← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

سالم بن عبد الله بن عمر وهشام بن عبد الملك وحدثني التوزي قال: دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب على هشام بن عبد الملك في ثياب وعليه عمامة تخالفها، فقال له هشام: كأن العمامة ليست من الثياب! قال: إنها مستعارة، فقال له: كم سنك? قال: ستون سنة، قال: ما رأيت ابن ستين أبقى كدنة منك١، ما طعامك? قال الخبز والزيت، قال: أما تأجمهما٢? قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما، ثم خرج من عنده وقد صدع، فقال: أترون الأحول لقعني بعينه، فمات من تلك العلة٣. ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال: يا هذا، إني لأرى عليك قطيفة محكمة من نسج أضراسك.

стр. 632

من أخبار أبي الأسود الدؤلي ودخل أبو الأسود الدؤلي١ علي عبيد الله بن زياد في ثياب رثةِ، فكساه ثياباً حساناً، فخرج وهو يقول: كساك وما استكسيته فشكرته ... أخٌ لك يعطيك الجزيل وناصرُ وإن أحق الناس إن كنت مادحاً ... بمدحك من أعطاك والعرض وافرُ

стр. 633

وحدثني الرياشي قال: دخل أبو الأسود الدؤلي علي عبيد الله بن زياد وقد أسن، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسودِ؛ إنك لجميل، فلو تعلقت تميمة ترد عنك العيون، فقال أبو الأسود: أفنى الشباب الذي أفنيت جدتهُ ... كر الجديدين من آتٍ ومنطلقِ لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئاً أخافُ عليه لذعة الحدقِ قوله: "فلو تعلقت تميمةً" هي: المعاذة يعلقها الرجلُ. قال ابن قيس الرقيات: صدروا ليلة انقضى الحج فيهم ... طفلة زانها أغر وسيم يتقي أهلها العيون عليها ... فعلى جيدها الرقى والتميمُ وقال أبو ذؤيب: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ وقوله: "لذعة الحدق" فهو من قولك: لذعته النار، إذا لفحته، ويقال: لذع فلانُ فلاناً بأدبٍ، إذا أدبه أدباً يسيراً، كأنه كالمقدار الذي وصفناه من النار. وقول ابن قيس الرقيات: "زانها أغر وسيم"، فالأغر: الأبيض- يعني الوجه، والوسيم: الجميل، والمصدر الوسامةُ والوسامُ.

стр. 634

لبعض المحدثين في الخضاب وقال بعض المحدثين: ذكرناه بقول أبي الأسود: قد كنت أرتاع للبيضاء في حلكٍ ... فصرت أرتاعُ للسوداء في يققٍ١ من لم يشب ليس مملاقاً حليلتهُ ... وصاحب الشيب للنسوان ذو ملقِ قد كن يفرقن منه في شبيبته ... فصار يفرق ممن كان ذا فرقِ إن الخضاب لتدليس يغش به ... كالثوب في السوق مطوياً على حرقِ ويروى: "يطوى لتدليس على حرقِ". وشبيهُ بهذا المعنى قول أبي تمام: طال إنكاري البياض وإن عمر ... تُ شيئاً انكرتُ لونَ السوادِ وحدثني الزيادي قال: قيل لأعرابي: ألا تخضب بالوسمة، فقال: لِمَ ذاك? فقال: لتصبو ليك النساء، فقال: أما نساؤنا فما يردن بنا بديلاً، وأما غيرهن فما نلتمس صبوتهن.

стр. 635

للعتبي وقال العتبي: وقائلة تبيض والغواني ... نوافرُ عن معالجة القتيرِ١ عليك الخطر علك أن تدنى ... إلى بيض ترائبهن حور٢ فقلتُ لها المشيب نذير عمري ... ولست مسوداً وجه النذير

стр. 636

ليزيد بن المهلبي وقال آخر - وهو أبو خالد يزيد بن محمدٍ المهلبي: صبغت الرأس ختلاً للغواني ... كما غطى على الريب المريبُ أعلل مرةً وأساءُ أخرى ... ولا تحصى من الكبر العيوبُ أسوف توبتي خمسين عاماً ... وظني أن مثلي لا يتوبُ يقولم بالثقاف العودُ لدناً ... ولا يتقوم العودُ الصليبُ١ وقال مالك بن دينار: جاهدوا أهواءكم، كما تجاهدون أعداءكم. وكان يقول: ما أشد فطام الكبير. وقال آخر: دعي لومي ومعتبتي أماما ... فني لم أعود أن ألاما وكيف ملامتي إذ شاب رأسي ... على خلقٍ نشأتُ به غلاما وقيل لأعرابي: ألا تغير شيبك بالخضاب? فقال: بلى، ففعل ذاك مرة، ثم لم يعاود، فقيل له: لِمَ لا تعاود الخضاب? فقال: يا هناه، لقد شد لحيايَ فجلت أخالني ميتاً.

стр. 637

لمحمود الوراق في الشيب وقال بعض المحدثين، وهو محمودٌ الوراق: يا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثةٍ يعودُ إن النصول إذا بدا ... فكأنه شيبُ جديدُ وله بداهة لوعةٍ ... مكروهها أبداً عتيدُ١ فدع المشيب لما ارا ... د فلن يعود كما تريدُ وقال محمودٌ أيضاً: أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه فمن بين باكٍ له موجعٍ ... وبين معز مغذ إليه٢ ويسلبه الشيب شرخ الشبابِ ... فليست يعزيه خلق عليه وقال أيضاً: يا خلضب الشيبة نح فقدها ... فإنما ندرجها في كفن أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن وقال أيضاً: اغتنم غفلة المنية واعلم ... أنما الشيب للمنية جسرُ كم كبير يوم القيامة يقصى ... وصغيرٍ له هنالك قدرُ قال أبو الحسن: يقال "جسرُ وجَسرُ"، وهو مأخوذ من الناقة الكبيرة، يقال لها: "الجَسْرُ".

стр. 638

لأبي النجم العجلي وقال أعرابي١: قالت سليمى أنت شيخٌ أنزع٢ ... فقلت ما ذاك وإني أصلعُ ثم حسرتُ عن صفاةٍ تلمعُ ... فاقبلت قائلةً تسترجعُ ما رأس ذا إلا جبين أجمعُ

стр. 639

لرؤبة وقال آخر، وهو رؤبة: قد ترك الدهر صفاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهة إلى القفا كأنه قد كان ربعاً فعفا ... يمسي ويضحي للمنايا هدفا لنصر بن حجاج وقد حلق عمر رأسه وكان نصر بن حجاج بن علاطٍ السلمي ثم البهزي جميلاً، فعثر عليه عمر بن الخطاب ﵀ في أمر - الله أعلم به - فحلق رأسه، وكان أصلع، ولميبق من شعره إلا حفافُ١، كذلك قال الأصمعي فقال نصر بن حجاج: لضن ابن خطاب علي بجمةٍ ... إذا رجلت تهتز مر السلاسلٍ فضلع رأساً لم يصلعه ربهُ ... يرف رفيفاً بعد أسود جاثلٍ٢ لقد حسد الفرعان أصلعُ لم يكن ... إذا ما مشى بالفرع بالمتخايلِ٣ قوله: "بالفرع بالمتخايل" ليس أنه جعل بالفرع. من صلة المتخايل فيكون ذلك معناه: بالذي يختال بالفرع، فيكون قد قدم الصلة على الموصول، ولكنه

стр. 640

جعل قوله: بالفرع تبييناً، فصار بمنزلة "بِك" التي تقع بعد مرحباً للتبيين، وقد مر تفسير هذا مستقصى في الكتاب المقتضب. وقال آخر: تغطى نمير بالعمائم لؤمها ... وكيف يغطي اللؤم طي العمائم فإن تضربونا بالسياط فإننا ... ضربناكم بالمرهفات الصوارمِ وإن تحلقوا منا الرؤوس فإننا ... حلقنا رؤوساً باللها والغلاصمِ١ وإن تمنعوا منا السلاح فعندنا ... سلاحٌ لنا لا يشترى بالدراهمِ جلاميد أملاء الأكف كأنها ... رؤوس رجالٍ حلقت بالمواسم

стр. 641

من شعر يزيد بن الطثرية وأخباره وكان يزيد بن الطثرية غزلا، وكان أخوه ثورٌ ذا مالٍ، فكان يزيد يأتي العطار فيقول: ادهني دهنة بناقةٍ من إبل ثورٍ، فيفعل ذلك. وكان ذا جمةٍ حسنةٍ، فإذا كثر عليه الدين هرب فتبدى١، فإذا ذكر حوشيتة - وهي امرأة كان يشبب بها٢ - قدم فاقتطع من إبل أخيه ما يقضي به دينه، وفي ذلك يقول: قضى غرمائي حب أسماء بعدما ... تخوفني ظلمُ لهم وفجورُ فذلك دابي ما حييت وما مشى ... لثورٍ على ظهر الفلاة بعيرُ فاستعدى عليه ثورٌ السلطان، فأمر بحلق رأسه، فقال: أقول لثورٍ وهو يحلق لمتي ... بعقفاءَ مردودٍ عليها نصابها ترفق بها يا ثور ليس ثوابها ... بهذا ولكن عند ربي ثوابها الا ربما يا ثور فرق بينها ... أنامل رخصات حديث خضابها

стр. 642

فتهلك مدرى العاج في مدلهمةٍ ... إذا لم تفرج مات غما صؤابها١ فجاء بها ثورٌ ترف كأنها ... سلاسلُ برقٍ لينها وانسكابها ورحت برأسٍ كالصخيرةِ أشرفت ... عليها عقاب ثم طارت عقابها خدارية كالشرية الفرد جادها ... من الصيف أنواء مطير سحابها٢

стр. 643

باب لقيس بن عاصم المنقري قال رجل من المتقدمين، وهو قيس بن عاصم المنقري: أيا ابنة عبد الله وابنة مالكٍ ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد١ إذا ما أصبتِ الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني غير آكله وحدي قصيا كريماً أو قريباً فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما من خلالي غيرها شيمة العبدِ غيرها استثناءٌ مقدم. وقد مضى تفسيره. وقوله: "قصيا كريماً" من طريف المعاني، وذلك أنه لم يحتج إلى أن يشترط في نسبته الكرم، لأنه قد ضمن ذلك، واشترط في القصي أن يكون كريماً، لأنه كره أن يكون مواكله غير كريمٍ.

стр. 644

لجرير يهجو بني هزان وهذا ليس من الباب الذي ذكره جريرٌ، حيث يقول في هجائه بني هزان: ضيفكم جائعٌ إذ لم يبت غزلا ... وجاركم يا بني هزان مسروقُ رأيت هزانَ في أحراجِ نسوتها ... رحبُ وهزانُ في أخلاقها ضيقُ

стр. 645

يحيى بن نوفل يهجو وقال آخر من المحدثين، وهو يحيى بن نوفل، أنشده دعبل: كنت ضيفاً ببرمنايا لعبـ ... ـد الله، والضيف حقهُ معلومُ فانبرى يمدح الصيام إلى أن ... صمت يوماً ما كنت فيه أصومُ ثم أنشا يستام برذوني الور ... د ملحاً كما يلحُ الغريمُ [قال الأخفش: يروي برذوني الزرد وهو الأصفر] . ولعمري إن ابن قيلة إذ يستام برذون ضيفه للئيمُ

стр. 646

لأبي دلامة بن الجون وقال رجل١، أنشدنيه السجستاني، يقول لان دعلج، وكان ابن دعلج يتولى بني تميم: إذا جئت الأمير فقل سلامُ ... عليك ورحمة الله الرحيم وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبح من غريم! لزوم ما علمتُ بباب داري ... لزوم الكهف أصحابُ الرقيم لهمائة علي ونصف أخرى ... ونصف النصف في صك قديم دراهم ما انفعت بها ولكن ... حبوت بها شيوخ بني تميم روى٢ أبو الحسن: أتوني في العشيرة يسألوني ... ولم أكُ في العشيرةِ بالمليمِ قال أبو الحسن: لم يعرف أبو العباس هذا البيت الأخير، وهو صحيح. وجاور قيس بن عاصم بن سنان بن خالدٍ بن منقر بن عبيد تاجراً خماراً، فشرب شرابهُ، وأخذ متاعه، ثم أوثقه، فقال: افدِ نفسكَ. وقال في ذلك: وتاجرٍ فاجرٍ جاء الإله به ... كأن عثنونه أذناب أجمالي قال ذلك؛ لأن ذنب البعير يضرب إلى الصهبةِ، وفيه استواء، وهو يشبه اللحية.

стр. 647

للنمر بن تولب وقال النمرُ بن تولبٍ: إذا كنت في سعدٍ وأمكَ منهم ... غريباً فلا يغررك خالك من سعدِ فإن ابن أخت القوم مصفى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بابٍ جلدِ

стр. 648

قيس بن عاصم وبنو منقر واستعمل رسول الله ﷺ قيس بن عاصم على صدقات بني سعدٍ، فتوفي رسول الله ﷺ ، فقسمها قيس بعد في بني منقرٍ، وقال: من مبلغٌ عني قريشاً رسالةً ... إذا ما أتتها محكماتُ الودائعِ حبوت بما صدقت في العام منقراً ... وأيأست منها كل أطلس طامعِ

стр. 649

من أخبار أبي خراش الهذلي وشعره وجاور عروة بن مرة أخو أبي خراشٍ الهذلي ثمالة من الأزد، فجلس يوماً بفناء بيته آمناً يخاف شيئاً، فاستدبره رجلٌ منهم من بني بلالٍ بسهم، فقصم صلبه، ففي ذلك يقول أبو خراشٍ: لعن الإله وجوه قومٍ رضعٍ ... غدروا بعروة من بني بلالٍ وأسر خراش بن أبي خراشٍ؛ أسرته ثمالة، فكان فيهم مقيماً، فدعا آسره يوماً رجلاً منهم للمنادمة، فرى ابن أبي خراشٍ موثقاً في القد، فأمهل حتى قام الآسر لحاجة، فقال المدعو لابن أبي خراشٍ: من أنت? قال: أنا أبن أبي خراشٍ، فقال: كيف دليلاكَ? قال: قطاةٌ، قال: فقم فاجلس ورائي، وألقى عليه رداءه، ورجع صاحبهُ، فلما رأى ذلك أصلت بالسيف، وقال أسيري. فنثل١ المجير كنانته، وقال: والله لأرمينك إن رمته، فني قد أجرته. فخلى عنه، فجاء إلى أبيه، فقال له: من أجارك? فقال: والله ما أعرفه، فقال أبو خراشٍ، وقال الرواة: لا نعرفُ أحداً مدح من لا يعرف غير أبي خراش: حمدتُ إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراشٌ وبعض الشر أهون من بعضِ فوالله لا نسى قتيلاً رزيته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرضِ بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... يوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجد محضِ ولم يك مثلوج الفؤاد مهيجاً ... أضاع الشباب في الربيلة والخفض٢

стр. 650

ولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرةٍ صادق النهضِ كأنهم يسعون في إثر طائر ... خفيف المشاش عظم غير ذي نحضِ١ يبادر جنح الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبض قوله: قبح الإله وجوه قوم رضع فهو جماعة راضع. وقوم يقولون: هو توكيد للئيم، كما يقولون: جائع نائع، وحسن بسن، وعطشان نطشان، وأجمع أكنع. وقوم يقولون الراضع هو الذي يرتضع من الضرع لئلا يسمع الضيف أو الجار صوت الحلب فيطلب منه. وتديق ذلك ما أنشدناه أبو عثمان عمرو بن بحرٍ لرجلٍ من الأعراب ينسب ابن عم له إلى اللؤم والتوحش: أحب شيءٍ إليه أن يكون له ... حلقوم وادٍ له في جوفهِ غارُ لا تعرف الريح ممساه ومصحبه ... ولا يشب إذا أمسى له نارُ لا يحلب الضرع لؤماً في الإناء ولا ... يرى له في نواحي الصحن آثار وقوله: كيف "دليلاك" فهي كثرة الدلالة، و"الفعيلي" إنما تستعمل في الكثرة، ويقال: القتيتي لكثرة النميمة، ويقال: الهجيري لكثرة الكلمة المترددة على لسان الرجل، يقال: ذكرك هجيراي، أي هو الذي يجري على لساني، وفي الحديث: "كان هجيري أبي بكر الصديق ﵀ بلا إله إلا الله" ويقال: كان بينهم رميا، لكثرة الرمي، وكذلك كل ما أشبه هذا. وقوله: "بجانب قوسي" فهو بلد تحله ثمالة بالسراة. وقوله: "بلى إنها تعفو الكلوم" فهي الجراح والآثار التي تشبهها، قال جرير: تلقى السليطي والأبطال قد كلموا ... وسط الرجال سليماً غير مكلومِ٢

стр. 651

وينشد: "وسط الرجال". وتعفو تدرسُ. وقوله: "عظمه غير ذي نحض"، النحض: اللحم، يقال: يأكل ويروي الرجال محضاً. وقوله: "فهو مهابذ" يقول: مجتهد. وهذيل فيها سعي شدي، وفي جماعة من القبائل التي تحل بأكناف الحجاز.

стр. 652

من أخبار الحطيئة وذكر المختار من شعره ولقي الزبرقان بن بدر - وهو قاصد بصدقات قومه إلى أبي بكر الصديق ﵀ الحطيئة في طريقه، فقال له الزبرقان: من أنت? فقال: أنا أبو مليكة، أنا حسب موضوع، فقال له الزبرقان: إني أريد هذا الوجه، ومالك منزلٌ، فامض إلى منزلي بهذا السهم، فسل عن القمر بن القمر، وكن هناك حتى أود إليك، ففعل فأنزلوه وأكرموه، فأقام فيهم فحسدهم١ عليه بنو عمهم من بني قريع، وذلك أن الزبرقان من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعدٍ بن زيد مناة بن تميم، وحاسدوه بنو قريع بن عوف بن كعب بن سعدِ، ولم يكن لعوف إلا قريقع وعطارد وبهدلة. وكان الذين حسدوه منهم بنو لأي بن شماس بن أنف الناقة بن قريع فدسوا إلى الحطيئة: أن تحول إلينا نعطط مائة ناقةٍ، ونشد كل طنب٢ من أطناب بيتك بجلة٣ بحونةٍ، قال: فأنى لي بذلك! قالوا: إنهم يريدون النجعة فإذا احتملوا فتخلف عنهم، ثم دسوا إلى امرأة الزبرقان من خبر بأن٤ الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح ذلك في قلبها، فلما تحمل القوم٥ تخلف الحطيئة، فاحتمله القريعيون، فبنوا له ووقوا له، فلما جاء الزبرقان صار إليهم، فقال: ردوا علي جاري، فقالوا: ليس لك بجارٍ وقد طرحته؛ فذلك حيث يقول٦ الحطيئة:

стр. 653

وإن التي نكبتها١ عن معاشرٍ ... علي غضاب أن صددت كما صدوا٢ أتت آل شماسٍ بن لأيٍ وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسبُ العد فإن الشقي من تعادي صدروهم ... وذا الجد من لانوا إليه من ودوا٣ يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد أقلوا عليهم لا أباً لأبيكمُ ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا ون كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا وإن قال مولاهم على جل حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم، ردوا وتعذلني أفناء سعدٍ عليهم ... وما قلت إلا بالذي٤ علمتُ سعدُ قوله: "جلة بحونة": أي خمة، يقال ذلك للناقة والنخلة إذا استفحلت وطالت. وقوله: نكبتها يقول: عدلت بها. وقوله: "والحسب العدُّ" معناه: الجليل الكثير، وأصل ذلك في الماء: يقال بئر عد، إذا كانت ذات مادة من العيون لا تنقطع وكل ماء ثابت فهو عد. وقوله: يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها يقول: ثقال لا يبلغ آخرها، وأصل الأناة من التأني والانتظار، يقول: لا يبلغ آخرها فتسفه. وقوله: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن شئت قلت "البنا" فهما مقصوران، يقال: بنى بنية وبُنية فجمع بنيةٍ بنى

стр. 654

وجمع بنيةٍ بنى فبنيةٌ وبنى ككسرةٍ وكسرٍ، وبنيةٌ وبنى كظلمة وظلم، فأما المصدر من بنيت فممدود، يقال بنيته بناء حسناً، وما أحسن بناءك. وقوله: "وإن عاهدوا أوفوا" أوفى، أحسن اللغتين، يقال وفى وأوفى. قال الشاعر – فجمع [بين١] اللغتين: أماابن بيض فقد أوفى بذمته ... كماوفى بقلاص النجم حاديها٢ وفي القرآن: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ﴾ ٣، وقال الله ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ ٤ وقال : ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ٥. فهذا كله على أوفى. وقال رسول الله ﷺ فيما روي من أنه قتل مسلماً بمعاهد، وقال: "أنا أولى من أوفى بذمته". وقال السموأل في اللغة الأخرى: وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا عاهدت أقواماً وفيت٦ وقال المكعبر الضبي: [قال أبو الحسن: حفظي "المكعبر"] : وفيت وفاء لهم ير الناس مثله ... بتعشار إذ تحبو إلي الأكابر٧ وقوله: وإن كانت النغماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا يقول ما قال جرير مثله: وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... علي من الحق الذي لا يرى ليا يقول: أستحيي أن أرى نعمته علي ولا يرى على نفسه لي مثلها.

стр. 655

وقوله: "على جل حادث" فهو الجليل من الأمر، ويقال: فلان يدعى للجلى، قال طرفة: وإن أدع للجلى أكن من حماتها١ وفيهم يقول الحطيئة٢: لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوما يجيء بها مسحي وإبساسي لما بدا لي منكم غيب أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آسي أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم ... ولا ترى طارداً للحر كالياس ما كان ذنب بغيض لا أبالكم ... في بائس جاء يحدوا آخر الناسِ جارٍ لقوم أطالوا هون منزلهِ ... وغادروه مقيماً بين أرماسِ ملوا قراه وهرته كلابهم ... وجرحوه بأنيابٍ وأضراسِ دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناسِ قوله: "لقد مريتكم" أصل، المري المسح، يقال مريت الناقة، إذا مسحت ضرعها لتدر، ويقال: مرى الفرس والناقة إذا قام أحدهما على ثلاثٍ ومسح الأرض بيده الأخرى، قال الشاعر: إذا حط عنها الرحل ألقت برأسها ... إلى شذب العيدان أو صنفت تمري٣ وهذا من أحسن أوصافها. وقال بعض المحدثين يصف برذوناً بحسن الأدب٤. وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك اللجام إلى انصراف الزائر٥

стр. 656

ويقال: مراه مائة سوطٍ ومائة درهم؛ إذا أوصل ذلك إليه، ولمراهُ موضع آخر، ومعناه مراه حقه؛ إذا دفعه عنه ومنعه منه، وقد قرىء ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ١، أي تدفعونه، وعلى في موضع عن قال العامري٢: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها وبنو كعب بن ربيعة بن عامر يقولون: رضي الله عليك. وأما الإبساس فأن تدعو الناقة باسمها، أوتلين لها الطريق إلى الحلب، بقول أو مسح أو ما أشبه ذلك، فذا كانت الناقة تدر على الدعاء والملق قيل: ناقة بسوسُ، وذلك من صفاتها في حسن الخلق. وقوله: ولم يكن لجراحي فيكم آسي يقول: مداوٍ، الآسي: الطبيب، قال الفرزدق يصف شجة: إذا نظر الآسون فيها تقلبت ... حماليقهم من هول أنيابها العصل٣ والإساء الدواء، ممدودٌ، وقال الحطيئة: هم الآسون أم الرأس لما ... تواكلها الأطبة والإساءُ فأما الأسي فمقصور، وهو: الحزن، ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ٤ وقال العجاج: يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا ... قال نعم أعرفهُ، وأبلسا٥ وأنحلبت عيناه من فرط الأسى فإذا قلت: "الأسى" قصرت أيضاً، وهو جمع أسوة، يقال فلان أسوتي وقدوتي. قال الله جل وعزَّ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٦.

стр. 657

والرَّمس: التراب، يقال: رمسَ فلانٌ في قبره. وأشعار الحطيئة في هذا الكتاب كثيرة، ولولا أنها معروفة مشهورة لأتينا على آخرها، ولكنا نذكر منها شيئاً مختاراً. فمن ذلك قوله: جزى الله خيراً والجزاء بكفه ... على خير ما يجزي الرجال بغيضا فلو شاء إذا جئناه فلم يلم ... وصادف منا في البلاد عريضا يقول: كثرت محاسنه حتى كذب ذامه، فاستغنى عن أن يكثر مادحه، ثقة بأن هاجيه غير مصدقٍ، فاعتبر هذا الكلام، فإنك تجده رأساً في بابه. ومن ذلك قوله: وإني قد علقتُ بحبل قوم ... أعانهم على الحسب الثراء إذا نزل الشتاء بجار قوم ... تجنب جار بيتهم الشتاءُ همُ الآسون أم الرأس لما ... تواكلها الأطبة والإساءُ ثم قال يخاطب الزبرقان ورهطه: ألم أك نائياً فدعوتموني ... فجاء بي المواعد والدعاءُ فلما كنت جاركم أبيتم ... وشر مواطن الحسب الإباءُ ولما كنت جارهم حبوني ... وفيكم كان لو شئتم حباءُ فلما أن مدحت القوم قلتم ... هجوت، وهل يحل لي الهجاءُ! ولم أشتم لكم حسباً ولكن ... حدوت بحيث يستمع الحداءُ ويروى أن الحطيئة - واسمه جرول بن أوس ويكنى: أبا مليكة - مر بحسان بن ثابتٍ وهو ينشدُ:

стр. 658

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما [ش: أدخله سيبويه ﵀ على أن "الجفنات" من الجمع الكثير] . فالتفت إليه، فقال: كيف ترى? فقال: ما أرى بأساً، قال حسان: انظروا إلى [هذا١] الأعرابي يقول: ما أرى بأساً، أبو من? قال: أبو مليكة، قال حسان: ما كنت علي أهون منك حيث اكتنيت بامرأة! ما أسمك? قال: الحطيئة، قال: امضِ بسلامٍ. وكان الحطيئة في حبس عمر بن الخطاب ﵀، باستدعاء الزبرقان عليه في هذه القصة، ولعمر يقول: ماذا تقول لأفراخ بذي مرح ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر٢ ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليك مقاليد النُّهى البشر ما آثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن بك استأثروا إذ كانت الأثر ويرى عن أبي زيد الأنصاريّ أنه قال: ويرى الأثر والواحدة أثرة وإثرة؛ ومعناه الاستئثار. فرقّ له عمر فأخرجه، فيروى أنّ عمر ﵀ دعا بكرسيّ فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بإشفى وشفرة٣، يوهمه أنه على قطع لسانه، حتى ضجّ من ذاك، فكان فيما قال له الحطيئة: يا أمير المؤمنين؛ إني والله قد هجوت أبي وأمي، وهجوت امرأتي، وهجوت نفسي. فتبسم عمر ﵀، ثم قال: فما الذي قلت? قال: قلت لأبي وأمي - والمخاطبة للأمّ: ولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا بنيك فساءني في المجلس

стр. 659

وقلت لها: تنحّي فاجلسي منّي بعيداً ... أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سرّاً ... وكانوناً على المتحدّثينا١ وقلت لامرأتي: أطوّف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدته لكاع فقال له عمر ﵀: فكيف هجوت نفسك? فقال: اطّلعت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته، فقلت: أبت شفتاي اليوم ألاّ تكلّما ... بسوء فما أدري لمن أنا قائله أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله

стр. 660

المثنى بن معروف مع أبي جبر الفزاري ونزل أعرابي من طيىء، يقال له المثنّى بن معروف بأبي جبر الفزاري، فسمعه يوماً يقول: والله لوددت أني أبيت الليلة خالياً بابنة عبد الملك بن مروان، فقال له المثنّى: أحلالاً أم حراماً? فقال: ما أبالي، فوثب عليه فضرب رأسه برحالة١، ثم انتقل وهو يقول: أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... على النأي أنّي قد وترت أبا جبر كسرت على اليافوخ منه رحالة ... لنصر أمير المؤمنين وما يدري على غير شيء غير أنّي سمعته ... بنى بنساء المسلمين بلا مهر

стр. 661

من أخبار الحجاج ويروى: أن الحجاج [بن يوسف١] جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقالم رجل منهم فقال: أصلح الله الأمير! إنّ لي عليك حقّا، قال: وما حقّك? قال: سبّك عبد الرحمن يوماً فرددت عليه، قال: من يعلم ذاك?

стр. 662

قال: أنشد الله رجلاً سمع ذاك إلاّ شهد به، فقام رجل من الأسراء١ فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلّوا عنه، ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر? قال: لقديم بغضي إيّاك؛ قال: ويخلّى عنه لصدقه. وقال عمر بن الخطاب لرجل -وهو أبو مريم السّلوليّ٢-: والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم،. قال: أفتمنعني حقّا? قال: لا، قال: فلا بأس، إنّما يأسف على الحبّ النساء. وقال الحجاج لرجل من الخوارج: والله إني لأبغظكم، فقال له الخارجي: ادخل الله أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. وأتى الحجاج بامرأة من الخوارج، فجعلت لا تنظر إليه؛ وكان يزيد بن أبي مسلم يرى رأي الخوارج ويكتم ذاك٣، فأقبل على المرأة فقال: انظري إلى الأمير، فقالت: لا أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فكلّمها الحجاج وهي كالسّاهية، فقال لها يزيد: اسمهي ويلك من الأمير! فقالت: الويل لك أيها الكافر الرّدّيّ!. قال أبو العباس: والرّدّيّ عند الخوارج الذي له عقدهم ويظهر خلافه رغبة في الدنيا. وكان صالح بن عبد الرحمن كاتب الحجاج وصاحب دواوين العراق. والذي قلب الدواوين إلى العربية، ثم كان على خراج العراق أيام ولي يزيد بن

стр. 663

المهلّب [العراق١] فأشجى٢ يزيد، وقد كان يرى رأي الخوارج فكايده يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج، فأشار على الحجاج أن يأمره بقتل جوّاب الضّبّيّ، وهو رأس من رؤوس الخوارج، وقال يزيد: إن فعل برئت منه الخوارج وقتلته، وإن أمسك قتله الحجاج، فقتله. وخبّرت أنه قال: والله ما قتلته رغبة في الحياة، ولكنّي خفت يسبي الحجاج بناتي، وكان يقول [بعد٣] : إنّي حين أقتل جوّاباً لحريص على الدنيا، فلما عذّبه عمر بن هبيرة في خلافة يزيد بن عاتكة رمي به على قمامة، وهو لمآبه٤. فسمع يحكّم عليها٥، وحكّم مالك بن المنذر بن الجارود، وهو بآخر رمق في سجن هشام بن عبد الملك. ودخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميماً، فلما رآه [سليمان٦] قال: قبح الله رجلاً أجرّك رسنه٧، وأشركك في أمانته! فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، رأيتني والأمر لك وهو عنّي مدبر، ولو رأيتني والأمر عليّ مقبل لاستكبرت منّي ما استصغرت، واستعظمت منّي ما استحقرت، فقال: أترى الحجاج استقرّ في قعر الجحيم بعد! فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك في الحجاج، فإنّ الحجاج وطّأ لكم المنابر، وأذل لكمالجبابر، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك، وعن يسار أخيك فحيث كانا كان.

стр. 664

باب من تكاذيب الأعراب قال أبو العباس: وهذا باب من تكاذيب الأعراب. حدّثني أبو عمر الجرميّ قال: سألت أبا عبيدة عن قول الرّاجز: أهدّموا بيتك لا أبا لكا ... وأنا أمشي الدّألى حوالكا! فقلت: لمن هذا الشعر? فقال [تقول العرب١] : هذا يقوله الضب للحسل، أيام كانت الأشياء تتكلم. الدألي: مشي كمشي الذئب، يقال: هو يدأل في مشيته، إذا مشى كمشية الذئب، من قول امرىء القيس: أقب حثث الركض والدالان٢ ومن قال في بيت ابن عتمة الضبي: [حقيبة رحلها بدن وسرج] ٣ ... تعارضه مرببة دؤول فنما أراد هذا، ومن قال "ذؤول" فإنماأراد السرعة، يقال: مر يذأل، إذا مر يسرع. وقوله "حوالكا" يقال: هو يطوف واله وحوله وحواليه. ومن قال: حواليه بالكسر: فقد أخطأ، وفي القرآن ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٤ وحواليه: تثنية حوال، كما تقول: حنانية، الواحد حنان، قال الشاعر: فقالت حنان ما تيى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف? والحنان: الرحمة، قال الله : ﴿وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا﴾ ٥. وقال الشاعر: [وهو الحطيئة٦] لعمر بن الخطاب ﵀:

стр. 665

تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا وقال طرفة: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض قال أبو العباس: وحدثني غير واحدٍ من أصحابنا، قال: قيل لرؤية: ما قولك: لو أنني عمرت سن الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل والصخر مبتل كمثل الوحل ما زمن الفطحلي? قال: أيام كانت السلام رطاباً١. قوله: "سن الحسل" مثل؛ تضربه العرب في طول العمرِ٢. وأنشدني رجل من بني العنبر، أعرابي فصيح، لعبيد بن أيوب العنبري: كأني وليلى لم يكن حل أهلنا ... بواد خصيب والسلام رطابُ وحدثني سليمان بن عبد الله عن أبي العميثل مولى العباس بن محمد: تكاذب أعرابيان فقال أحدهما: خرجت مرة على فرس لي، فإذا [أنا٣] بظلمة شديدة، فيممتها حتى وصلت إليها، فإذا قطعة من الليل لم تنتبه، فما زلت أحمل بفرسي عليها حتى أنبهتها، فانجابت؛ فقال الآخر: لقد رميت ظبياً مرة بسهم فعدل الظبي يمنة، فعدل السهم خلفه، فتياسر الظبي، فتياسر السهم خلفه، ثم علا الظبي فعلا السهم خلفه، فانحدر فانحدر عليه حتى أخذه. وتزعم الرواة أن عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لبني الجون الكنديين يوم جبلة: إن لي عليكما حقا لرحلتي ووفادتي، فدعوني أنذر قومي من

стр. 666

موضعي هذا، فقالوا: شأنك، فصرخ بقومه بعد أن قالا له: شأنك، فأسمعهم على مسيرة ليلةٍ. ويروى عن حماد الرواية قال: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: أرأيت قول أبيك: بني عامر هل تعرفون إذا غدا ... أبو مكنف قد شد عقد الدوابرِ بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجداً للحوافرِ وجمع كمثل الليل مرتجس الوغى ... كثير تواليه سريع البوادر أبت عادة للورد أن يكره الوغى ... وحاجة رمحي في نمير بن عامرِ فقلت لأبي: أحضرت هذه الوقعة? فقال: نعم. فقلت: فكم كانت خيلكم? قال: ثلاث افراس، أحدها فرسه، قال: فذكرت هذا لابن أبي بكر الهذلي، فحدثني عن أبيه قال: حضرت يوم جبلة، قال: وكان قدبلغ مائة سنة؛ وكان قد أدرك أيام الحجاج، قال: فكانت الخيل في الفريقين، مع ما كان مع ابني الجوني-، ثلاثين فرساً، قال: فحدثتُ بهذا الحديث الخثعمي - وكان رواية أهل الكوفة - فحدثني: أن حثعم قتلت رجلاً من بني سليم بن منصور، فقالت أخته ترثيه: لعمري وما عمري علي بهين ... لنعم الفتى غادرتم آل حثعما وكان إذا ما أورد الخيل بيشةً ... إلى جنب أشراج أناخ فألجما فأرسلها رواً رعالاً كأنها ... جراد زهته ريح نجد فأتهما فقيل لها: كم كانت خيل أخيك? فقالت: اللهم إني لا اعرف غلا فرسه. قوله: "قد شد عقد الدواير" يريد عقد دوابر الدرع، فإن الفارس إذا حمى فعل ذلك. وقوله: "تضل البلق في حجراته" يقول: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلغ مشهرو المنظر؛ لاختلاف لونيه، من ذلك قوله: فلئن وقفت لتخطفنك رماحنا ... ولئن هربت ليعرفن الأبلق

стр. 667

وحجراته: نواحيه. وقوله: ترى الأكم منه سجدا للحوافر يقول: لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض. وقوله: "كمثل الليل" يقول: كثرة، فيكاد يسد سواده الأفق، ولذلك يقال: كتيبة خضراءُ، أي سوداء، وكانت كتيبة رسول الله ﷺ التي هو فيها والمهاجرون والأنصار يقال لها: الخضراء. والمرتجس: الذي يسمع صوته ولا يبين كلامه، يقال: ارتجس الرعد، من هذا. والوغى: الأصوات. والتوالي: اللواحق، يقال: تلا يتلوه، إذا اتبعهُ، وتلوتُ القرآن أي أتبعت بعضه بعضاً، والمتلية: التي معها أولادها. وقوله: فارسلها رهواً، يقول: ساكنت، قال الله جل وعزَّ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ١؛ ويقال: عيش راهٍ يا فتى، أي ساكن. ورعال: جمع رعيل، وهو ما تقدم من الخيل، يقال: جاء في الرعيل الأول قال عنترةُ: إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الأولِ قوله: "زهته ريح نجد فاتهما" يقول: رفعته واستخفته، قال ابن أبي ربيعة: فلما تواقفنا وسلمت أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا ومعنى أتهم أتى تهامة. وزعم أبو عبيدة [معمر بن المثنى] ٢ عمن حدثه أن بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل بني تميم، فقالوا: إن علم بنا السليك أنذرهم، فبعثوا فارسين

стр. 668

على جوادين يريغان١ السليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يمحص٢ كأنه ظبي، فطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار، ولو جن عليه الليل لقد فتر، فجدا في طلبه، فذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وخدها، فقالا: قاتله الله! ما أشد متنيه! ولعل هذا كان من أول الليل فلما امتد به الليل فتر، فاتبعاه، فإذا به قد عثر باصل شجرةٍ فندر٣ منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه؛ فارتزت قصدة منها في الأرض فنشبت، فقالا: قاتله الله! واللهِ لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه، وأتم إلى قومه. ش: يروى أتم بألفٍ، وتم بغير الألف ونم بالنون، ومعنى تم إلى قومه أي نفذ. فأنذرهم، فلم يصدقوه لبعد الغاية، ففي ذلك يقول: يكذبني العمران عمرو بن جندب ... وعمرو بن كعب والمكذب أكذب ثكلتكما إن لم أكن قدر أيتها ... كراديس يهديها إلى الحي موكبُ٤ كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همام متى يدع يركبوا فصدقه قوم فنجوا، وكذبه قوم فورد عليهم الجيش فاكتسحهم. وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب? فقال لي: إن العجم تكذب فتقول: كان رجلٌ ثلثه من نحاسٍ، وثلثه من رصاصٍ، وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبه. من ذلك قول مهلهل بن ربيعة: فلو نشر المقابر عن كليبٍ ... فتخبر بالذنائب أي زيرِ! بيوم الشعثمين لقر عينا ... وكيف لقاء من تحت القبورِ

стр. 669

كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مديرِ كأن رماحهم أشطان بئرٍ ... بعيدٍ بين جاليها جرورِ١ فلولا الريح أسمع من بحجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكورِ [قال أبو الحسن: يقال فلان: زير نساءٍ، وطلب نساء، وتبع نساءٍ، وخلوا نساءٍ؛ إذا كان صاحب نساء، وذلك أن مهلهلاً كان صاحب نساء، فكان كليب يقول: إن مهلهلاً زير نساءٍ ولا يدرك بثأر، فلما أدرك مهلهلٌ بثأر كليبٍ، قال أي زير! فرفع أياً بالابتداء، والخبر محذوف، فكأنه قال: أي زير أنا في هذا اليوم!] . قال أبو العباس: وحدثني عمرو بن بحر قال: أتيت أبا الربيع الغبوي وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم، فقلت: أبو الرّبيع ههنا? فخرج إليّ وهو يقول: خرج إليك رجل كريم. فلمّا رأى الهاشميّ استحيا من فخره بحضرته، فقال: أكرم الناس رديفاً وأشرفهم حليفاً. فتحدثنا ملياً، فنهض الهاشمي، فقلت لأبي الربيع: يا أبا الربيع من خير الخلق? فقال: الناس والله، فقلت: من خير الناس? قال: العرب والله، فقلت: فمن خير العرب? قال: مضر والله، قلت: فمن خير مضر? قال: قيس والله، قلت: فمن خير قيس? قال: يعصر والله، قلت: فمن خير يعصر? قال: غنيّ والله، قلت: فمن خير غنيّ? قال: المخاطب لك والله، قلت: أفأنت خير الناس? قال: نعم إي والله، قلت: أيسرّك أن تحتك بنت يزيد بن المهلب? قال: لا والله، قلت: ولك ألف دينار? قال: لا والله? قلت: فألفا دينار? قال: لا والله، قلت: ولك الجنّة! فأطرق [مليّاً٢] ثم قال: على ألاّ تلد منّي، وأنشد: تأبى لأعصر أعراق مهذبة ... من أن تناسب قوماً غير أكفاء فإن يكن ذاك حتماً لا مردّ له ... فاذكر حذيف فإني غير أبّاء وقوله: "أكرم الناس رديفاً" فإن أبا مرثد الغنوي كان رديف رسو الله صلى الله عيه وسلم.

стр. 670

وقوله: "وأشرفهم حليفاً"، كان أبو مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب. وقوله: "فاذكر حذيف"، أراد حذيفة بن بدر الفزاري، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسباً، وذاك أن يعصر ابن سعد بن قيس، وهؤلاء بنو ريث بن غطفان بن سعد بن قيس. وقد قال عيينة بن حصن يهجو ولد يعصر، وهم غنيّ وباهلة والطّفاوة: أباهل ما أدري أمن لؤم منصبي ... أحبّكم أم بي جنون وأولق١ أسيّد أخوالي ويعصر إخوتي ... فمن ذا الذي منّي مع اللؤم أحمق! فقال الباهلي يجيبه: وكيف تحبّ الدهر قوماً هم الأولى ... نواصيكم في سالف الدهر حلّقوا ألست فزاريّا عليك غضاضة ... وإن كنت كنديا فإنك ملصق وتحدّث الرواة بأن الحجاج رأى محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي، وكان ينسب بزينب بنت يوسف، فارتاع من نظر الحجاج [إليه٢] فدعا به، فلما عرفه قال مبتدئاً: هاك يدي ضاقت بي الأرض رحبها ... وإن كنت قد طوفت كل مكان ولو كنت بالعنقاء أو بيسومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني٣ ثم قال: والله إن قلت إلاّ خيراً، إنما قلت: ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات في كم كنت? قال: والله إن كنت إلاّ على حمار هزيل، ومعي رفيقي على أتان مثله.
следующие страницы →