وفي السابع والعشرين من رجب سنة ألف ومائتين وواحد وعشرين أمر مولانا الشريف غالب أن يبنى له حصن على رأس الجبل المسمى بجبل الهندي، وتم بناؤه في عاشر رمضان، فحصَّنه بالرجال والذخائر.
أقول: ويبدو أن هذه القلعة تعرضت للخراب فقام بتعميرها وتوسيعها وأحكم عمارتها وأتقنها والي الحجاز عثمان نوري باشا في سنة ألف وثلاثمائة كما جاء في سالنامة الرحلات (١).
السلطان عبد الحميد يبني قشلة جرول:
وفي سنة ١٣١٨ بنى قشلة جرول السلطان عبد الحميد واحتفل بافتتاحها في الخامس عشر من ذي الحجة من العام المذكور، وكان السلطان عبد الحميد أمر ببنائها من ماله الخاص لتكون نزلًا لفقراء الحجاج، وقد حضر حفلة الافتتاح إبراهيم رفعت باشا مؤلف كتاب مرآة الحرمين، ووصف المبنى وصفًا جيدًا، ثم علق على ذلك فقال:
وأعجب لهذا السراي التي بها ناظر، وخدم، وطباخون، يأخذون مرتبهم من ثلاث سنين خلت، في حين أنه لا توجد حجرة من حجراتها مفروشة ولا يوجد بها فقير واحد، وقد بلغني أن جلالة السلطان أنفق على إقامتها تسعين ألف جنيه مجيدي. انتهى (٢).
الثلج يحمل إلى المهدي من العراق إلى مكة:
حجَّ الخليفة العباسي الثالث أبو عبد الله ولد المنصور الملقب بالمهدي، وحمل له الأمير محمد بن سليمان الثلج حتى وافى به مكة، وهذا شيء لم يتم لأحد قبلة، وقسَّم المهدي في الحرمين الشريفين أموالًا عظيمة، وهي ثلاثون ألف درهم، وصل معه بها من العراق، وثلاثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر، ومائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن، ومائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب، فرَّق جميع ذلك على أهل الحرمين، ذكره ابن فهد (٣).
أقول: ذكرت في الجزء الثالث من أعلام الحجاز أن الثلج حمل إلى الرشيد بمكة نقلًا عن تاريخ مكة للسباعي، وأود أن أذكر هنا أن المهدي العباسي هو والد الرشيد فإذا صح أنه نقل إليه الثلج بمكة، فيكون أول من نقل إليه الثلج من العراق إلى مكة.
جميلة بنت ناصر وأعمالها في الحج:
وفي سنة ثلاثمائة وست وستين حجت جميلة بنت ناصر الدولة التي يضرب بها المثل في أفعال البِر.
كان معها أربعمائة محمل على لون واحد، ولم يعلم هي في أي محمل، ولما رأت البيت الحرام نزت عليه عشرة آلاف دينار، وكست المجاورين بالحرمين وأنفقت أموالًا عظيمة -
стр. 1332
والذي أنفقته في حجها ألف ألف وخمسمائة ألف دينار من ضرب أبيها وزوجها وزوجت كل علوي وعلوية بالحرمين، وسقت أهل عرفة كلهم السويق، والسكر والثلج حملته معها، وحملت معها البقول مزروعة في مراكن الخشب وأعدت للفقراء خمسمائة بعير تحملهم عليها في الطريق.
ولم توقد في الحرم مدة إقامتها إلا بشمع العنبر.
وأعتقت بمكة ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت جميع الفقراء المجاورين.
كذا في تاريخ السنجاري، وتحصيل المرام، وفي الأتحاف.
وكان معها عشرة آلاف جمل وألف عجل (١).
الأمير عثمان الزنجبيلي يحمل الحجاج بين عرفة والمزدلفة:
وفي سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وصل مكة صاحب عدن الأمير عثمان الزنجبيلي، وفي الثامن من ذي الحجة بكَّر الناس بالصعود إلى منى، وغدوا فيها إلى عرفة وتركوا المبيت بها لخوف الأعراب المغيرين على الحجاج في طريقهم إلى عرفات، واجتهد الأمير عثمان الزنجبيلي في حفظ الحاج اجتهادًا بل جهادًا يرجى لديه المغفرة لجميع خطاياه.
وذلك أن تقدم جميع أصحابه شاكين السلاح إلى المضيق الذي بين مزدلفة وعرفات فضرب قبته في المضيق بين الجبلين، بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد بفرسه إلى رأس الجبل الذي على يسار المار إلى عرفات فأمرَّ جميع الحاج، واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله، كلها إلى يوم الجمعة كله، فاجتمع بعرفات من البشر جمع لا يحصي عدده إلا الله (٢).
السلطان غياث الدين ملك بنقالة يرسل أموالًا لبناء مدرسةٍ ورباط بالمدينة:
في ذكر ما أرسله السلطان غياث الدين ملك بنقالة إلى مكة ذكر الغازي عن صدقته للمدينة المنورة ما يلي:
وكان السلطان غياث الدين أرسل مع ياقوت الغياثي خادمًا يسمى حاجر إقبال أرسله بصدقة أخرى عنده لأهل المدينة المنورة، وجهَّز مالًا ليبني له بها مدرسة ورباطًا، وهدية إلى أمير المدينة يومئذ جماز الحسيني، فانكسرت السفينة التي فيها هذه الأموال وغيرها بقرب جدة فأخذ الشريف حسن بن عجلان ربع ما خرج من البحر على عادتهم إذا انكسرت سفينة عندهم، وأخذ ما يتعلق بالسيد جماز الحسيني لأنه عصى، وظهرت منه شنايع بالمدينة المنورة، من أخذ مفتاح خزانة النبي ﷺ من قاضي المدينة جبرًا بعد أن أهانه، وهو القاضي زين الدين أبو بكر بن حسين المراغي، وضرب شيخ الخدام، وأخذ من خزانة النبي ﷺ أحد عشر خوشخانة وصندوقين كبيرين، وصندوقًا صغيرًا كلها ممهورة فيها ذهب لملوك العراق، وخمسة آلاف كفن، وصادر الخُدَّام، وأخذ
стр. 1333
قناديل الذهب من الحجرة، فمنعه الله، ونهب العربان ما جمعه ومات.
فأرسل الشريف حسن بن عجلان إلى المدينة الشريفة عسكرًا وصلوا إليها وولى عليها عجلان بن نمير الحسيني، وكل ذلك سنة أحد عشر وثمانمائة. انتهى (١).
وزير السلطان مراد يمزج الماء بالسكر والعسل ويسقي الحجيج:
وفي سنة خمسين وثمانمائة حج وزير من وزراء السلطان مراد الثاني وجاء بصدقات جليلة وخيرات وافرة لأهل الحرمين الشريفين، ورمى في بركة قُبَّة العباس بالحرم الشريف ثلاثمائة وستين رأس سكر وعدة قناطير من العسل وسقى الناس، وملأ القرب، وخرج بها الساقون إلى المسعى يسقون الناس، وصرف على الحجاج وأهل الحرمين أموالًا جزيلة. كذا في الأعلام (٢).
أول مكوس فرضت على جدة:
وفي سنة ثمانمائة وثمان وعشرين عين سلطان مصر سعد الدين بن إبراهيم بن المرة القطبي لأخذ مكوس جدة وهو أول مكس أخذ من جدة، واستمر من يومئذ عمال إلى الآن ببندر جدة.
أقول: كان السلطان بمصر هو الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي الظاهري (٣).
الجودرية اسم حارة بالقاهرة:
ذكر ابن إياس في بدائع الزهور أن السلطان برسباي أمر بكبس حارة الجودرية، وكان مختفيًا بها أحد المتصوفة الذين يطلبهم السلطان، فكبست الحارة وأخليت وبقيت خالية مدة طويلة (٤).
وفاة الشيخ عبد الله غازي:
توفي الشيخ عبد الله الغازي سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وخمسين، تغمده الله برحماته الواسعة (٥).
ونختم الحديث عن كتاب إفادة الأنام راجين لمؤلفه الشيخ عبد الله غازي الرحمة والغفران، متمنيًا أن تهتم جامعاتنا العزيزة بنشر مؤلفه الموسوعي الكبير وتحقيقه قريبًا بإذن الله.
стр. 1334
السَّيد محمُود أحمَد
стр. 1335
السَّيد محمُود أحمَد
стр. 1336
السَّيد محمُود أحمَد
أسمر اللون واسع العينين أقنى الأنف متوسط القامة، أقرب إلى النحافة منه إلى الامتلاء، تزين وجهه لحية سوداء تشمل الشارب والعارضين، يرتدي العباءة ويسدل على رأسه شالًا أبيض بدون عقال، وهو الزي الذي يتميز به رجال الدين والقضاة.
ولد السيد محمود أحمد سنة ١٣٠٨ هـ بالهند وقدم مع والده إلى المدينة وهو في الثامنة من العمر، وتعلم بالمدرسة الإعدادية بالمدينة في العهد العثماني، وتخرج منها سنة ١٣٢٥ هـ، وتابع دراسته في المسجد النبوي الشريف في حلقات الدروس على العلماء الذين كانت تملأ حلقاتهم رحاب المسجد الشريف.
وظائفه:
عمل كاتبًا بالمحكمة الشرعية بالمدينة المنورة في العهد العثماني، وفي العهد الهاشمي رُقِّي بأمر ملكي إلى وظيفة رئيس الكتاب فيها.
ثم عين قاضيا بمدينة جدة عام ١٣٤٩ هـ ولكن صحته توعكت فاستقال من وظيفة القضاء وعاد إلى المدينة المنورة بعد عامين قضاهما في جدة.
وبعد عوته إلى المدينة عين كاتبًا للعدل بالمدينة المنورة، وفي عام ١٣٦٤ عين عضوًا في رئاسة القضاة بأمر ملكي.
ثم عين عضوًا في المجلس الإداري وترأس مجلس الأوقاف بالمدينة المنورة، كما ترأس المجلس البلدي بها (١).
التجارة والتطوير:
المدينة المنورة كما هو معروف بلد زراعي، تقوم حياة سكانه على الزراعة، وعلى استقبال
стр. 1337
الوافدين إليه لزيارة المسجد النبوي الشريف، والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وكانت الزراعة في المدينة المنورة تعتمد على الوسائل القديمة في ري المزروعات حيث تستخدم الحيوانات في سحب المياه من الأبار لري الزرع، وشاهد الشاب السيد محمود ذلك، ولكنه كان إلى جانب عمله في المحاكم الشرعية وفي دوائر القضاة متفتح الذهن راغبًا في إدخال التطوير المفيد، وكان قد تعلم اللغة الإنجليزية وكاتب بعض المصانع في انجلترا بحكم عمله التجاري الذي بدأه فقام باستيراد طلبات سحب المياه المزودة بمكائن رستن، وجرى تركيب أولى المكائن في المدينة المنورة فأحدث هذا العمل ثورة في طرق الري التي كانت مستخدمة، واتجه القادرون من أصحاب البساتين والزراع إلى استخدام هذه الآلات في ري مزارعهم، فكانت نقلة عظيمة في الري، استخدمت فيها الآلة بدلا من الحيوان.
وكان السيد محمود أحمد هو رائد هذا العمل العظيم في المدينة المنورة.
ولم يكتف محموذ أحمد بهذا، ولكنه وقد رأى ما تفعله الآلة استورد أول آلة لطحن الحبوب، بعد أن كانت المطاحن تدار كذلك بالحيوانات فحلَّت الآلة محلها، وكان هذا تطورًا آخر أدخله محمود أحمد على حياة المدينة المنورة.
والصيف في المدينة المنورة شديد الحرارة تصل الحرارة فيه إلى أعلى الدرجات فتتجاوز الأربعين درجة في الظهر والأصيل، وهي في أشد الحاجة إلى الوسائل التي تخفف هذه الحرارة على الناس، واستورد السيد محمود أحمد أول مصنع للثلج في المدينة المنورة، فكان بحق رائدًا من الرواد أدخل الآلات في حياة الناس فاستغنوا بها عن استعمال الحيوانات، وأدخل الرفاهية الضرورية بإيجاد الثلج ميسورا في المدينة المنورة يقبل الناس على شرائه واستعماله لمقاومة الحرارة الشديدة في الصيف.
قد يقول البعض، ولكنه بإدخاله هذه الآلات في المدينة المنورة ربح ربحًا عظيمًا وجوابي على ذلك، أن الربح حلال طيب، وان هذا لا يطعن في ريادته في هذا المجال.
وقد يتمحك المتمحكون وما أكثرهم فيقولون أنه احتكر استيراد هذه الآلات وتحكم في أسعارها.
وجوابي على هذا أن المصانع التي تنتج الآلات سواء لتوليد الكهرباء أو لرفع المياه أو لإدارة المطاحن، أو لصنع الثلوج تعد بالمئات أن لم تكن بالآلاف فلماذا لم يتقدم غيره للبحث عن هذه المصانع ويستورد منها كما استورد محمود أحمد ويثري كما أثرى؟
وهنا يظهر الفارق بين العامل المُجِد، وغيره من الناس.
وبعد هذه المقدمة التي رأيتها ضرورية بين يدي البحث أصل إلى السبب الأعظم الذي دفعني للكتابة عن محمود أحمد ووضعه بين أعلام الرجال الذين أكتب عنهم وأترجم لهم في هذا الكتاب وما سبقه من أجزاء.
стр. 1338
لمحمود أحمد مكرمة صنعها وأخفاها عن الناس ويأبى الله تعالى إلا أن يظهرها فالعمل الطيب كالعطر الزكي الرائحة لابد أن ينِمُّ عن نفسه، فتظهر آثاره ويشتمُّه الناس عطرًا شذيا.
في عام ١٣٦٩ كان السيد محمود أحمد يتولى رئاسة مجلس الأوقاف في المدينة ورأى أن المكائن الكهربائية التي تضيء المسجد النبوي الشريف في حاجة إلى تقوية فاستأذن الملك عبد العزيز يرحمه الله أن يسمح له باستيراد مكينة كهرباء لتقوية الإضاءة، وبعد حصوله على الإذن الملكي استورد على حسابه مكينة كهربائية بقوة مائتي كيلووات، مع كافة مستلزماتها من تمديدات وكوابل، واستورد معها مائتي مروحة هوائية ومصابيح الفلوراسنت، وتم تركيب هذه المكنة، كما ثم تركيب المراوح والمصابيح الفلوراسنت لتقوية الإضاءة بالمسجد النبوي الشريف.
وقد أخبرني من أثق بروايته أن السيد محمود أحمد كتم هذا العمل عن الناس فلم يعلن عنه في الصحف، ولم ينشر خبره بين الناس، وإنما بقي مكتومًا في دائرة ضيقة بين السيد محمود وموظفي الأوقاف الذين تسلموا المكينة الكهربائية والمراوح والمصابيح عمل هذا ابتغاء مرضات الله تعالى، ورغبة فيما عنده، وتعبيرًا عن حبه العظيم للرسول صلوات الله وسلامه عليه وتعلقًا بمسجده الشريف، وقد رأيت بهذه المناسبة أن نستكمل الحديث عن إضاءة المسجد النبوي الشريف بالكهرباء فأقول:
إضاءة المسجد النبوي بالكهرباء:
في الجزء الثاني من أعلام الحجاز ذكرت عن إنارة المسجد النبوي الشريف بالكهرباء ما يلي:
كانت الإضاءة في المسجد النبوي تعتمد على قناديل الزيت التي لا تزال بقاياها معلقة في العوارض الحديدية بين أعمدة المسجد، كما كانت الشموع توقد في المسجد للإضاءة إلى جانب القناديل.
وأول من أضاء المسجد النبوي الشريف بالكهرباء هو السلطان عبد المجيد الثاني العثماني الذي بعث مكينة كهربائية لإضاءة المسجد، وكان بدء الإنارة فيه بالكهرباء يوم ٢٥ شعبان ١٣٢٦ للهجرة، وهو يوم الاحتفال بافتتاح سكة حديد الحجاز بالمدينة المنورة (١).
ويقول السيد حبيب محمود أحمد رئيس مجلس الأوقاف الأعلى بالمدينة المنورة عن هذه المكينة أنها كانت من مصنع رستن الإنجليزية وأنها كانت تدار بغاز الفحم، وقد وردت هذه المكينة مع كافة اللوازم للإضاءة، وأنه ثم بناء محطة توليد الكهرباء شمال المسجد الشريف في المنطقة المعروفة بدار الضيافة، وبعد إكمال التمديدات والتجهيزات أضيء المسجد النبوي
стр. 1339
الشريف بالتيار الكهربائي لأول مرة، ثم ألحق السلطان ذلك بمحرك آخر من مصنع تانجي الإنجليزي، وكان المحركان يتناوبان على العمل (١).
وذكرنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز:
أن الحاج الشاوي الجزائري - ويسميه السيد حبيب أحمد - ابشاري الجزائري، أهدى للمسجد النبوي الشريف مكينة جديدة لإضاءته بعد أن ظلت المكائن المرسلة من السلطان العثمانية تعمل أكثر من ربع قرن وتم وصول المكينة المهداة من الحاج ابشاري أو الشاوي سنة ١٣٥٣ للهجرة (٢).
وكذلك أهدى الوزير المصري الأسبق أحمد حمزة مكينة كهربائية رائعة للمسجد النبوي الشريف بعد وصول المكينة التي أهداها الحاج الجزائري، فيكون مجموع المكائن الكهربائية إلى ذلك الوقت أربع مكائن كهربائية (٣).
وفي عام ١٣٦٩ هـ أهدى السيد محمود أحمد المكينة الكهربائية التي قدمنا الحديث عنها، وفي عام ١٣٧٤ هـ قامت الدولة بإنشاء محطة خاصة لإضاءة المسجد النبوي الشريف ضمن مشروع التوسعة الأولى للمسجد النبوي الشريف، والتي كانت نواة لتأسيس شركة كهرباء المدينة المنورة (٤).
وبهذا الإيضاح التفصيلي نكون قد استكملنا إيراد ما يتعلق بإضاءة المسجد النبوي الشريف بدءًا من سنة ١٣٢٦ هـ إلى إنشاء المحطة الكهربائية الخاصة به من قبل الحكومة السعودية سنة ١٣٧٤ هـ، ثم تأسيس شركة كهرباء المدينة المنورة.
وفاة السيد محمود أحمد:
مرض السيد محمود أحمد مرضًا طويلًا، وقاوم كل المحاولات التي بذلت معه للعلاج في خارج المدينة إلى أن وافاه الأجل المحتوم في ٢٤ ربيع الثاني سنة ١٣٩٢ هـ، ودفن بها كما كان يتمنى ﵀ رحمة واسعة، أنه سميع مجيب.
стр. 1340
محمَّد حُسَين زِيدان
стр. 1341
محمد حسين زيدان
стр. 1342
محمَّد حُسَين زِيدان
أصفر اللون، متوسط القامة، واسع العينين، حليق اللحية والعارضين، كان نحيف البدن في شبابه فلما علمت به السن صار أقرب إلى الامتلاء، وفي السنوات الأخيرة من عمره عشي بصره فكان يرى الأشباح ولكنه لا يميز التفاصيل، ولكن مرض عينه لم يقعده عن الحركة والعمل، فكان يملي ما يريد أن يكتب، ويزور من يحب زيارته وكان يرافقه غالبًا صديق عمره السيد يسن طه، مدَّ الله في حياته.
ولد بالمدينة المنورة سنة ١٣٢٥ للهجرة، وتلقى تعليمه في الكُتَّاب مثل أبناء جيله في ذلك الزمن، والتحق بالمدرسة الراقية الهاشمية وتخرج منها سنة ١٣٤٣ هـ كما درس على المشايخ في حلقات المسجد النبوي الشريف، وعمل بالتدريس في المدرسة السعودية بالمدينة مدرسًا للمواد الدينية والتاريخ سنة ١٣٤٦ هـ، ثم قام بتدريس العقيدة السلفية في دار الأيتام بالمدينة المنورة، ثم عين مديرًا مساعدًا لها واستمر عمله بالتدريس إلى سنة ١٣٥٨ هـ.
وانتقل الزيدان من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة سكرتيرًا لشيخ مشايخ الجاوه الشيخ/ حامد عبد المنان في النصف الثاني من الخمسينات ولعل ذلك كان سنة ١٣٥٨ هجرية (١).
ثم انتقل إلى العمل الحكومي عام ١٣٥٨ هـ، فعين سكرتيرًا للمجلس المالي بوزارة المالية، فرئيسًا للقسم الحسابي، ثم رئيسًا للمحاسبة.
ثم عين مديرًا عامًا مساعدًا لمديرية الحج بمكة، وانتقل بعدها مديرًا لمالية مكة، ثم مديرًا عامًا لشئون الرياض، ثم مفتشًا عامًا للحج.
وترك العمل الحكومي في سنة ١٣٧٤ ليتفرغ للعمل الصحفي فشغل منصب مدير تحرير جريدة البلاد، ثم رئيسا لتحريرها، كما ترأس بعدها تحرير جريدة الندوة وكان خلال رئاسته لتحرير الصحيفتين وبعدها كاتبًا بارزًا في الصحف، وفي صحف المنطقة الغربية خاصة.
стр. 1343
كان الزيدان يرحمه الله صاحب ثقافة موسوعية، وكان فصيح اللسان قوي الجنان خطيبًا مفوهًا، إذا اعتلى المنبر ارتجل فأسمع وأبدع، وحينما بثت الإذاعة ثم التلفزة برامجها كان هو أحد فرسان الكلمة، بل كان من أحب المتحدثين إلى السامعين والمشاهدين، وإني لأذكر برنامجه الناجح في سير الصحابة الذي كان يبثه التلفاز في شهور رمضان لسنوات مضت، ثم توقف مع أنه كان من أنجح البرامج التلفزيونية وأحبها إلى الناس.
وقد جمع الزيدان يرحمه الله أحاديثه في هذا البىنامج وأضاف إليها ما يماثلها ونشرها في كتاب سماه "سيرة بطل" وحينما تأسست رابطة العالم الإسلامي عمل الزيدان مساعدًا لأمين عام الرابطة.
وحينما أنشئت دارة الملك عبد العزيز بالرياض عين عضوًا في مجلس إدارة الدارة، وكان لمكانته الثقافية أكبر الأثر في اختياره لهذا المنصب.
ثم عين رئيسًا لتحرير مجلة الدارة، وهي مجلة تعني بالآثار التاريخية للمملكة سياسية وثقافية وعمرانية، وكان الزيدان يرحمه الله يمثل مجلة الدارة في الندوات العلمية والمؤتمرات (١) أصدر الزيدان ثمانية عشر كتابًا نورد أسماءها فيما يلي:
مؤلفات الزيدان:
- سيرة بطل.
- أشياخ ومقالات.
- تمر وجمر.
- محاضرات في الثقافة.
- بنو هلال.
- عبد العزيز والكيان الكبير.
- المنهج المثالي لكتابة التاريخ.
- صور.
- كلمة ونصف.
- خواطر مجنحة.
- قضايا ومقالات في الشرق الأوسط.
- العرب بين الإرهاص والمعجزة.
- رحلات الأوربيين إلى نجد وشبه الجزيرة العربية.
- ذكريات.
- فواتح مجلة الدارة.
- مع الأيام.
стр. 1344
- المقالات.
مخلاة الكاتب كشكول القارئ، وقد صدر منه الجزء الأول والثاني، وهناك خمسة أجزاء معدة للطبع كما ذكر لي نجله الكريم الأستاذ/ حسين زيدان.
ذكرياتي عن الزيدان:
عرفت الأستاذ/ محمد حسين زيدان أول ما عرفته كاتبًا في الصحف يتميز بأسلوب فريد، فقد كان أحد كتاب جريدة المدينة المنورة حين صدورها في ٢٥ محرم سنة ١٣٥٦ هـ بل كان أحد أفراد هيئة التحرير، كما ذكر الأستاذ عثمان حافظ (١).
كما أنه كان يرسل مقالاته إلى جريدة صوت الحجاز في مكة المكرمة.
وعرفته كذلك من رسائله التي كان يبعث بها إلى الشيخ محمد سرور الصبان الذي كان يتلقى الرسائل من الناس على مختلف طبقاتهم، حينما كنت أعمل سكرتيرًا خاصًا له منذ نهاية ب عام ١٣٥٥ هـ في مكة.
وحينما وصل الزيدان إلى مكة سنة ١٣٥٨ هـ للعمل في مكتب الشيخ حامد عبدالمنان شيخ مشايخ الجاوه إذ ذلك كان يسكن في بيت الشيخ حامد عبدالمنان في سوق الليل، وكان منزل الشيخ محمد سرور يرحمه الله على بعد خطوات من منزل الشيخ عبد المنان.
وكان الزيدان يتردد على مكتب الشيخ/ محمد سرور، وكنت أرى الزيدان كثيرًا في تلك الأيام.
كان قد ترك المدينة المنورة، وله فيها ذكريات وصداقات، ذكريات عزيزة وصداقات حميمة، وكان يشعر بشيء من الوحشة أول مقدمه إلى مكة، وكان يتحدث عن المدينة والعواطف تتدفق في كلماته، والشوق يتجلى في ذكرياته، فكان يخرج معنا في الأصائل والأماسي إلى ظاهر مكة في المسفلة وجرول، وكنا مجموعة من الأدباء الشباب اتفقت مشاربهم، وتشابهت آمالهم، يتحدثون عما قرأوا ويزجون أوقات فراغهم في هذه المجالس التي تضمهم في المساء وصدر الليل.
وحينما حل الصيف كان الزيدان أحد أفراد هذه المجموعة التي تجتمع أصيل كل يوم في الطائف في قروة في سفح جبل السكارى، وفي الفضاء الفسيح الممتد أمام الثكنة العسكرية هناك.
وحينما دعوته أول مرة إلى بيتي في الطائف، ورأى الجبل شامخًا وهو يجلس في الروشان قال لي أن هذا المنظر يذكرني بالمدينة وجبالها ..
ما أكثر ما كانت المدينة في قلب الزيدان وفي روحه يرحمه الله، وكتابه ذكريات العهود الثلاثة من أمتع ما كتب عن المدينبة وسأتحدث عنه حينما نتحدث عن مؤلفاته يرحمه الله.
стр. 1345
كان يزورني ذات صباح في مكتب الشيخ محمد سرور الصبان بالقشاشية، وكان له مكتب بها، وكان هذا المكتب في مواجهة مدرسة الفلاح في مكة المكرمة.
وكان الحاج محمد على زينل مؤسس الفلاح يرحمه الله قد وصل إلى مكة لزيارة المدرسة في ذلك الصباح، وكنت أرغب في السلام عليه، فاصطحبت الزيدان يرحمه الله وذهبنا إلى مدرسة الفلاح، كان الحاج محمد علي زينل يرحمه الله قد سبقنا إلى الوصول إلى المدرسة، وكان وصحبه يجلسون في صالة الاستقبال، وكلمات الترحيب تلقى أمامه من الطلبة والمدرسين، وكان السيد محمد علوي مالكي يرحمه الله أستاذًا بمدرسة الفلاح كما كان من قبل تلميذًا بها، ووقف السيد علوي أمام مؤسس الفلاح وقفة التلميذ أمام الأستاذ، فقد كان الجميع يقرون له بالفضل، ويعدُّونه الأب الروحي لهم.
وقف السيد علوي مالكي أمام مؤسس الفلاح يلقي كلمة كلها الثناء والإعزاز والحب والتقدير.
وانتفض الزيدان يرحمه الله وكان إلى جانبي واندفع يرتجل خطابًا يتساءل فيه ويوجه الخطاب إلى مؤسس الفلاح وكأنه يقول له: من أنت الذي يقف هذا العالم الجليل بين يديك ليرتِّل لك آيات الثناء.
ورد الحاج محمد علي زينل بأدبه الجم وتواضعه الكبير على الزيدان يؤيده ويقول:
نعم من أنا حتى يقوم السيد علوي مالكي العالم الفاضل الجليل ليثني عليَّ وماذا أكون إلى جانب علمه وفضله، ودينه وتقواه … ؟
هكذا كان الزيدان إذا انفعل لا يملك زمام نفسه … ؟ وهكذا كانت ملكته الخطابية وقدرته على الارتجال تفسحان له مكانًا للخطابة والكلام … ؟
لم يكن الزيدان قد عرف مقدار الحب العظيم الذي كان يحظى به مؤسس الفلاح في مكة وجدة اللتين حظيتا بمدارسه العظيمة فيهما.
كان الزيدان مدنيًا - مدني المولد والنشأة والهوى - ولم يكن الحاج محمد علي زينل معروفًا في المدينة بمقدار عرفان الناس له في مكة وجدة، ولهذا فقد كان استغراب الزيدان أن يقف السيد محمد علوي مالكي "وكانت شهرته بالعلم والفضل تعم الحجاز كله" كان استغرابه عظيمًا أن يقف هذا العالم الجليل وقفة التلميذ أمام مؤسس الفلاح وعلى أي حال فإن الزيدان يرحمه الله أخذ من هذه الوقفة الدليل على عظمة مؤسس الفلاح، واستحقاقه لما لقي ويلقى من حفاوة وتقدير.
محاضرات جمعية الإسعاف بمكة:
وعلى ذكر ملكة الزيدان الخطابية، فقد كانت تعقد في جمعية الإسعاف بمكة المكرمة محاضرات أسبوعيبة يدعى إليها العلماء والأدباء والمؤرخون ليحاضروا فيها، وكان يجتمع لسماع هذه المحاضرات جمع غفير وقد أصدرت جمعية الإسعاف - التي تحولت فيما بعد إلى
стр. 1346
جمعية الهلال الأحمر - أصدرت كتابًا ضم بعض المحاضرات التي ألقيت في الجمعية، وكان من أبرز محاضريها السيد محمد شطا يرحمه الله، وكان يتحدث في محاضراته عن قصص الأنبياء، كما كان من أبرز المحاضرين الدكتور الفلسطيني حسني الطاهر، وكان يعمل في مستشفى أجياد في مكة المكرمة، ومن المحاضرين الذين تحدثوا في الجمعية السيد صالح شطا، والشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي وكانت محاضراته بعنوان "ما نحن أحوج إليه" وقد ألقى بها الأديب الجهير حمزة شحاتة محاضرته الطويلة الرجولة عماد الخلق الفاضل والتي استمر في إلقائها حوالي الخمس ساعات وقد طبعت في كتاب خاص أصدرته شركة تهامة سنة ١٤٠١ هـ، وكان لي شرف إلقاء محاضرة فيها عن شعر الغزل والشعراء الغزلون قديما في الحجاز، وقد بحثت عن هذه المحاضرة بين أوراقي فلم أجدها، فلم أكن احتفظ بما أكتب وأنظم إلا في السنوات الأخيرة.
وقد ألقى الزيدان في جمعية الإسعاف محاضرة بعنوان رعاية الشباب، وكان يرتجل الكلام ولا يستعين بأوراق مكتوبة، كما يفعل الكثيرون من الخطباء، وهي مقدرةٌ يعد الزيدان فيها واحدًا من أفراد قلائل كانوا قادرين على الارتجال في ذلك الزمان.
ذكريات الزيدان:
كتاب الزيدان ذكريات العهود الثلاثة من أمتع ما كتبه الزيدان، فقد امتد به العمر ليشهد العهد العثماني والعهد الهاشمي ثم العهد السعودي في الحجاز، وقد اختزنت ذاكرته القوية أحداثًا كثيرة في هذه العهود مما رأى وسمع، وأضاف إلى ذلك رحلات عديدة، وقراءات موسوعية كثيرة.
فسرد هذه الذكريات في مقالات نشرها في جريدة المدينة، وربما في غيرها من الصحف، ثم طبعها في كتاب، وقد رأيت أن أشرك القراء في بعض هذه الذكريات الغنية بالمعلومات التاريخية والطرائف، وإن كنت أفضل أن يقرأها القراء بقلم الزيدان يرحمه الله.
والآن إلى بعض هذه الذكريات.
المخزن:
يقول الأستاذ/ محمد حسين زيدان أن من الآثار التي تركها حكم محمد علي باشا رأس الأسرة الخديوية الحاكمة في مصر، من الآثار التي تركها في المدينة - المقاس المعروف بالمخزن - أي تقسيم الأرض إلى مخازن، والمخزن هو ستة أمتار في سبعة أمتار ومجموعه اثنان وأربعون مترًا، وهذا المقاس يساوي واحد في المائة من مساحة الفدان (١).
أقول: أن الأراضي تباع في جميع أنحاء المملكة بالمتر بينما أن البيع بالمخزن هو السائد في المدينة المنورة، ولعل بقاء هذا الاصطلاح في المدينة يرجع إلى طبيعة أرضها الزراعية فإن حكم محمد علي باشا لم يقتصر على المدينة وحدها وإنما عمَّ الحجاز كله.
стр. 1347
الوظائف في عهد محمد علي باشا:
السباهية: يعني الخيالة.
القلعجية: يعني حماة القلعة.
النوباتشية: حماة الأبواب.
البيرقدارية: أصحاب البيرق - العلم والبنديرة أو الرايه.
باب عرب: وهو الذي ينتهي إليه أمر القبائل العربية إذا ما اختلفوا يحكمونه (١).
باب المجيدي:
كان المحل الذي يسمى باب المجيدي في الوقت الحاضر هو وادي مشعط (٢).
مدحت باشا أبو الدستور:
كان مدحت باشا يلقب في دولة الخلافة العثمانية بأبي الدستور، فقد أصدر الدستور العثماني في أواخر سنة ١٢٩٣ هـ الموافقة لسنة ١٨٧٦ ميلادية حينما تولى منصب الصدارة العظمى في الاستانة، ولكن السلطان عبد الحميد عزله من منصبه وانتهى به الأمر إلى أن نفي إلى مدينة الطائف بالحجاز، وبقي فيها بضع سنوات، ثم قتل غدرًا بأمر السلطان (٣).
يقول الأستاذ/ محمد حسين زيدان: أن جثمان مدحت باشا دفن في الطائف أمام باب الريع، وأن مصطفى كمال أرسل وفدًا إلى الملك عبد العزيز يرحمه الله لنبش القبر واستلام جثمانه والعودة به إلى تركيا، وأن مكان القبر لم يعرفه إلا محمد خوجه وكمال خوجه، فقد دلَّا الوفد التركي على مكانه، فنبشوا القبر وحملوا الرفات وعادوا بها إلى تركيا (٤).
محمد خوجة وكمال خوجة كانا من أصل تركستاني وكان لهما محل كبير للخياطة في محلة أجياد، وقد توفيا إلى رحمة الله تعالى، ومن أبنائهم الأن الأطباء ورجال الأعمال، والسفير السعودي حاليًا في موسكو الأستاذ/ عبد العزيز خوجه هو ابن أخيهما محيي الدين، وكانا يصيِّفان بالطائف كل عام، ولابد أنهما علما بموضع قبر مدحت باشا فدلا عليه.
عبد الحميد بدوي باشا:
كان عبد الحميد بدوي باشا القاضي المصري في محكمة العدل الدولية في لاهاي من أعظم رجال القانون في العالم، حتى اختير لهذا المنصب الرفيع بعد أن تدرج في الوظائف القضائية الكبرى في مصر، وكان أبوه محمد بدوي من محبي المدينة المنورة والمترددين عليها، وقد تلقى
стр. 1348
عبد الحميد بدوي وهو طفل تعليمه التحضيري في المدينة المنورة، يقول الأستاذ/ محمد حسين زيدان عنه، قال الدكتور طه حسين وهو يقدمه حين اختياره عضوًا في مجمع اللغة العربية في مصر:
لقد حَفَّتْه بركة المدينة حيث أول ما فكَّ الحرف فيها (١).
الداودية:
نسبة إلى داود باشا الوالي التركي الذي ثار على السلطان العثماني وأسس ملكًا في العراق، وصك عملة في أحد وجهيها - يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض - وقد انتصر السلطان على داود باشا وأسر ورحِّل إلى المدينة المنورة، فبستان الداودية خارج باب الشامي، كان باسمه، ويقول الأستاذ الزيدان: ولا أدري هل الداودية في مكة مثل الداودية بالمدينة أم هو داود آخر (٢).
أقول: الداودية في مكة - أو مدرسة الداودية بناها الملك المنصور عمر بن علي صاحب اليمن - بين مدرستي دار السلسلة وطاب الزمان - وكانت عمارتها في سنة ستمائة وإحدى وأربعين، وتعرف الآن بالداودية أوقفها الملك المنصور على الفقهاء الشافعية والمحدثين (٣).
الخديوي عباس يبتعث طلابًا من الحجاز إلى مصر:
ذكر الأستاذ/ محمد حسين زيدان أن الخديوي عباس حينما حضر إلى الحج سنة ١٣٢٨ هـ ابتعث من مكة عبد الرؤوف الصبان للدراسة في مصر، كما ابتعث من المدينة حسن ناصر بن دياب ناصر، وقال الزيدان تعليقًا على ذلك: كان يقلد السلطان عبد الحميد، يريد أن يجمع حوله رجالًا من هنا وهناك (٤).
أوائل المبتعثين من الحجاز:
أما أوائل المبتعثين من الحجاز فققد كانوا في أواسط العشرينات في عهد الدولة العثمانية، أولهم جميل أحمد شقيق أحمد الفيض آبادي مؤسس مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة، وحسين طه وأحمد أبو بكر حمد الله، ومحمد المغيربي وعبد القادر عبد الجواد (٥).
طلب فصل المدينة عن مكة في العهد العثماني:
يقول الأستاذ/ محمد حسين زيدان ما ملخصه:
كانت المدينة المنورة تابعة لشريف مكة في العهد العثماني، فلما وصل قطار السكة الحديدية
стр. 1349
بين الشام والمدينة، أراد الاتحاديون أن يفصلوا المدينة عن سلطة شريف مكة ويلحقونها بالشام، فانتدبوا في رضا الركابي، وهو من نوابغ الضباط السوريين، وكان لم ينضم إلى القوميين العرب، وإنما بقي ولاؤه خالصًا للعثمانيين.
انتدب الاتحاديون علي رضا الركابي فجاء إلى المدينة وسعى لتحقيق طلب الانفصال، يقول زيدان: فالقدامى من الأسر لم يلَّبوا طلبه، والمحدثون منهم كانوا له، ولم يشذ عن الأسر القومية إلا الشيخ أبو الحسن السمان.
استطاع الركابي أخذ تواقيع أهل المدينة الذين أشرنا إليهم على مضبطة يطلبون فيها فصل المدينة عن مكة وضم المدينة إلى الشام، وكانت الأسباب التي استندوا إليها هي سرعة الاتصال، القطار والتلغراف.
وكان وصول التلغراف إلى المدينة سنة ١٣١٨ هـ، وكان في خفارة علي ناصر.
يقول زيدان: وتم فصل المدينة، والواقع أن ذلك قد يسَّرَ كثيرًا من الأعمال بينما شريف مكة الحسين بن علي يرحمه الله قد غضب، فعاتب السمان لأنه ابن لصديقه، كان مُرَّا في عتابه، وقاسيًا في شكيمته، ولكن لا حول ولا قوة له، فمضى الأمر (١).
إحسان الله البواب الجاسوس:
عرفت وعرف معي أهل جدة إحسان الله الهندي الذي كان يعمل نائبًا للقنصل الإنجليزي بجدة في أواخر العهد الهاشمي وأوائل العهد السعودي، وكان رجلا عظيم النفوذ لدى الإنجليز، أو هكذا كان يتصوره الناس وخصوصًا أولئك الذين ترتبط مصالحهم بحجاج الهند، وكانت الهند مستعمرة انجليزية، وكنت اسمع الناس يتحدثون عن إحسان الله هذا ويصفونه بأنه كان بوابًا في المسجد النبوي الشريف لسنوات طويلة بالمدينة المنورة، وقد أيَّد الأستاذ حسين زيدان هذه الرواية وذكر عنها ما خلاصته:
أنه رجل من مسلمي الهند بقي مدة ثمانية عشر عامًا في المدينة المنورة بوابًا على باب النساء أحد أبواب المسجد النبوي، وتربطه صلات قرابة بكل من: عبد الحق النقشبندي، وعبد الحميد عنبر من جهة النساء، وكانت هذه القرابة هي الساترة لأحواله، ولم يعرف عنه أهل المدينة إلا أنه البواب على باب المسجد - وبواب المسجد هو الذي توضع لديه أحذية الداخلين إلى المسجد لحفظها في أدراج خاصة خارج المسجد - إلى جانب مراقبة ما يجب منع دخوله إلى المسجد.
يقول الزيدان ما معناه:
وكم كان استغراب أهل المدينة الذين رحَّلهم فخري باشا إلى الشام ومنهم زين صافي، وزين مدني، وأسعد طرابزوني وإبراهيم شاكر وغيرهم، كم كان استغرابهم عظيما حينما
стр. 1350
احتل فيصل بن الحسين دمشق بعد أن نزح عنها جمال باشا وحين دالت دولة الأتراك، وجاء المرشال اللنبي إلى دمشق ليوطد الأمر لفيصل رأى هؤلاء المدنيون إحسان الله البواب على باب النساء، ضابطًا كبيرًا يدخل مع اللنبي … الخ (١).
أقول:
ظل إحسان الله يقوم بوظيفة نائب القنصل الإنجليزي في جدة سنوات طويلة، ثم نقله الإنجليز منها إلى عدن، ورُحِّل ورحلت معه عائلته إلى هناك، ويبدو أن نقله إلى عدن إنما تم بعدما عرف عن صلته بالمخابرات البريطانية وشاع ذلك كثيرا، وربما لأسباب أخرى والله أعلم.
الشيخ مخلوف والبشير الإبراهيمي:
يقول الأستاذ/ محمد حسين زيدان، اجتمع في حج أحد الأعوام في مخيام الشيخ محمد سرور الصبان وزير المالية الأسبق الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية في ذلك الزمان والشيخ البشير الإبراهيمي الجزائري، وكانوا ضيوفًا عليه في عرفات، وأخذ المستفتون من الحجاج يتوافدون يسألون مفتي الديار المصرية عما يرغبون الاستفسار عنه من شئون الحج، فكان الشيخ مخلوف يسأل السائل عن مذهبه ويجيب عليه بحسب مقتضى مذهبه وطلب البشير الإبراهيمي من الشيخ محمد سرور إغلاق الصيوان بحيث لا يدخل أحد، ثم وجه خطابه للشيخ مخلوف قائلا:
لماذا تسأل عن المذهب … ؟ فأنت تعرف القاعدة، العامي لا مذهب له، المذهب للمفتي، إن رأى مخرجا يَسَّرَ عليه، وان رأى مسرفًا عسَّر عليه، كلمة حق ينتصر به الحق ولا يهزم المذهب (٢).
الإمام يعين بفرمان:
كانت الإمامة في المسجد النبوي الشريف تتم بصدور فرمان من السلطان العثماني بإسناد الإمامة إليه، وكانت الإمامة دائمًا لمن يتبعون الإمام أبي حنيفة النعمان لأن السلطان العثماني والخديوي المصري يتبعان الإمام أبي حنيفة، فإذا صدر الفرمان بأن يكون - الأفندي - فلان إمامًا، فأبناؤه يرثون الإمامة، ولا يسألون أن يقوموا بالوظيفة فالواحد منهم ولو لم يفك الحرف - إمام بالوراثة، حتى إذا وصل إليه الترتيب لأداء الصلاة يتخذ قارئا ينوب عنه في أداء المهمة، فهي مراتب افتخار يمتازون بها ويحرصون عليها.
стр. 1351
فالصلاة الجامعة يؤديها الإمام الحنفي، وبعده يأتي الإمام الشافعي يصلي بالذين لم يدركوا الجماعة الأولى، وهو أيضًا صاحب رتبةٍ منح الإمامة بالفرمان، وإن تخلف بعض المصلين يأتي إمام على مذهب مالك يصلي في محراب المواجهة، ولم يكن بالمدينة إمام على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وذلك لأسباب سياسية في ذلك الزمان (١).
أقول:
أوردنا في الجزء الثاني من أعلام الحجاز نبذة عن الأئمة في المسجد الحرام والمقامات الأربعة وفيها الكثير من المعلومات في هذا الباب (٢).
الريال المجيدي:
السلطان عبد المجيد العثماني هو الذي صك الريال المجيدي، وكان التعامل قبله بالريال الفرنسي الذي جلبته الحملة الفرنسية على مصر والشام، وليس هو ريالًا فرنسيًا، ولكنه ريال نمساوي عليه صورة الإمبراطورة ماري تريزا إمبراطورة النمسا.
ثم طبع السلطان عبد المجيد الريال المجيدي، والسلطان رشاد الريال الرشيدي.
أصناف العملة الذهبية:
الجنيهات الإنجليزي والعثماني، والمسكوفي نسبة إلى موسكو، والفرنسي واسمه المنتو وقد أطلق المغاربة اسم لويز على الجنيه الفرنسي يعني لويس.
وحينما وصلت الريالات الفرنسية إلى سوريا ولبنان أطلق عليها السوريون واللبنانيون كلمة مصريات ومصاري لأن هذه العملة من بقايا حملة إبراهيم باشا على الدولة العثمانية (٣).
هذا ما رأيت أن أشرك القراء في قراءته من ذكريات الأستاذ/ محمد حسين زيدان يرحمه الله في كتابه الممتع ذكريات العهود الثلاثة، وكما ذكرت قبل فإني أفضل أن يقرأ القارئ الزيدان بقلمه وبأسلوبه الخاص الذي تفرد به وعرف عنه.
وفاة الزيدان:
مرض الزيدان وتردد على المستشفيات، وكان في أيامه الأخيرة قد غشيته كآبة رانت على نفسه، وتوفي صباح السبت التاسع والعشرين من شهر شوال سنة ١٤١٢ هـ، تغمده الله برحماته الواسعة، إنه كريم رحيم.
стр. 1352
محمَّد سَعِيد العَامُودِي
стр. 1353
محمد سعيد العامودي
стр. 1354
محمَّد سَعِيد العَامُودِي
طويل القامة، أسمر اللون، أقرب إلى النحافة منه إلى الامتلاء، أقنى الأنف، ساجي النظرات، حليق اللحية والشارب، تلمح في وجهه سيماء الحياء المشوب بالوقار والاتزان.
ولد بمكة المكرمة سنة ١٣٢٣ هـ، وتعلم بمدرسة الفلاح وتخرج منها، وعمل مع أبيه وكان تاجرًا يشتغل بتجارة الأقمشة، وله حانوت في السويقة، وهي السوق الخاصة بتجار الأقمشة والعطور، وقد أدخلت سويقة في المسجد الحرام في توسعته الأولى، وكان موضعها مجاورًا للمسعى ولها مدخل من المسعى، ومدخلها الآخر من الشبيكة.
وانتقل محمد سعيد العامودي من العمل مع والده إلى الوظائف الحكومية فعمل في وظائف كتابية وإدارية مختلفة منها رئاسة ديوان التحرير بمصلحة البريد والبرق العامة بمكة المكرمة، وحينما صدرت جريدة صوت الحجاز اختير للإشراف على رئاسة التحرير لفترة قصيرة، ولكنَّ عمله الحكومي في إدارة البرق والبريد لم يسمح له بالاستمرار في العمل فيها.
واختير عضوًا بمجلس الشورى فظل به لمدة ثلاث سنوات، وقام بإدارة ورئاسة تحرير مجلة الحج منذ عام ١٣٦٩ هـ إلى نهاية عام ١٣٩١ هـ.
كما عمل في رئاسة تحرير مجلة رابطة العالم الإسلامي من عام ١٣٨٥ هـ إلى نهاية عام ١٣٩٨ هـ، وإلى جانب هذه الأعمال كانت له مشاركات في أعمال أدبية واجتماعية متنوعة.
فقد اختير من قبل وزارة المعارف مرتين لعضوية المجلس الأعلى للعلوم والأداب، وكان من الأعضاء المؤسسين في لجنة مشروع القرش، ولجنة النشر والتأليف، ولجنة نشر مخطوطات التواريخ الحجازية، قبل أن تتوقف هذه اللجان عن العمل.
كما شارك في الدورة الثقافية التاسعة ضمن وفد وزارة المعارف للجامعة العربية التي عقدت في سنة ١٣٧٤ هـ.
стр. 1355
وقام برحلات عديدة أثناء عمله الوظيفي والصحفي إلى القاهرة وتونس وإيران والجزائر (١).
مؤلفاته:
من تاريخنا: دراسات، نشر عام ١٣٧٤ هـ وأعيد طبعه بإضافة فصول جديدة عام ١٣٨٧ وطبع الطبعة الثالثة سنة ١٤٠١.
قام مع الأستاذ/ أحمد علي بتحقيق كتاب المختصر من نشر النور والزهر وظهرت طبعته الأولى سنة ١٣٩٨ وأعيد طبعه سنة ١٤٠٦ هـ.
رباعياته: ديوان شعر نشر سنة ١٤٠١ هـ.
رامز وقصص أخرى نشر سنة ١٤٠٣ هـ.
من حديث الكتب ثلاثة أجزاء نشر سنة ١٤٠٣ هـ.
من أوراقي: مقالات أدبية نشر سنة ١٤٠٤ هـ.
بقية الرواد:
يعتبر الأستاذ/ محمد سعيد العامودي يرحمه الله البقية الباقية من جيل الأدباء الرواد في الحجاز، وكثيرًا ما قرأت في الصحف أسماءًا نُعِتَ أصحابها بأنهم من الرواد أو من الرعيل الأول للأدباء وهم مع احترامي لهم ومحبتي ليسوا كذلك.
وقد رأيت وأنا أتحدث عن الأستاذ/ محمد سعيد العامودي أن أتحدث عن جيل الرواد هذا وأن أذكر أسماءهم بالتحديد لإيضاح الأمر من الناحية التاريخية على الأقل.
كان ظهور كتاب أدب الحجاز في سنة ١٣٤٤ هـ وكتاب المعرض وكتاب خواطر مصرحة سنة ١٣٤٥ كان ظهور هذه الكتب الثلاث هو البشير بظهور جيل الرواد في الأدب في الحجاز.
هذه الكتب الثلاث قام بإصدارها ونشرها معالي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله، أما الكتاب الأول فقد قدم فيه قصائد لتسعه من الشعراء، وأما الكتاب الثاني فكان سؤاله موجهًا إلى الأدباء، هل الأوْلى الالتزام في الكتابة باللغة العربية الفصحى أو الكتابة باللغة العامية، وكانت قد انتشرت الدعوة إلى الكتابة باللغة العامية بدعوى أن الناس أقدر على فهمها، وقد أجاب على هذا السؤال ثلاثة عشر كاتبًا وكانت إجاباتهم كلها الإصرار والالتزام بالكتابة باللغة الفصحى التي هي لغة القرآن، وقد شارك في كتاب المعرض ثلاثة عشر كاتبًا.
стр. 1356
وأنقل هنا عن كتابي ملامح الحياة الاجتماعية في الحجاز الذي طبع طبعته الأولى في سنة ١٤٠١ هـ ما ذكرته عن الأدباء الذين اشتركوا في الكتابين "فإذا استثنينا الأسماء المكررة التي شارك بعض أصحابها في كتاب أدب الحجاز خلص لنا ثلاثة عشر أديبًا بعضهم يجمع بين الشعر والنثر والبعض الآخر ينفرد بالكتابة دون الشعر وهؤلاء هم الطلائع الأولى التي كانت بشيرًا بميلاد الأدب الحجازي الحديث وهم الذين أطلق عليهم فيما بعد اسم الرعيل الأول، بعضهم فرض اسمه على الحياة الأدبية إلى أن أسلم الروح كالأستاذ/ محمد حسن عواد يرحمه الله، وبعضهم لا يزال يعمل في صمت ودأب كالأستاذ/ محمد سعيد العامودي - أمد الله في عمره - وبعضهم استمر في العطاء طويلًا ثم توقف، وأغلبهم فارق الحياة الدنيا وأصبح في ذمة التاريخ".
هذا ما كتبته في ملامح الحياة الاجتماعية قبل ثلاثة عشر عامًا، وإذا كان لابد من ذكر الأسماء فإن الثلاثة عشر أديبًا الذين ظهرت أسماؤهم في الكتابين هم:
الأساتذة:
عبد الوهاب آشي: كاتب وشاعر كان أحد ثلاثة تولوا الإشراف على جريدة صوت الحجاز حين ظهورها، والراجح أن بعض قصائده جمعت في ديوان صغير.
محمد صبحي: وصل إلى مكة صغيرًا وتلقى تعليمه بها وربما يكون قد عاد إلى سوريا بعد ذلك.
محمد حسن عواد: كاتب وشاعر ومؤلف، وقد ترجمنا له في الجزء الأول من أعلام الحجاز (١)
محمد عمر عرب: من أوائل من كتب الشعر المنثور، وقد أجاد فيه كثيرًا ولم تصدر له مؤلفات، وقد عمل في ديوان النيابة العامة سنوات طويلة.
محمد صلاح خليدي: شاعر توفي في الخامسة والعشرين من العمر في مسقط رأسه في الهند.
عبد القادر عثمان: كاتب كان يعمل في مكتب الحاج محمد علي زينل رضا مؤسس الفلاح، وبعد عودته من الهند عمل في جدة.
عبد الوهاب النشار: كاتب شاعر، عمل في التدريس بمدرسة الفلاح بجدة، وتولى إدارتها وأخرج أجيالًا من المتعلمين، ثم عمل في التجارة وتفرغ لها.
محمد جميل حسن: كاتب ومدرس، وقد ترجمنا له في أعلام الحجاز (٢).
حامد كعكي: كاتب، وكان يعمل في قسم التحريرات بوزارة المالية بمكة المكرمة.
عثمان قاضي: كاتب من مدينة الطائف، كان مديرًا لإدارة البرق والبريد بها وتوفي شابًا.
стр. 1357
محمد البياري: كاتب شاعري الأسلوب عمل في ديوان النيابة العامة، وليس له مؤلفات.
محمد علي رضا: كاتب عمل في الوظائف الحكومية، وآخرها كان في مديرية الأوقاف بمكة، وليس له مؤلفات.
عبد الله فدا: كاتب، كان يعمل في تجارة الكتب وله حانوت لبيع الكتب في باب السلام بمكة المكرمة، وليس له مؤلفات.
محمد سرور الصبان: كاتب وشاعر مقل وإليه يرجع الفضل في التعريف بالأدب الحجازي وكانت له في مطلع شبابه مكتبة في مكة المكرمة، قامت بنشر كتاب أدب الحجاز والمعرض، وكتاب خواطر مصرحة لمحمد حسن عواد، وقد كان موظفًا بالبلدية ثم عمل في وزارة المالية وأسس شركة الطبع والنشر التي كانت تصدر جريدة صوت الحجاز وقد تولى وزارة المالية في عهد الملك سعود، وطبع على نفقته كثيرًا من الكتب القيمة الهامة، وقد ترجمنا له في الجزء الأول من أعلام الحجاز (١).
السيد هاشم السباك: كاتب، وموظف وقد اشتغل بالمحاماة وليس له مؤلفات.
أحمد إبراهيم الغزاوي: شاعر وكاتب، وقد عينه الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله شاعرًا له وسماه - حسَّانًا - عمل في المحاكم الشرعية وفي عضوية مجلس الشورى بمكة المكرمة إلى أن صار وكيلًا لرئيس المجلس، وكان ينشر قطعًا نثرية بعنوان "من شذرات الذهب" في مجلة المنهل، على مدى ثلاثة وعشرين عامًا أصدرتها مجلة المنهل في كتاب خاص بعد وفاته ولم يُجمع شعره الكثير حتى الآن.
السيد بكر حمدي: كاتب، كان يعمل في المحاكم الشرعية وفي رئاسة القضاة وليس له مؤلف.
هؤلاء هم الرواد الذين ظهرت آثارهم في كتابب أدب الحجاز والمعرض، ومنهم صاحب المقالة والمقالتين أو القصيدة والقصيدتين، ومنهم من ألَّف الكتب، وأثرى الحياة الفكرية والأدبية إلى أن توفاه الله تعالى، ومنهم من عمل بالأدب ثم شغلته الحياة عنه، فهم بشر ينطبق عليهم ما ينطبق على البشر، فإذا استعرضنا هذه الأسماء تبين لنا أن الأستاذ محمد سعيد العامودي يرحمه الله هو أحد هؤلاء الرواد الكبار الذي واصل المسيرة كاتبًا وباحثًا ومؤلفًا طيلة حياته مع التواضع الجم وحسن الخلق يرحمه الله.
وهناك الجيل الثاني والثالث الذين أتوا بعدهم والذين ساروا على دربهم، وقد صدرت المؤلفات تضم آثارهم وتشرح أفكارهم.
стр. 1358
ولست في حاجة لأن أذكر للقارئ أسماء الأدباء الذين استمر عطاؤهم إلى أن فارقوا الحياة الدنيا، والأدباء الذين أخذتهم مشاغل الحياة اليومية عن الكتابة والأدب فإن ذلك كله معروف لمن يتابع الحياة الأدبية في هذه البلاد.
هناك الجيل الثاني الذي ظهر بعد جيل الرواد، ومن أبرز أسمائه: أحمد قنديل ومحمد حسين كتبي، ومحمد حسن فقي وحمزة شحاتة وعزيز ضياء، ومحمد عمر توفيق، وضياء الدين رجب، ومحمد حسين زيدان، وعبد القدوس الأنصاري، وطاهر زمخشري واعتذر عن استقصاء الأسماء فليس هذا مجاله، وإنما القصد هو تصحيح مفهوم شاع بين الناس وإعطائه الملامح الحقيقية إنصافًا للجيل الأول من الرواد، والذين نتحدث اليوم عن آخر فارس منهم، ولمن أراد المزيد من هذا البحث أن يرجع إلى الموسوعات الأدبية التي تؤرخ للأدباء السعوديين مثل أدب الحجاز، ووحي الصحراء - الموسوعة الأدبية لعبد السلام الساسي وغيرهم، وأن يرجع كذلك إلى الصحف والمجلات التي صدرت في تلك الأزمان.
نعود بعد هذا الاستطراد إلى الأستاذ/ محمد سعيد العامودي يرحمه الله فهو البقية الباقية من جيل الرواد الأوائل بحق، والذي استمر في العطاء إلى آخر أيام حياته، وقد امتد به العمر حتى تجاوز الثمانين من العمر يرحمه الله.
يمتاز الأستاذ/ محمد سعيد العامودي بالإخلاص والتفاني في عمله الأدبي لا ابتغاء مصلحة أو شهرة فقد كان أبعد ما يكون عنهما.
حدثني الأستاذ/ علي مختار وكيل وزارة الحج أن الأستاذ/ محمد سعيد العامودي كان يقوم بإصدار مجلة الحج، وكان هو الذي يتولى كل شيء في المجلة من رئاسة التحرير إلى جمع المقالات وترتيب الأعداد والإشراف على الطبع والتوزيع وكان كلما يتقاضاه من وزارة الحج ثلاثمائة ريال لمجلة شهرية من الألف إلى الياء، استمر محمد سعيد العامودي يقوم بأعبائها ثلاثة وعشرين عام فأي إنكار للذات؟ وأي ترفع عن طلب الدنياب وأسبابها؟
مجلة الحج مجلة تصدرها الدولة، وكان بوصفه رئيسًا لتحريرها يستطيع أن يستخلص لها ميزانية شهرية إن لم تصل إلى عشرات الألوف فإنها حتمًا تصل إلى الألوف.
ولكن محمد سعيد العامودي لم يكن يمارس إصدار المجلة لغرض مادي، وإنما كان يمارس عمله إرضاءًا لمطامحه الفكرية والأدبية، فقد كان يعيش وأسرته على المرتب الذي يتقاضاه من عمله الحكومي في إدارة البرق والبريد العامة، وفي مجلس الشورى، وكانت مجلة الحج بالنسبة له واجبًا أدبيًا يؤديه في رضا واغتباط.
ومع مجلة الحج تولي رئاسة تحرير مجلة رابطة العالم الإسلامي، واستمر في مجلة الرابطة إلى نهاية عام ١٣٩٨ بعد أن علت به السن، وأقعدته الشيخوخة، هناك ميزة أخرى لمحمد سعيد العامودي هي البعد عن المهاترات كان الرجل كريمًا ينأى بنفسه عن الضجيج فلم يعرف عنه أنه شارك بقلمه في معركة من المعارك الأدبية التي كان بعض أدباء الجيل
стр. 1359
يخوضونها، ولم يكن مع هذا الترفع محتجبًا عن دنيا الفكر، فلقد كان يقرأ الكتب ويختار منها ما يكتب عنه، وأمامي كتابه من حديث الكتب، وقد صدر في ثلاثة أجزاء تتحدث عن تسعة وستين كتابًا من أهم الكتب التي صدرت في العالم العربي أو ترجمت عن لغات عالمية أخرى، فلم يكن الرجل يعيش في صومعته، وإنما كان يعيش في دنيا الفكر، يقرأ، ويكتب عما يقرأ ولكنه يؤثر أن يكتب المعجب والمفيد.
ولا نستطيع الإسهاب في مؤلفات محمد سعيد العامودي، ولكني أتحدث عن بعض هذه الكتب في محاولة لإكمال الصورة أو تقريبها أمام القراء.
المختصر من كتاب نشر النور والزهر:
كتاب نشر النور والزهر ألفه القاضي والعالم المكي الشيخ عبد الله مرداد أبو الخير وهو يضم تراجم - أفاضل مكة - كما وصفه مؤلفه من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر الهجري وكان الكتاب مخطوطًا، وقد ذكر الأستاذ/ العامودي في التعريف به ما يغني عن تكرار ذلك هنا.
هذا الكتاب توفَّر الأستاذ/ محمد سعيد العامودي ومعه الأستاذ/ أحمد علي على اختصاره وترتيبه والتعليق عليه ونشره.
أنه يتحدث عن علماء البلد الحرام وأدبائه على مدى خمسمائة عام، فهو من أهم الكتب من الناحية التاريخية، ولعله من أوفى ما كتب في تراجم علماء مكة وأدبائها بعد كتاب العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، للفاسي المتوفي سنة ٨٣٢ هجرية، والذي ترجم فيه لنحو ثمانمائة عالم من علماء مكة وعالماتها والذي قام بنشره معالي الشيخ محمد سرور الصبان في سنة ١٣٧٩ هجرية.
وإذا كان الفاسي قد توفي في الثلث الأول من القرن التاسع الهجري، فإن كتاب الشيخ/ عبد الله مرداد الذي يترجم لأفاضل مكة علماء وأدباء من القرن العاشر الهجري يعتبر امتدادًا لهذه التراجم لعلماء وأدباء البلد الحرام عبر التاريخ.
يضم كتاب نشر النور والزهر تراجم لستمائة عالم وأديب، كما يضم تراجم لبعض النساء اللاتي بلغن درجة من العلم سمحت لهنَّ بإلقاء الدروس وتعليم التلاميذ من الرجال والنساء، ولعل هذا الأمر يكشف لنا جانبًا مجهولًا عن النشاط العلمي للمرأة في البلد الحرام في القرون الماضية، ويبين لنا كيف أن أنوثة المرأة لم تقف حائلًا بينها وبين أن تطلب العلم حتى تنال منه ما يؤهلها لأن تجلس مجلس المعلم للناس.
كما يوضح للمتأمل أن الحياة العلمية في مكة المكرمة كانت تتسم بالنشاط العلمي عبر هذه القرون التي غابت أخبارها عنا، فلم يكن تصورنا عنها واضحًا، ولا صحيحًا، والمرء عدو ما يجهل.
وقد استعان الشيخ المرداد بمن سبقه من المؤرخين في التراجم التي أوردها وأشار إلى ذلك، فبين المصادر التي استقى منها المعلومات التي أوردها عن المترجم لهم، وناقش في بعض
стр. 1360
الأحيان ما وجده في هذه المصادر من أخبار غير صحيحة أو تحامل من بعض المؤلفين وهو جهد مشكور للمؤلف.
يقول الأستاذ/ محمد سعيد العامودي والأستاذ/ أحمد علي في تعريفهما بالكتاب:
أننا على يقين من أن قارئه سوف يشعر بارتياح عظيم، حين يتبين له من خلال كل سطوره.
أن حركة التعليم الديني في أم القرى لم تتوقف أو تضعف في أي عهد من العهود، برغم كل الظروف والأحداث والفتن، وإنما ظلت مستمرة مضيئة منذ القرن الهجري الأول إلى اليوم، وهذا من فضل الله - ولا شك ورعايته للبلد الحرام (١).
ونكتفي بهذه الكلمة الموجزة عن هذا الكتاب الذي أود من القارئ أن يقرأه ليطلع على تاريخ الحركة العلمية الدينية في البلد الحرام عبر خمسمائة عام ممثلة في تراجم موجزة عن رجال العلم والأدب في هذه البلاد.
من حديث الكتب:
ذكرنا في التعريف بالأستاذ/ العامودي يرحمه الله كتابه أو على الأصح كتبه الثلاث التي سماها - من حديث الكتب - والتي تحدث فيها عن تسعة وستين كتابًا في مختلف العلوم والفنون، وأود أن أذكر هنا كلمة موجزة للتعريف بهذا الكتاب القيم ذي الأجزاء الثلاث.
كان محمد سعيد العامودى يقرأ الكثير من الكتب ولكنه لا يتحدث إلا عما يعجبه منها وكان هذا الحديث تلخيصًا موجزًا للكتاب يخرج منه القارئ بفكرة موجزة عن محتوياته فإما أن يدفعه هذا التلخيص إلى البحث عن الكتاب وقراءته إن كان من هواة القراءة، وإما أن يخرج منها بفكرة عن أهم ما ورد فيه.
وتلخيص الكتب فن لا يقدر عليه إلا كاتب استطاع الإحاطة بمحتويات الموضوع الذي يقوم بعرضه على القارئ، فيقدم له في سطور ما بسطه المؤلف في صفحات، وليس هذا بالأمر الهين ولا اليسير، وأستطيع أن أقول أن الأستاذ/ محمد سعيد العامودي يرحمه الله قد وفِّق في حديثه عن الكتب توفيقًا عظيمًا، أولًا باختياره للكتب التي يتحدث عنها، وثانيًا بعرضها عرضًا جيدًا في أسلوب جميل، وفي لغة سهلة لا غموض فيها، ولا يتسع المقام للإفاضة في الحديث عن هذه الكتب فمن الخير للقارئ أن يقرأها بنفسه ليخرج منها بالفائدة التي توخاها المؤلف وهو يتحدث عنها ويوجزها.
مؤلفاته الأخرى:
وليس حديث الكتب هو كلما كتبه الأستاذ العامودي فقد نظم الشعر، وكتب القصة، كما كتب المقالة، وقد أثبتنا في صدر هذه الترجمة أسماء مؤلفاته المطبوعة وتواريخ نشرها، وقد
стр. 1361
أخبرنِي ابنه الأستاذ / عمر محمد سعيد العامودي المحامي والكاتب المعروف أن والده ترك أوراقًا كثيرة مما لم ينشر من إنتاجه، وأرجو أن يتم جمعها وترتيبها ونشرها، ومن أجدر بهذه المهمة من أبنائه .. ؟ وفقهم الله.
أريد أن أقول ان محمد سعيد العامودي كان أديبًا مارس الفنون الأدبية كلها من شعر ونثر وكتب القصة إلى جانب المقالة، وإذا كان قد آثر … التفرغ للبحث فكان نصيب النشر في أدبه هو النصيب الأكبر فذلك راجع إلى أنه وجد فيه المجال الأكبر للتعبير والأجدى في الإفادة والتنوير.
وفاة العامودي:
توفي الأستاذ محمد سعيد العامودي يوم السبت الثاني من شعبان سنة ١٤١١ هـ بعد مرضٍ طويل وعن عمر يناهز الثامنة والثمانين عامًا، وقد كان رائدًا من رواد الأدب والفكر مجاهدًا بقلمه داعيًا إلى الله على بصيرة، وخلَّف وراءه من الآثار المطبوعة والمكتوبة ما ينبئ عن حياة حافلة بالفكر والعمل.
وأرجو أن يوفق الله تعالى أبناءه الكرام الأستاذ عمر، والأستاذ أحمد لإخراج ما ترك من آثار مخطوطة ونشرها لينتفع بها القراء والأدباء.
رحم الله محمد سعيد العامودي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته ودار مغفرته ورضوانه.
* * *
стр. 1362
محمَّد صالِح عَبْد الرَّحمن قزاز
стр. 1363
محمد صالح عبد الرحمن قزاز
стр. 1364
محمَّد صالِح عَبْد الرَّحمن قزاز
طويل القامة، حنطي اللون، متوسط الجسم مشرق الوجه بابتسامة دائمة، تنم نظراته عن ذكاء وقاد تكسو وجهه لحية خفيفة لمع فيها بياض المشيب لما علت به السن.
ولد بمكة المكرمة سنة ١٣٠١ للهجرة، وتعلم القراءة والكتابة فيها، وحفظ القرآن الكريم كاملًا، وكان جهوري الصوت يحسن القراءة والترتيل، وتولى إمامة الناس في صلاة التراويح كما كان يفعل أمثاله من حفظة القرآن الصغار.
انتقلت أسرته إلى الطائف في أواخر العهد الهاشمي فقد أسندت إليهم إعاشة الجند في الطائف، وعين الشاب محمد صالح القزاز أمينًا للصندوق في مالية الطائف، وحينما نقل مدير المالية الشيخ عبد الله قاضي إلى جيزان في العهد السعودي، تولى صالح قزاز مديرية المالية في الطائف.
ثم عين مديرًا لمالية مكة المكرمة، ثم اختير ناظرًا عامًا للجمارك يوم كانت واردات الدولة تعتمد على الجمارك قبل ظهور الزيت وتسويقه، وحينما شكلت أول مديرية لشئون الحج عين الشيخ محمد سرور الصبان رئيسًا لها فاختار صديقه الشيخ محمد صالح القزاز ليكون مديرًا عامًا مساعدًا له سنة ١٣٦٥، ثم أصبح مديرًا لها سنة ١٣٦٨.
وحينما قررت الدولة تشكيل مديرية لشئون الزراعة اختير مديرًا لها إلى جانب عمله كمدير لإدارة الحج.
وحينما قرر جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله جلب الماء إلى جدة اختار الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية إذ ذاك الشيخ صالح قزاز للمفاوضة لشراء وجبات الماء من ملاك عيون وادي فاطمة لإسالتها إلى مدينة جدة، واشترك معه رجال آخرون واشتريت منهم وجبات في ثماني عيون فصَّلها الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه موسوعة مدينة جدة (١) وكان شراء
стр. 1365
هذه الوجبات هو الذي مكَّن الدولة من إيصال الماء إلى مدينة جدة في قنوات تمتد من وادي فاطمة إلى مدينة جدة مما كان سببًا في تطور المدينة واتساعها فالماء إكسير الحياة، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
وحينما وفق الله تعالى جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله للعمارة الأولى للمسجد النبوي الشريف وأسند أمر هذه العمارة العظيمة إلى المعلم محمد بن لادن يرحمه الله طلب من معالي الشيخ عبد الله السليمان ترشيح شخص لإدارة المشروع حيث أن ابن لادن سيتفرغ للقيام بالأعمال الهندسية والإنشاء، فاختير الشيخ صالح قزاز لإدارة المشروع، ومنه انتقل إلى إدارة مشروع العمارة السعودية الأولى للمسجد الحرام، وأسند أمر إصلاح قبة الصخرة بالقدس إلى المعلم محمد بن لادن، فتولى الشيخ صالح قزاز إدارة المشروع كذلك، وهكذا جمع الله لهذا الرجل الإشراف على تعمير أعظم مساجد الإسلام في مكة والمدينة وبيت المقدس.
وحينما تأسست رابطة العالم الاسلامي في مكة المكرمة ١٣٨٢ واختير معالى الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله أمينًا عامًا لها، اختار صديقه الشيخ صالح قزاز أمينًا عامًا بالوكالة يقوم بأعمال الأمين العام للرابطة في حضور الأمين أوغيابه.
وحينما توفي الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله سنة ١٣٩٣ اختير الشيخ صالح قزاز أمينًا عامًا للرابطة، وكان قد رشح لها أحد الوزراء ولكن المجلس التأسيسي للرابطة وهو مكوَّن من علماء المسلمين في جميع أنحاء العالم الاسلامي اختار وبإجماع الأراء الشيخ صالح قزاز ليكون الأمين العام للرابطة وطلبوا من جلالة الملك فيصل يرحمه الله الموافقة على اختيارهم فتم لهم ما أرادوا، وتجدد اختيار الشيخ صالح قزاز للأمانة العامة للرابطة لفترة ثانية، وكان راغبًا في التخلي عن أعمال الرابطة بعد أن قضى فيها أعوامًا كثيرة وبدأت السنُّ تعمل عملها في صحته. وأتمَّ الفترة الثانية وقدم استقالته إلى المجلس التأسيسي للرابطة، حاول أعضاء المجلس أثناءه عن الاستقالة فزاره وفد منهم بمنزله لهذه الغاية فقال لهم:
الرابطة أمانة عظيمة ولا أستطيع القيام بواجبها فأرجو إعفائي، وأمام إصراره قُبلت الاستقالة وتم تعيين فضيلة الشيخ محمد الحركان يرحمه الله أمينًا عامًا للرابطة حيث بقي فيها إلى أن توفاه الله.
رجل المهمات العظيمة:
كان الشيخ صالح قزاز رجل المهمات العظيمة بحق، وذلك لما يتمتع به من إخلاص في العمل، ونزاهة في الضمير، والرغبة في تحقيق الخير أينما حلَّ وَرَحل.
ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الشيخ صالح قزاز يرحمه الله لم يكن يتقاضى من المعلم محمد بن لادن أجرًا حينما كان يقوم بإدارة الأعمال العظيمة في توسعة المسجد النبوي الشريف الأولى ثم في توسعة المسجد الحرام، ثم في إصلاح مسجد قبة الصخرة في بيت المقدس ولذلك قصة نوردها فيما يلي:
стр. 1366
الرغبة في الهجرة إلى المدينة:
يقول صديقنا الأستاذ حسن قزاز الكاتب ورجل الأعمال وتربطه صلة القرابة بالشيخ صالح قزاز يقول: في بداية عام ١٣٧١ كنا بعوائلنا "يقصد عوائل آل قزاز" جميعًا في زيارة المسجد النبوي الشريف، وفي ضحى أحد الأيام اصطحبني الشيخ صالح إلى المسجد وصلَّينا في الروضة المطهرة الشريفة، ثم وقفنا مسلِّمين على الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
التفت الشيخ صالح إليَّ قائلا: أتمنى لو أحصل على راتب تقاعد مقداره ألف ريال شهريًا أعيش به في هذا المكان الطاهر بجوار المسجد النبوي الشريف، وأقضي بقية عمري في هذه الرحاب الطاهرة.
يقول حسن قزاز: قلت له ياعم صالح إنك لا تزال في عنفوان رجولتك وأمامك الحياة طويلة ودواعي الطموح كثيرة.
قال الشيخ صالح أن شعورًا خفيًا يدفعني لهذه الأمنية وأرجو أن يحققها الله.
يقول حسن قزاز وعُدْنا من المدينة إلى الطائف.
ومضت سنوات وأقام الشيخ صالح قزاز وأخوه الشيخ أحمد قزاز في منزلهما بالطائف حفلًا لتكريم معالي الشيخ عبد الله السليمان وزير المالية ﵀، وفي هذا الحفل أعلن الشيخ عبد الله السليمان أن جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله أمره بعمارة المسجد النبوي الشريف بعدما ذكرت الصحف المصرية أن تصدعًا حدث في بعض الأعمدة، ودعى مصطفى النحاس باشا المسلمين إلى التبرع لعمارة المسجد، وتقدم البعض بتبرعاتهم، ولكن الملك عبد العزيز يرحمه الله أبى أن يقبل تبرعًا من أي جهة كانت وأعلن قائلًا: نحن أولى بتعمير المسجد الشريف، وطلب أن تعاد للناس تبرعاتهم وأصدر أمره إلى وزير ماليته الشيخ عبد الله السليمان لتنفيذ العمارة المطلوبة.
وقال الشيخ عبد الله السليمان، لقد كلفت المعلم محمد بن لادن بالقيام بالعمارة المطلوبة التي تشمل إزالة التصدعات وتوسعة المسجد وهي التوسعة الأولى التي تمت في العهد السعودي (١).
وفي هذا الاجتماع طلب الشيخ محمد بن لادن اختيار رجل كفء ليقوم بعبئ الأعمال الإدارية لهذا المشروع العظيم لأنه سيتفرغ للأعمال الهندسية وأعمال البناء.
وفي هذا الاجتماع تم اختيار الشيخ صالح قزاز ليكون هو الرجل الإداري الذي يطلبه المعلم محمد بن لادن.
وتحققت أمنية الشيخ صالح قزاز وانتقل إلى المدينة المنورة لا ليكون مهاجرًا في رحاب
стр. 1367
المسجد النبوي الشريف، وإنما ليكون مشرفًا على عمارة المسجد النبوي الشريف وتوسعته، وإبرازه في أجمل الحلل.
ولكن هل اكتفى صالح قزاز بأن حقق الله له أمنية غالية تمناها وأجاب الله دعوة دعاها وهو في الروضة المطهرة، وفي رحاب المسجد النبوي الشريف … ؟
صالح قزاز بهذا، وإنما قرَّر بينه وبين نفسه أن يقوم بهذا العمل دون أن يتقاضى أجرًا من المعلم بن لادن، أراد أن يكون عمله في إدارة هذا العمل العظيم قربي إلى الله تعالى، خالصًا لوجهه؟
كتب خطابًا سريًا إلى جلالة الملك فيصل وكان نائبًا لجلالة والده في الحجاز يرحمهما الله تعالى، كتب إليه قراره بأن لا يتقاضى من المعلم بن لادن أي أجرٍ على قيامه بهذا العمل، وطلب من سموه تدبير راتب شهرى له يعيش وأسرته عليه.
واستجاب يرحمه الله فأصدر أمرًا إلى وزارة الخارجية وكان وزيرها، بتعيين صالح قزاز وزيرًا مفوضًا في وزارة الخارجية، ومن راتب هذه الوظيفة الاسمية كان صالح قزاز يعيش وينفق على أسرته حتى وفاته (١).
في رابطة العالم الإسلامي:
وحينما اختار الشيخ محمد سرور الصبان يرحمه الله الشيخ صالح قزاز ليكون وكيلًا له في رابطة العالم الإسلامي سنة ١٣٨١، ثم اختير أمينًا عامًا لها بعد وفاة الشيخ محمد سرور لم يتقاض صالح قزاز راتبًا من الرابطة طيلة عشرين عامًا بل كان يتحمل النفقات التي يتقاضاها عمله، ويجنب صندوق الرابطة أن يتحملها، يقول الشيخ محمد صفوت السقا الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي ما يلي:
وشهادة لله أزكيها ويعرفها كل من كان له شرف العمل معه - مع صالح قزاز - في الرابطة أنه لم يقبض ريالًا واحدًا كراتب أو تعويض أو حتى كمساهمة في النفقات التي يتطلبها العمل في الرابطة، فكانت السيارة من ماله وسائقها وحتى أجور السفر، وكانت كل الولائم التي نقيمها على مدار العام في داره من جيبه من مرتبه الذي يتقاضاه من تقاعده … الخ.
لقد أكرمني الله أن أكون مطوفًا للعلماء:
ويواصل الشيخ محمد صفوت السقا حديثه عن الشيخ صالح قزاز فيقول:
وعندما يقوم باسقبال الوفود والإشراف على راحتهم من مختلف أنحاء العالم يقول: تعلم أنني تركت الطوافة هربًا ولكن الله أكرمني أن أعمل مطوفًا لعلماء العالم الإسلامي بحكم طبيعة عملي في الرابطة، ويا أخ صفوت مهنة الطوافة تشريف وتكريم لأهل مكة المكرمة، وكم كان يتمنى أن يتفرغ للتدريس في الحرم المدني والمكي (٢).
стр. 1368
عمل وإنجاز:
كان الشيخ صالح قزاز يهب نفسه للعمل الذي يوكل إليه مدفوعًا بالرغبة في الإنجاز والإصلاح.
اختير مديرًا عامًا لأول مديرية للزراعة حين تأسيسها عام ١٣٦٨ للهجرة، وجاء هذا الاختيار ليجمع الرجل بين عمله في مديرية الحج العامة، ومديرية الزراعة، يقول معالي الأستاذ عبد الله الدباغ وزير الزراعة الأسبق الذي عمل مساعدًا للشيخ صالح قزاز في مديرية الزراعة في جدة حين تأسيسها ما يلي:
لم أر في حياتي رجلًا كالشيخ محمد صالح قزاز في نشاطه، ودأبه وحرصه على أداء واجبه وأكثر من واجبه في تفان وإخلاص.
لم يكن يعرف للراحة طعمًا، فنهاره كله عمل من حين أن يصبح إلى أن يمسي وحتى يأوي إلى فراشه.
كان يرحمه الله أول الحاضرين إلى مكتبه وآخر من يخرج منه إلى داره، وكانت داره مكتبًا آخر يمتد فيها العمل حتى ساعة متأخرة من الليل، والإجازة الأسبوعية كان يقضي معظمها في زيارات للمناطق الزراعية يتفقد أحوالها، ويبحث مشاكلها، ويحلُّ منها ما كان قادرًا على حله.
وكانت مسئوليته في أعمال الحج تتطلب منه الانتقال يوميًا بين مكة وجدة أكثر من مَرَّةٍ في اليوم الواحد أحيانًا، خصوصًا في موسم الحج حرصًا منه على قضاء مصالح الحجاج، وكنت أرافقه في بعض المرات، وعندما نكون سويًا في المقعد الخلفي للسيارة يطلب مني الانتقال إلى جانب السائق لينال هو قسطًا من الراحة بالاسترخاء بعض الوقت بعد عناء العمل ليلًا.
وكان بتوجيه من جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله ويأمر من معالي الشيخ عبد الله السليمان أول من أدخل مضخات الماء لتوزع على المزارعين في مختلف مناطق المملكة كوسيلة بديلة للطريقة التقليدية لرفع المياه من الآبار.
كما كان أول من فكَّر في إصلاح عدد من عيون المياه التي توقف جريانها في وادي فاطمة وغيره من الوديان، كما أوجد وحدات الخدمة الزراعية المجهزة بآلات التسوية والحراثة لإقامة العقوم وحراثة الأرض للمزارعين في مناطقهم واستورد في عهده الكثير من شتلات أشجار الفاكهة من مصر ولبنان وزعت على المزارعين بدون مقابل.
كل هذا بالرغم من ضآلة الميزانية السنوية لمديرية الزراعة في ذلك الوقت، والتي أذكر أنها لم تتجاوز اثنى عشر مليون ريال.
ويواصل الأستاذ عبد الله الدباغ حديثه فيقول:
أن أكثر ما شدني للشيخ محمد صالح قزاز هو إيمانه العميق، وعزوفه عن رغد العيش وميله إلى التقشف مع ما أنعم الله به عليه من وفرة في الرزق وكرم في العطاء.
стр. 1369
كان عندما يضطر إلى البقاء طيلة نهارة في جدة لم يكن له بيت يأوي إليه بعد الغذاء ولا فندق يذهب إليه ليرتاح بعض الوقت لكي يستأنف عمله بعد ذلك، فكان يفترش المكاتب الحديدية في فرع مديرية الزراعة بجدة جاعلًا ذراعه وسادة لرأسه، وذلك حتى لا يغريه الفراش الناعم الوثير بإطالة فترة راحته.
وعندما يكون في البادية لا تختلف معيشته في نومه وطعامه مع معيشة أهل البادية بخشونتها وقسوتها (١).
مدارس تحفيظ القرآن الكريم:
كان الشيخ صالح قزاز من أوائل الرجال الذين ساهموا في تأسيس مدارس تحفيظ القرآن الكريم التي بدأت في سنة ١٣٨٢ في مكة المكرمة، ثم انتشرت في جميع أرجاء المملكة، ولم يكتف الشيخ صالح قزاز بالمساهمة فيها بجهده. ولكنه ساهم كذلك بماله، فأوقف عليها عمارة في محلة الشامية بمكة المكرمة تساهم غلتها في واردات الجماعة، يقول الدكتور حسن محمد باجوده، رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى، والأمين العام لجماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة ما يلي:
نستطيع أن نقول أن كل إمام يؤم المسلمين حاليًا في مكة المكرمة، وبخاصة في شهر رمضان في صلاتي التراويح والقيام والجماعة لتحفيظ القرآن الكريم في مساجد مكة وفيها ما يزيد على ستمائة شاب يؤمون المسلمين في ليالي رمضان نقول:
أن للشيخ صالح قزاز بفضل الله تعالى يدًا على هؤلاء.
ونستطيع القول ذاته عن كل الذين حفظوا القرآن الكريم في جماعة تحفيظ القرآن الكريم وفي العديد من جهات المملكة.
ويبدو هذا الأمر على حقيقته عندما نستعرض جهوده ﵀ في سبيل النهوض بهذه الجماعة سنة ١٣٨٢ هـ، وكان رئيس هذه الجماعة الشيخ محمد يوسف سيتي الباكستاني الجنسية صاحب هذه الفكرة، وقد تبنى هذه الجماعة عدد من الرجال الأفاضل ومنهم الشيخ محمد صالح القزاز يرحمه الله.
ويواصل الدكتور باجوده حديثه فيقول:
هذا الرجل جعل كل نشاطه بعد نهاية خدمته للأمانة - أمانة رابطة العالم الإسلامي - جعل كل همه أن يخدم القرآن الكريم، فلقد كان في المملكة جماعة مكة، وترتبط بها الجماعات الأخرى في جدة والطائف والرياض، وبلجرشي والليث وغيرها، وكانت المساعدات التي تتدفق على جماعة مكة تنال تلك الجماعات حظها منها.
الشيخ صالح ﵀ وجه الجماعة وجهة الحفظ للشباب ترتيلًا بقصد أن يأتي الشباب صلاة الجماعة في المحاريب.
стр. 1370
وبفضل الله تعالى نهضت الجماعات واستقلَّت ونمت الجماعات.
وكان للشيخ القزاز بعد الله ثم المسؤولين الغيورين على هذا الكيان كبير الفضل فمثلًا وقف للجماعة عمارة في الشامية وحوَّل حسابها للجماعة.
ومما ينبغي أن يذكر أن الشيخ القزاز مع فريق من الجماعة كانوا يصلون العشاء في رمضان، وينطلقون إلى مساجد مكة التي يؤم أبناء الجماعة فيها المساجد من أجل توجيههم ونصحهم وإعطائهم المكافآت.
كان ﵀ حريصًا على تشجيع الشباب على حفظ القرآن والقراءة في كل المناسبات، فكان يتيح لهم الفرص في المواسم وفي افتتاح الندوات، بل كان يأخذ فريقًا على حساب الرابطة للحج كل ذلك احتفاءًا بِحَملة القرآن، وتشجيعًا للبراعم الصغيرة.
وبفضل الله تعالى ثم بفضل المنزلة التي يتمتع بها في قلوب الناس انهال الخير على جماعة التحفيظ في مكة فدعمته الحكومة، وقام بدوره بدعم الجماعات الأخرى فالمساعدة السنوية مستمرة، والملك خالد ﵀ أعطى مبلغًا كبيرًا أقامت به عمارة مؤجرة للمالية تنتفع بها الجماعة ومدارسها للبنين والبنات التي تشتمل كل أحياء مكة المكرمة.
ويقول الدكتور باجودة:
في الحرم وحده ٤٥ مدرسة للبنين بين باب السلام وباب العمرة إضافة إلى معهد الأرقم ومقره الحرم أيضًا.
كان ﵀ حريصًا على تخريج المدرسين المجودين فأقام معهد الأرقم بن أبي الأرقم وبه الآن أربعمائة طالب ولله الفضل والمنة، ومدارس البنات بلغ تعدادها أربعًا وعشرين مدرسة.
والحقيقة أن الشيخ القزاز يرحمه الله كان في السنوات الأخيرة شبه منقطع في منزله ولكنه كان في نفس الوقت يوجه نشاطه كله للجماعة، فكان يدير أمورها من منزله، ويعتبر كل صاحب مسألة أن الشيخ القزاز هو صاحبها لشدة حبه للجماعة والقرآن.
ثم يختم الدكتور باجودة حديثه قائلًا:
مرت سبعة وعشرون سنة على الجماعة، وحفظ بها حوالي ألف وخمسمائة شاب القرآن الكريم، وفي العام الماضي وحده كان عدد الحفاظ مائة وستين شابًا (١).
هذه شهادات الرجال الذين عملوا مع الشيخ صالح قزاز في المجالات المختلفة، شهاداتهم بعد أن فارق الرجل هذه الحياة الدنيا، وصار في رحاب الله تعالى نطقت بها ألسنتهم إبراءًا للذمة، وإظهارًا للفضل الذي كان صاحبه أزهد الناس في ذكره والإشارة إليه.