يأني إنيّ، إذا أدرك، وآن يئين مثله. وقوله : ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ٥ أي قد بلغ إناه.