← Тараджим

Тараджим · id 850

أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة

محمد علي مغربي

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشَّيخ عَباس يوسُف قَطان متوسط القامة، ممتلئ الجسم قمحي اللون واسع العينين يضع على عينيه نظارة طبية له لحية خفيفة كان يرتدي العباءة والعقال المقصب في العهد الهاشمي ثم أصبح يرتدى العباءة والعقال العادي في العهد السعودي. ولد الشيخ عباس قطان بمكة المكرمة سنة ١٣١٣ هـ وتلقى تعليمه الابتدائي في الكُتَّاب. والكتاب عبارة عن مدرسة صغيرة يتلقى فيها الأولاد مبادئ القراءة والكتابة على يد أحد المشايخ وبعد فترة قصيرة انتقل إلى المدرسة الصولتية وهي من أوائل المدارس الخيرية الخاصة التي أنشئت بمكة المكرمة في أوائل القرن الهجري الرابع عشر من قبل بعض أثرياء الهنود المسلمين. وكانوا يتولون الإنفاق عليها وهي لا تزال قائمة حتى الآن وهي تقوم على تعليم العلوم الدينية وكان لها دور بارز في هذا المجال وخاصة قبل انتشار المدارس الحكومية في العهد السعودي، وكان الشيخ يوسف قطان وهو من أثرياء مكة وأعيانها المعروفين قد عنى عناية خاصة بتعليم ابنه البكر الشيخ عباس قطان فكان يحضر له بعض المشايخ في الدار لتجويد القرآن الكريم ولتلقي بعض دروس الفقه واللغة كما كان يرسله لحضور حلقات الدرس في المسجد الحرام بين العشاءين فكان يحضر حلقات الدروس التي يعقدها علماء مكة المكرمة في ذلك الزمان أصحاب الفضيلة الشيخ

стр. 72

عباس مالكي والشيخ سعيد يماني والسيد المرزوقي والشيخ عمر باجنيد والشيخ عمر حمدان وجميعهم من أعلام العُلماء في مكة المكرمة في النصف الأول من القرن الرابع عشر ﵏ وهكذا تزود الشيخ عباس قطان من العلم بقدر ما كان يسمح به الزمن الذي نشأ فيه. وقد نشأ الشيخ عباس قطان في ظل والده الشيخ يوسف قطان الذي كان من أكبر أعيان مكة المكرمة وأثريائها وكان وزيرا للنافعة - وزارة النافعة هي وزارة الأشغال العامة - في عهد الملك الشريف الحسين بن على كما كان على صلة تامة بأمراء مكة قبل ذلك ولقد قيل لي أنه هو الذي أشرف على بناء قصر شبرا في الطائف للشريف على باشا أمير مكة الأسبق في العهد العثماني، كما أنه كان من المقربين لجلالة المرحوم الملك عبد العزيز بعد فتح الحجاز وقد زاره جلالته في داره حينما مرض فهو إذا من أولئك الرجال الذين تظهر شخصياتهم في مختلف العهود، نقول أن الشيخ عباس قطان نشأ في ظل والده الذي أسلفنا ذكره وكان هذا الوالد عظيم الثراء فلم يهيئ ابنه للوظائف الحكومية ولعله كان منشغلا بأعمال والده ولكنه على أي حال أصبح عضوا في المجلس البلدي بمكة المكرمة في أوائل العهد السعودي وفي عام ١٣٤٧ هـ عينه جلالة الملك عبد العزيز أمينا للعاصمة - وكانت مكة المكرمة هي عاصمة الدولة منذ أوائل العهد السعودي واستمرت كذلك طيلة عهد الملك عبد العزيز وفي عهد الملك سعود ثم نقل العاصمة إلى الرياض وأصبحت مكة المكرمة هي العاصمة المقدسة فيقال الآن عن رئيس بلدية مكة المكرمة أمين العاصمة المقدسة للتفريق بينها وبين العاصمة الرياض وقد استمر الشيخ عباس قطان أمينا للعاصمة بمكة المكرمة من عام ١٣٤٧ هـ إلى نهاية عام ١٣٤٦ هـ وبعدها عين عضوا في مجلس الشورى إلا أنه طلب من جلالة الملك عبد العزيز إعفاءه من هذا العمل حيث كان راغبا في التفرغ للأعمال الخيرية التي كان ينوي القيام بها.

стр. 73

ولقد كان الشيخ عباس قطان موضع ثقة جلالة الملك عبد العزيز فكان يكلفه بمهام الأمور في عهد رئاسته لأمانة العاصمة فحينا انتهت إمارة الأمير عبد العزيز بن إبراهيم على المدينة المنورة كلف جلالته الشيخ عباس قطان بالسفر إلى المدينة المنورة وتصريف شؤونها إلى حين تولى الأمير عبد الله السديري إمارة المدينة المنورة، كما كان يعهد إليه بالعمل في بعض الأمور التي تطرأ والتي يرغب جلالته اتخاذ إجراء معين فيها، وكانت دار الشيخ عباس قطان في مكة المكرمة وفي الطائف أيام الصيف مفتوحة للناس تغص بروادها من أهل العلم والفضل ومن الضيوف الذين كانت تنصب لهم الموائد صباح مساء وكانت هذه الدار تستقبل الضيوف من كبار الحجاج في موسم الحج، من كل عام وحينما قدم الدكتور محمد حسين هيكل باشا الكاتب المصري المعروف ورئيس مجلس الشيوخ المصري إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج نزل بدار الشيخ عباس قطان بمكة المكرمة بالشامية وفي هذه الرحلة رغب التعرف على آثار مكة ومعالمها فطلب من الشيخ عباس قطان أن يختار له مرافقا ملما بهذه الآثار فاختار له المرحوم الشيخ عبد الحميد حديدي العضو بأمانة العاصمة ومن أبرز رجالات مكة العارفين بتاريخها وآثارها وقد صحب الشيخ عبد الحميد ﵀ الدكتور محمد حسين هيكل إلى زيارة آثار مكة المكرمة ومن أبرزها غار حراء وقد كتب الدكتور هيكل عن ذلك بالتفصيل في كتابه المشهور في منزل الوحي الذي ألفه بعد كتابه "حياة محمد" ﷺ وما أذكره عن رحلة الدكتور هيكل هذه إلى مكة المكرمة أنه كان أحد الخطباء في الحفل الذي كان يقيمه شباب مكة وأدباؤها في كل عام في منى في أيام التشريق ولم يكن قد أعد نفسه للخطابة ولكنه استجاب للطلب وألقى خطابا جيدا في ذلك الحفل نشرته جريدة صوت الحجاز فيما بعد وأشرف على تصحيحه الشاعر والكاتب الكبير الأستاذ محمد حسن فقي بطلب من الدكتور هيكل نفسه كما علمت منه في ذلك الزمان.

стр. 74

مَوْلِد النَّبيّ ﷺ - ولد النبي ﷺ بمحلة شعب على المعروفة بمكة المكرمة والتي تسمى في الوقت الحاضر سوق الليل وكان الشيخ عباس قطان يتمنى أن يقيم في هذا المكان مكتبة عامة واتفق مع أصهاره آل الكردي أن يشتري منهم مكتبة المرحوم الشيخ ماجد كردي الشهيرة بالمكتبة الماجدية وهي من أثمن المكتبات الخاصة وينقل محتوياتها إلى هذه الدار صيانة للموضع الذي ولد فيه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه من أن يبقى معرضا للإهمال وتكريما له بإقامة عمل نافع للناس فيه، وكانت العقبات التي واجهها الشيخ عباس قطان التحقيق هذه الأمنية الكبيرة كثيرة ولكنه استمر في محاولاته تلك دون كلل أو ملل فاستطاع بعد سنوات طويلة من الصبر وتصيد الفرص المناسبة أن يحظى بموافقة جلالة المغفور له الملك عبد العزيز للسماح له بإقامة المبنى الذي يريد وما أن حصل على الإذن من جلالته بإقامة المبنى حتى سارع باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك عام ١٣٧٠ هـ وكان يشرف على البناء بنفسه في كل يوم راغبا في سرعة إنجازه وتحقيق الأمنية التي كان ينشدها برؤية المكتبة العامة مشيدة في موضع مولد النبي ﷺ وفي يوم من أيام شهر رجب ١٣٧٠ هـ ذهب كعادته لرؤية العمارة مصطحبا بعض أصدقائه ولكنه شعر بألم مفاجيء وهو واقف في الموقع فقد فاجأته نوبة قلبية حادة فأمسك به الحاضرون من أبنائه وأصدقائه واستدعى له أحد الأطباء ثم نقل إلى بيته وفي اليوم التالى فارق الحياة فكانت هذه العمارة التي تمنى أن ينشئها هي الخانة السعيدة لحياته ولقد قام أبناؤه من بعده بإكمال العمل الطيب الذي بدأه والدهم العظيم كما نقلوا إليها المكتبة الماجدية وسلمت إلى وزارة الحج والأوقاف وهي مفتوحة للجميع.

стр. 75

[صورة] موضع مولد النبي ﷺ -

стр. 76

[صورة] موقع بيت السيدة خديجة رضي الله عنها

стр. 77

دَار السَيّدة خَديجَة حينا تزوج النبي ﷺ أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد كان يسكن في منزلها في زقاق الحجر المعروف بزقاق الصَّوغ وفي هذا المنزل نزل القرآن الكريم على رسول الله ﷺ وفيه ولدت السيدة خديجة رضوان الله عليها أولاد النبي ﷺ من ذكور وإناث وبعد وفاة السيدة خديجة رضوان الله عليها استمر النبي ﷺ ساكنا هذه الدار إلى حين هجرته إلى المدينة المنورة فأخذ الدار عقيل بن أبي طالب ﵁ وباعها إلى الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان فجعلها مسجدا (١)، ولقد عدت على هذه الدار عوادى الزمن فأصبحت خرابا وكان الشيخ عباس قطان قبل وفاته قد استأذن من جلالة الملك عبد العزيز في إنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن في هذا المكان الذي نزل فيه القرآن والذي كان مسكنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه لسنوات طويلة وكما حصل على الإذن ببناء موضع ولادته ﷺ حصل على الإذن بتشييد المدرسة المطلوبة في دار السيدة خديجة والتي أصبحت تسمى أخيرا (مولد السيدة فاطمة) نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد باشر الشيخ عباس قطان عمارة هذا المكان عام ١٣٦٨ هـ مبتدئا به قبل عمارة مولد النبي ﷺ ، وحينا توفي أكمل أبناؤه من بعده إتمام العمارة المذكوره وسلمت إلى وزارة المعارف لافتتاحها للغرض الذي بنيت من أجله وقد تم افتتاح المدرسة لهذه الغاية وهي مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم ولا تزال باقية حتى اليوم. إن هذا العمل العظيم الذي قام به المرحوم الشيخ عباس قطان هو من الأعمال الجليلة دون شك فعلاوة على ما بذله من المال

стр. 78

في تشييد المكتبة والمدرسة وافتتاحها للإفادة منها فإنه صان بذلك المكان الذي ولد فيه النبي ﷺ كما صان المكان الذي نزل فيه القرآن على قلبه صلوات الله وسلامه عليه، ولقد كانت محاولة الحصول على الأذن ببناء هذين المكانين في حد ذاتها تتسم بالإخلاص والشجاعة لأن بعض الناس كانوا يتخذون من بعض الأماكن الكريمة مقرا للشعوذة والضحك على بسطاء العقول وخاصة من الحجاج والجهلة ولقد أدركت الناس في جدة في العهد الهاشمي وهم يتخذون من مقبرة حواء مكانا للشعوذة ويدخل إليها الحجاج للتبرك ويستدرون منهم الأموال بهذه الوسيلة ولست أشك أن جلالة الملك عبد العزيز ﵀ كان يعرف أولا إخلاص الشيخ عباس قطان وصفاء عقيدته ولهذا سمح له بإقامة المدرسة والمكتبة في المكانين المشار إليهما ولم يكن من السهل على غير الشيخ عباس قطان في ذلك الزمن الوصول إلى ما وصل إليه وقد أعانه الله على ذلك فكانت له هذه الحسنة الجارية في بلد الله الأمين تقبل الله منه وجزاه أفضل الجزاء. القِرى لقاصِد أُمّ القُرى ومما يذكر للشيخ عباس قطان ﵀ أنه قام على طبع القرى لقاصد أم القرى لمؤلفه محب الدين الطبري وهو كتاب جليل في تاريخ مكة المكرمة فكلف بعض النساخين بنسخ أصل الكتاب المذكور وطبع منه ألفي نسخة على نفقته الخاصة قام بإهدائها إلى العُلماء والأدباء وإلى أصدقائه من محبي المعرفة والاطلاع وهي مأثرة حسنة تضاف إلى مآثره الكثيرة. إصْلاحُ ذَاتِ البَيْن حينما كنت أقيم بمكة المكرمة في الفترة ما بين ١٣٥٥ - ١٣٤٦ هجرية كان الشيخ عباس قطان مشهورا بإصلاح ذات البين وكان يتحرى الإصلاح بين

стр. 79

العائلات التي يطول بينها الجفاء أو يستقر بينها العداء أو الأفراد الذين تشتد بينهم البغضاء فتقطع أواصر المودة ويحل الكره محل الحب ولقد كان قضاة مكة يحيلون إليه من القضايا التي تعرض عليهم ما يرون أن من المصلحة تدخله فيها حفظا لصلة الرحم وحسن الجوار وكان الشيخ عباس قطان ﵀ يبذل جهده ووقته للإصلاح ما وسعه ذلك مستعينا بمن يتوسم فيهم الخير من الرجال لتحقيق هذه الغاية باذلا في ذلك جاهه وماله وربما اقتضى الأمر مراجعة المسؤولين في دوائر الحكومة لتذليل العقبات التي تعترض سبيله حتى إذا أثمر سعيه جمع المتخاصمين في داره المضيافة على مائدة العشاء أو الغداء مع من اشترك معه في الإصلاح ليذهبوا في اليوم التالي إلى المحكمة فيطلبون من القضاة إلغاء القضايا التي كانوا يقيمونها معلنين تصالحهم وتراضيهم ولا شك أن هذا العمل من أجل الأعمال التي لا يقوم بها إلا أولئك الرجال الكبار الذين اتسعت صدورهم المشاكل الناس فرأبوا الصدع وأقاموا المودة مقام العداوة وسعدوا بما رأوا من ثار سعيهم الطيب بين الناس. وفَاته لقد ذكرت أن الشيخ عباس قطان فاجأه المرض وهو يقف على العمارة التي أنشأها في مولد النبي ﷺ وقد توفي في اليوم التالي بداره بالشامية صباح الاثنين ١٦ رجب ١٣٧٠ هـ عن عمر يناهز الثانية والخمسين عاما بعد حياة قضاها في العمل الطيب تغمده الله برحماته الواسعة وأحسن جزاءه في دار الخلود.

стр. 80

عبد الله محمد باحمدين

стр. 81

عَبْدُ الله محَمَّد باحَمدين قصير القامة ممتلئ الجسم أسمر اللون واسع الجبهة نظراته تشع ذكاء وفطنة يضع على عينيه نظارة ذهبية ويرتدى العباءة العربية بينا يعمم رأسه بعمامة ملفوفة على الطريقة الحجازية - وهذه العمائم يستعمل فيها الشال البغدادي وهو من صناعة حلب - ولد بمكة المكرمة في عام ١٣٢٩ هجرية وتعلم بمدارسها ثم تعلم اللغة الإنكليزية على يد بعض أساتذتها من الهنود بمكة المكرمة كذلك، وكان المتكلمون بهذه اللغة في مكة بالذات من أبناء البلاد ندرة قليلة تعد على الأصابع. وتوفي والده وهو شاب وكان يعمل في متجر أبيه بالجودرية وأراد الشاب عبد الله باحمدين أن يجمع شمل الأسرة وأن يبقى المتجر الذي أسسه والدهم مفتوحا يعمل فيه الجميع، ولكن إخوته لم يوافقوا على هذا الرأي واقتسموا الثروة التي تركها والدهم وانفرد كل منهم بعمله الخاص، ورأى عبد الله باحمدين نفسه وحيدا ولم يكن نصيبه القليل من تركة أبيه كافيا لتحقيق طموحاته الكبيرة حدثني عن هذه الفترة من حياته، قال كنت قد اشتريت سيارة لاستعمال الشخصي وكانت السيارة تحتاج إلى سائق وإلى مصاريف للوقود فتركتها مخزونة بضع شهور لأني لم أكن قادرا على توفير ما يلزم لها من منصرفات.

стр. 82

وانكب الشاب عبد الله باحمدين على العمل في المتجر الذي أسسه لنفسه وأخذ يواصل عمل أبيه في استيراد الأقمشة وما إليها ولكن طموحه كان أعظم من هذا العمل الروتيني المحدود فيها أكثر حوانيت الأقمشة من حوله وما أكثر مستوردها، إنه يفكر في أعمال كثيرة تحتاج إليها مكة المكرمة ولم يقدم عليها أحد بعد وهكذا فكر عبد الله باحمدين ﵀ في صناعة الثلج. مَصْنع الثَّلج كان هناك مصنع وحيد للثلج في مكة المكرمة أسسه رجل سوري اسمه الحاج نسيم واشترك معه في تأسيسه من الناحية المالية بعض أهالي مكة وكان عبد الله باحمدين واحدا من هؤلاء المساهمين ولست أدري أن كانت هذه المساهمة من عهد والده وأرجح أنها كانت كذلك المهم في الأمر أن عبد الله باحمدين وجد نفسه في المجال الذي يرغب والذي يعلم أنه الأصلح لمواهبه والألزم لبلاده ولم يكن عبد الله باحمدين راضيا عن شركة الثلج بأوضاعها تلك ففكر في استيراد مصنع خاص للثلج يديره هو، وكانت مكة مفتقرة إلى أكثر من مصنع فالبلد شديد الحرارة والجو الحار يبقى أكثر من سبعة شهور في العام ولم تكن هناك الكهرباء ولا الثلاجات - فكانت الحاجة إلى الثلج تستمر طيلة العام وتزداد في موسم الحج وهكذا أقدم عبد الله باحمدين على الدخول في مضمار العمل الصناعي وهو في مطلع شبابه فاستورد لنفسه مصنعا كبيرًا للثلج واختار له مكانا مناسبا في منطقة المعلاة بجوار مقبرة المعلاة، ولقد استطاع التغلب على المشاكل الفنية التي واجهته في استيراد المصنع ونقله إلى مكة ثم تركيبه وإدارته ولقد علمت أنه كان يشرف على كل صغيرة وكبيرة أثناء تركيب المصنع الذي تم بواسطة فنيين محليين ويشارك في تذليل الصعاب التي تعترض إتمام هذا العمل حتى أنه قضى ما يقرب

стр. 83

من يوم وليلة في مقر المصنع منهمكا في العمل ناسيا أنه لم يطعم ولم ينم حتى تم إنجاز العمل ورأي الآلات تدور، وهذا التصميم إن دل على شيء فإنما يدل على العزيمة القوية والإرادة العظيمة لتحقيق النجاح مهما كانت المصاعب والعقبات. الشركة العربيَّة للتوفير والاقتِصَاد لم يكتف عبد الله باحمدين بما حققه لنفسه من تأسيس مصنع كبير للثلج يسد حاجة مكة المكرمة في ذلك الوقت أو معظم احتياجاتها من الثلج فلقد كان رجلا واسع الطموح، عظيم الهمة وكان يرى أن بلاده مفتقرة إلى الكثير الذي يمكن تحقيقه من الأعمال الجديدة وخاصة ما يتعلق بالصناعة ولكن إمكانياته المادية لم تكن لتساعده على تحقيق ما يريد، وكان عضوا في مجلس إدارة الشركة العربية للتوفير والاقتصاد بمكة المكرمة ثم أصبح رئيسا لمجلس إدارة الشركة وأخيرا عهد إليه بإدارة أعمال الشركة المذكورة فوجد المجال أمامه مفتوحا لتحقيق بعض طموحاته في هذه الشركة الفتية فقام بشراء باخرتين صغيرتين للشركة وأخذ يسيرهما بين موانئ البحر الأحمر وخاصة بين موانيء جدة الحديدة، ولقد شهدت الرجل يتنقل بين مكة وجدة كلما وردت هذه البواخر أو إحداهما ليهييء لرحلتها القادمه مستخدما كل جهده وتفكيره في إنجاح هذا العمل الجريء، ولقد علمت أن معالي الشيخ عبد الله السليان وزير المالية حين ذاك قدر هذا العمل لمدير عام الشركة العربية للتوفير والاقتصاد وأبدى له من صنوف التشجيع ما جعله مطمئنا إلى الاستمرار في العمل فليس سرا أن عملا من هذا النوع معرض للخسارة أكثر مما هو معرض للربح وفي الأوقات المعتادة تضمن الحكومات لشركات البواخر نسبة معينة من الأرباح للإبقاء على الاتصالات البحرية بين

стр. 84

بلادها والبلاد الأخرى حاملة للبضائع والركاب فالموضوع له أهمية اقتصادية عظيمة للدول ولقد افتتح عبد الله باحمدين فرعا في جدة لمواجهة أعمال البواخر والإشراف عليها من قريب وبقيت هذه البواخر تمخر عباب البحر الأحمر طيلة المدة التي قضاها عبد الله باحمدين على قيد هذه الحياة. مَصْنع النسِيج وكان لشركة التوفير والاقتصاد مصنع صغير للنسيج فقام عبد الله باحمدين بإدخال التحسينات عليه وهو مصنع يدوي على الطريقة القديمة ولقد رأيت الصناع من الشباب السعودي يعملون على هذه الأنوال اليدوية وينتجون بعض الأقمشة وكان هذا في أيام الحرب العالمية الثانية وأذكر أنني كنت في القاهرة وكان عبد الله باحمدين هناك وكنا جميعا في مجلس الشيخ محمد سرور الصبان ﵀ بداره بمصر الجديدة وكان يحضر المجلس أحد كبار أصحاب مصانع النسيج من أصدقاء الشيخ محمد سرور فجاء ذكر مصنع الشركة العربية للتوفير والاقتصاد فاقترح معالي الشيخ محمد سرور أن يقوم عبد الله باحمدين وأنا بزيارة مصانع الغزل الذهبية التي أسسها الرجل الحاضر معنا بالمجلس وحدد لنا الرجل في الحال موعدا في اليوم التالى وذهبنا إلى هناك فرأينا الآلات الميكانيكيه تنتج الأقمشة المتنوعة في سرعة وإتقان وجمال وخرجنا من المصنع ونحن ممتلئون إعجابا بما رأينا، وتحدثنا في الأمر فاتفق الرأي على أن مصر تزرع القطن ولديها مصانع الغزل التي تحول القطن إلى خيوط ومن ثم يمكن لمصانع النسيج أن تستعمل هذه الخيوط في نسج الأقمشة وإنتاجها، ونحن في بلادنا نحتاج إلى استيراد كل شيء، استيراد خيوط الغزل من الخارج ثم نسجها إذا أردنا استيراد مصانع للنسيج مثل تلك التي شاهدناها، وكان السؤال الذي يدور في رؤوسنا

стр. 85

أيهما أجدى اقتصاديا هل هو استيراد خيوط الغزل ونسجها في البلاد أم استيراد القماش منسوجا وجاهزا؟ وهل تستطيع الصناعة المحلية الناشئة مزاحمة السيل المتدفق من الصناعة الخارجية من جميع أنحاء العالم، هذا هو السؤال الذي كان يدور في أذهاننا بعد مشاهدة هذا المصنع الميكانيكى للنسيج ويبدو أنه كان هاما ولا يزال ليس لصناعة النسيج فحسب ولكن لأي صناعة يراد إدخالها إلى البلاد ولهذا فإن وزارة الصناعة تطالب قبل إصدار ترخيص بأي صناعة جديدة تطالب بدراسة الجدوى الاقتصادية وتقوم الوزارة نفسها بالدراسات للصناعات المختلفة قبل اتخاذ قرار بشأنها وهي الطريقة المثلى لإقامة الصناعات على أسس سليمة قوية حتى لا تتعرض للتعثر والانهيار. الحَافِظة العَربيَّة في أيام الحرب العالمية الثانية حدث نقص في أشياء كثيرة كما يحدث في أيام الحروب وكان بمستودع الشركة العربية للطبع والنشر التي تطبع فيها جريدة صوت الحجاز في ذلك الزمان كميات من الورق على اختلاف أنواعه. وكانت الشركة تعاني من الخسارة وعلم عبد الله باحمدين بالأمر فقال ليس من المعقول أن تخسر الشركة وفي مستودعاتها الورق المعدوم في الأسواق والذي يحتاج إليه الناس وطلب الاطلاع على قائمة البضائع الموجودة بالمستودعات وما أن اطلع عليها حتى أبدى استعداده لشرائها وقد دفع فيها ثمنا يبلغ أربعة أضعاف الثمن المقدر لها في ذلك الوقت وتمت الصفقة وكنت أتوقع أن يقوم بعمل عادي مثل تصنيع الورق إلى دفاتر للكتابة وبيعه في الأسواق ولكنه فاجأني كما فاجأ الناس جميعا بشيء لم يكن في الحسبان، كانت في مستودعات الشركة كميات كبيرة من الورق المتين الذي يصلح لغلافات الكتب وكانت الشركة فيها

стр. 86

مضى تمارس طبع بعض الكتب المدرسية ثم توقفت عن ذلك وبقي هذا الورق مستودعاتها كميات مهملة لا يستفاد منها، أقول أن عبد الله باحمدين فاجأني باستخراج هذا الورق وقصه وتقسيمه إلى ملفات لحفظ الأوراق مثل الملفات - (الدوسيهات) التي كانت ترد إلينا من الخارج والتي كانت معدومة في الأسواق تماما، وطبع على هذه الملفات كلمة (الحافظة العربية) ولم يكتف بهذا فأحضر إلى مقر المطبعة بعض الساكرة الذين كانت دكاكينهم مجاورة لها بالشامية - وأطلعهم على الحدايد التي تمسك الأوراق التي توضع في الملفات واشترك معهم في ترتيب الصنع وما هي إلا أيام حتى كان الساكرة الوطنيون قد صنعوا هذه الحدايد وخرجت الحافظة العربية ملفا كاملا لا أغالى إذا قلت أنه كان يمتاز على الملفات الخارجية بجودة الورق وجمال الطبع. وأذكر أن وزارة المالية اشترت كل ما أنتجه عبد الله باحمدين من هذه الملفات لأن الدوائر الحكومية كانت تفتقر إليها. أن الورق كان موجودا في مخازن الشركة ولكن المسؤولين عنها كانوا يعتبرونه كمية مهملة وقد استطاع عبد الله باحمدين بفكره النير أن يحول هذه الكمية المهملة إلى عمل نافع يسد به حاجة البلاد في ذلك الوقت العصيب، ومن هنا تظهر إتجاهاته الفكرية التي تدل على ذهن متفتح يبحث دائما عن الجديد والمفيد (١). مَكَائِن الكَهربَاء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أدخل عبد الله باحمدين تطورا ملموسا على تجارته أو على الأصح حاول إدخال تطور مفيد في التجارة في مكة المكرمة فلقد كان من أوائل الناس الذين قاموا باستيراد المكائن الزراعية ومكائن الإنارة -

стр. 87

المجموعات الكهربائية - في مكة المكرمة وبذلك يسر على الناس إنارة بيوتهم أو محلاتهم التجارية، وإني لأذكر مدينة جدة والإنارة الكهربائية مقتصرة فيها على بيوت السفارات ولم يكن في مدينة جدة كلها مكينة كهربائية إلا في بيت الشيخ محمد نور جوخدار. وكان من أوائل المواطنين الذين أدخلوا الكهرباء إلى بيوتهم وأذكر أن الحاج عبد الله على رضا حينا احتفل بزواج ابنه - معالي الشيخ محمد عبد الله رضا - وزير التجارة الأسبق - قام الشيخ محمد نور جوخدار بمد النور الكهربائي من منزله إلى منزل الحاج عبد الله على رضا لهذه الغاية كما أن آل قابل كانوا من أوائل الناس الذين أدخلوا الكهرباء لا إلى منزلهم فحسب وإنما قاموا بإنارة شارع قابل المعروف باسمهم حاليا وزودوا كل دكان مصباح للإضاءة ومروحة كهربائية. وكان هذا العمل في ذلك الوقت يعتبر فتحا جديدا لأنه أتاح الإنارة الكهربائية والتهوية لشارع كامل. وبهذه المناسبة فإن هذا الشارع كان قد قام بتعميره الشريف الملك الحسين بن على أبان العهد الهاشمي الأول وفي عهد الملك على بن الحسين اشتراه آل قابل من الحكومة ومن الملك على شخصيا ﵀ لأنه كان محتاجا إلى المال والتموين لصرف أغذية ومرتبات الجنود أثناء الحصار الذي كان مضروبا على مدينة جدة خلال الحرب الهاشمية السعودية. نعود الآن إلى المرحوم عبد الله باحمدين فنقول إنه بعمله هذا في إدخال التطور الحضاري على تجارة مكة المكرمة فقد يسر للراغبين الحصول على المكائن الكهربائيه لإنارة بيوتهم ومحلاتهم بما يتبع هذه الإنارة من تهوية وتبريد وأني لأذكر أن هذه التجارة كانت محصورة في أيدي البيوت التجارية الأجنبية فإذا رغب المرء في شراء مكينة كهربائية ذهب إلى أحد هذه البيوت التجارية وطلب مترجما للدخول على المدير الإنجليزي وبعد شرح الطلب يدفع معظم القيمة التي

стр. 88

يحددها هذا المدير وهي عادة كبيرة ومبالغ فيها ثم ينتظر بضعة شهور حتى ترد الماكينة فتسلم له أوراقها لإخراجها من الجمارك ثم يبحث عن مهندس لتركيبها وإذا كان هذا الأمر يتم بهذه الصعوبات في مدينة جدة التي يكثر فيها الأجانب ويكثر فيها الفنيون والمتكلمون باللغة الإنجليزية فإن الأمر بالنسبة لمكة المكرمة أكثر صعوبة دون شك، ولهذا فإن النظرة إلى هؤلاء الرجال الذين اتجهوا بتجاراتهم إلى توفير الوسائل الحضارية للناس يجب أن تكون نظرة تقدير وإكبار وخاصة في ذلك الزمن السحيق. رِحْلتهُ إلى أَمريكا انتهت الحرب العالمية الثانية وقبيل انتهائها قام عبد الله باحمدين ﵀ برحلته الأولى إلى أمريكا وأراد الله أن أقوم برحلة بعده مباشرة إلى هناك وكانت السفارة السعودية في واشنطن قد قامت مشكورة باختيار مرافق لي في هذه الرحلة وكان هذا هو نفس الرجل الذي رافق عبد الله باحمدين أثناء زيارته للولايات المتحدة، وحدثني الرجل عن انطباعاته عنه بعد مرافقته بضع أسابيع، قال كان عبد الله باحمدين مهتما باستيراد قطع الغيار ولكنه لم يكن يتصل بالبائعين وإنما يحاول الوصول إلى الصناع الذين يكونون البائعين بإنتاجهم ولقد سمعت أحد رؤساء الشركات الأمريكان يثني عليه ويقول له إنك نمط فريد من الرجال الذين يزورون هذه البلاد من الشرق الأوسط أحدثك عن البيع فتحدثني عن الصنع، وهذه الحوادث وأمثالها تظهر طريقة تفكير الرجل كما تكشف عن تطلعاته. مَصَانع بَاحمدين وبانتهاء الحرب العالمية الثانية أتيح لعبد الله باحمدين أن يحقق بعض طموحاته فحصل على أرض كبيرة خارج مكة المكرمة وأنشأ عليها مصانع

стр. 89

باحمدين، هذه الأرض أقامت عليها الدولة فندق مكة انتركونتنتال وهدمت مباني مصانع باحمدين بعد شراء الدولة لها لإقامة هذا المبنى عليها، والذي كان الغرض منه أن يكون مبني للمؤتمرات الدولية ثم تحول إلى فندق كما هو عليه الحال الآن. نقول أقام عبد الله باحمدين على هذه الأرض مصانعه أو على الأصح النواة الأولى لهذه المصانع فأنشأ عليها مصنعا كبيرًا للثلج ومصنعا كبيرًا للنجارة كذلك وورشة ميكانيكية، وكان قد بدأ النواة الأولى لتأسيس عمله العقاري بشراء أرض في مدخل مكة المكرمة وإقامة فيلات صغيرة عليها ثم بيعها للراغبين وقد أنشأ فعلا فيلا بمدخل مكة المكرمة اشتراها فيما بعد المرحوم الشيخ ضياء الدين رجب من ورثته كما أسس فيلا أخرى أمام المصانع وقد بيعت لأحد المواطنين حين بيع المصانع. وَفاة عَبد الله بَاحمْدين كان عبد الله باحمدين يفكر في أشياء كثيرة ويعمل لأشياء كثيرة وكان منكبا على عمله في متجره وفي مصانعه وفي الشركة العربية للتوفير والاقتصاد بجهد عظيم فلقد كان من الرجال الذين يحبون العمل ويتفانون فيه حتى أنه كان يقضي كل نهاره في مكتبه ومتجره متناولا غداءه وربما عشاءه في مقر العمل ولا يعود إلى داره إلا بعد صدر من الليل وفي يوم من أيام رمضان عام ١٣٦٩ هجريه شعر بتأثر في صحته فلم يستسلم للراحة أو يستدعي الطبيب وظن أنه مرض عارض لا يلبث أن يزول وذهب إلى المسجد الحرام للإفطار هناك وصلاة المغرب جماعة كما تعود وطاف بالبيت وصلى المغرب وعاد إلى داره وبعد الإفطار شعر بأعراض المرض ولكن النوبة القلبية التي داهمته كانت شديدة فأسلم

стр. 90

الروح وانطفأ كما ينطفئ المصباح وهو أكثر ما يكون حيوية وأعظم ما يكون نشاطا وأشد ما يكون طموحا نعم اختطف الموت عبد الله باحمدين وهو في عنفوان رجولته إذ كان عمره حوالى الأربعين ولكن للقدر أحكامه وللخالق حكمته فتوفي مبكيا عليه من كل من عرفه من الناس وما أكثرهم ودفن في اليوم التالى بمقبرة المعلاه وظلت الصحافة تنشر للكتاب من أصدقائه مرثياتهم له وذكرياتهم عنه ﵀ رحمة الأبرار فلقد كان طلعة بين من عرفت من الرجال في ذلك الزمان.

стр. 91

أعلامُ الحِجَاز في القرن الرابع عشر للهجرة

стр. 92

الشَيخ عَبْدِ الرّؤُوف جَمْجُوم ولد الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بمدينة جدة عام ١٢٩٩ هـ وكان أبوه الشيخ عبد العزيز جمجوم قد ورث عن والده الشيخ صلاح جمجوم تجارة واسعة وكان بيت الجمجوم معروفا بمركزه التجارى الكبير في مدينة جدة في ذاك الزمان وتعلم الشاب عبد الرؤوف جمجوم الكتابة والقراءة والعلوم الدينية على أيدى أساتذة عصره وكان جميل الخط جيد الحساب وبعد إكمال تعليمه عمل في بيتهم التجارى إلى أن توفى والده وهو في سن الشباب وكانت وفاة الوالد كارثة على الشاب وإخوته من آل الجمجوم مما اضطر الشاب عبد الرؤوف إلى العمل كاتبا لدى التجار بعد أن كان لأسرته بيت تجارى مرموق، وكانت العائلة التي يتكون منها آل الجمجوم كبيرة وتحتاج إلى مصرف كبير فعمل الشاب عبد الرؤوف وكان كما قلنا حسن الكتابة جيد الحساب عمل لدى أربعة من التجار في وقت واحد فكان يعمل لدى الحاج على لطيفه، جد معالى الشيخ محمد عبد الله رضا - وزير التجارة الأسبق لوالدته - ولدى الشيخ عبد الله الصغير التلمسانى، سبقت الترجمة له في إحدى الحلقات السابقة، ولدى الشيخ على شبكشى والد الأستاذ عبد المجيد شبكشى وإخوانه، ولدى التاجر صديق ميرخان وكان يقسم أوقاته في العمل لدى هؤلاء التجار الأربعة من الصباح إلى ما قبل منتصف الليل وكان في

стр. 93

نفس الوقت يشترى الغاز بالجملة حيث يقوم أخوه الشيخ محمد صالح جمجوم على بيعه بالتفرقة في بيتهم التجارى كما كان يقوم بأعمال الدلالة بين التجار وهكذا وجد الشاب عبد الرؤوف نفسه ملزما بالعمل المتواصل من الصباح الباكر إلى منتصف الليل ليقوم بالإنفاق على هذه العائله الكبيرة التي تركها أبوه ولتربية إخوته وتعليمهم ولقد استمر على هذه الحال ثلاث سنوات ثم تولى العمل وكيلا لتجار مكة المكرمة بالدلالة يقوم بشراء البضائع لهم وتحميلها بالجمال إلى مكة المكرمة وكان يقوم بالعمل بمفرده مشتريا للبضائع ومشرفا على استئجار الجمال ثم تحميلها وعلى كتابة الرسائل المتعلقة بها إلى التجار المكيين وقيد حساباتهم في الدفاتر وهو عمل مضن يتولى القيام به عدة أناس ولكن عبد الرؤوف جمجوم وجد نفسه متحملا مسؤوليات عظيمة وهو في هذه السن الباكرة فاضطر أن يجعل من نفسه وكيلا يقوم بكافة الأعمال في وقت واحد. وعلى ذكر البيوت التجارية أود أن أذكر أن البيوت التجارية في جدة كانت عبارة عن مدارس صمغيرة يتعلم فيها الطلبة أعمال الحسابات التجارية حيث يعملون كتاب حسابات للتجار يمسكون دفاترهم (على طريقة الدوبيا) وبعد سنوات طويلة يتحول قدامى الكتبة التجاريين إلى تجار وقد حذقوا أثناء عملهم الطويل في البيوت التجارية أعمال التجارة نفسها ولقد كان بيت المرحوم الشيخ محمد بن حمد - والد الشيخ أحمد بن حمد التاجر المعروف حاليا - من أبرز البيوت التي يلتحق بها التلاميذ التجاريون إن صح هذا التعبير ولقد التحقت شخصيا كتلميذ في هذا البيت وأول ما كنا نتعلمه هناك هو القيد في دفتر الخرطوش، وهو دفتر صغير تسجل فيه الأعمال اليومية للمبيعات ثم ينقل منه إلى القيد في دفتر اليومية الدفتر الكبير، كما تعلمنا فيه كتابة التحارير التجارية وتتم بأن مجلس الكاتب بين يدى التاجر فيملى عليه الرسائل إلى العملاء مبتدئا بافتتاح الكتاب

стр. 94

مستفسرا عن صحته أولا هو وصحة عائلته ثم يتحدث عما يريده مما يتعلق بالأعمال التجارية ثم يختم الكتاب بالتحيات وما إلى ذلك وبعد إتمام كتابة الرسائل تطبع في مطبعة (البالوظة) ويتم الطبع بإلصاق الرسالة في دفتر معد لذلك من الورق الخفيف بعد أن توضع بداخله الرسالة وعليها قطعة مبللة بالماء من الخيش ثم يوضع الدفتر بكامله تحت مكينة ضغط من الحديد تدار باليد لتضغط على الرسالة فيتم طبعها على الورق الخفيف داخل الدفتر بطريقة الضغط فإذا الرسالة مطبوعة نصا وحرفا وهذا بطبيعة الحال قبل وجود الآلات الطابعة والآلات المصورة التي تزخر بها المكاتب التجارية في الوقت الحاضر، ويتدرج التلميذ في العمل فإذا أنس التاجر منه نجابة كلفه بالكتابة في الدفاتر الكبيرة مثل دفتر اليومية أو دفتر الذمامات والصوافى وما إلى ذلك فإذا احتاج البيت التجارى إلى كاتب حسابات انتقل التلميذ إلى مرحلة العمل ولقد عرفت كثيرا من تجار جدة الكبار وقد بدأوا حياتهم كتابا في هذه البيوت التجارية أذكر منهم المرحومين الشيخ محمد بن حمد والشيخ حسين فايز وكانا يعملان في بيت الفضل ثم انفرد كل منهم بتجارته الخاصة وأصبح من أشهر تجار جده وخلفهم أبناؤهم من بعدهم والشيخ عبد الرزاق عجلان شفاه الله وعافاه كان كاتبا لسنوات طويلة في بيت الشيخ محمد بن حمد ثم انفرد بعمله التجارى المستقل، والشيخ محمد على أبو داود كان كاتبا في بيت الشيخ أبو بكر باغفار ﵀ ثم أسس عمله التجارى الضخم المعروف الآن مع شقيقه الشيخ إسماعيل أبو داود رئيس الغرفة التجارية وآل داود هم أصحاب مصانع التايد والكلوركس ومؤسسوها والغرض من ذكر هذا الاستطراد هو أن البيوت التجارية كانت عبارة عن مدارس صغيرة يتخرج منها المحاسبون ثم التجار، وكان البيت التجارى مفتوحا من الصباح إلى المساء يتناول فيه التاجر مع أبنائه وكتبته وضيوفه طعام الغداء،

стр. 95

ويستمر العمل فيه إلى المساء ثم يعود أكبر الكتاب بعد صلاة العشاء ليقضى ساعة أو أكثر في القيد في الدفاتر وفى هذه الحالة يتناول الجميع طعاما خفيفا العشاء، وهكذا فإن العمل كان يستمر طيلة النهار وصدرا من الليل في بعض الأحيان كما أن أيام الجمع لا تعتبر أيام أجازات إذ تفتح فيها المكاتب التجارية في النصف الأول من النهار إلى وقت الصلاة وغالبا يتبادل فيها التجار الزيارات مع أصدقائهم من الموظفين والأعيان وكانت المكاتب التجارية في مدخل البيت أو الدور الأول فيه بينما يسكن التاجر في الأدوار العليا، وكانت أغلب البيوت التجارية مزودة بمخازن تخزن فيها البضائع، ولا يزال بعض هذه البيوت موجودا بجدة حتى الآن على الوضع الذى وصفناه. نعود بعد هذا الاستطراد الطويل عن البيوت التجارية ودورها في تخريج التجار إلى الشيخ عبد الرؤوف جمجوم لنقول أنه استطاع بعد جهاد شاق إعادة بيتهم التجارى إلى المركز المرموق الذى كان له في حياة أبيه وجده. مَدَارس الفَلاح ذكرنا في ترجمة الحاج محمد على زينل رضا مؤسس الفلاح أنه حينما قام بتأسيس المدرسة الفلاحية في جدة كان هناك له زملاء تعاونوا معه في تأسيسها وذكرنا أن الشيخ عبد الرؤوف جمجوم وشقيقه الشيخ محمد صالح جمجوم كانا من هؤلاء الشبان الذين تعاونوا مع مؤسس الفلاح فكانوا يأخذون التلاميذ من بيوت آبائهم بعد غروب الشمس ويعيدونهم إلى بيوتهم في جنح الظلام حينما كانت الدراسة في المدرسة تتم ليلا لعدم الحصول على الترخيص من الحكومة العثمانية بافتتاح المدرسة وبعد الحصول على الترخيص لم تكن هناك حاجة لهذه الرحلات الليلية وخصوصا بعد أن اشترى الحاج محمد على المبنى الأول لمدارس الفلاح

стр. 96

والذى لا تزال المدرسة تشغله كواحد من أهم مبانيها ولقد ذكرت أن التوسع في الدراسة اقتضى من الحاج محمد على زينل أن يهاجر إلى الهند للعمل هناك حتى يتمكن من التوسع في الصرف على مدارس الفلاح وهي تنمو عاما بعد عام ويزيد طلبتها في كل يوم. حينما قرر الحاج محمد على زينل السفر إلى الهند كان محتاجا إلى رأس المال الذى يبدأ به عمله هناك كما كان محتاجا إلى الإنفاق على مدارس الفلاح فترة غيابه وقد اختار الشيخ عبد الرؤوف جمجوم وكان صديقا شخصيا له ومن أكبر معاونيه ليتولى وكالة مدارس الفلاح في جدة ومكة ولقد قام الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بهذه الوكالة خير قيام فكان هو يتولى الإنفاق على المدارس الفلاحية ويحرص على تقديم مرتبات مدرسيها وموظفيها شهريا دون تأخير وكثيرا ما كان يدين المدرسة أو على الأصح مؤسسها المبالغ الطائلة في سبيل هذا الإنفاق إلى أن تصل المبالغ المطلوبة من الهند في شكل بضائع أو نقود، وجاءت الحرب العالمية الأولى فانقطعت التجارة بين الهند والحجاز وكان الحلفاء قد قرروا حصة الحجاز في البضائع التي تصدر له من الهند في باخرة واحدة شهريا تحضرها باخرة اسمها الكويت وكان الحاج محمد على يرسل في هذه الباخرة ما تسمح به ظروف التصدير منها وكانت أقل كثيرا من حاجة مدرستى الفلاح في مكة وجدة حتى أنه فكر في الاكتفاء بمدرسة واحدة خلال سنوات الحرب ولكن الشيخ عبد الرؤوف جمجوم أصر على أن تبقى المدارس في مكة وجدة مفتوحة الأبواب وأخذ على نفسه تدبير الإِنفاق عليها مما اضطره إلى التضييق على عمله التجارى والاختصار فيه، كان الناس يقبلون على شراء العقار والذهب الذى كان يباع بأرخص الأسعار ويكدسون أموالهم فيها ليستردوها مضاعفة بعد انتهاء الحرب ويقال أن بعض تجار جده اشتروا الكثير من العقار في مكة في تلك الأيام حيث كان يباع

стр. 97

البيت الواحد بما يساوى خمسين جنيها ذهبا، وكان هو يجمع الدينار فوق الدينار ليواجه به مرتبات المدرسين والموظفين لمدارس الفلاح محتسبا ذلك كله عند الله قائما بعمله كوكيل لدارس الفلاح بروح المؤمن المحتسب وكان بعض التجار يدفعون للمدرسة إعانات شهرية فلما طال زمن الحرب امتنعوا عن تقديمها ولم تكن ذات شأن. ويروى الشيخ عبد الرؤوف جمجوم في ذلك قصة لطيفة، قال كنا في أواخر شهر رمضان ١٣٣٤ هـ وحل موعد دفع مرتبات الفلاح وكنت قد دفعت آخر جنيه في الصندوق لمرتبات المدرسين وآويت إلى فراشى في الليل وأنا مغموم فالعيد سيأتى غدا أو بعد غد ولم يبق عندى ما أنفقه على أسرتى بما تضمه من أولاد وبنات كثيرين وفى الساعة السابعة ليلا، قبيل الفجر وأنا أتقلب على فراشى وقد جفانى النوم من كثرة التفكير والهم وإذا مناد ينادينى من أسفل البيت ويدعونى إلى مقابلته فنزلت فوجدت المرحوم الشيخ محمد الطويل ناظر عموم الرسوم ومعه الشيخ أحمد ناظر باشكاتب الجمرك - رئيس الكتاب - والشيخ محمد نور تركى أمين صندوق الجمارك وهم يحملون معهم صرة من الريالات وقال لى الطويل: هذا مبلغ ستمائة ريال مجيدى أرسله لك الملك الشريف الحسين بن على لتصرف منه مرتبات خدم المساجد والأئمة والمؤذنين - وكان الشيخ عبد الرؤوف مديرًا لأوقاف جدة - قال الشيخ عبد الرؤوف ولا شك أن هذا الفرج الذى أرسله الله إلى كان ببركة مدارس الفلاح وبحسن النية الذى انطوت عليه النفس في القيام بهذا العمل، قال وفى اليوم التالى صرفت مرتبات موظفى المساجد وكانت تبلغ ثلاثمائة ريال مجيدى واستدنت الثلاثمائة ريال الباقية للانفاق على أهلى وأولادى لأعيدها بعد العيد. ولسنا في حاجة لأن نقول إن مؤسس الفلاح قام بتسديد كل ما أنفقه الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بعد نهاية الحرب وعودة الأمور إلى طبيعتها الاعتيادية ولكن

стр. 98

الفكرة هي: ما الذى كان يحدث لمدارس الفلاح لو لم يكن وكيلها الشيخ عبد الرؤوف على هذا المستوى العظيم من التفانى في الإبقاء عليها وإبعادها عن أى تأثير يعوق مسيرتها الخيرة؟ ففى مثل هذه المواقف العصيبة يظهر عظماء الرجال وتظهر تضحياتهم وأعمالهم، ولقد كان الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بعمله هذا عظيما ومخلصا في حبه للعلم وتيسيره للناس. بَدَل مَصَاريف زَواج وَوَفاة للفَلاح ولقد انعكس حب الشيخ عبد الرؤوف جمجوم للعلم الذى كانت مدارس الفلاح مثالا حيا له في ذلك الزمان على التصرفات الاجتماعية بالنسبة لعائلة الجمجوم فقد اطلعت على الوصية التي تركها المرحوم الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بخط يده لإخوانه وفى مقدمتهم المرحوم الشيخ محمد صالح جمجوم الذى قام بعبء وكالة الفلاح من بعده أحسن قيام. أقول اطلعت على الوصية التي كتبها الشيخ عبد الرؤوف جمجوم والتى يوصى فيها اخوته وفى مقدمتهم الشيخ محمد صالح جمجوم ﵏ أنه في حالة حدوث زواج في الأسرة ألا تقام الحفلات الباذخة بل تتم في غاية البساطة ويستعاض عنها بدفع خمسين جنيها لمدارس الفلاح كما أنه في حالة حدوث وفاة أن تتخذ إجراءاتها ببساطة متناهية وألا تقام الولائم في العشرين والأربعين التي كانت تقام في ذلك الزمان وأن يستعاض عنها بمبلغ عشرين جنيها ذهبيا تدفع لمدارس الفلاح ولا شك أن هذا التصرف يدل على منتهى الحكمة لدى الشيخ عبد الرؤوف جمجوم وآل الجمجموم لأنه توفير للمال وصرفه إلى مصارفه الصحيحة النافعة وإعطاء القدوة الحسنة للناس على ما يجب أن يفعله الأغنياء في سبيل الخير العام ولقد أدركت آل الجمجوم وهم يتبعون الوسائل المتناهية في البساطة في تزويج أولادهم وبناتهم في الأربعينات وأوائل

стр. 99

الخمسينات رغم مركزهم التجارى الكبير ومكانتهم بين أكبر الأسر في مدينة جدة، ولقد قيل لى إنهم كانوا يسمون البنت حين ولادتها على ابن عمها الذى يكون قريبا من سنها ويكون معروفا لدى الأبوين أن فلانة لفلان وكان منزلهم الكبير في جدة ملاصقا لسجد المعمار وكان رجال العائلة وأولادهم يصلون الفرائض كلها في السجد ويراقبون أولادهم بل ويعاقبونهم أن تأخروا عن أدائها فإذا رأوا الفتى والفتاة قد بلغا مبلغ الزواج قام الأب في صمت بإعداد حجرة الابن وجهزها بالفرش البسيط السائد في ذلك الزمان وإعداد مراتب النوم والألحفة وشراء سحارة للملابس وكانت تقوم مقام الدواليب وكذاك تجهيز هذه الحجرة بالمصباح الغازى اللازم لها ويقوم والد العروس بالإشارة إلى زوجه بإعداد الملابس اللازمة للفتاة وهي في حدود المعقول، ومجتمع الأبوان بعد صلاة العشاء فيعقدان للعروسين في المسجد وينطلق الفتى ليجد عروسه وقد زفت إليه في تلك الليلة، وبعدها في حفل يقتصر على كبار العائلة من رجال ونساء ولقد كنت أعزو ذلك إلى كثرة أفراد الأسرة واضطرارهم إلى تزويج أولادهم وبناتهم فلو أنهم اتخذوا الأساليب المعتادة في دفع المهور الغالية واقامة الأفراح والليالى الملاح التي تليق بمكانتهم في المجتمع لما وسعهم ذلك ولم أكن أظن أن للشيخ عبد الرؤوف جمجوم يدا في اتباع هذه الخطة الحميدة وأن وراءها فكرا ثاقبا ورغبة خيرة إلا بعد أن اطلعت على الوصية التي كتبها بخط يده ﵀. مَرضه وَوَفَاته في عام ١٣٣٨ هـ شعر الشيخ عبد الرؤوف جمجوم بأعراض المرض في صدره وبعد أن طال به الأمر سافر إلى الهند للاستشفاء واستقبله صديقه الحاج محمد علي زينل أحسن استقبال وأنزله بداره في مدينة بومباى وعرضه على الأطباء

стр. 100

المختصين وبعد أن بقى في الهند ما بقى عاد إلى الحجاز ولكنه كان يشعر بآثار المرض ونصح له أصدقاؤه بالسفر إلى الطائف وكان موسم الحج قد حل فذهب إلى مكة وأدى فريضة الحج ونزل بمدرسة الفلاح وكانت بالقشاشية قريبا من المسجد الحرام ولكن المنية لم تمهله فتوفى في شهر ذى الحجة عام ١٣٣٨ هـ بمكة المكرمة ودفن بمقبرة المعلاة وهو في الثامنة والثلاثين من العمر ولئن كانت سنوات عمره قصيرة فلقد كانت هذه السنوات مباركة مملوءة بالعمل الجاد النافع فلقد استطاع إعادة مجد الأسرة وحفظ كيانها كما استطاع القيام بأعباء مدارس الفلاح في أشد الأوقات وأصعبها. جزاه الله خير الجزاء.

стр. 101

عبد الله السليمان الحمدان

стр. 102

عَبْد اللهُ السُّليمان الحَمْدَان نحيل الجسم، قصير القامة، كبير الرأس، أسمر اللون، واسع العينين، أقنى الأنف، خفيف اللحية، يرتدى العباءة العربية والعقال. ولد الشيخ عبد الله السليمان الحمدان بمدينة عنيزة عام ١٣٠٢ هـ وتلقى العلم على أيدى علماء بلده كما أتقن الكتابة والحساب وكان يتميز بحسن الخط وجماله وكان عبد الله السليمان طموحا منذ نعومة أظفاره فما أن بلغ مرحلة الفتوة حتى توجه إلى الهند وعمل كاتبا في بيت آل الفوزان في مدينة بومباى كما كان يعمل أمثاله من الفتية الطامحين، يلتحقون بالبيوت التجارية العربية في الهند فيفيدون من ذلك دخلا حسنا ودربة جيدة على شؤون التجارة، ولم يمض طويل وقت حتى انتقل إلى البحرين فافتتح له مكتبا تجاريا برأس ماله البسيط الذى جمعه أثناء عمله في الهند، فلقد كان الفتى عبد الله السليمان طموحا إلى عمل تجارى مستقل، ولكن الفتى يقدر لنفسه شيئا وتريد الأقدار له شيئا أعظم فقد كان أخوه الأكبر محمد السليمان كاتبا في ديوان السلطان عبد العزيز آل سعود - جلالة الملك عبد العزيز فيما بعد - فمرض محمد بأذنيه واضطر أن يعتزل العمل فترة من الزمان استدعى فيها أخوه عبد الله السليمان ليحل محله في الكتابة للسلطان وانقضت الفترة المرضية وعاد محمد السلمان إلى عمله بديوان السلطان عبد العزيز

стр. 103

فعاد هو إلى عمله في البحرين الذى كان أخوه حمد السليمان يديره في غيابه، ولكن المرض يعاود الأخ الأكبر فيعتزل عمله لدى السلطان عبد العزيز نهائيا، ويطلب السلطان من عبد الله السليمان ١٣٣٠ هـ أن يتسلم الكتابة في ديوانه ويعتزل عمله نهائيا في البحرين ويتكفل السلطان عبد العزيز بسداد ديون محله التجارى وتسوية أموره ليتفرغ لخدمة السلطان عبد العزيز بصورة نهائية وهكذا دبر الله الأمور لعبد الله السليمان بحكمته الأزلية حين ربط أسبابه بأسباب السلطان عبد العزيز الذى كان نجمه يسطع في سماء الجزيرة العربية في ذلك الزمان فتنضم أقطارها واحدة تلو الأخرى إلى عقد مملكته العظيمة فتنضم إليه إمارة حائل وعسير، ومملكة الحجاز، وقبلها تنضم إليه إمارة الهفوف ثم أخيرا إمارة الأدارسة في جيزان، ويرى جلالة الملك عبد العزيز بفراسته العظيمة أن مجال عبد الله السليمان الحقيقى ليس هو في ديوان الكتابة وإنما هو في المهام العظيمة لهذه الدولة الفتية التي تمتد رقعتها يوما بعد يوم والتى تخرج من دور البساطة إلى مجال يتعاظم مع الزمن والتى تفتقر إلى جهود الرجال الكبار الذين يشيدون صرح الدولة ويقيمون أسسها بما يتفق مع متطلبات ضخامتها وامتدادها وتشابك مصالحها الداخلية والخارجية فأسند جلالته إلى عبد الله السليمان الشؤون المالية للدولة فكان مديرا لها ثم وكيلا للمالية وللتاريخ فإن أول من ولى الشؤون المالية لجلالة الملك عبد العزيز بعد فتح الحجاز هو المرحوم الشريف شرف رضا - عضو مجلس الوكلاء فيما بعد - ثم النائب الثانى لرئيس مجلس الشورى أخيرا - وبعدها تسلم شؤون المالية الشيخ عبد الله السليمان ولم يمض طويل وقت حتى أصبحت وكالة المالية وزارة وكان عبد الله السليمان أول وزير لها ثم أسندت إليه وزارة الدفاع فيما بعد وفى وقت من الأوقات تولى وزارة الخارجية نيابة عن صاحب السمو الملكى الأمير فيصل الذى كان يتولى وزارة الخارجية منذ تأسيسها - جلالة الملك فيصل ﵀.

стр. 104

عَبد الله السُّليمان وَزير المالية ولكى نتحدث عن عبد الله السليمان لا بد أن نذكر للتاريخ شيئا عن الصلاحيات الضخمة التي كانت في يد الرجل أثناء ولايته لوزارة المالية التي امتدت طيلة حياة الملك عبد العزيز ﵀ وفترة من عهد ولاية الملك سعود. كانت أمور الدولة مقسمة إلى قسمين أو على الأصح بين رجلين، الرجل الأول هو صاحب السمو الملكى الأمير فيصل - جلالة الملك فيصل فيما بعد - وكانت وظيفته الرسمية النائب العام لجلالة الملك في الحجاز وكان مرجعًا للشؤون الداخلية فكانت الشرطة والمعارف والبلديات والصحة والبريد والتلغراف تابعة له كما كان يتولى الشؤون الخارجية وهي تمثيل جلالة الملك عبد العزيز في الخارج كما كانت اتصالات السفراء الأجانب ومفاوضاتهم تتم عن طريق مكتب وزارة الخارجية ويرجع إلى سموه في كل الأمور الخارجية وهو يعرض بدوره ما يرى عرضه على والده المغفور له الملك عبد العزيز، أما وزارة المالية التي كان وزيرها الشيخ عبد الله السليمان فكانت تمثل في الواقع كل شئ في الدولة باستثناء ما ذكرناه عن مهام النائب العام لجلالة الملك فكانت وزارة المالية هي المرجع في الشؤون المالية جميعها، كما كانت تقوم إذا صح هذا التعبير بأعمال وزارة الأشغال والحج والمواصلات والدفاع وأعمال الخاصة الملكية وكان الشيخ عبد الله السليمان يتلقى صلاحياته العظيمة من ثقة المغفور له الملك عبد العزيز الشخصية فيه فكان يتمتع بسلطة عظيمة لا نغالى إذا قلنا إنه كان ينفرد بها طيلة السنوات الطويلة التي قضاها في منصبه العظيم ولقد قام بتدوين الدواوين في وزارة المالية وأسند رئاستها إلى رجال أكفاء كما قام بتأسيس الدوائر الرسمية في الملحقات الشرقية والجنوبية فتأسست رئاسة أموال وجمارك الإحساء كما تأسست رئاسة

стр. 105

أموال وجمارك جيزان وأخذ ينتدب الرجال المشهود لهم بالقدرة والكفاءة لإِدارة هذه المراكز وتأسيسها وتثبيت قواعدها، وكان يلقى من جلالة الكلك عبد العزيز تأييدا كبيرا وثقة كاملة فاستطاع بهذا التأييد وبهذه الثقة أن ينهض بالأعباء الضخمة التي وكل إليه أمرها فكان رجل الدولة وواحدها في ذلك الزمان، ولقد بلغ من ثقة جلالة الملك عبد العزيز فيه أنه كان يدخل كل صباح مهجع جلالته دون استئذان، وللتاريخ فإن عبد الله السليمان كان رجلا يتميز بالإِخلاص التام في خدمة الدولة حتى أنه يعتبر من أكبر العاملين في تأسيسها. الملك فيصَل وَعَبْد الله السُّليمان حدثنى المرحوم الشيخ إبراهيم السليمان بن عقيل رئيس ديوان صاحب السمو الملكى النائب العام لسنوات طويلة - السفير السعودى بالقاهرة فيما بعد - قال جاء الشيخ عبد الله السليمان مريضا إلى مصر وذهب إلى مدينة حلوان للاستشفاء وكان سمو الأمير يقصد الأمير فيصل ﵀ إذ ذاك في القاهرة وعلم بالأمر فقال لى أنه سيذهب لزيارة عبد الله السليمان في حلوان ولكنه طلب منى أن أكتم أمر الزيارة لأنه يريد أن يفاجئه بها فلو علم عبد الله السليمان بأن فيصل سيزوره لسارع هو إلى ترك المصحة، وبدأ سموه بالزيارة فكتمت الأمر وفى أصيل ذلك اليوم ذهبت بمعية سموه إلى حلوان وفوجئ عبد الله السليمان بزيارة فيصل فبكى من التأثر وقال لسموه أنت فيصل بن عبد العزيز تحضر لزيارتى وما أنا إلا خادم لأبيك. قال الشيخ إبراهيم السليمان ولكن فيصل طيب خاطره وقال له إنك من بناة الدولة - والذين يعرفون الملك فيصل ﵀ يعرفون أنه في مثل هذه المواقف إنما يزن كلامه بميزان الذهب والواقع أن الرجلين يمكن أن يطلق عليهما أنهما من بناة الدولة رحمهما الله.

стр. 106

إِلغَاء رُسُوم الحَجّ حينما تم توحيد الملكة العربية السعودية كانت الدولة تعانى من صعوبات مالية عظيمة وخاصة في سنوات الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينات الميلادية وكانت واردات الدولة تتمثل في الرسوم الجمركية ثم رسوم الحج وهو مبلغ خمسة جنيهات ذهبية تتقاضاها الدولة على كل حاج باعتبارها رسم المحجر الصحى، وكان من أجلِّ أمانى الملك عبد العزيز ﵀ أن يلغى هذه الرسوم المفروضة على الحجاج لأن ضميره لم يكن مطمئنا لها - وطالما أفضى بأمنيته تلك إلى وزير ماليته عبد الله السليمان، ولكن عبد الله السليمان لم يكن باستطاعته المجازفة بإلغاء مورد يعتبر المورد الثاني من موارد الدولة إذ ذاك وهي في حاجة إلى المزيد من المال، وحينما ظهر الزيت لأول مرة في شرق المملكة راود جلالته الأمل في أن يكون هذا الزيت سببا في الغاء هذه الرسوم يعوض الله به الدولة ما تفقده منها، ولقد كان من أعز أمانى عبد الله السليمان أن يحقق لجلالة الملك عبد العزيز هذا الحلم العظيم، وحينما توصل الشيخ عبد الله السليمان مع شركة أرامكو إلى اتفاق المشاركة الذى يسمح للدولة بمشاركة شركة أرامكو أرباحها أسوة بما فعلته فنزويلا في اتفاقياتها سارع بالكتابة إلى جلالة الملك عبد العزيز يزف إليه بشرى التوصل إلى هذه الاتفاقية ومن ثم يستطيع جلالته إلغاء رسوم الحج وتحقيق الأمنية الغالية التي كان يتمناها فبادر جلالة الملك عبد العزيز بإلغاء رسوم الحج وأعلن هذا الإلغاء في حينه، وكان لهذا الإلغاء رنة فرح كبرى في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وللتاريخ فان إتفاقية المشاركة هذه تعتبر أول اتفاقية من نوعها في المنطقة بالنسبة للدول المنتجة للنفط في ذلك الزمان وكان ذلك عام ١٩٥٠ ميلادية الموافق لعام ١٣٧٠ للهجرة.

стр. 107

إنجَازات عَبْد الله السُّليمان إذا أردنا تقييم رجل من الناس فلا بد أن ننظر في إنجازاته وما قام به من عمل نافع في حياة قومه وأثر هذا العمل في نهضة البلاد وتقدمها فإذا تلمسنا هذه الآثار النافعة في تاريخ عبد الله السليمان وجدناها بارزة في إنجازاته سواء أكانت هذه الإِنجازات وهو في مركز القوة والسلطان وزيرا يأمر فيطاع أو رجلا عاديا تخلّى عن المنصب والنفوذ وأصبح واحدا من الناس لا يتميز عنهم إلا بما وهبه الله من صفات، كما هو شأن الخاصة من الناس، ولسنا هنا في مجال إنجازات عبد الله السليمان كوزير للمالية فلسنا نترجم هنا للتاريخ وزيرًا ورجل دولة بقدرما نترجم لعبد الله السليمان كشخصية عامة ظهرت في حياة الناس فأثرت بأعمالها في هذه الحياة ولهذا فإننا سنترك الجانب الرسمى الحكومى من تاريخ عبد الله السليمان ونتحدث عن الجانب الشخصى الذى هو هدف الترجمة فنجلو منه ما يظهر الصورة الحقيقية للرجل بعيدا عن المنصب والسلطان. إِنشَاء الفَنادق كانت المملكة في العقود الأولى من تاريخها تعانى من نقص في كل مظاهر الحضارة والتمدين فالحياة كانت تتخذ شكلا بسيطا في النصف الأول من هذا القرن الهجرى ولقد كان القادمون إلى البلاد يفتقرون إلى فندق ينزلون فيه فلا يجدون من ذلك شيئا في أى مدينة من مدن المملكة وكان هذا يظهر بصورة جلية في مواسم الحج حينما يؤم البلاد أعداد ضخمة من الحجاج الموسرين والذين يرغبون أن يجدوا الفندق الملائم في مكة وجدة والمدينة المنورة ومشاعر الحج، كما أن الدولة نفسها كانت تفتقر إلى ذلك بالرغم من بيوت الضيافة التي خصصتهما

стр. 108

لضيوفها وكان زعيم مصر الاقتصادى الكبير محمد طلعت حرب باشا قد أسس شركة مصر للملاحة كما أسس شركة مصر للسياحة وحضر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج واتصلت أسبابه بأسباب الشيخ عبد الله السليمان رحمهما الله فأبدى رغبته في إيجاد فنادق لحجاج مصر في كل من جدة ومكة لينزل بها الحجاج المصريون وقام فعلا باستئجار منزل الحاج يوسف زينل على رضا - أمام فندق جدة بلاس - ليكون فندق مصر في جدة ولكن المشكلة كانت في إيجاد فندق في مكة يضم الأعداد الكبيرة من الحجاج التي تفد للحج والتى تستقر جميعها في مكة قبيل أيام الحج وبعد أداء المناسك وهنا انبرى الشيخ عبد الله فتكفل ببناء الفندق على حساب وزارة المالية وأفردت للفندق قطعة أرض في شارع أجياد أمام مبنى وزارة المالية وقامت الوزارة فعلا بتشييد الفندق الضخم المكون من عدة طوابق وبهذا تم تأسيس أول فندق حديث في مكة المكرمة وأطلق عليه اسم فندق بنك مصر وقد تم تأجيره على شركة مصر للسياحة وكان الفندق يضم المئات من الحجاج المصريين وغيرهم في كل عام، هذا الفندق باعته وزارة المالية فيما بعد على الشيخ صدقة وسراج كعكى ولا يزال يدار كفندق حتى اليوم، الواقع أن عبد الله السليمان لم يكتف بهذا وإنما شجع كذلك الشيخ عطا إلياس على إنشاء فنادق التيسير في مكة وجدة والمدينة المنورة ومنى وكان هذا التشجيع نواة لانطلاق الحركة الفندقية في البلاد ولكن عبد الله السليمان بطموحه لم يرض عن الفنادق المذكورة فقام هو شخصيا بإنشاء الفنادق الخاصة به في جدة وهي فندق الكندرة وفندق البساتين ثم فندق قصر الكندرة ثم فندق قصر جدة الذى تم بناؤه بعد ترك الوزارة واستقدم لهذه الفنادق المديرين المتخصصين وأجهزة الإدارة والخدمة الكاملة حتى أصبحت هذه الفنادق هي أولى فنادق الدرجة الأولى في المملكة واعترف بها على المستوى الدولى للفنادق وهو بهذا العمل الجرئ قد

стр. 109

أدى لبلاده خدمة من أجل الخدمات لأنه سد حاجة البلاد من الفنادق كما أسبغ عليها مظهرا حضاريا كانت في أشد الحاجة إليه، قد يقول البعض ولكنه أفاد شخصيا من هذا العمل ربحا ماديا ودخلا مثمرا ونقول أنه ليس من الضرورى أن يكون العمل النافع مجردا من المنفعة والربح فما أكثر الأعمال المربحة والمثمرة ماديا! ولكن العمل إنما يقاس بنفعه للبلاد والعباد فإِذا كان يحقق هذا النفع ويعود على صاحبه بالربح فهو عمل طيب مشكور لا مراء في ذلك ولا جدال، ولا ينتقص منه إلا حاقد أو كسلان .. المسْتشفى اللبْناني وكما كانت البلاد تعانى من نقص الفنادق كانت تعانى كذلك من قلة المستشفيات ولعل الكثيرين لا يعلمون أن مدينة جدة بل كل المدن الكبيرة في المملكة لم يكن فيها سوى مستشفى واحد هو المستشفى العام - مستشفى حكومى واحد في كل مدينة - ومن المعلوم أن المستشفى العام الحكومى هو غير المستشفى الخاص سواء في تجهيزاته أو خدماته، وحينما قدم إلى جدة بعض الأطباء اللبنانيين ولديهم فكرة افتتاح مستشفى خاص في جدة لم يجدوا من يحقق طلبتهم سوى الشيخ عبد الله السليمان فهل يعلم القراء ماذا فعل عبد الله السليمان لإخراج الفكرة إلى حيز الوجود، لقد شجعهم في البداية على افتتاح المستشفى وافتتح فعلا ولكن في مبنى قديم متهالك فلم يلبث الشيخ عبد الله السليمان أن أخلى فندق الكندرة في جدة - بعد استكمال بناء فنادقه الأخرى وحوله إلى مستشفى فانتقلت إليه إدارة المستشفى اللبنانى وقام الشيخ عبد الله السليمان ببناء جناح جديد في المستشفى وهكذا قام أول مستشفى خاص في مدينة جدة بل في المملكة بتشجيع كريم من الشيخ عبد الله السليمان ﵀ وبمثل هذه الأعمال تقاس همم الرجال ..

стр. 110

عَبْد الله السُّليمان وَالملك عَبْد العزيز كان الشيخ عبد الله السليمان يسكن في جدة في بيوت صغيرة في محلة الكندرة في موضع فنادق الكندرة الحالية قبل بناء هذه الفنادق وكان بمعية جلالة الملك عبد العزيز في السيارة أصيل يوم فمر موكب جلالته أمام هذه البيوت فسأله جلالته أين يسكن؟ فأشار إلى هذه البيوت الصغيرة فقال جلالته كيف ترضى وتطمئن للسكن في هذه الدور الصغيرة فقال إننى مكتف بها يا طويل العمر وأثناء هذه الرحلة مر الموكب من طريق المدينة فرأى جلالة الملك عبد العزيز قصرًا مشيدًا في طريق المدينة المنورة فسأل لمن هذا القصر؟ ففيل: إنه للشيخ محمد رضا ولم يكن من جلالته إلا أن طلب من الشيخ محمد رضا أن يتنازل عن القصر بأثاثه لعبد الله السليمان ولم يجد الشيخ محمد عبد الله رضا بدا من إجابة الطلب واستدعى جلالته عبد الله السليمان وقال له: هذا القصر أصبح لك فانتقل إليه ولكن عبد الله السليمان قال لجلالته إن سمو الأمير فيصل لا بيت له في جدة وهو أحق بهذا القصر منى أما أنا فيكفينى ما أنعم به من رضاء جلالتكم وهكذا يثبت الشيخ عبد الله السليمان بأدبه العالى أنه رجل الدولة يؤثر جانب المليك وأبنائه على نفسه، ولم تكن هذه هي الأولى من عبد الله السليمان، فحينما ولى العرش جلالة الملك سعود كانت الحاجة تدعو إلى وجود صاحب السمو الملكى فيصل بجانب أخيه الملك سعود في جدة وكان الملك سعود قد بنى قصورا له في جدة ولم يكن لفيصل سوى البيت الذى أشرنا إليه آنفا والمخصص لسكنه وأسرته، وذهب عبد الله السليمان إلى فيصل في مكة يقول له لا بد من بقائك بجانب أخيك في جدة قال ولكن لا يوجد لى مكتب في جدة وكانت السيدة نورة الخريجى حرم الشيخ عبد الله السليمان وأم ابنه خالد قد شيدت فيلا جميلة في جدة وأتمت تأثيثها فلم يكن من
следующие страницы →