← Адаб

Адаб · id 8505

الكامل في اللغة والأدب

المبرد

Полный текст (1 289 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

من أخبار لبيد بن ربيعة وكان لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب شريفاً في الجاهلية والإسلام. قد نذر ألا تهب الصبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي. فهبت في الإسلام١، وهو بالكوفة مقتر مملق، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف - وكان واليها لعثمان بن عفان، وكان أخاه لأمه. وأمهما أروى بنت٢ كريز بن حبيب بن ربيعة بن شمس٣. وأم أروى البيضاء بنت عبد المطلب - فخطب الناس وقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل، وما وكد على نفسه. فأعينوا أخاكم. ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة٤ وبعث الناس، فقضى نذره. ففي ذلك تقول ابنة لبيد: إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا٥

стр. 842

ومن جعل الشمال، والجنوب أسماء لم يصرفها إذا سمي بشيء منها رجل، لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً باسم مؤنث على أربعة أحرف فصاعداً لا علامة للتأنيث فيه لم تصرفه في المعرفة، وصرفته في النكرة، نحو عناق، وأتان، وعقرب، وإن كان نعتاً انصرف. لأنك إذا سميت رجلاً مذكراً بنعت مؤنث لا علامة فيه صرفته. لأنه مذكر نعت به المؤنث. نحو حائض، وطالق، ومتئم، ومرضع. وإذا ذكرنا من الباب شيئاً فما لم نذكره منه فعلى مجراه ومنهاجه. قال الشاعر. فجعل ما وصفنا أسماء: حالت وحيل بها وغير آيها ... طول البلى تجري به الريحان ١ ريح الشمال مع الجنوب وتارة ... رهم الربيع وصائب التهتان٢ وقد أنشدوا بيت زهير: ريح الجنوب لضاحي مائه حبك وقولنا: لا علامة فيه للتأنيث، لتعرف كيف حكم علامات التأنيث، لأن ذلك إنما يكون على ضربين: فما كانت فيه ألف التأنيث مقصورة أو ممدودة فغير منصرف في معرفة ولا نكرة لمذكر كان أو مؤنث. فالمقصور نحو حبلى، وسكرى، وما أشبه ذلك. والممدود نحو حمراء، وصفراء، وصحراء، وما أشبه ذلك. فإن كانت مدودة لغير التأنيث انصرف إذا كان لمذكر في المعرفة والنكرة، زائداً كان أو أصلياً. فالأصلي نحو سقاء، وغذاء، وحذاء، ورداء - والزائدة، نحو علباء، وحرباء، وقوباء يا فتى. ومن قال: قوباء يا فتى - أنث ولم يصرف، لأن الأولى ملحقة، وهذه للتأنيث، فأما الألف المقصورة التي لغير التأنيث، فإن كانت أصلية انصرفت في المذكر. نحو ملهى، ومغزى، ومشترى. وإن كانت زائدة لغير التأنيث انصرفت في النكرة، ولم تنصرف في المعرفة، نحو أرطى، وعلقى، فيمن جعل الواحدة علقاة.

стр. 843

وأما ما كانت فيه هاء التأنيث فهو منصرف في النكرة، وغير منصرف في المعرفة، لمذكر كان أو مؤنث، عربياً كان أو أعجمياً. فهذه جملة هذا الباب، فأما قياسه وشرحه فقد أتينا عليه في الكتاب المقتضب. ويقال١ في أكثر الكلام: هبت جنوباً، وهبت شمالاً، فيستغنى٢ عن ذكر الريح، وهذا مما يؤكد أنها نعوت، لأن الحال إنما بابها أن تقع فيما يكون وصفاً٣ قال جرير: هبت شمالاً فذكر ما ذكرتكم ... عند الصفاة إلى شرقي حورانا وقال الآخر: فأي حي إذا هبت شآمية ... واستدفأ الكلب بالمأسور ذي الذئب المأسور، يعني قتباً٤. وإنما الأسر الشد بالقد٥ حتى يحكم، وإنما قيل الأسير من ذا، لأنه كان يشد بالقد، ثم قالت العرب لكل محكم شديد أسير٦ قال الله ﵎: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ ٧. وقوله: ذي الذئب. يعني الفضول التي وسعته وأسبغته. يقال: غبيط مذأب أي ذو ذئب، أي موسع، والغبيط: مركب من مراكب النساء.

стр. 844

لأوس بن حجر قال أوس بن حجر: في شدة البرد وغلبة الشمال، يرثي فضالة بن كلدة الأسدي: والحافظ الناس في قحوط إذا ... لم يرسلوا تحت عائذ ربعا وعزت الشمأل الرياح وقد ... أمسى كميع الفتاة ملتفعا١

стр. 845

وكانت الكاعب الممنعة ... الحسناء في زاد أهلها سبعا تحوط، وقحوط، وكحل، وحجرة، أسماء للسنة المجدبة. والعائذ: الحديثة النتاج، فتنحر أولادها في السنة المجدبة إبقاء على ألبانها وشحومها. والربع الذي ينتج في الربيع، والهبع: الذي ينتج في الصيف. يقال: ما له هبع ولا ربع. وإنما سمي: هبعاً، لأن الربع أسن منه فيمشي مع أمهاته١، ولا يلحقهن الهبع إلا باجتهاد فيستعين بعنقه في المشي، يقال إذا فعل ذلك: هبع يهبع. ويقال للريح الشمال: نسع، ومسع، قال الهذلي: قد حال دون دريسيه مؤوبة ... نسع لها بعضاه الأرض تهزير٢ الدريسان: ثوبان خلقان. ومؤوبة، مفعلة، من التأويب، وهو سير النهار لا تعريج فيه. قال أبو عبيدة: هو سير النهار، والإسناد: سير الليل لا تغريس فيه، وأنشد لسلامة بن جندل: يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب وإنما يعني ريحاً. وقوله: نسع: أي شمال. والعضاه: شجر ضخام٣ فبعض العرب يقول للواحدة: عضاهة، وللجميع: عضاة. على وزن دجاجة ودجاج، وبعضهم يقول للواحدة: عضة، فيقول في الجمع عضوات. وعضهات. فتكون من الواو ومن الهاء قال الشاعر: هذا طريق يأزم المآزما ... وعضوات تقطع اللهازما٤ ونظير عضة، سنة؛ على أن الساقط الهاء في قول بعض العرب، والواو في قول بعضهم، تقول في جمعها سنوات. وسانيت الرجل. وبعضهم يقول: سهات. وأكريته مسانهة.

стр. 846

وهذا الحرف في القرآن يقرأ على ضروب. فمن قرأ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ﴾ ١ فوصل بالهاء - هو مأخوذ من: سانهت، التي هي سنيهة. ومن جعله من الواو قال في الوصل: لم يتسن وانظر٢. فإذا وقف قال: ﴿لَمْ يَتَسَنَّه﴾ فكانت الهاء زائدة لبيان الحركة. بمنزلة الهاء في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٣. و ﴿كِتَابِيَهْ﴾ ٤. و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ ٥. والمعنى واحد. وتأويله: لم تغيره السنون. ومن لم يقصد إلى السنة، قال: لم يتأسن. والآسن: المتغير، قال الله جل وعز: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ ٦، ويقال: أسن في هذا المعنى، كما يقال: رجل حاذر وحذر. ويقال للريح الجنوب: النعامى. قال أبو ذؤيب: مرته النعامى فلم يعترف ... خلاف النعامى من الشأم ريحا ومعنى مرته استرته. وفي الحديث: "ما هبت الريح الجنوب إلا أسال الله بها وادياً". وقال رجل يمدح رجلاً: فتى خلقت أخلاقه مطمئنة ... له نفحات ريحهن جنوب يريد أن الجنوب تأتي بالمطر والندى. والعرب تكره الدبور، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". وقلما يكون بالدبور المطر، لأنها تجفل السحاب، ويكون فيها الرهج والغبرة. ولا تهب إلا أقل ذاك بشدة، فتكاد تقلع البيوت وتأتي على الزروع.

стр. 847

لرجل في الهداء وقال رجل يهجو رجلاً:

стр. 848

لو كنت ريحاً كانت الدبورا ... أو كنت غيماً لم تكن مطيرا أو كنت ماء لم تكن طهوراً ... أو كنت مخاً كنت ريرا أو كنت برداً كنت زمهريرا الرير: المخ الرقيق، يقال: مخ رير ورار، في معنى واحد، وقال السليك: يصيدك قافلاً والمخ رار وقال آخر: لو كنت ماء لم تكن بعذب ... أو كنت سيفاً كنت غير عضب أو كنت لحماً كنت لحم كلب ... أو كنت عيراً كنت غير ندب١

стр. 849

للسليك يرثي فرسه فأما قول السليك فإنه يرثي فرسه، وكان يقال له النحام، فقال: كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلاً محار على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته خمار وما يدريك ما فقري إليه ... إذا ما القوم ولوا أو أغاروا ويحضر فوق جهد الحضر نصاً ... يصيدك قافلاً والمخ رار قوله: كأن قوائم النحام محار المحارة: الصدفة، يريد الملاسة، وأنه قد ارتفعت قوائمه للموت. والأصل: جمع أصيل، والأصيل، والأصيل العشي، يقال: أصيل وأصل، مثل قضيب وقضب، وجمع أصل آصال، وهو جمع الجمع، وتقديره: عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ويقال في جمع أصيلة أصائل، مثل خليفة وخلائف، قال الأعشى: ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل١

стр. 850

وقال أبو ذؤيب: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل وقرماء، ممدودة: اسم موضع. وشواه: قوائمه. وقد فسرناه قبل هذا. وقوله: ولوا أو أغاروا إذا طلبوا أو هربوا. وقوله: يصيدك أي يصيد لك، يقال: صدتك ظبياً، قال الله : ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١. أي كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك ووزنتك، لأنه قد قال تعالى أولاً: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ٢. فأما ما جاء في الحديث من قول رسول الله ﷺ عند الهبوب: "اللهم اجعلها رياحاً ولاتجعلها ريحاً"، فإن العرب تقول: لا تلقح السحاب إلا من رياح. وتصديق ذلك قول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ ٣. وقول النبي ﷺ : "إذا هبت بحرية ثم تذاءبت" قال الشاعر: تسح إذا تذاءبت الرياح يقول: إذا تقابلت، يقال: تذاءبت الرياح، وتناوحت، أي تقابلت، وتناوح الشجر، إذا قابل بعضه بعضاً، وإنما سميت النائحة نائحة، لأنها تقابل صاحبتها. فإذا خلصت الريح عندهم دبوراً فهي من جنس البوار، وإذا خلصت شمالاً شتوية فهي من آيات الجدب، ومن ثم تقول العرب: فلا يطعم في الشمال، كما تقول: يطعم في المحل. قال أوس بن حجر: وعزت الشمأل الرياح أي غلبتها، فكانت أقوى منها، فلم تدع لها موضعاً وقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ ٤ أي غلبني في المخاطبة والخصومة، ومن أمثال العرب: من عز بر وتأويله: من غلب استلب٥، قالت الخنساء: كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذا الناس إذ ذاك م عز بز

стр. 851

بين غنوي وفزاري قال أبو العباس: وحدثني عمرو بن بحر الجاحظ قال: رأيت رجلاً من غنى يفاخر رجلاً نم بني فزارة، ثم أحد بني بدر بن عمرو، وكان الغنوي متمكناً

стр. 852

من لسانه؛ وكان الفزاري بكيئاً١ فقال٢ الغنوي: ماؤنا من بين الرقم إلى كذا، وهم جيراننا فيه، فنحن أقصر منهم رشاء، وأعذب منهم ماء، لنا ريف السهور ومعاقل الجبال. وأرضهم سبخة، ومياههم أملاح، وأرشيتهم طوال، والعرب٣ من عز بز، فبعزنا ما تخيرنا عليهم، وبذلهم ما رضوا منا٤ بالضيم. وقوله: كان الفزاري بكيئاً يقول: غير قادر على الكلام، وأصل ذلك في الحلب، يقال ناقة غزيرة وناقة بكيء، وهي ضد الغزيرة، أي قليلة اللبن، ودهين وصمرد، في معنى، يقال: بكأت الشاة والناقة، وبكؤت، قال الشاعر: فإذا ما حاردت أو بكؤت ... فض عن خاتم أخرى طينها٥ وقال سلامة بن جندل: يقول محبسها أدنى لمرتعها ... ولو تداعى ببكء كل محلوب٦ يقول: إن نحبس الإبل على ضر ونقاتل عنها فهو أدنى بأن تعز فترتع فيما تستقبل، وإن ذهبت ألبانها، لأنا إن أطردناها٧ وهربنا طمع فينا واستذللنا، ويقال في الكلام: رجل عيي بكي. قال أبو العباس: وهذا لغنوي: إذا قابل٨ بقبيلته آل بدر فقد أعظم الفرية، وبلغ في البهت، وأشمت العدو بجمهور قيس، وصار بهم إلى قول٩ الأخطل: وقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر

стр. 853

وكان زياد يقول - وهو الغاية في السياسة - أوصيكم بثلاثة: العالم١ والشريف، والشيخ، فوالله لا أوتى بوضيع سب شريفاً، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن٢ عالماً إلا عاقبت وبالغت.

стр. 854

لعمارة بن عقيل يهجو بني أسد وقال عمارة لبني أسد بن خزيمة: يا أيها السائلي عمداً لأخبره ... بذات نفسي وأيدي الله فوق يدي إن تستقم أسد ترشد وإن شغبت ... فلا يلم لائم إلا بني أسد إني رأيتكم يعصى كبيركم ... وتكنعون إلى ذي الفجرة النكد١ فباعد الله كل البعد داركم ... ولا شفاكم من الأضغان والحسد فرأى عصيانهم الكبير من إقبح العيب، وأدله على ضغن بعضهم لبعض، وحسد٢ بعضهم بعضاً، والوضيع ينقلب إلى الشريف، لأنه يرى مقاولته فخراً، والاجتراء عليه ربحاً، كما أن مقاولة الشريف للئيم ذل وضعة. قال الشاعر: إذا أنت قاولت اللئيم فإنما ... يكون عليك الفضل حين تقاوله٣ ولست كمي يرضى بما غيره الرضا ... ويمسح رأس الذئب والذئب آكله وسنشبع هذا المعنى إن شاء الله. وفي هذا الشعر بيت يقدم في باب الفتك، وهو: فلا تقربن أمر الصريمة بامرئ ... إذا رام أمراً عوقته عواذله [وقل للفؤاد إن ترى بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله] ٤ الصريمة: العزيمة.

стр. 855

وقد امتنع قوم من الجواب تنبلاً، ومواضعهم تنبئ عن ذلك، وامتنع قوم عياً بلا اعتلال، وامتنع قوم عجزاً١، واعتلوا بكرهة السفه، وبعضهم معتل برفعة نفسه٢ عن خصمه، وبعضهم كان يسبه الرجل الركيك من العشيرة فيعرض عنه٣ ويسب سيد قومه، وكانت الجاهلية ربما فعلته بقى الذحول٤، قال الراجز: إن بجيلاً كلما هجاني ... ملت على الأغطش أو أبان أو طلحة الخير فتى الفتيان ... أولاك قوم شأنهم كشاني ما بلت من أعراضهم كفاني ... وإن سكت عرفوا إحساني وقال أحد المحدثين: إني إذا هو كلب الحي قلت له ... إسلم، وربك مخنوق على الجرر قوله: إسلم فاستأنف بألف الوصل، لأن النصف الأول موقوف عليه. قال الشاعر: ولا يبادر في الشتاء وليدنا٥ ... القدر ينزلها بغير جعال الجعال: الذي تنزل٦ به البرمة، وربما توقيت به حرارتها. قال الراجز: لا نسب اليوم ولا خلة ... إتسع الخرق على الراقع وهذا كثير غير معيب. وفي مثل اختيار النبيل لتكافؤ الأغراض٧ قول الأخطل:

стр. 856

شفى النفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غني ولا جسر ولا جشم شر القبائل إنها ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر ولو ببني ذبيان بلت رماحنا ... لقرت بهم عيني وباء بهم وتري وقال رجل من المحدثين، وهو حمدان بن بان اللاحقي: أليس من الكبائر أن وغداً ... لآل معذل يهجو سدوسا هجا عرضاً لهم غضاً جديداً ... وأهدف عرض والده اللبيسا وقال آخر: اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا قوم إذا جر جاني قومهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا اللؤم داء لوبر يقتلون به ... لا يقتلون بداء غيره أبدا١ وقال رجل من المحدثين٢: أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق٣ عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل وقال آخر: نبئت كلباً هاب رميي له ... ينبحني من موضع نائي لو كنت من شيء هجوناك أو ... لو بنت للسامع والرائي فعد عن شتمي فإني امرؤ ... حلمني قلة أكفائي

стр. 857

وقال آخر١: فلو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان صبرت على عداوته ولكن ... تعالي فانظري بمن ابتلاني

стр. 858

من أخبار ذوي الحلم ووقف رجل عليه مقطعات على الأحنف بن قيس يسبه - وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفه الأحنف - فجعل لا يألوا أن يسبه سباً يغضب، والأحنف مطرق لا يكلمه١، فلما رآه لا يكلمه أقبل الرجل يعض إبهامه٢، ويقول: يا سوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه!. وفعل ذلك آخر، فأمسك عنه الأحنف، فأكثر الرجل، إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء؛ فأقبل على الرجل، فقال له: يا هذا! إن غداءنا قد حضر، فانهض بنا إليه إن شئت، فإنك مذ اليوم تحدر بجمل ثفال. والثفال من الإبل: البطيء الثقي الذي لا يكاد ينبعث. وعدت على الأحنف سقطة في هذا الباب، وهو أن عمرو بن الأهم دس عليه رجلاً ليسفهه. فقال له: يا أبا بحر٣، ما كان أبوك في قومه? قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك? فقال: كانت له صرمة٤ يمنح منها ويقري، ولم يك أهتم سلاحاً٥.

стр. 859

وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه - ولم تكن في موضع مرضي إنما كانت من عنزة، ثم من بني جلان١ - فأتاه الرجل، وهو بمصر أميراً عليهم، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كان امرأة٢، من عنزة، ثم من بني جلان، تسمى ليلى، وتلقت النابغة، إذهب فخذ ما جعل لك. وقال له مرة المنذر بن الجارود: أي رجل أنت لولا أمك! قال: فإني أحمد الله إليك، إني فكرت فيها٣ البارحة، فأقبلت أنقلها في قبائل العرب، فما خطرت لي عبد القيس ببال٤. ودخل عمرو مكة فرأى قوماً من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري! قالوا: أجل، كنا نمثل٥ بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل? فقال عمرو: إن لهشام علي أربعة: أمه ابنة هشام بن الغميرة، وأمي من قد عرفتم، وكان أحب إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت. قال أبو العباس: وقد أكثر الناس في الباب الذي ذكرناه، وإنما نذكر من الشيء وجوهه ونوادره. قال رجل لرجل من آل الزبير كلاماً أقذع له فيه، فأعرض الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيري علي بن الحسين، فأعرض عنه، فقال له الرجل الزبيري: ما يمنعك من جوابي? فقال علي: ما منعك من جواب الرجل!.

стр. 860

وقد روي قول القائل: لو قلت واحدة لسمعت عشراً، فقال له: ولكنك لو عقلت عشراً ما سمعت واحدة. وقال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأجوز ثم أقول لا يعنيني وقال رجل لرجل - وسبه فلم يلتفت إليه: إياك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض. فأما قول الشعبي للرجل ما قال فمن غير هذا الباب، وإنما مخرجه الديانة، وذاك أن رجلاً سب الشعبي بأمور قبيحة نسبه إليها، فقال له١ الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي. وقال أبو العباس: قال رجل لأبي بكر الصديق ﵀: لأسبنك سباً يدخل معك قبرك، فقال: معك والله يدخل لا معي. [ويحدث ابن عائشة عن أبيه: أن رجلا من أهل الشام دخل المدينة، فقال: رأيت رجلاً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا أحسن لباساً ولا أفره مركباً منه، فسألت عنه، فقيل لي: الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال: أنا ابن ابنه، فقلت له: فيك وبك وبأبيك، أسبهما. فقال: أحسبك غريباً! قلت: أجل. فقال: إن لنا منزلاً واسعاً ومعونة على الحاجة ومالا نواسي منه. فانطلقت وما أجد على وجه الأرض أحب إلي منه] ٢.

стр. 861

قال أبو العباس: ويتصل بهذا الباب ذكر من رغب برجل عن إرث رجل لا يشاكله، وولاية رجل لا يشابهه. قال الشاعر١: بكت دار بشر شجوها أن تبدلت ... هلال بن قعقاع ببشر بن غالب وما هي إلا كالعروس تنقلت ... على رغمها من هاشم في محارب٢

стр. 862

للفرزدق حين ولي ابن هبيرة العراق وقال الفرزدق حين ولي العراق عمر بن هبيرة الغزاري بعقب مسلمة بن عبد الملك١: راحت بمسلمة البغال عشية٢ ... فارعي فزارة لا هناك المرتع! ولقد علمت إذا فزارة أمرت٣ ... أن سوف يطمع في الإمارة أشجع٤ فأرى الأمور تنكرت أعلامها٥ ... حتى أمية عن عزارة تنزع عزل ابن بشر وابن عمرو قبله ... وأخو هراة لمثلها يتوقع فلما ولي خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هبيرة. قال رجل٦ من بني أسد يجيب الفرزدق: عجب الفرزدق من فزارة أن رأى ... عنها أمية بالمشارق تنزع

стр. 863

فلقد رأى عجباً وأحدث بعده ... أمر تضج له القلوب وتفرع بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تذوب وتجزع وملوك خندف أسلمونا للعدى١ ... لله در ملوكنا ما تصنع! كانوا كتاركة بنيها جانبا ... سفها وغيرهم تصون وترضع

стр. 864

للفرزدق أيضاً في هجاء عمرو بن هبيرة قال أبو العباس: وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة عند ولايته العراق. وفي ذلك يقول ليزيد بن عبد الملك: أمير المؤمنين وأنت بر ... أمين لست بالطبع الحريص أأطعمت العرقا ورافديه ... فزارياً أحذ يد القميص١ تفهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص ولم يكن قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ . هذا الوقف. ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ٢ وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٣. وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر: كأني بين خافيتي عقاب ... أصاب حمامة في يوم غين٤

стр. 865

وقال بعضهم: أراد في التفاف من الظلمة. وقال آخرون: أراد في يوم غيم، فأبدل من الميم نوناً، لاجتماع الميم والنون في الغنة. كما يقال للحية: أيم، وأين، واستجازت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القوافي، لما ذكرت لك من اجتماعهما في الغنة. قال الراجز: بني إن البر شيء هين ... ألمنطق اللين والطعيم وقال آخر١: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني٢ لمثل هذا ولدتني أمي والعراقان: البصرة والكوفة. والرافدان: دجلة والفرات. وقوله: أحذ يد القميص، الأحد: الخفيف. قال طرقة: وأتلع نهاض أحد ململم٣ وإنما نسبه بالخفة في يده إلى السرقة٤. وقوله: تفهق أي امتلأ مالاً٥. يقال: بئر تفهق وغدير يفهق إذا امتلأ ماء. قال الراجز: لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا ... والقوم في عرض غدير يفهق وقال الأعشى فيمدحه المحلق بن حنتم. أحد بني أبي بكر بن كلاب: نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق

стр. 866

هكذا في رواية أبي عبيدة. وقوله: ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص كانت بنو فزارة ترمى بغشيان الإبل. ولذلك قال ابن دارة: لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار

стр. 867

للفرزدق أيضاً في حبس عمر بن هبيرة فلما عزل ابن هبيرة وحبسه خالد بن عبد الله القسري. قال الفرزدق: لعمري لئن نابت فزارة نوبة ... لمن حدث الأيام تحسبها قسر لقد حبس القسري في سجن واسط ... فتى شيظميا ما ينهنهه الزجر فتى لم ترببه النصارى لم يكن ... غذاء له لحم الخنازير والخمر قوله: فتى ١شيظيماً"١، الشيظمي: الطويل. قال ذو الرمة: إذا ما رمينا رمية في مفازة ... عراقيبها بالشيظمي المواشك٢ يريد حادياً يسوقها وقوله: ما ينهنهه الزجر. يقول: ما يحركه. وقوله: فتى لم ترببه النصارى ينبه به على أم خالد، وكانت نصرانية رومية، وكان أبوه استلبها في يوم عيد للروم، فأولادها خالداً وأسداً. ولذلك يقول الفرزدق: ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تهادى من دمشق بخالد وكيف يؤم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد! بنى بيعة فيها النصارى لأمه ... ويهدم من كفر منار المساجد وقال: عليك أمير المؤمنين بخالد ... وأصحابه لا طهر الله خالدا بنى بيعة فيها الصليب لأمه ... ويهدم من بغض الصلاة المساجدا

стр. 868

وكان سبب هدم خالد منار المساجد حتى حطها عن دور الناس أنه بلغه شعر لرجل من الموالي، موالي الأنصار، وهو: ليتني في المؤذنين حياتي ... إنهم يبصرون من في السطوح فيشيرون أو تشير إليهم ... بالهوى كل ذات دل مليح فحطها عن دور الناس. ويروى عنه فيما روي من عتوه أنه استعفي من بيعة بناها لأمه. فقال لملأ من المسلمين: قبح الله دينهم، إن كان شراً من دينكم!.

стр. 869

للفرزدق عند هروبه من سجن ابن هبيرة وقال الفرزدق لابن هبيرة حين١ نقب له السجن وهرب، فسار٢ تحت الأرض هو وابنه حتى نفذا٣: لما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا٤ خرجت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربد التقريب من نسل أعوجا٥ فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق! هجاني أميراً، ومدحني أسيراً. قوله: حيث أدلجا. تقول: أدلجت، إذا سرت٦ في أول الليل. وادلجت، إذا سرت من آخره في السحر. قال زهير:

стр. 870

بكرن بكورا وادلجن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم وأعوج: فرس كان لغني، وقالوا، كان لبني كلاب. ولا ينكر هذا، لأن خبيبة١ بنت رياح الغنوية، ولدت بني جعفر بن كلاب. فلعله أن يكون صار إلى بني جعفر بن كلاب من غني. والعرب تنسب الخيل الجياد إلى أعوج، وإلى الوجيه، ولاحق، والغراب، واليحموم، وما أشبه هذه الخيل من المتقدمات. قال زيد الخيل: جلبنا الخيل من أجإ وسلمى ... تخب نزائعا خبب الذئاب٢ جلبنا كل طف أعوجي ... وسلهبة كخافية العقاب٣ ثم نرجع إلى التشبيه المصيب؛ قال امرؤ القيس في طول الليل: كأن الثرا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل فهذا في ثبات الليل وإقامته. والمصام: المقام. وقيل للممسك عن الطعام: صائم، لثباته على ذلك، ويقال: صام النهار: إذا قامت الشمس. قال امرؤ القيس: فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا وقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما والأمراس: جمع مرس، وهو الحبل. قال أبو زبيد يرثي غلامه ويذكر تعرضه للحرب٤: إما تقارن بك الرماح فلا ... أبكيك إلا للدلو والمرس٥

стр. 871

وقال في ثبات الليل: فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل المغار: الشديد الفتل. يقال: أغرت الحبل: إذا شددت فتله. ويذبل: جبل بعينه. وقال أيضاً: كأن أباناً في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل أبان جبل. وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض. قال المهلهل١ - وكان نزل في آخر حربهم، حرب البسوس، في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج. وجنب حي من أحيائهم وضيع - فخطبت ابنته ومهرت أدما. فلم يقدر على الامتناع، فزوجها، وقال: أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم٢ لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرج من أنف خاطب بدم وقوله: في أفانين ودقه يريد ضروباً من ودقه. والودق: المطر. قال الله ﵎: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٣. وقال عامر بن جوين الطائي: فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها وقوله: كبير أناس في بجاز مزمل يريد مزملاً بثيابه. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ, قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٤. وهو المتزمل بثيابه٥. والتاء مدغمة في الزاي. وإنما وصف

стр. 872

امرؤ القيس الغيث. فقال قوم: أراد أن المطر قد خنق الجبل فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل. وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت. وكلاهما حسن. وذكر الودق لأن تلك الخضرة من عمله. وقال الراجز يصف غيماً: أقبل في المستن من ربابه ... أسنمة الآمال في سحابه أراد أن ذلك السحاب، ينبت ما تأكله الإبل، فتصير شحومها في أسنمتها. والرباب سحاب دوين المعظم من السحاب، قال المازني١: كأن الرباب دوين السحاب ... نعام يعلق بالأرجل وقوله جل وعز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ ٢. أي أعصر عنباً فيصير إلى هذه الحال. وقال زهير: كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم الفنا: شجر بعينه، يثمر ثمراً أحمر ثم يتفرق في هيئة النبق الصغار، فهذا من أحسن التشبيه. وإنما وصف ما يسقط من أنماطهن إذا نزلن. والعهن: الصوف الملون في قول أكثر أهل اللغة. وأما الأصمعي فقال: كل صوف عهن. وكذلك قال أهل اللغة: الحنتم الخزف الأخضر. وقال الأصمعي: كل خزف حنتم. قال القرشي٣: من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم

стр. 873

وقال جرير: ما في مقام ديار تغلب مسجد ... وبها كنائس حنتم ودنان والتشبيه جار كثيراً في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد. قال الله وله المثل الأعلى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ١. وقال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ ٢. وقد اعترض معترض من الجهالة الملحدين، في هذه الآية. فقال: إنما يمثل الغائب بالحاضر، ورؤوس الشياطين لم نرها، فكيف يقع التمثيل بها! وهؤلاء في هذا القول كما قال الله جل وعز: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ٣. وهذه الآية قد جاء تفسيرها على ضربين٤: أحدهما، أن شجراً يقال له الأستن٥، منكر الصورة يقال لثمره: رؤوس الشياطين، وهو الذي ذكره النابغة في قوله: تحيد عن أستن سود أسافله٦ وزعم الأصمعي أن هذا الشجر يسمى الصوم. والقولم الآخر - وهو الذي يسبق إلى القلب - أن الله جل ذكره شنع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان٧ ذلك أبلغ من المعاينة، ثم مثل هذه الشجرة مما تنفر منه كل نفس.

стр. 874

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك قال أبو العباس: وحدثت في إسناد متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشاماً١: والشمس قد صارت كعين الأحول لما ذهب به الروي عن الفكر في عين هشام، فأغضبه، فأمر بطرده، فطرد٢. فأمل أبو النجم رجعته. فكان٣ يأوي المسجد٤، فأرق هشام٥ ذات ليلة، فقال لحاجبه: ابغني رجلاً عربياً فصيحاً يحادثني وينشدني. فطلب له ما طلب، فوقف على أبي النجم، فأتى. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك? قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك? قال: رجلين. كلبياً وتغلبياً. أتغدى عند أحدهما، وأتعشى عند الآخر، فقال له: مالك من الولد? قال: ابنتان. قال: أزوجتهما? قال: زوجت إحداهما. قال: فيم أوصيتها? قال قلت لها ليلة أهديتها: سبي الحماة وابهتي عليها ... وإن أبت فازدلفي إليها ثم اقترعي بالود مرفقيها٦ ... وجددي الحلف به عليها لا تخبري الدهر بذاك ابنيها قال: أفأوصيتها بغير هذا? قال: نعم، قالت: أوصيت من برة قلباً حمرا ... بالكلب خيراً والحماة شرا لا تسأمي نهكاً لها وضرا ... والحي عميهم بشر طرا وإن كسوك ذهباً ودرا ... حتى يروا حلو الحياة مرا

стр. 875

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بنتي كولده، قال: فما حال الأخرى? قال: قد درجت بين بيوت الحي، وتنفعنا١ في الرسالة والحاجة، قال: فما قلت فيها? قال: قلت: كأن ظلامة أخت شيبان ... يتيمة ووالداها حيان الرأس قمل كله وصئبان ... وليس في الرجلين إلا خيطان فهي التي يذعر منها الشيطان قال: فقال هشام: يا غلام٢، ما فعلت بالدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها? قال: ها هي عندي، ووزنها خمسمائة، قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين، أفلا تراه قال: فهث التي يذعر منها الشيطان وإن لم يره، لما قرر فيالقلوب من نكارته وشناعته! وقال آخر: وفي البقل إن لم يدفع الله شره ... شياطين يعدو بعضهن على بعض وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن أو إنس أو سبع٣ أو حية٤ يقال له شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ٥ قال الراجز: أبصرتها تلتهم الثعبانا ... شيطانة تزوجت شيطانا وقال امرؤ القيس: أتوعدني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال! والغول: لم يخبر صادق قط أنه رآها. ثم نرجع إلى تفسير شعر أبي النجم٦:

стр. 876

قوله: سبي الحماة وابهتي عليها إنما يريد: ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي فمن ثم وصلها بعلى. والذي يستعمل في صلة الفعل اللام، لأنها لام الإضافة، تقول: لزيد ضربت ولعمرو أكرمت والمعنى: عمراً أكرمت، وإنما١ تقديره: إكرامي لعمرو، وضربي لزيد، فأجرى الفعل مجرى المصدر، وأحسن ما يكون ذلك إذا تقدم المفعول، لأن الفعل إنما يجيء وقد عملت اللام. كما قال الله جل وعز: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ٢. وإن أخر المفعول فهو عربي٣ حسن، والقرآن محيط بجميع٤ اللغات الفصيحة، قال الله جل وعز: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٥ والنحويون يقولون في قوله جل ثناؤه: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ ٦: إنما هو: ردفكم. وقال كثير: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع، قال الله جل ذكره: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٧، أي على ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت في، لأنها للوعاء، يقال: فلان في النخل. أي قد أحاط به. قال الشاعر٨: هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا وقال الله جل وعز: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ ٩ أي عليه. وقال ﵎: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١٠ أي: بأمر الله. وقال ابن الطثرية:

стр. 877

غدت من عليه تنفض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا وقال الآخر: غدت من عليه بعدما تم خمسها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل١ أي من عنده. وقال العامري٢: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها وهذا كثير جداً. وقوله: وإن أبت فازدلفي إليها يقول: تقربي، ومن ذا سميت المزدلفة، قال العجاج: ناج طواه الأين مما وجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا يقال٣: زلفة وزلف، كقولك: غرفة وغرف. وقوله: بالكلب خيراً والحماة شرا كلام معيب عند النحويين، وبعضهم لا يجيزه، وذلك لأنه٤ عطف على عاملين: على الباء٥ وعلى الفعل. ومن قال هذا قال: ضربت زيداً في الدار، والحجرة عمراً. قال أبو العباس: وكان أبو الحسن الأخفش يراه ويقرأ: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ

стр. 878

الرِّيَاحِ آيَاتٌ﴾ ١. فعطف على إن وعلى في. وقال عدي بن زيد: أكل امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بالليل نارا فعطف على كل وعلى الفعل. وأما قوله: غدت من عليه بعد ما تم خمسها فالخمس: ظمء من أظمائها، وهو أن ترد ثم تغب ثلاثاً، ثم ترد، فيبتدأ بيومي وردها مع ظمئها، فيقال: خمس، والربع كحمى الربع. وقوله: تصل أي تسمع لأجوافها صليلاً من يبس العطش، يقال: المسمار يصل في الباب، إذا أكره فيه، قال جرير يخاطب الزبير بمرثيته في هجائه الفرزدق: لو كنت حين غررت بين بيوتنا ... لسمعت من وقع الحديد صليلا ويقال للحمار: المصلصل، إذا أخرج صوته من جوفه حاداً خفياً. قال الأعشى: عنتريس تعدو إذا حرك السو ... ط كعدو المصلصل الجوال٢ وقال المفسرون في قوله : ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ٣ [الحجر: ٢٦] ، قالوا٤: هو الطين الذي قد جف، فإذا قرعه شيء كان له صليل. وتفسير ذلك عند العرب التقن٥ الذي يذهب عنه الماء في الغدران فيتشقق ثم ييبس. والقيض: قشر البيضة٦ الأعلى؛ والذي يلبس البيضة فيكون ما بينها وبين قشرها الأعلى، يقال له: الغرقئ، يقال: ثوب كأنه غرقئ البيض٧. والزيزاء: ما ارتفع من الأرض، وهو ممدود منصرف في المعرفة والنكرة، إذا كان لمذكر، كالعلباء والحرباء، وسنذكر هذا في غير هذا الموضع مفسراً، على أنا قد استقصيناه في الكتاب المقتضب.

стр. 879

والمجهل: الصحراء التي يجهل فيها، فلا يهتدى لسبيلها. ويقال للشيء إذا غب وتغيرت رائحته، صل واصل، فهو صال ومصل، ويقال: نتن وأنتن. ويقال: خم وأخم، وذاك إذا كان مستوراً حتى يفسد. ويقال إذا عتق اللحم فتغير: خنز وخزن، وبيت طرفة أحسن ما ينشد: ثم لا يخنز فينا لحمها ... إنما يخنز لحم المدخر ويقال لرب البيت وربة البيت اللذين ينزل بهما الضيف: هي أم مثواه، وهو أبو مثواه، وأنشد أبو عبيدة: من أم مثوى كريم قد نزلت بها ... إن الكريم على علاته يسع وفي كتاب الله جل وعز: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ ، معناه عند العرب إضافته. ومن التشبيه المطرد على ألسنة العرب ما ذكروا في سير الناقة وحركة قوائمها، قال الراجز: كأنها ليلة غب الأزرق ... وقد مددنا باعها للسوق خرقاء بين السلمين ترتقي قوله: ليلة غب الأزرق، إنما يعني موضعاً، وأحسبه ماء، لأنهم يقولون: نطفة زرقاء، وهي الصافية، قال زهير: فلما وردنا الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم١ وقال آخر: فألقت عصا التسيار عنها وخيمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافر وقوله: وقد مددنا باعها للسوق

стр. 880

يقول: استفرغنا ما عندها في١ السير، يقال: تبوعت وانباعت، إذا مدت باعها. وقوله: خرقاء بين السلمين ترتقي يقول: لكثرة حركة الخرقاء وقلة حذقها بالصعود. وقال الآخر: كأنها نائحة تفجع ... تبكي بشجو وسواها الموجع٢ وقال الشماخ: كأن ذراعيها ذراعا مدلة ... بعيد السباب حاولت أن تعذرا٣ من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا٤ بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرداء المحبرا٥ تقول وقد بل الدموع خمارها ... أبى عفتي ومنصبي أن أعيرا كأن بذفراها مناديل قارفت ... أكف رجال يعصرون الصنوبرا كأن ابن آوى موثق تحت غرضها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا شبه يديها بيدي مدلة بجمال ومنصب قد سابت وأقبلت تعتذر وتشير بيديها، فوصف جمالها الذي به تدل؛ ومنصبها المتصل بمن ذكرته. وقوله: أطارت من الحسن الرداء المحبرا
следующие страницы →