← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

موضعي هذا، فقالوا: شأنك، فصرخ بقومه بعد أن قالا له: شأنك، فأسمعهم على مسيرة ليلةٍ. ويروى عن حماد الرواية قال: قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها: أرأيت قول أبيك: بني عامر هل تعرفون إذا غدا ... أبو مكنف قد شد عقد الدوابرِ بجيش تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم منه سجداً للحوافرِ وجمع كمثل الليل مرتجس الوغى ... كثير تواليه سريع البوادر أبت عادة للورد أن يكره الوغى ... وحاجة رمحي في نمير بن عامرِ فقلت لأبي: أحضرت هذه الوقعة? فقال: نعم. فقلت: فكم كانت خيلكم? قال: ثلاث افراس، أحدها فرسه، قال: فذكرت هذا لابن أبي بكر الهذلي، فحدثني عن أبيه قال: حضرت يوم جبلة، قال: وكان قدبلغ مائة سنة؛ وكان قد أدرك أيام الحجاج، قال: فكانت الخيل في الفريقين، مع ما كان مع ابني الجوني-، ثلاثين فرساً، قال: فحدثتُ بهذا الحديث الخثعمي - وكان رواية أهل الكوفة - فحدثني: أن حثعم قتلت رجلاً من بني سليم بن منصور، فقالت أخته ترثيه: لعمري وما عمري علي بهين ... لنعم الفتى غادرتم آل حثعما وكان إذا ما أورد الخيل بيشةً ... إلى جنب أشراج أناخ فألجما فأرسلها رواً رعالاً كأنها ... جراد زهته ريح نجد فأتهما فقيل لها: كم كانت خيل أخيك? فقالت: اللهم إني لا اعرف غلا فرسه. قوله: "قد شد عقد الدواير" يريد عقد دوابر الدرع، فإن الفارس إذا حمى فعل ذلك. وقوله: "تضل البلق في حجراته" يقول: لكثرته لا يرى فيه الأبلق، والأبلغ مشهرو المنظر؛ لاختلاف لونيه، من ذلك قوله: فلئن وقفت لتخطفنك رماحنا ... ولئن هربت ليعرفن الأبلق

стр. 667

وحجراته: نواحيه. وقوله: ترى الأكم منه سجدا للحوافر يقول: لكثرة الجيش تطحن الأكم حتى تلصقها بالأرض. وقوله: "كمثل الليل" يقول: كثرة، فيكاد يسد سواده الأفق، ولذلك يقال: كتيبة خضراءُ، أي سوداء، وكانت كتيبة رسول الله ﷺ التي هو فيها والمهاجرون والأنصار يقال لها: الخضراء. والمرتجس: الذي يسمع صوته ولا يبين كلامه، يقال: ارتجس الرعد، من هذا. والوغى: الأصوات. والتوالي: اللواحق، يقال: تلا يتلوه، إذا اتبعهُ، وتلوتُ القرآن أي أتبعت بعضه بعضاً، والمتلية: التي معها أولادها. وقوله: فارسلها رهواً، يقول: ساكنت، قال الله جل وعزَّ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً﴾ ١؛ ويقال: عيش راهٍ يا فتى، أي ساكن. ورعال: جمع رعيل، وهو ما تقدم من الخيل، يقال: جاء في الرعيل الأول قال عنترةُ: إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أوكل بالرعيل الأولِ قوله: "زهته ريح نجد فاتهما" يقول: رفعته واستخفته، قال ابن أبي ربيعة: فلما تواقفنا وسلمت أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا ومعنى أتهم أتى تهامة. وزعم أبو عبيدة [معمر بن المثنى] ٢ عمن حدثه أن بكر بن وائل أرادت الغارة على قبائل بني تميم، فقالوا: إن علم بنا السليك أنذرهم، فبعثوا فارسين

стр. 668

على جوادين يريغان١ السليك، فبصرا به فقصداه، وخرج يمحص٢ كأنه ظبي، فطارداه سحابة يومهما، فقالا: هذا النهار، ولو جن عليه الليل لقد فتر، فجدا في طلبه، فذا بأثره قد بال فرغا في الأرض وخدها، فقالا: قاتله الله! ما أشد متنيه! ولعل هذا كان من أول الليل فلما امتد به الليل فتر، فاتبعاه، فإذا به قد عثر باصل شجرةٍ فندر٣ منها كمكان تلك، وانكسرت قوسه؛ فارتزت قصدة منها في الأرض فنشبت، فقالا: قاتله الله! واللهِ لا نتبعه بعد هذا، فرجعا عنه، وأتم إلى قومه. ش: يروى أتم بألفٍ، وتم بغير الألف ونم بالنون، ومعنى تم إلى قومه أي نفذ. فأنذرهم، فلم يصدقوه لبعد الغاية، ففي ذلك يقول: يكذبني العمران عمرو بن جندب ... وعمرو بن كعب والمكذب أكذب ثكلتكما إن لم أكن قدر أيتها ... كراديس يهديها إلى الحي موكبُ٤ كراديس فيها الحوفزان وحوله ... فوارس همام متى يدع يركبوا فصدقه قوم فنجوا، وكذبه قوم فورد عليهم الجيش فاكتسحهم. وحدثني التوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب? فقال لي: إن العجم تكذب فتقول: كان رجلٌ ثلثه من نحاسٍ، وثلثه من رصاصٍ، وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبه. من ذلك قول مهلهل بن ربيعة: فلو نشر المقابر عن كليبٍ ... فتخبر بالذنائب أي زيرِ! بيوم الشعثمين لقر عينا ... وكيف لقاء من تحت القبورِ

стр. 669

كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مديرِ كأن رماحهم أشطان بئرٍ ... بعيدٍ بين جاليها جرورِ١ فلولا الريح أسمع من بحجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكورِ [قال أبو الحسن: يقال فلان: زير نساءٍ، وطلب نساء، وتبع نساءٍ، وخلوا نساءٍ؛ إذا كان صاحب نساء، وذلك أن مهلهلاً كان صاحب نساء، فكان كليب يقول: إن مهلهلاً زير نساءٍ ولا يدرك بثأر، فلما أدرك مهلهلٌ بثأر كليبٍ، قال أي زير! فرفع أياً بالابتداء، والخبر محذوف، فكأنه قال: أي زير أنا في هذا اليوم!] . قال أبو العباس: وحدثني عمرو بن بحر قال: أتيت أبا الربيع الغبوي وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم، فقلت: أبو الرّبيع ههنا? فخرج إليّ وهو يقول: خرج إليك رجل كريم. فلمّا رأى الهاشميّ استحيا من فخره بحضرته، فقال: أكرم الناس رديفاً وأشرفهم حليفاً. فتحدثنا ملياً، فنهض الهاشمي، فقلت لأبي الربيع: يا أبا الربيع من خير الخلق? فقال: الناس والله، فقلت: من خير الناس? قال: العرب والله، فقلت: فمن خير العرب? قال: مضر والله، قلت: فمن خير مضر? قال: قيس والله، قلت: فمن خير قيس? قال: يعصر والله، قلت: فمن خير يعصر? قال: غنيّ والله، قلت: فمن خير غنيّ? قال: المخاطب لك والله، قلت: أفأنت خير الناس? قال: نعم إي والله، قلت: أيسرّك أن تحتك بنت يزيد بن المهلب? قال: لا والله، قلت: ولك ألف دينار? قال: لا والله? قلت: فألفا دينار? قال: لا والله، قلت: ولك الجنّة! فأطرق [مليّاً٢] ثم قال: على ألاّ تلد منّي، وأنشد: تأبى لأعصر أعراق مهذبة ... من أن تناسب قوماً غير أكفاء فإن يكن ذاك حتماً لا مردّ له ... فاذكر حذيف فإني غير أبّاء وقوله: "أكرم الناس رديفاً" فإن أبا مرثد الغنوي كان رديف رسو الله صلى الله عيه وسلم.

стр. 670

وقوله: "وأشرفهم حليفاً"، كان أبو مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب. وقوله: "فاذكر حذيف"، أراد حذيفة بن بدر الفزاري، وإنما ذكره من بين الأشراف لأنه أقربهم إليه نسباً، وذاك أن يعصر ابن سعد بن قيس، وهؤلاء بنو ريث بن غطفان بن سعد بن قيس. وقد قال عيينة بن حصن يهجو ولد يعصر، وهم غنيّ وباهلة والطّفاوة: أباهل ما أدري أمن لؤم منصبي ... أحبّكم أم بي جنون وأولق١ أسيّد أخوالي ويعصر إخوتي ... فمن ذا الذي منّي مع اللؤم أحمق! فقال الباهلي يجيبه: وكيف تحبّ الدهر قوماً هم الأولى ... نواصيكم في سالف الدهر حلّقوا ألست فزاريّا عليك غضاضة ... وإن كنت كنديا فإنك ملصق وتحدّث الرواة بأن الحجاج رأى محمد بن عبد الله بن نمير الثقفي، وكان ينسب بزينب بنت يوسف، فارتاع من نظر الحجاج [إليه٢] فدعا به، فلما عرفه قال مبتدئاً: هاك يدي ضاقت بي الأرض رحبها ... وإن كنت قد طوفت كل مكان ولو كنت بالعنقاء أو بيسومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني٣ ثم قال: والله إن قلت إلاّ خيراً، إنما قلت: ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات في كم كنت? قال: والله إن كنت إلاّ على حمار هزيل، ومعي رفيقي على أتان مثله.

стр. 671

ومن ذلك ما يحكون في خبر لقمان بن عاد، فإنهم يصفون أن جارية له سئلت عما بقي من بصره، لدخوله في السّنّ? فقالت: والله لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة؛ إنه ليفصل بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصّفا؛ في أشياء تشاكل هذا من الكذب. وحدّثت أنّ امرأة عمران بن حطّان السّدوسي قالت له: أما حلفت أنّك لا تكذب في شعر? فقال لها: أو كان ذاك? قالت: نعم، قلت: فكذاك مجزأة بن ثو ... رٍ كان أشجع من أسامة أيكون رجل أشجع من أسد! فقال لها: ما رأيت أسداً فتح مدينة قط، ومجزأة بن ثور قد فتح مدينة١. ومرّ عمران بن حطّان بالفرزدق وهو ينشد، فوقف عليه فقال: أيها المادح العباد ليعطى ... أن لله ما بأيدي العباد فاسأل الله ما طلبت إليهم ... وارج فضل المقسّم العواد لا تقل للجواد ما ليس فيه ... وتسمّ البخيل باسم الجواد وأنشدني الحسن بن رجاء لرجل من المحدثين لم يسمّه٢: أبا دلف يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب وأنشدني آخر لرجل من المحدثين: إنّي امتدحتك كاذباً فأثبتني ... لمّا امتدحتك ما يثاب الكاذب قال الأصمعي: قلت لأعرابي كنت أعرفه بالكذب: أصدقت قط? قال: لولا أنّي أخاف أن أصدق في هذا لقلت لك: لا.

стр. 672

وتحدثوا من غير وجه أن عمرو بن معدي كرب كان معروفا بالكذب. وقيل لخلف الأحمر - وكان شديد التعصب لليمن -: أكان عمرو بن معد كرب يكذب? فقال: كان يكذب في المقال، ويصدق في الفعال. وذكروا من غير وجه أن أهل الكوفة من الأشراف يظهرون بالكناسة فيتحدثون على دوابهم، إلى أن يطردهم حر الشمس، فوقف عمرو بنمعدي كرب وخالد بن الصقعب النهدي، فأقبل عمرو يحدثه، فقال: أغرنا مرة على بني نهدٍ، فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب، فحملت عليه فطعنته فأذريته١، ثم ملت عليه بالصمصامة، فأخذت رأسه، فقال له خالد: حلا أبا ثورٍ، إن قتيلك هو المحدث. فقال: يا هذا، إذا حدثت فاستمع، فإنما نتحدث بمثل ما تسمع لترهب به هذه المعدية٢. قوله: "مسترعفين" يقو: مقدمين له، يقال: جاء فلان يرعف الجيش ويؤمن الجيش، إذا جاء متقدماً لهم، ويقال في الرعاف: رعف يرعف، لا يقال غير رعب، ويجوز يرعف من أجل العين، ليس من الوجه. وسنذكر هذا الباب بعد انقضاء هذه الأخبار؛ إن شاء الله. وقوله: حلا أبا ثور يقول: استثن، يقال: حلف ولم يتحلل، أي لم يستثن. وخبرت أن قاصا كان يكثر الحديث عن هرم بن حيان٣، فاتفق هرم [مرة] ٤ معه في مسجد وهو يقول: حدثنا هرم بن حيان، مرة بعد مرة، بأشياء لا يعرفها هرم، فقال له: يا هذا، أترعفني? أنا هرم بن حيان، والله ما حدثتك من هذا بشيء قط، فقال له القاص: وهذا أيضاً من عجائبك، إنه ليصلي معنا في مسجدنا خمسة عشر رجلاً، اسم كل رجل منهم هرم بن حيان، كيف توهمت أنه ليس في الدنيا هرم بن حيان غيرك!

стр. 673

وكان بالرقة قاص يكنى أبا عقيل، يكثر التحدث عن بني إسرائيل فيظن به الكذب، فقال له يوماً الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل? قال: حنتمة، فقال له رجل من ولد أبي موسى الأشعري: في أي الكتب وجدت هذا? قال: في كتاب عمرو بن العاص. وقال القيني: أنا أصدق في صغير ما يضرني، ليجوز كذبي في كبير ما ينفعني. وأنشد المازني للأعشى - وليس مما روت الرواة متصلاً بقصيدة: فصدقتهم وكذبتهم ... والمرء ينفعه كذابه ويورى أن رجلاً وفد على رسول الله ﷺ ، فسأله [عن بعض شيء] ١، فكذبه، فقال له رسول الله ﷺ : "أأسألك فتكذبني? لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشردت بك من وافدِ قومٍ". معنى ومقك أحبك، يقال ومقته أمقه، وهو على فعلت أفعلُ ونظيره من هذا المعتل ورم يرم، وولي يلي. وكذلك وسع يسع، كانت السين مكسورةً، وإنما فتحت للعين، ولو كان أصلها الفتح لظهرت الواو، نحو وجل يوجل، ووحل يوحلُ. والمصدر مقةٌ كقولك: وعد يعد عدةً، ووجد يجد جدةً. ويروى: أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فأسلمِ، ثم قال: يا رسول الله، إني إنما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسر بخلالٍ أربع: الزنا والسرق٢ وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركت لك سرا، فقال رسول الله: "دع الكذب". فلما تولى من عند رسول الله ﷺ هم بالزنا، فقال: يسألني رسول الله، فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت. فلم يزن، ثم هم بالسرق٢، ثم هم بشرب الخمر، ففكر في مثل ذلك، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد تركتهن جمع.

стр. 674

وشهد أعرابي عند معاية بشهادة، فقال له معاوية: كذبت، فقال له الأعرابي: الكاذب متزمل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل. وقال معاوية يوماً للأحنف - وحدثه حديثاً: أتكذبُ? فقال: والله ما كذبتُ مذ علمت أن الكذب يشين أهلهُ. ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية، فقال: اسمع أبياتاً قلتهن - وكان واجداً عليه - فقال معاوية: هات، فأنشده: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران ن كان يعقل ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن من شفرة السيف مزحلُ فقال له معاوية: لقد شعرت بعدنا يا أبا بكر، ثم لم ينشب معاوية أن دخل عليه معن بن أوس المزني، فقال له: أقلت بعدنا شيئاً? قال: نعم، فأنشده: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنيةُ أولُ حتى صار إلى الأبيات التي أنشدها ابن الزبير، فقال له معاوية: يا أبا بكر، أما ذكرت آنفاً أن هذا الشعر لك? قال: أنا أصلحت معانيه، وهو ألف الشعر، وهو بعد ظئري، فما قال من شيء فهو لي. وكان عبد الله بن الزبير مسترضعاً في مزينة. وحدثت أن عمرَ بن عبد العزيز [بن مروان١] كتب في إشخاص إياس بن معاوية المزني وعدي بن أرطاة الفزاري أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عدي، فقرب أن يمزنه عند الخليفة، فقال: يا أبا وائلة، إن لنا حقاً ورحماً، فقال إياسُ: أعلى الكذب تريدني? والله ما يسرني أني كذبت كذبة يغفرها الله ولا يطلع عليها إلا هذا - وأومأ إلى أبيه - ولي ما طلعت عليه الشمس. قال أبو الحسن١: التمزين المدح؛ ولم أسمع هذه اللفظة إلا من

стр. 675

أبي العباس، وهي عندي مشتقة من المازن وهو بيض١ النمل، وبهذا سميت مازن كأنه أراد منه أن يكبره. ويروى: يكثره. قال القتبي: المازن: بيض النمل. قال الشيخ: قوله: أن يمزنه عند الخليفة أي كأنه يجعله سيد مزينة، لأنه كان مزنياً، والصواب: يمزره قال الموصلي. وإني مع ذا الشيب حلو مزيرُ ولم يكن في القضاة؛ وإنما كان أميراً على البصرة. . إن مات عمر. وكتب عمر إلى عدي: اجمع ناساً ممن قبلك وشاورهم في إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة، واستقضِ أحدهما؛ فولى عدي إياساً٢. ويروى أن أخا إياس صار إلى ابن هبيرة فقال: طرقني اللصوص فحاربتهم فهزمتهم، وظفرت منهم بهذا المغول٣؛ فجعله ابن هبيرة تحت مصلاهُ، ثم بعث إلى الصياقلة فأحضرهم، فقال: أيعرف منكم الرجل عمله? قالوا: نعم، فأخرج المغول فقال: من عملِ أيكم هذا٤? فقال قائل منهم: أنا عملت هذا، واشتراه مني هذا أمس.

стр. 676

باب ما يجوزُ فيه "يَفْعَلُ" فيما ماضيهِ "فَعَلَ" مفتوح العين أعلم أن كان فعل على فعلَ فهو عير متعد إلى مفعولٍ، لأنه فعلُ الفاعل في نفسه، وتأويل الانتقال، وذلك قولك: كرمَ عبد الله، وظرف عبد الله. وتأويل قولي: الانتقالُ، إنماهو انتقال من حالٍ إلى حال، تقولُ: ما كان كريماً ولقد كرم، وما كان شريفا ولقد شرف، فهذا تأويله، فأما قولهم: كدت أكاد، فإنما كدت معترضة على أكادُ. وما كان من "فعل" [من] ١ الصحيح فإنه يفعل نحو: شرب يشرب، وعلم؛ وفرق، ويكون متعدياً وغير متعد، تقول: حذرت زيداً، وعلمت عبد الله، ويكون فيه مثل سمنتُ، وبخلتُ، غير متعد، وكله على يفعلُ نحو يسمن، ويبخلُ، ويعلمُ، ويطربُ. فأما قولهم في الأربعة من الأفعال؛ يحسب وييئس، وينعمُ، وييبسُ؛ فهي معترضة على يفعلُ تقولُ في جميعها: يحسبُ. وينعمُ، وييئسُ، وييبسُ. وما كان على فعل فباب يفعل ويفعِل نحو قتل يقتل. وضرب يضربُ، وقعد يقعد، وجلس يجلس، فقد أنبأتك أنه يكون متعدياً وغير متعد. فأما يأبى، ويقلى؛ فلهما علةٌ تبين عندما أذكره لك ن شاء اللهُ. ولا يكون فعل يفعلُ إلا أن يكون يعرضُ له حرفٌ من حروف الحلقِ الستة في موضع العين أو موضع اللام، فإن كان ذلك الحرفُ عيناً فتح نفسه، وإن كان لاماً فتح العين. وحروف الحلق: الهمزة، والهاءُ، والعينُ، والجاءُ، والغين؛ والخاءُ. وذلك قولهم: قرأ يقرأُ قرأً، يا فتى، قراءةً، وسأل يسألُ، وجبه يجبهُ، وذهبَ يذهبُ، وتقول: صنعَ يصنعُ، وظعنَ يظعنُ، وضبحَ يضبحُ، وكذلك فرغ يفرغُ، وسلخً يسلخُ.

стр. 677

وقد يجوزُ أن يجيء الحرف على أصله وفيه أحدُ الستةِ، ويجوز: زأر يزئرُ، وفرغ يفرغُ، وصبغَ يصبغُ، إلا أن الفتح لا يكون فيما ماضيه فعل إلا واحدُ هذه الحروف فيه. وأما يأبى فله علةٌ، وأما يقلى فليس يثبتُ. وسيبويه يذهبُ في يأبى إلى أنه إنما انفتح من أجل أن الهمزة في موضع فائه، والقول عندي على ما شرحت لك، من أنه إذا فتح حدث فيه حرفٌ من حروف الحلق، فإنما انفتح لأنه يصير إلى الألف، وهي من حروف الحلق، ولكن لم نذكرها لأنها لا تكون اصلاً، إنما تكون زائدةً أو بدلاً، ولا تكون مترحكةً، فإنما هي حرفٌ ساكنُ، ولا يعتمد اللسان بهِ على موضع، فهذا الذي ذكرت لك من أن يسع، ويطأ، حدهما فعلَ يفعِل في المعتل، كحسب يحسبُ، من الصحيح، ولكن فتحتهما العين والهمزة، كما تقول: ولغَ الكلب، يلغَ، والأصل يلغُ فحرف الحلق فتحه.

стр. 678

باب أخبار عبد الله بن العباس وابنه يروة عن علي بن أبي طالب رحمةُ الله عليه أنه افتقد عبد الله بن العباس ﵀ [في وقت صلاة الظهر١] فقال [لأصحابه١] : ما بال أبي العباس لم يحضر? فقالوا: ولدَ له مولود، فلما صلى علي ﵀ قال: امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه، فقال: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، ما سميته? قال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه! فأمر به فأخرج إليه، فأخذه وحنكه ودعا له، ثم رده إليه، وقال: خذه إليك أبا الأملاك، قد سميته علياً، وكنيته أبا الحسن، فلما قام معاوية قال لابن عباسٍ: ليس لكم اسمه وكنيته، قد كنيته أبا محمدٍ، فجرت عليه. وكان علي سيداً شريفاً بليغاً، وكان له خمسمائة أصل زيتون، يصلي في كل يوم إلى كل أصلٍ ركعتين فكان يدعى ذا الثفنات٢. وضرب بالسوط مرتين كلتاهما ضربه الوليد، إحداهما: في تزوجهِ لبابة بنت عبد الله بن جعفر، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها - وكان أبخر - فدعت بسكين، فقال: ما تصنعين به?٣ قالت: أميطُ عنها الأذى، فطلقها، فتزوجها علي بن عبد الله، فضربه الوليد، وقال: إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منها، لن مروان بن الحكم تزوج أم خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منها، فقال علي بن عبد الله: إنما أرادت الخروج من هذه البلدة، وأنا ابن عمها فتزوجتها لأكون لها مخرجاً. وأما ضربه إياه في المرة الثانية فإنا الثانية فإنا نرويه من غير وجهٍ، ومن أتم ذلك ما حدثني أبو عبد الله محمدُ بن شجاعٍ البلخي٤ في إسناد له متصلٍ، لست

стр. 679

أحفظه، يقولُ في آخر ذلك الإسناد: رايت علياً مضروباً بالسوط يدار ب على بعير ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله الكذاب! قال: فأتيته فقلت: ما هذا الذي نسبوك فيه إلى الكذب? قال: بلغهم قولي: إن هذا الأمر سيكون في ولدي. والله ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغارُ العيونِ، العراضُ الوجوه، الذين كأن وجوههم المجان المطرقة. ومع هذا الحديث آخر شبيه بإسناده، إن علي بن عبد الله دخل على سليما بن عبد الملك، ومعه ابنا ابنه، الخليفتان: أبو العباس، وأبو جعفر - قال أبو العباس: وهذا غلط، لما أذكره لك، إنما ينبغي أن يكون دخل على هشام - فأوسع له على سريره، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثن ألف درهم علي دينً، فأمر بقضائها، قال له: وتستوصي بابني هذين خيراً، ففعل فشكره، وقال وصلتك رحمُ، فلما ولى علي قال الخليفة لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمع ذلك علي فالتفت إليه فقال: والله ليكونن ذاك؛ وليملكن هذان. قال أبو العباس: أما قولي: "إن الخليفة في ذلك الوقت لم يكن سليمان"، فلأن محمد بن علي بن عبد الله كان يمنع من تزوج الحارثية، للحديث المروي، فلما قام عمر بن عبد العزيز جاءه محمدٌ، فقال له: إن أردت أن أتزوج بنت خالي من بني الحارث بن كعبٍ، أفتأذن لي [يا أمير المؤمنين١] . فقال عمر: تزوج - رحمك الله - من أحببت، فتزوجها، فأولدها أبا العباس أمير المؤمنين، وعمر بعد سليمان، فلا ينبغي أن يكون تهيأ له أن يدخل على خليفة حتى يترعرع. ش: كذا وقع في الأم والرواية، والصحيح لهما أن يدخلا على خليفة حتى يترعرعا. فلا يتم مثل هذا إلا في أيام هشام.

стр. 680

وكان عبد الملك يكرم علياً ويقدمهُ، فحدثني التوزي؛ قال: قال علي بن عبد الله: سايرت يوماً عبد الملك، فما جاوزنا إلا يسيراً حتى لقيه الحجاج قادماً عليه، فلما رآه ترجل ومشى بين يديه، فخب عبد الملك، فأسرع الحجاج، فزاد عبد الملك، فهرول الحجاج، فقلت لعبد الملك، أبك موجدة على هذا? فقال: لا، ولكنه رفع من نفسه، فأحببت أن أغض منه. وحدثني جعفر بن عيسى بن جعفر الهاشمي، قال: حضر علي عبد الملك وقد أهدي له من خراسان جارية وفص وسيف، فقال: يا أبا محمدٍ، إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحداً، فاختار الجارية، وكانت تسمى سعدى، وهي من سبي الصغدِ١ من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان وصالحاً ابني عليٍ. وذكر جعفر بن عيسى أنه لما أولدها سليمان اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدري خرج عليه، فانصرف علي من مصلاهُ، فإذا بها على فراشه؛ فقال: مرحباً بك يا أم سليمان، فوقع بها، فأولدها صالحاً، فاجتنبت بعدُ، فسألها عن ذلك? فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع النسب بيني وبين رسول الله ﷺ ، فالآن إذا ولدتُ صالحاً فبالحري إن ذهب أحدهما أن يبقى الآخر، وليس مثلي اليوم من وطئه الرجالُ. وزعم جعفر أنه كانت فيها رتةُ. فالرتةُ: تعذرُ الكلام إذا أراده الرجل، فهي الآن معروفةٌ في ولد سليمان وولد صالحٍ. وكان علي يقول: أكره أو أوصي إلى محمد -وكان سيد ولده - خوفا من أن أشينه بالوصية، فأوصى إلى سليمان، فلما دفن علي جاء محمد إلى سعدى

стр. 681

[ليلا١ً] فقال [لها] ١: أخرجي إلي وصية أبي، فقالت: إن أباك أجل من أن تخرج وصيته ليلاً، ولكنها تأتيك غداً، فلما أصبح غدا بها عليه سليمان، فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك، فقال محمدٌ: جزاك الله من ابن وأخٍ خيراً، ما كنتُ لأثرب على أبي بعد موته، كما لم أثرب عليه في حياته. قال أبو العباس: التمتمة: التردد في التاء. والفأفأة: التردد في الفاء. والعقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام. والحبسة: تعذر الكلام عند إرادته. واللفف: إدخال حرف في حرفٍ. . والرتةُ: كالرتج تمنع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل. والغمغمة: أن تسمع الصوت ولا يتبين لك تقطيع الحروف. والطمطمة: أن يكون الكلام مشبهاً لكلامِ العجم. واللكنة: أن تعترض على الكلام اللغة الأعجمية. وسنفسر هذا بحججه حرفاً حرفاً، وما قيل فيه، إن شاء الله. واللثغة: أن يعدل بحرفٍ إلى حرف. والغنة: أن يشرب الحرف٢ صوت الخيشوم. والخنة: أشد منها. والترخيم: حذف الكلام، يقال: رجل فافاء يا فتى! تقديره فاعالٌ ونظيره من الكلام: ساباطٌ وخاتام. قال الراجز: يا مي ذات الجورب المنشق ... أخذت خاتامي بغير حق

стр. 682

لربيعة الرقي يمدح يزيد بن حاتم وقال ربيعة الرقي في مدحه يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب - وربيعة احتج به الأصمعي - وذمه يزيد بن اسيدٍ السلمي: لشتان ما بين الزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم

стр. 683

وقال آخر أيضاً: ليس بفأفاءٍ ولا تمتامِ ... ولا محت سقطِ الكلامِ وقال الشاعر: وقد تعتريه عقلة في لسانه ... إذا هز نصل السيف غير قريب وزعم عمرو بن بحر الجاحظ عن محمد بن الجهم قال: أقبلت على الفكر في أيام محاربة الزّطّ، فاعترتني حبسة في لساني. وهذا يكون لأن اللسان يحاتج إلى التمرين على القول، حتى يخفّ له، كما تحتاج اليد إلى التمرين على العمل، والرّجل إلى التمرين على المشي، وكما يعانيه موتر القوس ورافع الحجر ليصلب ويشتدّ، قال الراجز: كأن فيه لففاً إذا نطق ... من طول تحبيس وهمّ وأرق وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقّت جوانبه ولانت عذبته. وقال العتّابي: إذا حبس اللسان عن الاستعمال اشتدت عليه مخارج الحروف. وأما الرّتة فإنها تكون غريزة، قال الراجز: يا أيها المخلّط الأرت ويقال: إنها تكثر في الأشراف، ولم توجد تختص واحداً دون واحد. وأما الغمغمة فقد تكون من الكلام وغيره، لأنه صوت لا يفهم تقطيع حروفه.

стр. 684

أفصح الناس وحدّثني من لا أحصي من أصحابنا عن الأصمعي عن شعبة عن قتادة، قال: قال معاوية يوماً: من أفصح الناس? فقام رجل من السماط فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير. فقال له معاوية: من أولئك? فقال: قومي يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: من أنت? قال: أنا رجل من جرم. قال الأصمعي: وجرم من فصحاء الناس.

стр. 685

قوله: "تيامنوا عن كشكشة تميم"، فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شيئاً، لقرب الشين من الكاف في المخرج، وأنها مهموسة مثلها، فأرادوا البيان في الموقف، لأن في الشين تفشياً، فيقولون للمرأة: جعل الله لك البركة في دارش، ويحك مالش، والتي يدرجونها يدعونها كافاً، والتي يقفون عليها يبدلونها شيناً. وأما بكر فتخلف في الكسكسة، فقوم منهم يبدلون حركة كاف المؤنث في الوقف بالسين، فيزيدونها بعدها، فيقولون: أعطيتكس. أما الغمغمة فما ذكرت لك. وقال الهارب١ لامرأته يوم الخندقة، وذاك أنها نظرت إليه يحد حربة في يوم فتح مكة، فقالت: ما تصنع بهذه? قال: أعددتها لمحمد وأصحابه؛ فقالت: والله إن أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، فقال لها: إني لأرجو أن أخدمك بعضهم؛ وأنشأ يقول: إن تقبلوا فما بي علة ... هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السلة الألة: الحربة، والغرار ههنا: الحد، يعني "بذي غرارين" السيف. فلما لقيهم خالد يوم الخندقة انهزم الرجل، فلامته امرأته، فقال: إنك لو شهدت يوم الخندقة ... إذ فر صفوان وفر عكرمه ولحقتنا بالسيوف المسلمه ... يفلقن كل ساعد وجمجمه ضرباً ولا تسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت٢ حولنا وجمجمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

стр. 686

وأما الطمطمانية، ففيها يقول عنترة: تبري له حول النعام كأنها ... حزق يمانية لأعجم طمطم وكان صهيب أبو يحيى صاحب رسول الله ﷺ يرتضخ لكنة رومية، ويذكرون أن نسبه في النمر بن قاسط صحيح. وقد قال رسول الله ﷺ : "صهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة". وقال عمر لصهيب في قوله: إنه من النمر بن قاسط: قد سمعت ما قال رسول الله ﷺ فيمن انتمى إلى غير نسبه، فقال صهيب: أنا من القوم، ولكن وقع علي سباء. وكان عبد بني الحسحاس يرتضخ لكنة حبشية، فلما أنشد عمر بن الخطاب: عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال عمر: لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، فقال: ما سعرت، يريد: ما شعرت. وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وإنما أتته من قبل زوج أمه شيرويه الإسواري. ويقال: إن علياً ﵇ عاد زياداً في منزل شيرويه، فقال عبيد الله يوماً لرجل كلمه فظن به رأي الخوارج١: أهروري منذ اليومِ? يريد: أحروري، وهذه الهاء تشترك في قلبها من الحاء أصنافٌ من العجم. وكان زيادٌ الأعجم - وهو رجلٌ من عبد القيس - يرتضخ لكنةً أعجمية، يذهب فيها إلى مذهب قوم بأعيانهم من العجم. وأنشد المهلب بن أبي صفرة في مدحه إياه: فتى زاده السلتان في المدح رغبةً ... إذا غير السلتان كل خليلِ

стр. 687

يريد السلطان، وذلك أن بين التاء والطاء نسباً، فلذلك قلبها تاءً، لأن التاء من مخرج الطاء فقال: السلتان. أما الغنة، فتستحسن من الجارية الحديثة السن، لأنها ما لم تفرط تميل إلى ضربٍ من النغمة، قال ابن الرقاع العاملي يصف الظبية وولدها: تزجي أغن كأن إبرةَ روقهِ ... قلمٌ أصاب من الدواةِ مدادها

стр. 688

باب لمحمد بن عبد الله الثقفي قال محمد بن عبد الله بن نميرٍ الثقفي: لم تر عيني مثل سربٍ رأيته ... خرجن من التنعيم معتجرات مررن بفخ ثم رحن عشيةً ... يلبين للرحمن مؤتجراتِ تضوع مسكا بطن نعمانَ أن مشتْ ... به زينب في نسوةٍ عطراتِ وقامت تراءى يوم جمعٍ فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفاتِ ولما رأت ركبَ النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذراتِ دعت نسوةً شمَّ العرانين بدناً ... نواعمَ لاشعثاً ولا غبراتِ١ فأدنين لما قمنَ يحجبن دونها ... حجاباً من القسي والحبراتِ أحل الذي فوق السمواتِ عرشهُ ... أوانس بالبطحاء معتمراتِ يخبئن أطراف البنانِ من التقى ... ويخرجن جنح الليل مختمراتِ قوله: "مثل سربٍ رأيتهُ"، هو القطعة من النساء، أو من الظباءِ، أو من البقرِ، أو من الطير، كما قال: لم تر عيني مثل سربٍ رأيته ... خرجن علينا من زقاق ابن واقف فهذا يعني نساءً٢. ويقالُ: مرت بنا سربةٌ من الطير، في هذا المعنى، قال ذو الرمةِ: سوى ما أصاب الذئب منه وسربةٌ ... أطافت به من أمهاتِ الجوازلِ ويقال: فلانٌ واسعٌ السربِ، يعني بذلك الصدرَ، ويقال: خل لفلانٍ سربهُ، أي طريقه الذي يسربُ فيه، ويقال للإبل كذلك بالفتح: لأذعرن سربكَ. ويقال: حذراتُ، حذراتُ، ويقظٌ، ويقُظٌ؛ قال ابن أحمر: هل ينسئن يومي إلى غيره ... أني حوالي وأني حذرُ

стр. 689

وقوله: وكنّ من أن يلقينه حذراتِ الأصل "من أن يلقينه" ولكن الهمزة إذا خففت وقبلها ساكنٌ ليس من حروف اللين الزوائد، فتخفيفها - متصلة كانت أو منفصلة - أن تلقي حركتها على ما قبلها وتحذفها، تقول: من أبوك?، فتفتح النون وتحذف الهمزة، ومن أخوانك?، ومن أم زيدٍ?؛ فتضم النون وتكسرها وتفتحها، على ما ذكرت لك، وتقول: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ١ وفلانٌ له هيةٌ، وهذه مرةٌ، إذا خففت الهمزة في الخبء والهيئة والمرأةِ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٢ لأنها كانت اسأل فلما حركت السين بحركةِ الهمزة سقطت ألف الوصلِ، لتحرك ما بعدها، وإنما كان التخفيف في هذا الموضع بحذف الهمزةِ، لأن الهمزةَ إذا خففت قربت من الساكن، والدليل على ذلك أنها لا تبتدً إلا محققة، كما لا يبتدأ إلا بمتحركٍ، فلما التقى الساكن وحروف تجري مجرى الساكن حذفت المعتل منها، كما تحذف لالتقاء الساكنين. وقوله: "دعت نسوةٌ شم العرانين"، الشماء السابقة الأنف، والمصدر الشمم. وقال أحد الشعراء يمدح قثم بن العباس: نجوت من حلٍّ ومن رحلةٍ ... يا ناق إن قربتني من قثمْ إنكِ إن قربتنيه غداً ... عاش لنا اليسر وماتَ العدمْ في باعهِ طولٌ وفي وجههِ ... نورٌ وفي العرنين منه شممْ لم يدرِ ما لا وبلى قد درى ... فعافها واعتاض منها نعمْ قال أبو الحسن: أنشدنيه أبي لسليمان بن قتة، وزادني: أصم عن ذكر الخنا سمعهُ ... وما عن الخير به من صممْ والعرنين والمرسن والأنف واحدٌ، لما يحيط بالجميع. والبدن: واحدها بادنٌ كقولك: شاهدٌ وشهدٌ، وضامرٌ وضمرٌ، ن وهو العظيم

стр. 690

البدنِ، يقالُ: بدن فلانٌ، إذا كثر لحمه، وبدنَ، إذا أسنَّ. وفي الحديثِ عن رسول الله ﷺ : "إني قد بدنت، فلا تسبقوني بالركوع والسجود١". والأشعث والشعثاء: الخاليان من الدهن، وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل: من كان حين تمس الشمس جبهته ... أو الغبارُ يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا قال أبو الحسن، وزادني أبي: في بطنِ مظلمةٍ غبراءَ مقفرةٍ ... كيما يطيل بها في بطنها اللبثا تجهزي بجهازٍ تبلغين به ... يا نفس واقتصدي لم تخلقي عبثا

стр. 691

لعمر بن أبي ربيعة في أم عمر بنت مروان وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة١: ونظر إلى أم عمر بنت مروان بن الحكم، وكانت صارت إليه متنكرة، فرته وقضت من محادثته وطراً، ثم انصرفت، فلما رجعت من منى عرفها، فعلمت ذلك، فبعثت إليه: لا ترفع بي صوتاً، وأهدت له ألف دينار، فاشترى بها عطراً وبزاً وأهداه لها، فأبتْ أن تقبله، فقال: إذاً والله أنهبه فيكون أذيعَ له فقبلته، وفي ذلك يقول: وكم من قتيلٍ لايباءُ به دمٌ ... ومن غلقٍ رهناً إذا ضمه منى وكم مالىءٍ عينيه من شيء غيرهِ ... إذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى يجررن أذيال المروط بأسؤقٍ ... خدالٍ إذا ولين أعجازها روى أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طولَ ما حزنٍ ويا حسنَ مجتلى! فلم أر كالتجمير منظرَ ناطرٍ ... ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى وفيها أيضاً يقول: أيها الرائج المجد ابتكار ... قد قضى من تهمة الأوطارا ليت ذا الحج كان حتماً علينا ... كل شهرين حجةً واعتمارا

стр. 692

قوله: وكم من قتيل لا يباء به دمٌ يقول: لا يقاد به قاتله، وأصل هذا أنه يقال: أبأت فلاناً بفلانٍ، فباء به، إذا قتلته به، ولا يكاد يتسعمل هذا إلا والثاني كفءٌ للأول، فمن ذلك قولُ مهلهلِ بن ربيعة، حيث قتل بجير بن الحارث بن عبادٍ، فقيل للحارث - ولم يكن دخل في حربم: إن ابنك قتلَ، فقال: إن ابني لأعظم قتيلٍ بركةً، إذ أصلح الله به بين ابني وائلٍ، فقيل له: إنه لما قتلَ قال مهلهلٌ: بؤ بشسعِ نعلِ كليبٍ١؛ فعند ذلك أدخل الحارث يه في الحرب، وقال: قربا مربط النعامةِ مني ... لقحت حرب وائل عن حيال٢ لا بجير أغنى قتيلاً ولا رهـ ... ـط كليب تزاجروا عن ضلالِ لم أكن من جناتها علمَ اللهُ ... وإني بحرها اليوم صالي وقالت ليلى الأخيليةُ: فإن تكنِ القتلى بواءً فإنكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامرِ وقال التغلبي٣: ألا تنتهي عنا ملوكٌ وتتقي ... محارمنا لا يبوء الدم بالدمِ ويقال: باء فلانٌ بذنبهِ، أي. بخع به وأقر، قال الفرزدق لمعاوية: فلو كان هذا الحكُ في غير ملككم ... لبؤت به أو غص بالماء شاربهْ ويقال: باء فلانٌ بالشيء، من قولٍ أو فعلٍ، أي احتمله فصارَ عليه. وقال المفسرون في قول الله جل وعزَّ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ ٤، أي يجتمعا٥ عليك فتحملهما.

стр. 693

وأما قوله: "ومن غلقٍ رهنٍ١" فمن جر فهو من قولهم: رهن غلقٌ، فلما قدم النعت اضراراً أبدل منه المنعوتَ، ولو قال: "ومن غلقٍ رهناٌ" فنصب على الحال من المعرفة بقي الاسم المضمر فيغلق. وقوله: إذا ضمهُ منى فإنما سميت منى لما يمنى فيها من الدم، يقالُ في المني - وهي النطفة - منى الرجلُ وأنى، والقراءةُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ ٢ ويقال: مذى الرجلُ وأمذى، وودى وأودى، فقولهم: وذى، يعني البلةَ٣ التي تكونُ في عقبِ البولِ كالمذي، وأما المذي فيعتري من الشهوةِ والحركةِ. وقال علي بن أبي طالب رحمة الله: كل فحلٍ مذاءٌ. ومن كلام العرب: كل فحلٍ يمذي وكل أنثى تقذي؛ وهو أن يكون منها مثل المذي ولمَنَى موضعٌ آخر، يقال: منى الله لك خيراً، أي قدر لك خيراً، ويقال: منى اللهُ أن ألقى فلاناً، أي قدرَ، والمنيةٌ من ذا، يقال: لقيض فلانٌ منيته، أي ما قدرَ له من الموت، فأما المنيئة بالهمزة فهي المدبغةُ، وهي المكان الذي يدبغ فيه. وقوله: إذا راح نحو الجمرة البيضُ كالدمى الجمرة إنما سميت لاجتماع الحصى فيها، ومن ثم قيل: لا تجمروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم، أي لا تجمعوهم في المغازي، والتجمير التجميع. وكذلك قيل في جمراتِ العرب، وهم: بنو نمير بن عامرِ بن صعصعةَ، وبنو الحارث بن كعب بن علةَ بن جلدٍ، وبنو ضبةَ بن أدِّ بن طابخةَ، وبنو عبس بن بغيض بن ريثٍ. لأنهم تجمعوا في أنفسهم ولم يدخلوا معهم غيرهم. وأبو عبيدةَ لميعدد فيهم عبساً في كتاب الديباج ولكنهقال: فطفئت جمرتانِ، وهما بنو ضبةَ - لأنها صارت إلى الرباِ فحالفت - وبنو الحارثِ، لأنها صارت إلىمذحجٍ؛ وبقيت بنو نميرٍ إلى الساعة، لأنهالم تحالف، وقال النميري يجيب جريراً: نميرٌ جمرةُ العربِ التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا وإني إذا أسبُ بها كليباً ... فتحت عليهم للخسف بابا

стр. 694

وقال في هذا الشعرِ: ولولا أن يقال هجا نميراً ... ولم تسمع لشاعرها جوابا رغبنا عن هجاء بني كليبٍ ... وكيف يشتام الناس الكلابا!

стр. 695

لعمر بن أبي ربيعة في الثريا بنت علي وقال عمرُ بن عبد الله بن أبي ربيعة: ليت شعري هل أقولن لركبٍ ... بفلاة هم لديها هجوع طالما عرستم فاستقلوا ... حان من نجم الثريا طلوعُ إن همي قد نفى النوم عني ... وحديث النفس شيءٌ ولوعُ قال لي فيها عتيق مقالاً ... فجرت مما يقولُ الدموعُ قال لي: ودع سليمى، ودعها ... فأجاب القلبُ: لا أستطيعُ لا تلمني في أشتياقي إليها ... وأبكِ لي مما تجنُّ الضلوعُ قوله: حان من نجم الثريا طلوعُ كنايةٌ، وإنما يريدٌ الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أميةَ الأصغر، وهم العبلات. وكانت الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني، واسمه عبدُ الملك، ويكنى أبا يزيد، ويقول إسحاق بن إبراهيم الموصلي: إنما سمي الغريض بالطلع، لأن الطلع يقالُ له الإغريض، وليس هو عندي ما قال، وإنما سمي الغريض لطرائته، يقال: لحمُ غريضٌ. وكانت الثريا موصوفة بالجمال، وتزوجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوفٍ الزهري، فنقلها إلىمصر، فقال عمرُ، يضربُ لهما المثل بالكوكبين: أيها المنكحُ الثريا سهيلاً ... عمركَ الله، كيف يلتقيانِ! هي شاميةٌ إذا ما استقلت ... وسهيلٌ إذا استقل يماني وقوله: قال لي فيها عتيق مقالاً يزعمُ الرواة أن كل شيء ذكر فيه عتيقاً أو بكراً فإنما يعني ابن أبي عتيقٍ.

стр. 696

طرف من أخبار ابن عتيق وكان ابن أبي عتيق من نساكِ قريشٍ وظرفائهم، بل كان قد بذهم ظرفاً، وله أخبارٌ كثيرةٌ، سمير بعضها في الكتابِ، إن شاء الله. فمن طريف أخباره أنه سمعَ وهو بالمدينة قول ابن أبي ربيعة: فما نلت منها محرماً غير أننا ... كلانا من الثوب المطرفِ لابسُ فقال: أبنا يعلبُ ابن أبي ربيعة! فأي محرم بقي! فركب بغلته متوجهاً إلى مكة، فلما دخل أنصاب الحرم، قيل له: أحرم، قال: إن ذا الحاجةِ لا يحرم، فلقي ابن أبي ربيعة فقال: أما زعمت أنك لم تركب حراماً قط! بلى، قال: فما قولك: كلانا من الثوب المطرفِ لابسُ فقال له: إذاً أخبركَ! خرجت بعلةِ المسجد، فصرنا إلى بعض الشعابِ، فأخذتنا السماءُ، فأمرتُ بمطرفي فسترنا الغلمانُ به، لئلا يروا بها بلةً فيقولوا: هلا استترت بسقائف المسجد! فقال لهابن أبي عتيقٍ: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنةٍ. وهو الذي سمع قول عمر بن أبي ربيعة: من رسولي إلى الثريا بأني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتابِ! فلبس ثيابه وركب بغلته وأتى باب الثريا، فاستأذن عليها، فقالت: والله ما كنت لنا زواراً، فقال: أجل، ولكني جئت برسالةٍ، يقول لك ابن عمك عمرُ بن أبي ربيعةَ: ضقت ذرعاً بهجرك والكتابِ فلامه عمرُ، فقال له ابن أبي عتيق: إنما رأيتك متلدداً تلتمس رسولاَ، فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابي أن أشكرَ.

стр. 697

ومن طريف أخباره أن عائشة بنت طلحة عتبت على مصعب بن الزبير فهجرته، فقال مصعبُ: هذه عشرة آلاف درهم لمن احتال لي أن تكلمني، فقال له ابن أبي عتيق: عدلِ المال، ثم صار إلى عائشة، فجعل يستعتبها لمصعب، فقالت والله ما عزمي أن أكلمه أبداً. فلما رأى جدها قال لها. يا بنتَ عم، إنه قد ضمن لي إن كلمته عشرةَ آلاف درهمٍ، فكلميه حتى آخذها، ثم عودي إلى ما عودكِ اللهُ. ومن أخباره أن مرون بن الحكم قال يوماً: إني لمشغوف ببغلة الحسن بن علي رحمهما الله، فقال له ابن أبي عتيق: إن دفعتها إليك، أتقضي لي ثلاثين حاجةً? قال: نعم، قال: إذا اجتمع الناس عندك العشية فإني آخذ في مآثر قريش، ثم أمسك عن الحسن، فلمني على ذلك، فلما أخذالناس مجالسهم أخذ في مآثر قريشن فقال له مروان: ألا تذكر أوليةَ أبي محمد، وله في هذه ما ليس لأحدٍ? فقال: إنما كنا في ذكر الأشراف، ولو كنا في ذكر الأنبياء لقدمنا ما لأبي محمد! فلما خرج الحسن ليركب تبعه ابن أبي عتيق، فقال له الحسن - وتبسمَ -: ألك حاجةٌ? فقال: ذكرتُ البغلة، فنزل الحسنُ ودفعها إليه. ومن طريف أخباره أن عثمان بن حيان المري لما دخل المدينة والياً عليها اجتمع الأشراف عليه من قريش والأنصار، فقالوا له: إنك لا تعمل عملاً أجدى ولا أولى من تحريم الغناء والرثاءِ، ففعل، وأجلهم ثلاثاً، فقدم ابن أبي عتيق في الليلة الثالثة، فحط رحله بباب سلامة الزرقاء، وقال لها: بدأت بكِ قبل أن أصير إلى منزلي، فقالت: أو ما تدري ما حدث? وأخبرته الخبر، فقال: أقيمي إلى السحر حتى ألقاه، فقالت: إنا نخاف ألا تغني شيئاً وننكظ١، فقال: إنه لا بأس عليك، ثم مضى إلى عثمان فاستأذن عليه، فأخبره أن أحب ما أقدمه عليه حب التسليم عليه، وقال له: إن من أفضل ما عملت به تحريم الغناء والرثاء. قال: إن أهلك أشاروا علي بذلك. قال: فإنك قد وفقت، ولكني رسول امرأةٍ إليك تقول: قد كانت هذه صناعتي فتبت إلى الله منها، وأنا أسألك أيها الأمير ألا تحول بينها

стр. 698

وبين مجاورة قبر النبي ﷺ ، فقال عثمان: إذن أدعها لك، قال: إذن لا يدعها الناس، ولكن تدعو بها فتنظرُ إليها، فإن كانت ممن يترك تركتها، قال: فادعُ بها، قال: فأمرها ابن أبي عتيق فتقشفت، وأخذت سبحةً في يدها، وصارت إليه، وحدثته عن مآثر آبائه، ففكهَ لها? فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، ففعلت، فأعجب بذاك. فقال لها: فاحدي للأمير، فحركه حداؤها، ثم قال لها: غيري للأمير، فجعل يعجب بذلك عثمانُ، فقال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها! فقال: قل لها فلتقل، فأمرها فتغنت: سددن خصاص الخيم لما دخلنه ... بكل لبانٍ واضحٍ وجبين فنزل عثمان بن حيان عن سريره حتى جلس بين يديها، ثم قال: لا والله، ما مثلك يخرجُ عن المدينة! فقال له ابن أبي عتيق: إذن يقول الناس أذنَ لسلامةَ في المقام ومنع غيرها! فقال له عثمان: قد أذنتُ لهم جيمعاً.

стр. 699

لابن نمير الثقفي وقال ابن نمير الثقفي: أشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاثِ ظعائن أسلكت نقب المنقى ... تحث إذا ونت أي احتثاثِ كأن على الظعائن يوم بانوا ... نعاجاً ترتعي بقل البراثِ يهيجني الحمامُ إذا تغنى ... كما سجع النوائح بالمراثي قوله: الظعائن واحداتها ظعينةٌ، وإنما قيل لها: ظعينةٌ، وهم يريدوه مظعوناً بها، كقولك: قتيلٌ، في معنى مقتول، ثم استعمل هذا وكثر حتى قيل للمرأة المقيمة: ظعينةٌ. وقوله: بذي الزي الجيمل من الأثايِ هي الرواية الصحيحة، وقد قيل بذي الري الجميل واستهواهم إليه قول الله جل ثناؤه: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾ ١ فالأثاث متاع البيت، ولاري ما ظهر من

стр. 700

الزينة، وإنما أخذ من قولك: رأيتُ، فالري غير الأثاث والزي من الأثاثِ، فمن ههنا غلطوا. وقوله: "أسلكت نقب المنقى"، فالمنقى موضع بعينه، والنقب: الطريق في الجبل، والخل: الطريق في الرمل، فإن اتسع الطريق في الجبل وعلا فهو ثنيةٌ، قال ابن الأيهم التغلبي: وتراهن شزباً كالسعالي ... يتطلعن من ثنايا النقابِ ١ وقوله: نعاجاً ترتعي بقل البراثِ فالنعجة عند العرب البقرة الوحشية، وحكم البقرة عندهم حكم الضائنة، وحكم الطبية عندهم حكمُ الماعزة، والعرب تكني بالنعجة عن المرأة وبالشاةِ، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ ٢ وقال الأعشى: فرميت غفلة عينه عن شاتِه ... فأصبت حبة قلبها وطحالها يريد المرأة. وأما البراث، فهي الأماكن السهلة من الرمل، واحدها برثٌ، مفتوح موضع الفاء من الفعل، وتقديرها: كلب وكلابٌ، والسجع من الكلام: أن تأتلف أواخره على نسقٍ، كما تأتلف القوافي، وهو في البهائم: موالاة الصوتِ، قال ابن الدمينة: أأن سجعتْ ورقاءُ في رونقِ الضحى ... على فننٍ غض النباتِ من الرند٣

стр. 701

لعمر بن أبي ربيعة وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: قال لي صاحبي ليعلم ما بي ... أتحب القتول أختَ الربابِ? قلت: وجدي بها كوجدك بالما ... ء إذا ما منعت برد الشرابِ من رسولي إلى الثريا بأني ... ضقت ذرعاً بهجرها والكتابِ

стр. 702

سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما تحل اغتصابي١? أزهتقت أم نوفلٍ إذ دعتها ... مهجتي، ما لقاتلي من متابِ حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني? قالت أبو الخطابِ فاستجابت عند الدعاء كما لبى ... رجالٌ يرجون حسن الثوابِ أبرزوها مثل المهاةِ تهادى ... بين خمس كواعبٍ أترابِ وهي مكنونةٌ تحير منها ... في أديم الخدين ماءُ الشبابِ ثم قالوا: تحبها? قلت: بهراً ... عدد النجم والحصى والترابِ دميةٌ عند راهبٍ ذي اجتهادٍ ... صوروها في جانب المحرابِ قوله: قلت وجدي بها كوجدكَ بالماء معنى صحيح، وقد اعتوره الشعراءُ، وكلهم أجادَ فيه. وقوله: إذا ما منعت برد الشرابِ يريد: عند الحاجة، وبذلك صح المعنى. ويورى عن علي بن أبي طالب ﵀ أن سائلاً سأله، فقال: كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ? فقال: كان واللهِ أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ. وقال آخر - وأحسبه قيس بن ذريحٍ: حلفت لها بالمعشرين وزمزمِ ... وذو العرش فوق المقسمين رقيبُ٢ [قال أبو الحسن: ويروى: والله فوق المقسمين، وهو أحب إليَّ] . لئن كان بردُ الماء حرانَ صادياً ... إلي حبيباً إنها لحبيبُ وقال القطامي: يقتلنا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي فن ينبذن من قولٍ يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلةِ الصادي والقول فيه كثير.

стр. 703

وقوله: ضقت ذرعاً بهجرها والكتابِ١ قوله: "والكتابِ" قسمٌ. وقوله: أزهقت أم نوفلٍ إذ دعتها مهجتي وقوله: تأويله: أبطلت وأذهبت، قال الله جل وعزَّ: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ٢ الأنبياء؛ ١٨؛ وللزاهق موضع آخرُ، وهو السمين المفرطُ، قال زهيرٌ: القائدُ الخيل منكوباً دوابرها ... منها الشنونُ ومنها الزاهقُ الزهِمُ٣ وقوله: "ما لقاتلي من متاب" يقول: من توبةٍ، والمصدر إذا كان بزيادة الميم من فعلَ يفعلُ فهو على مفعلٍ قال الله جل وعز: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ ٤ وأما قوله جل ذكره: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ ٥ فيكون على ضربين، يكون مصدراً، ويكون جماعاً. فالمصدر قولك: تاب يتوب توباً، كقولك: قال يقولو قولاً، والجمع توبةٌ وتوبٌ، مثل تمرةٍ وتمر، وجمرةٍ وجمرْ. وقوله: أبرزوها مثلَ المهاةِ تهادى المهاةُ، البقرةُ في هذا الموضعِ، وتشبه المرأة بالبقرة من الوحش لحسن عينيها ولمشيتها، والبقرةُ يقال لها: العيناءُ، والجماعُ العينُ، وكذلك يقالُ للمرأةِ. وتكون المهاةُ البلورة في غير هذا الموضعِ. وقوله: "تهادى" يريدُ: يهدي بعضها بعضاً في مشيتها، ومشية البقرةِ تستحسنُ، قال ابن أبي ربيعةَ:

стр. 704

أبصرتها ليلة ونسوتها ... يمشين بين المقامِ والحجرِ يمشين في الريط والمروط كما ... تمشي الهويني سواكنُ البقرِ وقوله: "كواعب" الواحدةُ كاعبٌ، وهي التي قد كعب ثدياها للنهود. أترابٌ: أقرانٌ، ويقال: تربُ فلانٍ. والممكورة: المكتنزة. وقوله: ثم قالوا تحبها قلتُ بهراً قال قوم: أراد بقوله: تحبها الستفهام، كما قال امرؤ القيس: أحارِترى برقاً أريكَ وميضهُ فحذف ألف الاستفهام، وهو يريد أترى، وقولوا: أراد أتحبها، وهذا خطأ فاحشٌ، إنما يجوز حذف الألفِ إذا كان في الكلامِ دليلٌ عليها، وسنفسرُ هذا ونذكرُ الصوابَ منه، إن شاء الله. قوله: تحبها إيجاب عليه، غير استفهامٍ؛ إنما قالوا: أنت تحبها، أي قد علمنا ذاك، فهذا معنى صحيحٌ لا ضرورة فيهِ. وأما قولُ امرىء القيس فإنما جاز لأنه جعل الألف التي تكونُ للاستفهام تنبيهاً للنداءِ، واستغنى بها، ودلت على أن بعدها ألفاً منويةً، فحذفت ضرورةً، لدلالة هذه العليها. ونظير قول امرىء القي: "أحار ترى برقاً" فاكتفى بالألفِ عنِ أن يعيدها في ترى قول ابن هرمة: ولا أراها تزالُ ظالمةً ... تظهر لي قرحة وتنكؤها استغنى بلا الأولى عن إعادتها؛ كما قال التميمي. وهو اللعين المنقري: لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقرِ يريد "أشعيث" فدلت "أم" على ألف الاستفهام، وقال ابن أبي ربيعة: لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان مثل ذلك: وبيت الأخطل فيه قولان، وهو: كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ ... غلس الظلامَ من الربابِ خيالاَ

стр. 705

قال: أراد: "أكذبتك عينكَ" كما قلنا فيما قبله، وليس هذا بالأجود، ولكنه ابتدأ متيقنا ثم شك، فأدخل "أم" كقولك: "إنها لإبل" ثم تشك فتقول: "أم شاء" يا قوم. وقوله: "قلت بهراً" يكون على وجهين؛ أحدهما: حباً يبهرني بهراً. أي يملأني، ويقال للقمر ليلة البدرِ: باهرٌ، أييبره النجوم، يملأها، كما قال ذو الرمة: كما يبهر البدرُ النجومَ السواريا وقال الأعشى: حكمتموه فقضى بينكمُ ... أبلج مثل القمرِ الباهرِ والوجهُ الآخر: أن يكون أراد "بهراً لكم" أي: تباً لكم حيث تلومونني على هذا، كما قال ابن ميادة١: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجاريةٍ بهراً لهم بعدها بهرا وقوله: عدد النجم والحصى والترابِ فيه قولان: أحدهما أنه أراد بالنجم النجوم، ووضع الواحد في موضع الجمع، لأنه للجنس؛ كما تقول: أهلك الناس الدرهم والدينارُ، وقد كثرتِ الشاةَ والبعيرُ، وكما قال الله جل وعزَّ: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٢. وقال الشاعر: فبات يعدُّ النجمَ في مستجيرةٍ ... سريعٍ بأيدي الآكلين جمودها يريد النجمَ، ويعني بالمستحيرة إهالة٣. والوجهُ الآخرُ أن يكون النجمُ ما نجمَ من النبتِ، وهو ما لم يقم على ساقٍ، والشجرُ ما يقوم على ساقٍ.
следующие страницы →