الرغبة في الهجرة إلى المدينة:
يقول صديقنا الأستاذ حسن قزاز الكاتب ورجل الأعمال وتربطه صلة القرابة بالشيخ صالح قزاز يقول: في بداية عام ١٣٧١ كنا بعوائلنا "يقصد عوائل آل قزاز" جميعًا في زيارة المسجد النبوي الشريف، وفي ضحى أحد الأيام اصطحبني الشيخ صالح إلى المسجد وصلَّينا في الروضة المطهرة الشريفة، ثم وقفنا مسلِّمين على الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
التفت الشيخ صالح إليَّ قائلا: أتمنى لو أحصل على راتب تقاعد مقداره ألف ريال شهريًا أعيش به في هذا المكان الطاهر بجوار المسجد النبوي الشريف، وأقضي بقية عمري في هذه الرحاب الطاهرة.
يقول حسن قزاز: قلت له ياعم صالح إنك لا تزال في عنفوان رجولتك وأمامك الحياة طويلة ودواعي الطموح كثيرة.
قال الشيخ صالح أن شعورًا خفيًا يدفعني لهذه الأمنية وأرجو أن يحققها الله.
يقول حسن قزاز وعُدْنا من المدينة إلى الطائف.
ومضت سنوات وأقام الشيخ صالح قزاز وأخوه الشيخ أحمد قزاز في منزلهما بالطائف حفلًا لتكريم معالي الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية ﵀، وفي هذا الحفل أعلن الشيخ عبد الله السليمان أن جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله أمره بعمارة المسجد النبوي الشريف بعدما ذكرت الصحف المصرية أن تصدعًا حدث في بعض الأعمدة، ودعى مصطفى النحاس باشا المسلمين إلى التبرع لعمارة المسجد، وتقدم البعض بتبرعاتهم، ولكن الملك عبد العزيز يرحمه الله أبى أن يقبل تبرعًا من أي جهة كانت وأعلن قائلًا: نحن أولى بتعمير المسجد الشريف، وطلب أن تعاد للناس تبرعاتهم وأصدر أمره إلى وزير ماليته الشيخ عبد الله السليمان لتنفيذ العمارة المطلوبة.
وقال الشيخ عبد الله السليمان، لقد كلفت المعلم محمد بن لادن بالقيام بالعمارة المطلوبة التي تشمل إزالة التصدعات وتوسعة المسجد وهي التوسعة الأولى التي تمت في العهد السعودي (١).
وفي هذا الاجتماع طلب الشيخ محمد بن لادن اختيار رجل كفء ليقوم بعبئ الأعمال الإدارية لهذا المشروع العظيم لأنه سيتفرغ للأعمال الهندسية وأعمال البناء.
وفي هذا الاجتماع تم اختيار الشيخ صالح قزاز ليكون هو الرجل الإداري الذي يطلبه المعلم محمد بن لادن.
وتحققت أمنية الشيخ صالح قزاز وانتقل إلى المدينة المنورة لا ليكون مهاجرًا في رحاب
стр. 1367
المسجد النبوي الشريف، وإنما ليكون مشرفًا على عمارة المسجد النبوي الشريف وتوسعته، وإبرازه في أجمل الحلل.
ولكن هل اكتفى صالح قزاز بأن حقق الله له أمنية غالية تمناها وأجاب الله دعوة دعاها وهو في الروضة المطهرة، وفي رحاب المسجد النبوي الشريف … ؟
صالح قزاز بهذا، وإنما قرَّر بينه وبين نفسه أن يقوم بهذا العمل دون أن يتقاضى أجرًا من المعلم بن لادن، أراد أن يكون عمله في إدارة هذا العمل العظيم قربي إلى الله تعالى، خالصًا لوجهه؟
كتب خطابًا سريًا إلى جلالة الملك فيصل وكان نائبًا لجلالة والده في الحجاز يرحمهما الله تعالى، كتب إليه قراره بأن لا يتقاضى من المعلم بن لادن أي أجرٍ على قيامه بهذا العمل، وطلب من سموه تدبير راتب شهرى له يعيش وأسرته عليه.
واستجاب يرحمه الله فأصدر أمرًا إلى وزارة الخارجية وكان وزيرها، بتعيين صالح قزاز وزيرًا مفوضًا في وزارة الخارجية، ومن راتب هذه الوظيفة الاسمية كان صالح قزاز يعيش وينفق على أسرته حتى وفاته (١).
في رابطة العالم الإسلامي:
وحينما اختار الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله الشيخ صالح قزاز ليكون وكيلًا له في رابطة العالم الإسلامي سنة ١٣٨١، ثم اختير أمينًا عامًا لها بعد وفاة الشيخ محمد سرور لم يتقاض صالح قزاز راتبًا من الرابطة طيلة عشرين عامًا بل كان يتحمل النفقات التي يتقاضاها عمله، ويجنب صندوق الرابطة أن يتحملها، يقول الشيخ محمد صفوت السقا الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي ما يلي:
وشهادة لله أزكيها ويعرفها كل من كان له شرف العمل معه - مع صالح قزاز - في الرابطة أنه لم يقبض ريالًا واحدًا كراتب أو تعويض أو حتى كمساهمة في النفقات التي يتطلبها العمل في الرابطة، فكانت السيارة من ماله وسائقها وحتى أجور السفر، وكانت كل الولائم التي نقيمها على مدار العام في داره من جيبه من مرتبه الذي يتقاضاه من تقاعده … الخ.
لقد أكرمني الله أن أكون مطوفًا للعلماء:
ويواصل الشيخ محمد صفوت السقا حديثه عن الشيخ صالح قزاز فيقول:
وعندما يقوم باسقبال الوفود والإشراف على راحتهم من مختلف أنحاء العالم يقول: تعلم أنني تركت الطوافة هربًا ولكن الله أكرمني أن أعمل مطوفًا لعلماء العالم الإسلامي بحكم طبيعة عملي في الرابطة، ويا أخ صفوت مهنة الطوافة تشريف وتكريم لأهل مكة المكرمة، وكم كان يتمنى أن يتفرغ للتدريس في الحرم المدني والمكي (٢).
стр. 1368
عمل وإنجاز:
كان الشيخ صالح قزاز يهب نفسه للعمل الذي يوكل إليه مدفوعًا بالرغبة في الإنجاز والإصلاح.
اختير مديرًا عامًا لأول مديرية للزراعة حين تأسيسها عام ١٣٦٨ للهجرة، وجاء هذا الاختيار ليجمع الرجل بين عمله في مديرية الحج العامة، ومديرية الزراعة، يقول معالي الأستاذ عبد الله الدباغ وزير الزراعة الأسبق الذي عمل مساعدًا للشيخ صالح قزاز في مديرية الزراعة في جدة حين تأسيسها ما يلي:
لم أر في حياتي رجلًا كالشيخ محمد صالح قزاز في نشاطه، ودأبه وحرصه على أداء واجبه وأكثر من واجبه في تفان وإخلاص.
لم يكن يعرف للراحة طعمًا، فنهاره كله عمل من حين أن يصبح إلى أن يمسي وحتى يأوي إلى فراشه.
كان يرحمه الله أول الحاضرين إلى مكتبه وآخر من يخرج منه إلى داره، وكانت داره مكتبًا آخر يمتد فيها العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، والإجازة الأسبوعية كان يقضي معظمها في زيارات للمناطق الزراعية يتفقد أحوالها، ويبحث مشاكلها، ويحلُّ منها ما كان قادرًا على حله.
وكانت مسئوليته في أعمال الحج تتطلب منه الانتقال يوميًا بين مكة وجدة أكثر من مَرَّةٍ في اليوم الواحد أحيانًا، خصوصًا في موسم الحج حرصًا منه على قضاء مصالح الحجاج، وكنت أرافقه في بعض المرات، وعندما نكون سويًا في المقعد الخلفي للسيارة يطلب مني الانتقال إلى جانب السائق لينال هو قسطًا من الراحة بالاسترخاء بعض الوقت بعد عناء العمل ليلًا.
وكان بتوجيه من جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله ويأمر من معالي الشيخ عبد الله السليمان أول من أدخل مضخات الماء لتوزع على المزارعين في مختلف مناطق المملكة كوسيلة بديلة للطريقة التقليدية لرفع المياه من الآبار.
كما كان أول من فكَّر في إصلاح عدد من عيون المياه التي توقف جريانها في وادي فاطمة وغيره من الوديان، كما أوجد وحدات الخدمة الزراعية المجهزة بآلات التسوية والحراثة لإقامة العقوم وحراثة الأرض للمزارعين في مناطقهم واستورد في عهده الكثير من شتلات أشجار الفاكهة من مصر ولبنان وزعت على المزارعين بدون مقابل.
كل هذا بالرغم من ضآلة الميزانية السنوية لمديرية الزراعة في ذلك الوقت، والتي أذكر أنها لم تتجاوز اثنى عشر مليون ريال.
ويواصل الأستاذ عبد الله الدباغ حديثه فيقول:
أن أكثر ما شدني للشيخ محمد صالح قزاز هو إيمانه العميق، وعزوفه عن رغد العيش وميله إلى التقشف مع ما أنعم الله به عليه من وفرة في الرزق وكرم في العطاء.
стр. 1369
كان عندما يضطر إلى البقاء طيلة نهارة في جدة لم يكن له بيت يأوي إليه بعد الغذاء ولا فندق يذهب إليه ليرتاح بعض الوقت لكي يستأنف عمله بعد ذلك، فكان يفترش المكاتب الحديدية في فرع مديرية الزراعة بجدة جاعلًا ذراعه وسادة لرأسه، وذلك حتى لا يغريه الفراش الناعم الوثير بإطالة فترة راحته.
وعندما يكون في البادية لا تختلف معيشته في نومه وطعامه مع معيشة أهل البادية بخشونتها وقسوتها (١).
مدارس تحفيظ القرآن الكريم:
كان الشيخ صالح قزاز من أوائل الرجال الذين ساهموا في تأسيس مدارس تحفيظ القرآن الكريم التي بدأت في سنة ١٣٨٢ في مكة المكرمة، ثم انتشرت في جميع أرجاء المملكة، ولم يكتف الشيخ صالح قزاز بالمساهمة فيها بجهده. ولكنه ساهم كذلك بماله، فأوقف عليها عمارة في محلة الشامية بمكة المكرمة تساهم غلتها في واردات الجماعة، يقول الدكتور حسن محمد باجوده، رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى، والأمين العام لجماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة ما يلي:
نستطيع أن نقول أن كل إمام يؤم المسلمين حاليًا في مكة المكرمة، وبخاصة في شهر رمضان في صلاتي التراويح والقيام والجماعة لتحفيظ القرآن الكريم في مساجد مكة وفيها ما يزيد على ستمائة شاب يؤمون المسلمين في ليالي رمضان نقول:
أن للشيخ صالح قزاز بفضل الله تعالى يدًا على هؤلاء.
ونستطيع القول ذاته عن كل الذين حفظوا القرآن الكريم في جماعة تحفيظ القرآن الكريم وفي العديد من جهات المملكة.
ويبدو هذا الأمر على حقيقته عندما نستعرض جهوده ﵀ في سبيل النهوض بهذه الجماعة سنة ١٣٨٢ هـ، وكان رئيس هذه الجماعة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني الجنسية صاحب هذه الفكرة، وقد تبنى هذه الجماعة عدد من الرجال الأفاضل ومنهم الشيخ محمد صالح القزاز يرحمه الله.
ويواصل الدكتور باجوده حديثه فيقول:
هذا الرجل جعل كل نشاطه بعد نهاية خدمته للأمانة - أمانة رابطة العالم الإسلامي - جعل كل همه أن يخدم القرآن الكريم، فلقد كان في المملكة جماعة مكة، وترتبط بها الجماعات الأخرى في جدة والطائف والرياض، وبلجرشي والليث وغيرها، وكانت المساعدات التي تتدفق على جماعة مكة تنال تلك الجماعات حظها منها.
الشيخ صالح ﵀ وجه الجماعة وجهة الحفظ للشباب ترتيلًا بقصد أن يأتي الشباب صلاة الجماعة في المحاريب.
стр. 1370
وبفضل الله تعالى نهضت الجماعات واستقلَّت ونمت الجماعات.
وكان للشيخ القزاز بعد الله ثم المسؤولين الغيورين على هذا الكيان كبير الفضل فمثلًا وقف للجماعة عمارة في الشامية وحوَّل حسابها للجماعة.
ومما ينبغي أن يذكر أن الشيخ القزاز مع فريق من الجماعة كانوا يصلون العشاء في رمضان، وينطلقون إلى مساجد مكة التي يؤم أبناء الجماعة فيها المساجد من أجل توجيههم ونصحهم وإعطائهم المكافآت.
كان ﵀ حريصًا على تشجيع الشباب على حفظ القرآن والقراءة في كل المناسبات، فكان يتيح لهم الفرص في المواسم وفي افتتاح الندوات، بل كان يأخذ فريقًا على حساب الرابطة للحج كل ذلك احتفاءًا بِحَملة القرآن، وتشجيعًا للبراعم الصغيرة.
وبفضل الله تعالى ثم بفضل المنزلة التي يتمتع بها في قلوب الناس انهال الخير على جماعة التحفيظ في مكة فدعمته الحكومة، وقام بدوره بدعم الجماعات الأخرى فالمساعدة السنوية مستمرة، والملك خالد ﵀ أعطى مبلغًا كبيرًا أقامت به عمارة مؤجرة للمالية تنتفع بها الجماعة ومدارسها للبنين والبنات التي تشتمل كل أحياء مكة المكرمة.
ويقول الدكتور باجودة:
في الحرم وحده ٤٥ مدرسة للبنين بين باب السلام وباب العمرة إضافة إلى معهد الأرقم ومقره الحرم أيضًا.
كان ﵀ حريصًا على تخريج المدرسين المجودين فأقام معهد الأرقم بن أبي الأرقم وبه الآن أربعمائة طالب ولله الفضل والمنة، ومدارس البنات بلغ تعدادها أربعًا وعشرين مدرسة.
والحقيقة أن الشيخ القزاز يرحمه الله كان في السنوات الأخيرة شبه منقطع في منزله ولكنه كان في نفس الوقت يوجه نشاطه كله للجماعة، فكان يدير أمورها من منزله، ويعتبر كل صاحب مسألة أن الشيخ القزاز هو صاحبها لشدة حبه للجماعة والقرآن.
ثم يختم الدكتور باجودة حديثه قائلًا:
مرت سبعة وعشرون سنة على الجماعة، وحفظ بها حوالي ألف وخمسمائة شاب القرآن الكريم، وفي العام الماضي وحده كان عدد الحفاظ مائة وستين شابًا (١).
هذه شهادات الرجال الذين عملوا مع الشيخ صالح قزاز في المجالات المختلفة، شهاداتهم بعد أن فارق الرجل هذه الحياة الدنيا، وصار في رحاب الله تعالى نطقت بها ألسنتهم إبراءًا للذمة، وإظهارًا للفضل الذي كان صاحبه أزهد الناس في ذكره والإشارة إليه.
стр. 1371
معرفتي بالشيخ صالح قزاز:
عرفت الشيخ صالح قزاز وأخاه الشيخ أحمد يرحمهما الله في النصف الثاني من القرن الماضي. فقد كنت أعمل سكرتيرًا لمعالي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله، وتوجه إلى الطائف في أوائل صيف سنة ١٣٥٦ للهجرة، ونزل وأنا بمعيته في بيت القزاز بالطائف، وكان الشيخ أحمد وأخوه الشيخ صالح يسكنون في منزل بجوار باب الريع، وكان منزلهما دار ضيافة للقادمين من أعيان المكيين، ولم تكن الفنادق إذ ذاك قد عرفت في الحجاز، وإنما كان الناس ينزلون على بيوت أقربائهم ومعارفهم، وكانت كل الدور معدة لاستقبال الضيوف القادمين إليها والذين يلقون كل ترحيب وإكرام.
رأيت الشيخ صالح وكان في كمال رجولته مشرق الوجه، دائم الترحيب بالناس، وكان جهوري الصوت، يجيد ترتيل القرآن الكريم، فكان الشيخ محمد سرور الصبان يقدمه لإمامة الناس بالصلاة في منزله حينما يفد لزيارته قبل الغروب.
وحينما أسندت إليه مديرية الزراعة في جدة سنة ١٣٦٦ ازدادت صلتي به وثوقًا. كانت مديرية الزراعة قد بدأت في إدخال رافعات المياه وتوزيعها على المزارعين، وكانت تشجع المزارعين بإعطائهم الآلات بقروض ميسرة تتحمل مديرية الزراعة جزءًا منها، وتقسط باقي القيمة على المزارعين أقساطًا سهلة.
وسافرت إلى أمريكا سنة ١٩٤٨ للميلاد، واتصلت بإحدى الشركات التي تصنع طلمبات الماء، وتأكدت من جودتها فاستوردت ثلاث رافعات ذات مقاسات مختلفة لتقديمها لمديرية الزراعة لتجربتها توطئة لاستيرادها بكميات تجارية.
وحينما وصلت الرافعات ذهبت لمقابلة الشيخ صالح قزاز يرحمه الله وقلت له إنكم تشترون الرافعات من شركة بكتل وتتحملون جزءًا من القيمة مساعدة للمزارعين، وأنا على استعداد لأن أقدم لكم الرافعات بالأسعار التي تباع على المزارعين، ولا تتحملون الفروق التي كنتم تتحملونها، ولكني أريد أولًا أن تجربوا هذه الآلات فإذا تأكدتم من جودتها عملت على استيرادها، وأمر الشيخ صالح قزاز باستلام المكائن الثلاث التي استوردتها وبعد فترة اتصل بي تليفونيا وقال:
ما هو العدد الذي لديك من الطلمبات اثنين بوصة … ؟
قلت: إن ما لديَّ قدمته لك وأنا في انتظار نتائج التجربة.
قال: المكائن جيدة ونحن على استعداد لشرائها فاعمل على توريدها.
واستوردت الدفعة الأولى ثلاثين مكينة وطلمبة وقبل إخراجها من الجمارك اتصل بي يرحمه الله تليفونيًا وقال:
لقد حَوَّلْت عليك مزارعين من الطائف بثلاثين مكينة، ومع كل واحد منهم أمرًا بالتحويل.
стр. 1372
وعجبت من معرفة الشيخ صالح قزاز بأمر المكائن الثلاثين وهي ما زالت في الجمارك، ثم علمت أنه علم من إدارة الجمارك بوصولها، وتكررت المسألة، فلا تصل شحنة من هذه المكائن الزراعية إلا والمزارعون حاضرون لاستلامها، وهكذا كان الشيخ صالح قزاز يرحمه الله مثابرًا ودقيقًا في عمله، وبفضل هذه المثابرة وهذا الإخلاص انتشرت المكائن الزراعية في جميع قرى الطائف ووديانه، واستفاد المزارعون منها فائدة عظيمة في تطوير الزراعة واستبدال الحيوان بالآلة في زمن وجيز.
ولا شك أن ما تم في الطائف تم في نفس الوقت في أماكن أخرى من المملكة وتعددت الآلات الزراعية وأصنافها حسب طبيعة المناطق الزراعية ومتطلباتها.
هذه تجربة عملية أتيح لي أن أتعرف منها على إخلاص الرجل في عمله ومتابعته له. وحينما اطلعت على أول تقرير للأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي وجدت فيه مرتب الأمين العام وكان معالي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله، ومرتب الأمين العام المساعد وهو الشيخ صالح قزاز قد حسم من بند المصروفات لأن الرجلين كانا يعملان بدون مرتب ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولم أستغرب أن يحدث هذا من الأمين العام فقد كان في بحبوحة من العيش بما أفاء الله عليه، ولكني أكبرت في الشيخ صالح قزاز يرحمه الله خدمته للرابطة بدون مقابل بل تحمله النفقات في سبيل أداء الواجب كما فصل ذلك الشيخ محمد صفوت السقا في الكلمة التي نقلناها قبل، ولم أفاجأ بإصرار الأعضاء المؤسسين في الرابطة بعد ذلك على اختيار الشيخ صالح قزاز أمينًا للرابطة بعد وفاة أمينها العام الشيخ محمد سرور الصبان، ثم محاولتهم التأثير عليه ليبقى في الأمانة بعد أن علت به السن، ولم يعد قادرًا على القيام بأعباء العمل العظيم.
وقد تبين أن رغبة الشيخ صالح قزاز في العمل بدون مرتب كانت رغبة قديمة نفذها منذ أسند إليه الإشراف على عمارة المسجد النبوي الشريف السعودية الأولى عام ١٣٦٨ للهجرة، وقبل اختياره أمينًا عامًا مساعدًا لرابطة العالم الإسلامي بربع قرن، وقد كشف لنا أمر هذه الحسنة الأستاذ حسن قزاز جزاه الله خير الجزاء في الكلمة التي نقلناها عنه قبل، وقد تجنب الشيخ صالح قزاز الإشارة إليها أو إظهارها للناس رغبة فيما عند الله، ولكن العمل الطيب كالعطر الزكي الرائحة ينم عن نفسه، وقد شاء الله تعالى أن يظهر هذا العمل الطيب للناس بعد وفاة صاحبه ليذكر له بالخير وليترحم عليه كل من اطلع عليه.
اعتكف الشيخ صالح قزاز في داره بعد استقالته من الرابطة، وانقطع برغبته عن الناس ولكنه لم ينقطع عن متابعته لأعمال جماعة تحفيظ القرآن الكريم التي احتضنها منذ عام ١٣٨٢، والتي أراد الله تعالى لها النمو والانتشار، وتخرج منها الأئمة والمدرسون والحفاظ ولا تزال تعمل وتنمو كما بيَّن ذلك الدكتور باجوده في كلمته التي نقلناها قبل، وأراد الله تعالى أن يتم فضله على الشيخ صالح قزاز فأوقف عمارته الكبيرة بالشامية على جماعة تحفيظ القرآن الكريم في حياته، وأصبح ريع هذه العمارة ملكًا للجماعة يصرف عليها.
стр. 1373
ولابد أن نذكر أن الشيخ صالح قزاز وأخوه الشيخ أحمد قزاز حينما انتقلوا من الطائف، وأقاموا في مكة المكرمة اشتروا قطعة أرض كبيرة خارج مكة المكرمة، وبتوالي السنين واتساع العمران ارتفعت قيمة هذه الأرض فباعوا أجزاءًا منها وأنشأ الشيخ صالح قزاز عمارته في الشامية من قيمة هذه الأرض التي أكرمه الله تعالى بها في آخر حياته، فاستعملها في أشرف القربات وأكرمها في خدمة القرآن الكريم.
وفاة الشيخ صالح قزاز:
توفي الشيخ صالح قزاز في ٣٠ جمادي الآخرة من عام ١٤٥٩ للهجرة من عمر يناهز التسعين عامًا، ودفن في مكة المكرمة، تغمده الله بواسع رحماته، وجزاه الله خير الجزاء، أنه سميع مجيب.
стр. 1374
(مصادر الكتاب)
اسم الكتاب … المؤلف والمطبعة وتاريخ الطبع
١ - القرآن الكريم
٢ - صفوة التفاسير … محمد على الصابوني، مطابع دار القرآن الكريم - بيروت الطبعة الثانية سنة ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ م.
٣ - التاريخ القويم لبيت الله الكريم … محمد طاهر الكردي - الطبعة الأولى ١٣٨٥ هـ.
٤ - إفادة الأنام بذكر أخبار البلد الحرام … عبد الله محمد الغازي - مخطوط.
٥ - أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار … أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأرزقي - الطبعة الثالثة دار الثقافة بمكة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
٦ - أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه … الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي - تحقيق الأستاذ عبد الملك بن عبد الله بن دهيش مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة مكة المكرمة الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م.
٧ - أسد الغابة في معرفة الصحابة … عز الدين بن الأثير أبو الحسن علي بن محمد الجزري - القاهرة ١٩٧٣ م.
٨ - أعلام الحجاز الجزء الأول … محمد علي مغربي - مطابع دار العلم الطبعة الثانية سنة ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٩ - أعلام الحجاز الجزء الثاني … محمد علي مغربي - مطابع دار العلم الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.
١٠ - أمراء البلد الحرام … السيد أحمد بن السيد زيني دحلان الدار المتحدة للنشر والتوزيع بيروت/ لبنان.
стр. 1375
١١ - البداية والنهاية … أبو الفداء الحافظ بن كثير مكتبة دار المعارف الطبعة الثانية ١٩٧٧ م.
١٢ - النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة … جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي إصدار وزارة الثقافة والإرشاد القومي - المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.
١٣ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين … الإمام أبو الطيب التقي الفاسي محمد بن أحمد الحسيني المكي مطبعة السنة المحمدية بمصر ١٣٧٩ هـ / ١٩٥٩ م.
١٤ - أعلام الحجاز - الجزء الثالث … محمد علي مغربي - مطبعة المدني بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.
١٥ - الأعلام … خير الدين الزركلي - دار العلم للملايين - بيروت الطبعة الخامسة مايو ١٩٨٠ م.
١٦ - السيد أحمد الفيض آبادي … عبد القدوس الأنصاري.
١٧ - بين السجن والمنفى … أحمد عبد الغفور عطار الطبعة الأولى بمكة المكرمة سنة ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.
١٨ - أجنحة بلا ريش … حسين سرحان - إصدار نادي الطائف الأدبي الطبعة الثانية سنة ١٣٩٧ هـ.
١٩ - الصوت والصدى … حسين سرحان.
٢٠ - الهوى والشباب … أحمد عبد الغفور عطار سنة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٥ م.
٢١ - تاريخ التمدن الإسلامي … جورجي زيدان - مطبعة الهلال بمصر سنة ١٩٣١ م.
٢٢ - تاريخ مكة … أحمد السباعي. الطبعة الرابعة - إصدار نادي مكة الثقافي سنة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.
٢٣ - الذهب المسبوك … للمقريزي.
٢٤ - تاريخ عمارة المسجد الحرام … الشيخ/ حسين عبد الله باسلامة.
٢٥ - بدائع الزهور في وقائع الدهور … محمد بن أحمد بن إياس الحنفي - إصدار لجنة المستشرقين الألمانية - طبع دار احياء الكتب العربية بمصر سنة ١٩٧٥ م.
٢٦ - المماليك … الدكتور السيد الباز العريني - دار النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت سنة ١٩٧٩ م.
٢٧ - ذكريات العهود الثلاثة … محمد حسين زيدان - الطبعة الثانية ١٤١١ هـ / ١٩٩٠ م.
٢٨ - مأدبة الله في الأرض … أحمد محمد جمال - منشورات نادي القصيم الأدبي، بريدة الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.
стр. 1376
٢٩ - صقر الجزيرة … أحمد عبد الغفور عطار - الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.
٣٠ - شعر حسين سرحان … أحمد عبد الله صالح المحسن إصدار النادي الثقافي الأدبي بجدة سنة ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
٣١ - مذكرات صالح جمال … مخطوط.
٣٢ - التقرير السنوي لجمعية البر بمكة المكرمة … سنة ١٤١٢ هـ - ١٤١٣ هـ.
٣٣ - نظم الدرر في اختصار نشر النور والزهور … عبد الله مراد أبو الخير. الطبعة الثانية لعالم المعرفة جدة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م. عمر عبد الجبار.
٣٤ - سير وتراجم بعض علمائنا في القرن الرابع عشر … الطبعة الثانية جدة ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٢ م.
٣٥ - شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام … تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي - طبع دار إحياء الكتب العربية بمصر ١٩٥٦ م.
٣٦ - دولة الظاهر بيبرس … الدكتور محمد جمال سرور - دار الفكر العربي سنة ١٩٦٠.
٣٧ - ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز … محمد علي مغربي - مطابع دار العلم بجدة الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.
٣٨ - عثمان بن عفان ذو النورين … محمد علي مغربي مطابع دار العلم بجدة الطبعة الأولى سنة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.
٣٩ - تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية … عثمان حافظ، الطبعة الثانية شركة المدينة للطباعة والنشر جدة سنة ١٣٩٨ هـ ١٩٧٨ م.
٤٠ - رباعياتي … محمد سعيد العامودي.
٤١ - موسوعة مدينة جدة … عبد القدوس الأنصاري مطابع الروضة بجدة الطبعة الثانية سنة ١٤٠١ هـ ١٩٨٠ م.
الصحف والمجلات:
٤٢ - مجلة المنهل، مجلة الأربعاء، جريدة المدينة، جريدة عكاظ، جريدة الندوة، جريدة الشرق الأوسط.
стр. 1377
كتب صدرت للمؤلف
- البعث: رواية طويلة صدرت الطبعة الأولى منها في عام ١٣٦٤ هـ وأعيد طبعها مع قصص أخرى سنة ١٤٠٣ هـ.
- حبات من عنقود: مجموعة من الأحاديث القصيرة صدرت عام ١٣٨٧ هـ، وأعيد طبعها في سنة ١٤٠٥ هـ.
- لعنة هذا الزمن: مجموعة مقالات تتعلق بالأحداث العربية والإسلامية صدرت سنة ١٣٨٧ هـ.
- أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة: تراجم لثلاثين من أعلام الرجال في الحجاز صدرت طبعته الأولى عام ١٤٠١ هـ، وصدرت الطبعة الثانية في سنة ١٤٠٥ هـ.
- ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز في القرن الرابع عثمر للهجرة: تصوير للحياة الاجتماعية في الحجاز خلال النصف الثاني من القرن الرابع عشر للهجرة، صدرت طبعته الأولى سنة ١٤٠٢ هـ وصدرت الطبعة الثانية في سنة ١٤٠٥ هـ، وصدرت الطبعة الثالثة في سنة ١٤٠٥ هـ، وهي خاصة بالمكتبات المدرسية لوزارة المعارف بالمملكة العربية السعودية.
- أبو بكر الصديق خليفة رسول الله: الكتاب الأول في سلسلة أعلام الصحابة صدر في سنة ١٤٠٣ هـ.
- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين: الكتاب الثاني في سلسلة أعلام الصحابة صدر في سنة ١٤٠٣ هـ.
- الجزء الثاني من أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة: تراجم لعشرة من أعلام العُلماء والمؤرخين والشعراء والأدباء مع دراسة لآثارهم المطبوعة والمخطوطة دراسة وافية، صدر في سنة ١٤٠٤ هـ.
- الإسلام في شعر شوقي: بحث قُدم إلى المؤتمر الأول للأدباء السعوديين الذي عقد بمكة
стр. 1378
المكرمة من غرة ربيع الأول ١٣٩٤ هـ إلى السابع منه، وهو دراسة لشعر شوقي الإسلامي وخاصة في أماديحه النبوية صدر في عام ١٤٠٤ هـ.
- عثمان بن عفان ذو النورين: الكتاب الثالث في سلسلة أعلام الصحابة صدر في سنة ١٤٠٤ هـ.
- علي بن أبي طالب والحسن بن علي: الكتاب الرابع في سلسلة أعلام الصحابة صدر في سنة ١٤٠٧ هـ.
- تاريخ الدولة الأموية: تاريخ مفصل للأحداث السياسية في الدولة الأموية منذ خلافة معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن محمد الحمار آخر الخلفاء الأموين مع تراجم للخلفاء الأموين جميعًا صدر سنة ١٤٠٩ هـ.
- الجزء الثالث من أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة وبعض القرون الماضية: صدر سنة ١٤١٠ هـ.
- لمحات من تاريخ الحجاز قبل الإسلام: صدر سنة ١٤١٤ هـ.
تاريخ الحجاز قبل الإسلام تاريخ قديم حاول المؤلف فيه الإلمام بملامح هذا التاريخ فتحدث عن بناء الخليل إبراهيم ﵇ للكعبة المشرفة وما أمكن الوصول إليه من أخبار مكة قبل الإسلام، وتحدث الكتاب عن يثرب وغزو اليهود إليها ووصول الأوس والخزرج إليها وعن شمال الحجاز النبوات التي ظهرت في الحجر ومدين أبناء إسماعيل ﵇ وانتقالهم إلى شمال الحجاز ثم عودتهم إلى مكة المكرمة.
* * *