← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

لجرير يهجو بني حنيفة وقال جرير يهجو بن حنيفة: هجاني الناس م الأحياء كلهم ... حتى حنيفة تفسو في مناحيها١ أصحاب بخل وحيطان ومزرعة ... سيوفهم خشب فيها مساحيها دلت وأعطت يداً للسلم صاغرة ... من بعد ما كاد سيف الله يفنيها صارت حنيفة أثلاثاً فثلثهم ... أضحوا عبيداً وثلث من مواليها قوله: مناحيها، المنحاة: مقام السانية على الحوض، والحائط: البستان. وقوله:

стр. 807

من بعدما كاد سيف الله يفنيها يعني خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم في وقعته بسلمة الكذاب. وللنسابين بعد هذا قول منكر. وقال جرير: ابني حنيفة نهنهوا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا ١ أبني حنيفة إنني إن أهجكم ... أدع اليمامة لا تواري أرنبا

стр. 808

لعمارة بن عقيل يهجو بني حنيفة وقال عمارة بن عقيل: بل أيها الراكب الماضي لطيته ... بلغ حنيفة وانشر فيهم الخبرا أكان مسلمة الكذاب قال لكم ... لن تدركوا المجد حتى تغضبوا مضرا مهلاً حنيفة إن الحرب إن طرحت ... عليكم بركها أسرعتم الضجرا البرك: الصدر، إذا فتحت الباء ذكرت، وإن أردت التأنيث كسرت الباء، قلت: بركة، قال الجعدي: ولوحا ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب١ وزعم الأصمعي أن زياداً كان يقال له: أشعر بركا لأنه كان أشعر الصدر. وغير الأصمعي زعم٢ أن هذا كان يقال للوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية.

стр. 809

من أخبار الوليد بن عقبة وشعره وذكروا أن عدي بن حاتم بن عبد الله الطائي قال يوماً: ألا تعجبون لهذا، أشعر بركاً! يولي مثل هذا المصر! والله ما يحسن أن يقضي في تمرتين. فبلغ ذلك الوليد فقال على المنبر: أنشد الله رجلاً سماني أشعر بركاً إلا قام! فقام عدي بن حاتم فقال: أيها الأمير، إن لذي يقوم فيقول: أنا سميتك أشعر بركاً لجريء، فقال: إجلس يا أبا طريف? فقد برأك الله منها. فجلس وهو يقول: والله ما برأني الله منها. وكانت أم الوليد بن عقبة أم عثمان بن عفان رحمهما الله، وهي أروى بنت كريز بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وأمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، ومن ثم قال الوليد لعلي بن أبي طالب ﵀: أنا ألقى رسول الله ﷺ بأمي من حيث تلقاه بأبيك. وكان يقال للبيضاء بنت عبد المطلب: قبة الديباج. واسمها أم حكيم وذلك قيل لعثمان وللوليد١: يا ابن أروى، ويا ابن أم حكيم. وقال الوليد لبني هاشم لهذا النسب٢ حين قتل عثمان ﵀: بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم كيف الهوادة بيننا ... وعند علي درعه ونجائبه هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه وهذا القول باطل. وكان عروة بن الزبير إذا ذكر مقتل عثمان يقول: كان علي أتقى لله من أن يقتل عثمان٣ وكان عثمان أتقى لله من أن يقتله علي٤.

стр. 810

وقال الوليد بن عقبة: ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التجيبي الذي جاء من مصر١ ومالي لا أبكي وتبكي أقاربي ... وقد حجبت عنا فصول أبي عمرو!

стр. 811

لليلى الأخيلية ترثي عثمان بن عفان وقال ليلى الأخيلية، أنشدنيه الرياشي عن الأصمعي: أبعد عثمان ترجو الخير أمته ... وكان آمن من يمشي على ساق خليفة الله أعطاهم وخولهم ... ما كان من ذهب جم وأوراق فلا تكذب بوعد الله وارض به ... ولا توكل على شيء بإشفاق ولا تقولن لشيء: سوف أفعله ... قد قدر الله ما كل امرئ لاق لآخر يرثيه أيضاً وقال آخر: ألا قل لقوم شاربي كأس علقم ... بقتل إمام بالمدينة محرم قتلتم أمين الله في غير ردة ... ولا حد إحصان ولا قتل مسلم تعالوا ففاتونا فإن كن قتله ... لواحدة منها يحل لكم دمي٢ وإلا فأعظم الشامتين قد أتيتم ... ومن يأت ما لم يرضه الله بظلم فلا يهنين الشامتين مصابه ... فحظهم من قتله حرب جرهم٣ وأنشدني الرياشي عن الأصمعي: [قال أبو الحسن: هذا الشعر لابن الغريرة الضبي:] لعمر أبيك فلا تذهلن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان سرا طويلا

стр. 812

ومثله قول الراعي: قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أر مثله مخذولا فتفرقت من بعد ذاك عصاهم ... شققاً وأصبح سيفهم مسلولا١ قوله: محرماً يريد في الشهر الحرام، وكان قتل في أيام التشريق. ﵀.

стр. 813

لأيمن بن خريم يرثيه أيضاً وقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي. وكانت له صحبة: تفاقد الذابحو عثمان ضاحية١ ... أي قتيل حرام ذبحوا ذبحوا ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ولم ... يخشوا على مطمح الكف الذي طمحوا فأي سنة جور سن أولهم ... وباب جور على سلطانهم فتحوا ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... من سفح ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا فاستوردتهم سيوف المسلمين على ... تمام ظمء كما يستورد النضح٢ إن الذين تولوا قتله سفهاً ... لقوا٣ أثاماً وخسراناً فما ربحوا الظمء: ما بين الشربتين وقوله: ضحوا بعثمان: إنما أصله فعل في الضحى، قال زهير: ضحوا قليلاً على كثبان أسنمة ... ومنهم بالقسوميات معترك٤ أي نزلوه ضحى. ويقال: بيتوا ذاك. أي فعلوه ليلاً. قال الله جل وعز: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ٥. وأنشد أبو عبيدة:

стр. 814

أتوني فلم أرض ما بيتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر لأنكح أيمهم منذراً ... وهل ينكح العبد حر لحر! وقوله: من سفح ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا أي من صب ذاك الدم، يقال: سفحت دمه وسفكت دمه. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ ١. وقوله: على تمام ظمء فهذا مثل، وأصل الظمء: أن تشرب الإبل يوماً ثم تغب يوماً لا ترد الماء، فما بين الشربتين ظمء، فيكون الظمء يومين، فيقال له: الربع، كما يقال في الحمى، لأنهم يعتدون بيومي شربها. والخمس: أن تظمأ ثلاثة أيام، والنضح: الحوض. والأثام: الهلاك، قال الله عز ذكره: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ ، ثم فسر فقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ ٢. فجزم "يضاعف" لأنه بدل من قوله: "يلق أثاما" إذا كان إياه في المعنى، وأنشدني أبو عبيدة: جزى الله آبن عروة إذ لحقنا ... عقوقاً والعقوق من الأثام وقوله: على مَطْمَح الكف يقول: على رفعها وإبعادها، يقال: طمح بصره، إذا ارتفع فأبعد النظر، قال امروء القيس: لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا

стр. 815

باب في التشبيه مدخل ... باب في التشبيه قال أبو العباس: وهذا باب طريف نصل به هذا الباب الجامع الذي ذكرناه وهو بعض ما مر للعرب من التشبه المصيب, وللمحدثين١ بعدهم. فأحسن ما جاء بإجماع الرواة-: ما مر لامرئ القيس في كلام مختصر, أي بيت واحد، من تشبيه شيء في حالتين مختلفتين٢ بشيئين مختلفين، وهو قوله: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي٣ فهذا مفهوم المعنى، فإن اعترض معترض فقال: فهلا فصل فقال: كأنه رطباً العناب وكأنه يابساً الحشف! قيل له: العربي الفصيح الفطن اللقن يرمي بالقول مفهوماً، ويرى ما بعد ذلك من التكرير عيا، قال الله جل وعز، وله المثل الأعلى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٤، علماً بأن المخاطبين يعلمون٥ وقت السكون ووقت الاكتساب. ومن تمثيل امرئ القيس العجيب قوله: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٦ ومن ذلك قوله: إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل٧

стр. 816

وقد أكثروا في الثريا١ فلم يأتوا بمن يقارب هذا المعنى. ولا بما يقارب سهولة هذه الألفاظ. ومن أعجب التشبيه قول النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وقوله: خطاطيف جحن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع٢ وقوله: فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ومن عجيب التشبيه قول ذي الرمة: وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق ٣ وقوله: فجاءت بنسج العنكبوت كأنه ... على عصويها سابري مشبرق٤ وتأويله٥ أنه يصف ماء قديماً لا عهد له بالوراد٦، فقد اصفر واسود فقال: وماء قديم العهد بالناس٧ آجن ... كأن الدبا ماء الغضا فيه تبصق ٨

стр. 817

وقد أجاد علقمة بن عبدة الفحل في وصف الماء الآجن. حيث يقول: إذا وردت ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معاً وصبيب فقال ذو الرمة في وصف هذا الماء، فقرن بتغيره بعد مطلبه، فقال: فأدلى غلامي دلوه يبتغي بها ... شفاء الصدى والليل أدهم أبلق يريد أن الفجر قد نجم فيه. فجاءت - يعني الدلو - بنسج العنكبوت، كأنه على عصويها سابري مشبرق. والسابري: الرقيق من الثياب والدروع١ والمشبرق: الممزق. وأنشد أبو زيد: لهونا بسربال الشباب ملاوة٢ ... فأصبح سربال الشباب شبارقا ومن التشبيه العجيب قول ذي الرمة في صفة الظليم: شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدب شوقب خشب الشخت: الضئيل اليابس الضعيف. والجزارة القوام. وقوله: مثل البيت سائره من المسح: يعني إذا مد جناحيه. وإنما أخذه من قول علقمة بن عبدة: صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم الصعل: الصغير الرأس. الخرقاء: التي لا تحسن شيئاً، فهي تفسد ما عرضت له. قال الحطيئة: هم صنعوا لجارهم وليست ... يد الخرقاء مثل يد الصناع والمهجوم: المهدوم. وفي الخبر أنه لما قتل بسطام بن قيس لم يبق بيت في بكر بن وائل إلا هجم، أي هدم. والخدب: الضخم. والشوقب الطويل. والخشب: الذي ليس بلين على من نزل به. ومن التشبيه المصيب قوله في صفة روضة:

стр. 818

قرحاء حواء أشراطية وكفت ... فيها الذهاب وحفتها البراعيم قرحاء. يريد الأنوار. وقوله: حواء يقول: تضرب إلى السواد لشدة ريها وخضرتها، وكذلك قال المفسرون١ في قوله الله جل وعز: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ٢. تضربان إلى الدهمة، لشدة خضرتهما وريهما. وقوله: أشراطية ليس مما قصدنا له. ولكنه مما يجري فنفسره، ومعناه أنها مطرت بنوء الشرطين٣. وحدثني الزيادي: قال: سمعت الأصمعي - وسئل بحضرتي، أو سألته عن قوله: أشراطية - فقال: باستة واست عرسه! وذاك أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء، لقول رسول الله ﷺ : "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا". لأن الخبر في هذا بعينه. "مطرنا بنوء كذا وكذا"، وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعراً يوافق تفسيره شيئاً من القرآن، هكذا يقول أصحابه، وسئل عن قول الشماخ: طوى ظمأها في بيضة القيظ٤ بعدما ... جرى في عنان الشعر بين الأماعز٥ فأبى أن يفسر في عنان الشعربين. وقوله٦: الذهاب٧ فهي الأمطار اللينة الدائمة، ويقال: إنها أنجع المطر في النبت، وكذلك العهاد، وأنشد الأصمعي: أمير عم بالنعماء حتى ... كأن الأرض جللها العهاد٨ والبراعين، واحدها٩ برعومة، وهي أكمة الروض قبل أن تتفتق، يقال

стр. 819

لواحدها: كم١، وكمام، فمن قال: كمام، فمن قال: كمام، فجمعه أكمة، مثل صمام وأصمة، وزمام وأزمة، ومن قال: كم، فالجماع أكمام، قال الله ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ ٢. ومن ذلك قول الآخر، أحسبه توبة بن الحمير. [قال أبو الحسن: يقال إنه لمجنون بني عامر، وهو الصواب] : كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح٣ قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح [لها فرخان قد غلقا بكر ... فعشهما تصفقه الرياح] ٤ فلا بالليل نالت ما ترجي ... ولا بالصبح كان لها براح٥ وقد قال الشعراء قبله فلم يبلغوا هذا المقدار. وقال الشيباني٦ للحجاج: هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر فهذا يجوز أن يكون في الخفقان وفي الذهاب البتة. ومن التشبيه المحمود قول الشاعر: طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجاج عيني بنت ماء٧ ... تقلب طرفها حذر الصقور وهذا غاية في صفة الجبان.

стр. 820

ونصب عيني بنت ماء على الذم، وتأويله: إنه إذا قال: جاءني عبد الله الفاسق الخبيث فليس يقوله١ إلا وقد عرفه بالفسق والخبث٢ فنصبه أعني وما أشبهه من الأفعال، نحو أذكر، وهذا أبلغ في الذم، أن يقيم الصفة مقام الإسم، وكذلك المدح. وقول الله ﵎: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ بعد قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ ٣. إنما هو على هذا. ومن زعم أنه أراد: "ومن المقيمين الصلاة" فمخطئ في قول البصريين، لأنهم لا يعطفون الظاهر على المضمر المخفوض، ومن أجازه من غيرهم فعلى قبح، كالضرورة. والقرآن إنما يحمل على أشرف المذاهب. وقرأ حمزة: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٤، وهذا مما لا يجوز عندنا إلا أن يضطر إليه شاعر، كما قال: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب وقرأ عيسى بن عمر: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ٥. أراد: وامرأته في جيدها حبل من مسد، فنصب حمالة على الذم. ومن قال إن امرأته مرتفعة بقوله: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ : فهو يجوز. وليس بالوجه أن يعطف المظهر المرفوع على المضمر حتى يؤكد، نحو: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ٦ [المائدة: ٢٤] و: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ٧، فأما قوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ ٨.فإنه لما طال الكلام وزيدت٩ فيه لا احتمل الحذف وهذا على قبحه جائز في الكلام١٠، أعني: ذهبت وزيد، وأذهب وعمرو، قال جرير: ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا وقال ابن أبي ربيعة: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسفن رملا١١

стр. 821

ومما ينصب على الذم قول النابغة الذبياني١: لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع٢ أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع٣ وقال عروة بن الورد العبسي: سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور والعرب تنشد قول حاتم الطائي رفعاً ونصباً: إن كنت كارهة معيشتنا ... هاتا فحلي في بني بدر الضربين، لدى أعنتهم ... والطاعنين وخيلهم تجري وإنما خفضوهما على النعت، وربما رفعوهما على القطع والابتداء. وكذلك قول الخرنق بنت هفان القيسي، من بني قيس بن ثعلب: لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزر وكل ما كان من هذا فعلى هذا الوجه٤. وإن لم يرد مدحاً ولا ذماً قد استقر له فوجهه النعت. وقرأ بعض القراء: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٥. وأكثر ما تنشد العرب بيت ذي الرمة نصباً، لأنه لما ذكر ما يحن إليه ويصبو إلى قربه أشاد بذكر ما قد كان يبغي، فقال: ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب وفي هذه القصيدة من التشبيه المصيب قوله:

стр. 822

بيضاء في دعج، صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب١ وفيها من التشبيه المصيب قوله٢: تشكو الخشاش ومجرى النسعتين كما ... أن المريض إلى عاده الوصب٣ والخشاش٤: ما كان في عظم الأنف، وما كان في المارن فهو برة، يقال: أبريت الناقة، فهي مبراة، قال الشماخ - وهذا من التشبيه العجيب: فقربت مبراة تخال ضلوعها ... من الماسخيات القسي المؤطرا ٥ وماسخة، من نصر٦ بن الأزد، وإليهم تنسب٧ القسي الماسخية. وأحسن ما قيل في صفة الضلوع واشتباكها قول الراعي: وكأنما انتطحت على أثباجها ... فدر بشابة قد يممن وعولا٨ الفادر: المسن من الوعل. وذو الرمة أخذ ذلك من المثقب العبدي، قال المثقب٩: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين ومن التشبيه المستحسن قول علقمة بن عبدة: كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم١٠ فهذا حسن جداً. وقال أبو الهندي، وهو عبد المؤمن بن عبد القدوس بن شبث بن ربعي الرياحي، من بني رياح بن يربوع. وكان شبث سيد بني يربوع بالكوفة: مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد

стр. 823

من أخبار أبي الهندي وكان أبو الهندي قد غلب عليه الشراب، على كرم منصبه، وشرف أسرته حتى كاد يبطله. وكان عجيب الجواب، فجلس إليه رجل مرة يعرف ببرزين المناقير، وكان أبوه صلب في خرابة، والخرابة عندهم: سوق الإبل خاصة. فأقبل يعرض لأبي الهندي بالشراب، فلما أكثر عليه قال أبو الهندي: أحدهم يرى الذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في أست أبيه. وفي الخرابة يقول الراجز: والخارب اللص يحب الخاربا ... وتلك قربى مثل أن تناسبا أن تشبه الضارئب الضرائبا١ وقال الآخر: إيت الطريق واجتنب أرماما ... إن بها أكتل أو رزاما٢ خويربين ينقفان الهاما٣ [زاد أبو الحسن: * لم يتركا لمسلم طعاما] نصب "خُوَيْرِبَيْن" على أعني لا يكون غير ذلك، لأنه إنما أثبت أحدهما بقوله: أو.

стр. 824

ومر نصر بن سيار الليثي بأبي الهندي وهو يميل سكراً، فقال له: أفسدت شرفك! فقال أبو الهندي: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان. وحج به نصر بن سيار مرة، فلما ورد الحرم قال له نصر: إنك بفناء بيت الله ومحل حرمه١، فدع لي الشراب حتى ينفر الناس، واحتكم علي، ففعل. فلما كان يوم النفر أخذ الشراب فوضعه بين يديه، وأقبل يشرب ويبكي، ويقول: رضيع مدام فارق الراح روحه ... فظل عليها مستهل المدامع أديرا علي الكأس إني فقدتها ... كما فقد المفطوم در المراضع وكان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، وكان أبو الوليد ناسكاً فاستعدى عليه وعلى ابنه، فهربا منه، فهربا منه، وقال أبو الهندي: قل للسري أبي قيس: أتوعدنا ... ودارنا أصبحت من داركم صددا٢ أبا الوليد أما والله لو عملت ... فيك الشمول لما حرمتها أبدا ولا نسيت حمياها ولذتها ... ولا عدلت بها مالاً ولا ولدا ثم نرجع إلى التشبيه، وربما عرض الشيء المقصود غيره، فيذكر للفائدة تقع فيه، ثم يعاد إلى أصل الباب. قال أبو العباس: وقال عروة بن حزام العذري: كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها، فآية ذلك أن تكون عند قربه منها مرتدة النظر عنه كأنما تنظر إلى إنسان وراء٣، وإذا كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه، وإذا نهض نظرت من ورائه إلى شخصه حتى يزول عنها، فقال رجل: أردت أن أعلم كيف حالي عند امرأتي، فالتفت وقد نهضت من بين يديها فإذا هي تكلح٤ في قفاي.

стр. 825

وقال الفرزدق في هذا المعنى، والنوار تخاصمه عند عبد الله بن الزبير بن العوام: فدونكها يا ابن الزبير فإنها ... مولعة يوهي الحجارة قيلها إذا جلست عند الإمام كأنما١ ... ترى رفقة من خلفها تستحيلها قوله: مولعة. يقول: كأنها٢ مولعة بالنظر مرة ههنا ومرة ههنا. وقوله: ترى رفقة يقال: رفقة ورفقة. ومعنى تستحيلها: تتبين حالاتها. قال حميد بن ثور: إذا خرجت تستحيل الشخوص٣ ... من الخوف تسمع ما لا ترى٤ ومن عجيب التشبيه قول جرير فيما يكنى ذكره: ترى الصبيان عاكفة عليها ... كعنفقة الفرزدق حين شابا٥ ويقال: إن الفرزدق حين أنشد النصف الأول ضرب بيده إلى عنفقته توقعا لعجز البيت. ومن التشبيه الحسن قول جرير في صفة٦ الخيل: يشتفن للنظر البعيد كأنما ... إرنانها ببوائن الأشطان قوله: يشتفن ويتشوفن في معنى واحد. وقوله: كأنما إرنانها ببوائن الأشطان، أراد شدة صهيلها. يقول: كأنما يصهلن في آبار واسعة تبين أشطانها عن نواحيها. ونظر ذلك قول النابغة الجعدي: ويصهل في مثل جوف الطوي ... صهيلاً يبين للمعرب

стр. 826

المعرب: العالم بالخيل العراب. ومن حشن التشبيه قول عنترة: غادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب١ يقول: طعن وغودرت الرماح فيه، فظل يجرها، كأنه حامل حطب. ومن التشبيه المتجاوز المفرط، قول الخنساء: وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار فجعلت المهتدي يأتم به، وجعلته كنار في رأس علم، والعلم: الجبل، قال جرير: إذا قطعن علماً بدا علم وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ ٢. ومن هذا الضرب من التشبيه قول العجاج: تقضي البازي إذا البازي كسر والتقضي: الإنقاض، وإنما أراد سرعتها، والعرب تبدل كثيراً الياء من أحد التضعيفين، فيقولون: تظنيت والأصل: تظننت، لأنه تفعلت من الظن، وكذلك: تقضيت؛ من الإنقضاض، أي تقضضت، وكذلك تسريت، ومثل هذا كثير.

стр. 827

ومن تشبيه المحدثين ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار: كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين إن نفع الحذار

стр. 828

[يروعه السرار بكل أمر ... مخافة أن يكون به السرار] ١ وفي هذه القصيدة: جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار أقول وليلتي تزداد طولاً! ... أما لليل بعدهم نهار وقال الحسن بن هانئ في صفة الخمر: فإذا ما لمستها فهباء ... تمنع اللمس ما يبيح العيونا درس الدهر ما تحسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا فهي بكر كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا في كؤوس كأنهن نجوم ... جاريات، بروجها أيدينا طالعات مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا فهذه قطعة من التشبيه غاية، على سخف كلام المحدثين. وقال الحنفي: وهو إسحاق بن خلف في صفة السيف: ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح٢ وكأنما در الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح وقال مسلم بن الوليد الأنصاري في مدحه يزيد بن مزيد: يمضى المنايا كما تمضي أسنته ... كأن في سرجه بدرا وضرغاما٣

стр. 829

وقال دعبل بن علي في صفة المصلوب١: لم أر صفاً مثل صف الزط ... تسعين منهم صلبوا في خط٢ من كل عال جذعه بالشط ... كأن في جذعه المشتط٣ أخو نعاس جد في التمطي ... قد خامر النوم ولم يغط٤ وقال يزيد المهلبي في مثله٥: قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه كأنما يضحك في أشداقه أراد بياض الشريط في فيه. وقال أعرابي في صفة مصلوب، وهو الأخطل: [قال أبو الحسن: الأخطل الذي يعني رجل محدث من أهل البصرة، ويعرف بالأخيطل، ويلقب ببرقوقا، وذكر أبو الحسن أن أبا العباس كان يدلس به] . كأنه عاشق قد مد سفحته ... يوم الفراق إلى توديعه مرتحل أو قائم من نعاس فيه لوثته ... مواصل لتميه من الكسل٦ [وقال مسلم بن الوليد: وضعت حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطير فيه أضبع البلد] ٧ وقال حبيب بن أوس [قال أبو الحسن: يعني به إسحاق بن إبراهيم الطاهري] :

стр. 830

قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التقليص مبتسما١ وقال أيضاً في رجل ينسبه إلى الدعوة٢: وتنقل من معشر في معشر ... فكأن أمك أو أباك الزئبق يقال: زئبق، وزئبر، مهموزان، ودرهم مزأبق، وثوب مزأبر٣. ومن إفراط التشبيه قول أبي خراش الهذالي يصف سرعة أبيه في العدو: كأنهم يسعون في إثر طائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض يبادر جنح الليل فهو مهابد ... يحث الجناح بالتبسط والقبض وقال أوس بن حجر [قال أبو الحسن: أهل الكوفة يرونها لعبيد بن الأبرص] : كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من ماء أدكن في الحانوت نضاح أو من معتقة ورهاء نشوتها ... أو من أنابيب رمان وتفاح٤ وقال ابن عبدل يهجو رجلاً بالبخر: نكهت علي نكهة أخدري ... شتيم شابك الأنياب ورد٥ وفي هذا الشعر: فما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند٦ يرين حلاوة ويخفن موتاً ... وشيكاً إن هممن له بورد

стр. 831

الذباب: الواحد من الذبان، وأدنى العدد فيه أذبة، والكثير الذبان؛ ولكنه ذكر واحداً ثم خبر عن سائر الجنس، والأسد أنتن السباع فماً، كما أن الصقر أنتن الطير فماً. قال بعض المحدثين في رجل يهجوه، والمهجو داود بن بكر، وكان ولي الأهواز وفارس، والشعر لأبي الشمقمق: وله لحية تيس ... وله منقار نسر وله نكهة ليث ... خالطت نحهة صقر وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن بن عائشة: من يكن إبطه كآباط ... ذا الخلق فإبطاي في عداد الفقاح١ لي إبطان يرميان جليسي ... بشبيه السلاح٢ أو بالسلاح فكأني من نتن هذا وهذا ... جالس بين مصعب وصباح يعني مصعب بن عبد الله الزبيري، وصباح بن خاقان المنقري - وكانا جليسين - لا يكادان يفترقان، وصديقين متواصلين، لا يكادان يتصارمان. فحدثت أن أحمد بن هشام لقيهما يوماً، فقال: أما سمعتما ما قال فيكما هذا? يعني إسحاق بن الموصلي، فقالا: ما قال فينا إلا خيراً، قال: قال: لام فيها مصعب وصباح ... فعصينا مصعباً وصباحا وأبينا غير سعي إليها ... فاسترحنا منهما واستراحا قال: ما قال إلا خيراً، ولكن٣ المكروة ما قال فيك، إذ يقول: وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام أدرنا بها الكأس الروية موهناً ... من الليل حتى انجاب كل ظلام٤ فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام

стр. 832

واعمل أن للتشبيه حداً؛ لأن الأشياء١ تشابه من وجوه، وتباين من وجوه؛ فإنما ينظر إلى التشبيه من أين وقع٢، فإذا شبه الوجه بالشمس والقمر فإنما يراد به الضياء والرونق، ولا يراد به٣ العظم والإحراق. قال الله جل وعز: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ٤، والعرب تشبه النساء ببيض النعام، تريد نقاءه ورقة لونه٥، قال الراعي: كأن بيض نعام في ملاحفها ... إذا اجتلاهن قيظ ليله ومد٦ وقيل للأوسية - وهي امرأة حكيمة في٧ العرب - بحضرة عمر بن الخطاب ﵀: أي منظر أحسن? فقالت: قصور بيض، في حدائق خضر، فأنشد عمر بن الخطاب لعدي بن زيد: كدمى العاج في المحاريب ... أو كالبيض في الروض زهره مستنير وقال آخر: كالبيض في الأدحي يلمع بالضحى٨ ... فالحسن حسن والنعيم نعيم وقال جرير: ما استوصف الناس من شيء يروقهم٩ ... إلا رأوا أم نوح فوق ما وصفوا كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة ما يواري ضوءها الصدف١٠ المزنة: السحابة البيضاء خاصة، وجمعها مزن، قال الله جل وعز: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ ١١, فالمرأة تشبه بالسحابة لتهاديها وسهولة مرها، قال الأعشى:

стр. 833

كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل الريث: الإبطاء، فهذا ما تلحقه العين منها، فأما الخفة فهي كأسرع مار، وإن خفي ذلك على البصر، قال الله جل وعز: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ١. والعرب تشبه المرأة بالشمس، والقمر، والغصن، والكثيب٢، والغزال، والبقرة الوحشية، والسحابة البيضاء، والدرة، والبيضة؛ وإنما تقصد من كل شيء إلى شيء. قال ذو الرمة: ومية أحسن الثقلين جيداً٣ ... وسالفة وأحسنهم قذالا٤ فلم أر مثلها نظراً وعيناً ... ولا أم الغزال ولا الغزالا تريك بياض غرتها ووجهاً ... كقرن الشمس أفتق ثم زالا٥ أصاب خصاصة فبدا كليلاً ... كلا وانغل سائره انغلالا٦ الجيد: العنق، والسالفة: ناحية العنق، والقذالان: ناحيتا القفا من الرأس. وقوله: أفتق ثم زالا، يقال: أفتق السحاب، إذا انكشف انكشافة فكانت منه٧ فرجة يسيرة بين السحابتين. تقول العرب: دام علينا الغيم ثم أفتقنا، وإذا نظر إلى الشمس والقمر من فتق السحاب فهو أحسن ما يكون وأشده استنارة. وقوله: كلا يريد في سرعة ما بدا ثم غاب.

стр. 834

وقال الله : ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ١، وقال ﵎: ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ ٢. والمكنون: المصون، يقال: كننت الشي، إذا صنته. وأكننته، إذا أخفيته، فهذا المعروف، قال الله ﵎: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣ [البقرة: ٢٣٥] وقد يقال: كننته، أخفيته. وقد قال جرير في يزيد بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن سفيان: الحزم والجود والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاحتلفوا٤ ضخم الدسيعة والإيمان، غرته ... كالبدر ليلة كاد الشهر ينتصف٥ وقال ذو الرمة: فيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم٦ وقال ابن أبي ربيعة: أبصرتها ليلة ونسوتها ... يمشين بين المقام والحجر يرفلن في الريط والمروط كما ... تمشي الهويني سواكن البقر٧ فهذه تشبيهات غريبات مفهومة. وقال أبو عبد الرحمن العطوي٨: قد رأينا الغزال والغصن النجمين ... شمس الضحى وبدر الظلام فوحق البيان يعضده البر ... هان ماقط ألد الخصام

стр. 835

ما رأينا سوى الحبيبة شيئاً١ ... جمع الحسن كله في نظام فهي تجري مجرى الأصالة في الرأ ... ي ومجرى الأرواح في الأجسام البرهان: الحجة، قال الله : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢ أي حججكم. والماقط: موضع الحرب، فضربه مثلاً لموضع المناظرة والمحاجة. والألد: الشديد الخصومة، قال الله ﵎: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً﴾ ٣، وقال: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ٤. وقالت ليلى الأخيلية٥: كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... بنجد ولم يطلع مع المتغور ولم يقدع الخصم الألد ويملأ ال ... جفان سديفاً يوم نكباء صرصر٦ السديف: شقق السنام.

стр. 836

الرياح ومواقعها والنكباء: الريح بين الريحين، لأن الرياح أربع، وما بين كل ريحين نكباء، فهي ثمان في المعنى. فما بين مطلع سهيل إلى مطلع الفجر جنوب، وإنما تأتي الجنوب من قبل اليمن، قال جرير: وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من جبل الريان أحيانا١ وإذا هبت من تلقاء الفجر فهي الصبا تقابل القبلة، فالعرب تسميها القبول، قال الشاعر٢: إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر

стр. 837

وإذا أتت من قبل الشأم فهي شمال، قال الفرزدق: مستقبلين شمال الشأم تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور وهي تقابل الجنوب، وكذلك قال امرؤ القيس: فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل وإذا جاءت من دبر البيت الحرام فهي الدبور، وهي تهب بشدة، والعرب تسميها محوة، عن أبي زيد، لأنها تمحو السحاب. ومحوة معرفة لا تنصرف، فأما الأصمعي فزعم أن محوة من أسماء الشمال. وأنشدا جميعاً: قد بكرت محوة بالعجاج ... فدمرت بقية الرجاج الرجاج: حاشية الإبل وضعافها. وقال الأعشى: لها زجل كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا ولهذه الرياح أسماء كثيرة، وأحكام في العربية، لأن بعضهم يجعلها نعوتاً، وبعضهم يجعلها أسماء، وكذلك مصادرها تحتاج إلى الشرح والتفسير، ونحن ذاكرون ذلك في عقب هذا الباب، إن شاء الله. يقال: جنبت الريح جنوباً، وشملت شمولاً، ودبرت دبوراً، وصبت صبواً، وسمت سموماً، وحرت حروراً، مضمومات الأوائل. فإذا أردت الأسماء فتحت أوائلها، فقلت: جنوب، وشمول، وسموم، ودبور، وحرور. ولم يأت من المصادر شيء مفتوح الأول، إلا أشياء يسيرة، قالوا: توضأت وضوءاً حسناً، وتطهرت طهوراً، وأولعت بالشيء ولوعاً، وإن عليه لقبولا، ووقدت النار وقوداً، وأكثرهم يجعل الوقود الحطب، والوقود المصدر. ويقال: الشمال، على لغات ست، يقال: شمال، وشمأل، وشمال، وشمل وشمل، وشامل، غير مهموز.

стр. 838

ويقال للشمال: الجربياء، قال ابن أحمر: بجو من قساً ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به بالحنينا١ ويقال للجنوب: الأزيب. ويقال للصبا: القبول، وبعضهم يجعله للجنوب، وهو في الصبا أشهر، بل هو القول الصحيح. والإير، والهير، والأير، والهير، قال الشاعر: مطاعيم أيسار إلى الهير هبت فهذا يدل على أنه الصبا، وذاك أنهم إنما يتمدحون بالإطعام في المشتاة٢. وشدة الزمان، كما قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتفر الجفلى: العامة، والنقرى: الخاصة، والآدب: صاحبة المأدبة. يقال: مأدبة ومأدبة للدعوة. وفي الحديث: "إن القرآن مأدبة الله". قال أهل العلم: معناه مدعاة الله، وليس من الأدب. وأكثر المفسرين قالوا القول الأول، وكلاهما في العربية جائز ويدل على القول الأول قول رسول الله ﷺ : "أنا الجفنة الغراء"، أي التي يجتمع الناس عليها ويدعون إليه، ويقال في الدعوة: أدبه يأدبه أدباً، إذا دعاه، قال الشاعر: وما أصبح الضحاك إلا كخالع ... عصانا فأرسلنا المنية تأدبه وقولنا في الرياح: إنها تكو أسماء ونعوتاً نفسره إن شاء الله. يقول أكثر العرب: هذه ريح جنوب، وريح شمال، وريح دبور، فتجعل جنوباً، وشمالاً، ودبوراً، وسائر الرياح نعوتاً. قال الأعشى: لها زجل كحفيف الحصا ... د صادف بالليل ريحاً دبورا

стр. 839

وقال زهير: مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح شمال لضاحي مائه حبك١ وقال جرير: ريح خريق شمال أو يمانية فهذا يكون على النعت أجود، لأنه أوضحه بيمانية، ولا تكون اليمانية إلا نعتاً، لأنها منسوبة؛ فأما الخريق فهي الشديدة من كل ريح، قال حميد بن ثور: بمثوى حرام والمطي كأنه ... قناً مسند هبت لهن خريق والبليل: الباردة من كل ريح٢. وأصل ذلك الشمال.

стр. 840

لجرير في بني مجاشع قل جرير يعير بني مجاشع لخذلانهم الزبير بن العوام، في كلمة يقول فيها: إني تذكرني الزبير حمامة ... تدعو بأعلى الأيكتين هديلا يا لهف نفسي إذ يغرك حبلهم ... هلا اتخذت على القيون كفيلا قالت قريش ما أذل مجاشعاً ... جاراً وأكرم ذا القتيل قتيلا! أفبعد مترككم خليل محمد ... ترجو القيون مع الرسول سبيلا! أفتى الندى وفتى الطعان غررتم ... وأخا الشمال إذا تهت بليلا ويرى أن أحيحة بن الجلاح الأنصاري - وكان يبخل - كان٣ إذا هبت الصبا طلع من أطمه٤ فنظر إلى احية هبوبها. ثم يقول لها هبي هبوبك. فقد أعددت لك ثلثمائة وستين صاعاً من عجوة. أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات، فيرد علي منها ثلاثاً، أي لصلابتها، بعد جهد ما يلوك منها اثنتين.

стр. 841

من أخبار لبيد بن ربيعة وكان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب شريفاً في الجاهلية والإسلام. قد نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي. فهبت في الإسلام١، وهو بالكوفة مقتر مملق، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان واليها لعثمان بن عفان، وكان أخاه لأمه. وأمهما أروى بنت٢ كريز بن حبيب بن ربيعة بن شمس٣. وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب - فخطب الناس وقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل، وما وكد على نفسه. فأعينوا أخاكم. ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة٤ وبعث الناس، فقضى نذره. ففي ذلك تقول ابنة لبيد: إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا٥

стр. 842

ومن جعل الشمال، والجنوب أسماء لم يصرفها إذا سمي بشيء منها رجل، لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً باسم مؤنث على أربعة أحرف فصاعداً لا علامة للتأنيث فيه لم تصرفه في المعرفة، وصرفته في النكرة، نحو عناق، وأتان، وعقرب، وإن كان نعتاً انصرف. لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً بنعت مؤنث لا علامة فيه صرفته. لأنه مذكر نعت به المؤنث. نحو حائض، وطالق، ومتئم، ومرضع. وإذا ذكرنا من الباب شيئاً فما لم نذكره منه فعلى مجراه ومنهاجه. قال الشاعر. فجعل ما وصفنا أسماء: حالت وحيل بها وغير آيها ... طول البلى تجري به الريحان ١ ريح الشمال مع الجنوب وتارة ... رهم الربيع وصائب التهتان٢ وقد أنشدوا بيت زهير: ريح الجنوب لضاحي مائه حبك وقولنا: لا علامة فيه للتأنيث، لتعرف كيف حكم علامات التأنيث، لأن ذلك إنما يكون على ضربين: فما كانت فيه ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة فغير منصرف في معرفة ولا نكرة لمذكر كان أو مؤنث. فالمقصور نحو حبلى، وسكرى، وما أشبه ذلك. والممدود نحو حمراء، وصفراء، وصحراء، وما أشبه ذلك. فإن كانت مدودة لغير التأنيث انصرف إذا كان لمذكر في المعرفة والنكرة، زائداً كان أو أصلياً. فالأصلي نحو سقاء، وغذاء، وحذاء، ورداء - والزائدة، نحو علباء، وحرباء، وقوباء يا فتى. ومن قال: قوباء يا فتى - أنث ولم يصرف، لأن الأولى ملحقة، وهذه للتأنيث، فأما الألف المقصورة التي لغير التأنيث، فإن كانت أصلية انصرفت في المذكر. نحو ملهى، ومغزى، ومشترى. وإن كانت زائدة لغير التأنيث انصرفت في النكرة، ولم تنصرف في المعرفة، نحو أرطى، وعلقى، فيمن جعل الواحدة علقاة.

стр. 843

وأما ما كانت فيه هاء التأنيث فهو منصرف في النكرة، وغير منصرف في المعرفة، لمذكر كان أو مؤنث، عربياً كان أو أعجمياً. فهذه جملة هذا الباب، فأما قياسه وشرحه فقد أتينا عليه في الكتاب المقتضب. ويقال١ في أكثر الكلام: هبت جنوباً، وهبت شمالاً، فيستغنى٢ عن ذكر الريح، وهذا مما يؤكد أنها نعوت، لأن الحال إنما بابها أن تقع فيما يكون وصفاً٣ قال جرير: هبت شمالاً فذكر ما ذكرتكم ... عند الصفاة إلى شرقي حورانا وقال الآخر: فأي حي إذا هبت شآمية ... واستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب المأسور، يعني قتباً٤. وإنما الأسر الشد بالقد٥ حتى يحكم، وإنما قيل الأسير من ذا، لأنه كان يشد بالقد، ثم قالت العرب لكل محكم شديد أسير٦ قال الله ﵎: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ ٧. وقوله: ذي الذئب. يعني الفضول التي وسعته وأسبغته. يقال: غبيط مذأب أي ذو ذئب، أي موسع، والغبيط: مركب من مراكب النساء.

стр. 844

لأوس بن حجر قال أوس بن حجر: في شدة البرد وغلبة الشمال، يرثي فضالة بن كلدة الأسدي: والحافظ الناس في قحوط إذا ... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا وعزت الشمأل الرياح وقد ... أمسى كميع الفتاة ملتفعا١

стр. 845

وكانت الكاعب الممنعة ... الحسناء في زاد أهلها سبعا تحوط، وقحوط، وكحل، وحجرة، أسماء للسنة المجدبة. والعائذ: الحديثة النتاج، فتنحر أولادها في السنة المجدبة إبقاء على ألبانها وشحومها. والربع الذي ينتج في الربيع، والهبع: الذي ينتج في الصيف. يقال: ما له هبع ولا ربع. وإنما سمي: هبعاً، لأن الربع أسن منه فيمشي مع أمهاته١، ولا يلحقهن الهبع إلا باجتهاد فيستعين بعنقه في المشي، يقال إذا فعل ذلك: هبع يهبع. ويقال للريح الشمال: نسع، ومسع، قال الهذلي: قد حال دون دريسيه مؤوبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزير٢ الدريسان: ثوبان خلقان. ومؤوبة، مفعلة، من التأويب، وهو سير النهار لا تعريج فيه. قال أبو عبيدة: هو سير النهار، والإسناد: سير الليل لا تغريس فيه، وأنشد لسلامة بن جندل: يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب وإنما يعني ريحاً. وقوله: نسع: أي شمال. والعضاه: شجر ضخام٣ فبعض العرب يقول للواحدة: عضاهة، وللجميع: عضاة. على وزن دجاجة ودجاج، وبعضهم يقول للواحدة: عضة، فيقول في الجمع عضوات. وعضهات. فتكون من الواو ومن الهاء قال الشاعر: هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما٤ ونظير عضة، سنة؛ على أن الساقط الهاء في قول بعض العرب، والواو في قول بعضهم، تقول في جمعها سنوات. وسانيت الرجل. وبعضهم يقول: سهات. وأكريته مسانهة.
следующие страницы →